← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.

стр. 9661

وحدث عن أنس قال: كان في عهد رسول الله ﷺ رجل يعجبنا تعبده واجتهاده، فذكرناه لرسول الله ﷺ باسمه، فلم يعرفه، ووصفناه بصفته، فلم يعرفه، فبينا نحن نذكره إذ طلع الرجل، قلنا: هوذا، قال: إنكم لتخبرون عن رجل إن على وجهه سفعة من الشيطان، فأقبل حتى وقف عليهم، ولم يسلم، فقال له رسول الله ﷺ : أنشدك بالله، هل قلت حين وقفت على المجلس: ما في القوم أحد أفضل - أو خير - مني؟ قال: اللهم، نعم، ثم دخل يصلي، فقال رسول الله ﷺ : من يقتل الرجل؟ فقال أبو بكر: أنا، فدخل عليه، فوجده يصلي، فقال: سبحان الله، أقتل رجلاً يصلي، وقد نهى رسول الله صلى الله عليهم وسلم عن ضرب المصلين؟ فخرج، فقال رسول الله ﷺ : ما فعلت؟ قال: كرهت أن أقتله، وهو يصلي، وقد نهيت عن ضرب المصلين. قال: من يقتل الرجل؟ قال عمر: أنا، فدخل، فوجده واضعاً وجهه، قال عمر: أبو بكر أفضل مني، فخرج، فقال رسول الله ﷺ : مه؟ قال: وجدته واضعاً وجهه لله، فكرهت أن أقتله، قال: من يقتل الرجل؟ فقال علي: أنا، قال: أنت إن أدركته، فدخل عليه فوجده قد خرج، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: مه؟ قال: وجدته قد خرج، فقال: لو قتل ما اختلف من أمتي رجلان كان أولهم وآخرهم. قال محمد بن كعب: هو الذي قتله علي ذو الثدية. هوذة شهد بدراً مع المشركين، وأسلم بعد ذلك، ووفد على معاوية، روى الشعر. قال: قدم على معاوية رجل يقال له: هوذة، فقال له معاوية: هل شهدت

стр. 9662

بدراً؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، علي، لا لي، قال: فكم أتى عليك؟ قال: أنا يومئذ قمد قمدود، مثل الصفا والجلمود، كأني أنظر إليهم، وقد صفوا لنا صفاً طويلاً، وكأني أنظر إلى بريق سيوفهم كشعاع الشمس من خلال السحاب، فما أشفقت حتى غشيتنا عادية القوم، في أوائلهم علي بن أبي طالب، ليثاً، عبقرياً، يفري الفريا، وهو يقول: لن يأكلوا التمر ببطن مكة، لن يأكلوا التمر ببطن مكة، يتبعه حمزة بن عبد المطلب، في صدره ريشة بيضاء، قد أعلم بها، كأنه جمل يخطم بنساء، فرغت عنهما، وأحالا على حنظلة - يعني أخا معاوية - عمل ولا كفران لله زلت، فليت شعري متى أرحت، يا هوذة؟ قال: والله يا أمير المؤمنين، ما أرحت حتى نظرت إلى الهضبات من أرثد، فقلت: ليت شعري، ما فعل حنظلة؟ فقال له معاوية: أنت بذكرك لحنظلة كذكر الغني أخاه الفقير، فإنه لا يكاد يذكره إلا وسنان أو متواسناً. قالوا: ولا يصح لهوذة صحبة، لأن إسلامه كان بعد وفاة النبي ﷺ . هلال بن ضيغم السلامي قال الوليد: غزا صالح بن علي سنة ثلاث وأربعين ومئة بمن معه من أهل خراسان، ووجه هلال بن ضغيم السلامي - من أهل دمشق - في جماعة من أهل دمشق، فبنوا على جسر سيحان حصن أذنة.

стр. 9663

هلال بن سراج بن مجاعة ابن مرارة بن سلمى بن زيد بن عبيد الحنفي اليمامي وفد على عمر بن عبد العزيز في خلافته. حدث عن أبيه قال: أعطى رسول الله ﷺ مجاعة بن مرارة أرضاً باليمامة يقال لها: الفورة. قال: وكتب له بذلك كتاباً: من محمد رسول الله للمجاعة بن مرارة، من بني سلمى، إني أعطيته الفورة، فمن حاجه فيها فليأتني. وكتب يزيد. وحدث هلال بن سراج عن أبيه عن جده مجاعة، أنه أتى النبي ﷺ يطلب دية أخيه، قتله بنو سدوس بن ذهل، فأخذ من ذلك طائفة، وأسلمت بنو سدوس، فجاؤوا إلى بكر بكتاب النبي ﷺ ، فكتب له

стр. 9664

باثني عشر ألف صاع من صدقة اليمامة: أربعة قمح، وأربعة تمر، وأربعة شعير. وكان في كتاب النبي ﷺ لمجاعة: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب محمد رسول الله ﷺ لمجاعة بن مرارة من بني سلمى بن زيد، إني قد أعطيته مئة من الإبل، من أول خمس يخرج من مشركي بني سدوس بن ذهل عقبة من أخيه. قالوا: ثم إن هلال بن سراج وفد إلى عمر بن عبد العزيز بكتاب سيدنا رسول الله ﷺ بعدما استخلف عمر، فأخذه فقبله، ووضعه على عينيه، ومسح به وجهه رجاء أن يصيب وجهه موضع يد سيدنا رسول الله ﷺ . وفي حديث عمر بن عبد العزيز أنه قال لهلال بن سراج بن مجاعة: يا هلال، هل بقي من كهول بني مجاعة أحد؟ قال: نعم، وشكير كثير، فضحك عمر، وقال: كلمة عربية. وقوله: شكير كثير يريد أن فيهم أخداناً. وأصل الشكير: الورق الصغار ينبت في أصول الكبيرات، وهو أيضاً النبت أول ما يطلع. يقال: بدا شكير النبت: أي شيء قليل، دقيق، وكذلك هو من الشعر والوبر والصوف. وإذا شاخ الرجل دق شعره ولان وصار كالشكير. والشكير في الشجر ورق يخرج في أصل الشجرة، وقد يستعار الشكير فيسمى به صغار الأشياء. قال الراعي يذكر إبلاً: حتى إذا خشيت تبقي طرقها ... وأبى الرعاء شكيرها المنخولا يريد أخذ العمال السمان، ورد الرعاء الصغار التي قد تنحل ما فيها.

стр. 9665

هلال بن عبد الأعلى ولاه عمر بن عبد العزيز قنسرين. فلما دخل عليه ليودعه قال: يا هلال، اغد علينا الغداة. فغدا عليه، فدخل ودخلت معه وبين يدي عمر المصحف يقرأ فيه. فلما سلم قال: أغدوت مودعاً؟ قال: نعم، قال: إني موصيك، فاتق الله يكفك، وخف الله يخف منك سواه، وآثر الحق، واعمل به، وإذا ورد عليك مني أمر وافق الحق فأنفذه، وإذا ورد عليك منا أمر رأيت الحق في غيره فاكتب إلينا فيه، فنعقب ما رأيت، فإن كان ما رأيت حقاً أمرناك فأنفذته، وإن كان الحق في غيره كتبنا إليك، فانتهيت إليه. وهذا النبطي - وأشار إلى رجل في الدار - فقال: ما له يا أمير المؤمنين؟ قال: استوص به، قال: يا أمير المؤمنين، أصغ عنه الجزية؟ قال: لا، إن الله جعل الجزية على من انحرفعن القبلة، ورضي بالذلة، قال: يا أمير المؤمنين، أستعين به؟ قال: لا، قال: يا أمير المؤمنين، فإن نازع إلى أحد أو خاصمه، أميل إليه، أو أحنق له؟ قال: لا، قال: فما تنفعه وصيتك فيه، فخفض له عمر القول ثم قال له: ويحك يا هلال! إن الوالي إذا شاء عدل وأحسن، وإذا شاء عدل وأساء. هلال بن عبد الرحمن القرشي مولاهم المصري ووفد على عمر بن عبد العزيز. قال هلال: بعثني حيان بن سريج إلى عمر بن عبد العزيز، وكتب معي في سبقه للخيل، فالتفت عمر إلى عراك بن مالك، فقال: يا عراك، هل سبق النبي ﷺ الخيل؟ قال: قد أجراها، قال: هل علمت أنه جعل له سبقاً؟ قال: لا، قال عمر: أو لست أعلم الناس بأصحاب الخيل، ينطلقون إلى صبيان صغار فيحملونهم على خيل مضمرة قد اعترمت رؤوسها، ثم يسرحونها، فمنهم من يخر فيموت، ومنهم من تنكسر يده، فإن

стр. 9666

كانت بهم حاجة أن يجروا خيولهم فيجروها، أي بأنفسهم، ثم قال: يا عراك، أترى إجراءها من اللهو؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، قال: أفأنا كنت أنفق مال الله في اللهو؟ فقطع السبقة عنهم. هلال أبو طعمة مولى عمر بن عبد العزيز حدث عن ابن عمر قال: لعن رسول الله ﷺ الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها. وحدث هلال عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن حعفر قال: علمتني أمي أسماء بنة عميس شيئاً أمرها رسول الله ﷺ أن تقوله عند الكرب: الله ربي، لا أشرك به شيئاً. وفي رواية: الله الله ربي، لا أشرك به شيئاً. وفي رواية بسنده إلى عبد الله بن جعفر أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: الله الله ربي، لا شريك له. وفي حديث عن عمر بن عبد العزيز قال: جمع رسول الله ﷺ أهل بيته فقال: إذا أصاب أحدكم هم أو حزن فليقل سبع مرات: الله الله ربي لا أشرك به شيئاً. وفي رواية عن أسماء بنت عميس قالت: جمع رسول الله ﷺ أهله فقال: إذا نزل بأحدكم غم أو هم أو سقم أو لأواء أو أزل فليقل: الله الله ربي لا أشرك به شيئاً. ثلاث مرات.

стр. 9667

هياج بن عبيد بن الحسين ويقال: ابن عبيد الله - بن الحسن، أبو محمد الفقيه الحطيني من أهل قرية حطين، قرية بين أرسوف وقيسارية. حدث هياج بن عبيد عن أبي القاسم عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل بالعراق بسنده إلى أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: اللهم، إني أعوذ بك من الكسل، والهرم، والجبن، والبخل، وفتنة الدجال، وعذاب القبر. وحدث هياج عن أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عفير الهروي بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً " وقال: " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ". ثم ذكر الرجل يطيل السفر،

стр. 9668

أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، مطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ قال أبو العز المبارك بن الحسن بن إبراهيم الديلمي: إنه رأى النبي ﷺ في المنام، فسأله: أي موضع يقيم به، فقال: مكة، قال: فقلت: لمن أذاكر بها؟ قال: الهياج، فإنه رجل صالح. وكان هياج أوحد عصره في الزهد والورع. كان يصوم ويفطر بعد ثلاث، ويعتمر كل يوم ثلاث عمر، ويدرس عدة من الدروس، ولم يكن يدخر شيئاً، ولا يملك غير ثوب واحد، ونيف على الثمانين، يزور رسول الله ﷺ في كل سنة ماشياً حافياً، وكذلك عبد الله بن عباس بالطائف. وكان يأكل بمكة أكلة، ويأكل بالطائف أخرى. وشكا إليه بعض أصحابه أن نعله سرقت في الطواف، فقال: يجب أن تتخذ نعلاً لا تسرق، لأنه ﵀ منذ دخل الحرم لم يلبس نعلاً. استشهد بمكة في وقعة وقعت بين أهل السنة والرافضة، فحمله أميرها محمد بن أبي هاشم، وضربه ضرباً شديداً على كبر السن ثم حمل إلى منزله بمكة، فمات في سنة اثنتين وسبعين وأربع مئة. وقيل: إنه أقام بالحرم نحو أربعين سنة لم يحدث في الحرم، وإنما كان يحدث في الحل حين يخرج للإحرام بالعمرة. وقيل: توفي هياج سنة أربع وسبعين وأربع مئة، ودفن جانب قبر الفضيل بن عياض. الهيثم بن أحمد بن محمد بن مسلمة أبو الفرج القرشي الفقيه الشافعي المقرئ، المعروف بابن الصباغ حدث عن أبي منصور محمد بن زريق بن إسماعيل بن زريق البلدي بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لو يعلمون ما في شهود العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً.

стр. 9669

وحدث عن جمح بن القاسم بسنده: أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيدين سبعا، وخمساً قبل القراءة. توفي أبو الفرج الصباغ سنة ثلاث وأربع مئة. الهيثم بن الأسود بن أقيش ابن معاوية بن سفيان بن هلال بن عمرو، أبو العريان النخعي المذحجي الكوفي، قدم دمشق. حدث عن عبد الله بن عمرو في قوله: " فمن تصدق به فهو كفارة له " قال: يهدم عنه مثل ذلك من ذنوبه. قال الهيثم: أتيت معاوية، ومعه على السرير رجل في وجهه غضون، فقال: من أي بلد أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: إن أرضك أرض يقال لها: دوثى، ذات نخل وسباخ؟ قلت: نعم، فقال: منها يخرج الدجال. قال الرجل - أحد رواته -: إن الذي كان معه على سريره: عبد الله بن عمرو بن العاص. وعن الهيثم: أن عبيد الله بن زياد وجهه إلى يزيد بن معاوية في حاجة، فدخل، فإذا خارجي بين يدي يزيد يخاطبه، فقال له الخارجي في بعض ما يقول: أنا سفي، فقال: والله لأقتلنك، فرآه محركاً شفتيه، فقال: يا حرسي، ما يقول؟ قال: يقول:

стр. 9670

عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليفته أمر قال: أخرجاه، فاضربا عنقه. ودخل الهيثم بن الأسود، فقال: ما هذا؟ فأخبر، قال: كفا عنه قليلاً، قال: يا أمير المؤمنين، هب مجرم قوم لوافدهم، قال: هو لك، فأخذ الهيثم بيده، فأخرجه، والخارجي يقول: الحمد لله على أنعامه، تألى على الله فأكذبه، وغالب الله فغلبه. شهد أبوه الأسود بن أقيش القادسية، وقتل يومئذ، وكان الهيثم معه من خيار التابعين. قال عبد الملك بن مروان للهيثم بن الأسود: ما مالك؟ قال: الغنى عن الناس، والبلغة الجميلة، فقيل له: لم لم تخبره بحاجتك؟ قال: إن أخبرته أني غني حسدني، وإن أخبرته أني فقير حقرني. قال الشعبي: قلت للهيثم بن الأسود: أي الثلاثة أشعر منك ومن الأعور الشني وعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، حيث تقول أنت:

стр. 9671

وأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا زال مال المرء فهو ذليل وأن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاةً على عوراته لدليل أم الأعور الشني حيث يقول: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فهل بعد إلا صورة اللحم والدم وكائن ترى من ساكت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم أم عبد الرحمن بن حسان حيث يقول: ترى المرء مخلوقاً وللعين حظها ... وليس بأحناء الأمور بخابر وذاك كما البحر لست مسيغه ... ويعجب منه ساجياً كل ناظر الساجي: الساكن. فقال الهيثم: هيهات، الأعور أشعرنا. قال العريان بن هيثم: بعث المختار بن أبي عبيد إلى الهيثم بن الأسود، فركب إليه، وركبت معه، فأذن لأبي فدخل، ولم يلبث أن خرج، فقلت: يا أبه، ما الذي سألك عنه المختار؟ قال: يا بني، بينا أنا وهو نطوف بالكعبة إذ قال: ما يشاء رجل طريف مثلي أو مثلك يأكل الناس يحب أهل هذا البيت إلا فعل. فلما دخلت عليه قال: تذكر حديثاً تذاكرناه ونحن نطوف بالكعبة؟ قلت: نعم، قال: هل ذكرته لأحد؟ قلت: لا، قال: فانصرف راشداً، وإياك وذكره. قال عبد الملك بن عمير: دخلوا على أبي العريان يعودونه، فقالوا: كيف تجدك؟ قال: أجدني ابيض مني

стр. 9672

ما كنت أحب أن يسود، واسود مني ما كنت أحب أن يبيض، ولان مني ما كنت أحب أن يشتد، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين: ألا أخبركم بآيات الكبر ... تقارب الخطو وسوء في البصر وقلة الظعم إذا الزاد حضر ... وقلة النوم إذا الليل اعتكر وكثرة النسيان فيما يذكر ... وتركي الحسناء في قيل الظهر والناس يبلون كما تبلى الشجر ألا أخبركم بجيد العنب؟ ما روي عموده، واخضر عوده، وتفرق عنقوده، ألا أخبركم بجيد الرطب؟ ما كثر لحاه، وصغر نواه، ورق سحاه الهيثم بن حميد، أبو أحمد ويقال: أبو الحارث - الغساني، مولاهم حدث عن زيد بن واقد بسنده إلى أبي الدرداء قال: أفاء الله على رسوله ﷺ إبلاً، ففرقها، فقال: فقال: أبو موسى الأشعري: يا رسول الله، أجدني، فقال ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : لا أفعل، قال: وبقي أربع غر الذرى، فقال: خذهن يا أبا موسى، فقال:، إني استجديتك، فمنعتني، وحلفت، فأشفقت أن يكون دخل على رسول الله ﷺ وهم، فقال: إني إذا حلفت، ورأيت أن غير ذلك أفضل كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو أفضل. وحدث الهيثم عن العلاء بن الحارث بسنده إلى أم حبيبة أم المؤمنين أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مس فرجه فليتوضأ. وثقه قوم، وقال قوم: إنه كان ضعيفاً، قدرياً.

стр. 9673

الهيثم بن خارجة أبو أحمد ويقال: أبو يحيى الخراساني ثم البغدادي حدث عن يحيى بن حمزة بسنده إلى ثوبان قال: قال لي رسول الله ﷺ : أصلح هذا اللحم، فأصلحته. فلم يزل يأكل منه حتى بلغ المدينة. وحدث عن مالك بن أنس بسنده إلى عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أفرد للحج. توفي سنة سبع وعشرين - أو ثمان وعشرين - ومئتين. وقيل: سنة تسع وعشرين ومئتين. وكان يتزهد. الهيثم بن رياب وفد على معاوية، ودخل هو والأحنف بن قيس عليه، والهيثم ملتف بعباء، فازدراه معاوية، فلم يملأ عينيه منه، فقال الهيثم: يا أمير المؤمنين، ليس العباء يكلمك، ولكن من فيها، فقربه إليه، وقال للأحنف: مه، فقال: يا أمير المؤمنين، قصدنا إليك نعرفك أحوالنا: إن أهل العراق يسير، وعظمهم كسير، وماؤهم زعاق، وأرضهم سبخة، فإن رأى أمير المؤمنين، أن يطيب شربهم، ويجبر كسرهم، ويكثر جمعهم، ويحفر لهم نهر يستعذبون به، فقال: ارتفع يا أبا بحر، ورفعه إلى قربه، وقضى حوائجه. الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن ابن زيد بن أسيد بن جابر بن عدي بن خالد، أبو عبد الرحمن الطائي البحتري كوفي، قدم دمشق.

стр. 9674

حدث عن الأعمش بسنده إلى عمرو بن الحمق عن النبي ﷺ قال: من أمن رجلاً على نفسه فقتله، فأنا بريء من القاتل، وولي المقتول. وحدث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: نهى رسول الله ﷺ أن تقرن التمرتان في الأكلة، وأن تفتش التمرة عما فيها. وحدث عن مجالد عن الشعبي قال: سألت ابن عباس أي الناس كان أول إسلاماً؟ فقال: أبو بكر الصديق. ألم تسمع قول حسان يومئذ: إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها ... إلا النبي وأوفاها بما حملا الثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا قال يحيى بن معين: هذا الحديث بهذا السند باطل. والهيثم ليس بثقة. وجد بخط أبي العباس أحمد بن جعفر بن محمد بن حماد في آخر كتاب الدولة للهيثم بن عدي: إن الصلاة على النبي محمد ... وعلى الصحابة رحمة وسلام لا توجبن لرافضي حرمة ... إيجاب رحمته عليك حرام قال يحيى بن معين: الهيثم ليس بثقة، كان يكذب. قالت جارية للهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب. صار أبو نواس إلى مجلس الهيثم بن عدي، فجلس والهيثم لا يعرفه، فلم يستدنه، ولو يقرب مجلسه، فقام، وتبين الهيثم في وجهه الغضب، فسأل عنه، فأخبر به، فقال: إنا لله، هذه بلية لم أجنها على نفسي، قوموا بنا إليه لنعتذر، فصار إليه، فدق الباب،

стр. 9675

وتسمى له، فقال: ادخل، فدخل، وهو قاعد، يصفي نبيذاً، وقد أصلح بيته بما يصلح به مثله، فقال: المعذرة إلى الله، وإليك، لا والله ما عرفتك، وما الذنب إلا لك حين لم تعرفنا بنفسك، فنقضي حقك، ونبلغ الواجب من برك، فأظهر له قبول العذر، فقال له الهيثم: أستعهدك من قول يسبق منك في، فقال: ما قد مضى فلا حيلة فيه، ولك المان فيما يستأنف، قال: وما الذي مضى جعلت فداك؟ قال: بيت مر، وأنا فيما ترى، قال: فتنشدنيه؟ فدافعه، فألح عليه، فأنشده: إذا نسبت عدياً في بني ثعل ... فقدم الدال قبل العين في النسب. وأنشد أبو شبل لأبي نواس في الهيثم تمام هذه الأبيات: للهيثم بن عدي في تلونه ... في كل يوم له رحل على خشب فما يزال أخا حل ومرتحلاً ... إلى الموالي وأحياناً إلى العرب له لسان يزجيه بجهوره ... كأنه لم يزل يغدى على قتب لله أنت فما قربى تهم بها ... إلا اجتلبت لها الأنساب من كثب فعاد إليه الهيثم لما بلغته الأبيات، فقال: يا سبحان الله! أليس قد جعلت لي عهداً ألا تهجوني؟ فقال: " وأنهم يقولون ما لا يفعلون ". توفي الهيثم بن عدي سنة ست ومئتين. وقيل: سنة سبع ومئتين. الهيثم بن عمران بن عبد الله ابن جرول أبي عبد الله، أبو الحكم العبسي حدث عن جده عبد الله بن أبي عبد الله قال: حل ببني إسرائيل بلاء مرة، فاجتمعوا في مجمع لهم، فقالوا لرجل من عظمائهم: قم،

стр. 9676

فادع لنا ربك، فقام: اللهم، يا رب، إنك أنزلت في التوراة التي أنزلت على موسى تأمرنا إذا ملكنا العبد أن نعتقه، وإنا عبيدك، فأعتقنا مما حل بنا. ثم قالوا لآخر: قم، فقام، فقال: اللهم، أي رب، إنك انزلت في التوراة التي انزلت على موسى أن نعفو عمن ظلمنا، وإنا قد ظلمنا أنفسنا، فاعف عنا. ثم قالوا لآخر: قم، فقام، فقال: اللهم، أي رب، إنك أنزلت في التوراة التي أنزلت على موسى تأمر إذا قام المسكين على أبوابنا ألا نرده، وإنا مساكينك، قد قمنا اليوم على بابك فلا تردنا. توفي الهيثم بن عمران سنة تسع وتسعين ومئة. الهيثم بن مروان بن الهيثم بن عمران أبو الحكم العنسي حدث عن محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع بسنده إلى عائشة رضوان الله عليها قالت: لو أن رسول الله ﷺ يعلم ما يحدث للنساء من بعده لمنعهن من إتيان المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل، فقلت لها: يا أم المؤمنين، ومنعت نساء بني إسرائيل المساجد؟ قالت: نعم. وحدث عنه بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : اليهود والنصارى لا تصبغ فخالفوهم. وحدث عن مروان بن محمد بسنده إلى عائشة ﵂ قالت: ما كان شيء أبغض إلى رسول الله ﷺ من الكذب، وما جرب رسول الله ﷺ على أحد كذباً فرجع إليه ما كان يعرف منه حتى كان يظهر منه توبة.

стр. 9677

أسماء النساء على حرف الهاء هجيمة ويقال جهيمة بنت حيي ويقال: حي - الأوصابية - ويقال: الوصابية، أم الدرداء، زوج أبي الدرداء صاحب رسول الله ﷺ والأوصاب بطن من حمير، حي من اليمن، كانت زاهدة فقيهة. حدثت عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : من أصبح معافى بدنه، آمناً سربه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدني. يا بن جعشم، يكفيك منها ما سد جوعك، ووارى عورتك، وإن كان ثوباً يواريك فذاك، وإن كانت دابة تركبها فبخ. فلق الخبز، وماء الجر. وما فوق ذلك حساب عليك. قال أحمد بن حنبل: أم الدرداء الصغرى هجيمة، والكبرى خيرة بنت أبي حدرد. وهجيمة أشعرية، وهما جميعاً كانتا تحت أبي الدرداء. وكانت أم الدرداء يتيمة في حجر أبي الدرداء، تختلف مع أبي الدرداء في برنس تصلي في صفوف الرجال، وتجلس في حلق القرآن تعلم القرآن حتى قال أبو الدرداء يوماً: الحقي بصفوف النساء. قال إبراهيم بن أدهم: قال أبو الدرداء لأم الدرداء: إذا غضبت أرضيتك، وإذا غضبت فأرضيني، فإنك

стр. 9678

إن لم تفعلي ذلك فما أسرع أن نفترق، ثم قال إبراهيم بن أدهم لبقية بن الوليد - وكان يؤاخيه - يا أخي، هكذا الإخوان إن لم يكونوا كذا ما أسرع ما يفترقون. وعن أم الدرداء أنها قالت: اللهم، إن أبا الدرداء خطبني، فتزوجني في الدنيا، اللهم، فأنا أخطبه إليك، فأسألك أن تزوجنيه في الجنة. فقال لها أبو الدرداء: فإن أردت ذلك فكنت أنا الأول، فلا تتزوجي بعدي. فمات أبو الدرداء - وكان لها جمال وحسن - فخطبها معاوية، فقالت: لا والله لا أتزوج زوجاً في الدنيا حتى أتزوج أبا الدرداء إن شاء الله في الجنة. زاد في حديث آخر: وقال عليك بالصيام، فإنه محسمة. خطب معاوية أم الدرداء فقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: " المرأة للآخر من أزواجها "، وإني سألت أبا الدرداء يسأل الله أن يجعلني زوجته في الجنة فقال: ذلك إن لم تحدثي بعدي زوجاً. وفي حديث آخر: فقال لها معاوية: ما الذي تكرهين مني؟ فقالت: لأني سمعت عويمراً - تعني: أبا الدرداء - وهو يقول: إن المرأة لآخر زوجها، قالت: فقلت له: فلي الله عليك إن اجتهدت بعدك في العبادة ثم مت، فدخلت الجنة، فعرضت عليك لتقبلني، فقال: نعم. وفي حديث آخر: " إن المرأة لآخر أزواجها "، ولست أريد بأبي الدرداء بدلاً. وعن أم الدرداء قالت: قال لي أبو الدرداء: لا تسألي أحداً شيئاً، فقلت: إن احتجت؟ قال: تتبعي الحصادين، فانظري ما يسقط منهم، فخذيه، فاخبطيه، ثم اطحنيه، ثم اعجنيه، ثم كليه. ولا تسألي أحداً شيئاً.

стр. 9679

قال مكحول: كانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جلسة الرجل، وكانت فقيهة. قال عون بن عبد الله: جلسنا إلى أم الدرداء فقلنا لها: أمللناك، فقالت: أمللتموني! لقد طلبت العبادة في كل شيء، فما أصبت شيئاً أشفى من مجالسة العلماء ومذاكرتهم، ثم احتبت، وأمرت رجلاً أن يقرأ، فقرأ: " ولقد وصلنا لهم القول ". وفي رواية: فاتكأت ذات يوم، فقيل لها: لعلنا أن نكون قد أمللناك، فجلست، فقالت: أزعمتم أنكم أمللتموني! وقد طلبت العبادة بكل شيء، فما وجدت شيئاً أشفى لصدري، ولا أحرى أن أدرك ما أريد من مجالسة أهل الذكر. ويروى: من مجالسة الذكر. وكانت أم الدرداء تقول: أفضل العلم المعرفة. وعن عبد ربه بن سليمان بن عمير بن زيتون قال: كتبت لي أم الدرداء في لوحتي فيما تعلمني: تعلموا الحكمة صغاراً تعملوا بها كباراً. وإن كل زارع حاصد، ما زرع من خير أو شر. قال ابن أبي السائب: سمعت أبي يذكر أن أم الدرداء كانت تشرق إذا قرأت. قال ميمون: دخلت على أم الدرداء فرأيتها مختمرة بخمار صفيق، قد ضربت على

стр. 9680

حاجبها، وكان فيه قصر، فوصلته بسير. قال: وما دخلت عليها في ساعة صلاة إلا وجدتها مصلية. وكان النساء يتعبدن مع أم الدرداء، فإذا ضعفن عن القيام في سلاتهن تعلقن بالحبال. قال إبراهيم بن أبي عبلة: رأيت أم الدرداء جالسة مع نساء المساكين في بيت المقدس، فجاء إنسان، فقسم بينهن فلوساً، فأعطى أم الدرداء فلساً، فقالت لجاريتها: اشتري لنا بهذا جروزاً، فقالت: أوليس صدقة؟ قالت: إنه إنما جاءنا عن غير مسألة. الجروز: البقل. وعن أم الدرداء قالت: إن أحدهم يقول: اللهم، ارزقني، وقد علم أن الله لا يمطر عليه ديناراً ولا درهماً، وبعضهم - يعني - يرزق من بعض، فإذا أتى أحدكم شيء فليقبل، فإن كان غنياً عنه فليضعه في ذي الحاجة من إخوانه، وإن كان إليه محتاجاً فليستعن به على حاجته، ولا يرد على الله تعالى رزقه الذي رزقه. وعن أم الدرداء قالت: ولذكر الله أكبر، فإن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمت فهو من ذكر الله، وكل خير تعمله فهو من ذكر الله، وكل شيء تحسنه فهو من ذكر الله، وكل شيء تحسنه فهو من ذكر الله، وأفضل ذلك تسبيح الله .

стр. 9681

قال ابن أبي زكريا الخزاعي: خرجنا مع أم الدرداء في سفر، فصحبنا رجل، فقالت له أم الدرداء: ما يمنعك أن تقرأ، أو تذكر الله كما يصنع أصحابك؟! فقال: ما معي من القرآن إلا سورة، وقد رددتها حتى قد أدبرتها. فقالت: وإن القرآن ليدبر؟! ما أنا بالتي أصحبك، إن شئت أن تتقدم، وإن شئت أن تتأخر. فضرب دابته، وانطلق. ثم صحبنا رجل آخر، فقال: يا أم الدرداء، دعاء كان يدعو به: اللهم، اجعلني أرجو رحمتك، وأخاف عذابك، إذ يأمنك من لا يرجو رحمتك، ولا يخاف عذابك، وأسألك الأمن يوم يخافون، فقالت لي أم الدرداء: اكتبه، فكتبته. جاء رجل إلى أم الدرداء فقال لها: إنه قد نال منك رجل عند عبد الملك، فقالت: إن نؤبن بما فينا فطالما زكينا بما ليس فينا. وكانت أم الدرداء تصلي وهي جالسة متربعة. قال سفيان: عوتبت أم الدرداء في شيء، فقيل لها: لم فعلت كذا وكذا؟ قالت: نقص الناس فنقصت كما نقصوا. قال إسماعيل بن عبيد الله: قالت لي أم الدرداء: يا بني، ما يقول الناس في الحارث الكذاب؟ قال إسماعيل: يا أمه، يزعمون أنك قد بايعته. قال: فلم تسل أم الدرداء من الذي قال لئلا يكون في صدرها غل لأحد. قال عثمان بن حيان: أكلنا مع أم الدرداء طعاماً، فأغفلنا الحمد لله، فقالت: يا بني، لا تدعوا أن تأدموا طعامكم بذكر الله، أكلاً وحمداً خير من أكل وصمت.

стр. 9682

قال هزان: قالت لي أم الدرداء: يا هزان، ألا أحدثك ما يقول الميت إذا وضع على سريره؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإنه ينادي: يا أهلاه، يا جيراناه، يا حملة سريراه، لا تغرنكم الدنيا كما غرتني، ولا تلعبن بكم كما تلعبت بي، فإن أهلي لم يحملوا عني من وزري شيئاً، ولو حاجوني اليوم عند الجبار لحجوني. ثم قالت أم الدرداء: الدنيا أسحر لقلب العبد من هاروت وماروت، وما آثرها عبد قط غلا أضرعت خده. بعث عبد الملك بن مروان إلى أم الدرداء، فكانت عنده. فلما كانت ذات ليلة قام عبد الملك من الليل، فدعا خادمه، فكأنه أبطأ عنه، فلعنه. فلما أصبح قالت له أم الدرداء: قد سمعتك الليلة لعنت خادماً! قال: إنه أبطأ عني، قالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ : " لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة ". كانت أم الدرداء تتكىء على عبد الملك بن مروان إذا خرجت من صخرة بيت لمقدس. قال إسماعيل بن عبيد الله: كان عبد الملك بن مروان جالساً في صخرة بيت المقدس، وأم الدرداء معه جالسة حتى إذا نودي للمغرب قام عبد الملك، وقامت أم الدرداء تتوكأ على عبد الملك بن مروان حتى يدخل بها المسجد، فإذا دخلت جلست مع النساء، ومضى عبد الملك إلى المقام فصلى بالناس. هند بنت أسماء بن خارجة بن حصن الفزارية كانت زوج عبيد الله بن زياد، وهو ابتكرها. وكانا لا يفترقان في سفر ولا حضر. فقتل يوم الخازر وهو من الزاب، وهي معه، فقالت: لا يستمكن هؤلاء مني، ثم

стр. 9683

شدت عليها قباءة وعمامته ومنطقته، وركبت فرسه الكامل، ثم خرجت حتى دخلت الكوفة في بقية يومها، وليلتها، ليس معها أنيس. وكانت من أشد خلق الله حزناً عليه وتذكراً له، وقالت: إني لأشتاق إلى القيامة لأرى فيها عبيد الله بن زياد. ولم يكن في زمانها امرأة تشبهها جمالاً وكمالاً وعقلاً وأدباً. هند بنت عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس بن عبد مناف، العبشمية القرشية، أم معاوية بن أبي سفيان من النسوة اللائي بايعن سيدنا رسول الله ﷺ . أسلمت يوم فتح مكة، وشهدت اليرموك، وقدمت على ابنها معاوية في خلافة عمر بن الخطاب ﵁. روت هند امرأة أبي سفيان قالت: قلت للنبي ﷺ : إن أبا سفيان شحيح، وإنه لا يعطيني وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم، فهل علي في ذلك حرج؟ قال: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ". وكانت هند تزوجها حفص بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له أبان، ثم خلف عليها أبو سفيان بن حرب، فولدت له معاوية وعتبة. وأم هند صفية بنت أمية بن حارثة بن الأوقص بن مرة بن هلال. وكانت هند بنت عتبة عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، وكان من فتيان قريش، وله بيت للضيافة، يغشاه الناس عن غير إذن فخلا ذلك البيت يوماً، فاضطجع الفاكه، وهند فيه في القائلة، ثم خرج الفاكه، وأقبل رجل ممن كان يغشاه، فولج البيت. فلما رأى المرأة ولى هارباً، وأبصره الفاكه، وهو خارج من البيت، فأقبل إلى هند فضربها برجله، وقال: من هذا الذي كان عندك؟ قالت: ما رأيت أحداً ولا تنبهت حتى أنبهتني، قال لها: الحقي بأبيك، وتكلم فيها الناس، فقال لها أبوها: إن الناس قد أكثروا فيك، فأنبئيني نبأك، فإن يكن الرجل عليك صادقاً دسست إليه من يقتله، فتنقطع عنك القالة، وإن يك كاذباً حاكمته إلى بعض كهان اليمن. فحافت له بما كانوا

стр. 9684

يحلفون في الجاهلية إنه لكاذب عليها، فقال عتبة للفاكه: يا هذا، إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم، فحاكمني إلى بعض كهان اليمن. فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم، وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف، وخرجوا معهم بهند، ونسوة معها. فلما شارفوا البلاد تنكرت حال هند، وتغير وجهها، فقال لها أبوها: إني أرى ما بك من تنكر الحال، وما ذاك عندك غلا لمكروه، فألا كان هذا قبل أن يشتهر للناس مسيرنا؟ قالت: لا والله يا أبتاه، ما ذاك لمكروه، وإني أعرف أنكم تأتون بشراً يخطئ ويصيب، ولا آمنه أن يسمني ميسماً يكون علي سبة في العرب، قال: إني سوف أختبره قبل أن ينظر في أمرك، فصفر لفرسه حتى أدلى، ثم أخذ حبة من حنطة، فأدخلها في إحليله، وأوكى عليها بسير. فلما وردوا على الكاهن أكرمهم، ونحر لهم. فلما تغدوا قال له عتبة: إنا قد جئناك في أمر، وإني قد خبأت لك خباً، أختبرك به، فانظر ما هو، قال: ثمرة في كمرة، قال: أريد أبين من هذا، قال: حبة من بر في إحليل مهر. قال: صدقت، انظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يدنو من إحداهن فيضرب كتفها، ويقول: انهضي. حتى دنا من هند، فضرب كتفها، فقال: انهضي غير رسحاء، ولا زانية، ولتلدن ملكاً يقال له: معاوية. فوثب إليها الفاكه، فأخذ بيدها، فنترت يدها من يده، وقالت: إليك، فو الله لأحرصن على أن يكون ذاك من غيرك. فتزوجها أبو سفيان، فجاءت بمعاوية. قالت هند لأبيها: إني امرأة قد ملكت أمري، فلا تزوجني رجلاً حتى تعرضه علي، فقال لها: ذلك لك، ثم قال لها يوماً: إنه قد خطبك رجلان من قومك، ولست مسمياً لك واحداً منهما حتى أصفه لك: أما الأول ففي الشرف الصميم، والحسب الكريم، تخالين

стр. 9685

به هوجاً من غفلته، وذلك إسجاج من شيمته، حسن الصحابة، حسن الإجابة، إن تابعته تابعك، وإن ملت كان معك، تقضين عليه في ماله، وتكتفين برأيك في ضعفه. وأما الآخر ففي الحسب الحسيب، والرأي الأريب، بدار أرومته، وعز عشيرته، يؤدب أهله، ولا يؤدبونه، إن اتبعوه أسهل بهم، وإن جانبوه توعر بهم، شديد الغيرة، سريع الطيرة، شديد حجاب القبة، إن حاج فغير منزور، وإن نوزع فغير مقهور. قد بينت لك حالهما. قالت: إما الأول فسيد مطيع لكريمته، موات لها فيما عسى - إن لم تعصم - أن تلين بعد إبائها، ويضع تحت جناحها. إن جاءت له بولد أحمقت، وإن أنجبت فعن خطأ ما أنجبت، اطو ذكر هذا عني، فلا تسمه لي. وأما الآخر فبعل الحرة الكريمة، إني لأخلاق هذا لوامقة، وإني له لموافقة، وإني لآخذه بأدب البعل مع لزومي قبتي، وقلة تلفتي، وإن السليل بيني وبينه لحري أن يكون المدافع عن حريم عشيرته، الذائد عن كتيبتها، المحامي عن حقيقتها، الرأس لأرومتها، غير مواكل ولا زميل عند صعصعة الحوادث، فمن هو؟ قال: أبو سفيان بن حرب، قالت: فزوجه، ولا تلقني

стр. 9686

إليه إلقاء المتسلس السلس، ولا تسمه سمة المواطس الضرس، استخر الله في السماء يخر لك بعلمه في القضاء. زاد في حديث بمعناه، وسمى فيه الرجلين: سهيل بن عمرو، وأبو سفيان بن حرب: وتزوج سهيل امرأة فولدت له غلاماً، فمر ذات يوم مع أبيه برجل يقود ناقة وشاة، فقال لأبيه: هذه بنت هذه؟ فقال: رحم الله هنداً. ومن سعر هند بنت عتبة تبكي أباها عتبة بن ربيعة: أعيني جودا بدمع سرب ... على خير خندف لم ينقلب على عتبة الخير ذي المرمات ... وذي الفضلات قريع العرب ساد الكهول فتى ناشئاً ... وساد الشباب ولما يشب تداعى له قومه غدوة ... بنو هاشم وبنو المطلب ببيض خفاف جلتها العيون ... تلوح بأيديهم كالشهب يذيقونه حد أسيافهم ... يعلونه بعدما قد سحب فمن كان في نسب خاملاً ... فنحن سلالة بيت الذهب ولسنا كجلدة رفغ البعير ... بين العجان وبين الذنب كان مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس من فتيان قريش جمالاً وسخاء وشعراً، فعشق هند بنت عتبة حتى اشتهر أمرهما، فاستحيا، وخرج إلى الحيرة ليسلوها،

стр. 9687

فنادم عمرو بن هند، وكان له مكرماً، ثم تزوج أبو سفيان هنداً في غيبة مسافر، ثم خرج أبو سفيان إلى الحيرة تاجراً، ولقي مسافر بن أبي عمرو، فسأله مسافر عن مكة، وأخبار قريش، فأخبره ثم قال: وإني تزوجت هنداً، فأسف مسافر، ومرض حتى سقى بطنه فقال: ألا إن هنداً أصبحت منك محرماً ... وأصبحت من أدنى حموتها حما وأصبحت كالمسلوب جفن سلاحه ... تقلب بالكفين قوساً وأسهما فدعا له عمرو بن هند الأطباء، فقالوا: ليس له دواء إلا الكي، فقال له: ما ترى؟ قال: أفعل، فدعا له طبيباً من العياد، فأحمى مكاويه حتى صارت كالنار، ثم قال: أمسكوه لي، فقال مسافر: لست أحتاج إلى ذلك، فجعل يضع عليه المكاوي. فلما رأى الطبيب صبره هاله ذلك، وفعلها - يعني: الحدث - فقال مسافر: قد يضرط العير والمكواة في النار فأرسلها مثلاً. قال: فلم ينفعه ذلك شيئاً، فخرج يريد مكة، فأدركه الموت، بهبالة، فدفن بها، ونعي إلى أهل مكة. قال زياد بن حدير: قال معاوية: أسرجوا لي حماراً غليظ الوسط، فركبه، ومر بشيخ، فقال له:

стр. 9688

أرأيت أبا سفيان؟ قال: نعم، رأيته حين تزوج هنداً، فأطعمنا في أول يوم لحم جزور، وسقانا خمراً، وفي اليوم الثاني لحم غنم وسقانا نبيذاً، وفي اليوم الثلث لحم طير وسقانا عسلاً، وإن كانت لذوات أزواج، فقال معاوية: كلهم كان كريماً. قال أبو هريرة: رأيت هنداً بمكة كأن وجهها فلقة قمر، وخلفها من عجيزتها مثل الرجل الجالس، ومعها صبي يلعب. فمر رجل، فنظر إليه، فقال: إني لأرى غلاماً إن عاش ليسودن قومه، فقالت هند: إن لم يسد إلا قومه فأماته الله. وهو معاوية بن أبي سفيان. سافر أبو سفيان سفراً أضرت به الغربة، فاشترى جارية، فبلغ ذلك هنداً، فوجدت عليه، وكتبت إليه: يا قليل الوفاء ما كان فيما ... كان منا إليك ما ترعانا كيف يبقى لك الجديد من النا ... س إذا كنت تطرح الخلقانا فوجه أبو سفيان الجارية التي كان اشترى. جاءت هند في الأحزاب يوم أحد، وكانت نذرت لئن قدرت على حمزة بن عبد المطلب لتأكلن من كبده، فلما كان حيث أصيب حمزة، ومثلوا بالقتلى، وجاؤوا بحزة من كبده، فأخذتها تمضغها لتأكلها، فلم تستطع أن تبتلعها، فلفظتها، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: " إن الله قد حرم على النار أن تذوق لحم حمزة شيئاً أبداً ". قال محمد الراوي: وهذه شديدة على هذه المسكينة. وعن ابن مسعود قال: قال أبو سفيان يوم أحد: قد كانت في القوم مثلة، وإن كانت عن غير ملأ مني، ما أمرت، ولا نهيت، ولا أحببت، ولا كرهت، ولا أساءني، ولا سرني، قال: فنظروا فإذا خمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده، فلاكتها، فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول الله ﷺ : أأكلت منها شيئاً؟ قالوا: لا، قال: ما كان الله ليدخل شيئاً من حمزة النار.

стр. 9689

قيل لأم عمارة: يا أم عمارة، هل كن نساء قريش يومئذ يقاتلن مع أزواجهن؟ فقالت: أعوذ بالله، لا والله ما رأيت امرأة منهن رمت بسهم ولا بحجر، ولكن رأيت معهن الدفاف والأكبار، يضربن، ويذكرن القوم قتلى بدر، ومعهن مكاحل ومرواد، فكلما ولى رجل أو تكعكع ناولته إحداهن مروداً ومكحلة، ويقلن: إنما أنت امرأة. ولقد رأيتهن ولين منهزمات مشمرات - ولها عنهن الرجال أصحاب الخيل، ونجوا على متون الخيل - يتبعن الرجال على الأقدام، فجعلن يسقطن على الطريق. ولقد رأيت هند بنت عتبة، وكانت امرأة ثقيلة ولها خلق، قاعدة خاشية من الخيل، ما بها مشي، ومعها امرأة أخرى، حتى كر القوم علينا، فأصابوا ما أصابوا، فعند الله نحتسب ما أصابنا يومئذ من قبل الرماة، ومعصيتهم الرسول. وعن الزبير قال: ولد عتبة بن ربيعة أبا حذيفة بن عتبة، وكان من الهاجرين الأولين، شهد بدراً، وقتل يوم اليمامة شهيداً. وله تقول أخته هند بنت عتبة: فما شكرت أباً رباك من صغر ... حتى شببت شباباً غير محجون الأحوال الأثعل الشؤوم طائره ... أبو حذيفة شر الناس في الدين قال معاوية: سمعت أمي هنداً تقول - وهي تذكر رسول الله ﷺ تقول: فعلت يوم أحد ما فعلت من المثلة بعمه وأصحابه، كلما سارت قريش مسيراً فأنا معها بنفسي، حتى رأيت في النوم ثلاث ليال: رأيت كأني في ظلمة، لا أبصر سهلاً ولا جبلاً، وأرى من تلك

стр. 9690

الظلمة انفرجت عني بضوء مكانه، فإذا رسول الله ﷺ يدعوني. ثم رأيت في الليلة الثانية كأني على الطريق، فإذا بهبل عن يميني، يدعوني، وإذا بسياف يدعوني عن يساري، وإذا رسول الله ﷺ بين يدي قال: تعالي، هلم إلى الطريق، ثم رأيت الليلة الثالثة كأني واقفة على شفير جهنم يريدون أن يدفعوني فيها، وإذا أنا بهبل يقول: ادخلي فيها، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ من ورائي أخذ بثيابي فباعدني عن شفير جهنم، وفزعت، فقلت: هذا شيء قد بين لي، فغدوت إلى صنم في بيتنا، فجعلت أضربه، وأقول: طالما كنت معك إلا في غرور، وأتيت رسول الله ﷺ وأسلمت، وبايعته. وفي رواية: أن هنداً لما أسلمت جعلت تضرب صنماً لها في بيتها بالقدوم فلذة فلذة، وهي تقول: كنا منك في غرور. قال عروة: قالت هند لأبي سفيان: إني أريد أن أبايع محمداً، قال: قد رأيتك تكرهين هذا الحديث أمس؟؟؟؟؟؟؟ قالت: إني والله، والله ما رأيت الله عبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة. والله إن باتوا إلا مصلين قياماً وركوعاً وسجوداً، قال: فإنك قد فعلت ما فعلت، فاذهبي برجل من قومك معك، فذهبت إلى عثمان، فذهب معها، فاستأذن لها،

стр. 9691

ودخلت وهي منقلبة، فقال: تبايعني على ألا تشركي بالله شيئاً، ولا تسرقي، ول تزني، فقالت: أو هل تزني الحرة؟ قال: لا، ولا تقتلي ولدك، فقالت: إنا ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً، قال: قتلهم الله يا هند. فلما فرغ من الآية بايعته، فقالت: يا رسول الله، إني بايعتك على ألا أسرق، ولا أزني، وإن أبا سفيان رجل بخيل، ولا يعطيني ما يكفيني إلا ما أخذت منه من غير علمه، قال: ما تقول يا أبا سفيان؟ فقال أبو سفيان: أما يابساً فلا، وأما رطباً فأحله. قال: فحدثتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال لها: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ". وعن فاطمة بنت عتبة، أن أبا حذيفة بن عتبة ذهب بها وبأختها تبايعان رسول الله ﷺ . فلما اشترط عليهن قالت هند: أو تعلم في نساء قومك من هذه الهنات والعاهات شيئاً..؟؟ الحديث. قال عبد الله بن الزبير: لما كان يوم الفتح أسلمت هند بنت عتبة، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة بن أبي جهل، وأسلمت امرأة صفوان بن أمية البغوم بنت المعذل، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وهند بنت منبه بن الحجاج، وهي أم عبد الله بن عمرو بن العاص في عشر نسوة من قريش، فأتين رسول الله ﷺ وهو بالأبطح، فبايعنه، فدخلن عليه، وعنده زوجتاه، وابنته فاطمة، ونساء من بني عبد المطلب، فتكلمت هند بنت عتبة، فقالت: يا رسول الله، الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختار لنفسه لتمسني رحمتك يا محمد، إني امرأة مؤمنة بالله، مصدقة، ثم كشفت عن نقابها، فقالت: أنا هند بنت عتبة، فقال رسول الله ﷺ : مرحباً بك، فقالت: والله يا رسول الله ما كان على الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك، ولقد أصبحت وما على الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك، فقال رسول الله ﷺ : وزيادة أيضاً.

стр. 9692

ثم قرأ رسول الله ﷺ عليهن القرآن، وبايعهن، فقالت هند من بينهن: يا رسول الله، نماسحك؟ فقال رسول الله ﷺ : إني لا أصافح النساء، إن قولي لمئة امرأة مثل قولي لامرأة واحدة. ويقال: وضع على يده ثوباً، ثم مسحن على يده يومئذ. ويقال: كان يؤتى بقدح من ماء، فيدخل يده فيه، ثم يرفعه إليهن، فيدخلن أيديهن فيه. والقول الأول أثبتهما: إني لا أصافح النساء. وفي رواية: إنه لما قال: ولا تقتلن أولادكن قالت هند: وهل تركت لنا ولداً إلا قتلته يوم بدر؟ وفي حديث آخر: وفرغ رسول الله ﷺ من بيعة الرجال، ثم دعا النساء، ورسول الله ﷺ على الصفا، وعمر أسفل منه، يبايع النساء لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً وهند مقنعة رأسها بين النساء، فقالت - ورفعت رأسها -: والله إنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيتك أخذته على الرجال، وقد أعطيناك. قال: ولا تسرقن، قالت: إني لآخذ من أبي سفيان هنات، فما أدري أيحلهن أم لا، فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى، وفيما غبر فهو لك حلال. قال رسول الله ﷺ : وإنك لهند؟ قالت: نعم، فاعف عما سلف عفا الله عنك. قال: ولا تقتلن أولادكن، قالت: قد ربيناهم صغاراً، وقتلتموهم ببدر كباراً، وأنت وهم أعلم، فضحك عمر حتى استغرب. وقال: ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، قالت: والله إن البهتان لشيء قبيح، ولبعض التجاوز أمثل، وما أمرتنا إلا بالرشد، ومكارم الأخلاق. قال: ولا تعصين في معروف، قالت: ما جلسنا هذا المجلس، ونحن نحب أن نعصيك في شيء. قال: ولا تزنين، قالت: أو تزني الحرة؟ فأقر النساء بما أخذ عليهن نبي الله ﷺ ، فأمر عمر، فبايعهن، واستغفر لهن نبي الله ﷺ .

стр. 9693

زاد في آخر: والبهتان: أن تقذف المرأة ولداً من غير زوجها على زوجها، فتقول لزوجها: هو منك، وليس منه. ثم قال عند قوله: ولا يعصينك في معروف: في طاعة الله، فيما نهى النبي ﷺ عنه من النوح، وتمزيق الثياب، وأن تخلو مع غريب في حضر أو سفر، أو تسافر فوق ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم، ونحو ذلك. فذلك قوله: " واستغفر لهن الله إن الله غفور " لما كان في الشرك منهن " رحيم " فيما بقي. وعن جويرية قال: قال النبي ﷺ لهند يوم الفتح: كيف ترين الإسلام؟ فقالت: بأبي وأمي ما أحسنه لولا ثلاث خصال: التجبية، والخمار، وزقو هذا العبد الأسود فوق الكعبة. فقال: أما قولك: التجبية فلا صلاة إلا بركوع، وأما زقو هذا العبد فوق الكعبة فنعم عبد الله هو، وأما الخمار فأي شيء أستر من الخمار؟ فقالت: بأبي وأمي إني كنت أحب أن تعرف الفرعاء من الزعراء، قال: وكانت امرأة لها شعر. وعن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله ﷺ لتبايعه، فنظر إلى يديها فقال لها: اذهبي فغيري يديك، قالت: فذهبت فغيرتها بحناء، ثم جاءت إلى رسول الله ﷺ فقال: أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئاً.. الحديث. وفي آخره: فبايعته، ثم قالت له - وعليها سواران من ذهب -: ما تقول في هذين السوارين؟ قال: جمرتان من نار جهنم. وعن أبي حصين الهذلي قال: لما أسلمت هند أرسلت إلى رسول الله ﷺ بهدية - وهو بالأبطح - مع مولاة لها بجديين مرضوفين وقد - القد لبأ يجعل في جلد سخلة صغيرة - فانتهت الجارية

стр. 9694

إلى خيمة

стр. 9695

رسول الله ﷺ فسلمت، واستأذنت، فأذن لها، فدخلت على رسول الله ﷺ وهو بين نسائه: أم سلمة زوجته وميمونة ونساء من بني عبد المطلب، فقالت: إن مولاتي أرسلت إليك بهذه الهدية، وهي معتذرة إليك، وتقول: إن غنمنا اليوم قليلة الوالدة، فقال رسول الله ﷺ : بارك الله لكم في غنمكم، وأكثر والدتها، فرجعت المولاة إلى هند فأخبرتها بدعاء رسول الله ﷺ ، فسرت بذلك. وكانت المولاة تقول: لقد رأينا من كثرة غنمنا ووالدتها ما لم نكن نرى قبل ولا قريب، فتقول هند: هذا دعاء رسول الله ﷺ وبركته، فالحمد لله هدانا للإسلام. ثم تقول: لقد كنت أرى في النوم أني في الشمس أبداً قائمة، والظل مني قريب لا أقدر عليه. فلما دنا رسول الله ﷺ منا رأيت كأني دخلت الظل. استقرضت هند بنة عتبة من عمر بن الخطاب من بيت المال أربعة آلاف درهم تتجر فيها وتضمنها، فأقرضها، فخرجت إلى بلاد كلب، فاشترت، وباعت، فبلغها أن أبا سفيان وعمرو بن أبي سفيان قد أتيا معاوية، فعدلت إليه من بلاد كلب، فأتت معاوية - وكان أبو سفيان قد طلقها - فقال: ما أقدمك أي أمه؟! قالت: النظر إليك. أي بني، إنه عمر، وإنما يعمل لله، وقد أتاك أبوك، فخشيت أن تخرج إليه من كل شيء، وأهل ذاك هو، فلا يعلم الناس من أين أعطيته، فيؤنبونك، ويؤنبك عمر، فلا تستقيلها أبداً، فبعث إلى أبيه وإلى أخيه بمئة دينار، وكساهما، وحملهما. فتعظمها عمرو، فقال أبو سفيان: لا تعظمها، فإن هذا عطاءً لم تغب عنه هند، ومشورةً قد حضرتها هند، ورجعوا جميعاً، فقال أبو سفيان لهند: أربحت؟ قالت: الله أعلم، معي تجارة إلى المدينة. فلما أتت المدينة، وباعت شكت الوضيعة عن أمره، فقال لها عمر: لو كان مالي لتركته لك، ولكنه مال المسلمين، هذه مشورة لم يغب عنها أبو سفيان، فبعث إليه، فحبسه حتى وفته، وقال له: بكم أجازك معاوية؟ قال: بمئة دينار. ولما شخص أبو سفيان إلى معاوية بالشام، ومعه ابناه عتبة وعنبسة كتبت هند إلى معاوية سراً: قد قدم أبوك وأخواك فلا تغذم لهم فيعزلك ابن الخطاب - أي لا تعطهم الكثير، يقال: غذم لهم من المال - احمل أباك على فرس، وأعطه أربعة آلاف درهم، واحمل عتبة على بغل، وأعطه ألفي درهم، واحمل عنبسة على حمار، وأعطه ألف درهم، ففعل معاوية ذلك، فقال أبو سفيان: أشهد أن هذا رأي هند. كانت هند امرأة عاقلة جزلة. فلما ولى عمر بن الخطاب يزيد بن أبي سفيان ما ولاه من الشام خرج إليه معاوية، فقال أبو سفيان لهند: كيف ترين؟ صار ابنك تابعاً لابني، فقالت: إن اضطرب حبل العرب فستعلم أين يقع ابنك مما يكون فيه ابني، فمات يزيد بالشام، فولى عمر معاوية موضعه، فقالت هند لمعاوية: والله يا بني إنه لقلما ولدت حرة مثلك، وقد استنهضك هذا الرجل، فاعمل بموافقه، أحببت ذلك أم كرهته. وقال له أبو سفيان: يا بني، إن هؤلاء الرهط من المهاجرين، سبقونا وتأخرنا، فرفعهم سبقهم، وقصر بنا تأخرنا، فصاروا قادة، وصرنا أتباعاً، وقد ولوك جسيماً من أمورهم، فلا تخالفهم، فإنك تجري إلى أمد فنافس فيه، فإن بلغته أورثته عقبك. هند بنت معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموية ولهند ورملة ابنتي معاوية يقول عبد الرحمن بن الحكم:

стр. 9696

أؤمل هنداً أن يموت ابن عامر ... ورملة يوماً أن يطلقها عمرو وعبد الله بن عامر بن كريز زوج هند بنت معاوية، كان قد زوجه إياها معاوية. فلما كانت ليلة البناء بها امتنعت منه امتناعاً شديداً حتى لم يقدر منها على شيء، فضربها، فبكت. فلما سمع جواريها بكاءها صخن، فسمع معاوية الصوت، فجاء مبادراً، فأخبروه، فدخل عليه، فقال: مثل هذه تضرب؟! قبح الله رأيك، وقبح ما أتيت به، اخرج عني إلى غير هذا البيت. فلما خرج قال معاوية لابنته: لا تفعلي، فإنما هو زوجك الذي أحله الله لك، أما سمعت قول الشاعر: من الخفرات البيض أما حرامها ... فصعب وأما حلها فذلول ثم خرج، ورجع زوجها إليها، فلانت له حتى نال منها حاجته. وقيل: إن معاوية لما زوج ابنته من عبد الله بن عامر بنى لها قصراً إلى جنب قصره، وجعل بينهما باباً، وأدخلها عليه، وهي بنت تسع سنين. قال: فبينا هو في المشرقة يوماً إذ مرت به حاضنتها، فقال لها: ما فعلت تلكم؟ فقالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال: فإني أعزم عليك، بحقي عليك، قالت: يا أمير المؤمنين، إنها مصعت، واعتاصت عليه، فقام حافياً آخذاً بأزرار ثيابه، ودخل عليها، فسلم، والنسوة عندها، فكسرت له نمرقة فجلس، فقال: السلام عليكن يا بنية، بيض عطرات، أوانس خفرات، أما حرامهن فصعب، وأما حلالهن فسهل، به سمحات، ثم رجع إلى مجلسه، فمر به ابن عامر، فقال له: النجاء إلى أهلك، فرب صعب قد ذللته لكم، وحزن قد سهلته لكم. قال: ثم مرت به الحاضنة من الغد، فقال لها: كيف تلكم، فقالت: صارت امرأة من النساء.

стр. 9697

وكانت هند أبر شيء بعبد الله بن عامر. وكانت تتولى خدمته بنفسها، فجاءته يوماً بالمرآة والمشط، فنظر في المرآة، فالتقى وجهها ووجهه في المرآة، فرأى شبابها وجمالها، ورأى الشيب في لحيته قد ألحقه بالشيوخ، فرفع رأسه غليها وقال: الحقي بأبيك، فانطلقت إلى أبيها، فأخبرته. فقال: وهل تطلق الحرة؟ قالت: ما أتي من قبلي، وأخبرته خبرها، فأرسل إليه، فقال: أكرمتك ببنتي، ثم رددتها علي! قال: إن الله من علي بفضله، وخلقني كريماً، لا احب ان يتفضل علي أحد، وإن ابنتك اعجزتني مكافأتها، لحسن صحبتها، فنظرت فإذا أنا شيخ، وهي شابة، لا أزيدها مالاً إلى مالها، ولا شرفاً إلى شرفها، فرأيت أن أردها إليك لتزوجها فتى من فتيانك، كأن وجهه ورقة مصحف. هند بنت المهلب بن أبي صفرة وفدت على عمر بن عبد العزيز. قال زياد بن عبد الله القرشي: دخلت على هند بنت المهلب امرأة الحجاج بن يوسف، فرأيت في يدها مغزلاً، فقلت: أتغزلين وأنت امرأة أمير؟! قالت: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : " أطولكن طاقة أعظمكن أجراً، وهو يطرد الشيطان، ويذهب بحديث النفس ". قالت هند: قلت للحسن: يا أبا سعيد، ينظر الرجل إلى عنق أخته، وإلى قرطها، وإلى شعرها؟ قال: لا، ولا كرامة. قدمت هند بنت المهلب على عمر بن عبد العزيز بخناصرة، فقالت له: يا أمير المؤمنين، علام حبست أخي؟ قال: تخوفت أن يشق عصا المسلمين، فقالت له: فالعقوبة بعد الذنب أو قبل الذنب؟

стр. 9698

قال أيوب السختياني: ما رأيت امرأة أعقل من هند بنت المهلب. قال عمران بن موسى حكاية عن هند بنت المهلب - وكانت من عقلاء الناس، قالت: شيئان لا تؤمن المرأة عليهما: الرجال والطيب. وعن هند، وذكروا عندها جابر بن زيد قالوا: إنه كان إباضياً فقالت: كان جابر أشد الناس انقطاعاً إلي وإلى أمي، فما أعلم شيئاً كان يقربني إلى الله إلا أمرني به، ولا شيئاً يباعدني عن الله إلا نهاني عنه، وما دعاني إلى الإباضية قط، ولا أمرني بها، وإن كان ليأمرني أين أضع الخمار، ووضعت يدها على الجبهة. قالت أم عبد الله أم أيوب بن صالح: كنت أدخل على هند بنت المهلب، وهي تسبح باللؤلؤ، فإذا فرغت من تسبيحها ألقته إلينا، فقالت: اقسمنه بينكن. قالت هند: إذا رأيتم النعم مستدرة فبادروا بتعجيل الشكر قبل حلول الزوال. قالت هند، وذكرت عندها امرأة بجمال: ما تحلين النساء بحلية أحسن عليهن من لب ظاهر، تحته أدب كامل. قالت هند: ما رأيت للأسرة خيراً من السكن، ولرب مسكون غليه غير طائل، والسكن على كل حال أجمع.

стр. 9699

وقالت هند: ما رأيت لصالح النساء وشرارهن خيراً لهن من إلحافهن بأسكانهن. وقالت هند: رأيت صلاح الحرة إلفها، وفسادها بحدتها، وإنما يجمع ذلك ويفرقه التوفيق. حدث أبو زيد - وكان ثقة، رضي - قال: قالت هند: الطاعة مقرونة بالبغض، فالعاصي ممقوت، وإن مستك رحمه، ونالك معروفه. هند الخولانية امرأة بلال بن رباح مؤذن سيدنا رسول الله ﷺ من أهل داريا. قيل: إن لها صحبة. حدثت امرأة بلال، أن النبي ﷺ أتاها فسلم فقال: آثم بلال؟ فقالت: لا، فقال: لعلك غضبي على بلال، فقالت: إنه يجيئني كثيراً، فيقول: قال رسول الله ﷺ ، فقال لها رسول الله ﷺ : ما حدثك عني فقد صدقك، بلال، بلال لا يكذب، لا تغضبي بلالاً، فلا يقبل منك عمل ما غضب عليك بلال. قالت امرأة بلال: كان بلال إذا أخذ مضجعه قال: اللهم، تقبل حسناتي، وتجاوز عن سيئاتي، واعذرني بعلاتي. وفي رواية: اللهم، اغفر لي خطاياي، واعذرني لعلاتي.

стр. 9700

هوى جارية أديبة قال الأصمعي: عرضت على معاوية جارية، فأعجبته، فسأل عن ثمنها، فإذا ثمنها مئة ألف درهم، فابتاعها، ونظر إلى عمرو بن العاص، وقال: لمن تصلح هذه الجارية؟ فقال: لأمير المؤمنين، ثم نظر إلى غيره فقال له ذلك، قال: لا، فقيل: فلمن؟ قال: للحسين بن علي بن أبي طالب، فإنه أحق بها، لما له من الشرف، ولما كان بيننا وبين أبيه، فأهداها له، فأمر من يقوم عليها. فلما مضت أربعون يوماً حملها وحمل معا أموالاً عظيمة، وكسوة، وغير ذلك، وكتب: إن أمير المؤمنين اشترى جارية، فأعجبته، فآثرك بها. فلما قدمت على الحسين بن علي بن أبي طالب أعجب بجمالها، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: هوى. قال: أنت هوى كما سميت، هل تحسنين شيئاً؟ قالت: نعم، أقرأ القرآن، وأنشد الأشعار، قال: اقرئي، فقرأت: " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو " قال: أنشديني، قالت: ولي الأمان؟ قال: نعم، فأنشأت تقول: أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان فبكى الحسين، ثم قال: أنت حرة، وما بعث به معاوية معك فهو لك، ثم قال لها: هل قلت في معاوية شيئاً، فقالت: رأيت الفتى يمضي ويجمع جهده ... رجاء الغنى والوارثون قعود وما للفتى إلا نصيب من التقى ... إذا فارق الدنيا عليه يعود فأمر لها بألف دينار، وأخرجها، ثم قال: رأيت أبي، أمير المؤمنين كثيراً ما ينشد: ومن يطلب الدنيا لحال تسره ... فسوف لعمري عن قليل يلومها إذا أدبرت كانت على المرء فتنة ... وإن أقبلت كانت قليلاً دوامها ثم بكى وقام إلى صلاته.
следующие страницы →