← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

قال: سألت الأوزاعي عن الرجل تقام الصلاة وذكره قائم؟ قال: يضعه بين فخذيه ويدخل في الصلاة. المشهور في هذا عون بن حكيم. يحيى بن حمزة بن واقد أبو عبد الرحمن الحضرمي من بيت لهيا. قاضي دمشق. حدث عن الأوزاعي بسنده إلى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " ما من بلد غلا سيدخله الدجال إلا الحرمين: مكة والمدينة، ما نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، فيصير حتى يأتي السبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى دونها كافر ولا منافق إلا خرج إليه ". كان يحيى بن حمزة يرمى بالقدر. لما قدم المنصور دمشق سنة ثلاث وخمسين استعمل يحيى بن حمزة وقال له: يا شاب، إني أرى أهل بلدك قد أجمعوا عليك، فإياك والهدية، فلم يزل قاضياً حتى مات في خلافة هارون. قال يحيى بن حمزة: ولاني المهدي القضاء وقال لي: يا يحيى، عليك بالحق والشد على يد المظلوم وقمع الظالم، فإني سمعت أبي يقول عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "

стр. 9732

قال ربك: وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم، في عاجل أمره أو في آجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلوماً يظلم فقدر أن ينتصر له فلم يفعل ". وفي رواية: " فلم ينصره ". توفي يحيى بن حمزة سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومئة، وقيل: سنة ست وسبعين ومئة. يحيى بن أبي حية واسم أبي حية حيي، أبو جناب الكلبي الكوفي حدث عن أبي جميلة الطهوي قال: سمعت علياً كرم الله وجهه يقول: احتجم رسول الله ﷺ ثم قال للحجام حين فرغ: كم خراجك؟ قال: صاعين، فوضع عنه صاعاً، وأمرني فأعطيته صاعاً. وحدث أبو جناب عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ عند هذه السارية، وهي جذع نخلة، قال: " لاعدوى ولا طيرة ولا هامة ". فقال رجل كأنه بدوي: يا أبا عبد الرحمن، أرأيت البعير تجرب الإبل، فقال له: ذلك القدر، فمن أجرب الأول؟ قال: وكانت السارية يسند إليها رسول الله ﷺ ظهره، إذا أراد أن يكلم الناس

стр. 9733

يرفع يديه يوم الجمعة، فقالوا له: ألا نصنع لك شيئاً كقدر مقامك تجلس عليه؟ فقال: ما أبالي أن تفعلوا ثلاث مراقي. فلما تحول إليها رسول الله ﷺ خارت الجذعة كما تخور البقرة، فجاء رسول الله ﷺ إليها فالتزمها فسكنت. وحدث عن عبد الرحمن بن أبي يحيى عن أبيه قال: إني لجالس عند النبي ﷺ إذ جاءه أعرابي فقال: إن لي أخاً وجعاً فقال: وما وجع أخيك؟ قال: به لمم. قال: اذهب فائتني به، فسمعته عوذه بفاتحة الكتاب وأربع آيات من أول البقرة، وآيتين من وسطها " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم إن في خلق السموات والأرض " الآيتين، وآية الكرسي، وثلاث آيات خاتمة البقرة، وآية من آل عمران: " شهد الله أنه لا إله إلا هو " إلى آخر الآية. وآية من الأعراف: " إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض " إلى آخر الآية. وآية من سورة المؤمنين: " فتعالى الله الملك الحق " الآية. وآية من سورة الجن: " وأنه تعالى جد ربنا مااتخذ صاحبة ولا ولداً "، وعشر آيات من أول الصافات آخرهن: " من طين لازب "، وآخر سورة الحشر. و" قل هو الله أحد "، والمعوذتين. فأتى الأعرابي رسول الله ﷺ فقال: قد برئ ليس به بأس.

стр. 9734

قال زكريا بن عدي: كان الصلت بن بسطام التميمي يجلس في حلقة أبي جناب يدعون بعد العصر يوم الجمعة، فجلسوا يوماً يدعون، وكان قد نزل الماء في عينيه فذهب بصره، فدعوا وذكروا بصره في دعائهم. فلما كان قبل غروب الشمس عطس عطسة فإذا هو يبصر بعينيه، وإذا قد رد الله عليه بصره. قال زكريا: فقال لي ابنه: قال لي حفص بن غياث: أنا رأيت الناس عشيتئذ يخرجون من المسجد مع أبيك يهنئونه. ضعفأبا جناب قوم، ووثقه آخرون. وتوفي سنة سبع وأربعين ومئة. وقيل سنة خمسين ومئة. يحيى بن أبي الخصيب زياد الرازي ويقال البغدادي قاضي عكبرا. حدث عن محمد بن قيس المأربي بسنده إلى أبيض بن حمال قال: استقطعت النبي ﷺ الماء الذي بمأرب فأقطعنيه. فلما وليت قال له رجل: إنما أقطعته الماء العد قال: فرجعه، أو قال: فلا إذاً. وحدث عن عبد الله بن هانئ بسنده إلى عبد الله بن محيريز قال: كان عياض بن غنم على بعث من أهل الشام، ومعه مولى له، فغضب عليه فضربه فحجزه هشام بن حكيم القرشي، وكلاهما من أصحاب رسول الله ﷺ ، فانطلق عياض إلى فسطاطه غضبان، فأمهله هشام حتى إذا ذهب عنه الغضب أتاه، فاستأذن، فقال: لله أبوك! ما حملك على الذي فعلت؟! فقال هشام: أم والله ما سمعت شيئاً لم تسمعه، قال: فما سمعت؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "

стр. 9735

إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة أشدهم عذاباً للناس في الدنيا ". وحدق عن إبراهيم بن أبي عبلة بسنده إلى أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : إن نملة قرصت نبياً من الأنبياء، فأمر بقريتها فأحرقت فأوحى الله تعالى إليه: من أجل نملة واحدة قتلت أمة من الأمم. كان يحيى بن أبي الخصيب ثقة، وكان من أوعية العلم. يحيى بن دواد بن سيار ابن أبي عتاب البصري حدث بدمشق عن محمد بن مسكين بن نميلة اليمامي بسنده إلى سعيد بن زيد عن النبي ﷺ قال: " من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق ". يحيى بن راشد بن مسلم ويقال: ابن كنانة - أبو هشام الليثي الطويل، اخو عمارة بن راشد حدث عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دين فليس بالدينار والدرهم، ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال ".

стр. 9736

حدث عمارة بن غزية عن يحيى بن راشد الدمشقي، أنهم جلسوا لابن عمر. قال: فما رأيته أراد الجلوس معنا حتى قلنا: هلم إلى المجلس يا ابا عبد الرحمن. قال: فرأيته تذمم. قال: فجلس، فسكتنا، فلم يتكلم منا أحد، فقال: ما لكم لا تنطقون؟! ألا تقولون: سبحان الله وبحمده، فإن الواحد بعشرة، والعشرة بمئة، والمئة بألف، وما زدتم زادكم الله. سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره ". الحديث. قال يحيى بن راشد: صليت خلف ابن الزبير الجمعة، فقرأ في الركعة الأولى: يسبح. الجمعة، وفي الركعة الثانية: " سبح اسم ربك الأعلى " حتى انتهى إلى هذا الموضع " إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ". قال يحيى بن راشد: سمعت رجلاً يحدث أنه سمع معاذ بن جبل يقول: والله، لا يدع الله العباد يوم القيامة يقومون على أقدامهم لرب العالمين حتى يسألهم عن خلال أربع: فيسألهم عما أفنوا فيه أعمارهم، وعما أبلوا فيه أجسادهم، وعما أنفقوا فيه مااكتسبوا، وعما عملوا فيما علموا. قال علي بن أبي حملة: لما قفل الناس من القسطنطينية لقيت يحيى بن راشد فقال لي: وجدت الدين الخبر.

стр. 9737

يحيى بن أبي راشد النصري حدث أن عمر بن الخطاب لما حضرته الوفاة قال لابنه: يا بني، إذا حضرتني الوفاة فاحرفني، واجعل ركبتيك في صلبي، وضع يدك اليمنى على جنبي، أو جبيني، ويدك اليسرى على ذقني، فإذا قبضت فأغمضني، واقصدوا في كفني، فإنه إن يكن لي عند الله خير أبدلني به خيراً منه، وغن كنت على غير ذلك سلبني، فأسرع سلبي، واقصدوا في حفرتي، فإنه إن يكن لي عند الله خير وسع لي فيها، مد بصري، وغن كنت على غير ذلك ضيقها علي حتى تختلف أضلاعي، ولا تخرجن معي امرأة ولا تزكوني بما ليس في، فإن الله هو أعلم بي، وإذا خرجتم بي فأسرعوا في المشي، فإنه إن يكن لي عند الله خير قدمتموني إلى ماهو خير لي، وإن كنت على غير ذلك كنتم قد ألقيتم عن رقابكم شراً تحملونه. يحيى بن أبي عمرو زرعة أبو زرعة السيباني، ابن عم الأوزاعي الفقيه حدث عن ابن الديلمي بسنده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ ، أن سليمان بن داود لما فرغ من بنيان مسجد بيت المقدس سأل الله حكماً يصادف حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، ولا يأتي هذا المسجد أحد، لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه. فقال رسول الله ﷺ : أما اثنتان فقد أعطيهما، وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة. قال أبو زرعة السيباني: خرجت مع أبي، وأناس معنا إلى أبي الدرداء نعوده، فوجدناه مولياً وجهه إلى الحائط، ووجدنا أم الدرداء عند رأسه، فقال لها القوم: كيف بات أبو الدرداء؟ قالت: بات بأجر، قال: فحول وجهه إلينا وقال: ليس القول على ما قالت فوجم

стр. 9738

القوم لذلك، فقال: أولا تسألوني لم قلت هذا؟ قالوا: ولم قلته؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن المؤمن لا يؤجر في مرضه، ولكن يكفر عنه ". قال محمد بن حبيب: كل شيء في العرب شيبان إلا في حمير، فإن فيها سيبان بن الغوث بن سعد بن عوف ويحيى بن أبي عمرو السيباني، بسين غير معجمة، ويليها ياء معجمة باثنتين من تحتها، وباء معجمة بواحدة. قال يحيى بن أبي عمرو: مكتوب في الإنجيل: استوصوا بمن يقدم عليكم من غير بلادكم من الغرباء. توفي يحيى بن أبي عمرو سنة ثمان وأربعين ومئة. وقيل: توفي بعد الخمسين. وكان ثقة. يحيى بن زكريا بن أحمد ابن يحيى خت بن موسى أبو بكر البلخي الشاهد، ابن القاضي حدث يحيى بن زكريا أن أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن ثابت حدثهم بسنده إلى البراء بن عازب قال: سمعت النبي ﷺ يقول إذا أخذ مضجعه يقول: " إليك اللهم أسلمت نفسي، وإليك وجهت وجهي، وإليك فوضت أمري، وإليك ألجأت ظهري رغبة ورهبة، لا منجا ولا ملتجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي ارسلت ". فإن مات مات على الفطرة. توفي أبو بكر البلخي سنة تسع وأربعين وثلاث مئة.

стр. 9739

يحيى بن زكريا بن لشوى ويقال: زكريا بن ادن بن مسلم بن صندوق بن فخشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صندوق بن برخيا بن شفاطنة بن ناحور بن شالوم بن يوشافاط بن انييا بن ابنا بن رخيعم بن سليمان بن داود نبي الله ابن نبيه صلى الله عليهما وأم يحيى ايشاع بنت عمران، اخت مريم بنت عمران. قيل: إنه كان بدمشق. عن ابن عباس، في قوله : " ذكر رحمة ربك " قال: ذكره الله منه برحمة عبده زكريا كتب دعاءه فذلك قوله: " ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداءً خفياً " يعني دعا ربه دعاءً خفياً في الليل، لا يسمع أحداً ويسمع أذنيه، " قال رب إني وهن " يعني: ضعف " العظم مني واشتعل الرأس شيباً " يعني: غلب البياض السواد " ولم أكن بدعائك رب شقياً " أي: إني لم أدعك قط فخيبتني فيما مضى، فتخيبني فيما بقي، فكما لم أشق بدعائي فيما مضى، فكذلك لا أشقى فيما بقي، عودتني الإجابة من نفسك. " وإني خفت الموالي من ورائي " فلم يبق لي وارث، وخفت العصبة أن ترثني " فهب لي من لدنك ولياً " يعني: من عندك ولداً " يرثني " يعني: يرث محرابي وعصاي وبرنس القربان وقلمي الذي أكتب به الوحي " ويرث من آل يعقوب " النبوة " واجعله رب رضياً " يعني: مرضياً عندك.

стр. 9740

قوله: " وكانت امرأتي عاقراً " قال ابن عباس: خاف أنها لا تلد فقال: وامرأتي عاقر، وأنت تفعل ما تشاء، فهب لي ولداً، فإذا وهبته فاجعله رب رضياً زاكياً بالعمل، فاستجاب الله له، وكانا قد دخلا في السن هو وامرأته. فبينا هو قائم يصلي في المحراب حيث يذبح القربان، إذا هو برجل عليه البياض حياله، وهو جبريل ﵇ فقال: يا زكريا، إن الله يبشرك وهو قوله: " نبشرك بغلام اسمه يحيى " واسم يحيى هو اسم من أسماء الله اشتق من يا حي، سماه الله من فوق عرشه، " لم نجعل له من قبل سمياً ". قال ابن عباس: لم يجعل لزكريا من قبل يحيى ولداً، نظيرها " هل تعلم له سمياً " يعني: هل تعلم له ولداً، ولم يكن لزكريا قبله ولد، ولم يكن قبل يحيى أحد يسمى يحيى. قال: وكان اسمه حي، فلما وهب الله لسارة إسحاق، فكان اسمها يسارة، ويسارة من النساء التي لا تلد، وسارة من النساء الطالقة الرحم التي تلد، فسماها سارة، وحول الياء من يسارة إلى يحيى، فسماه يحيى، ثم قال: " مصدقاً بكلمة " يعني: بعيسى " من الله " وكان يحيى أول من صدق بعيسى، وهو ابن ثلاث سنين، وبين يحيى وعيسى ثلاث سنين، وهما ابنا خالة، ثم قال تعالى: " وسيدا " يعني: حليماً " وحصوراً " يعني: لا ماء له، ولا يحتاج إلى النساء. قال الحسن: فأحيا الله ماء صلبه وألاق الجلد على العظم فسمي يحيى لما أحيا الله ماء صلبه.

стр. 9741

وقيل: كان اسمه حي لأنه خلق من قحول، والقحول: العتي، يعني: الذي قال الله: " وقد بلغت من الكبر عتياً " يعني قحولاً، قد يبس الجلد على العظم، وانقطع ماء الصلب. وعن ابن عباس، في قوله: " كذلك قال ربك " يا زكريا " هو علي هين وقد خلقتك من قبل " أن أهب لك يحيى " ولم تك شيئاً " وكذلك أقدر أن أخلق من الكبير والعاقر " قال رب اجعل لي آية " أعرف ذلك إذا استجيب لي، فأوحى الله إليه " قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً " يعني: صحيحاً من غير خرس. قال ابن عباس: في قوله: " فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه " يعني: فحاضت، فلما طهرت طاف عليها فاستحملت، فأصبح لا يتكلم، فكان إذا أراد التسبيح والصلاة أطلق الله لسانه، فإذا أراد أن يكلم الناس اعتقل لسانه، فلا يستطيع أن يتكلم، وذلك أن إبليس أتاه فقال: يا زكريا، دعاؤك كان دعاءً خفياً، فأجبت بصوت رفيع وبشرت بصوت عال، ذلك الصوت من الشيطان ليس من جبريل، ولا من ربك فلذلك " قال رب اجعل لي آية " حتى أعرف أن هذه البشرى منك. قال الله تعالى: " آيتك " إذا جامعتها على طهر فحملت فإنك تصبح لا تستنكر من نفسك خرساً، ولا سقماً، فتصبح لا تطيق الكلام مع الناس ثلاثة أيام إلا إشارة، تومئ بيدك أو برأسك أو بالحاجبين. قال ابن عباس: كانت عقوبة له لأنه بشر بالولد فقال: " أنى يكون لي غلام " فخاف أن يكون الصوت من غير الله " فخرج علىقومه من الحراب " يعني: من مصلاه الذي كان يصلي فيه " فأوحى إليهم " بكتاب كتبه بيده " أن سبحوا بكرة وعشياً " يعني: صلاة الغداة والعصر، فقد وهب الله لي يحيى. فولد له يحيى على ما بشره الله نبياً

стр. 9742

تقياً صالحاً، قد أنزل الله في ذلك قرآناً على نبيه محمد ﷺ فيما عنى من قصته " يا يحيى خذ الكتاب بقوة " يعني: بجد وطاعة واجتهاد وشكر، وبالعمل بما فيه " وآتيناه الحكم صبياً " قال ابن عباس: ذلك أنه مر على صبية أتراب له يلعبون على الشاطئ نهر بطين وبماء، فقالوا: يا يحيى، تعال حتى نلعب، فقال: سبحان الله أو للعب خلقنا؟! وعن أبي مسلم، في قوله : " يرثني يرث من آل يعقوب " يرثني يرث مالي ويرث من آل يعقوب قال: نبياً كما كان آباؤه أنبياء. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: " يرحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثه! ويرحم الله لوطاً إن كان ليأوي إلى ركن شديد " قال قتادة: ولم يبعث نبي إلا في ثروة من قومه بعد لوط، بعث الله محمدا في ثروة من قومه. وعن مجاهد: في قوله: لم نجعل له من قبل سمياً قال: شبهاً. وقال قتادة: لم يسم أحد قبله يحيى. وعن ابن عباس، في قوله : " وآتيناه الحكم صبياً " يعني: الفهم صغيراً وحناناً يعني: ورحمة منا وعطفاً وزكاة يعني: وصدقة على زكريا وكان تقياً يعني: مطهراً مطيعاً لله .

стр. 9743

وعن ابن عباس، في قوله : " وبراً بوالديه " قال: كان لا يعصيهما " ولم يكن حباراً " قال: ولم يكن قتال النفس التي حرم الله قتلها " عصياً " يعني: لم يكن عاصياً لربه. " وسلام عليه " يعني: حين سلم الله عليه يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث حياً. قال عمرو بن العاص: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كل نبي يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا " ثم دلى رسول الله ﷺ يده إلى الأرض، فأخذ عوداً صغيراً ثم قال: " وذلك أنه لم يكن له ما للرجل إلا مثل هذا العود، كذلك سماه الله " وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين ". قال ابن عيينة: أوحش ما يكون ابن آدم في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيخرج إلى دار هم، وليلة يبيت مع الموتى فيجاور جيراناً لم ير مثلهم، ويوم يبعث فيشهد مشهداً لم ير مثله قط، قال الله ليحيى بن زكريا في هذه الثلاثة مواطن: " وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً ". وعن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : " قال يحيى بن زكريا لعيسى بن مريم: أنت روح الله وكلمته، وأنت خير مني، فقال عيسى: بل أنت خير مني، سلم الله عليك، وسلمت على نفسي ". والحضور: الذي لا يأتي النساء. والسيد: الذي يطيع الله ولا يعصيه، وقيل: الحليم، وقيل: السيد: الذي يملك غضبه، وقيل: الذي لا يغلبه غضبه، وقيل: سيداً حصوراً: حليماً تقياً، وقيل: السيد: الحسن الخلق، وقيل: سيداً كريماً

стр. 9744

على الله، وقيل: الحصور: الذي لا يأتي النساء، وهو المجبوب، وسمي حصوراً لأنه حصر عن الجماع، أي: حبس عنه ومنع منه، جاء على فعول ومعناه مفعول كما قالوا: شاة حلوب، وفرس ركوب. قال سفيان بن عيينة: خلق يحيى من غير شهوة، فجاء بغير شهوة. يريد أن خلقه كان آية من آيات الله، لم يكن عن شهوة، بشر به، ألا تراه يقول: " قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر " الآية. وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمناً، وخلق فرعون في بطن أمه كافراً ". وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : " يولد العبد مؤمناً، ويحيا مؤمناً، ويموت مؤمناً منهم: يحيى بن زكريا، ويولد العبد كافراً، ويحيا كافراً، ويموت كافراً منهم: فرعون ". وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : " رحم الله أخي يحيى حين دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صغير، فقال: أللعب خلقنا، فكيف بمن أدرك الحنث من مقاله ". حدث هشام بن محمد عن أبيه قال: أول نبي بعث آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم إسماعيل وإسحاق، ثم يعقوب، ثم يوسف، ثم لوط، ثم هود، ثم صالح، ثم شعيب، ثم موسى بن عمران، ثم إلياس، ثم اليسع، ثم يونس بن متى، ثم أيوب، ثم داود، ثم سليمان بن داود، ثم زكريا بن لشوى من بني يهود بن يعقوب، ثم يحيى بن زكريا، ثم عيسى بن مريم، ثم النبي محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين. حدث الحارث الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن

стр. 9745

يعملوا بهن، فكان يبطئ بهن، فقال له عيسى بن مريم: إنك أمرت بخمس كلمات تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تأمرهم بهن وإما أقوم آمرهم بهن. قال يحيى: إنك إن تسبقني بهن أخف أن أعذب أو يخسف بي، فجمع الناس في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد، حتى جلس الناس على الشرفات، فوعظ الناس ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن - زاد في رواية: وإنه من يعمل بهن حتى يموت فإنه لا حساب عليه يوم القيامة -: أولهن ألا تشركوا بالله شيئاً، وإن مثل الشرك بالله كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق، ثم قال: هذي داري وعملي، فاعمل وأود إلي عملك، فجعل يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يحب أن يكون له عبد كذلك، يؤدي عمله لغير سيده؟ وإن الله هو خلقكم ورزقكم فلا تشركوا بالله شيئاً. وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا نصبتم وجوهكم فلا تلتفوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده حين يصلي له، ولا يصرف وجهه عنه حتى يكون هو ينصرف. وآمركم بالصيام، فإن مثل الصائم مثل الصائم مثل رجل معه صرة مسك، فهو في عصابة ليس مع أحد منهم مسك غيره، كلهم يشتهي أن يجد ريحها، وإن فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وآمركم بالصقة. قال: مثلها كمثل رجل أسره العدو، فشدوا يده إلى عنقه، فقدموه ليضربوا عنقه فقال: لا تقتلوني، فإني أفدي نفسي منكم بكذا وكذا من المال، فأرسلوه، فجعل يجمع حتى فدى نفسه منه، كذلك الصدقة. وآمركم بكثرة ذكر الله، فإن مثل ذكر الله كمثل رجل طلبه العدو، فانطلقوا في طلبه سراعاً حتى أتى حصناً حصيناً، فأحرز نفسه فيه، فكذلك مثل الشيطان لا يحرز العباد منه أنفسهم إلا بذكر الله ". وقال رسول الله ﷺ : "

стр. 9746

وأنا آمركم بخمس، أمرني الله بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله فمن خرج من الطاعة قدر سبر فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه إلا أن يراجع، ومن دعا دعوة جاهلية فإنه من جثى جهنم "، فقال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: " وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله الذي سماكم بها المسلمين والمؤمنين جميعاً ". زاد في رواية في معنى الصلاة: " فمثلها فيكم كمثل رجل يناجي ذا سلطان، والسلطان فوقه يسمع ما يقوله، ولا يتكلم فيه بشيء إلا شفعه فيه، وأقبل إليه بوجههن فأيكم كان يسأم من مناجاة ذي السلطان ما استوفى منه أي في حاجته قبل أن يسأم ذو السلطان "؟ قالوا: لا أحد منا، قال: " فإن الله ليس بصارف وجهه عن عبده، وهو في صلاته حتى يكون هو الذي يصرف وجهه عن ربه، وإن من تقرب إلى الله قيد شبر تقرب منه قيد ذراع، وإنه من تقرب إلى الله قيد ذراع تقرب الله منه قيد يده، ومن يرد الله يرده، وإن الله حليم شكور. ثم على أثرها الصدقة، فمثلها فيكم كمثل رجل يطلب بدم، فأتاه أولياء القتيل، فأخذوه ليقتلوه، فقال لهم: لا تقتلوني، وسموا رضاكم من المال ففعلوا، فأذى إليهم المال أنجماً حتى أكملها فانطلق آمناً لقومه، وانطلق آمناً لعدوه، فأيكم يخشى قومه أن يصدقن الذي له "؟ قالوا: لا أحد منان قال: " فإنها فكاك لأعناقكم من سلاسل النار يوم القيامة ". وعن ابن عباس قال: كنا في حلقة المسجد نتذاكر فضائل الأنبياء، أيهم أفضل؟ ذكرنا نوحاً وطول عبادته ربه غز وجل، وذكرنا إبراهيم خليل الرحمن، وذكرنا موسى مكلم الله، وذكرنا عيسى بن مريم، وذكرنا رسول الله ﷺ فقلنا: رسول الله ﷺ أفضل: بعثه الله إلى

стр. 9747

الناس كافة، غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو خاتم الأنبياء. قال: فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ما تذاكرون بينكم؟ قلنا: يا رسول الله، تذاكرنا فضائل الأنبياء، أيهم أفضل؟ قال: فذكرنا نوحاً وطول عبادته ربه، وذكرنا إبراهيم خليل الرحمن، وذكرنا موسى مكلم الله، وذكرنا عيسى بن مريم. قال: فمن فضلتم؟ قلنا: فضلناك يا رسول الله: بعثك الله إلى الناس كافة، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأنت خاتم الأنبياء، فقال رسول الله ﷺ : أما إنه لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيى بن زكريا، فقلنا: يا رسول الله، ومن أين ذلك؟ قال: أما سمعتم الله حيث وصفه بالقرآن: " يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً " إلى قوله: " ويوم يبعث حياً " " مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين " لم يعمل سيئة قط، ولم يهم بها. وفي رواية: فخرج النبي ﷺ وهم يذكرون ذلك، فقال: " أين الشهيد ابن الشهيد يلبس الوبر، ويأكل الشجر مخافة الذنب ". قال: يريد: يحيى بن زكريا. وعن عائشة أنها قالت للنبي ﷺ يوماً: يا سيد العرب، فقال: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وآدم تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر، وأبوك سيد كهول العرب، وعلي سيد شباب العرب، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة يحيى وعيسى ﵈ ". وعن وهب قال: نادى مناد من السماء إن يحيى بن زكريا سيد من ولدته النساء، وإن جرجيس سيد الشهداء. وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " ما من أحد من ولد آدم وقد أخطأ، أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى.

стр. 9748

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من نبي إلا أخطأ أو هم بخطيئة غير يحيى بن زكريا، فإنه لم يخطئ، ولم يهم بخطيئته ". وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كل نبي يلقى الله بذنب قد أذنبه، يعذبه عليه إن شاء، أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا، فإنه " كان سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين " فأهوى النبي ﷺ إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: " كان يكره مثل هذهالقذاة ". وفي رواية: ثم رفع شيئاً من الأرض فقال: " ما كان معه إلا مثل هذا، ثم ذبح ذبحاً ". وعن ضمرة بن حبيب قال: قال النبي ﷺ : " ما تعلت النساء عن ولد ينبغي له أن يقول: أنا أفضل من يحيى بن زكريا. لم يحك في صدره خطيئة، وله يهم بها ". وعن الحسن قال: بلغني أنه لم يكن أحد من ولد آدم إلا نال منه إبليس، وأصحاب الدنيا إلا ما كان من يحيى بن زكريا ﵈. وحدث بعضهم ورفع الحديث قال: لعن الله والملائكة رجلاً تأنث، وامرأة تذكرت، ورجلاً تحصن بعد يحيى بن زكريا، ورجلاً قعد على الطريق يستهزئ من أعمى، ورجلاً شبع من الطعام في يوم مسغبة. أتي عيسى برجل زنى فأمر برجمه، فأخذوا الحجارة، فقال عيسى: لا يرجم رجل عمل عمله، قال: فألقوا الحجارة غير يحيى بن زكريا.

стр. 9749

قال أبو سليمان: خرج عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا يتماشيان، فصدم يحيى امرأة، فقال له عيسى: يا بن الخالة، لقد أصبت اليوم خطيئة ما أظن أنه يغفر لك أبداً، قال: وما هي يا بن الخالة؟ قال: امرأة صدمتها، قال: والله ما شعرت بها، قال: سبحان الله، بدنك معي فأين روحك؟ قال: معلق بالعرش، ولو أن قلبي اطمأن إلى جبريل لظننت أني ما عرفت الله طرفة عين. وعن الشافعي أنه قال: لا نعلم أحداً أعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية إلا يحيى بن زكريا، ولا عصى الله فلم يخلط بطاعة، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح. وعن زيد بن ميسرة قال: كان طعام يحيى بن زكريا الجراد وقلوب الشجر، وكان يقول: من أنعم منك يا يحيى؟! طعامك الجراد وقلوب الشجر. وفي حديث آخر: أن يحيى كان أطيب الناس طعاماً، إنما كان يأكل مع الوحش كراهية أن يخالط الناس في معايشهم. وعن مجاهد قال: كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله، حتى لو كان القار على عينيه لحرقه. ولقد كانت الدموع اتخذت في وجهه مجرى. وعن خيثمة قال: كان عيسى بن مريم بن زكريا ابني خالة، وكان عيسى يلبس الصوف، وكان يحيى يلبس الوبر، ولم يكن لواحد منهما دينار ولا درهم، ولا عبد ولا أمة، ولا ما يأويان إليه، أينما جنهما الليل أويا، فلما أرادا أن يتفرقا قال له يحيى: أوصني، قال:

стр. 9750

لا تغضب، قال: لا أستطيع إلا أن أغضب، قال: فلا تقتن مالاً، قال: أما هذه فعسى. قال يونس بن ميسرة: مر يحيى بن زكريا على دينار فقال: قبح هذا الوجه يا دينار، يا عبد العبيد، يا معبد الأحرار. قال عبد الله بن عبد الحميد: مر إبليس بيحيى بن زكريا ومعه رغيف شعير، فقال له: يا يحيى، أنت تزعم أنك زاهد، ومعك رغيف قد ادخرت، فقال له يحيى: يا ملعون، هذا هو القوت، فقال له: يا يحيى، إن أقل من القوت يكفي لمن يموت، فأوحى الله إليه: يا يحيى، اعقل إيش قال لك. روي عن يحيى بن زكريا أنه قال: لئن كان أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من النعيم، فالصديقون كيف ينامون للذة ما هم فيه من حب الله؟! وكم بين النعمتين، وكم بينهما؟! قال يحيى لعيسى: أوصني يا بن خالة، قال: لا تشاح في ميراث، ولا تأس على ما فاتك، فقال: أنا لا أفرح بما جاءني منها، فكيف آسى على ما فاتني، فقال: لا تغضب، قال: فكيف لي بأن لا أغضب؟! وروى أن يحيى وعيسى التقيا، فقال له يحيى: يا روح الله وكلمته، ما أشد ما خلق الله؟ قال: غضب الله أشد، قال: يا روح الله وكلمته، دلني على عمل يباعد من غضب الله، قال: يباعدك من غضب الله ألا تغضب فيغضب عليك، قال: فما الذي يبدي الغضب؟ قال: التعزز والفخر والحمية. قال: يا روح الله، دلني على عمل يباعدني من النار، قال: لا تزن، قال: كيف بدء الزنا؟ قال: النظرة ثم تردفها التمني والشهوة.

стр. 9751

قال وهيب بن الورد: فقد زكريا ابنه يحيى ثلاثة أيام، فخرج يلتمسه في البرية، فإذا هو قد احتفر قبراً، وأقام فيه يبكي على نفسه، فقال: يا بني، أنا أطلبك منذ ثلاثة أيام، وأنت في قبر قد احتفرته قائم تبكي فيه؟ فقال: يا أبه، ألست أنت أخبرتني أن بين الجنة والنار مفازة لا تقطع إلا بدموع البكائين؟ فقال له: ابك يا بني، فبكيا جميعاً. وفي رواية: فقال له: يا أبت، أنت حدثتني عن جبريل صلى الله عليه مسلم أنه أخبرك أن بين يدي الجنة والنار مفازة لا يطفئ حرها إلا الدموع، فقال له: فابك يا بني. شبع يحيى بن زكريا ليلة من خبز الشعير، فنام عن جزئه حتى أصبح، فأوحى الله إليه: يا يحيى، هل وجدت داراً خيراً لك من داري؟ وجواراً خيراً لك من جواري؟ وعزتي يا يحيى، لو اطلعت إلى الفردوس اطلاعةً لذاب جسمك، وزهقت نفسك اشتياقاً، ولو اطلعت إلى جهنم اطلاعة لبكيت الصديد بعد الدموع، وللبست الحديد بعد المسوح. وعن مجاهد: أن يحيى بكى حتى قرحت دموعه وجنتيه، فقال له زكريا: يا بني، ما يبكيك وقد سألت الله تعالى أن يهبك لي؟ فقال: إن جبريل أخبرني أن بين الجنة والنار مفاوز لا يقطعها إلا كل بكاء. وروي عن يحيى بن زكريا أنه قال: يا حوباه إني رأيت كأن القيامة قد قامت، وكأن الجبار وضع كرسيه لفصل القضاء، فخررت ميتاً، يا حوباه، هذا إنما رآه روحي، فكيف لو عاينته معاينة. وقام رجل بهذا الكلام في مدينة من مدائن خراسان، فصعق جماعة فماتوا. وعن إبراهيم بن أدهم، أنه أقبل على بعض إخوانه بطرسوس فقال له: أتحب ان تكون لله تعالى ولياً ويكون لك محباً؟ نعم قال: دع الدنيا والآخرة لله ، قال: فماذا

стр. 9752

أصنع؟ قال: أقبل على ربك بقلبك عليك بوجهه، فإنه بلغني أن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا: يا يحيى، إني قضيت على نفسي أن لا يحبني أحد من خلقي أعلم ذلك من نيته إلا كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، وفؤاده الذي يعقل به، فإذا كنت له كذلك بغضت إليه الاشتغال بأحد غيري، وأدمت فكرته، وأسهرت ليله، وأظمأت نهاره، أطلع عليه كل يوم سبعين نظرة، فأرى قلبه مشتغلاً بي، فأزداد من حبي في قلبه نوراً، حتى ينظر بنوري، أقربه مني، وأمسح برأسه، وأضع يدي على ألمه، فإنه لا يشكو إلي ألمه، لأنه مشغول بحبي عن ألم أوجاعه، فإنه يعرف الألم إذا فقدني من قلبه، وعندها يطلبني كما تطلب الوالدة الشفيقة ولدها إذا غاب عنها، أسمع خفقان فؤاده، فأقول: ما قال قلبه، يخفق، فيقول: حقيق على قلبي أن لا يسكن بعد إذ مننت عليه بحبك، فكيف يسكن قلبه يا يحيى وأنا جليسه، وغاية أمنيته؟! وعزتي وجلالي لأبعثنه مبعثاً يغبطه النبيون والمرسلون، ثم آمر منادياً ينادي: هذا حبيب الله وصفيه، دعاه الله إلى زيارته، فإذا جاءني رفعت الحجاب فيما بيني وبينه. فلما ذكر الحجاب صاح يحيى صيحة، فلم يفق ثلاثة أيام. قال: من لم يرض بك صاحباً فبمن يرضى؟ فكيف أصاحب خلقك، وقد دعوتني إلى مصاحبتك؟! سأل يحيى بن زكريا ربه قال: رب، اجعلني أسلم على ألسنة الناس ولا يقولون في إلا خيراً، فأوحى الله إليه: يا يحيى، لم أجعل هذا لي، فكيف أجعله لك؟! ظهر إبليس ليحيى بن زكريا، فرأى عليه معاليق، فقال: يا إبليس، ما هذه المعاليق التي أرى عليك؟ قال: هذه الشهوات التي أصبت من بني آدم، قال: فهل لي فيها من شيء؟ قال: لا، قال: فهل تصيب مني شيئاً؟ قال: ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة والذكر، فقال له يحيى: هل غير؟ قال: لا، قال: لا جرم والله لا أشبع أبداً. قال إبليس: ولله علي ألا أنصح مسلماً. لقي يحيى بن زكريا إبليس في صورته، فقال له يا إبليس، أخبرني بأحب الناس إليك، وأبغض الناس إليك، قال: أحب الناس إلي المؤمن البخيل، وأبغضهم إلي الفاسق السمح، قال يحيى: وكيف ذلك؟ قال: لأن البخيل قد كفاني بخله، والفاسق السخي

стр. 9753

أتخوف أن يطلع الله عليه في سخائه فيقبله، ثم ولى وهو يقول: لولا أنك يحيى لم أخبرك. كان عيسى بن مريم أكثر من يحيى بسنتين. فبينا يحيى جالس إذ سمع زجلاً، فقال يحيى: يا روح الله، ما هذا؟ فقال عيسى: إبليس، فقال يحيى: يا روح الله، أرنيه، فقال عيسى: وما حاجتك إليه؟ هو أكذب البرية وأسحر البرية، وأخبث البرية، وأفسق البرية، قال: يا روح الله، أرنيه، فقال عيسى: يا إبليس، تبد له، فتبدى له إبليس، فإذا عليه برنس فيه أباريق من رأسه إلى قدمه، فقال له يحيى: ما هذه الأباريق؟ قال: هي اللذات التي أفتن بها الناس، قال يحيى: فأنشدك بالذي جعل عليك اللعنة إلى يوم الدين، هل أصبتني بشيء منها؟ فقال إبليس: نعم هذه، وأشار بأصبعه إلى شيء فيها عند كعبه، فقال يحيى: وما هي؟ فقال إبليس: إنك رجل تصوم، فأحبب إليك الطعام، لتنهله، فتثقل عن الصلاة، قال يحيى: أما والذي جعل عليك اللعنة إلى يوم الدين لا آكل ما عملته أيدي بني آدم حتى ألقى الله، وكان يأكل من نبت الأرض. قال وهب بن الورد: تبدى إبليس ليحيى بن زكريا فقال: إني أريد أن أنصحك، فقال: كذبت، أنت لا تنصحني، ولكن أخبرني عن بني آدم قال: هم عندنا على ثلاثة أصناف، أما صنف منهم فهم أشد الأصناف علينا، نقبل عليه حتى نصيبه ونستمكن منه، ثم يفزع إلى الاستغفار والتوبة فيفسد علينا كل شيء أدركنا منه، ثم نعود له فيعود، فلا نحن نأيس منه، ولا نحن ندرك منه حاجتنا، فنحن من ذلك في عناء، وأما الصنف الآخر فهم في أيدينا بمنزلة الكرة في أيدي صبيانكم، نتلقفهم كيف شئنا، قد كفونا أنفسهم، وأما الصنف الآخر فهم مثلك معصومون لا نقدر معهم على شيء. قال يحيى: هل قدرت مني على شيء أبداً؟ قال: لا، إلا مرة واحدة، فإنك قدمت طعاماً تأكله فلم أزل أشهيه إليك حتى أكلت منه أكثر مما تريد، فنمت تلك الليلة، فلم تقم إلى الصلاة كما كنت تقوم إليها،

стр. 9754

فقال له يحيى: لا جرم، لا شبعت من طعام أبداً، قال له الخبيث: لا جرم، لا نصحت آدمياً بعدك أبداً. قال أبي بن كعب: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن من هوان الدنيا على الله أن يحيى بن زكريا قتلته امرأة ". قال علي بن الحسين: أقبلنا مع الحسين بن علي، فكان قلما نزلنا منزلاً إلا حدثنا حديث يحيى بن زكريا حيث قتل. قال: كان ملك مات، فترك امرأته وابنته، فورث ملكه أخوه، فأراد أن يتزوج امرأة أخيه، فاستشار يحيى بن زكريا، وكانت الملوك في ذلك الزمان يعملون بأمر الأنبياء، فقال له: لا تتزوجها فإنها بغى، فسمعت المرأة وعرفت أنه من قبل يحيى، فقالت: ليقتلن يحيى، أو ليخرجن من ملكه، فعمدت إلى بنتها فصنعتها، وقالت: اذهبي إلى عمك عندالملأ فإنه يدعوك ويجلسك في حجره، ويقول: سليني ما شئت، فإنك لن تسأليني شيئاً إلا أعطيتك، فقولي: لا أسأل شيئاً إلا رأس يحيى بن زكريا، وكانت الملوك إذا تكلم أحدهم بشيء على رؤوس الملأ ثم لم يمض له نزع من ملكه، ففعلت ذلك، فجعل يأتيه الموت من قتل يحيى، وجعل يأتيه الموت من خروجه من ملكه، فاختار ملكه، فقتله، فساخت بأمها الأرض. وقيل: إن زكريا حيث قتل ابنه انطلق هارباً منهم، واتبعوه حتى أتى إلى شجرة ذات ساق فدعته إليها، فانطوت عليه، وبقيت من ثوبه هدبة تلفها الريح، فانطلقوا إلى الشجرة فلم يجدوا أثره بعدها، ونظروا بتلك الهدبة، فدعوا بالمنشار، فقطعوا الشجرة، فقطعوه معها. وعن ابن عباس قال: بعث عيسى بن مريم يحيى بن زكريا في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس، فكانوا فيما يعلمونهم ينهونهم عن نكاح بنت الأخت، وكان لملكهم بنت أخت تعجبه، وكان يريد أن يتزوجها، وكان لها كل يوم حاجة يقضيها. فلما بلغ أمها أنهم نهوا عن نكاح بنت

стр. 9755

الأخت قالت لها: إذا قال لك الملك: ألك حاجة؟ فقولي: حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا، ففعلت ذلك، فقال: سليني سوى هذا، قالت: ما أسألك إلا هذا. فلما أبت عليه، دعا بطست ودعا به فذبحه، فندرت قطرة من دمه على الأرض، فلم تزل تغلي، حتى بعث الله بخت نصر عليهم، فألقى في نفسه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن، فقتل عليه منهم سبعين ألفاً. قالوا: ولما قتله دفع إليها رأسه، فجعلته في طست من ذهب، فأهدته إلى أمها، فجعل الرأس يتكلم في الطست: إنها لا تحل له، ولا يحل لها، ثلاث مرات. فلما رأت الرأس قالت: اليوم قرت عيني، وأمنت على ملكي، فلبست درعاً من حرير، وخماراً من حرير، وملفحة من حرير، وصعدت قصراً لها، وكان لها كلاب تضربها بلحوم الناس، فجعلت تمشي على قصرها، فبعث الله عليها عاصفاً من الريح يلقيها في ثيابها، فألقتها إلى كلابها، فجعلن ينهشنها، وهي تنظر، وكان آخر ما أكلن منها عينيها. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: التي قتلت يحيى بن زكريا امرأة، ورثت الملك عن آبائها، فأتيت برأس يحيى في شيء، فوضع رأسه بين يديها، وهي على سريرها، فجعلت ترفل وجهه بقضيب في يدها، فقيل للأرض: خذيها، فأخذتها وسريرها، فذهب بها. قال: في التوراة مقتلة الأنبياء، قتلت في يوم ستين نبياً، هي في النار على منبر من نار، تصرخ، يسمع صراخها أقصى أهل النار. وقيل: إنه كان ملك دمشق هداد بن هداد وكان قد زوج ابنه ابنة أخيه أزيل ملكة صيدا، وكان حلف بطلاقها ثلاثاً ثم أراد مراجعتها، فاستفتى يحيى بن زكريا صلى الله على نبينا وعليه السلم، فقال يحيى: لا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك، فحقدت عليه أزيل، وكان للملك ابنة يقال لها: هروسة، وكان يحبها حباً شديداً، وكان

стр. 9756

يخرجها إذا قدم عليه وفود الملك، وترقى بين أيديهم، وإذا رقيت قضى لها حاجة، فقدم عليه وفود ملك الهند، فقالت أزيل لابنتها: إذا رقيت وقال: سلي حاجتك، فقولي: حاجتي رأس يحيى بن زكريا، ولا تقبلي منه إلا رأسه، وأعطتها حين أصبحت طبقاً وقالت: إذا قطع رأسه، فاجعليه فوق هذا الطبق، واحمليه، وائتيني به. فلما أصبحت دعاها الملك، فخرجت مزينة، ومعها الطبق، فضرب لها بالطبل والمزمار، ورقيت يومئذ رقياً ما رقيت قبله مثله، فقال لها أبوها: سلي حاجتك، فقالت: حاجتي رأس يحيى بن زكريا، فقال: ويحك، ما تصنعين برأس نبي من أنبياء الله؟! سلي غيره ما شئت، قالت: ما لي حاجة غيره. فإن أعطيتنيه وإلا لم أسألك شيئاً بعده، فقال من حوله من وزراء السوء: اقض حاجتها، وشفعنا في حاجتها، وما رأس يحيى ورأس غيره إلا سواء، فأكثروا عليه، وغلبوه فقال: اذهبوا، وأعطوها رأسه، فخرج السياف، والناس معه حتى أتوه، وهو يصلي في ذلك المسجد الذي عند باب جيرون، فقال يحيى للسياف: بم أمرت؟ قال: أمرت بضرب عنقك، قال: ويحك ما تعلم أني نبي الله؟! قال: بلى، ولكني مأمور، قال: شقاء جدك، وعسى أن تكون صادقاً، فضرب رأسه، فأخذت الرأس فوضعته على الطبق، فجعل يقول من فوق الطبق: إنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، فلم يزل الرأس يقول ذلك وهي تمشي حتى انتهت إلى الفسقية فخسف بها، فأخذتها الأرض حتى غيبت قدميها فصاحت، ووقع الرأس والطبق عن رأسها، ثم غيبتها إلى أنصاف ساقيها وهي تصيح، فذهب الصريخ إلى أمها: أدركي ابنتك، قد خسف بها، فجاءت تسعى، فوجدتها في الأرض قد أخذتها وهي تصيح، فجعلت الأرض تغيبها حتى بلغت سرتها، ثم غيبتها حتى بلغت ثدييها، ثم غيبتها حتى بلغت منكبيها، فلما خشيت أمها أن تغيبها الأرض قالت للسياف: اقطع رأسها يكون عندي، فضرب السياف رأسها ورمى به. فلما وقع الرأس لفظتها الأرض وطرحتها. فلم يزالوا بعد ذلك في الذل، حتى بعث الله بخت نصر عقوبة لقتل يحيى بن زكريا، فدخل دمشق من باب توما، وباب شرقي، وأتى الدرج فصعد، فجلس على

стр. 9757

الكنيسة فوجد دم يحيى يغلي، ويفور، ويسيل، فعجب لذلك، ثم قال: ما بعثت إلا لأنتصر لهذا الدم، لا أزال أقتل عليه أبداً حتى يسكن ويغيب، فدعا بكرسي، فنصبه، وجلس عليه، ثم أمر بالسيافين، فقاموا، ثم أمر بهم أن يأتوا عشرة عشرة مكتفين، فضرب أعناقهم على الدم، والدم يغلي، ويفور، ويسيل، فقتل يومه ذلك إلى الليل. ثم غدا الوم الثاني فقتل عليه حتى الليل، والدم يغلي، ويفور. ثم غدا عليه اليوم الثالث فقتل عليه خمسة وسبعين ألفاً. قالوا: هي دية كل نبي. فجاء نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: إرميا، فوقف على الدم فقال: أيها الدم، دم يحيى، فني بنو إسرائيل والناس فيك. قال: فسكن الدم، ورسب حتى غاب، فأمر بالكرسي، فرفع، ورفع السيف. قالوا: وهرب من هرب إلى بيت المقدس، فتبعهم إلى بيت المقدس حتى دخلها وخربها، وقتل فيها وسبى ثم رجع. وعن علي: في قوله : " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب " إلى " أولاهما " قال: قتل زكريا، وقال: " فإذا جاء وعد الآخرة " مقتل يحيى. والأولى من فساد هذه الأمة مقتل عثمان، والآخرة النفس التي تباح لها قريش. وعن وهب بن منبه: أن يحيى بن زكريا لما قتل رد الله إليه روحه، وأوقفه بين يديه، فقال له: يا يحيى، هذا عملك الذي عملته، وقد أعطيتك ثواب عملك، لكل واحدة عشراً، الحسنة بعشرة أمثالها، قال: فرأى يحيى ثواب عمله، فإذا قد أعطي من الثواب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فقالالله: يا يحيى هذا عملك، وهذا ثوابه، فأين نعمائي عليك؟ ثم قال الله للملائكة: أخرجوا نعمائي عليه، فأخرجوا نعمة واحدة من نعمه، فإذا قد استوعبت حميع أعماله والثواب، فقال يحيى: إلهي، ما هذه النعمة الجليلة العظيمة التي قد استوعبت عملي وعشرة أضعاف ثوابها؟ فقال الله : هذه النعمة الجليلة العظيمة معرفتك بي. قال: فخر يحيى لوجهه، فقال: إلهي جازني برحمتك وبفضلك لا بعملي.

стр. 9758

لما قتل يحيى بن زكريا أوحى الله إلى نبي من أنبيائهم أن قل لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل، حتى متى تجترئون علي، وتعصونني وتعصون أمري، وتقتلون رسلي؟ وحتى متى أضمكم في كنفي كما تضم الدجاجة أولادها في كنفها؟ اتقوا ألا آخذكم بكل دم من بني آدم إلى يحيى بن زكريا، واتقوا لا أصرف وجهي عنكم فإني إن صرفت وجهي عنكم لم أقبل عليكم إلى يوم القيامة. وقيل في قتل يحيى: إن بنت الملك همت بأبيها فقالت: لو تزوجت أبي فيجتمع إلي سلطانه دون نسائه، فقالت: يا أبت تزوجني، ودعته إلى نفسها، فقال لها: يا بنية، إن يحيى بن زكريا لا يحل لنا هذا، فقالت: من لي بيحيى بن زكريا، ضيق وحال بيني وبين أن أتزوج أبي، فأغلب على ملكه ودنياه دون النساء، فأمرت اللعاب، وقالت: ادخلوا على أبي فالعبوا، وإذا فرغتم فإنه سيحكمكم، فقولوا: دم يحيى بن زكريا، ولا تقبلوا غيره، وكان الملك إذا حدث فكذب، أو وعد فأخلف، خلع واستبدل به غيره، فلما لعبوا وكثر تعجبه منهم قال: سلوني، قالوا: نسألك دم يحيى بن زكريا، قال: سلوني غير هذا، قالوا: لا نسألك غيره، فخاف على ملكه إن هو أخلفهم أن يخلع، فبعث إلى يحيى بن زكريا، وهو في محرابه يصلي، فذبحوه وحزوا رأسه، واحتمله الرجل في يده، والدم في الطست، ورأسه في يدي الذي يحمله، وهو يقول: لا يحل لك ما تريد. قال: فأعظم الناس قول الرأس وفزعوا إلى ملكهم، حتى بنوا ديراً من على رأس يحيى ودمه. قالوا: وكان ذلك قبل أن يرفع عيسى بسنة ونصف، ورفع عيسى بين أظهرهم بعد ذلك، فعند ذلك حلت بهم الوقعة الثانية. وعن ابن عباس قال: أوحى الله إلى سيدنا محمد ﷺ : أني قد قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً. وعن شمر بن عطية قال: قتل على الصخرة التي في بيت المقدس سبعون نبياً، منهم يحيى بن زكريا.

стр. 9759

وعن قرة قال: ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي، وحمرتها بكاؤها وعن سعيد بن جبير قال: لما قتل يحيى بن زكريا ﵇ قال بعض أصحابه لصاحب له: ابعث إلي بقيص نبي الله حتى أسمه، فإني قد عرفت أني مقتول، قال: فبعثه إليه فإذا سداه أو لحمته ليف. قال زيد بن واقد: ولقد رأيت رأس يحيى بن زكريا صلى الله عليهما، حيث أرادوا بناء مسجد دمشق، أخرج من تحت ركن من أركان القبة الذي يلي المحراب مما يلي الشرق، فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير. وفي رواية عنه: أنا رأيت الرأس الذي يغلي، هو رأس يحيى بن زكريا، طري كأنما قتل الساعة. يحيى بن زكريا بن يحيى أبو زكريا النيسابوري، الحافظ الأعرج، ويحيى يلقب حيويه حدث عن محمد بن معاوية بن مالج بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت " من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً " قال أبو الدحداح: يا رسول الله، أو إن الله يريد منا القرض؟ فقال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك، قال: فناوله، قال: فإني أقرضت ربي حائطاً فيه ست مئة نخلة، ثم جاء يمشي، حتى أتى الحائط، وأم الدحداح فيه وعيالها، فنادها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك. قال: اخرجي، قد أقرضت ربي حائطاً فيه ست مئة نخلة.

стр. 9760

وفي رواية: اخرجي فقد أقرضته ربي . وحدث يحيى بن زكريا - سنة ست وثلاث مئة - عن يوسف بن موسى القطان بسنده إلى عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي ﷺ : " يا عبد الرحمن بن سمرةلا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك ". توفي أبو زكريا بمصر سنة سبع وثلاث مئة. وكان حافظاً، فاضلاً، ثقة، ثبتاً. يحيى بن زياد بن عبيد الله ابن عبد الله، واسمه عبد الحجر بن عبد المدان واسمه عمرو بن الديان واسمه يزيد بن قطن بن زياد بن الحارث، الحارثي الكوفي شاعر يتهم في دينه، وفد على الوليد بن يزيد، وكانت عمته ريطة بنت عبيد الله، زوجة محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فولدت له السفاح، فيحيى بن زياد ابن خال أبي العباس السفاح، وكان شاعراً ماجناً، ينسب إلى الزندقة، وكان صديق مطيع بن إياس، وحماد عجرد، ووالبة بن الحباب، وغيرهم من ظرفاء الكوفيين. كتب يحيى بن زكريا إلى بعض أهله يعزيه: أما بعد. فإن المصيبة واحدة إن صبرت، ومصائب إن لم تصبر، وقد مضى إلى سلف، يحسن عليهم البكاء، وبقي خلف في مثلهم العزاء، فلا الباء يرد الماضي، وبالعزاء يطيب عيش الباقي، ونحن عما قليل بهم لاحقون، فآثر الصبر، فإنه أرد الأمرين عليك، وأرجعهما بالنفع لك. كان ليحيى بن زياد غلام سوء، فقيل له: لم تمسك هذا الغلام؟ قال: لأتعلم عليه الحلم.

стр. 9761

ومن شعر يحيى بن زياد يمدح قوماً بفضل الحلم: تخالهم للحلم صماً عن الخنا ... وخرساً عن الفحشاء عند التفاخر ومرضى إذا لاقوا حياء وعفة ... وعند المنايا كالليوث الحوادر لهم ذل إنصاف ولين تواضع ... به لهم ذلت رقاب المعاشر كأن بهم وصماً يخافون عيبه ... وما وصمهم إلا اتقاء المعاذر قال مطيع بن إياس يرثي يحيى بن زياد: قد قلت للموت حين ساوره ... والموت مقدامة على البهم لو قد تدبرت ما صنعت به ... قرعت سناً عليه من ندم فاذهب بمن شئت إذ ذهبت به ... ما بعد يحيى للرزء من ألم وله يرثيه: قد راح يحيى ولو تطاوعني ال ... أقدار لم نبتكر ولم نرح يا خير من يجمل البكاء به ال ... يوم ومن كان أمس للمدح قد ظفر الحزن بالسرور وقد ... أديل مكروهه من الفرح يحيى بن زيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب العلوي كان مع أبيه حين أقدمه هشام. قتل بخراسان، وكان صار إليها حين قتل أبوه زيد بن علي بالكوفة فقال: لكل قتيل معشر يطلبونه ... وليس لزيد بالعراقين طالب

стр. 9762

وأمه ريطة بنت أبي هاشم، واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب. قال سعد بن إبراهيم بن عبد الرحم بن عوف: خرج بنا إلى هشام بن عبد الملك، وكان أيوب بن سلمة المخزومي أحد من كتب فيه، فقدم بمن قدم الرصافة قبلنا، فوجدنا هشاماً قد استحلف أيوب ما لخالد القسري عنده مال ولا خبر مال، فخرج إلينا سالم فقال: إن أمير المؤمنين قد أمر أن يخرج بكم إلى العراق إلى يوسف بن عمر. قال سعد: فقلت: ولم لا يفعل بنا ما يفعل بصاحبنا أيوب بن سلمة؟ فنحن نرى أمير المؤمنين ونحلف له، فقال سالم: لا، إن يوسف بن عمر قد تضمن لأمير المؤمنين أن يستخرج له أموال القسري، ويخاف أمير المؤمنين إن دخل عليه في ذلك فيقول: دخلت علي فيما ضمنت لك فتفسد عليه ما ضمن له. فلا بد لكم من الذهاب إليه، فقال له زيد بن علي: والله يا سالم ما أحب أحد الحياة إلا ذل، قال: وخرج بي وبزيد حتى انتهينا إلى يوسف بن عمر بالكوفة فأدخلنا عليه، فأحسن في أمرنا وجوزنا، فخرجنا حتى نزلنا القادسية، فو الله إني وزيد لقاعدان بفناء البيت الذي نحن فيه نزول إذ رابني منه الإنسان بعد الإنسان، فيقوم إليه ويخلو به، فقال لي ابنه يحيى بن زيد: يا عم، اعلم أن أبي يريد أن يفارقك هاهنا، فلو كلمته، ولا أحب أن يعلم أني أعلمتك، قال: فجئت زيداً فقلت له: قد تعلم رأي قومك فيك، ومحبتهم لك، وعلى ودهم لو زيد في عمرك أعمارهم لسيرتك بهم وحسن رأيك، ومحبتك لهم، وقد رأيت أمراً أنكرته، وهم أهل الكوفة خدعوا أباك، وقعدوا به، وخذلوه، فأنشدك الله والرحم أن لا تفجع قومك بك. قال: وهو صامت لا يتكلم، حتى إذا فرغت من كلامي قال: يا أبا إسحاق، خرج بنا أسيرين عن غير ذنب ولا جرم ولا جناية، فشق بنا الحجاز وأرض الشام وأرض الجزيرة إلى العراق إلى تيس من ثقيف، يلعب بنا، وأنشد زيد بن علي:

стр. 9763

بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل فأجبتها إن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بكأس المنهل إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضيق المنزل فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل استودعك الله أبا إسحاق، أعطي الله عهداً إن أدخلت يدي في طاعة لهؤلاء ماعشت، فافترقنا وتغيب. وبلغ هشام بن عبد الملك تغيبه، فقال سالم: يا أمير المؤمنين، قد كان قال لي حيث أعلمته أنه لا بد من الشخوص إلى يوسف بن عمر: ما أحب الحياة أحد إلا ذل، فقال هشام: ويحك كيف لم تخبرني؟ والله لو أخبرتني لحقنت دمه، ولوصلت رحمه. كان زيد بن علي يقول ليحيى ابنه: أبني إما تقعدن فلا تكن ... دنس الفعال مبيض الأثواب واحذر مصاحبة الئيم فإنما ... شين الكريم فسوله الأصحاب حمل يحيى بن زيد العلوي إلى بخارى مقيداً، ونعي إليه والده، فأنشده بعض الشعراء قصيدة، فقال: دع ما تقول واسمع ما أقول وأنشأ يقول: إن يكن نالك الزمان ببلوى ... عظمت شدة عليك وجلت وتلتها قوارع داهيات ... سئمت دونها النفوس وملت فاصطبر وانتظر بلوغ مداها ... فالرزايا إذا توالت تولت ولم يعقب يحيى، وتولى قتله سلم بن أحوز المازني بالجوزجان بقرية أرغومة، وكان نصر بن سيار عامل خراسان بعث سلم بن أحوز إلى يحيى، فقتله بعد حرب شديد، وزحوف ومواقف، ثم أصاب يحيى سهم في صدغه فسقط إلى الأرض، وانكبوا

стр. 9764

عليه، فاحتزوا رأسه، فأنفذه سلم إلى نصر، فأنفذه نصر إلى هشام، فوصل إليه وهو بالرصافة، وصلبت جثته بجوزجان. فلم يزل مصلوباً حتى ظهر أبو مسلم فوارى جسده، بعد أن تولى هو الصلاة عليه. وكتب أبو مسلم بإقامة النياحة ببلخ سبعة أيام بلياليها، فناح وبكى عليه الرجال والنساء والصبيان، وأمر أهل مرو، ففعلوا مثل ذلك، وما ولد في تلك السنة مولود بخراسان من العرب ومن له حال ونبأ إلا سمي يحيى. وقال أبو مسلم لمرار بن أنس: إنه لم يبق من قتله يحيى بن زيد أحد يعرف بعينه إلا سورة بن محمد الكندي، وهو شجى في لهاتي. وكان سورة من فرسان الكرماني، فمضى إليه مرار فقتله، فقال له أبو مسلم: اليوم ساغ لي الشراب، ودعا أبو مسلم بديوان بني أمية فجعل يتصفح أسماء قتلة يحيى بن زيد ومن سار في ذلك البعث لقتاله، فمن كان حياً قتله، ومن كان ميتاً خلفه في أهله وفي عشيرته بما يسوءه. وكان قتل يحيى بن زيد سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: سنة ست وعشرين، وقيل: في ولاية الوليد بن يزيد. يحيى بن زيد بن يحيى ابن علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي، أبو الحسين، الحسيني، الزيدي قاضي دمشق في أيام المستنصر. حدث سنة سبع وأربعين وأربع مئة عن أبي محمد عبد الرحمن بن عثمان بن أبي نصر بسنده إلى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ في الواقعة " فشاربون شرب الهيم " بفتح الشين من " شرب ". توفي الشريف معتمد الدولة أبو الحسين يحيى بن زيد سنة خمس وخمسين وأربع مئة.

стр. 9765

يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد أبو بكر، الأزدي، الأندلسي، القرطبي المقرئ، النحوي حدث بدمشق عن أبي عبد الله بن الحطاب بسنده إلى علي قال: قال رسول الله ﷺ : " اللهم بارك لأمتي في بكورها ". وحدث عن أبي عبد الله بسنده إلى عبد الله بن المبارك قال: أثر الحبر في ثوب صاحب الحديث أحسن من الخلوق في ثوب العروس. ولد أبو بكر سنة ست وثمانين وأربع مئة، وتوفي سنة سبع وستين وخمس مئة. وهو ثقة. يحيى بن سعيد بن العاص ابن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو أيوب - ويقال: أبو الحارث - الأموي حدث يحيى بن سعيد بن العاص أن سعيد بن العاص أخبره، أن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ ، وهو مضطجع على فراش لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى أبو بكر حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر بن الخطاب وهو على تلك الحال، فقضى حاجته ثم انصرف. قال عثمان: ثم استأذنت، فجلس رسول الله ﷺ ، فجمع عليه ثيابه - زاد في رواية: وقال لعائشة اجمعي عليك ثيابك - ثم قضيت إليه حاجتي، ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا

стр. 9766

رسول الله، مالك لم تفزع لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ قال: " إن عثمان رجل حيي، وإني خفت أن لو أذنت له وأنا على حالتي تلك لا يبلغ إلي في حاجته ". قال الزهري: وليس كما يقول الكذابون: ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة. كان عبد الملك قد قتل عمرو بن سعيد أخا يحيى بن سعيد، فلحق يحيى وعبد الله بن يزيد أبو خالد بن عبد الله القسري، لحقا بعبد الله بن الزبير، فلم يزالا معه حتى قتل عبد الله بن الزبير، فخرجا في الأمان، وكان في وجه يحيى رده فقال له عبد الملك: بم تنظر إلى الله إذا لقيته وقد غدرت بي بعدما عفوت عنك، قال: أنظر إليه بالوجه الذي خلقه، وأنت دفعتني إلى عدوك هدية، أخرجتني وأخفتني. كان عبد الملك بن مروان يفضل يحيى بن سعيد ويقول: ما رأيت ابن زوملة أفضل من يحيى بن سعيد. وأم يحيى مرادية. والقرشي إذا كانت أمه عربية ولم تكن من قريش قيل: ابن زوملة، وإن كانت أمه أم ولد لم يكن ابن زوملة. وقيل: إن عبد الملك قال له: إنك أشبه الناس بإبليس، قال: ولم تنكر أن يشبه سيد الإنس سيد الجن؟. يحيى بن سعيد بن عبد الله أبو سالم البهراني الحموي شيخ فاضل. ولد سنة سبع وثمانين وأربع مئة. من شعره:

стр. 9767

ما بعد جلق في البسيطة دار ... تجري خلال قصورها الأنهار دار تلذ بها النفوس وتجتني ... من حسنها ثمر المنى الأبصار زادت بها الدنيا جمالاً بارعاً ... وزهت بحسن صفاتها الأمطار وحوت محاسن كل حسن مبدع ... فيه عقول أولي العقول تحار أحسن بربوتها إذا ما أسفرت ... شمس الربيع وغنت الأطيار وافتر ثغر الزهر من أكمامه ... وترنحت تيهاً به الأسحار وتأزرت أكمامها بخمائل ... باتت تحبر وشيها الأمطار فإذا جرى فيها النسيم تعطرت ... من طيب صائك عرفها الأقطار سقياً لجلق من مغان لم تزل ... من أفقها تتبلج الأقمار ما كان أقصر مدةً فيها انقضت ... وكذاك أعمار السرور قصار يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو ويقال: ابن قيس بن قهد، أبو سعيد الأنصاري قاضي المدينة. حدث عن أنس بن مالك قال: جاء أسيد بن الحضير الأشهلي إلى النبي ﷺ ، وقد كان قسم طعاماً، فذكر له أهل بيت من الأنصار من بني ظفر، فيهم حاجة. قال: وجل أهل ذلك البيت نوم فقال له رسول الله ﷺ تركتنا يا أسيد حتى ذهب ما في أيدينا فإذا سمعت بشيء قد جاء فاذكر لي أهل ذلك البيت قال فجاءه بعد ذلك طعام من خبير شعير أو تمر قال فقسم رسول الله ﷺ في الناس وقسم في الأنصار وأجزل، وقسم في أهل ذلك البيت

стр. 9768

فأجزل، فقال أسيد بن الحضير متشكراً: جزاك الله أي نبي الله عنا أطيب الجزاء، أو قال: خيراً. فقال النبي ﷺ : " أنتم معشر الأنصار فجزاكم الله أطيب الجزاء - أو قال: خيراً -، فإنكم ما علمت أعفة، صبر، وسترون بعدي أثرة في الأمر والقسم، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ". وحدث يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن عبد الله بن بحينة أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر فقام من الاثنتين، فلم يجلس فيهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك. قال يحيى بن سعيد: صحبت أنس بن مالك إلى الشام، ومعه فرس له شقراء سمينة، فاندقت فخذها، فذبحها وقسمها في الرفاق. وقال: إنه سافر معه إلى الوليد بن عبد الملك، فكان أنس يصلي عند كل أذان ركعتين. وعن يحيى بن سعيد، أنه رأى أنس بن مالك بالجابية يصلي على حمار وهو يتوجه إلى المشرق عند ارتفاع الشمس. توفي أبو سعيد سنة ثلاث وأربعين ومئة، وكان ثقة كثير الحديث. وقيل: توفي سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة ست وأربعين ومئة. قال جرير بن عبد الحميد: سألت يحيى بن سعيد الأنصاري - وما رأيت شيخاً أنبل منه - قلت له: من أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين كان قولهم في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟ قال:

стр. 9769

من أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما، إنما كان الاختلاف في علي وعثمان. قال يحيى بن سعيد: إنه كان بإفريقية. قال: فأردت حاجة من حوائج الدنيا، قال: فدعوت فيها، ورغبت وتعبت واجتهدت، ثم ندمت بعد ذلك فقلت: لو كان دعائي في حاجة من حوائج آخرتي. فشكوت إلى رجل كنت أجالسه، فقال لي: لا تكره ذلك، فإن الله قد بارك لعبد في حاجة أذن له فيها بالدعاء. يحيى بن سعيد أبو زكريا الأنصاري الحمصي، العطار حدث عن فضيل عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " يكون في آخر الزمان عند تظاهر من الفتن، وانقطاع من الزمن أمير، أول ما يكون عطاؤه للناس أن يأتيه الرجل فيحثي له في حجره، يهمه من يقبل منه صدقة ذلك المال لما يصيب الناس من الفرج ". وحدث عن أبي الرحمن بسنده إلى حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : " لتقصدنكم نار هي اليوم خامدة، في واد يقال له: برهوت، يغشى الناس فيها عذاب أليم، تأكل الأنفس والأموال، تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام، تطير طير الريح والسحاب، حرها بالليل أشد من حرها بالنهار، ولها بين السماء والأرض دوي كدوي الرعد القاصف، هي من رؤوس الخلائق أدنى من العرش ". قلت: يا رسول الله، أسليمة هي يومئذ على المؤمنين والمؤمنات؟ قال: " وأين المؤمنون والمؤمنات؟ قال: " وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذ؟ هم شر من الحمر، يتسافدون كما تتسافد البهائم، وليس فيهم رجل يقول: مه، مه ".

стр. 9770

يحيى بن سليمان حدث عن أبي سلام الحبشي عن ابن الديلمي قال: أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص أريد أن أسأله عن حديثين بلغانا عنه، فوجدته أخذاً بيد رجل من قريش، قد بلغنا أنه يشرب الخمر، فقلت: كيف لي أن يخلو لي وجهه؟ قال: قلت: رحمك الله، هل سمعت في الخمر شيئاً؟ قال: نعم. فلما سمعه القرشي خلى سبيل يده، وولى منطلقاً. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من شرب الخمر رجس ورجست صلاته أربعين يوماً، فإن تاب تاب الله عليه، ثم إن عاد رجس ورجست صلاته أربعين يوماً، فإن تاب تاب الله عليه، ثم إن عاد رجس ورجست صلاته أربعين يوماً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة ". قلت: أرأيت حديثين بلغاني عنك بالشام، قال: وما هما؟ قلت: قولك جف القلم بما فيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره فأصاب به من شاء، فمن أصابه النور يومئذ اهتدى، وإلا فلا ". قلت: فصلاة في بيت المقدس خير من ألف صلاة؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " صلاة في مسجد بيت المقدس خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، ومسجدي هذا ". يحيى بن صالح أبو زكريا ويقال: أبو صالح - الوحاظي من أهل دمشق، وقيل: من أهل حمص. استقدمه المأمون إلى دمشق ليوليه قضاء حمص.
следующие страницы →