Полный текст (10 576 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.
стр. 9801
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ربانيو الحديث أربعة: فأعلمهم بالحلال والحرام أحمد بن حنبل، وأحسنهم سياقة للحديث وأداء له علي بن المديني، وأحسنهم وضعاً لكتاب ابن أبي شيبة، وأعلمهم بصحيح الحديث وسقيمه يحيى بن معين.
قال أبو حاتم الرازي إذا رأيت البغدادي يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيته يبغض يحيى بن معين فاعلم أنه كذاب.
قال جعفر بن محمد الطيالسي: صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : من قال لا إله إلا الله يخلق من كل كلمة منها طير منقاره من ذهب، وريشه من مرجان، وأخذ في قصة نحو من عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى، ويحيى ينظر إلى أحمد، فيقول: أنت حدثته، فقال: والله ما سمعت به إلا هذه الساعة. فلما فرغ من قصصه وأخذ قطاعه، قال له يحيى بن معين: أن تعال، فجاء متوهماً لنوال يجيزه، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط، فإن كان ولا بد والكذب فعلى غيرنا، فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، فقال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين غيركما، قال: فوضع أحمد كمه على وجهه فقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما.
قال يحيى بن معين: ما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته، وأحببت أن أزين أمره، وما استقبلت رجلاً في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك وإلا تركته.
стр. 9802
جاء رجل عجل إلى يحيى بن معين فقال: حدثني بشيء أذكرك به فقال له: اذكرني أنك سألتني أن أحدثك فلم أفعل.
قال يحيى بن معين: كنت بمصر فرأيت جارية بيعت بألف دينار، ما رأيت أحسن منها صلى الله عليها، فقيل له: يا أبا زكريا، مثلك يقول هذا؟! قال: نعم، صلى الله عليها وعلى كل مليح.
ومن شعر يحيى بن معين:
المال ينفذ حله وحرامه ... يوماً، وتبقى في غد آثامه
ليس التقي بمتق في دينه ... حتى يطيب شرابه وطعامه
ويطيب ما تحوي وتكسب كفه ... ويطيب في حسن الحديث كلامه
نطق النبي لنا به عن ربه ... فعلى النبي صلاته وسلامه
ومن شعر يحيى بن معين أيضاً:
أخلاء الرجال هم كثير ... ولكن في البلاء هم قليل
فلا يغررك خلة من تؤاخي ... فما لك عند نائبة خليل
سوى رجل له حسب ودين ... لما قد قاله يوماً فعول
كان يحيى بن معين يحج، فيذهب إلى مكة على المدينة، ويرجع على المدينة. فلما كان آخر حجة حجها خرج على المدينة، ورجع على المدينة، فأقام بها يومين أو ثلاثة، ثم خرج حتى نزل المنزل مع رفقائه، فباتوا، فرأى في النوم هاتفاً يهتف به: يا أبا زكريا، أترغب عن جواري؟ يا أبا زكريا، أترغب عن جواري؟ فلما أصبح قال لرفقائه: امضوا فإني راجع إلى المدينة، فمضوا ورجع، فأقام بها ثلاثاً، ثم مات، فحمل على أعواد النبي صلى اله عليه وسلم، وجعلوا يقولون: هذا الذاب عن رسول الله ﷺ الكذب.
стр. 9803
وقيل: إنه دخل المدينة ليلة جمعة، ومات من ليلته، فتسامع الناس بقدوم يحيى وبموته، فاجتمع العامة، وجاء بنو هاشم، فقالوا: نخرج له الأعواد التي غسل عليها النبي ﷺ ، فكره العامة ذلك، فكثر الكلام، فقال بنو هاشم: نحن أولى بالنبي ﷺ منكم، وهو أهل أن يغسل عليها، فأخرج الأعواد، فغسل عليها.
وفي رواية: فأخرجوا له سرير النبي ﷺ ، فحمل عليه فصلى عليه الوالي، ثم صلي عليه مراراً. وتوفي يحيى وسنه سبع وسبعون سنة.
قال إبراهيم بن المنذر: فرأى رجل في المنام النبي ﷺ وأصحابه مجتمعين، فقيل لهم: ما لكم مجتمعين؟ فقال: جئت لهذا الرجل أصلي عليه، فإنه كان يذب الكذب عن حديثي. وقيل: إنه لما مات يحيى بن معين نادى إبراهيم بن المنذر: من أراد أن يشهد جنازة المأمون على حديث رسول الله ﷺ فليشهد.
وعن ابن سيرين قال: رأيت يحيى بن معين في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: قربني، وأدناني، وزوجني ثلاث مئة حوراء، فقلت: بماذا؟ فأخرج شيئاً من كمه، فقال: بهذا، يعني: الحديث. زاد في حديث آخر مثله: وأدخلني عليه مرتين.
قال بعضهم: رأيت النبي ﷺ فيما يرى وهو نائم، ويحيى بن معين قائم على رأسه يذب عنه
стр. 9804
بمذبة. فلما أصبحت أتيت يحيى فأخبرته، فقال لي: نحن نذب عن رسول الله ﷺ الكذب.
وقال يحيى بن أيوب المقدسي: رأيت كأن النبي ﷺ نائم، وعليه ثوب مغطى، وأحمد ويحيى يذبان عنه. قال بعض المحدثين في يحيى بن معين:
ذهب العليم بعيب كل محدث ... وبكل مختلف من الإسناد
وبكل وهم في الحديث ومشكل ... يعيا به علماء كل بلاد
يحيى بن منقذ الفراديسي
كان شيخاً من الجند.
قال: ذبحت شاةً فأكلت لحمها، فسألت مكحولاً عن جلدها؟ فقال: أليس إنما ذبحتها للحمها؟ قلت: نعم، قال: فإن جلدها من لحمها.
يحيى بن موسى بن إسحاق
ويقال: ابن هارون القرشي حدث عن زيد بن يحيى بن عبيد بسنده إلى أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " لا تأتوا النساء في أدبارهن ". وبه عن النبي ﷺ في صلاة الجماعة أنه قال: " من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها ".
حدث عن علي بن معبد بسنده إلى حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : " أوحى الله إلي: يا أخا المرسلين، يا أخا المنذرين، أنذر قومك ألا يدخلوا بيتاً
стр. 9805
من بيوتي إلا بقلوب سليمة، وألسن صادقة وأيد نقية، وفروج طاهرة، ولا يدخلوا بيتاً من بيوتي ولأحد من عبادي عند أحد منهم ظلامة، فإني ألعنه ما دام قائماً بين يدي يصلي، حتى ترد تلك الظلامة إلى أهلها، فإذا فعل أكون سمعه الذي يسمع به، وأكون بصره الذي يبصر به، ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء ".
يحيى بن هانئ بن عروة بن فضفاض
ويقال: قعاص المرادي الكوفي حدث عن أبي حذيفة بسنده إلى عبد الرحمن بن علقمة قال: قدم وفد ثقيف على النبي ﷺ ومعهم هدية، فقال رسول الله ﷺ : " ما هذه معكم، هدية أم صدقة؟ فإن الصدقة يبتغى بها وجه الله، وإن الهدية يبتغى بها وجه الرسول وقضاء الحاجة "، قالوا: لا، بل هدية، فقبلها منهم، ثم جعلوا يستفتونه، ويسألونه، فما صلى الظهر إلا مع العصر.
وحدث يحيى بن هانئ عن عبد الحميد بن محمود قال: صليت مع أنس يوم الجمعة، فدفعنا إلى السواري، فتقدمنا أو تأخرنا، فقال أنس: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ .
وحدث عن نعيم بن دجاجة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا هجرة بعد النبي ﷺ . يعني بعد وفاته.
وحدث عن أبي خمير عن كعب:
стр. 9806
المطر روح الأرض. وكان يحيى بن هانئ ثقة صالحاً.
يحيى بن هانئ أبو صفوان
الرعيني الدمشقي قال يحيى بن هانئ: ولاني عمر بن عبد العزيز الصدقة بالجزيرة، فبلغت ثمانين ألفاً، فكتب إليه عمر يأمره أن يأخذ منها الثمن، ويبعث إليه بالبقية.
وحدث عن هشام بن عروة عن أبيه قال: تعرف صلاح القوم بطيب عرانهم، يعني: أفنيتهم.
يحيى بن هشام بن عبد الملك
ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص حدث عن عبد الملك بن مروان قال: الفكرة منك في عيوبك مطردة لمكايد الشيطان لك في عيوب غيرك.
стр. 9807
يحيى بن يحيى بن قيس بن الحارثة
ابن عمرو بن زيد بن عبد مناة بن الحسحاس، أبو عثمان الغساني، سيد أهل دمشق.
حدث عن عمرة عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " القطع في ربع دينار فصاعداً ".
كان يحيى بن يحيى عالماً بالفتيا والقضاء، توفي سنة خمس وثلاثين ومئة. وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين ومئة. يقال أنه شرب شربة، فشرق بها فمات.
وعن يحيى أنه نام، فاستيقظ، فقال: ما غلب علي النوم قط إلا خشيت ألا أستيقظ حتى أموت.
وعن يحيى قال: امش ميلاً عد مريضاً، امش ميلين أصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال زر أخاً في الله.
قال يحيى: أربع كلمات لا يقولهن عبد مؤمن بهن إلا بوأه الله بيتاً في الجنة: شهادة أن لا إله إلا الله، فإن الله يقول: " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم " والثانية: العبد إذا أصاب ذنباً قال: أستغفر
стр. 9808
الله، فإن يقول: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا " إلى " أجر العاملين " والثالثة: العبد إذا مرت به نعمة من نعم الله قال: الحمد لله، فإن الله يقول: " وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً " إلى " فنعم أجر العاملين " والرابعة: العبد إذا أصابته مصيبة رجع، فإن الله يقول: " الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله " إلى " وأولئك هم المهتدون "، كان يحيى يوصي ولده وأهل بيته فقال: أنزلوا الأضياف، ولا تكلفوا لهم مؤونة، فإنكم إذا تكلفتم لهم ثقلوا عليكم، فأطعموهم مما حضر. ولما خرجت المسودة، ولم يدخلوا الشام بعد قال ابن سراقة - يعني عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة ليحيى بن يحيى -: يا أبا عثمان، هل كتبت إلى المسودة؟ فقال يحيى: لا، إني أشهد الله أن ديني واحد، ووجهي واحد، ولساني واحد، فقال له ابن سراقة: تنام، وابن هند لا ينام. يعني: أنه قد كتب إليهم، فقال له يحيى: لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون عند الله أميناً.
قال يحيى بن يحيى: لما نزل عبد الله بن علي بالمسودة وحصروا دمشق، استغاث الناس بيحيى بن يحيى، فسأله الوليد بن معاوية أن يخرج إلى عبد الله بن علي ليأخذ لهم أماناً، فخرج إلى عبد الله بن علي، فأجابه إلى ذلك، فاضطرب بذلك الصوت حتى دخل المدينة، وقال الناس: الأمان، الأمان، فخرج من المدينة ناس كثير، وأصعدوا إليهم من المسودة خلقاً كثيراً، فقال له يحيى: اكتب لنا كتاباً بالأمان الذي جعلته لنا، فدعا بدواة
стр. 9809
وقرطاس، ثم ضرب ببصرة نحو المدينة، فإذا الحائط قد غشيه المسودة، فقال: نح هذا القرطاس عني، فإني قد دخلتها قسراً، فقال له يحيى: لا، والله ولكن دخلتها غدراً، لأنك جعلت لنا أماناً، فخرج عليه من خرج، ودخل عليه من دخل، فإن كان كما تقول فاردد رجالك عنها، وارددنا إلى مدينتنا، فقال له عبد الله بن علي: إنه والله لولا ما أعرف من مودتك لنا أهل البيت ما استقبلتني بهذا، فقال له يحيى: إن الله جعلك من أهل بيت الحق والرحمة والبركة، الذين لا يعرف لهم ولا يقبل منهم إلا العمل بتقوى الله وطاعته، واعلم أن قرابتك من رسول الله ﷺ لم تزد حق الله عليك إلا عظماً ووجوباً، ولم تزد الناس إلا إنكاراً للمنكر ومعرفة لكل ما وافق الحق، فقال عبد الله: تنح عني، ثم تذمم عبد الله بن علي فقال: يا غلام، اذهب به إلى حجرتي، تخوفاً عليه، لأنه كان عليه قميص أبيض وعمامة، فقد سود الناس كلهم، فليس يرى على أحد شيء من البياض غيره، ثم قال عبد الله: يا غلام، اذهب بهذا العلم واركزه في داره، وناد: من دخل دار يحيى بن يحيى فهو آمن، فلم يقتل فيها أحد، ولا في الدار التي أجير من بها، وانحشروا فيها فسلموا.
يحيى بن يزيد أبي حفصة
مولى مروان بن الحكم كان ممدحاً، جواداً، شاعراً.
دخل يحيى على الوليد بن عبد الملك لما بويع بالخلافة بعد أبيه فهنأه وعزاه وأنشد:
إن المنايا لا تغادر واحداً ... يمشي ببزته ولا ذا جنه
لو كان خلق للمنايا مفلتاً ... كان الخليفة مفلتاً منهنه
بكت المنابر يوم مات وإنما ... بكت المنابر فقد فارسهنه
لما علاهن الوليد خليفة ... قلن ابنه ونظيره فسكتنه
لو غيره قرع المنابر بعده ... أنكرته فطرحنه عنهنه
стр. 9810
وقال يحيى يذكر خروج يزيد بن المهلب، ويتأسف على الحجاج:
لا يصلح الناس إلا السيف إذ فتنوا ... لهفي عليك ولا حجاج للدين
لو كان حياً غداة الأزد إذ نكثوا ... لم يحص قتلاهم حساب ديرين
يحيى أبو محمد التميمي
حدث عن العباس بن الفضل العبدي بسند إلى أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن عائد المريض يخوض في الرحمة، فإذا جلس غمرته ".
يخلف بن عبد الله بن بحر
أبو سعيد المقرئ العروضي
حدث عن إبراهيم بن سعد الحبال بسنده إلى معقل بن يسار المزني قال: قال رسول الله ﷺ : " أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة ".
يرفا مولى عمر بن الخطاب وحاجبه
قال اليرفا: قال لي عمر بن الخطاب: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم: إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت.
وقال: قال لي عمر: إني على أمر من الناس جسيم، فإذا رأيتني قد حلفت على شيء فأطعم عني عشرة مساكين، كل مسكين نصف صاع من بر.
стр. 9811
لما استخلف عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي عبيدة: أما بعد. فإن أبا بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ توفي، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رحم الله أبا بكر العامل بالحق والآمر بالقسط، الآخذ بالعرف والسهل، القريب الوادع الحليم، فرغب إلى الله في العصمة برحمته، والعمل بطاعته، والخلود في جنته إنه على كل شيء قدير. والسلام.
فخرج يرفا مولاه حتى أتى أبا عبيدة بن الجراح، فقرأ كتاب عمر، فلم يسمع فيه بيعة أحد، فدعا أبو عبيدة معاذ بن جبل، فأقرأه الكتاب، فالتفت معاذ إلى الرسول فقال: رحم الله أبا بكر، ويح غيرك، ما فعل المسلمون؟ فقال: استخلف أبو بكر عمر فقال: الحمد لله، وفقوا وأصابوا، فقال أبو عبيدة: ما منعني عن مسألته منذ قرأت الكتاب إلا مخافة أن يستقبلني فيخبرني أنه ولى غير عمر، فقال له الرسول: يا أبا عبيدة، إن عمر بن الخطاب يقول لك: أخبرني عن حال الناس، وأخبرني عن خالد بن الوليد أي رجل هو؟ وأخبرني عن يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص كيف هما في حالهما ونصيحتهما للمسلمين، فقال: خالد خير رجل وأنصحه للإسلام، وأشده على عدوهم من الكفار، وعمرو ويزيد في نصيحتهما وجدهما كما يحب، وقال: وأخبرني عن أخويك سعيد بن زيد ومعاذ بن جبل، فقال: هما كما عهدت إلا أن السؤدد زادهما في الدنيا زهداً، وفي الآخرة رغبة. ثم قام الرسول، فقالا: أين تريد؟ قال: أرجع، فقالا: سبحان الله، انتظر حتى نكتب معك فكتبا: بسم الله الرحمن الرحيم. من أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب، سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد. فإنا عهدناك وأمر نفسك لك مهم، يا عمر، قد أصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك العدو والصديق، والضعيف والشديد، ولكل عليك حصة من العدل، فانظر كيف تكون عند ذلك يا عمر، وإنا نذكرك يوماً تبلى فيه السرائر، وتنكشف فيه العورات، وتعنت فيه الوجوه لعزة ملك قهرهم جبروته، فالناس له داخرون، يخافون، وينتظرون قضاءه، وإنه بلغنا أنه يكون في هذه الأمة رجال يكونون إخوان العلانية،
стр. 9812
أعداء السريرة، وإنا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا منك بغير المنزلة التي أنزلناها من أنفسنا، والسلام عليك.
فمضى الرسول بالكتاب إليه، وقال أبو عبيدة لمعاذ بن جبل: والله ما أمرنا عمر أن نظهر هلاك أبي بكر للناس، وما نعاه إليهم، فما يرى أن نذكر من ذلك شيئاً دون أن يكون هو الذي يذكره، قال معاذ: نعم ما رأيت، فسكتا، فلم يذكر للناس من ذلك شيئاً.
قال نافع: سمعت ابن عمر يحدث سعيد بن جبير قال: بلغ عمر بن الخطاب أن يزيد بن أبي سفيان يأكل ألوان الطعام فقال عمر لمولى له يقال له: يرفا: إذا علمت أنه قد حضر عشاؤه فأعلمني، فأعلمه، فأتى عمر فسلم، ورجل يقرب عشاءه، فجاء بثريدة لحم، فأكل عمر معه منها، ثم قرب شواء، فبسط يزيد يده، وكف عمر، وقال: الله يا يزيد، أطعام بعد طعام؟! والذي نفس عمر بيده لئن خالفتهم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم.
قال الزهري: كان عمر يأذن عليه مولاه يرفا.
قال المغيرة بن شعبة: أنا أول من رشا في الإسلام، كنت آتي فأجلس بالباب أنتظر الدخول على عمر، فقلت ليرفا حاجبه: خذ هذه العمامة، فإن عندي أختاً لها لتلبسها، فكان يدخلني، أجلس وراء الباب، فمن رآني قال: إنه ليدخل على عمر في ساعة ما يدخل عليه فيها أحد.
وعن المغيرة قال: قال رجل له: إن آذنك يعرف رجالاً فيؤثرهم بالإذن، قال: عذره الله، والله إن المعرفة لتبلغ عند الكلب العقور، والجمل الصؤول، فلا بك من الرجل الخير ذي الحسب؟ والله إن كنا لنصانع أرفى آذن عمر ﵁.
стр. 9813
يزيد بن أحمد بن يزيد
ابن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن تميم، أبو عمرو السلمي، مولى نصر بن الحجاج بن علاط حدث عن أبي مسهر بسنده إلى ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: " لم ير للمتحابين مثل التزويج ".
توفي أبو عمرو سنة إحدى أو سنة اثنتين وثمانين ومئتين.
يزيد بن أبان أبو عمرو الرقاشي
البصري القاص من زهاد البصرة.
حدث يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: ذكروا عند رسول الله ﷺ رجلاً، فذكروا قوته في الجهاد واجتهاده في العبادة، ثم إن الرجل طلع عليهم، فقالوا: يا رسول الله، هذا الرجل الذي كنا نذكر، قال: فوالذي نفسي بيده إني لأرى في وجهه سفعة من الشيطان، ثم أقبل فسلم، فقال رسول الله ﷺ : هل حدثت نفسك حين أشرفت علينا أنه ليس في القوم أحد خير منك؟ قال: نعم، فانطلق، فاختط مسجداً، وصفن بين قدميه يصلي، فقال رسول الله ﷺ : أيكم يقوم إليه فيقتله؟ قال: قال أبو بكر: أنا، فانطلق، فوجده قائماً، يصلي، فهاب أن يقتله، فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال له: ما صنعت؟ قال:
стр. 9814
وجدته يا رسول الله قائماً يصلي فهبت أن أقتله، فقال رسول الله ﷺ : أيكم يقوم إليه فيقتله؟ فقال عمر: أنا، فانطلق ففعل كما فعل أبو بكر، فقال رسول الله ﷺ : أيكم يقوم إليه فيقتله؟ فقال علي: أنا، فقال: أنت إن أدركته، فانطلق، فوجده قد انصرف، فرجع إلى النبي ﷺ فقال: ما صنعت؟ فقال: وجدته يا رسول الله قد انصرف. فقال رسول الله ﷺ : هذا أول قرن خرج من أمتي، لو قتلته ما اختلف اثنان بعده من أمتي. وقال: إن بني إسرائيل تفرقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة. قال يزيد الرقاشي: وهي الجماعة.
وحدث يزيد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة ".
وبه قال: قال رسول الله ﷺ : " سألت ربي أن لا يعذب اللاهين من ذرية البشر فأعطانيهم ".
دخل يزيد الرقاشي على عمر بن عبد العزيز فقال له: عظني، فقال: أنت أول خليفة يموت يا أمير المؤمنين؟ قال: زدني، قال: لم يبق أحد من آبائك من لدن آدم إلى أن بلغت النوبة إليك وقد ذاق الموت، قال: زدني، قال: ليس بين الجنة والنار منزل، والله " إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم "، وأنت أبصر ببرك وفجورك، فبكى عمر حتى سقط عن سريره.
بين المذكر وبين عمر بن عبد العزيز مدة، فالله أعلم. كان يزيد ضعيفاً قدرياً.
стр. 9815
قال يزيد الرقاشي: أما أن أقوم الليل فلا أستطيع ذلك، فإذا نمت من الليل فاستيقظت، فنمت الثانية فلا أنام الله عيني. وقال: على الماء البارد السلام بالنهار.
وجوع يزيد نفسه لله ستين سنة حتى ذبل جسمه، ونهك بدنه، وتغير لونه، وكان يقول: غلبني بطني فما أقدر له على حيلة.
قال يزيد: رأيت في منامي كأني قرأت على النبي ﷺ سورة. فلما فرغت قال لي - أو قيل له -: هذه القراءة، فأين البكاء؟ وكان يزيد من البكائين.
قال الهيثم بن جماز: دخلت على يزيد الرقاشي في يوم شديد حره، وهو يبكي، فقال لي: ادخل يا هيثم، تعال، نبك على الماء البارد في اليوم الحار، حدثني أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: " كل من ورد القيامة عطشان ".
وكان يزيد يبكي حتى تسقط أشفار عينيه. وكان يقول: أتروني أتهنأ بالحياة أيام الدنيا، وأنا أعلم أن الموت مصيري؟ وقيل: إنه بكى أربعين عاماً حتى تساقطت أشفاره، وأظلمت عيناه، وتغيرت مجاري دموعه.
وكان يزيد إن دخل بيته بكى، وإن شهد جنازة بكى، وإن جلس إليه إخوانه بكى، وأبكاهم، فقال له ابنه يوماً: كم تبكي يا أبت! والله لو كانت النار خلقت لك ما زدت على هذا البكاء! فقال: ثكلتك أمك يا بني، وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن، أما تقرأ يا بني " سنفرغ لكم أيها الثقلان " أما تقرأ: " يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران " فجعل يقرأ عليه حتى انتهى: "
стр. 9816
يطوفون بينها وبين حميم آن " فجعل يجول في الدار، ويصرخ، ويبكي حتى غشي عليه، فقالت للفتى أمه: يا بني، ما أردت بهذا من أبيك؟ قال: إنما أردت أن أهون عليه، لم أرد أن أزيده حتى يقتل نفسه.
كان يزيد الرقاشي يقول في كلامه: إلى متى تقول: غداً أفعل كذا، وبعد غد أفعل كذا وإذا أفطرت فعلت كذا، وإذا قدمت من سفري فعلت كذا؟ أغفلت سفرك البعيد، ونسيت ملك الموت، أما علمت أن دون غد ليلة تخترم فيها أنفس كثيرة، أما علمت أن ملك الموت غير منتظر بك أملك الطويل، أما علمت أن الموت غاية كل حي؟ ثم يبكي حتى يبل عمامته، ثم يقول: أما رأيت صريعاً بين أحبابه لا يقدر على رد جوابهم، بعد أن كان جدلاً، خصماً، سمحاً، كريماً عليهم؟ أيها المغتر بشبابه، أيها المغتر بطول عمره.
كان يزيد الرقاشي يقرأ هذه الآية على أصحابه: " كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق، وظن أنه الفراق " قال: تقول الملائكة بعضهم لبعض: من أي باب يرتقى بعمله فيرتقى فيه بروحه، ويقول أهله هذا والله حين فراقه، فيبكي إليهم ويبكون إليه، ولا يستطيع أن يحير إليهم جواباً. ثم بكى يزيد بكاءً شديداً.
قال أبو إسحاق: دخلت على يزيد الرقاشي وقت الظهيرة في بيته، وهو يتمرغ على الرمل مثل الجرادة، ويقول: ويحك يا يزيد! من يصوم عنك؟ من يصلي عنك؟ من يترضى لك ربك من بعدك؟ ثم التفت إلي فقال: يا معشر الناس، ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ من الموت موعده، والقبر بيته، والثرى فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر، ثم لا يعرف منقلبه: إلى الجنة أو إلى النار، ثم يبكي، حتى تسقط أشفار عينيه.
стр. 9817
تمنى قوم عند يزيد أماني فقال يزيد: أتمنى كما تمنيتم؟ قالوا: تمنه، فقال يزيد: ليتنا لم نخلق، وليتنا إذ خلقنا لم نمت، وليتنا إذا متنا لم نحاسب، وليتنا إذا حوسبنا لا نعذب، وليتنا إن عذبنا لا نخلد.
قال دهثم العجلي: قلت ليزيد: كيف أصبحت رحمك الله؟ قال: كيف يصبح من تعد عليه أنفاسه؟ ويحصى لانقضاء أجله؟ لا يدري على خير مقدم أم على شر، ثم ذرفت عيناه.
قال يزيد الرقاشي: انظروا إلى هذه القبور سطوراً بأفناء الدور، تدانوا في خططهم، وقربوا في مزارهم، وبعدوا في لقائهم، سكنوا فأوحشوا، وعمروا فأخربوا، فمن سامع بساكن موحش، وعامر مخرب غير أهل القبور؟ قال يزيد الرقاشي: خمس يقبحن من خمس: الحرص من القراء، والعجلة من الأمراء، والفحش من ذوي الشرف، والبخل من ذوي الأموال، والفتوة من ذوي الأسنان.
ولما حضر الموت يزيد الرقاشي قرأ: " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " ألا إن الأعمال محضرة، والأجور مكملة، ولكل ساع ما سعى، وغاية الدنيا وأهلها إلى الموت، ثم بكى، وقال: يا من القبر مسكنه، وبين يدي الله موقفه، والنار غداً مورده، ماذا قدمت لنفسك؟ ماذا أعددت لمصرعك؟ ما أعددت لوقوفك بين يدي ربك؟.
стр. 9818
يزيد بن الأخنس بن حبيب بن جرة
ابن زعب بن مالك بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور، أبو معن السلمي، والد معن بن يزيد له صحبة. بايع سيدنا رسول الله ﷺ .
حدث يزيد أن رسول الله ﷺ قال: " لا تنافس بينكم إلا في اثنتين: رجل أعطاه الله قرآناً، فهو يقوم به الليل والنهار، ويتبع ما فيه، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثلما أعطى فلاناً فأقوم به كما يقوم به، ورجل أعطاه الله مالاً فهو ينفق ويتصدق، ويقول رجل مثل ذلك ".
وعن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله ﷺ قال: " إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب ". فقال يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمتك يا رسول الله إلا كالذباب الأصهب في الذبان.
وعن يزيد بن الأخنس:
أنه لما أسلم أسلم معه جميع أهله إلا امرأة واحدة أبت أن تسلم، فأنزل الله : " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " فقيل له: قد أنزل الله أنه فرق بينها وبين
стр. 9819
زوجها إلا أن تسلم، فضرب لها أجل سنة. فلما مضت السنة إلا يوم جلست تنظر الشمس حتى إذا دنت للغروب أسلمت، وقالت: المستضعفة المستكرهة على دينها ودين آبائها. فلما دخلت في الإسلام حسن إسلامها وفقهت في الدين، فكانوا يعجبون منها، ويقولون: هذه التي استضعفت واستكرهت؟ فقالت: تعجبون مني، عجبت منكم أشد من إعجابكم، ألا سجنتم ألا ضربتم في الله؟ والله لو ظهر الإيمان على دب أشعر لخالط الناس.
قال يزيد: بايعت النبي ﷺ أنا وأبي وجدي، وخاصمت إليه فأفلجني. وعقد رسول الله ﷺ ليزيد يوم فتح مكة لواء من الألوية الأربعة التي عقدها لبني سليم.
سكن يزيد الكوفي هو وولده، وشهد معن بن يزيد يوم المرج، مرج راهط.
وزغب: بكسر الزاي، وروي بالعين المهملة والغين المعجمة. وجرة: بالجيم.
وشهد هو وأبوه وجده بدراً، ولا يعلم رجل وابنه وابن ابنه شهدوا بدراً غيرهم، ولم يصحح أهل المغازي شهودهم بدراً، ولم يذكروهم في البدريين، ولكن لهم صحبة.
يزيد بن أسد بن كرز بن عامر
ابن عبد الله بن عبد شمس بن غمغمة بن جرير بن شق الكاهن بن صعب بن يشكر بن رهم أبو الهيثم القسري، البجلي جد خالد بن عبد الله القسري. شهد صفين مع معاوية.
عن خالد بن عبد الله القسري عن أبيه أن النبي ﷺ قال لجده يزيد بن أسد: " أحب للناس ما تحب لنفسك ".
стр. 9820
وعن أسد بن كرز سمع النبي ﷺ يقول: " المريض تحات خطاياه كما يتحات ورق الشجر ".
وغزا يزيد بن أسد أرض الروم، ففتح قيسارية أرض الروم، وسبى منها خمسة وأربعين ألفاً.
وعن يزيد بن أسد، أنه قال عند معاوية يوم حجر بن الأدبر: أنت الجنة ونحن العدة، ولم يعطك الله بالعقوبة شيئاً إلا وقد أعطاك بالعفو أفضل منه. في كلام تكلم به.
دخل عبد الله بن يزيد بن أسد على معاوية في مرضه الذي مات فيه، فرأى منه جزعاً فقال: ما يجزعك يا أمير المؤمنين؟ إن مت فإلى الجنة، وإن عشت فقد علم الله حاجة الناس إليك. قال: رحم الله أباك إن كان لناصحاً، نهاني عن قتل ابن الأدبر، يعني حجراً، ثم عاده عبد الله بن يزيد فعاد معاوية مثل ذلك القول.
يزيد بن الأسود أبو الأسود
ويقال: أبو عمرو - الجرشي أدرك الجاهلية وأسلم. ولم يلق سيدنا رسول الله ﷺ . وسكن زبدين.
стр. 9821
قيل: إنه كان يصلي العشاء الآخرة بمسجد دمشق، ويخرج إلى زبدين، فتضيء إبهامه اليمنى، فيمشي في ضوئها إلى زبدين.
قال يونس بن ميسرة: قلت ليزيد بن الأسود: كم أتى عليك؟ قال: أدركت العزى تعبد في قرية قومي.
والجرشي: بضم الجيم وفتح الراء وكسر الشين المعجمة.
كان يزيد بن الأسود يسير هو ورجل من أهل حمص يقال له: عمرو بن ذي الحليف في أرض الروم، فبينا هما يسيران إذ سمعا منادياً ينادي: يا يزيد بن الأسود، إنك لمن المقربين، وإن صاحبك لمن العابدين، وما نحن بكاذبين، وإنا على ذلكم من الشاهدين. قال: فكان هذا يقول لهذا: أنت نوديت.
كان الأوزاعي يقول إذا ذكر هذا الحديث: إلى هذا انتهى الفضل.
وعن أبي اليمان، أن يزيد بن الأسود قال لقومه: اكتبوني في الغزو، قالوا: قد كبرت، وضعفت، وليس بك غزو، قال: سبحان الله! اكتبوني في الغزو، فأين سوادي في المسلمين؟ قالوا: أما إذ فعلت فأفطر وتقو على العدو، قال: ما كنت أراني أبقى حتى أعاتب في نفسي، والله لا أشبعها من طعام ولا أوطئها من منام حتى تلحق بالذي خلقها. ولقد أدركت أقواماً من سلف هذه الأمة، قد كان الرجل إذا وقع في هوية أو وحلة نادى يا لعباد الله، فيستخرجونه ودابته مما هو فيه. ولقد وقع رجل ذات يوم
стр. 9822
في وحلة، فنادى يا لعباد الله، فما أدركت منه إلا مفاضه في الطين، فلأن أكون أدركت من متاعه شيئاً، فأخرجه من تلك الوحلة أحب إلي من دنياكم التي ترغبون فيها.
وكانوا يرون يزيد بن الأسود من الأبدال. ولقد حلف - وبر - ألا يضحك، ولا ينام مضطجعاً، ولا يأكل سميناً أبداً، فما رئي ضاحكاً ولا مضطجعاً ولا أكل سميناً حتى مات، ﵀.
وعن سليم بن عامر أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون.
فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي، فناداه الناس، فأقبل يتخطى الناس، فأمره معاوية، فصعد المنبر، فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم، إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم، إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد، ارفع يديك إلى الله، فرفع يزيد يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب، كأنها ترس، وهبت لها ريح، فسقينا حتى كاد الناس ألا يبلغوا منازلهم.
أصاب الناس قحط بدمشق، وعليها الضحاك بن قيس، فخرج بالناس يستسقي، فقال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فلم يجبه أحد، قال: أين يزيد بن الأسود؟ فلم يجبه، ثم قال: أين يزيد بن الأسود، عزمت عليه إن كان يسمع كلامي إلا قام، فقام وعليه برنس، واستقبل الناس بوجهه، ورفع جانبي برنسه على عاتقيه، ثم رفع يديه ثم قال: أي رب، إن عبادك قد تقربوا بي إليك فاسقهم، فانصرف الناس وهم يخوضون الماء، فقال: اللهم، إنه شهرني فأرحني منه، فما أتت جمعة حتى قتل الضحاك.
ولما وقعت الفتنة قال الناس: نقتدي بهؤلاء الثلاثة، يزيد بن الأسود،
стр. 9823
ويزيد بن نمران وربيعة بن عمرو، فأما ربيعة فقتل براهط، وأما يزيد بن نمران فلحق بمروان، وأما يزيد بن الأسود فاعتزل.
لما خرج عبد الملك إلى مصعب بن الزبير رحل معه يزيد بن الأسود. فلما التقوا قال يزيد: اللهم احجز بين هذين الجبلين، وول الأمر أحبهما إليك قال: فظفر عبد الملك.
قال يونس بن حلبس: دخلنا على يزيد بن الأسود، فأخذ بيدي، ودخل عليه واثلة بن الأسقع، فأخذ بيده فمسح بها وجهه وصدره، لأنه بايع بها رسول الله ﷺ ، فقال له واثلة: كيف ظنك بربك؟ قال: خير. قال: فأبشر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن خير فخير، وإن شر فشر ".
زاد في رواية: " فليظن بي ما شاء ".
وفي حديث آخر أنه قال: كيف ظنك بالله؟ قال: أغرقتني ذنوب لي أشتات على هلكة، ولكن أرجو رحمة الله.
وفي رواية أنه قال له: كيف أصبحت؟ فقال له يزيد: في خوف لا انقطاع له، ثم أغمي عليه ملياً، ثم فتح عينيه، وقال: ورجاء فوق ذلك، فقال واثلة: الله أكبر، الله أكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قال الله ﵎: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما أحب ".
стр. 9824
يزيد بن أسيد بن زافر
ابن أبي أسماء بن أبي السيد بن منقذ بن مالك بن عوف، ابن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور السلمي ولي إرمينية لمروان بن محمد، ووليها للمنصور، وكان شجاعاً.
قال يزيد بن أسيد: إنه كان فيمن سار مع سعيد الحرشي، أو قال: ممن وجه هشام بن عبد الملك مع سعيد الحرشي. فلما دعاهم إلى لقاء خزر، الذين معهم سبقة المسلمين، فأجابوه إلى ذلك، وأرسله في فوارس طليعةً ليأتيه بخبرهم، قال: فأشرفنا على عسكرهم، فرأينا نساء المسلمين أوقدن النيران على أبواب أبنية خزر يبكين أنفسهن، ويندبن الإسلام. قال يزيد: فأرقنا ذلك، وألقينا السمع إليهم، فأتينا بما رأينا وسمعنا.
قال: وذكر من شاهد ذلك اليوم، يعني: يوم قاتل ابن أسيد في ولاية بني العباس، قال:
ركب ابن أسيد على بغلة شهباء وقد تعبأ الناس، ووطنوا أنفسهم على القتال، وأقبل ابن أسيد على الناس وقال: يا معشر المسلمين وأبناء المهاجرين والشهداء، إن الله قد أنعم عليكم، وأحسن إليكم أن رزقكم الأجر، وساقكم إلى هذا الموضع، وجعلكم ممن يختم عمره بالشهادة في سبيله، التي يكفر بها ذنوبكم ويدخلكم الجنة، ويزوجكم من الحور العين، قابلوا الله في هذه المواطن بالحسنى، واستحيوا أن يطلع من قلوبكم على ريبة، أو خذلان، أو فرار من الزحف، فإن الله مقبل عليكم بوجهه، وقد اطلعت عليكم الحور
стр. 9825
العين، وزخرفت الجنة، وأنتم أبناء الشهداء، ومن فتح الله بهم القلاع والمدائن والحصون وجزائر البحور، وليس موت بأكرم من القتل، فلا يحدثن إنسان نفسه أن تزول قدماه لفرار ولا هرب، فلو فعل ذلك فاعل منكم لتخطفه أهل هذا الجبل، وهذه الأمم، ولكانوا أعدى العدو له، فاستودعوا دماءكم هذه البقعة، فإنها بقعة طيبة، ساقكم الله إليها وأكرمكم بها، واعلموا أنه آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، وإنما تقاتلون من لا يعرف الله ولا يوحده، ومن يعبد الشمس والنار، ويأكل الميتة، لا يعرف له رباً، ناداً عن التوحيد وأهله، فلتصدق نيتكم، وليحسن ظنكم بثواب ربكم وإنجاز موعده لكم، وقد استخلفت عليكم عبد الرحمن بن أسيد إن أصابتني مصيبة، ثم تقدم إلى كل جند في الصف، فكلمهم بهذا الكلام.
غزا يزيد بن أسيد غزاة ذاذ قشة بناحية بحر الخزر سنة خمس وخمسين ومئة.
عزل المنصور يزيد بن أسيد عن الجزيرة، وولى أخاه العباس فعسف يزيد. فقال يزيد لأبي جعفر: يا أمير المؤمنين، إن أخاك أساء عزلي، وشتم عرضي، فقال أبو جعفر: يا يزيد، اجمع بين إحساني وإساءته، يعتدلان، فقال يزيد: إذا كان إحسانكم جزاء لإساءتكم كانت الطاعة منا تفضلاً.
يزيد بن الأصم
وهو يزيد بن عمرو - ويقال: يزيد بن عبد عمرو - بن عدس ابن معاوية بن عبادة، أبو عوف العامري.
وهو ابن أخت ميمونة زوج النبي ﷺ وابن خالة ابن عباس.
حدث عن ميمونة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سجد جافى حتى يرى من خلفه بياض إبطيه.
стр. 9826
قال يزيد بن الأصم: دخلت على خالتي ميمونة فوقفت في مسجد رسول الله ﷺ أصلي، فبينا أنا كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ ، فاستحيت خالتي لوقوفي في مسجد رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ألا ترى إلى هذا الغلام وريائه؟ فقال النبي ﷺ : دعيه، فلأن يرائي بالخير من أن يرائي بالشر.
وفي حديث آخر عن يزيد قال: كنت غلاماً عارماً فقاتلت الغلمان يوماً فهزموني، فدخلت بيت ميمونة زوج النبي ﷺ ، فقمت أصلي في المسجد، وعندها نسوة، فقال بعضهن: أما ترين ما يصنع هذا الخبيث؟ قالت: دعوه، فإن الخير بالعادة.
وروى ابن الأصم عن عمه قال: كنت عند معاوية فذكر ربيعة الجرشي علياً، فقام إليه سعد، فجعل يحثي عليه التراب، وقال لمعاوية: أيذكر علي عندك؟! قال: وحثا على ربيعة التراب وقال: وعليك وعليك.
قال يزيد بن الأصم: أتيت معاوية، فأجازني بجائزة، فلم أرضها، ورميت بها، فقلت: أنت الذي لم تصل الرحم.
قال يزيد بن الأصم: كنت عند عبد الملك بن مروان فساءلني عن قول الله : " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض " الآية. قال يزيد: فقلت: اللهم، إني أبتغي وجهك اليوم، وذكرت حدثنيه أبو هريرة عن النبي ﷺ فقلت: التجبر في الأرض، والأخذ بغير الحق، فنكس عبد الملك برأسه، وجعل ينكت في الأرض بقضيب في يده.
стр. 9827
قال يزيد بن الأصم: كنت جالساً عند سليمان بن عبد الملك، فجاء رجل يقال له: أيوب، كان على جسر منبج، يحمل مالاً مما يوجد على الجسر، فقال عمر بن عبد العزيز: هذا رجل مترف يحمل مال سوء. فلما قام عمر خلى سبل الناس من الجسور والمعابر.
توفي يزيد بن الأصم سنة ثلاث أو أربع ومئة، وقيل: سنة إحدى ومئة.
قال يزيد بن الأصم: خرجت أنا وابن طلحة بن عبيد الله التيمي، فلقيت عائشة وهي حاجة، وكان ابن طلحة ابن أخت عائشة، فمررنا بحائط من حيطان المدينة، فأصبنا منه، فبلغ ذلك عائشة فلامت ابن أختها وعاتبته، وأقبلت علي فقالت: إن مما أنعم الله عليك أن جعلك في بيت نبيه ﵇، فكنت في حجر ميمونة زوج النبي ﷺ ، ووعظتني موعظة أبلغت إلي فيها، ثم قالت: ذهبت ميمونة، ورمي برسنك على غاربك، ثم قالت: هيهات غدر، لا ميمونة لك، ثم قالت: يرحمها الله، إن كانت لمن أتقانا لله وأوصلنا للرحم.
قال ميمون بن مهران: أمرني عمر أن أسأل يزيد بن عمرو عن نكاح رسول الله ﷺ ميمونة فسألته فقال: نكحها رسول الله ﷺ حلالاً بسرف، وماتت بسرف، فذلك قبرها تحت السقيفة.
زاد في آخر: قال ميمون: أتيت إلى عطاء بن أبي رباح فسمعته يخبر أن رسول الله ﷺ خطبها، وهو
стр. 9828
حرام، وملكها وهو حرام. فلما انصدع من حوله حدثته بحديث يزيد بن الأصم، فقال: انطلق بنا إلى صفية بنت شيبة، فدخلنا عليها، فإذا عجوز كبيرة، فسألها عطاء عن ذلك فقالت: خطبها رسول الله ﷺ وهو حلال، وملكها هو حلال، ودخل بها وهو حلال.
كتب يزيد بن الأصم إلى الحسين بن علي ﵉ حين خرج: أما بعد. فإن أهل الكوفة قد أبوا إلا أن يبغضوك، وقل من أبغض إلا قلق، وإني أعيذك بالله أن تكون كالمغتر بالبرق، وكالمهريق ماء السراب، " فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك " أهل الكوفة " الذين لا يوقنون "
يزيد بن بشر السكسكي
قال يزيد: بعثني عبد الملك بن مروان بكسوة إلى الكعبة، فخرجنا حتى نزلنا تيماء، فأتانا سائل فقال: تصدقوا، فإن الصدقة تدفع سبعين باباً من السوء، فقلت: من أعلم هذه القرية؟ قالوا: نسي، فأتيته، فاستأذنت على الباب، فاطلعت إلي جارية، فقلت: ههنا نسي؟ قالت: نعم، فاستأذنته، فذهبت، ثم اطلعت، فقالت: ارق، فرقيت. فلما رآني أخذ يتوضأ، فقلت: مالك لما رأيتني أخذت تتوضأ؟ قال: إن الله قال لموسى: يا موسى، توضأ، فإن أصابك شيء وأنت على غير وضوء فلا تلومن إلا نفسك، قلت: يرحمك الله، إنه أتانا سائل، فقال: تصدقوا، فإن الصدقة تدفع سبعين باباً من السوء، قال: صدق، من هدة الجدار، ومن الغرق، وذكر أشياء من المنايا، فخرجت حتى أتيت المدينة، ولقيت عبد الله بن عمر، فسأله رجل من أهل العراق فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنك تحج وتعمر، ولا تغزو، فسكت عنه ثم أعادها فسكت عنه، ثم أعادها، فقال له ابن عمر: إن الإسلام بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله
стр. 9829
وأن محمد عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم شهر رمضان. والجهاد والصدقة من العمل الصالح. هكذا حدثنا رسول الله ﷺ .
زاد في آخر: قلت: وتنجي من النار؟ قال: نعم.
يزيد بن بشر بن يزيد بن بشر
الكلبي، دمشقي.
قال يزيد: سئل عمر بن عبد العزيز عن علي وعثمان والجمل وصفين وما كان بينهم، فقال: تلك دماء كف الله يدي عنها، وأنا أكره أن أغمس لساني فيها.
يزيد بن تميم بن حجر السلمي
مولى عبيد الله بن نصر بن الحجاج بن علاط، الكاتب، كان على خراج الوليد.
لما هدم الوليد كنيسة دمشق وبنى بها مسجداً التفت إلى يزيد بن تميم فقال: ابعث إلى اليهود حتى يأتوا على هدمها، ففعل، فجاء اليهود فهدموها.
يزيد بن جابر الأزدي والد يزيد
وعبد الرحمن.
حدث عن عمرو بن عنبسة عن النبي ﷺ قال: " أقرب ما يكون الرب من العبد جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فافعل ".
стр. 9830
وحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " يجزئ من السترة مثل مؤخرة الرحل، ولو أنه شعرة ".
وفي رواية: " وإن كان مثل الخيط في الدقة ".
وعن يزيد بن جابر: " واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب " قال: يقف إسرافيل على صخرة بيت المقدس ويقول: يا أيتها العظام النخرة، والجلود المتمزقة، والأشعار المتقطعة، إن الله يأمرك أن تجتمعي لفصل الحساب.
يزيد بن أبي جميل
أظنه والد عمران بن يزيد، فإن كان هو فإنه يزيد بن خالد بن أبي جميل.
حدث عن حجاج عن كعب قال: من البر أن تبر من كان أبواك يبران، وسيد الأبرار يوم القيامة المتباذلون، المتواصلون في الله.
يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب
ابن أبي صفرة، الأزدي المهلبي البصري قدم دمشق صحبة المنصور، ووجهه منها والياً على المغرب. وولي مصر للمنصور، وولي المغرب للمنصور، المهدي، والهادي، وبعض أيام الرشيد قال يزيد بن حاتم: قال ابن زياد حين قدم الشام: لقد منعتني قبيلة، ما رموا دوني بسهم، ولا حجر
стр. 9831
فقال له رجل من أسد الشراة: فمن أين جئت؟ أما والله لئن كفرتهم، لقبلك ما كفرهم أبوك.
قال يزيد بن حاتم: ولاني المنصور المغرب - وهو بدمشق - وخرج معي يشيعني، فتغير لذلك أقوام منهم شبيب بن شيبة، وشبة بن عقال التميميان، ورفعا إلى المنصور كتاباً، لم يألوا فيه الحمل علينا والذكر لمساوئنا، ويخوف المنصور منا، فأقرأني المنصور كتابهما، ثم قال لي: إني لم أدفعه إليك، لتحتج وقد كفيتك الحجاج، إني لما دفعا إلي هذا الكتاب أعلمتهما أنك غائب عن الحجة، وإني أقوم بها عنك، خبرتهما ببدء أمر رسول الله ﷺ ودعائه الناس إلى الله، وإلى دينه، وامتناعهم منه غيرك وغير قومك، فلما قبض الله رسول الله ﷺ خرج الأمر عن أهله بغيرك وغير قومك، فلما أراد الله أن يظهر حقهم أجراه على يديك، وأيدي قومك، وكان لك ولأهل بيتك حظ غبر مجهول، حتى بلغ الله في ذلك ما بلغ، وقلت لهما: أردتما أن تجعلا لأنفسكما في هذا الأمر حظاً كحظ يزيد، وحقاً كحقه، ثم عددت عليهما أمر سلم بن قتيبة، وعامر بن ضبارة، وغيرهما ممن كان يقاتل في طاعة مروان الجعدي، وقلت لهما: لولا أني لم أتقدم إليكما لأحسنت أدبكما، ولئن بلغني أنه جرى لهذا ذكر على ألسنتكما بعد يومي هذا لأوقعكن بكما، ثم دفع إلي الكتاب فشكرته على ذلك ودعوت له.
فلما صرت بإفريقية وجه إلي المنصور شبيب بن شيبة في بعض ما كان يتوجه في مثله الخطباء، فلم أعرفه شيئاً من ذلك، ولم أؤاخذه، وبلغت به بعض ما أمل عندي. فلما أراد الانصراف ذكر أنه لم يكن قط إلا على مودتي أهل بيتي فقلت له: ولا يوم دفعت الكتاب إلى أمير المؤمنين! ودعوت بالكتاب، فأقر، وسأل الإقالة، وحسن الصفح، فقلت له: لولا أنك ذكرت ما ذكرت، ولولا أني كرهت أنك تستغبيني، وتظن أني جاهل بك لم أوقفك على هذا، وسأل دفع الكتاب إليه، فلم آمن أن يرجع به إلى المنصور، فأمرت بتخريقه.
стр. 9832
قال يزيد بن حاتم: كنت على باب المنصور أنا ويزيد بن أسيد إذ فتح باب القصر، وخرج إلينا خادم للمنصور، فنظر إلينا ثم انصرف عادياً، فأخرج رأسه من الستر وقال:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم
ثم انصرف ثم عاد، فأنشد ذلك ثلاث مرات، فقال يزيد بن أسيد، وتمتم: نعم نعم على رغم أنفك وأنف من أرسلك، فرجع الخادم فأبلغها المنصور، فبلغنا أنه ضحك حتى استلقى.
قال صفوان بن صفوان من بني الحارث بن الخزرج: كنا مع يزيد بن حاتم فقال: استنقوا إلي ثلاثة أبيات، فقلت: أفيك؟ قال: فيمن شئتم، فكأنها كانت في كمي فقلت:
لم أدر ما الجود إلا ما سمعت به ... حتى لقيت يزيداً عصمة الناس
لقيت أجود من يمشي على قدم ... مفضلاً برداء الجود والباس
لو نيل بالمجد ملك كنت صاحبه ... وكنت أولى به من آل عباس
ثم كففت، فقال: أتمم: " من آل عباس "، قلت: لا يصلح، فقال: لا يسمعن هذا منك أحد.
قال الجاحظ: قال الأصمعي يوماً وقد جئته مسلماً، وذكر الشعراء المحسنين المداحين من المولدين،
стр. 9833
فقال لي: يا أبا عثمان، ابن المولى من المحسنين المداحين، ولقد أسهرني في ليلتي هذه حسن مديحه يزيد بن حاتم حيث يقول:
وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري
وإذا تخيل من سحاب لامع ... سبقت مخيلته يد المستطمر
فإذا صنعت صنيعة أتممتها ... بيدين ليس نداهما بمكدر
وإذا الفوارس عددت أبطالها ... عدوك في أبطالهم بالخنصر
وقال ربيعة بن ثابت يمدح يزيد بن حاتم، ويهجو يزيد بن أسيد السلمي:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم
يزيد سليم سالم المال والفتى ... أخو الأزد للأموال غير مسالم
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
وهم الفتى القيسي دف ولعبة ... وهم الفتى الأزدي ضرب الجماجم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم
كان يزيد بن حاتم بإفريقية وولد له بالبصرة مولود، فأتاه بشير يبشره به فسماه المغيرة، وكان عنده المشهر التميمي فقال: بارك الله لك فيه، وبارك له في بنيه كما بارك لجده في أبيه.
وكان خروج يزيد إلى إفريقية في سنة خمس وخمسين ومئة ففتحها، وتوفي بها سنة سبعين ومئة.
стр. 9834
يزيد بن حازم أبو بكر الأزدي
الجهضمي البصري حدث عن عكرمة مولى ابن عباس قال: كان عمرو بن الجموح شيخاً من الأنصار أعرج. فلما خرج النبي ﷺ إلى بدر قال لبنيه: أخرجوني، فذكروا للنبي ﷺ عرجه وحاله، فأذن له في المقام. فلما كان يوم أحد خرج الناس فقال لبنيه: أخرجوني، فقالوا: لقد رخص لك النبي ﷺ وأذن، قال: هيهات، منعتموني الجنة ببدر وتمنعونيها بأحد؟ فخرج. فلما التقى الناس قال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت اليوم أطأ بعرجتي هذه الجنة؟ فقال: نعم، قال: فوالذي بعثك بالحق لأطأن بها في الجنة اليوم إن شاء الله، فقال لغلام له كان معه، يقال له سليم: ارجع إلى أهلك، قال: وما عليك إن أصبت اليوم خيراً معك، قال: تقدم إذاً، فتقدم العبد فقاتل حتى قتل، ثم تقدم فقاتل حتى قتل.
حدث يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار قال: أصبح أبو أسيد وهو يسترجع فقيل له: مالك؟ فقال: نمت عن حزبي الليلة، وكان وردي البقرة، فرأيت كأن بقرة تنطحني.
وحدث عنه قال: قال أبو أسيد حين ذهب بصره: الحمد لله الذي متعني ببصري في حياة النبي ﷺ أنظر إليه. فلما قبض رسول الله ﷺ وأرادوا الفتنة كف علي بصري.
قال جرير بن حازم: رأيت في المنام كأن رأسي في يدي أقلبه، فسألت ابن سيرين فقال: أحد من
стр. 9835
والديك حي؟ قلت: لا، قال: ألك أخ أكبر منك؟ قلت: نعم، قال: اتق الله وبره ولا تقطعه، وكان بيني وبين يزيد أخي شيء.
توفي يزيد بن حازم سنة سبع، أو أول سنة ثمان وأربعين ومئة.
يزيد بن حجية بن عبد الله
ابن خالد بن حجية بن عبد الله بن عائذ شهد صفين مع علي، وكان أحد الشهود في كتاب الصلح، وكان من أصحاب علي، واستعمله على الري فجمع مالها، واحتمله، وقدم به الكوفة، فبلغ علياً، فسأله عن المال فجحده، فدفعه إلى مولاه سعد، فحبسه، فوثب يزيد على سعد فأدرجه في عباءة وهرب، فبعث علي في طلبه زياد بن خصفة، فبلغ هيت، ففاته، فرجع، فقال يزيد بن حجية:
خدعت سعيداً وارتمت بي مطيتي ... إلى الشام واخترت الذي هو أفضل
وغادرت سعداً مدرجاً في عباءة ... وسعد عبام مستهام مضلل
منها:
ولما وردت الشام أحببت أهله ... لأني بحب الصالحين موكل
وأحببتهم من حب عثمان إنه ... إمام الهدى الوالي الذي هو أعدل
وأبلغ علياً أنني من غدوه ... سأسعى مع الساعي عليه وأرحل
وقالوا علي ليس يقتل مسلماً ... فمن ذا الذي يسحي الرقاب ويقتل
أراق دماء المسلمين كأنما ... جرى بدماء الناس في القاع جدول
وقال في زياد بن خصفة أبياتاً. وأتى الرقة، فنزلها، وكتب إلى معاوية يستأذنه في القدوم عليه، فكتب إليه يأذن له. ويمنيه. فارتحل إلى الشام وقال:
стр. 9836
أحببت أهل الشام من حبي التقى ... وبكيت من جزع على عثمان
أخبرت قومك أسلموك فسلمي ... واستبدلي وطناً من الأوطان
أرضاً مقدسة وقوماً منهم ... أهل اليقين وتابع الفرقان
فبلغ علياً الشعر، فقال: اللهم، إن ابن حجية هرب بمال المسلمين، وناصبنا مع القوم الظالمين، اللهم، اكفنا كيده، واجزه جزاء الغادرين، فأمن القوم، فقال عفاق بن أبي رهم التيمي: ويلكم، تؤمنون على ابن حجية، شلت أيديكم، فوثب عليه عنق من الناس، فضربوه، فاستنقذه زياد بن خصفة التيمي، ففارقهم عفاق، فقال زياد بن خصفة من أبيات:
ولولا دفاعي عن عفاق ومشهدي ... هوت بعفاق أمس عنقاء مغرب
دعوت عفاقاً للهدى فاستغشني ... وولى عفاق معرضاً وهو مغضب
سنلقى إلهي من عفاق بشيعة ... إذا دعيت للناس جاءت تحزب
فقال عفاق لزياد بن خصفة: لو كنت أحسن الشعر لأجبتك، ولكني أخبركم عنكم: والله لا تصيبون خيراً بعد ثلاث كن فيكم: سرتم إلى أهل الشام في بلادهم، حتى إذا علوتموهم ظهراً خدعوكم برفع المصاحف، فثنوكم عنهم، فرجعتم إلى بلادكم، فلا يعود لكم مثل ذلك الجمع أبداً. ثم بعثتم حكماً، فرجع صاحبكم خالعاً لصاحبه، ورجع صاحبهم يدعى أمير المؤمنين، فرجعتم متباغضين. ثم خالفكم قراؤكم وفرسانكم وأهل البصيرة وأهل النكاية في عدوكم، فغدوتم عليهم، فقتلتموهم، فلن تزالوا بعدهم متضعضعين.
وقال يزيد بن حجية، ويقال: إن الذي قاله ضبة بن محصن العنزي:
يا طول ليلي بالرقاب لم أنم ... ما إن يؤرقني حزني ولا سقمي
إلا مخافة أمر كنت أحذره ... أخشى على الأصل منه زلة القدم
أخشى عليهم علياً أن يكون لهم ... مثل العذاب الذي عفى على إرم
ويروى:
........ مثل القعود الذي عفى على إرم
стр. 9837
يزيد بن الحر ويقال ابن زحر
ويقال: ابن الحرام - العبسي من وجوه أهل دمشق. شهد صفين مع معاوية، وكان أحد شهوده في صحيفة صلحه مع علي على تحكيم الحكمين.
كتب عثمان إلى معاوية سنة ست وعشرين: أن أغز الروم رجلاً حازماً أريباً ذا سن وحنكة، فأغزى يزيد بن الحر، وكان من خيار المسلمين، وعقد له على الصائفة فغزا.
لما بلغ معاوية مسير علي إليه سار معاوية نحوه، وعبأ عساكره. فلما فرغ من التعبئة، ووضع الناس مواضعهم قام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس، والله ما أصبت الشام إلا بالطاعة، ولا أضبط حرب العراق إلا بالصبر، ولا أحايد أهل الحجاز إلا باللطف، وقد تهيأتم، وسرتم لتمنعوا الشام، وتأخذوا العراق، وسار القوم ليمنعوا العراق ويأخذوا الشام، لعمري ما للشام رجال العراق ولا أموالها، ولا للعراق صبر أهل الشام ولا بصائرها، مع أن القوم بعدهم أعدادهم، وليس بعدكم غيركم، فإن غلبتموهم لم تغلبوا إلا من أتاكم، وإن غلبوكم غلبوا من بعدكم، والقوم لاقوكم بكيد أهل العراق، ورقة أهل اليمن، وبصائر أهل الحجاز، وقسوة أهل مصر، وإنما ينصر غداً من أبصر اليوم، فاستعينوا بالله، واصبروا " إن الله مع الصابرين ".
стр. 9838
يزيد بن حصين بن نمير
ابن ناتل بن لبيد بن جعثنة السكوني الحمصي حدث يزيد بن حصين، أن رجلاً قال: يا رسول الله، أرأيت، سبأ: رجل أو امرأة؟ فقال رسول الله ﷺ : رجل، فقال: يا رسول الله ما ولد من العرب؟ قال: عشرة، فستة يمانون، وأربعة شاميون: فأما اليمانون فكنده، ومذحج، والأزد، وأنمار، والأشعرون، وأمسك في يده واحداً لم يسمه، وأما الشآمون فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان، فقال: يا رسول الله، أحمير كلهم؟ قال: هم وما كلهم.
وعن يزيد بن حصين قال: قال معاذ بن جبل: قال رسول الله ﷺ : " إن الله لم يبعث نبياً قبلي إلا كان في أمته من بعده مرجئه وقدرية، يشوشون عليه أمر أمته من بعده، ألا إن الله قد لعن المرجئة والقدرية على لسان سبعين نبياً، ألا وإن أمتي هذه لأمة مرحومة، لا عذاب عليها في الآخرة، وإنما عذابها في الدنيا إلا صنفين من أمتي لا يدخلون الجنة: المرجئة والقدرية ".
كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن حصين: لا تتركن صليباً إلا محي.
وكتب إليه أيضاً: وامح الصور التي أحدثت في أسواق المدينة، ثم يمسح ببياض حتى لا يرى منها شيء والسلام.
توفي يزيد بن حصين سنة ثلاث ومئة.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن حصين، أن مر الجند بالفريضة، وعليك بأهل الحاضرة، وإياك والأعراب، فإنهم لا يحضرون محاضر المسلمين، ولا يشهدون مشاهدهم.
стр. 9839
شتم رجل يزيد بن حصين فأعرض عنه فقال: أيها المعرض، إياك أعني، قال: وعنك أعرض، قال: لا تقول لي واحدة إلا قلت لك عشراً، قال: تقول لي عشراً ولا أقول لك واحدة.
كان يزيد بن حصين لا يعطي، فإذا أعطى أعطى كثيراً، ويقول: أحب أن تكون مواهبي كتائب كتائب، ولا أحب أن تكون مفاتت مفاتت.
أوصى يزيد بن ميسرة يزيد بن حصين حين ولي فقال: عليك بتقوى الله، والتأني في أمرك، وإياك والعجلة، وفي السجن راحة، هل تدري ما يقال لصاحب السلطان؟ أيها المسلط لا ينفخنك روح السلطان، فإنما ورثت مكان من كان قبلك، وآخر وارث مكانك غداً.
يزيد بن الحكم بن أبي العاص
ابن بشر بن عبد دهمان بن عبد الله بن همام الثقفي البصري أمه بكرة بنة الزبرقان بن بدر. كان شاعراً مجيداً.
حدث يزيد بن الحكم عن عثمان بن أبي العاص قال: قال رسول الله ﷺ " لقد استجن جنة حصينة من سلف له ثلاثة أولاد في الإسلام ".
وبه قال: كان رسول الله ﷺ إذا اشتدت الريح الشمال قال: " اللهم، إني أعوذ بك من شر ما أرسلت ".
دعا الحجاج بن يوسف يزيد بن الحكم فولاه كور فارس، ودفع إليه عهده بها. فلما دخل إليه يودعه قال له الحجاج: أنشدني بعض شعرك، وأراد أن ينشده مديحاً له،
стр. 9840
فأنشده قصيدة يفخر فيها ويقول فيها:
وأبي الذي سلب ابن كسرى رايةً ... بيضاء تخفق كالعقاب الطائر
فلما سمع الحجاج فخره غضب، ونهض، فخرج يزيد من غير أن يودعه، فقال لحاجبه: ارتجع منه العهد، فإذا رده فقل: أيهما خير لك ما ورثك أبوك أم هذا؟ فرد على الحاجب العهد، وقال: قل له:
وورثت جدي مجده ونواله ... وورثت جدك أعنزاً بالطائف
وخرج مغاضباً عنه، فلحق بسليمان بن عبد الملك، ومدحه بقصيدته التي أولها:
أمسى بأسماء هذا القلب معمودا ... إذا أقول: صحا يعتاده عيدا
منها:
سميت باسم امرئ أشبهت شيمته ... فضلاً وعدلاً سليمان بن داودا
أحمد به في الورى الماضين من ملك ... وأنت أصبحت في الباقين محمودا
لا يبرأ الناس من أن يحمدوا ملكاً ... أولاهم في الأمور الحلم والجودا
قال سليمان: كم كان أجرى لك لعمالة فارس؟ قال: عشرين ألفاً، قال: فهي لك ما دمت حياً.
تولى محمد بن القاسم الثقفي، وهو ابن سبع عشرة سنة، ولاه الحجاج، فقال يزيد بن الحكم:
إن الشجاعة والسماحة الندى ... لمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب ذلك سؤدداً من مولد
следующие страницы →