فقال: رأيت عند أصحابك فهما، ورأيتك بخلافهم ولهذا الأمر فرسان.
قال: إني ذاكرت الشافعي يومًا بحديث وأنا غلام، فقال: من حدثك؟
قلت: أنت.
فقال: في أى كتاب؟
قلت: في كتاب كذا.
فقال: ما حدثتك به من شيء فهو كما حدثتك، وإياك والرواية عن الاحياء (١٩٦).
وسئل محمد: هل للجن جزاء فى الآخرة على قدر أعمالهم؟
قال: نعم. قال الله تعالى: (ولكل درجات مما عملوا) (١٩٧).
وسئل محمد بن عبد الحكم: كيف يعزى الرجل المسلم في أمه النصرانية.
فقال: يقال له: الحمد لله على ما قضى، قد كنا نحب أن تموت على الأسلام ويسرك الله بذلك.
وسئل أيضًا: عن مثل هذا فى القريب النصراني يموت للمسلم: كيف يعزى عنه؟
فقال: يقول: ان الله كتب الموت على خلقه، والموت حتم على الخلق كلهم.
محنته
قال القاضي أبو الفضل عياض ﵁: قد تقدم ما جرى عليهم فى (محنته) فى خبر مال الجداوى.
стр. 1017
وأما محنته في القرآن، فذكر أبو إسحاق الشيرازي، أنه حمل في المحنة بالقرآن إلى بغداد، إلى ابن أبي داود، ولم يجب إلى ما طلب منه، فرد إلى مصر.
وقال غيره: ذكر أنه ضرب فى ذلك، وأدخل الكبريت تحت ثيابه، وأوقد على جوانب ثيابه (١٩٨)، فاحترقت ثيابه فتنحوا عنه، فهرب واستتر في دار امرأة.
وقيل أنه علق ودخن من تحته.
قال أبو عمر الكندي: لما أمر الواثق الناس بالمحنة في القرآن، ورد كتابه إلى أبي بكر الأصم، قاضى مصر، بأخذ الناس بذلك، فلم يبق فقيه، ولا مؤذن، ولا معلم. إلا أخذ بها، فهرب كثير من الناس، وملئت السجون ممن أنكرها، وأمر القاضى أن يكتب (المخلوق) على أبواب المساجد.
فذكر بعضهم أنه رأى مطرًا، غلام الأصم، يسوق هارون الأيلى بعمامته، وهى فى عنقه، وطيلسانه تحت عضده، وهارون ينادي على نفسه بالمخلوق، حتى أخرجه من المسجد، وطاف به الطرق كلها كذلك.
وأتى مطر إلى محمد بن عبد الحكم، فأخذ برجله، فوثب محمد، فلما هم مطر أن يتناول قلنسوته، بادر محمد فجعلها في كمه، فأطافه مطر، وهو ينادي بالمخلوق، فمضى به على حلقة المعتزلة، فقالوا له: الحمد لله الذي هداك يا أبا عبد الله.
ففى هذا يقول الجمل المصري من قصيدة، يمدح الأصم:
ومحمد الحكمي أنت أطفته … وأخاه، ينعق بالصياح الأجهر
كل ينادي بالقران وخلقه … فشهرتهم بمقالة لم تشهر
أعطتك السنة أتتك ضميرها … وأتتك ألسنة بما لم تضمر
стр. 1018
وفاته
توفى فى ذى القعدة، منتصفه، سنة ثمان وستين ومائتين، وقيل سنة تسع.
مولده منتصف ذى الحجة، سنة اثنين وثمانين ومائة.
فيأتي أن سماعه من ابن القاسم * كان وهو ابن تسعة أعوام، لأن وفاة ابن القاسم في صفر، سنة احدى وتسعين ومائة، ومن ابن وهب، وهو ابن بضعة عشر عامًا، ﵀، وهذا يضعف ما تقدم فيما حكى أن ابن القاسم قال فيه: (وان قبل محمد لعلما) فيبعد أن يقال ذلك لمن هو هذا السن جملة، ولعل ابن القاسم، إنما قاله لأبيه عبد الله، فقد روى عنه كثيرًا، أو أخيهم عبد الحكم، والله أعلم.
أخوهما عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الحكم
أبو القاسم. روى عن أبيه، وعن ابن الماجشون، وابن بكير، والقعنبي، وعن جماعة من أصحاب مالك، وعن شعيب بن الليث، وزيد بن الحسن، وعبد الله بن صالح، وسعيد بن عفير، وعبد الله بن يزيد المقرى، وعن يونس بن يحيى بن نباتة، وأدريس بن يحيى الخولاني، ووهب الله ابن راشد، وأسد بن موسى، وطلق بن السمح، وهاني بن المتوكل.
كتب عنه أبو جعفر الطبري، وأبو عبد الله الحميدي، وأبو حاتم بمصر، وفتح بن شحدب (١٩٩).
وروى عنه أحمد بن بشير الدمشقي، وعيسى بن مسكين، وابراهيم ابن أبي روح.
وله كتاب (فتوح مصر) رواه عنه على بن قديد (٢٠٠).
قال الكندي: كان فقيهًا، والأغلب عليه الحديث والأخبار.
стр. 1019
وله كتاب آخر، رواه عنه عيسى بن مسكين.
قال عبد الرحمان بن عبد الحكم: لما رميت جمرة العقبة قبل أن أفيض، دعوت بدهن (٢٠١) فمسست منه، فقال لي أبي: ما تصنع؟
قلت: أدهن به. فسكت.
واتبع عبد الرحمان في ذلك حديث عائشة ﵂: "كنت أطيب رسول الله ﷺ ، وأنا محرمة قبل أن يحرم، ويحله قبل أن يطوف بالبيت".
فقيل لمحمد أخيه: أتقول بهذا الحديث؟
فقال: والله أنى أعظم ألا أقول (٢٠٢).
قال ابن أبي دليم: توفى في محرم، سنة سبع وخمسين ومائتين.
قال أبو زرعة الرازي: هو رجل صالح، من أفاضل المسلمين.
قال عبد الرحمان بن أبي حاتم: عبد الرحمان بن عبد الله بن الله الحكم، يقال أنه من الأبدال (٢٠٣)، وهو صدوق.
أخوهم أبو عمر سعد بن عبد الله بن عبد الحكم
يروى عن وهب بن راشد، ويحيى بن حسان التنيسي، وابن نافع، وعبد الملك بن الماجشون، وعلى بن جعفر بن محمد، و آدم بن أبي اياس العسقلاني، وجل روايته عن أبيه، وهو أصغرهم، وكان من علماء هذه الطبقة.
قال الكندي: كان فاضلًا.
قال أبو حاتم: هو صدوق.
стр. 1020
قال أبو بكر بن خزيمة: كان أعبدهم وأكثرهم اجتهادًا وصلاة، وسمع منه.
وتوفى فى رجب، سنة ثمان وستين ومائتين، وهي السنة التي توفى فيها أخوه محمد. كذا قال ابن أبي دليم.
وقال ابن شعبان: توفى قبل أخيه محمد بستة أشهر.
وحكى أبو عمر الصدفي عن النسائي قال: سعد أقدم موتًا من أخيه محمد. وكان موسى بن هارون الجمال (٢٠٤) ينتحب عليه.
وروى عنه محمد بن القاسم المصري، وإبراهيم بن محمد الحلواني، وابن أبي حاتم، وأبو بكر بن خزيمة، ومحمد بن الربيع، وعمر بن حفص بن غانم.
مولده سنة احدى وتسعين ومائة.
محمد بن إبرهيم بن زياد الاسكندارني المعروف بابن المواز
قال أبو إسحاق الشيرازي: تفقه بابن الماجشون، وابن عبد الحكم، واعتمد على أصبغ، وروى محمد أيضًا عن ابن بكير، وأبي زيد بن أبي الغمر، والحرث بن مسكين، ونعيم بن حماد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقرأت فى كتاب القاضي ابن أبي دليم، أنه روى عن ابن القاسم وابن وهب، وأن مولده في رجب سنة ثمانين * ومائة، فان صح، فأنما روى عن ابن القاسم صغيرًا، كما ذكرنا في محمد ابن عبد الحكم، والله أعلم.
قال الشيرازي: والمعول بمصر، على قوله.
قال ابن حارث: كان راسخًا فى الفقه والفتيا، علما في ذلك.
стр. 1021
قال الشيرازي: وطلب فى المحنة بالقرآن، فخرج هاربًا إلى الشام. فلزم حصنًا بها إلى أن مات.
قال أبو الغصن السوسي: كنت ربما أقول لمحمد بن عبد الحكم: (قال سحنون في هذه المسألة كذا وأنكر كذا) فيتلقى ذلك بالقبول، ويعظم سحنون ويترحم عليه.
قال: وكان ابن المواز لا يتلقى ذلك بالقبول، ويقول لى: من هنا (٢٠٥) خرج العلم، ومن عندنا أتاكم العلم. ومثل هذا من القول.
***
وذكر أبو عمر الكندي، أن سبب خروجه أن المعتمد لما خرج للاجتماع بابن طولون أمير مصر، فخرج أبو أحمد الموفق، أخوه، يريد صرف المعتمد عن طريقه، ورده إلى سر من رأى، ووكل به، فبلغ ذلك ابن طولون بعد خروجه، فانصرف إلى دمشق، وكتب إلى جميع أعماله (٢٠٦) باحضار الفقهاء والقضاة والأشراف، وكتب إليهم بما جرى من قضية المعتمد، وأنه فى حال المأسور، وأنه يبكى.
وقام الخطيب بمصر يذكر ذلك الجمعة، وما نيل من الخليفة، وقال: اللهم اكفه من حصره وظلمه.
وخرج من مصر، بكار بن قتيبة القاضي، ومنهال بن حبيب، وإسحاق بن محمد بن معمر، وإبراهيم المهلبي، وفهد بن موسى، ومحمد ابن المواز، وعلى بن محمد بن عبد الحكم، وآخرون.
فلما اجتمع الناس بدمشق، أمر ابن طولون بالكتاب فى خلع أبي أحمد الموفق من ولاية العهد، لمخالفة الخليفة وحصره، وأنه قد وجب جهاده على الأمة، وشهد فى ذلك جميع من حضر، إلا بكار بن قتيبة، وابن المواز، وفهد بن موسى.
стр. 1022
فقال بكار: لم يصح عندى ما فعله أبو أحمد.
وذلك سنة تسع وستين ومائتين.
***
وله كتابه المشهور الكبير، وهو أجل كتاب ألفه قدماء المالكيين، وأصحه مسائل، وأبسطه كلامًا وأوعبه. وذكره أبو الحسن القابسي، ورجحه على سائر الأمهات. وقال: لأن صاحبه قصد إلى بناء فروع أصحاب المذهب على أصولهم فى تصنيفه، وغيره إنما قصد لجمع الروايات ونقل منصوص السماعات، ومنهم من تنقل عنه الاختيارات في شروحات أفردها، وجوابات لمسائل سئل عنها، ومنهم من كان قصده الذب عن المذهب فيما فيه الخلاف، إلا ابن حبيب فانه قصد إلى بناء المذهب على معان تأدت إليه، وربما قنع بنص الروايات على ما فيها.
وفى هذا الكتاب جزء تكلم تكلم فيه على الشافعي وعلى أهل العراق بمسائل من أحسن كلام وأنبله، وهو من رواية ابن ميسر، وابن أبي مطر عنه.
وفى بعض النسخ زيادة كتب على غيرها.
ونقص من أصل الديوان كتب، منها الصلاة والطهارة، إلا أن له فى الصلاة كتابًا، فيه من أبواب السهو، وقضاء الصلاة إذا نسيت، وصلاة السفر.
وله كتاب الوقوف (٢٠٧)، وأن الكتاب رواه بكماله قوم من أهل تادمكة (٢٠٨).
стр. 1023
وتوفى فيما قاله ابن حارث، وابن أبي دليم بدمشق، لاحدى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة، سنة تسع وستين ومائتين.
وقال غيرهما: سنة احدى وثمانين
ومولده سنة ثمانين ومائة.
قال ابن أبي مطر: ومولده فى رجب من سنة ثمانين ومائة.
محمد بن سلمة بن عبد الله بن أبي فاطمة
ابن الحارث، مولى مراد.
قال الكندي: كان فقيهًا*، روى عن ابن وهب وابن القاسم، وكان يكتب للحرث بن مسكين في قضائه.
وقال ابن أبي دليم: توفى سنة ثمان وأربعين ومائتين.
عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد
ابن عبد الرحمان، مولى خالد بن ثابت، الفهمي، ثم الكناني.
وجده الليث امام مصر في وقته.
وأبوه شعيب من فقهائها.
ذكر عبد الملك هذا، ابن أبي دليم وابن حارث في هذه الطبقة من المالكية.
قال: وقال الكندي: كان فقيهًا، وكان عسيرًا في الحديث، وجل روايته عن أبيه عن جده. وكان من أصحاب ابن وهب.
وتوفى سنة ثمان وأربعين ومائتين.
حبيش بن سليمان بن برد التجيبي
مولاهم، تقدم ذكر أبيه، وضبط اسمه بحاء مضمومة وباء بواحدة مفتوحة، وياء التصغير، وشين معجمة.
стр. 1024
كنيته أبو القاسم.
يروى عن أبي ضمرة.
حدث عنه يحيى بن عثمان بن صالح.
توفى سنة خمس وأربعين.
ولسليمان ولد آخر اسمه () (٢٠٩).
ولم نجد من ذكرهما فى الفقهاء ولكن ذكر الناس أولادهما.
وسيأتى ذكر ولده في موضعه ان شان الله تعالى.
حرملة بن يحيى التجيبي
أبو حفص، هو حرملة بن يحيى بن عبد الله، بن حرملة، بن عمران، ابن قراد (٢١٠)، مولى بني زميلة، بزاى معجمة.
ذكره ابن أبي دليم في فقهاء المالكية.
قال الكندي: كان فقيهًا، روى عن ابن عيينة، وعن ابن وهب، والشافعي، وبهما تفقه، ويروى عن العلاء بن عاصم، ولم يكن بمصر أكتب عن ابن وهب منه، وكان سبب ذلك، أن ابن وهب حين طلب للقضاء، استخفى في منزله مدة طويلة.
وكان أبوه يحيى، قد ولى القصاص (٢١١) والسوق، وكان مقبولًا عند القضاة، وولى على الجزيرة.
وجده حرملة بن عمران، من فقهاء مصر، توفى سنة ست عشرة ومائتين.
стр. 1025
وكان يحجب الأمراء، وكان يعرف بالحاجب.
حدث عنه عبد الله بن يزيد المقرئ (٢١٢)، وعبد الله بن المبارك، وقال فيه: كان من ذوى الألباب.
قال عبد الله بن يزيد، جئناه فى يوم بسبب السماع، فخرج علينا راكبًا، وقال: هذا يوم لا أشتغل فيه بغير المقابر.
قلنا له: وما تصنع في المقابر؟
قال: أبكى على أهل الشرف، فإنما الدين مع الشرف، فاذا ذهب الدين ذهب الشرف.
قال ابن حنبل وابن معين: هو ثقة، توفى سنة ستين ومائتين.
روى عن حرملة بن يحيى، الناس: مسلم بن الحجاج وخرج عنه في صحيحه، وذكره البخاري فى تاريخه، وروى عنه الرازيان أبو حاتم وأبو زرعة، وأبو على القستاني (٢١٣)، والرمادي، ويحيى بن عمر، وابن وضاح، وعده أبو إسحاق الشيرازي فى أصحاب الشافعي، وكان راوية كتبه الأخيرة.
قال: وكان حافظًا للحديث، وصنف المبسوط والمختصر.
قال ابن أبي دليم: كان رسخ فى مذهبه، ثم ترك الفتيا به، فكان لا يفتى إلا بمذهب مالك.
قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
قال يحيى بن معين: كان أعلم الناس بابن وهب. وتكلم فيه.
стр. 1026
قال الحاكم: هو شيخ جليل القدر والمحل في الحديث والفقه معا، ومثله لا يترك.
وقال ابن وضاح: قلت يومًا لحرملة: مثلك يا أبا حفص، وأنت تذهب مذهب أصحابك المصريين، تقرأ مثل هذه الكتب؟ يعنى كتب الشافعي.
فقال لى: يطلبها منى هؤلاء.
فقلت له: أوكل ما طلب منك تخرجه؟
قال: أستحيى - والله - منهم.
قال الكندي: ونظر أشهب إلى حرملة فقال: هذا خير أهل المسجد.
قال حرملة: عادني ابن وهب، من رمد، فقال لي: يا أبا حفص: أنه لا يعاد من الرمد، ولكنك من أهلي.
وشرح حرملة الموطأ، بما سأل عنه * ابن وهب،
قال حرملة: سمعت سفيان - وسئل عن قول الناس: (السنة والجماعة) - ما تفسير ذلك؟
فقال: الجماعة ما أجمع عليه أصحاب محمد من بيعة أبي بكر وعمر، والسنة الصبر على الولاة وان جاروا وان ظلموا.
وتوفى حرملة سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
قال الأمير: مولده سنة ست وستين ومائة.
أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله
ابن عمر، بن السرح، مولى عتبة بن أبي سفيان، وقيل مولى نهيك، مولى عتبة.
وكان سرح جده أندلسيا طباخًا، سكن أسيوط.
стр. 1027
قال أبو عمر: وجل روايته عن ابن وهب، وغلب عليه الحديث، وسمع من ابن عيينة، وبشر بن بكر، وسالم بن ميمون وغير واحد.
وروى عنه أبو زرعة، وأبو داود السجستاني، وأبو حاتم، ومسلم، وخرج له في صحيحه.
قال أبو حاتم: لا بأس به، كان صدوقًا.
قال ابن أبي دليم: هو من متقدمي هذه الطبقة، وكان ثقة.
قال الكندي: كان أبو الطاهر فقيهًا، وكان موضحًا كله، وشرح موطأ عبد الله بن وهب.
وتوفى سنة خمسين ومائتين. وقيل سنة ثلاث وخمسين.
مولده سنة سبعين ومائة.
أبو بكر عبد الكريم بن الحارث بن مسكين
ابن الحارث، بن بابيه (٢١٤)، الزهري، مولاهم، وليس بولد للحارث بن مسكين القاضي، بل هذا حارث آخر.
قال عبد الله بن محمد: هو من أكابر أصحاب ابن وهب، وعنه جل روايته.
قال الكندي: وكان فقيهًا.
توفى سنة ثمان وأربعين ومائتين.
وبيته بيت جلالة ونباهة بمصر.
يونس بن عبد الاعلى بن موسى بن ميسرة
ابن حفص، بن حيان الصدفي، أبو موسى من آل خالد بن يزيد بن أسيد الصدفي.
стр. 1028
سمع من ابن عيينة، وابن وهب، وأشهب، ومعن بن عيسى، والوليد ابن مسلم، ووكيع، وعبد الله بن نافع الصائغ، والشافعي، وسفيان بن عيينة.
وروى عن العلاء بن عاصم، وبشر بن بكر.
وقرأ على ورش، وسقلاب وغيرهما.
كان أحد الرواة المشهورين، رحل إليه الناس فسمعوا منه، وطال عمره.
قال ابن أبي دليم: وكان ثقة حافظًا، سمع منه أبو زرعة، وأبو حاتم، وابنه، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبو بكر بن خزيمة، وأبو جعفر الطبري، وأحمد بن محمد الواسطى، ومحمد بن الربيع، ويونس بن سهل، وأحمد بن كامل، وفتح بن شخدب (٢١٥)، وأبو بكر النيسابوري، ومسلم بن الحجاج وخرج عنه، ومن الأندلسيين سعيد بن عثمان الاعناني (٢١٦)، وابن خمير (٢١٧)، ومحمد بن وليد، وأسلم ابن عبد العزيز القاضي.
قال أبو حاتم الرازي: قدمت مصر، فلقيت أبا الطاهر بن السرح، فقال لي: كم لك هنا؟
فقلت: شهر.
قال: ألقيت يونس بن ميسرة؟
فقلت: لا.
فأنكر ذلك على، وجعل يعظم من شأنه.
وقال أبو حاتم الرازي: هو ثقة؟ ورفع من شأنه.
قال الباجي: هو من أجل أصحاب ابن وهب.
стр. 1029
قال الطبري: كان فقيهًا، وكان شديد التقشف في أول أمره، مقبولًا عند القضاة.
قال ابن غلابة (٢١٨): قال أبي: ما يدخل من باب هذا المسجد أعقل من يونس.
وقال يحيى بن حسان: يونسكم هذا من أركان الاسلام.
قال أبو عبد الله: هو ثقة وفوق الثقة. ورفع من قدره.
وكتب عن سفيان كثيرًا. وكتبه الناس من حفظه.
قال النسائي: هو أوثق أصحاب ابن وهب.
قال: وكان فقيرًا، وأقطعه محفوظ أرضًا، فكان يزرعها*، ولا يأخذ منه خراجًا، أقام على ذلك سنين كثيرة، فكان ذلك أول غناه.
***
ولما حكم الحارث بن مسكين، باخراج بني البنات من حبس بني السائح، وتشكوا إلى المتوكل، وأفتى أهل العراق بفسخ حكمه، واستعفى الحارث على ما ذكرناه، وولى القضاء بكار بن قتيبة، ورد كتاب المتوكل عليه، في النظر فى حكم الحارث في هذه القضية، وأحضر يونس لها، فاستعظم بكار فسخ القضية، إذ حكم الحارث فيها بمذهب أصحابه المدنيين، فلم يزل به يونس، حتى جهر (٢١٩) بالحكم بفسخها.
قال يونس: قال لى الحرث: ما علمت أحدًا اختلف إلى الشافعي، شق على كما شق اختلافك إليه.
قال يونس: وإنما أخذت عنه يسيرًا من أحكام القرآن، كتابًا واحدًا.
قال يونس: وجدت غير شيء، فرأيت فى المنام قائلا يقول: "اسم الله الأكبر، لا اله إلا الله".
стр. 1030
فقلتها عليه، ومسحت بيدي، فأصبحت معافي.
وقال ابن بكير لرجل شكا إليه الفقر: ألا أتيت يونس فدعا لك؟ فو الله إني لأجد لدعائه بركة.
وتوفى سنة أربع وستين، وصلى عليه الأمير ابن طولون.
وقيل: في هذه السنة توفى المزنى، وابن أخى ابن وهب، وأبو بكر بن
الوقار، ويزيد بن سنان.
مولده سنة احدى وسبعين ومائة، وقيل سنة سبعين في ذى الحجة.
محنته
قال الكندي عن ابن عثمان: كان جعفر بن قادم، أوصى إلى يونس، وكان ذا مال عريض، فحبسه ابراهيم بن الجراح حتى استخرجها من يده.
وقال غيره: أوصى أحمد بن أبي أمية، إلى يونس وثلاثة معه بمال، فصرف اثنان منهم إلى يونس وصيتهما، فطولب يونس بها عند ابن أبي الليث، فسجنه فى ذلك، فيقال أنه بقى فى السجن ثماني سنين من سنة ثمان وعشرين، إلى سنة خمس وثلاثين.
فلما قدم قوصرة، من عند المتوكل، ليكشف أمر ابن أبي الليث، قيل له: أن يونس يشهد عليه، وهو في سجنه.
فأخرجه وسأله عنه، فقال له: ما علمت إلا خيرًا.
قال: فانه قد سجنك منذ كذا وكذا سنة!
قال: لم يظلمنى هو، وإنما ظلمنى من شهد على.
فخلاه قوصرة.
ودخل يونس إلى منزله، فلما أخرج بن أبي الليث من السجن ليحكم في قصة بني عبد الحكم، وحكم عليهم راعى ليونس مقاله، وحكم له أنه برئ من تلك الوصية، وكانت عدتها ثلاثة وثلاثين ألف دينار.
стр. 1031
أحمد بن يحي بن الوزير
ابن سليمان، بن المهاجر، مولى الأزد، ابن رفاعة التجيبى.
قال ابن أبي دليم: كان من أكابر أصحاب ابن وهب.
قال الكندي: كان فقيهًا، من أعلم أهل زمانه بالشعر والغريب وأيام الناس.
مولده سنة احدى وسبعين ومائة.
وتقبل فانكسر عليه (٢٢٠) مال، فسجنه ابن مديد (٢٢١).
وتوفى فى السجن، بمصر سنة خمسين ومائتين.
وأخوه سليمان بن يحيى: كان صوفيًا جلدًا مقبولًا عند قضاة مصر، توفى سنة خمس وثلاثين ومائتين.
أبو جعفر هارون بن سعيد بن الهيثم
ابن محمد، بن الهيثم، بن فيروز الايلى، مولى عبد الملك بن محمد ابن عطية السعدي، من بني سعد بن بكر بن قيس، من أهل ايلة، وأصلهم من بلبيس (٢٢٢).
سمع ابن وهب، وخالد بن نزار، والقاسم بن مبرور (٢٢٣) وأسد ابن موسى، وأشهب بن عبد العزيز، وأبا زيد بن أبي العمر.
стр. 1032
روى عنه مسلم، وخرج عنه في صحيحه، والنسائي وأبو داود.
وقال النسائي: هو ثقة.
قال الكندي: كان فقيهًا من أصحاب ابن وهب.
توفى سنة ثلاث *، وخمسين ومائتين.
وولد سنة تسعين ومائة.
قال الكندي: بعد السبعين، وهو أصح.
قال الحارث (٢٢٤): مات وقد جاوز التسعين (٢٢٥).
أبو الربيع سليمان بن داود بن حماد بن سعيد
المهدي (٢٢٦)، مولى لهم، بن أخى رشدين بن سعد، ويعرف بالرشديني.
يروى عن أشهب، وابن وهب، وسعيد بن الجهم، ويوسف بن عمر، وعن جماعة من أصحاب مالك، وغيرهم، وعن أبيه، وبشر بن بكر، وأبى الطاهر، وأصبغ بن عبد العزيز، ويوسف بن أبي ظبية (٢٢٧) وأبى بشر بن قعنب، والحارث بن مسكين، والتنيسي، وعلى بن المبارك، وسعيد الآدم، وأبى رمح، وأبي زيد بن أبي الغمر، والدمياطي، وأدرك خاله رشدين بن سعد صغيرًا، وحدث عنه.
قال: وصحب ادريس بن يحيى الخولاني، وفضالة بن صيفى، وغيرهم من الزهاد.
стр. 1033
وألف كتابًا فى عباد المصريين، فرويت عنه، وليس هو دونه، قاله يحيى بن عمر، وهو رواه عنه (٢٢٨).
وأخذ القراءة عن ورش، وكان متصدرًا فيها.
وكان فقيهًا زاهدًا، ذكره ابن أبي دليم، وأبو عمر والداني (٢٢٩).
وروي عنه يحيى بن عمر، ومحمد بن النفاخ (٢٣٠).
وأبو حاتم الرازي، وأبو داود السجستاني، ومحمد بن عبد الرحيم الأصبهاني، وأبو عبد الرحمان النسائي.
ولد سنة ثمان وسبعين ومائة.
وتوفى سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
قال أبو الربيع: شهدت جنازة ابن القاسم.
وقال أبو الربيع: كنت أمشى مع إدريس بن يحيى، فالتفت إلى، وقال: يا ابن أخى: ما رأيت بلدا قط أفسد العالم ولا لقارئ منها، يعنى الفسطاط، إنما يكفيك أن يقال فلان، فاستمسك (٢٣١).
قال أبو الربيع: حضرت رشدين بن سعد ليلة توفى، فأخبرت أنه دعا بماء يتوضأ للصبح فغسل وجهه، فزالت شفته (٢٣٢) من قرحة أصابته، فرفع يديه وقال: اللهم اقبضني اليك.
فما صلى الصبح حتى مات.
محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن أبي زرعة البرقي
مولى بني زهرة، كان من أصحاب الحديث والفهم.
والرواية أغلب عليه.
стр. 1034
وبيته بمصر بيت علم.
وله تواليف فى مختصر ابن عبد الحكم الصغير، زاد فيه اختلاف فقهاء الأمصار، وكتاب فى التاريخ، وفى الطبقات، وفى رجال الموطأ، وفى غريبه.
يروى عن عبد الله بن عبد الحكم، ولم يلق ابن وهب فيما قاله الكندي.
ويروى أيضًا عن أشهب، وابن بكير، وعثمان بن صالح، وعبد الله ابن صالح، وعمر بن يوسف، وحبيب كاتب مالك، وسعيد بن أبي مريم، ونعيم بن حماد، وأصبغ بن الفرج، وابن هشام، وأسد بن موسى، ويحيى بن حسان التنيسي، وعمرو بن أبي سلمة (٢٣٣)، وخالد بن نزار، ويحيى بن معين، وادريس بن يحيى الخولاني، ومحمد بن يوسف الفريابي (٢٣٤) وسعيد بن منصور.
وروى عنه أبو حاتم الرازي، وابن وضاح، وإبراهيم بن يوسف، والخشني، ومطرف بن عبد الرحمان بن قيس، وعبيد الله بن يحيى بن يحيى، وقاسم بن محمد، ومحمد بن عمر، وأبو على الجروي (٢٣٥) وقاسم بن أصبغ.
توفى سنة تسع وأربعين ومائتين.
أخوه عبد الرحيم:
يروى عن ابن هشام.
стр. 1035
وروى عنه ابن الورد (٢٣٦)، ومحمد بن بسطام.
وأخوهما أحمد بن عبد الله:
ألف في الصحابة، والتاريخ، والرجال.
يروى عن عمرو بن أبي سلمة، والحميدي، وقد روى عنه أيضًا.
توفى سنة سبعين ومائتين.
سمع منه أبو حفص بن * غالب، وابن غالب الصفار، من الاندلسيين، والقاضي أسلم.
قال أبو جعفر العقيلي: محمد بن عبد الله البرقي واخوته كلهم ثقات، ما بهم من بأس، من بأس، من بيت علم وخير.
وقال غيره، ومحمد أكبرهم وأجلهم.
قال ابن وضاح: كتبت عنه بمصر حديثًا واحدًا. وكان لا يرضاه.
والحديث الذى روى عنه، أنه قال: كنت جالسًا عند وراق بمصر، فلما أردت القيام خدرت رجلي، فجلست، فقال لى محمد بن البرقي: ناد بأحب الناس إليك.
فقلت له: تذكر فى هذا شيئًا؟
فحدث أن رجلًا خدرت رجله عند ابن عمر، فقال له ذلك، فقال: يا محمد! فذهب خدرها.
فلما قام، قال لى الوراق: ما رأيت أكذب من هذا! ما حدثه به أحد، إنما رآه الساعة عندى فى هذا الكتاب.
قال: نص الحديث يروى عن ابن عمر، وأنه هو خدرت رجله، وجرت له القصة.
وأبو القاسم عبيد الله بن محمد بن عبد الله البرقي:
стр. 1036
يروى عن أبيه، وله كتاب مختصر على مذهب مالك، وبعض الناس ضيف إليه زيادة اختلاف فقهاء الأمصار فى مختصر ابن عبد الحكم.
يحي بن سليمان الجعفي
أصله من الكوفة، وسكن مصر.
وهو يحيى بن سليمان، بن يحيى، بن سعيد، بن مسلم، بن عبيد الله، بن مسلم، ابن بنت مسلم (٢٣٧)، قائد الأعمش، يكنى أبا سعيد؟
سمع من ابن وهب، وحفص بن غياث، وأبى بكر بن أبي عياش. قال ابن أبي دليم: وكان ثقة.
روى عنه ابن وضاح، وقاسم بن محمد، وأحمد بن رشدين، وروح بن الفرج، وغيرهما.
توفى سنة تسع وثلاثين ومائتين.
عبيد بن معاوية الجعناوي
من أصحاب أصبغ بن الفرج، أبو محمد، مولى قريش، ومن جملة (٢٣٨) هذه الطبقة.
يروى عنه يحيى بن عمر فقهه، ويعتمد عليه، وحكى عنه مسائل.
توفى سنة خمسين ومائتين.
أبو محمد الربيع بن سليمان بن داود بن ابراهيم
الجيزي الأزدي، مولى قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، سكن الجيزة.
قال ابن أبي دليم: كان فقيهًا دينًا، روى عن ابن وهب ونظرائه.
قال الكندي: رأى ابن وهب ولم يتقن السماع منه، وكان فقيهًا دينًا،
стр. 1037
ويروى عن أسد بن موسى (٢٣٩) وعبد الله بن عبد الحكم، وهاني بن المتوكل، وابن أبي أويس، وخالد بن نزار وغيرهم، ثقة.
مات سنة ست وخمسين ومائتين.
روى عنه ابنه محمد، وإبراهيم الحلواني، وعبد الله بن وهب الدينوري.
أبو محمد عبد الغني بن عبد العزيز بن سلام
المعروف بالغسال، مولى قريش.
روى عن أبي عيينة، وابن وهب، والشافعي، وكان حافظًا.
وروى عنه روح بن الفرج.
وقال: سمعت ابن وهب يقول: قراءة أهل المدينة سنة.
قيل له: قراءة نافع؟
قال: نعم.
قال الكندي: كان فقيهًا مفتيًا.
وذكره ابن أبي دليم.
توفى في المحرم سنة أربع وخمسين ومائتين وسيأتي ذكر ابنه.
وكان أخوه محمد مقبولًا بمصر.
أبو محمد صالح بن سالم الخولاني
مولى لمهم، كان أسود.
روى عن ابن وهب، والشافعي، وأشهب، وكان حافظًا للفقه، وتفقه بالشافعي، ثم مال إلى المالكية.
стр. 1038
توفى سنة سبع وستين ومائتين.
إسحاق بن المتوكل بن إسحاق
مولي بني مخزوم، أبو يعقوب.
يروى عن ابن وهب ونظرائه.
قال ابن أبي دليم: وكان فقيهًا على مذهب مالك.
قال الكندي: كان مقبولًا عند قضاة مصر، وولى المظالم، وكان وجهه صغيرًا جدًا، فكان يلقب لقمة.
وتوفى سنة عشرين ومائتين.
وقال ابن أبي دليم: توفى سنة خمسين ومائتين.
عبد الله بن أبي رومان
عبد الملك، بن يحيى، بن هلال المعافري، أبو محمد، مولاهم، من أهل اسكندرية، وأصله من مراقية (٢٤٠) من أصحاب ابن وهب.
ذكره فى هذه الطبقة ابن أبي دليم، وابن حارث.
قال الكندي: ولم يكن بالمجود في روايته.
توفى سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
أحمد بن أبي زيد بن أبي الغمر
أبو جعفر، مولى لهم.
ذكره ابن أبي دليم فى هذه الطبقة، وسماه أحمد.
стр. 1039
ورأيت فيمن روى عنه، ابناه: محمد وزيد (٢٤١) والله أعلم.
وتوفى أحمد فى ربيع الأول سنة خمس وخمسين ومائتين.
أبو محمد اسماعيل بن عمرو بن يزيد الغافقي
مولى لهم.
كان يروى عن أشهب، وكان من أصحابه، وعن ابن وهب.
قال ابن أبي حاتم: وكان حافظًا لأقاويل الناس.
قال الكندي: كان فقيهًا.
توفى سنة ثمان وأربعين ومائتين.
مدلج بن عبد العزيز بن رجاء المدلجي
أندلسي، أبو خندف، سكن مصر، وكان ذا علم وأدب، ودخل العراق فسمع بها علما كثيرًا.
أخذ عنه بمصر.
وتوفى يوم الخميس، آخر صفر، سنة تسع وخمسين ومائتين.
ذكره أبو سعيد البصري، وابن أبي دليم في المالكية.
أبو إسحاق ابراهيم بن أبي أيوب بن عيسى بن عبد الله القسطال
وقيل: ابن عيسى بن أيوب، مولى سلمة من عبد الملك الطحاوي، مولى الأزد.
ويقال: مولى قريش.
من أصحاب ابن وهب، وعنه جل روايته، وعن الشافعي.
стр. 1040
وكتب لعيسى بن المنكدر، وهارون الزهري، والحارث بن مسكين، قضاة مصر، وكان من قبطها (٢٤٢).
قال الكندي: وكان فقيهًا.
وتوفى صدر ستين ومائتين.
عيسى بن إبراهيم بن عيسى بن شروح الغافقي
مولاهم، أبو موسى.
يروى عن ابن القاسم، وابن وهب، ورشدين بن سعد، وابن عيينة، وحجاج بن سليمان، وغيرهم.
روى عنه النسائي، وقال: مصرى لا بأس به.
توفى سنة إحدى وستين ومائتين، قاله: ابن يونس.
وذكره في هذه الطبقة ابن أبي دليم.
قال الكندي: كان مقبولًا عند ابن أبي الليث (٢٤٣)، وكان فقيرًا، فقيل له: ما حملك على أن شهدت عند ابن أبي الليث؟
فقال: كان بي برًا وصولًا، ما ذقت الفقر حتى انقطعت أيامه.
أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمان بن أخي عبد الله بن وهب
جل روايته عن عمه، وروى عن شعيب بن الليث، وبشر بن بكر.
قال عنه محمد بن عبد الحكم: ما رأيت إلا خيرًا.
وقال مثله عبد الملك بن شعيب بن الليث.
وقال أبو حاتم: صدوق، كتبنا عنه وأمره مستقيم، ثم خلط، ثم جاءنا الخبر أنه رجع عن التخليط.
قال أبو زرعة: رجوعه مما يحسن حاله، ولا يبلغ به منزلته قبل.
стр. 1041
وقال العقيلي، والحصري: ليس بشيء.
قال محمد بن قاسم: ليس بثقة عندي، وأهل مصر يرمونه بالكذب. وكان مشايخ الأندلس: سعيد بن معاذ، ومحمد بن فطيس، وسعيد بن عثمان، الأعناقي يحسنون الثناء عليه.
وعنف سعد منهم النسائي في تحامله عليه.
قال الأمير: وأخوه عبد العزيز بن عبد الرحمان أبو السري، روى عن أسد وغيره.
توفى سنة ثمان وستين، وقيل أربع وستين ومائتين.
عمرو بن يوسف بن عمرو بن يزيد الفارسي
أبو محمد، تقدم ذكر أبيه. مولده بمصر.
أخذ عن جماعة من أصحاب مالك.
يروى عن عبد الله بن محمد بن المغيرة.
وتوفى سنة ستين ومائتين *.
وأخوه يزيد بن يوسف:
قال ابن يونس: كان هو وأخوه على مسائل الحارث بن مسكين، وأمره كله، وكان يرفع بهما.
شيب بن حفص بن إسماعيل الفهري
مولى لهم فيما يقال، وأنكر هو ذلك، يكنى بأبى الأصبغ.
قال الكندي: كان فقيهًا.
توفى بمصر منصرفه من الحج سنة ست.
وذكره ابن أبي دليم فيهم.
стр. 1042
بكر بن إدريس بن الحجاج بن هارون
مولى أبي الكنود الأزدي، أبو القاسم، يعرف بالحمراوي.
قال ابن أبي دليم: جل روايته عن عبد الله بن عبد الحكم، وروى عن غيره.؟
قال الطحاوي: وكان فقيهًا مفتيًا.
توفي سنة سبع وستين ومائتين.
أبو بكر محمد بن أبي يحيى زكرياء الوقار
كان حافظًا للمذهب، وألف كتاب السنة، ورسالته في السنة، ومختصرين في الفقه، الكبير منهما في سبعة عشر جزءًا.
قال سلمة بن سعيد الأشج: رأيت أهل القيروان، يفضلون مختصر أبي بكر الوقار، على مختصر ابن عبد الحكم.
قال الشيرازي: تفقه بأبيه، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
وروى عنه إسحاق بن إبراهيم بن نصر، ومحمد بن مسلم بن بكار الفيومي، وأبو الطاهر محمد بن سليمان القوصى (٢٤٤)، وأبو الطاهر محمد بن جعفر البرسيمي (٢٤٥).
وتوفى سنة تسع وستين ومائتين، وقيل ثلاث، وقيل أربع وستين.
القراطيسي
اسمه يزيد بن كامل بن حكيم، مولى عبد العزيز بن مروان، كنيته أبو زيد، وأصله من الروم.
ذكره ابن أبي دليم.
стр. 1043
يروى عن عبد الله بن عبد الحكم، وأسد بن موسى، ويعقوب بن أبي عباد القلزمي.
روى عنه ابن أبي الأصبغ، وابن الورد، وأبو بكر محمد بن يحيى بن حكيم، وأبو العباس الرازي، وأحمد بن سلمة الهلالي، ومحمد بن كامل الحضرمي، وجماعة.
روى عنه الناس.
قال أحمد بن خالد: لم ألق من الناس بالمشرق إلا من من مس، أو تكلم فيه، إلا القراطيسي، ويحيى بن أيوب العلاف، فانهما ثقتان، لا متكلم ميهما لأحد، والقراطيسي من أوفى الناس، لم أر مثله. ورفع من شأنه.
وعمر، وتوفى سنة سبع وثمانين ومائتين.
مولده، سنة سبع وثمانين ومائة.
مسعود بن أبي مسعود
واسم أبي مسعود مسعدة.
قال ابن أبي دليم: كان ذا علم ورئاسة، مقدمًا في المالكية بمصر.
توفى سنة سبع وستين، وهو ابن أربع وستين.
ومن أهل إفريقية:
محمد بن رزين
قال أبو العرب: كان ثقة صالحًا، سكن بسوسة.
سمع من أسد، وعبد بن عبد الحكم، وابن بكير، وأسد بن موسى، ونعيم بن حماد، وزهير بن عباد.
وسمع أيضًا من عبد الله بن نافع الزبيري، وأصبغ بن الفرج، وعلى بن معبد.
وكان عنده حديث كثير.
стр. 1044
سمع منه سليمان بن سالم، وبكر بن حماد، وسعيد بن إسحاق وأبو الغمر (٢٤٦).
وروى سحنون عنه حديثًا يرويه عن ابن نافع، فوجه فيه وقال له: أنت سمعت من ابن نافع الصائغ؟
فقال له: أصلحك الله، إنها سمعت من ابن نافع الزبيري.
فقال له: فلم دلست؟
ثم قال سحنون: ماذا يخرج بعدي من العقارب!
وذلك أن ابن رزين لم يدرك عبد الله بن نافع الصائغ، وإنما أدرك عبد الله بن نافع الزبيري، مات الصائغ قديمًا، وتأخر موت الزبيري، وقد ذكرناهما.
وكان ابن رزين يقول: ما نزلت بي حسرة ما نزلت بي في محمد بن يوسف الفريابي، وكنت رحلت إليه فوجدته يقبر.
قال: وابن رزين أول من باع من أهل العلم دارًا بسوسة، إذ كانوا لا يرون بيع * دورها.
قال بعضهم: رأيت محمد بن رزين خرج في عيد بثياب مهينة، فسألته عن ذلك.
فقال: رأيت نعيم بن حماد في عيد، كذا.
فعلمت أنه تبذل لله، فاتبعته.
قال ابن حارث في تاريخ الأفريقيين: وتوفى ابن زرين بسوسة، سنة خمس وخمسين ومائتين.
محمد بن شبيب
أبو يوسف، من أهل تونس.
стр. 1045
ذكره ابن أبي دليم في المالكية، قال: وله سن عالية، وسماع من أسد، وعلى بن زياد، وولى قضاء تونس.
وذكره أبو العرب في طبقاته بمثله، وشك في سماعه من على.
قال: وحدثني عبد الله بن خليل قال: كنت أجئ إلى أبي يوسف، فأجده ملقى من الكبر، فأجتذبه بفروه حتى أقعده على نفسه، فأسمع منه، ولم يذكره إلا بخير.
قال ابن حارث: وتوفى سنة ست وسبعين ومائتين.
وابن أخيه محمد بن سعيد بن شبيب: ولى قضاء صقلية، وذكر عنه خير وعفة وعدل.
محمد بن تميم العنبري
من أهل قفصة.
قال أبو العرب: كان ثقة.
سمع من أنس بن عياض كثيرًا، ومن عبد الله بن وهب، وابن بكير، وكان يقدم سوسة، فيأتيه أهل القيروان يسمعون منه.
روى عنه ابنه هبة الله، وسليمان بن سالم، وأبو جعفر بن زياد.
وعمر، توفى سنة ستين ومائتين.
ومات ابنه هبة الله قريبًا من هذا.
قال أبو العرب ولم أسمع أحدًا ذكر ابنه بسوء.
عبد الله بن سهل القبرياني
أبو محمد، وضبط اسمه بقاف مكسورة، وباء موحدة ساكنة، وراء مكسورة، بعدها ياء باثنتيين من تحتها، وبعد الألف نون.
من أهل القيروان، وأصله من العجم.
стр. 1046
قال محمد بن أحمد التيمي: كان شيخًا ثقة، فاضلًا، فقيه البدن، صحيح الكتب، لقى ابن الماجشون،، وسمع ابن سلام، ويحيى، وأسد بن الفرات، وسحنون بن سعيد، وعليه كان اعتماده، وكان معدودًا في قدماء أصحابه، قريبًا في السن منه.
ولاه سحنون قضاء قصطيلية، وقفصة، ونفزاوة (٢٤٧)، وعملها.
وكان عدلًا في قضائه.
وولى بعد سحنون قضاء صقلية.
شهد له حماس بالفقه البارع.
سمع منه سهل ابنه، وغير واحد.
قال ابن حارث: كان عالمًا بالمذهب، حسن الحفظ، جيد القريحة، من ذوى المال والجاه العريض.
توفى سنة ثمان وأربعين ومائتين، فيما قاله أبو العرب.
وقال ابن أبي دليم: سنة تسع وأربعين.
مولده سنة اثنين وسبعين ومائة.
عبد الرحيم بن عبد ربه الربعي
المعروف بالزاهد، أبو محمد، قال أبو العرب: كان ثقة، وكان في السن قريبًا من سحنون، ومعدودًا في أصحابه.
سمع منه، ومن أسد بن الفرات.
وحكى المالكي أنه كان أكبر من سحنون بليلتين، وكان سحنون يعرف له فضله، ويعظمه، ويسأله الدعاء له، وكان يقول: رأيت ابن القاسم وفلانًا، وفلانًا - وذكر شيوخه - فما رأيت مثل عبد الرحيم - يعنى هذا - وذلك أنى علمت ظواهر أولئك، وعلمت باطن هذا وظاهره.
стр. 1047
وكان أولًا بزازًا ثم لزم الرباط حتى مات.
أخذ عنه عيسى بن مسكين وغيره من أصحاب سحنون.
وقال سحنون الرجل فاته بعض السماع منه: أين أنت من الشيخ؟ يعنى عبد الرحيم، اسمعها منه، فكأنك سمعتها منى.
قال ابن حارث: كان ثقة فاضلًا.
ويقال أنه مستجاب الدعوة.
وكان عبد الرحيم كثير التهجد طول ليله، بين راكع وساجد، فكان السهر قد غيره *، فكأنه مبهوت.
ومن كراماته ما حكاه المالكي، أن سحنون بلغه أن عبد الرحيم أقام ستة أشهر لم يشرب ماء، فأنكر ذلك سحنون، وركب مع جماعة من الشيوخ إليه، فبات عنده، وسأله عما بلغه، واستشنع عليه.
فقال له: ومن لا يأكل ولا يشرب؟
فلما انصرف عنه سحنون، رجعه، وقال له: سألتني عن شيء فكتمته، ثم حاسبت نفسي، والذي قيل لك صحيح، ولى ستة أشهر لم أشرب ماء، وذلك أنى كنت أصلي، فأصابني عطش شديد، فقلت: أفرغ من حزبي وأشرب، فلما فرغت مددت يدى للقسط، فانقلب، وذهب ما فيه من ماء، وكانت ليلة كثيرة الريح والبرد، والماجل أسفل القصر، فكبر على النزول، وقات: يا رب: ان هذا شغلني عن حزبي، فاحمل عني المؤونة.
فأجابني من زاوية البيت، ولا أحد فيه، يقول: أنا من مؤمني الجن، أصلي بصلاتك مدة، فمر هذه الليلة شيطان مارد، وهم علينا أمر مما هم عليكم، فحسدك، ورمى لك في القسط شيئًا، فلو شربته لعرض في جسمك ما لا طاقة لك به، فلما مددت يدك إلى القسط سبقتك إليه فأهرقته.
قال عبد الرحيم: فأخلصت لله الدعاء، فحمل عنى المؤونة، وإن احتجت الماء بعد شربته.
стр. 1048
فنزل سحنون إلى الناس، وقال: عبد سأل مولاه حاجة فقضاها له.
وقد ذكرنا رسالته إلى سحنون حين ولى القضاء.
قال المالكي: كان من أهل الزهد والاجتهاد، شهر بالإجابة، وكان سحنون يقصده كثيرًا، وقصده ابنه بعده، وغيره، وسنذكر خبره معه.
قال عبد الرحيم: لما أراد أسد الخروج إلى صقلية، قلت له: على من ترى أعتمد؟
فقال لي: إن أردت الله والدار الآخرة، فعليك بعلم مالك.
قال ابن حارث: ومناقبه كثيرة.
وذكر أنه كان بقرب قصره رجل له فرس، يطلقه في زرع المرابطين، فنهوه، فلم ينته ولا سأل، فأتوا إلى عبد الرحيم، فرفع عينيه إلي السماء وقال: اللهم اجعله آية للعالمين، واكف المسلمين شره.
فطارت عينا الفرس.
وكان سأل الله أن لا يبيت أحدًا في قصر زياد بالجوع، فكان ييسر الله لكل من احتاج فيه ما يأكله.
وحدث اللبيري عن بعضهم، أنه فنى زاده فيه، وأخذه الجوع، فقال: أين ما يذكر عن عبد الرحيم؟
فبينا هو كذلك، إذ دخل عليه صاحب له بطعام واسع.
فقلت: هذه دعوة عبد الرحيم.
وحكى سليمان بن سالم، عن محمد بن صباح، قال سرت أسيح على البحر، حتى صرت إلى قصر عبد الرحيم، فدخلت إليه قرب المساء، فلما رآني سلم على وأجلسني وهو يقول: الحمد لله الذي كنت أنت - يكرر ذلك -.
فقلت له: ما هذا؟
стр. 1049
فقال: أرسل إلى أخي بحمام البرية، فأمرت بطبخه، فرأيته سمينا، فقلت: اللهم سق لي وليا من أوليائك يأكل معى، فلما رأيتك حمدت الله إذ كنت أنت هو.
وذكر أنه خرج مرة إلى المنستير، فنزل القصر الكبير، فلما كان العشى سمع حسن المهارس، فقال: ما هذا؟
فقالوا: المرابطون يدقون التوابل لقدورهم.
فاسترجع وقال: ما هكذا أعرف المنستير، حاله أنا أعرفها، عند أهلها شيء من دقيق شعير وزيت، فإذا جاء وقت الإفطار لثوا الدقيق بالزيت وأكلوه، لله على ألا أبيت في شيء منه.
فخرج منه، فغابت له الشمس بقصر لمطة، ولم يعد إليه بعد ذلك.
قال المالكي: وكان يقال: أنه يجتمع مع الخضر ﷺ .
وذكر اللبيري أن فقيرًا نزل بعبد الرحيم، فلم يجد عنده شيئًا إلا قرصًا * أعدها لإفطاره، فقدمها إليه، وبقى بلا شيء، فقيل له: أصلحك الله: ما يكون منك وأنت لا تقبل من أحد شيئًا؟
فقال لهم: ان الله لا يتركني بلا شيء.
فلما كان بعد ساعة سمع كلام، فدخل عليه، فلم يوجد عنده أحد، وبين يديه قرص سخن وتمر؟
فقال عبد الرحيم للرجل: كل.
فسأله: بالله من أين؟
فقال: أتاني به الخضر، وقال لي: هذا تمر أتيتك به من أجرائية (٢٤٨).
قال: وكان عبد الرحيم يأخذ الفتات في يده ويبسطها، فينزل عليها الغراب فيأكلها.
стр. 1050
وأتى رجل إلى سحنون يسأله عن مسألة، ومعه عبد الرحيم، فسبقه عبد الرحيم بالجواب، فسكت سحنون، فلما ذهب السائل، وقام عبد الرحيم، قال: تجد الرجل يصبر على الصيام والصلاة، ويتورع في الحاجات (٢٤٩)، فإذا جاءت الفتيا لم يصبر!
قال المؤلف ﵁: وسكوت سحنون على جوابه دليل على صوابه، وأنه كان ممن يفتى مع سحنون وبحضرته.
وقال له رجل: أوصنى بكلمات ينفعنى الله بها ويأجرك عليها.
فقال: أوصيك يابنى أن تتقى الله، وتجتنب محارم الله، وتؤدى فرائض الله، وتحسن إلى عباد الله، وان زدت زادك الله.
ويذكر أنه ما تزوج قط ولا تسرى، وكانت له جاريتان تقومان به وتخدمانه.
فقيل له: ألا تتسرى باحداهما، فانهما تصلحان لذلك؟
فحلف أنه لا يعرف صفة وجوههما، لشغله بعبادة ربه .
وكان يقول: زيارة الاخوان نقص من العمل (٢٥٠).
أنه قال بعضهم: يريد يقطع عما يكون فيه الانسان من عمل
وهو الذي بنى قصر زياد، وأنفق فيه اثنى عشر ألف دينار، ستة آلاف من عنده، وستة آلاف من عند اخوانه.
وكان قد استشار سحنون فى الخروج إلى غزو صقلية مع أسد، فكسره عن ذلك، وقال له: كنت ذكرت أنك تحب بناء قصر زياد، وأن عندك أخبارا توجب الخوف في البر والبحر.
فذكر ذلك لاسد، فقال: صدق سحنون.
وكانت لعبد الرحيم ضيعة واسعة.
стр. 1051
وذكر أنه كان له سبعة عشر ألف أصل من الزيتون، وكان لسحنون اثنا عشر ألف أصل.
وكان عبد الرحيم قد استشار سحنون، في بيع ضيعته والتصدق بها، فنهاه.
وتوفى سنة ست، ويقال سبع، وأربعين ومائتين.
ورثاه بعضهم بقصيدة أولها:
ما بال عينك للشجا لا تدمع … اذ هد ركن الدين أم لا تجزع
فابكي على عبد الرحيم فقد ثوى … فى برزخ، قد فاز ذاك الموضع
ورثاه آخر بقوله، وهو حاتم الجيباني (٢٥١) المتعبد:
قل للتقى والدين بعد محمد … جودا على عبد الرحيم فقد غبر
ما كان أتقاه وأحسن أمره … في الله قد تشمر واتزر
يسعى أما النهار فصائم متهجد … واليل يهتف بالقرآن إلى السحر
وقال الصدفي في أرجوزته:
بنى بقصر المرتضى الامام … عبد الرحيم الصائم القوام
ما كان إلا علم الاسلام
ابو السرى واصل العابد الخمي
من قصر خمة، قال سعدون الخولاني - وكان يخدمه -: كان واصل من رجال مالك، يعنى من أصحابه.
وذكر غيره * سبب طلبه للعلم، وكان أولا مشتغلا بالعبادة.
قال أبو العرب: كان مجتهدا في العبادة، له مناقب كثيرة، لم أعلم أن العلم روى عنه.
стр. 1052
قال أبو ميسرة: قال واصل: جئت إلى جامع سوسة يوم جمعة، فصليت، وسحنون قريب منى، فأذن المؤذن وقد بقى على شيء من السورة، فأتممتها وقد أخذ الامام فى الخطبة، فلما سلم الامام سأل سحنون عنى، فأخبر بي، فنودي بي، فقال: من أنت؟
قلت: واصل.
قال: واصل الذى يقال!
قلت: أسأل الله بركة ما يقال.
فقال لى: رأيتك تصلى والامام يخطب! أطلبت شيئًا من العلم؟
قلت: لا.
قال: اطلب العلم، أو فلا تسكن فى شيء من هذه الحصون.
فاختلفت إلى عون بن يوسف سبع سنين.
قال المالكي: فتفقه به، وحفظ من العلم ما قمع به الشيطان، ثم تشمر للعبادة وقيام الليل وصيام النهار حتى مات.
وكان أبو عبد الله بن سحنون يعظمه.
وكان واصل يسكن بقصر الطوب من سوسة.
ذكر عبادته وخوفه وزهده.
ذكر سعيد بن الحداد (٢٥٢) أن واصلا أقام أربعين سنة لم يدخر شيئًا من الدنيا، وانه ليقيم الايام لا يطعم شيئًا، فإذا أجهد خرج فأكل مباقيل الارض، ثم عاد لمصلاه.
وحكى المالكي أنه خرج ليلة من المسجد، فلما صارت احدى رجليه بخارج المسجد والاخرى داخله، عرضت له فكرة، فرفع رأسه وقال
стр. 1053
لنفسه: أطاعت السماوات والارض على عظمتهما وما فيهما، وعصيت أنت على صغرك!
وبقى باهتا حينا طويلا، ثم استرخى، وسقط مغشيا عليه، فصادف رأسه الحائط، فجرحه، فحمل وهو على حاله.
وذكر أنه قدم إلى القيروان يوم جمعة، فعرض وهو في صلاته شيء من فهم القرآن، استغرقه حتى خطب الامام وصلى، ولم يشعر.
فسأله سحنون عن ذلك.
فأخبره بما استغرقه.
فقال له سحنون: وصلت والله يا واصل!
قال: وقصده رجل من أهل المشرق سمع به، فقال له أنت واصل؟
قال: نعم.
قال له: قرصتك من أين؟
قال: بين الكاف والنون.
قال: فأخبرني، أنت ساكن في المسجد، وليس لك ماء ولا غيره، فإذا طبخ المرابطون قدورهم، ودخلوا بها بيوتهم، وسمعت حسا على الداموس، تستشرف نفسك إلى من يأتيك بما تأكل؟
فقال واصل: ما لنا عند أحد شيء ننتظره يجيئنا به!
فقال: أنت واصل حقا!
وذكر أن واصلا كان قبل أن يتعبد، يتجر فى حانوت بما يوزن ويكال.
فجاءته امرأة، فساومته في شيء، فخالفها فيه.
فقالت له: كفاك ما أنت فيه من مكيال وميزان.
فقال لها: صدقتنى.
стр. 1054
وترك جميع ما كان فيه، ولزم قصر الرباط.
قال أحمد بن أبي سليمان: قلت لواصل: بلغني أنك لم تشرب الماء دهرا!
فقال: لم أشربه ثمانية أشهر، ثم غلبت، وذلك أنى كنت أناله في البسيس والمرق.
قلت له: فالخبز، كم لك لم تأكله؟
قال: أكثر من عشرين سنة، جربته، فلما استغنيت عنه تركته تأديبا لنفسي.
قلت له: بلغني أن ابليس كلمك!
قال: لا.
قلت له: أفرأيته؟
قال: دخلت على جارية في المسجد فى حلى وصباغ، فقمت إليها بالعصا فهربت، فاتبعتها إلى باب المسجد، فوجدت القصر مسدودا، فعلمت أنها ابليس!
ذكر بعض ما يحكى من كراماته
ذكر أنه لما نزل قصر الرباط بغير شيء (٢٥٣) أقام فيه أياما مقبلا على الصلاة والصوم، فتبين فيه أهل الحصن * الضعف، من كثرة مداومته وقلة غذائه، فأتوه ليالى بطعام يفطر عليه من الشعير والبقل، فلما طال عليهم تركوه.
فأقام ليلة وثانية لم يطعم فيها شيئًا.
فلما كان فى الثالثة، إذا بضارب يضرب عليهم باب القصر، فسألوه فقال: غلام فلان - رجل من مشاهير القيروان مذكور بخير -
стр. 1055
وجهنى إلى الشيخ واصل بطعام، وقال لى: ان أوصلته إليه هذه الليلة أنت حر.
وكانت الحصون لا تفتح بالليل.
فشاوروا واصلا، فقال: ما عليكم أن تفتحوا له وتعتقوه.
ففتحوا له، فإذا ببغل عليه حمل فيه دجاج، وفراخ، وسنبوسج، وعجج، وحلوى، وجرادق، فمد يده الشيخ إلى شيء منه فأكله، ثم قال لهم: اقسموا: اقسموا جميعه.
فقسموه فيما بينهم، وقالوا: أبيتم أن تطعموه الشعير ببقل البرية، حتى أطعمكم هذا الطعام الطيب!
وقيل فى مثل هذه الحكاية عنه: ان امرأة رأت فى المنام قائلاً يقول لها: أخوك واصل جائع، فابعثى إليه بطعام.
فقالت لعبد لها: ان وصلت إليه فأنت حر.
وأتت مرة مراكب الروم عند قصره، فأرادوا أخذ الماء، فمنعهم المسلمون، فلما يئسوا بسطوا الانطاع واستسقوا فسقوا، فبلغ ذلك واصلا فاشتد عليه، وقال: اللهم غرقهم واجعلهم نفلا للمسلمين.
فأرسل الله عليهم للوقت ريحا شديدة، فكسرت مراكبهم، ورمت بهم إلى البر، فعنمهم المسلمون.
قال سعدون: قال لى واصل: مكثت احدى عشرة سنة أتعرف فيها حالي عند الله كل ساعة، فما علمت أن الشيطان ظفر بي ولا ساعة واحدة إلا فى ثلاث خطوات خطوتها فى طريق، ثم عاد على العلم ببركته فرجعت.
وذلك أنى كنت أمشى فى طريق الساحل فلما كان آخر النهار، عارضنى طريقان، أحدهما إلى قرية رجل صالح غنى، والآخر إلى قرية رجل صالح فقير، وهما صديقان لى.