وذكر أنه كان له سبعة عشر ألف أصل من الزيتون، وكان لسحنون اثنا عشر ألف أصل.
وكان عبد الرحيم قد استشار سحنون، في بيع ضيعته والتصدق بها، فنهاه.
وتوفى سنة ست، ويقال سبع، وأربعين ومائتين.
ورثاه بعضهم بقصيدة أولها:
ما بال عينك للشجا لا تدمع … اذ هد ركن الدين أم لا تجزع
فابكي على عبد الرحيم فقد ثوى … فى برزخ، قد فاز ذاك الموضع
ورثاه آخر بقوله، وهو حاتم الجيباني (٢٥١) المتعبد:
قل للتقى والدين بعد محمد … جودا على عبد الرحيم فقد غبر
ما كان أتقاه وأحسن أمره … في الله قد تشمر واتزر
يسعى أما النهار فصائم متهجد … واليل يهتف بالقرآن إلى السحر
وقال الصدفي في أرجوزته:
بنى بقصر المرتضى الامام … عبد الرحيم الصائم القوام
ما كان إلا علم الاسلام
ابو السرى واصل العابد الخمي
من قصر خمة، قال سعدون الخولاني - وكان يخدمه -: كان واصل من رجال مالك، يعنى من أصحابه.
وذكر غيره * سبب طلبه للعلم، وكان أولا مشتغلا بالعبادة.
قال أبو العرب: كان مجتهدا في العبادة، له مناقب كثيرة، لم أعلم أن العلم روى عنه.
стр. 1052
قال أبو ميسرة: قال واصل: جئت إلى جامع سوسة يوم جمعة، فصليت، وسحنون قريب منى، فأذن المؤذن وقد بقى على شيء من السورة، فأتممتها وقد أخذ الامام فى الخطبة، فلما سلم الامام سأل سحنون عنى، فأخبر بي، فنودي بي، فقال: من أنت؟
قلت: واصل.
قال: واصل الذى يقال!
قلت: أسأل الله بركة ما يقال.
فقال لى: رأيتك تصلى والامام يخطب! أطلبت شيئًا من العلم؟
قلت: لا.
قال: اطلب العلم، أو فلا تسكن فى شيء من هذه الحصون.
فاختلفت إلى عون بن يوسف سبع سنين.
قال المالكي: فتفقه به، وحفظ من العلم ما قمع به الشيطان، ثم تشمر للعبادة وقيام الليل وصيام النهار حتى مات.
وكان أبو عبد الله بن سحنون يعظمه.
وكان واصل يسكن بقصر الطوب من سوسة.
ذكر عبادته وخوفه وزهده.
ذكر سعيد بن الحداد (٢٥٢) أن واصلا أقام أربعين سنة لم يدخر شيئًا من الدنيا، وانه ليقيم الايام لا يطعم شيئًا، فإذا أجهد خرج فأكل مباقيل الارض، ثم عاد لمصلاه.
وحكى المالكي أنه خرج ليلة من المسجد، فلما صارت احدى رجليه بخارج المسجد والاخرى داخله، عرضت له فكرة، فرفع رأسه وقال
стр. 1053
لنفسه: أطاعت السماوات والارض على عظمتهما وما فيهما، وعصيت أنت على صغرك!
وبقى باهتا حينا طويلا، ثم استرخى، وسقط مغشيا عليه، فصادف رأسه الحائط، فجرحه، فحمل وهو على حاله.
وذكر أنه قدم إلى القيروان يوم جمعة، فعرض وهو في صلاته شيء من فهم القرآن، استغرقه حتى خطب الامام وصلى، ولم يشعر.
فسأله سحنون عن ذلك.
فأخبره بما استغرقه.
فقال له سحنون: وصلت والله يا واصل!
قال: وقصده رجل من أهل المشرق سمع به، فقال له أنت واصل؟
قال: نعم.
قال له: قرصتك من أين؟
قال: بين الكاف والنون.
قال: فأخبرني، أنت ساكن في المسجد، وليس لك ماء ولا غيره، فإذا طبخ المرابطون قدورهم، ودخلوا بها بيوتهم، وسمعت حسا على الداموس، تستشرف نفسك إلى من يأتيك بما تأكل؟
فقال واصل: ما لنا عند أحد شيء ننتظره يجيئنا به!
فقال: أنت واصل حقا!
وذكر أن واصلا كان قبل أن يتعبد، يتجر فى حانوت بما يوزن ويكال.
فجاءته امرأة، فساومته في شيء، فخالفها فيه.
فقالت له: كفاك ما أنت فيه من مكيال وميزان.
فقال لها: صدقتنى.
стр. 1054
وترك جميع ما كان فيه، ولزم قصر الرباط.
قال أحمد بن أبي سليمان: قلت لواصل: بلغني أنك لم تشرب الماء دهرا!
فقال: لم أشربه ثمانية أشهر، ثم غلبت، وذلك أنى كنت أناله في البسيس والمرق.
قلت له: فالخبز، كم لك لم تأكله؟
قال: أكثر من عشرين سنة، جربته، فلما استغنيت عنه تركته تأديبا لنفسي.
قلت له: بلغني أن ابليس كلمك!
قال: لا.
قلت له: أفرأيته؟
قال: دخلت على جارية في المسجد فى حلى وصباغ، فقمت إليها بالعصا فهربت، فاتبعتها إلى باب المسجد، فوجدت القصر مسدودا، فعلمت أنها ابليس!
ذكر بعض ما يحكى من كراماته
ذكر أنه لما نزل قصر الرباط بغير شيء (٢٥٣) أقام فيه أياما مقبلا على الصلاة والصوم، فتبين فيه أهل الحصن * الضعف، من كثرة مداومته وقلة غذائه، فأتوه ليالى بطعام يفطر عليه من الشعير والبقل، فلما طال عليهم تركوه.
فأقام ليلة وثانية لم يطعم فيها شيئًا.
فلما كان فى الثالثة، إذا بضارب يضرب عليهم باب القصر، فسألوه فقال: غلام فلان - رجل من مشاهير القيروان مذكور بخير -
стр. 1055
وجهنى إلى الشيخ واصل بطعام، وقال لى: ان أوصلته إليه هذه الليلة أنت حر.
وكانت الحصون لا تفتح بالليل.
فشاوروا واصلا، فقال: ما عليكم أن تفتحوا له وتعتقوه.
ففتحوا له، فإذا ببغل عليه حمل فيه دجاج، وفراخ، وسنبوسج، وعجج، وحلوى، وجرادق، فمد يده الشيخ إلى شيء منه فأكله، ثم قال لهم: اقسموا: اقسموا جميعه.
فقسموه فيما بينهم، وقالوا: أبيتم أن تطعموه الشعير ببقل البرية، حتى أطعمكم هذا الطعام الطيب!
وقيل فى مثل هذه الحكاية عنه: ان امرأة رأت فى المنام قائلاً يقول لها: أخوك واصل جائع، فابعثى إليه بطعام.
فقالت لعبد لها: ان وصلت إليه فأنت حر.
وأتت مرة مراكب الروم عند قصره، فأرادوا أخذ الماء، فمنعهم المسلمون، فلما يئسوا بسطوا الانطاع واستسقوا فسقوا، فبلغ ذلك واصلا فاشتد عليه، وقال: اللهم غرقهم واجعلهم نفلا للمسلمين.
فأرسل الله عليهم للوقت ريحا شديدة، فكسرت مراكبهم، ورمت بهم إلى البر، فعنمهم المسلمون.
قال سعدون: قال لى واصل: مكثت احدى عشرة سنة أتعرف فيها حالي عند الله كل ساعة، فما علمت أن الشيطان ظفر بي ولا ساعة واحدة إلا فى ثلاث خطوات خطوتها فى طريق، ثم عاد على العلم ببركته فرجعت.
وذلك أنى كنت أمشى فى طريق الساحل فلما كان آخر النهار، عارضنى طريقان، أحدهما إلى قرية رجل صالح غنى، والآخر إلى قرية رجل صالح فقير، وهما صديقان لى.
стр. 1056
فوقفت أنظر من أقصد، فقالت لى نفسى: ان قصدت الفقير عساك لا تجد عنده شيئًا يتعشى عياله وأطفاله، وان كان عنده ضيقت عليهم وعممتهم، وان قصدت الغنى وجدت عنده خبزا طيبا من القمح، من أرضه الموروثة، وزيتا من زيتونه، وتينا فاخرا، وعساه يذبح لك خروفا من غنمه، وهى ترعى فى أرضه، فتسره وتجد بغيتك، وتأكل شهوتك.
فخطوت فى طريقه ثلاث خطوات، ثم استيقظت، فقصدت طريق الفقير، فرحب بي وطيب، وأخذ بيدى إلى بيته، فلما جلسنا لنتعشى دق الباب علينا، فخرج فأتاني بصحفة ثريد من القمح، عليها لحم خروف سمين، فقال لي: كل.
فأكلنا حتى شبعنا، وحمل البقية إلى عياله.
ثم ضرب الباب، فخرج، فأتى بطبق فيه صحفة زيت، وتين فاخر، فأكلنا حتى شبعنا.
ثم سألته فقال: أتاني به جار لى.
فقلت له: صح لى به.
فسألته عن السبب.
فقال: نعم، كان عندنا خروف سمناه، وكنا ننتظر به يومًا نفرح الصبيان بذبحه، فحل اليوم ذلك بقلوبنا، فلما ذبحناه وثردنا، ورأيتك نزلت بجارنا، قلت لامرأتى: لا ينزل بصالح إلا صالح مثله، وليس له طاقة، ونحن نجد العوض في غد يومنا، فهل ترين أن نطعمهم اياه، ونسألهم دعوة لنا ولاولادنا؟
فقالت: افعل.
فجئتكما به من على المائدة.
ثم قالت لى الزوجة: لابد من حلاوة، فأعطتنى هذا التين والزيت.
стр. 1057
قال أبو الحسن القابسي: ذكر أن ابن سحنون كان يومًا ضحوة يلقى على أصحابه المسائل، وهو يشرح (٢٥٤)، اذ وجم ساعة، ثم نهض للقيام، ثم * قال: من حضرته نية لزيارة الشيخ واصل فليقم.
وخرج من فوره، فوصل عصر غده، فأتى المسجد، فدخل واصل فصلى بهم، ثم خرج يتنفل إلى جانب ابن سحنون، فلما سلم، وسلم ابن سحنون من ركوعه، قال الشيخ لابن سحنون: أعد الركعتين، فاني رأيتك أمررت يدك على لحيتك، وهو عمل في الصلاة.
فقال له محمد: وأنت فأعد، لأنك شغلت سرك بي.
فقال له واصل: أظنك محمد بن سحنون!
قال: نعم.
فمد يده إليه وصافحه، وقال: سألت الله أمس ضحوة من النهار أن يجمع بيني وبينك.
وأخبار واصل كثيرة، وكانت وفاته سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
محمد بن سحنون
مر نسبه في ذكر أبيه.
تفقه بأبيه، وسمع من ابن أبى حسان، وموسى بن معاوية، وعبد العزيز بن يحيى المدنى، وغيرهم.
ورحل إلى المشرق، فلقى بالمدينة أبا مصعب الزهري، وابن كاسب، وسمع من سلمة بن شبيب.
قال أبو العرب: وكان إماما فى الفقه، ثقة، وكان عالمًا بالذب عن مذاهب أهل المدينة، عالمًا بالآثار، صحيح الكتاب، لم يكن في عصره أحذق بفنون العلم منه فيما علمت.
стр. 1058
قال ابن أبى دليم: وكان الغالب عليه الفقه والمناظرة، وكان يحسن الحجة والذب عن السنة والمذهب.
قال ابن حارث: كان عالمًا فقيها مبرزًا، متصرفًا في الفقه والنظر، ومعرفة اختلاف الناس، والرد على أهل الأهواء، والذب عن مذهب مالك، وكان قد فتح له باب التأليف، وجلس مجلس أبيه بعد موته.
قال يحيى بن عمر: كان ابن سحنون من أكثر الناس حجة، وألقنهم بها، وكان يناظر أباه، وكان يسمع بعض كتب أبيه في حياته، يأخذها الناس عنه قبل خروج أبيه، فإذا خرج أبوه قعد مع الناس يسمع معهم من أبيه.
وقال سحنون: ما أشبهه إلا بأشهب.
وقال: ما غبنت فى ابنى محمد (٢٥٥) إلا أنى أخاف أن يكون قصير العمر.
وكان يقول لمؤدبه: لا تؤدبه إلا بالكلام الطيب والمدح، فليس هو ممن يؤدب بالتعنيف والضرب، واتركه على بختى (٢٥٦) فانى أرجو أن يكون نسيج وحده، وفريد أهل زمانه.
قيل لعيسى بن مسكين: من خير من رأيت في العلم!
فقال: محمد بن سحنون.
وقال أيضًا: ما رأيت بعد سحنون مثل ابنه، وكان رأى جماعة بالمشرق وغيره.
قال حمديس القطان: رأيت العلماء بمكة والمدينة ومصر، فما رأيت فيهم مثل سحنون، ولا مثل ابنه بعده.
стр. 1059
وذكر ابن مغيث (٢٥٧) أن القاضى اسماعيل بن اسحاق ذكره له، فقال له فيه: الإمام ابن الإمام.
وذكر مرة ما ألفه العراقيون من الكتب، فقال له اسماعيل: عندنا من ألف فى مسائل الجهاد عشرين جزءًا، وهو محمد بن سحنون، يفخر بذلك على أهل العراق.
قال ابن حارث: كان من الحفاظ المتقدمين المناظرين المتصرفين، وكان كثير الكتب، غزير التأليف، له نحو من مائتى كتاب في فنون العلم.
ولما تصفح محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، كتابه وكتاب ابن عبدوس، قال في كتاب ابن عبدوس: هذا كتاب رجل أتى بعلم مالك على وجهه، وفى كتاب ابن سحنون: هذا كتاب رجل يسبح في العلم سبحا.
قال ابن الجزار: كان ابن سحنون امام عصره في مذهب أهل المدينة بالمغرب، جامعا لخلال تلما اجتمعت في غيره، من الفقه البارع، والعلم بالأثر والجدل والحديث، والذب عن مذهب أهل الحجاز *، سمحا بماله، كريمًا فى معاشرته، نفاعا للناس، مطاعا، جوادا بماله وجاهه، وجيها عند الملوك والعامة، جيد النظر في الملمات.
قال حمديس: جئت يومًا إلى محمد بن سحنون، فأخرج إلى كتاب الرجوع عن الشهادة، فقال لى: خط من هذا؟
قلت: خط سحنون.
وكان ابنا عبدوس أنكرا أن يكون لسحنون.
فقال الرجل: امض بالكتاب اليهما، ولا يمساه، وأرهما اياه ورقة ورقة، وقل لهما: خط ـ من هو؟
ففعل الرجل ذلك، فقالا: خط سحنون، وما ظننا ذلك.
стр. 1060
فقال: قل لهما: يا مساكين! يكون مقامى مقامكما! أنا معه في الدار وأنتما برا (٢٥٨).
ذكر تواليفه
وألف ابن سحنون كتابه المسند في الحديث، وهو كبير، وكتابه الكبير المشهور الجامع، جمع فيه فنون العلم والفقه، فيه عدة كتب، نحو الستين، وكتابا آخر في فنون العلم.
ومنها كتاب السير، عشرون كتابا، وكتابه في المعلمين، ورسالته في السنة، وكتاب في تحريم المسكر، ورسالة فيمن سب النبي ﷺ ، ورسالة في أدب المتناظرين، جزءان، وكتاب تفسير الموطأ، أربعة أجزاء، وكتاب الحجة على القدرية، وكتاب الحجة على النصارى، وكتاب الإباحة، وكتاب الرد على الفكرية (٢٥٩)، وكتاب الورع، وكتاب الإيمان والرد على أهل الشرك، وكتاب الرد على أهل البدع، ثلاثة كتب، وكتاب في الرد على الشافعي وعلى أهل العراق، وهو كتاب الجوابات، خمسة كتب، وكتاب طبقات العلماء، سبعة أجزاء، وكتاب الأشربة وغريب الحديث، ثلاثة كتب، وكتاب التاريخ، ستة أجزاء.
قال بعضهم: ألف ابن سحنون كتابه الكبير، مائة جزء، عشرون في السير، وخمسة وعشرون في الأمثال، وعشرة في آداب القضاة، وخمسة في الفرائض، وأربعة في الإقرار، وأربعة في التاريخ والطبقات، والباقي في فنون العلم.
قال غيره: وألف في أحكام القرآن.
بقية أخباره وفضائله
قال ابن سحنون: دخل على أبي وأنا أؤلف كتاب تحريم النبيذ،
стр. 1061
فقال: يا بنى: انك ترد على أهل العراق، ولهم لطافة أذهان، وألسنة حداد، فاياك أن يسبقك قلمك لما تعتذر منه.
وذكر أبو القاسم اللبيرى (٢٦٠) أن ابن سحنون، أتى بعد موت سحنون هو وأصحابه زائرا إلى عبد الرحمان (٢٦١) بن عبد ربه الزاهد، فسلم عليه، فرد ﵇ وتركه جلس حيث انتهى به المجلس، ولم يقبل عليه حتى انصرف.
فلما كانت الجمعة الأخرى، استنهض محمد (٢٦٢) أصحابه لزيارته ثانية، فقالوا له: رأيناه لم يقبل عليك.
فقال: ليس هذه بغيتي، هو رجل صالح، ترجى بركة دعائه، وقد كان سحنون يأتيه ويتبرك بدعائه ويلجأ إليه عند المهمات.
فعاد إليه ابن سحنون وأصحابه، فلما رآه قام على رجليه، ورحب به، وأجلسه في موضعه، ولم يزل مقبلا عليه حتى انصرف.
فقيل له في ذلك، مع فعله الأول.
فقال: والله ما أردت بذلك إلا الله، رأيت اجتماع الناس عليه، فخفت فتنته، فعملت ما عملت، لأجربه، فرأيت في ليلتى قائلا يقول لي: مالك لم تقبل على ابن سحنون، وهو ممن يخشى الله؟
وفي رواية: وهو ممن يحب الله ورسوله.
فبلغت ابن سحنون، فبكى بكاء * شديدا، وقال: لعله بذبي عن سنة رسول الله ﷺ .
ولما خرج إلى الحج، نزل بمصر على أبى رجاء بن أشهب بن عبد العزيز، فقصده علماء مصر ووجوهها، يسلمون عليه، وابن المدني (٢٦٣)،
стр. 1062
فأطال الجلوس معه ليخلو به، فلما خرج، قال أبو رجاء: سألته عنه، فقال: لم أر والله أعلم منه، ولا أحد ذهنا، على حداثته.
وكان إذ ذاك ابن خمس وثلاثين سنة، وكتب إذ ذاك كتابى الإمامة بماء الذهب، ووجه بهما إلى الخليفة.
قال عيسى بن مسكين: وما ألف في هذا الفن مثهلما.
قال سليمان بن سالم: واختلف إذ ذاك المزنى (٢٦٤) وهارون بن سعيد الأيلى، في مسألة، فتحاكما إلى محمد بن سحنون.
قال سليمان بن سالم: قدم رجلان من كنانة، يسمعان العلم، ويقصدان لابن أبي المنهال، وابن قادم، فباتا على ذلك، فرأى أحدهما في المنام أن سائلا سأله، فأخبره عن قصدهما ولمن قصدا، فقال: إلى حتى أريكما ممن تطلبان (٢٦٥).
قال الرائى (٢٦٦): فأخذ بي على طريق منحرفة، حتى أوقفنى على مسجد فيه شيخ، والناس حوله، فقال لي: هنا، اطلب العلم من هذا ولا تعده.
فلما أصبح الرائي قال لصاحبه: سربنا إلى حيث سير بي البارحة، وأخبره بالرؤيا، فمضى معى، وسرت على المواضع التي رأيتها في المنام، حتى أتى مسجد ابن سحنون، فعرفه بالرؤيا التي رأى، وعرفه، وسلم عليه ولزماه.
وحدث بعض سكان القصر، أنه خرج ليلة في القصر بعد العشاء الأخيرة، فإذا بقارئ يقرأ في بعض البيوت "وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور" (٢٦٧) ويردد الآية.
стр. 1063
فرجع الرجل إلى صلاة الصبح، وهو على حالته.
قال: وأسمع وقع الدموع على الحصير، إلى أن خرج لصلاة الفجر مستور الوجه، فلم أزل أرتقبه، فإذا به محمد بن سحنون!
قال عيسى بن مسكين: قلت لابن سحنون: كيف الرش؟ يعنى النضح.
قال: تبسط الثوب، ثم ترش عليه، ثم تقلبه، ثم ترش عليه، ثم تجففه.
قيل لعيسى: الطاق الواحد من الناحيتين؟
قال: نعم.
قال المؤلف ﵁: يحتمل - والله أعلم - أن يكون هذا فيما يشك في نجاسته من الناحيتين، أو من إحداهما، ولم يتيقن، أو شك أن النجاسة داخلته.
قال: وقد رأيت لأبي الحسن القابسي في صفة النضح قال: يرش الموضع المتهوم بيده رشة واحدة، وإن لم يعمه، لأنه ليس عليه غسل فيحتاج أن يعمه.
قال: وإن رشه فيه أجزاه.
قال المؤلف ﵁: لعله بعد غسل فيه من البصاق (٢٦٨) وتنظيفه، وإلا فإنه يضيف الماء ويغلب عليه.
قال عيسى: كنت قد أخذت منه كتابين أمهات (٢٦٩) فحضرت الصلاة، فقدمنى، فأخرجتهما من كمى ووضعتهما، فأخذهما محمد وأدخلهما في كمه، وصلى، فأخجلني بفعله.
стр. 1064
قال ابن اللباد: حج محمد بن سحنون سنة خمس وثلاثين، فغلطوا في يوم عرفة، فرأى محمد أن ذلك يجزئ من حجهم (٢٧٠).
واختلف فيها قول أبيه.
قال المؤلف ﵀: حكى الطائي عن أبي أسلم المالكي اجماع مالك وأبي حنيفة والشافعي، على اجزاء هذه المسألة.
قال بعضهم: كنت عند محمد بن سحنون، فجاءه يعقوب الجزري (٢٧١) فأنشده:
محمد يا ابن من بالعدل قد نفذت قضاياه … ويا ابن مناصح لله يرجوه ويخشاه
أبوك أب أهان لجنة الفردوس دنياه … فمن والى أبوك بوده فالله مولاه
مناى، وقد ينال المرء عفوا ما تمناه … كتاب منك تنجح حاجتي إن كنت أعطاه
*فطل وامنن علي به وحطني حاطك الله
فقال له محمد بن سحنون: نعم وكرامة.
وكتب له في حاجته.
*
* *
قال أبو العرب: كان ابن سحنون من أطوع الناس في الناس، سمحا كريما، نفاعا للناس إذا قصد.
قال ابن حارث: كان كريما في نفسه (٢٧٢) جوادا بماله وجاهه، ويصل من قصده بالعشرات من الدنانير، ويكتب لمن يعني به إلى الكور،
стр. 1065
فيعطى الأموال الجسيمة، مقدما عند الملوك، وجيها عند العامة، نهاضا بالأثقال، واسع الحيلة، جيد النظر عند الملمات.
وهو كان السبب القيم لسليمان بن عمران وعبد الله بن طالب، وذلك أنه عنى بسليمان حتى استكتبه أبوه، ثم ولاه قضاء باجة.
فلما مات سحنون، وولى سليمان بن عمران قضاء القيروان مكانه، فأساء صحبة محمد بن سحنون، وفسدت الحال بينهما، إلى أن وجه فيه سليمان، فأتاه محمد في خلق ممن تبعه، فأغلظ له سليمان في القول، فحفظ من كلامه: ما أحوجك إلى من يمضغك قطن قلنسوتك هذه! ولم يجسر عليه بمكروه.
وكان سليمان يلقبه ويؤذيه بالقول.
وجاء رجل إلى ابن سحنون، فقال له: يا أبا عبد الله! الرسول يبلغ ولا يلام، ابن القيار يقرأ عليك السلام ويقول: أتيت أقواما لو أن السماء أمطرت عليهم أربعين خريفا ما نبتوا.
يعرض بسليمان بن عمر عمران.
فقال ابن سحنون: هذا جزاء من فعل شيئا لغير الله.
ولم تزل الحال تتزايد في فساد ما بينهما، إلى أن توارى ابن سحنون خوفا على نفسه، فكتب في تواريه إلى الأمير محمد بن الأغلب، بما كتب به عثمان إلى على ﵄:
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلى … والا تداركني ولما أمزق
فقال ابن الأغلب: ومن يمزقه؟ مزق الله جلده!
ثم رفع يد سليمان عنه، وأمنه منه.
وقيل ان ابن سحنون، لما طال تواريه، لجأ بنفسه إلى الأمير، فركب متنكرا إليه، ولقيه مؤدب أولاد الأمير، فسأله ابن سحنون أن يستأذن له الأمير في الخروج عن القيروان.
стр. 1066
ففعل ذلك.
فقال الأمير: إذا أذنت لابن سحنون في الخروج، مع من أبقى؟ أخبره أنى قد رفعت يد سليمان بن عمران عنه.
فظهر ابن سحنون، وشق السماط الأعظم، حتى أتى الجامع، فصلى فيه، فبلغ ذلك سليمان، فعلم أنه أمن، ورفعت يده عنه.
وظهر محمد بن سحنون، وقامت رئاسته، وشجي به سليمان وجماعة العراقيين، ورد سليمان غيظه على أصحاب ابن سحنون، فأخذ فرات بن محمد، فضربه بالسياط.
وبينما محمد بن سحنون يمشى يوما، لقيه صاحب الصلاة بالقيروان، المعروف بابن أبي الحواجب، وكان من أعدائه، فأومأ إلى أذنه، فأمكنه ابن سحنون منها، فقال له سر، يا كذا يا ابن كذا! سبا قبيحا.
فأجابه ابن سحنون جهرا: تقضى حاجتك.
يغالط من حضره.
وصار ابن أبي الحواجب، فأخبر سليمان بن عمران بذلك، فقال له. ان صدقت فتحنط!
وركب ابن سحنون إلى أحمد بن محمد الحضرمي، فسأله أن يزين للأمير تولية ابن طالب على الصلاة، فأجابه الأمير إليه.
فخرج الحضرمي بذاك إلى ابن سحنون، فسأله ابن سحنون كتم ذلك إلى وقت الخطبة.
ووجه ابن سحنون في ابن طالب فأعلمه بذلك، وقال له: تهيأ، فإذا رأيت ابن أبي الحواجب قد خرج إلى المقصورة، فقم بين يديه، وارق المنبر واخطب.
فلما كان يوم الجمعة، هجر ابن أبي الحواجب إلى الجامع، فنزل في المقصورة.
стр. 1067
وأتى ابن طالب فركع إلى جانب ابن سحنون وسليمان بن عمران عند المنبر.
فلما خرج ابن أبي الحواجب * إلى المقصورة، وهي حجرة بقبلي الجامع، ورفع رجله إلى درجة المنبر، صعد ابن طالب على المنبر وقد تقلد السيف، ومد القيم يده إلى ثوب ابن أبي الحواجب فجبذه.
وكان سليمان بن عمران قد نعس حينئذ، فما راعه إلا صوت ابن طالب - وكان فصيحا - يقول: الحمد لله الذي شكر على ما به أنعم، والحمد لله الذي عذب على ما لو شاء منه عصم، والحمد لله الذي على عرشه استوى، وعلى ملكه احتوى وهو في الآخرة يرى.
فعلت سليمان بن عمران كآبة، وتهلل وجه ابن سحنون، واستمر ابن طالب في خطبته، وتمت الصلاة.
فلما انصرف سليمان إلى منزله، جمع شيوخ القيروان، وأمرهم أن يسيروا إلى الأمير، ليزكوا عنده ابن أبي الحواجب، ويسألوه رده على الصلاة.
فبلغ الخبر ابن سحنون، فوجه إلى الحضرمي فأعلمه بالأمر، فلما أطل القوم على القصر، أرسل إليهم الحضرمي: أما تستحيون أن تسألوا الأمير أن يحط ابن عمه وقد أراد التنويه به، ويشرف صاحبكم؟ - وكان ابن طالب من بنى عم الأمير - انصرفوا، فانا لم نسألكم عن تزكية ولا جرحة.
فانصرف القوم، فكانت تلك أول نكبة سليمان، ثم لم تزل أمور ابن طالب تنمى، إلى أن عزل سليمان، وولى ابن طالب قضاء أفريقية مكانه.
ووجه ابن الأغلب في ابن سحنون، فسأله: ما تقول في يزيد؟
فقال: أصلح الله الأمير، لا أقول ما قالت الأباضية، ولا ما قالت المرجئة.
قال: وما قالتا؟
стр. 1068
قال: قالت الأباضية: إن من أذنب ذنبا فهو من أهل النار، وقالت المرجئة: لا تضر الذنوب مع التوحيد.
أتى يزيد عظيما جسيما، ويفعل الله في خلقه ما أحب.
ثم انصرف.
وذكر أن رجلا من أصحاب محمد، دخل بمصر حماما عليه رجل يهودى، فتناظر معه الرجل، فغلبه اليهودى لقلة معرفة الرجل.
فلما حج محمد بن سحنون، صحبه الرجل، فلما دخل مصر، قال له: امض بنا أصلحك الله إلى الحمام الذي عليه اليهودي.
فلما دنا خروج محمد، سبقه الرجل، وأنشب المناظرة مع اليهودى حتى حانت الصلاة، فصلى محمد الظهر، ثم رجع معه إلى المناظرة حتى حانت العصر، فصلاها محمد، ثم كذلك إلى العشاء، ثم إلى العشاء الأخيرة، ثم إلى الفجر، وقد اجتمع الناس، وشاع: الفقيه المغربي يناظر اليهودي!
فلما حانت صلاة الفجر، انقطع اليهودى وتبين له الحق، وأسلم، فكبر الناس وعلت أصواتهم.
فخرج محمد وهو يمسح العرق عن وجهه، وقال لصاحبه: لا جزاك الله خيرا، كاد أن تجرى على يديك فتنة عظيمة، تناظر يهوديا وأنت ضعيف، فإن ظهر عليك اليهودى لضعفك، افتتن من قدر الله بفتنته، أو كما قال.
* * *
وذكر أن رجلا عراقيا كان يؤذى محمد بن سحنون، وينال منه، فاشتد عليه مرة الفقر، فقام بباله قصده، فنهته امرأته لما عرفته منه، فلم يقبل منها ووصل إليه فقال: جئت أستعينك واستعفيك.
فقال: اذكر حاجتك.
فقال: ما جئت إلا لهذا.
стр. 1069
قال: لابد أن تذكر حاجتك.
فشكا إليه حاله.
فاسترجع محمد وقال: يا أخى! بلغ منك هذا وأنا في الدنيا؟
وكتب له رقعة إلى صيرفى بعشرين دينارا، وقال: اشتر بها لأهلك ما يحتاجون.
ففعل الرجل، وأخبر بذلك ابن سحنون، فسر، ثم قال له: تقدر على السفر؟
قال: نعم، فكتب له كتبا، وقال له: تمضى بها إلى قسنطينة.
فمضى الرجل بها * وأوصلها إلى أصحابها، فأكرم، وأضيف، وأعطى ثلاثمائة دينار.
فظن الرجل أنها لمحمد بن سحنون، وأنه وجهه وراءها، فلما وصل إلى القيروان دفعها لمحمد بن سحنون، وأجوبة القوم، فقال محمد: إنا لله وإنا إليه راجعون، حال الناس!
فقال له الرجل: يا سيدى إن كان بقى شيء رجعت إليه أقتضيه لك فقال: ليست لي، انما هي لك، وما عهدناهم كذلك.
يستقلها له.
وفى حكاية أخرى أن رجلا من العراقيين كان يغرى به حتى قبل أصحابه، يشتمه علانية وسرا إذا وجده مع الناس، فشتمه يوما في أذنه وهو في أصحابه، فقال: نعم وكرامة، إذا تفرغت تقضى حاجتك.
وبلغ ذلك العراقيين، فاتهموا صاحبهم وأضاعوه، فشكا حاله إلى بعض الصالحين، فدله على محمد بن سحنون، فسار إليه، فأصغى إليه محمد أذنه، وهو يظن أنه يجرى على عادته.
فقال له: والله ما جئتك إلا تائبا منيبا.
стр. 1070
فأجلسه، فلما قضى مجلسه أخذ بيده، وحمله إلى منزله، ودفع إليه عشرين دينارا، ثم كتب له ثلاثين كتابا إلى ثلاثين رجلا من أصحابه بالساحل، يسأل كل واحد أن يشترى له جارية.
فوصلت إليه ثلاثون جارية، فأمر ببيع خمسة منهن، وأصلح بثمنهن حال خمسة وعشرين، ودفعهن إلى الرجل.
***
وحكى المالكي قال: كانت لمحمد بن سحنون تسعة أسرة، يريد لكل سرير سرية، وكانت له سرية يقال لها أم مدام (٢٧٣)، فكان عندها يوما وقد شغل في تأليف كتاب إلى الليل، فحضر الطعام، فاستأذنته، فقال لها: أنا مشغول الساعة.
فلما طال عليها، جعلت تلقمه الطعام، حتى أتى عليه، وتمادى على ما هو فيه إلى أن أذن لصلاة الصبح، فقال: شغلنا عنك الليلة يا أم مدام، هات ما عندك.
فقالت: قد والله با سيدى ألقمته لك.
فقال لها: ما شعرت بذلك.
***
قال سليمان بن سالم: قال لي محمد بن سحنون: دخلت مسجد مدينة النبي ﷺ ، فإذا بحلقة عظيمة، فيها شيخ متكئ، فجلست كما نزلت من المحمل بثياب السفر، فوجدتهم يتنازعون في مسألة من أمهات الأولاد، فأدخلت عليهم فيها حرفا، فنبههم الشيخ عليه، واستوى جالسا، ثم زدت حرفا آخر، فقال لي: أين بلدك؟
قلت: أصلحك الله، رجل حاج.
فقال: أين بلدك؟
стр. 1071
قلت: أفريقية.
فقال لي: ينبغى أن تكون ابن سحنون، أو ابن أخي سحنون، بالله من أنت؟
قلت: ابن سحنون.
فقام إلى الشيخ، مع جميعهم، فسلموا على، وعقبونى إذ لم أعلمهم بنفسي، فوالله ما خرجت من المسجد إلا والشيخ يمشى يكتب المسألة وأنا أمليها عليه.
ذكر مذهبه في الإيمان (٢٧٤)
كان محمد بن سحنون لا يستثنى في مسألة الإيمان، وغالب ابن عبدوس (٢٧٥) وغيره، وكان يقول: أنا مؤمن عند الله.
وكان ابن عبدوس، وأصحابه، وأهل مصر والمشرق، ينكرون ذلك عليه وعلى من يقوله، وينسبون مسائله إلى الأرجاء.
وتكلم بذلك مرة بمصر رجل في حلقة أبى الذكر الفقيه، فأنكروا عليه، فقال أبو الذكر: وعندنا فرقة بالمغرب يقال لها السحنونية تقول ذلك.
وكان ابن سحنون يقول: المرء يعلم اعتقاده، فكيف يعلم أنه يعتقد الإيمان ثم يشك فيه؟
وبقى بين أصحابه بعده وبين أصحاب ابن عبدوس وغيرهم في المسألة تنازع ومجادلات ومطالبات، وكانوا يسمون من خالفهم الشكوكية، لاستثنائهم.
стр. 1072
وسيأتي من أخبار بعضهم وما جرى بينهم بعد هذا في موضعه ما يليق بالكتاب.
***
قال المؤلف القاضي أبو الفضل ﵀: والمسألة قد كثر الخوض فيها وكلام الأئمة عليها، والحقيقة فيها أنه خلاف في ألفاظ لا في حقيقة، فمن التفت إلى مغيب الحال والخاتمة وما سبق به القدر، قال بالاستثناء، ومن التفت إلى حال نفسه وصحة معتقده في وقته لم يقل به.
***
ثم نشأ بينهم بعد اختلاف آخر، بعد ثلاثمائة سنة، في القول في الغير. هل يقال: هو مؤمن عند الله أم لا؟
وجرى بين ابن التبان (٢٧٦)، وابن أبي زيد، والممسى (٢٧٧)، وأبى ميسرة، والداودى، وغيرهم في ذلك زحوف ومطالبات ومهاجرة، سنذكر منها في أخبارهم عند ذكر طبقتهم.
والصحيح في هذا أيضا ما قاله أبو محمد بن أبي زيد: إن كانت سريرتك مثل علانيتك، فأنت مؤمن عند الله.
زاد الداودي: وختم لك بذلك؟
وأما ابن التبان وغيره فأطلق القول بأنه مؤمن.
قال محمد بن أبي زيد - وكان يقول بقول ابن سحنون -: كان ابن سحنون ورعا، لم ينسب هذا القول إلى أبيه.
ذكر وفاته
توفى محمد بن سحنون ﵀ ورضى عنه بالساحل، سنة ست وخمسين ومائتين، بعد موت أبيه بست عشرة سنة.
стр. 1073
وكانت وفاته بالساحل، وجيء به إلى القيروان، فدفن بها، وسنه أربع وخمسون سنة.
مولده سنة اثنين ومائتين فيما قاله أبو العرب.
وقال ابن الحارث: مولده على رأس المائتين.
وفي رثاء أحمد بن سليمان له:
وقد عاش خمسا بعد خمسين حجة … يحامي عن الإسلام إلا ثمانيا
وصلى عليه الأمير حينئذ، إبراهيم بن أحمد بن الأغلب، وضرب على قبره قبة، وضربت الأخبية حول قبره، وأقام الناس فيها شهورا كثيرة، حتى قامت الأسواق والبيع والشراء حول قبره من كثرة الناس (٢٧٨)، حتى خاف من ذلك ابن الأغلب، وبعث إلى ابن عم سحنون، المعروف بابن لبدة، ففرق الناس.
ورئ في النوم، فسئل، فقال: زوجني ربى خمسين حوراء، لما علم من حبى للنساء.
ورأى بعضهم حين مات سحابة تظل القيروان، والناس يعجبون من حسنها، إذ قال قائل: تدرون من فوق هذه السحابة؟
قلنا له: لا.
فقال: محمد بن سحنون، ويده بيد الله تعالى!!
ورثاه الشعراء بمراثى كثيرة، من ذلك قول محمد بن داود - وكان من أصحابه:
اذر الدموع على أغر محجل … بسطت له أيدى المنون حبالها
ما ضرها لو أمتعت بمحمد … هيهات رب العالمين قضى لها
يا عين جودي بالدموع على الذي … نشرت عليه المكرمات ظلالها
ولقد رأيت الأرض يوم رأيته … فوق المناكب زلزلت زلزالها
стр. 1074
قل للمنية بعد موت محمد … تكسو الخليقة بعده آجالها
يا صاحب القبر الذي لبس البلى … ورثت نفسي همها وخبالها (٢٧٩)
لما رأت تعطيل مسجدك الذي … بإزاء قبرك غالها ما غالها
ذاك المحل الأرحب العالي إذا … أعطى البريئة ربها أعمالها
وقال آخر:
قد مات رأس العلم وانهد ركنه … وأصبح من بعد ابن سحنون واهيا
فمن لرواة العلم بعد محمد … لقد كان بحرا واسع العلم طاميا (٢٨٠)
بنى لك سحنون من المجد مفخرا … وورثك العلم الذي كان فانيا
وأصبحت مخصوصا بكل فضيلة … وشيدت ما قد كان شيخك بانيا
وكنت لأهل العلم حصنا وملجأ … فأصبح منك اليوم حصنك خاليا
وقال أحمد بن أبي سليمان:
ألافا بك للإسلام ان كنت باكيا … لحبل من الإسلام أصبح واهيا
تثلم حصن الدين وانهد ركنه … عشية أمسى في المقابر ثاويا
إمام حباه الله فضلا وحكمة … وفقهه في الدين كهلا وناشيا
وزوده التقوى وبصره الهدى … فكان بلا شك إلى النور هاديا
وهي طويلة.
أحمد بن لبدة
أبو جعفر، ابن أخى سحنون، ولبدة أخو سحنون.
سمع من عمه.
قال أبو العرب: هو ثقة، أخذ الناس عنه، وكان وجيها بافريقية، ذا فضل ودين.
قال ابن حارث. ولم يكن في الفقه هناك، إلا أنه قام له جاه في البلد بعد موت سحنون بأبوته ومكانه منه.
стр. 1075
قال ابن نصر: كانت المسائل ترد عليه من كل جانب، فمرة يلقيها إلى، ومرة إلى موسى القطان، فنتولى الجواب عنه، وكان الناس يقولون: ابن لبدة عالم الايسير (٢٨١).
قال الأبيانى: كانت خديجة بنت سحنون من أحسن النساء وأعقلهن، فذكر لي أبو داود العطار، أن أحمد بن لبدة أرسله لسحنون يخطبها عليه، فذكرت ذلك له، فقال: هممت بذاك فأباه محمد - يعنى ابنه - ولا أصنع ما لا يحبه.
فسكت عنه إلى أن توفى سحنون، فأرسلني إلى محمد، فذكرت ذلك له، فقال: كيف أصنع ما لم يصنع أبى؟
مسكت عنه حتى توفى محمد، فأرسلني إليها فقالت لي: ما لم يصنع أبي وأخى أنا أصنعه؟ لا أفعل.
فماتت وهي بكر.
وتوفى ابن لبدة هذا سنة إحدى وستين ومائتين (٢٨٢).
محمد بن إبراهيم بن عبدوس بن بشير
أصله من العجم.
قال أبو سعيد المصرى: وهو من موالى قريش.
قال المؤلف ﵀: هو من كبار أصحاب سحنون، وأئمة وقته، وهو رابع المحمدين الأربعة الذين اجتمعوا في عصر من أئمة مذهب مالك، لم يجتمع في زمان مثلهم، اثنان مصريان: ابن عبد الحكم وابن المواز، واثنان قرويان: ابن سحنون وابن عبدوس.
стр. 1076
ذكر مكانه من العلم والفضل
قال محمد بن أحمد بن تميم: كان محمد بن عبدوس ثقة، إماما في الفقه، صالحا، زاهدا، ظاهر الخشوع، ذا ورع وتواضع، بذ الهيئة (٢٨٣)، من أشبه الناس بأخلاق سحنون، في فهمه، وزهادته في ملبسه ومطعمه، وكان صحيح الكتاب، حسن التقييد، عالما بما اختلف فيه أهل المدينة وما اجتمعوا عليه.
قال حماس القاضي: ما رأيت مثل ابن عبدوس في الزهادة والفقه.
وقال مثله محمد بن بسطام.
وقال أحمد بن زياد: ما أظن كان في التابعين مثله، يعني في الفضل والزهد.
وهذا غلو.
قال ابن حارث: كان حافظا لمذهب مالك والرواة من أصحابه، إماما، فقيها غزير الاستنباط، جيد القريحة، ناسكا، عابدا، متواضعا، يقال انه كان مستجاب الدعوة، وانه دعى على ابن الأغلب المعروف بأبي الغرانيق، فعرفت استجابته.
قال ابن حارث: وكان نظيرا لمحمد بن المواز، وألف كتابا شريفا، سماه المجموعة، على مذهب مالك وأصحابه، أعجلته المنية قبل تمامه، وكان لدة محمد ابن سحنون، وجارا لهم، نشأ معه بين يدى سحنون ﵀.
وله أيضا كتاب التفاسير، وله كتب فسر فيها أصولا من العلم، كتفسير كتاب المرابحة، وتفسير المواضعة، وتفسير كتاب الشفعة، وكتاب الدور.
стр. 1077
قال أحمد بن زياد: شهدته يوما قد أخذ في شرح أص أصل من اللعان، فلما توسط كلامه، فهم عمن كان يكلمه أنه لم يفهمه، فقطع كلامه وقال: هذا الأمر يموت يموت مع أصحابه.
يعنى الفقه الجيد.
وذكر مرة عند حماس القاضي، ففضلوه على محمد بن سحنون، فقال حماس: كان ابن عبدوس يلقى علينا المسائل، فإذا أشكلت شرحها، فلا يزال يفسرها حتى نفقهها فيسر بذلك، وإن لم يرنا فهمناها غمه.
قال لقمان: بلغ ابن عبدوس، أن محمد بن سحنون قال يوما: يتكلمون في الفقه، ولعل أحدهم لو سئل عن اسم أبى هريرة ما عرفه!
فكان ابن عبدوس ربما قال للرجل من أصحابه: افهم هذه المسألة، فانها أنفع لك من معرفة اسم أبى هريرة.
وفى رواية عن حماس: هذا أحب إلى من معرفة اسم أبي سعيد الخدري.
تعريضا بابن سحنون، لعلمه بالرجال.
وكان ابن طالب شديد الإعظام لابن عبدوس، عارفا بحقه، وعليه كان يعتمد في أحكامه، ويطالبه بالمشاورة في كل وقت.
وكان سليمان بن عمران يقول لابن طالب: إن مات لك ابن عبدوس، ايش تصنع؟
قال لقمان: كان وجه ابن طالب إلى ابن سحنون، وقلبه إلى ابن عبدوس، وكان ابن طالب يقول: اللهم أبقنى ما أبقيت محمد بن عبدوس، أقتدى به في دينى.
وكان يثنى عليه.
قال ابن حبيب (٢٨٤): كنت أسأل في المسائل النازلة سحنون، فإن تعذر فابن عبدوس.
стр. 1078
وبه تفقه جماعة من أصحاب سحنون، فمن بعدهم، واستجازه أخوه (٢٨٥) في المجموعة، وألف كتبه في المذهب هذه المسماة بالمجموعة، وهو نحو الخمسين كتابا.
وله أيضا أربعة أجزاء في شرح مسائل من المدونة، ذكرناها، وكتاب الورع، وكتاب فضائل أصحاب مالك، وكتاب مجالس مالك، أربعة أجزاء.
وقد تضاف بعض هذه الكتب إلى المجموعة.
ودخل يوما محمد بن عبدوس على سحنون، وعنده ابنه محمد، وأبو داود، وعبد الله بن الطبية، وعبد الله بن الفريابي، وجماعة من كبار أصحابه، وقد ألقى عليهم مسألة، فبقى عليهم في الجواب.
فقال: ايش تتكلمون؟
فقال سحنون: فأخبروه.
فقال: قال فيها بعض أصحابنا كذا، وبعضهم كذا. وذكر الجواب والاختلاف.
فقال سحنون: نعم، انظروا من يدرس، وأنتم تركتم الدرس.
وحكى الأبياني أن ابن عبدوس أقام سبع سنين يدرس لا يخرج من داره إلا إلى الجمعة.
ذكر زهده
ذكر ابن اللباد أن محمد بن عبدوس صلى الصبح بوضوء العتمة ثلاثين سنة، خمسة عشر من دراسة، وخمسة عشر من عبادة؟
وروينا عن غيره أنه رأى في منامه أنه يقال له: مخضت فجبن.
فأتى بعض أهل العلم بالرؤيا، فقال له: حضضت على العمل.
стр. 1079
فقال: وأى عمل أفضل مما أنا فيه، من تأليف المجموعة.
ثم لزم العبادة والعمل، فمات إلى سنة.
قال أحمد بن نصر: كنت إذا دخلت إلى محمد بن عبدوس، وجدته قد جلس محتبيا متواضعا زائلا من صدر فراشه، فلا يعرف من لا يدريه أنه صاحب المجلس.
قال غيره: وكان إذا سمعته يصلى علمت أنه ممن يخشى الله تعالى.
وكان يركب على المسند.
قال حماس: فعاتبناه على ذلك وقلنا له: الناس ينظرون إليك ويقصدونك.
فما زلنا به حتى اشترى سرجا دنيا كالقتب، بعض السنود خير منه. قال محمد بن بسطام: كان مجلس ابن عبدوس في ركن المسجد، فإذا جاء السائل لم يعرفه، حتى يقال: ما هو؟
وربما كان على رأسه منديل مهلبي، فيركب بين السلال إذا خرج إلى منزله.
ولما انصرف من الحج، أعرض عن الكلام في مسائله، لئلا ينفتح له باب من الرأى يظهر له به نقص في حجه.
قال محمد بن بسطام: كنت في بيتى ليلة شاتية، إذ دق على الباب، فخرجت، فإذا محمد بن عبدوس وعليه جبة صوف، وقلنساة فرو، فقال لي: يا محمد! ما نمت الليلة غما بفقراء أمة محمد ﷺ ، وهذه مائة دينار ذهبا، غلة ضيعتى هذا العام، احذر أن يمشي الليل وعندك منها شيء، وانصرف.
قال أبو الفضل الممسى (٢٨٦): صلى رجل خلف محمد بن عبدوس، فلما سمع قراءته سقط الرجل، فلما فرغ ابن عبدوس قام الرجل يقضى صلاته، فقال له ابن عبدوس: يا هذا! لا تصل حتى تسبغ الوضوء.
стр. 1080
فقال: ما فقدت عقلى.
فقال له ابن عبدوس: فما استحييت أن تقطع صلاة فريضة غير مغلوب؟
وكان سحنون استكتبه في جملة من استكتب لأول ولايته، فكتب مدة، ثم أنكر في الديوان أثرا من فعل غيره، فاعتزل عن الكتابة، وحلف: لا أكتب
فأعفاه سحنون.
ويقال: بل هرب إلى سوسة، وكان صاحب كشف الشهود لسحنون.
ذكر ما حكي عنه في مسألة الإيمان
ذكر المالكى في تاريخه، أنه لم يكن في أصحاب سحنون أفقه من ابنه وابن عبدوس، وكان الناس بينهما طائفتين، المحمدية والعبدوسية، كل طائفة تتعصب لصاحبها، ولما وقعت مسألة الاستثناء في الإيمان، حكى عن ابن عبدوس فيها شيء، فشنع عليه، فكان أصحاب ابن سحنون يسمون العبدوسية بالشكوكية.
وحكى أبو الحسن القابسى أن رجلا ضرب عليه باب داره، فسأله عن المسألة، فقال ابن عبدوس: أنا مؤمن.
فقال له: عند الله؟
فقال: قد قلت لك، فأما عند الله فلا أدرى بما يختم لي.
فبصق الرجل في وجه محمد بن عبدوس، فعمى الرجل لوقته.
والذي صح عن ابن عبدوس أنه قال: أدين بأنى مومن عند الله في وقتي هذا، ولا أدرى ما يختم لي به.
وقال أحمد بن أبي سليمان: قلت له: الناس يتكلمون فيك، وزعموا أنك تشك في نفسك، وتقول: لا أدرى، وأرجو أن أكون مؤمنا إن شاء الله.
стр. 1081
فقال: والله ما قلته قط، فلا جزى الله من حكى هذا عنى خيرا، ما شككت قط أنى مؤمن عند الله، ولقد قرئت علينا رسالة محمد بن سحنون، فما عدا الحق عندى منها حرفا أكثر من أن قلت: لا تتكلموا في هذا.
فقلت له: إن ابن سحنون يقول: أن ذلك بدعة.
فقال: والله إنى لأخاف أن يكون كفرا.
وحكى عنه حماس مثل هذا.
قال الداودي *: إنه قد ذكر ذلك لإبراهيم بن عبد الله القلانسي، فقال: لم يقل ابن عبدوس كذلك، إنما قال له من لم يكن مؤمنا عند الله فهو عند الله كافر.
فظن ابن أبي سليمان أنه قال له: نحن مؤمنون عند الله، وإنما عرض له بقوله.
وفاته
وتوفى ابن عبدوس سنة ستين ومائتين فيما قاله ابن حارث وغيره.
وقال آخرون: سنة إحدى وستين.
وصلى عليه أخوه.
مولده سنة اثنين ومائتين، مع ابن سحنون في سنة واحدة، وقيل بعده بسنة، على الخلاف في مولد ابن سحنون، والله أعلم.
إسحاق بن عبدوس أخوه
كان أكبر من محمد سنا، ولكن محمدا أعلى منه في الزهد والفقه، وهو كان المشهور المقصود في العلم.
وقد سمع من إسحاق بشر كثير.
стр. 1082
وكان سماعه مع أخيه من سحنون، وكان من أهل الملبس الحسن والمركب، يروح إلى الجمعة راكبا، ويروح محمد في تقشفه راجلا تحت ركاب أخيه.
ولما حضرت محمدا أخاه الوفاة، إستجازه إسحاق مجموعته.
قال ابن اللباد: وحضرت جنازة إسحاق بن عبدوس، فصلى عليه ابن طالب، فسمعته يجهر بالدعاء له، وكان من شأنه يجهر بالدعاء على الميت، فسمعته يقول في التكبيرات الأربع: لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم ارحمه، اللهم اغفر له.
ثم تمادى بالدعاء على هذا النحو.
قال أبو بكر، وكذلك قال أشهب: يبدأ بالحمد لله، والصلاة على النبي ﷺ ، ثم يدعو.
قال بعضهم: سمعت إسحاق بن عبدوس وقد ذكرت عنده التزكية فقال: من كف لسانه وأذاه في زماننا فهو عدل.
وتوفى إسحاق في رمضان سنة ست وستين ومائتين.
ومولده سنة إحدى ومائتين.
سعيد بن عباد
أبو عثمان، يعرف بمزغلة، أصله من سرت، وسكن القيروان، من أكابر أصحاب سحنون.
قال أبو العرب: كان ثقة، فقيه البدن، ذا عبادة، فقيرا متعففا.
قال ابن حارث: وكان الغالب عليه العبادة والصلابة في السنة، وكان من أهل النسك والنية الصالحة.
стр. 1083
ويقال إنه مستجاب الدعوة، وهو إمام (٢٨٧) أصحاب سحنون، دؤوبا.
قال عبد الجبار: كنا نختلف إلى سحنون جماعة، فكان - والله - سعيد خيرنا.
قال ابن بسطام: سعيد من السنيين. وذكره بخير.
وذكر أنه كانت لامرأة عنده شهادة، فأتته، فوجدته في خمرة طين قد بلغت منه إلى فوق الركبتين، وهو يعجنها، فدعته لأداء الشهادة، فقال لها: أنا مستأجر كما ترين وأنت مضطرة!
فقال له صاحب البناء: اذهب معها فأنت في حل.
فسلب الطين عن ساقيه، وتلفع في كساء موصول مرقوع، وقال للمرأة: أين القاضي؟
فعرفت وكيلها، فازدراه، وكان أشهر من الشمس، ولكنه لم يكن كثير يعرف شخصه.
فقالت له المرأة: هذا خير من كل من ترى.
فأدى الشهادة عند القاضي، ولم يعرفه، فازدراه، وكان القاضي حنفيا.
فقال له القاضي: يا شيخ! صلاتك بالصيف والشتاء واحدة؟
فقال له: نعم.
وذكر له حديثا، ثم قال له: والعراق يومئذ دار يضرب فيها بالنواقيس، وأنت لعاب، والله لا شهدت عندك بشهادة أبدا.
وقام، فأرتج عليه، وعرف به، فقال: أنا والله سمعته. والقاضى يصيح وراءه: يا أبا عثمان! يا أبا عثمان! * فلم يلتفت إليه.
وذكر أبو العرب أن سحنون خلا به يوما فقال له: ألست بإمامك؟
стр. 1084
قال: نعم.
قال: وتقبل قولى؟
قال: لو لم أقبله لم أختلف إليك.
فقال له: هذا قوتى وعينى (٢٨٩)، فحلف بالله، وأراه صرة في يده، ذكر أن فيها ثلاثين دينارا، وقال له: ما هي من سلطان ولا تجارة، ولا وصية، وما هي إلا من ثمرة شجرة غرستها بيدى، فخذها تتقوى بها على أمر دينك ودنياك.
فقال: أنا عنها غنى. وكان مفرط الحاجة إلى ما دونها.
فقال سحنون: فخذها سلفا، فتتزوج منها وتنفق، فإن رزقك الله فردها أقبلها منك، وإن تعذر ردها فأنت منها في حل.
فقال: ما كنت بالذي آخذ دينا في ذمة من غير حاجة.
فقال سحنون: فإذا أبيت فلا تذكره لأحد ما دمت حيا.
قال ابن بسطام: أرسلنى ابن عبدوس إلى سعيد بعشرين دينارا، وقال: قل له: بلغنى أنك تريد الزواج، فخذ هذه إن شئت هدية أو سلفا.
فجزاه خيرا، وقال: قد عرضها سحنون قبلك ولم تقبل، وما كنت بالذي يتعجل شهوة بدين في ذمة.
وتوفى سعيد سنة إحدى وخمسين ومائتين.
عبد الله بن الطبنة
قال أبو العرب: كان فقيها ثقة من أصحاب سحنون.
روى عنه حماس.
وأحسب موته في نحو ستين ومائتين.
стр. 1085
معتب بن أبي الأزهر (٢٩٠)
واسم أبى الأزهر عبد الوارث بن الحسن، من الجند، ينتمى إلى الأزد، قيرواني.
قال ابن حارث: كنيته أبو أحمد، من أصحاب سحنون.
قال أبو العرب: هو ثقة، قريب في السن من سحنون، وتردد العلم في بيته زمنا طويلا.
وسيأتي ذكر ولده في طبقاتهم إن شاء الله تعالى.
قال معتب: قال لي سحنون يوما: أحب أن أسر إليك سرا، فإياك أن تفشيه.
قال: فقلت له: يا أبا سعيد! إذ منزلتى عندك منزلة من تخاف منه، فلا تفش إلى سرك!
فقال لي: ليس الأمر كما ذكرت، ولكن لكل إنسان صديق يكون موضع ثقته وراحته، ولذلك الصديق آخر مثله، ومثل هذا يخرج الأسرار.
قال: وقال لي أبو القاسم عبد الله بن محمد البغدادي: وما حال صبيانكم؟
قلت: ولع كثير.
قال: إن لم يكونوا كذلك فعلق عليهم التمائم.
يريد أنه لا يكسرهم عن اللعب إلا مرض.
وتوفى سنة خمس وخمسين ومائتين. ويقال سنة أربع وخمسين.
محمد بن عامر القيسي
أبو عبد الله، أصله من الأندلس.
стр. 1086
قال أبو العرب: كان قبله علم كثير، وكان فقيرا متعففا، وكان صدوقا، وكان المغامى (٢٩١) يستضعفه في عقله.
سمع من سحنون، ومحمد بن عبد الحكم، وغيرهم من محدثى أهل المشرق.
وسمع منه عبد الله بن خليل المقعد، وحسن بن محمد المكي.
وذكر أبو سعيد الصدفى في تاريخه أنه سمع من ابن وهب، وأنه مات بسوسة سنة سبع وخمسين ومائتين.
وقال أبو العرب: مات بالقيروان سنة خمس وخمسين.
محمد بن نصر
ويقال أحمد بن نضر بن حضرم، من فقهاء القيروان وأصحاب سحنون، يكتب بالضاد وبالذال.
قال أبو العرب كان فقيها، ثقة كثير الذب والاجتهاد، كان محمد بن سحنون يتعلم منه، وكان سحنون يجله ويصله.
وكان له ابن يقال له أبو الحسن، واسمه محمد، أخذ عنه سليمان بن سالم.
قال ابن حارث: كان فقيها نظارا ذا جدل وصحة، ويقال إنه كان معلم ابن سحنون النظر.
وتوفى بصقلية، فذكر أنه لما بلغت وفاته ابن سحنون، قال: رحم الله أبا الحسن! لقد كان معلمنا.
قيل له: فلم لم تقل هذا * في حياته؟
فقال: فنظلمه حيا وميتا؟
стр. 1087
قال ابن حارث: ذكر بعض أهل العلم أن ابن حضرم تذاكر مع قوم - وقال غيره أنه ابن وهب العراقي -: ما معنى قول مالك في الرجل يقول لامرأته: قومى أو أقعدى ونحوه، يريد أنها طالق.
فأنكر بعضهم هذا من قوله.
فقال ابن حضرم: إن ظاهر القول متصل بباطن النية، ألا ترى أن الله قد أمر خلقه أن يقولوا لا إله إلا الله، فلو قالها قائل ونوى بها المسيح كان كافرا باتفاق، أفلا ترون كيف حكمت النية الباطنة على القول الظاهر، فما أنكرتم أن يكون هذا مثله؟
وتوفى في حياة سحنون، وقريبا من وفاته.
أحمد بن يلول (٢٩٢)
قال الصدفى: هو تنوخي، وكناه بأبي بكر.
وقال أحمد بن أحمد: هو من أهل توزر من بلاد قصطيلية.
سمع من سحنون، ورحل في طلب الحديث، وكان مطاعا ببلده، كثير الأتباع، مذكورا بالخير، ثقة، مأمونا، قديم الموت.
سمع منه بكر بن حماد، وابنه سحنون بن أحمد، وناس كثير من أهل القيروان وغيرهم، ومن أهل الأندلس الأعناقى (٢٩٣).
قال ابن أبي دليم: كان من أهل الفقه، وجها في هذه الطائفة، سئل عنه ابن عبدوس فقال فيه: ثقة، سمع منه.
стр. 1088
قال ابن حارث: كان فقيها عالما حسن المناظرة، وناظر محمد بن عبد الحكم بمصر.
قال أبو العرب: ولم أعلمه يختلف في ثقته.
وكان أكثر سماعه من الشاميين، من أصحاب الوليد بن مسلم، وأصحاب إسماعيل بن عياش.
وكان قد امتنع من قضاء قصطيلية (٢٩٤).
وألف رقائق الفضيل بن عياض، وكتاب زهد سفيان الثورى، وكتاب فضائل الأوزاعي، وكتاب فضائل طاوس اليمني.
وتوفى بتوزر سنة اثنتين وستين ومائتين.
وقد حدث الشيخ أبو محمد بن أبي زيد، عن ابنه (٢٩٥) سحنون عنه، بالإجازة.
الحسن بن إسماعيل القرشاني
أبو على، من رجال قصطيلية، وسكن القيروان.
سمع من سحنون قديما، ومن أصبغ بن الفرج، وسعيد بن أسد بن موسى، وغيرهم.
سمع منه أحمد بن أبي سليمان، وموسى بن عبد الرحمان، وغير واحد من أصحاب سحنون.
قال أبو العرب: كان ثقة حسن التقييد كثير الكتب، لم يختلف في ثقته.
قال أحمد بن أبي خالد في كتاب التعريف: كان ثقة حافظا للعلم.
توفى سنة ثنتين وستين ومائتين.
ويقال سنة ثلاث، منصرفه من الحج، رحمه الله تعالى.
стр. 1089
سعيد بن يحيى يعرف بابن الفرا
كان بصقلية.
سمع من مطرف، والقعنبي، وابن سحنون.
ومات بصقلية.
عبد الحميد السدى (٢٩٦)
معروف في أصحاب سحنون، وكان رجلا صالحا.
توفى بالقيروان، سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
إبراهيم بن المضاء بن طارق الأسدي
أبو إسحاق، قيرواني، سمع من سحنون، وكان رجلا صالحا، وكان له مسجد يجتمع إليه فيه القراء والمعبرون، ولم تقرأ الكتب عليه.
وقال أبو سعيد بن يونس: سمع أيضا من محمد بن علي الرعيني.
وروى عنه يحيى بن محمد بن حشيش.
ذكر بعضهم قال: كنت في مسجد إبراهيم بن المضاء، والقراء والناس مجتمعون، إذ أتى رجل فقال: يا معشر المسلمين إنى رجل فقير، ذو بنات، ولي دار جوار دار عامر بن عمرون بن زرارة من أصحاب السلطان، وأنه بنى علية، وفتح أبوابا مطلة على دارى، وبناتي * منكشفات منها، ما عليهن كبير كسوة، وهو وخدمه مطلون عليهن، فأدعوا الله لي عليه أن يكفيني مؤونته.
فدعا إبراهيم، ودعا الناس.
فما برحت حتى أتى رجل فقال: تفرقوا لا ينالكم من السلطان مكروه - أو نحو هذا - انهدمت علية عامر، وضربته سارية طيرت دماغه.
فتفرق الناس.
стр. 1090
ومات ابن المضاء سنة خمسين ومائتين.
ومن دعائه: اللهم اجعلنا من الذين خلفوا الدنيا مع نفوسهم وراء ظهورهم، فخفت عليهم الأثقال لما عندهم من الأعراض، أولئك الذين يحجب عنهم عنهم البلاء بصبرهم، وهانت عليهم المصائب بشكرهم.
سعيد الصنبري
أبو عثمان، سمع من سحنون، وكان من المتعبدين المتقشفين، وكان أصحاب سحنون يذكرونه بخير ويحكون عنه ..
مات في نحو ستين ومائتين، وقيل ثلاث وخمسين، وقيل خمسين.
إبراهيم الزاهد الأندلسي
من سكان القيروان، وكان خياطا، وله سماع من سحنون.
وقد حكى عنه يحيى بن عمر مسألة سحنون.
وعند ابن عمر كانت كتبه بعد وفاته، أحسبه كان حبسها، قاله أبو العرب.
منصور القراد
من قدماء أصحاب سحنون، صحيح الكتاب، حسن التقييد، يحكى عنه أبو عياش وابن الحداد.
موسى السبخي التونسي
قال أبو العرب: سمع أبا مصعب الزهرى، وحرملة بن يحيى قتله ميمون الأسود بتونس حين دخلها.
ذكر أنه من ربيعة.
وكان فقيها، حدث عنه محمد بن بدر الخدامي وأثنى عليه.
وكان قتله سنة إحدى وثمانين ومائتين.