← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ومن تواليف ابن حبيب أيضا كتاب إعراب القرآن، وكتاب الحسبة في الأمراض (١٣٩)، وكتاب الفرائض، وكتاب السخاء واصطناع المعروف وكتاب كراهية الغناء. قال بعضهم: قلت لعبد الملك: كم كتبك التي ألفت؟ قال: ألف كتاب وخمسون كتابا. وقال عبد الأعلى بن معلى: هل رأيت كتبا تحبب عبادة الله (١٤٠) تعالى إلى خلقه، وتعرفهم به، ككتب عبد الملك بن حبيب؟ يريد كتبه في الرغائب والرهائب. ومنها كتب المواعظ، سبعة، وكتب الفضائل، سبعة: فضائل النبي ﷺ والصحابة، وفضائل عمر بن عبد العزيز، وفضائل مالك بن أنس، وكتاب أخيار قريش وأخبارها وأنسابها، خمسة عشر كتابا، وكتاب السلطان، وسيرة الإمام، ثمانية كتب، وكتاب الباه والنساء (١٤١)، ثمانية كتب، وغير ذلك من كتب سماعاته في الحديث والفقه، وتواليفه في الطب، وتفسير في القرآن (١٤٢)، ستون كتابا، وكتاب المغازى، والناسخ والمنسوخ، ورغائب القرآن، وكتاب الرهون والمغارم (١٤٣)، والحدثان (١٤٤)، خمسة وتسعون كتابا، وكتاب مقام رسول الله ﷺ ، اثنان وعشرون كتابا، وكتابه في النسب، وفى النجوم، وكتاب الجامع تأليفه، وهي كتب فيها مناسك النبي ﷺ ، وكتاب الرغائب، وكتاب الورع في العلم، وكتاب

стр. 982

الورع في المال، وكتاب الرياء (١٤٥) وكتاب الحكم والعمل بالجوارح، وغير ذلك. ذكر ما تحومل به عليه قال بعضهم: كان الفقهاء يحسدون عبد الملك بن حبيب لتقدمه عليهم بعلوم لم يكونوا يعلمونها ولا يشرعون فيها. قال أحمد بن خالد: لم يخرج ابن وضاح لابن حبيب شيئا، وكان لا يرضى عنه. قال أبو محمد القلعي: سألت وهب بن ميسرة، عن قول ابن وضاح في ابن حبيب، فقال: ما قال لي فيه خيرا ولا شرا، إلا أنه قال: لم يسمع من أسد. وحكى الباجي وابن حزم أن أبا عمر بن عبد البر كان يكذبه، وقد ذكرنا في أخبار ابن وهب بعد هذا قصته التي تحومل عليه بها، وليس فيها ما تقوم به دلالة على تكذيبه وترجيح نقل غيره على نقله. وكان أحمد بن خالد سيء الرأى فيه (١٤٦). قال ابن الفرضى: لم يكن لابن علم بالحديث، وكان لا يعرف صحيحه من سقيمه، وذكر عنه أنه كان يتساهل في سماعه ويحمل على طريق الإجازة أكثر روايته. قال ابن وضاح: قال لي الخزامى: أتاني صاحبكم ابن حبيب بغرارة مملوءة كتبا، فقال لي: هذا علمك تجيزه لي. فقلت له: نعم. ما قرأ على منه حرفا، ولا قرأته عليه. وفى رواية أخرى: رحم الله أبا مروان فأنه وأنه (١٤٧) - يثنى عليه.

стр. 983

قال ابن أبي مريم: كان ابن حبيب عندنا نازلا بمصر، وما كنت رأيت أدوم منه على الكتاب، دخلت إليه في القائلة في شدة الحر، وهو جالس على سدة، وعليه طويلة، فقلت: قلنسوة في مثل هذا؟ فقال: هي تيجاننا. فقلت: فما هذه الكتب؟ متى تقرأ هذه؟ (١٤٨) فقال: ما أشتغل بقراءتها، قد أجازها لي صاحبها. فخرجت من عنده، فأتيت أسدا، فقلت: أيها الشيخ! تمنعنا أن نقرأ عليك وتجيز لغيرنا!؟ فقال: أنا لا أرى القراءة، فكيف أجيز؟ إنما أخذ منى كتبى يكتب منها ليردها على (١٤٩). قال خالد: إقرار أسد له بروايتها، ودفع كتبه لنسخها، هي الإجازة بعينها. وذكر عن يونس قال: أعطانا يونس كتبه عن ابن وهب، فقابلنا بها، فقلت: أصلحك الله! كيف نقول في هذا؟ قال: إن شئتم قولوا حدثنا، وإن شئتم قولوا أخبرنا. قال القاضي أبو الفضل ﵁: وقد قال مالك ﵀ لمن سأله عن الأحاديث التي كتبها من حديث ابن شهاب ليحيى بن سعيد الأنصارى - وقال له: أقرأها عليك؟ - فقال: كان أفقه من ذلك. أي أن مثل هذا يعني عن القراءة. وقد بينا هذا الأصل في كتاب الإلماع إلى أصول الرواية وضروب السماع. وحكى ابن الفرضى أنه ذكر أن ابن حبيب كان يأخذ بالرخصة في السماع، وأنه كان له جوار يسمعنه، وقد عرض له الغزال الشاعر بذلك، فيما آذاه به من شعره، وآذى به غيره من الفقهاء.

стр. 984

قال القاضي أبو الفضل ﵁: الأشبه بطلان هذه الحكاية، فإن لابن حبيب كتابا في كراهة الغناء. قال القاضي منذر بن سعيد: لو لم يكن من فضل عبد الملك، إلا أنك لا تجد أحدا ممن تحكى عنه معارضته والرد لقوله ساواه في شيء. وأكثر ما تجد أحدهم يقول: كذب عبد الملك، وأخطأ. ثم لا يأتى بدليل على ما ذكره. ذكر باقي أخباره وفضائله ونوادر أشعاره ذكروا أنه رفع إلى الأمير عبد الرحمان بن الحكم أن قاضيه إبراهيم بن العباس المرواني، ويحيى بن يحيى، وجماعة، يعملون على خلعه، وتقديم القاضي إبراهيم مكانه، وأن القاضي لا يقبل من أهل قرطبة إلا من أشار يحيى بقبوله، وكان يحيى هو الذي أشار على الأمير بتوليته القضاء، وأن يكون زونان كاتبه. فوجه الأمير في ابن حبيب وقال له: تعلم يدى عندك، وأريد أن أسألك عن شيء فاصدقني فيه. فقال: نعم، لا تسألني عن شيء إلا صدقتك فيه. فقال له: أنه رفع إلينا عن يحيى، والقاضى، أنهما يعملان علينا في هذا الأمر. فقال له ابن حبيب: قد علم الأمير ما بينى وبين يحيى، ولكني لا أقول عليه إلا الحق، ليس يجيء من يحيى إلا ما يجيء منى، وكل ما رفع عليه فباطل، وأما القاضي، فلا ينبغى للأمير أن يشركه في عدله من يشركه في نسبه. فعزل القاضي. وقد رأينا أن يحيى قارضه أيضا بمثل هذا، ولست أعلم أي قصة قبل صاحبتها.

стр. 985

وقد ذكر أن بعض جيرة ابن حبيب، اشتكى إليه بأن بعض المتصرفين لبعض الوزراء، يؤذيه ويستطيل عليه، فأمر عبد الملك برصده، فجيء به إليه، فضرب بين يديه ضربا مبرحا، فشكا إلى صاحبه، فكتب إلى يحيى وذكر له ما صنع ابن حبيب بخاصته وحاشيته، وسأله تأييده عليه عند الأمير، فكتب إليه يحيى: ما كنا لنعينك على العلم وأهله، وأيم الله لأقلامنا أبعد من سهامكم، فانصرف عن رأيك، والسلام. وذكر أنه لما أراد أن يرحل، سأل عيسى بن دينار أن يوصيه في مذهبه في رحلته، فقال له عيسى: إذا صحبت عالما فلا تظهر له ما عندك فيحرمك ما عنده (١٥٠). * * * ومن فتاويه، القصة المشهورة، وذلك أن المعروف بابن أخى عجب، كان قد تكلم بعبث من القول في يوم غيم، شهد به عليه، فأمر الأمير عبد الرحمان بحبسه، فكلمته عمة عجب في إطلاقه (١٥١) - وكانت مكينة عند الأمير في حظاياه - فقال لها: يكشف أهل العلم عما يجب عليه. وأمر وإلى المدينة بإحضار الفقهاء، فيهم القاضي موسى بن زياد، وابن حبيب، وأصبغ بن خليل، وعبد الأعلى بن وهب، وأبو زيد بن إبراهيم، وأبان بن عيسى، فشاورهم، فتوقفوا كلهم عن سفك دمه، إلا ابن حبيب وأصبغ. ورفعت فتاويهم إلى الأمير، فاستحسن قول عبد الملك وأصبغ، وخرج عليهم فتى يقول لصاحب المدينة: قد فهم الأمير ما أفتى به القوم في أمر هذا الفاسق، وهو يقول للقاضي: اذهب فقد عزلتك، وأما أنت يا فلان، فقد كان الشيخ يحيى يشهد عليك بالزندقة، ومن كانت هذه صفته فحرى ألا تسمع فتياه، وأما أنت يا فلان، فأردنا أن نوليك قضاء جيان فزعمت

стр. 986

أنك لا تحسن القضاء، فإن كنت صادقا فقد آن لك أن تتعلم (١٥٢)، وإن كنت كاذبا فالكاذب لا يكون أمينا، وقال للآخر كلاما لم يروه الراوى. ثم قال لصاحب المدينة: وقد أمرك أن تخرج الساعة مع هذين الشيخين عبد الملك وأصبغ، في أربعين غلاما، لينفذوا في هذا الفاسق ما رأيا. فخرج عبد الملك وهو يقول: سب ربا عبدناه، إن لم ننتصر له إنا لعبيد سوء. ثم أخرج، ووقف على خشبة، وهو يقول لعبد الملك: اتق الله في دمي أبا مروان، فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وعبد الملك يقول: (الآن وقد عصيت قبل) (١٥٣). فلم يزالا حتى صلب وقتل *، وانصرفا. *** فلما كان بعد هذا، أقيم على هارون بن حبيب، أخى عبد الملك بن حبيب، بمثل هذا، وكان ضيق الصدر، كثير التبرم، ساكنا بألبيرة، متحاملا على أهلها، يسيء القول فيهم. وكان طالع بعض كلام المتكلمين، فشهد عليه قوم عند قاضى ألبيرة عبد الملك بن سلام المعافري، بشهادات، منها: أن رجلا جاء يطلب منه سلما لصلاح مسجد، فقال له: لو أردته لكنيسة أعطيتكه. قال له الآخر: أما المسجد أولى؟ قال: لا والله، أنى رأيت من تعلق بالله مخذولا، ومن تعلق بالشنيرة والقرابين (١٥٤) عزيزا حسن الحال.

стр. 987

ودخل عليه رجلان في حال استقلاله من علة، فسألاه عن حاله، فقال لهما: أما الآن فلا بأس بي، إلا أنى لقيت في مرضى هذا، ما لو قتلت أبا بكر وعمر، لم أستوجب هذا كله. فبعث قاضي ألبيرة بكتاب الشهادات إلى الأمير عبد الرحمان بن الحكم، بعد أن سجن هارون في الحديد، فاختلف الفقهاء فيما يجب عليه. فبعث الأمير بالكتاب إلى أخيه عبد الملك وغيره من الفقهاء. * * * فأجاب في ذلك عبد الملك بجوابه العريض الطويل، المتضمن أوراقا كثيرة، يتضمن حسن المخرج لكلام أخيه، وإسقاط الحد عنه والعقوبة. فأسقط شهادة صاحب السلم، بأن قال: لأنه شاهد واحد، ولم يجعل الله ولا رسوله ﷺ في شهادة الواحد، وإن كان عدلا مرضيا، مقطعا لحق، ولا تجب بها على أحد عقوبة بحبس، ولا ضربة بسوط، فما فوقه، بل لو شهد عليه واحد، أنه كفر وزنى وسرق وسكر، لما ضرب بشهادته سوطا. قال: فكيف بما لو اجتمع عليه شاهدان لما وجب فيه شيء، لتصرفه في المعنى إلى ما لا يجب به فيه شيء؟ واحتج بقول عمر: لا يحل لامرئ مسلم يسمع الكلمة من أخيه المسلم - أو عن أخيه المسلم - أن يظن بها ظن سوء، وهو يجد لها في شيء من الخير مصرفا (١٥٥). ثم قال: ومن تصريف اللفظ أن يقول: عنيت بقوله: أني رأيت من تعلق بالله مخذولا عندكم، ولا تعينونه ولا تعرفون حقه، ومن تعلق بالقرابين كان عزيزا عندكم، حسن الحال فيكم، إذ كان البلد بلد عجم.

стр. 988

واحتج على ما ورد من هذا المعنى، بقول النبي ﷺ : سيأتي على الناس زمان يكون الغنى الفاجر فيهم، كالعالم الزاهد فيكم، الحديث، فيصرفه إلى معنى فساد الزمان. قال: ولو كان لا ينصرف إلى هذا، لوجب عليه القتل دون السوط، لأنه كفر. وأجاب عن شهادة السائلين له عن حاله في المرض، وجوابه لهما، بقوله: (لو قتلت أبا بكر وعمر ما استوجبت هذا كله) بأن قال: هذا أخف من الأول، ولكنه ليس من كلام العقلاء، وإنما هو من كلام السفهاء وأهل الجهالة، ومثله من كلام كثير من الناس، عند شدة تصيبه، وينبغى أن يعنف قائله ويؤدب لسوء لفظه، وينهى عنه، بلا عقوبة تجب في ذلك من ضرب ولا سجن، ولا يحمل على تجوير الله. وأطال الكلام في نفى العقوبة عن المتشكين والحجة في ذلك، ثم قال: وقد كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يقول: (ادرأوا الحدود بالشبهات عن أمتى) فكيف ما لا حد فيه ولا عقوبة، وما يتسع فيه المذهب والمعاني؟ ولو كانت تجب عليه عقوبة، لقد كان في طول حبسه في الكبول منذ ستة أشهر ما يستغرق كل عقوبة. ثم ذكر أن له المدفع فيمن شهد عليه، وبسط له في ذلك. * * * وأجاب في قصة هارون * إبراهيم بن حسين بن خالد بضد بضد ما أفتى به عبد الملك، من التحريض على قتله، وترك التأويل لكلامه، وأودع ذلك جوابا طويلا في أوراق، قريبا من جواب عبد الملك في القدر، احتج فيه بفعل عمر بصبيغ (١٥٦)، وفعل على بمن اتهمه بالزندقة، وقتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة بقوله: (ان صاحبكم) وأطال بمثل هذا.

стр. 989

وصرح بأن كلام هارون تصريح لمن أبصر، وتعريض عند من رق بصره. والتعريض كالتصريح يقتل بهما، وأن قوله في قصة أبي بكر وعمر، تجوير لله وتظلم منه، ثم احتج في هذا الفصل، وفي أن التصريح كالتعريض. ثم قال: لو أن سلطانا قتله بقصة السلم، بشاهد واحد ما عنفته ولا خطأته، لتكذيبه الله إذ يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١٥٧) مع ما هو معروف به من الاستخفاف بالله والجرأة عليه. ثم قال: فليعزم الأمير في أمره، وليعز الله عند خذل الجاهلين الذين لم يعرفوا حرمة الله والدين، وأطال من الطعن علي هؤلاء، وتحريض الأمير على الإضراب عنهم. ثم قال: ولا يستشهدوا بحديث (١٥٨) (ادرأوا الحدود بالشبهات)، ونحوه، فإنهم لا يعرفون تأويله، فقد كان ربيعة يقول: إن ما ورد في الزنا، لما أراد الله من ستره، واستشهد بحديث عمر (١٥٩): (إنما جعل الله الأربعة سترا ستركم به من فواحشكم). وقال بعضهم: تفسيره، ما لم يبلغ السلطان في زلة ذى الهيئة، لأن النبي ﷺ قال: (إلا حدا من الحدود) وهذا حد. وهارون ليس من ذوى الهيئات. وكثر من هذا، ثم قال: وإن لم يتبين للأمير قولى فليثخن ضربه، ويخلد سجنه، ويكتب إلى المشرق بمسألته. ومر على نحو هذا من الطعن علي ابن حبيب وبيته. وكتب في ذلك إبراهيم بن حسين بن عاصم، بقريب من جواب عبد الملك، من إسقاط الواجب عليه في قصة السلم، بكونه بشاهد واحد،

стр. 990

وبتأويل قصة أبي بكر وعمر ﵄، واحتج بما احتج به عبد الملك من حديث عمر، وتأويل كلامه إلى التشكى، وأنه لم يقدح في أبي بكر وعمر بقبيح، وإنما ذكر فضلهما، ولا ألحد في دين الله، والعفو عن الحدود أولى، واحتج بقوله "ادرأوا الحدود بالشبهات". قال: ولا حد أعظم من القتل، وقد التبس الأمر في هارون والله يوفق الأمير للسداد. وكتب القاضي بقرطبة إذ ذاك، سعيد بن سليمان البلوطى بنحو جواب ابن عاصم، قال فيه: جاءت الآثار المحكمة، والسنة الماضية، بالحدود الجارية في أمة محمد ﷺ ، من قتل قتل، ومن سب الله وأنبياءه قتل، ومن غير دينه قتل، ومن حارب قتل أو حكم فيه بما جاءت به الآية، ولم نجد فيما لفظ به هارون شتما يوجب القتل، وكان لقوله مذهب لا يوجب عليه القتل، رأيت عليه الحبس والتثقيل فيه، والشدة في الأدب، لما فاه به وخرق فيه. وجاء من ابن حبيب جواب آخر طويل، نحو الأول، يناقض فيه إبراهيم بن حسين بن خالد، فيما ناقضه به، ويطلق عليه وعلى جميع المذكورين من الفقهاء والقاضى، وانتقص علمهم (١٦٠)، وثلبهم بما يوجب إسقاط فتواهم، ويصفهم واحدا واحدا، ويذكر الأمير بما يقتضى عداوته هو معهم، من تألبهم عليه، وتجريحه قبل هذا هو لهم، وأنه أفتى بتجويز الظلم منهم، وأن القاضي عزل فتواه مرتين، وأن قاضي ألبيرة عدو لأخيه، وأساء القول جدا في الإبراهيمين، وابن حارث، وعبد الأعلى، وغيرهم ممن رأى قتله، وممن لم يرى قتله ورأى ضربه *. ثم قال: أيشك الأمير في عداوتهم لي ولأهلى للمقام الذي قمت فيهم؟ فكيف يشاورون في، أو في أحد من أهل بيتي؟ (والله ان كنت عند الأمير صادقا لما يحل له أن يستشيرهم في أحد من الناس) (١٦١)، ولا يقبل لهم

стр. 991

قولا، ولئن كنت عنده فيما قلت كاذبا، ما يحل للأمير أن يستشيرني ويقبل لي قولا أبدا. فأوصى الأمير إلى عبد الملك: إنا أخذنا بقولك في أخيك، وأمرنا بالكتاب إلى عاملنا بإطلاقه. فسأله عبد الملك أن يقدم به إلى قرطبة، فيكون بها مسجونا، أدبا لجرأته وعصيانه. قال المغامى (١٦٢): طرقت عبد الملك بن حبيب يوما بغلس، حرصا على الاقتباس منه، واستأذنت عليه، فأذن لي ودخلت، فإذا به جالس في مجلسه، عاكفا على الكتب، قد أحاطت به، ينظر فيها، والشمعة بين يديه تقد، وطويلته عليه، فسلمت، فرد على، وقال لي: يا يوسف! أو قد انبلج الصبح؟ قلت: نعم، وقد صلينا. فقام إلى صلاة الصبح، فقضاها، ثم رجع إلى مقعده، وقال لي: يا يوسف! ما صليت هذه الصلاة إلا بوضوء العشاء الآخرة. قال المغامى: كانت لابن حبيب قارورة قد أذاب فيها اللبان مع العسل، يشرب منها كل غداة على الريق للحفظ. وكتب ابن حبيب إلى الرشاش الأديب، يستهديه مدادا، ووجه إليه بقارورة كبيرة: احتجت من حبر إلى سقية … فامدد لنا منه، فديناكا وابعث - وإن قل - به طيبا … ولا يكن دونا، فنلحاكا ولا تهولنك قارورتى … فإنها أقنع من ذاكا

стр. 992

وأنشد له الزبيدي: صلاح أمرى والذي أبتغى … هين على الرحمان في قدرته ألف من الصفر، وأقلل بها، … لعالم أربى على بغيته زرياب قد يأخذها قفلة (١٦٣) … وصنعتى أشرف من صنعته ويروى (يأخذها زرياب في نوبة) وأنشد له ابن الفرضى قصيدة كتب بها إلى أهله من المشرق، سنة عشر ومائتين: أحب بلاد الغرب والغرب موطنى … ألا كل غربى إلى حبيب فيا جسدا أضناه شوق كأنه … إذا نضيت عنه الثياب قضيب ويا كبدا عادت رفاتا كأنما … يلذعها (١٦٤) بالكاويات طبيب بليت وأبلاني اغترابي ونأيه … وطول مقامى بالحجاز أجوب وأهلى بأقصى مغرب الشمس دارهم … ومن دونهم بحر أشج مهيب وهول كريه ليله كنهاره … وسير حثيث للركاب دؤوب فما الداء إلا أن تكون بغربة … وحسبك داء أن يقال غريب فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بأكناف نهر الثلج حين يصوب وحولى أصحابي، وبنتى وأمها … ومعشر أهلى والرؤوف مجيب ولما بلغه من تحامل الفقهاء عليه، ما كان كتب إلى الأمير عبد الرحمان: أمتع الله الأمير كرامته، وأعلى في الجنة درجته، ان العذرى - أكرم الله الأمير - قال أبياتا أعجب العلماء فيها مثل * يضرب على الأمير في خاصة

стр. 993

نفسه، واليسير من التعريض يكفى عنده عن التصريح (١٦٥)، كما قال الشاعر: لذى اللب قبل اللوم ما تقرع العصا … وما علم الإنسان إلا ليعلما وهى: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالقوم أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حسدا وبغيا إنه لذميم تلقى اللبيب مشتما لم يجترم … شتم الرجال وعرضه مشتوم وما هذا إلا كما قال زهير: وأخو التجنى ليس يبرح حاملا … ذنبا عليك عرفت أم لم تعرفه وكتب إلى الأمير عبد الرحمان بن محمد في ليلة عاشوراء: لا تنس، لا ينسك الرحمان عاشورا … واذكره لا زلت في الأحياء مذكورا قال الرسول صلاة الله تشمله … قولا وجدنا عليه الحق والنورا من بات في ليل عاشوراء ذا سعة … يكن بعيشته في الحول محبورا فارغب فديتك فيما فيه رغبنا … خير الورى كلهم حيا ومقبورا

стр. 994

وتوفى ابن حبيب في ذى الحجة، سنة ثمان وثلاثين، وقيل تسع وثلاثين ومائتين، وقد بلغ ستا وخمسين سنة (١٦٦). وقال الشيرازي: ثلاثا وخمسين سنة. وقبره بقرطبة، بمقبرة أم سلمة، في قبلة مسجد الضيافة. وصلى عليه القاضي أحمد بن زياد، قاله ابن الفرضي. وقال غيره: صلى عليه ابنه يحيى. وقال محمد بن حارث: توفى سنة سبع وثلاثين ومائتين، إلى ستة شهور من ولاية الأمير محمد. قال ابن لبابة: احتفر لابن وضاح إلى جانب قبر ابن حبيب، فانفتح ما بين القبرين، فأدخل الحافر يده إلى جنبه، فوجده وافرا لم تأكله الأرض، والتصق بيده من الكفن. ورثاه أبو عبادة الرشاش بقوله: لئن أخذت منا المنايا مهذبا … وقد قل فينا من يقال المهذب لقد طاب فيه الموت والموت غبطة … لمن هو مغموم الفؤاد معذب ولأحمد بن هاني (١٦٧) فيه: ماذا تضمن قبر أنت ساكنه … من التقى والندى يا خير مفقود عجبت للأرض في أن غيبتك وقد … ملأتها حكما في البيض والسود وخلف ابنين: محمدا وعبيد الله. سمع عبيد الله، من والده، وكان له حظ من العلم إلا أن الزهد غلب عليه والعبادة، فانقطع إليهما، ولم يرغب في الدنيا، وعاد إلى بلده ألبيرة، فلزمها إلى أن توفى سنة إحدى وتسعين ومائتين، وقيل في نيف عليها

стр. 995

حدث عنه محمد بن فطيس الألبيرى (١٦٨)، وكان يثنى عليه، ويحيى بن فطر (١٦٩)، وغيرهما. هارون بن سالم قرطبي، يكنى أبا عمر (١٧٠)، عده ابن ابن دليم في هذه الطبقة. قال ابن عبد البر: سمع من عيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى، ورحل إلى المشرق فلقى أشهب، وروى عنه، وعن أصبغ، وعلى بن معبد، وسحنون. روى عنه عامر بن معاوية القاضي. وأدخل العتبى من روايته في المستخرجة، في كتاب الأيمان بالطلاق. وكان منقطع القرين في الفضل والزهد والعلم. وكان أحمد بن خالد يقول: أنه مجاب الدعوة، وأن دعوته استجيبت في غير شيء، فكان بينه وبين ابن خالد قرابة من قبل الأم، وكان يحفظ المسائل حفظا حسنا، إلا أن العبادة غلبت عليه. قال ابن أبي دليم: وكان * إذا دخل رمضان قال لزوجه: اطوى الفراش. فلا ينام على فراش حتى ينسلخ رمضان. وتوفى فتى حدثا في الأربعين من سنه، متقدما لقرنائه، سنة ثمان وثلاثين ومائتين - وكانت كتبه موقوفة (١٧١) عند أحمد بن خالد - وسنه أربعون سنة. وقال ابن وضاح: ما رأيت هنا مثله، كنت إذا رأيته يصلى رحمته. قال غيره: كان إذا صلى يرتعد. وهو خال بني هلال.

стр. 996

موسى بن الفرج قرطبي، يلقب بالسنجيلة (١٧٢). روى عن أشهب بن عبد العزيز. قال ابن خالد: كان فقيها في المسائل على مذهب مالك. قال ابن حارث: كان من أهل الفتيا، وكان أبو صالح يصفه بالفقه. قال ابن وضاح: أخبرني سحنون وزيد بن البشر، أن ابن القاسم دعا عليه، وقال: لأعرضنه على الله ربى بالبكور والأسحار. وكان دعاؤه عليه، من سبب ما مشى بينه وبين أشهب، حتى أفسد ما بينهما. هشام بن حبيش طليطلى، بضم الحاء المهملة، وبعدها باء. كان صاحب رأى ومسائل، ورحل فسمع من ابن القاسم وأشهب، وكان من أهل الفتيا والإسماع، بصيرا بالإعراب، ذكره ابن حارث. الفضل بن عميرة وابنه عبد الرحمان قال أبو سعيد: فضل بن عميرة، بن راشد، بن عبد الله بن سعيد، ابن شريك، بن عبد الله، بن مسلم، بن نوفل، بن ربيعة، بن مالك، بن مسلم، الكناني العتقى، من أهل تدمير، يكنى أبا العافية. قال ابن أبي دليم وغيره: رحل مع ابنه عبد الرحمان، فحجا، وسمعا من ابن القاسم، وابن وهب، ومطرف، وابن الماجشون، وكانا سمعا بالأندلس من يحيى بن مضر وغيره. وولى الفضل قضاء تدمير، في إمرة الحكم بن هشام، إلى أن توفى سنة سبع وتسعين ومائة.

стр. 997

ثم ولى مكانه القضاء بها ابنه عبد الرحمان، ويكنى أبا المطرف، وكان سمع من أبيه، ومن شيوخ أبيه كما ذكرنا. قال ابن حارث: وكان له طلب وعناية، وتوفى سنة سبع وعشرين ومائتين. ولهما عقب في العلم، وبيت جليل في السابقة إلى وقتنا. الفرج بن كنانة قال ابن حارث: هو الفرج بن كنانة، بن نزار، بن عثمان، بن مالك، الضمرى، من ولد عمر بن أمية الضمرى الكناني، نسبه في كنانة، ومكتبه (١٧٣) في جند فلسطين، وكان مسكنه بشذونة. قال ابن عبد البر: كنيته أبو القاسم. قال ابن حارث: وكان من أهل العلم والعبادة، وكانت له رحلة إلى المشرق، سمع فيها من عبد الرحمان بن القاسم وغيره من أهل العلم. قال غيره: وسمع من ابن وهب. ولاه الحكم بن عبد الرحمان قضاء قرطبة، سنة ثمان وتسعين، فكان قاضيها أيام فتنة الربض، فاستنقذ الله بشفاعته كثيرا. وتمكن من الأمير فقال له: إن قريشا حاربت رسول الله ﷺ ، وطردته، وبالغت في أذاه، وهو يدعوهم إلى الهدى ثم كان من صفحه عنهم لما أظهره الله عليهم، ما علمت، وأنت أحق الناس بالاقتداء به، لمكانك من قرابته، وخلافة الله في عباده. فسكن غضبه، وبذل لباقيهم الأمان، على الجلاء عن قرطبة. وتردد القضاء في عقبه ببلده مدة طويلة، ولم يزل القضاء مترددا في ولده بشذونة.

стр. 998

قال: وكان الفرج مع فهمه فارسا شجاعا، يتصرف للسلطان في قود الخيل (١٧٤)، وسد الثغور وقيادتها. وقد ولاه الأمير الحكم سرقسطة، عند انتقاض طاعة بعض أهلها * من العرب، لمكانه منهم، فألف كلمتهم، وصلحت به أحوالهم. قال ابن عبد البر: كان فارسا شجاعا، عربيا شريفا، حكما، جزلا، خيرا، فاضلا، ولى أثر ابن بشير، فسلك سبيله، وكان صلب القناة في حكومته يعطى طوابعه في كل أحد من قرابة السلطان ووزرائه، فلا يرد له طابع. وولى سنة ثمان وتسعين، واستعفى سنة مائتين، فأعفى. قال ابن أيمن: كان للفرج قدر جليل في الناس، ومكان مكين عند السلطان، وله عقب فاش بشذونه، ذوو نباهة، تردد فيهم قضاء بلدهم. يحيى بن معمر بن عمران بن متيس بن عبيد بن أنيف الألهاني من العرب الشاميين، من أهل إشبيلية، كان منزله بمقرانة (١٧٥). قال ابن عبد البر: كنيته أبو بكر. قال ابن حارث: وكان في وقته فقيه أشبيلية وفارضها، وله رحلة لقى فيها أشهب بن عبد العزيز وأخذ عنه وعن غيره من أهل العلم، وكان ورعا زاهدا فاضلا عفا، مقبلا على عمارة ضيعته. باب ولايته القضاء وسيرته وفضله قال ابن حارث: استقدمه الأمير عبد الرحمان بن الحكم، ليوليه

стр. 999

قضاء قرطبة، فاعتد من خير القضاة في قصد سيرته وحسن هديه وصلابة قناته، لا يحفل بلومة لائم. وكان إذا أشكل عليه أمر من أحكامه، واختلف عليه فيه الفقهاء، تأنى به، وكتب فيه إلى مصر إلى أصبغ بن الفرج وغيره من نظرائه يكشفهم عنه، فيجاوبونه بما يعمل عليه، فكأنه يحقر بذلك فقهاء قرطبة، فيذمونه، ويتبعون عثراته. وكان أشدهم عليه زعيم الجماعة يحيى بن يحيى. وكانت آفة هذا القاضي، قلة رضاه عن الفقهاء، وتتبعه سقطاتهم، وقلة مداراته لهم، حتى سجل على سبعة عشر رجلا منهم، بالسخطة، فتفرقوا عنه بأجمعهم، ورفعوا عليه من كل جانب، وسعوا عليه حتى عزل. وذكر أنه لما عزل، وأزمع على الرجوع إلى وطنه أشبيلية، أرسل إليه رجل من الوزراء - كانت له به خاصة - ولدا له بزوامل (١٧٦) وأعوان، وقال له: عرفه بثباتى على حفظ عهده، وسله أن يحمل على هذه الزوامل ثقلته. فلما أتاه بذلك، جزاه خيرا على فعله، وقال له: ادخل حتى ترى ما عندنا من الثقلة، لتقيم العذر فيما رددناه على أبيك من مكرمته. من فإذا بيته خلاء إلا من حصير، وخابية دقيق، وقصعة، وقلة للماء، وقدح، وفراش بتبن وسديدة (١٧٧) كان يرقد عليها. فقال: هذه والله ثقلتى، والله المحمود على اليسير. ثم قال لخادمه: فرق الدقيق على من بالباب من الفقراء وادفع الحصير والآنية إلى ضعفاء الحومة.

стр. 1000

ثم ركب منصرفا إلى بلده. قال ابن وضاح: صليت صلاة الكسوف، مع ابن معمر في جامع قرطبة، سنة ثمان عشرة ومائتين، فأحسن الصلاة ولم يقم لها، وطولها، بدأها ضحى، وأتمها في القائلة وقد تجلت الشمس، وذلك في الصيف. بقية أخباره قال يحيى بن يحيى: لما قام الناس على ابن معمر، أتاني سعيد بن حسان فقال لي: ما ترى في شهادتى عليه؟ قلت: لا تفعل. وانتظر أن تشاور فيه، فيكون رأيك أنفذ من شهادتك. فغلبته شهوته وشهد فيه. فلم أنشب أن أتاني كتاب الأمير يقول لي: تصفحت الشهادات فلم أر فيها شهادتك، وقد وجهتها إليك لتتصفحها وتكتب برأيك فيها. فكتبت إلى الأمير: ما عندى من أخبار القاضي شيء، لأنه لم يكن يحضرنى مجلسه، ولا يشاورنى، وأما الشهادات عليه فلو وقع * مثلها على مالك والليث، ما رفعا بعدها رأسا. فأمسى معزولا. قال ابن حارث: ثم ولى بعده الأسوار بن عقبة البصرى، وكان من أهل الخير والتواضع والتحرى، كان يحمل خبزه إلى الفرن بنفسه، ولما عزل وأريد صرفه ثانية، أبى، وقال: لي عيوب كثيرة: ضعف بدنى، وكبر ولدى. فقيل له: أو كبر ولدك من العيوب؟ قال: من أشدها. فولى يحيى بن معمر ثانية وذلك أن الأمير ورد أشبيلية فشاهد بعض حواشيه يحيى بن معمر في جنة له، يستقى الماء بخطارة، ويسقى

стр. 1001

بقل جنانه، فذكر ذلك للأمير، فقال الأمير: والله ما أشك في فضل الرجل وورعه، وإنى لأظن الرافعين عليه، تألبوا بالباطل. وأمر من ساعته بتوجيهه إلى قرطبة، فلما قدم، حلف ألا يستفتى يحيى بن يحيى، ولا زونان، ولا سعيد بن حسان. فبقيت الأحكام معلقة إلى مقدم الأمير، فبلغه، فأنكر ذلك، فقال له: قد أقسمت على ذلك، وفى ألبيرة رجل من أهل العلم والتقدم، أستغنى به عنهم، يعنى عبد الملك بن حبيب. فأقدمه وانفرد بفتياه. قال ابن أيمن عن عمه (١٧٨): كنت يوما عند ابن معمر، إذ دخل عليه ابن حبيب، فلما اتخذ مجلسه قال له: قضية الآن، أحب أن تنفذ فيها بما أشرت به عليك، فهو الحق إن شاء الله. وكان ابن معمر يريد أن يحكم فيها بقول ابن القاسم، فأفتاه ابن حبيب بقول أشهب. فقال له ابن معمر. والله لا أفعل، ولا أخالف ما وجدت عليه أهل البلد من العمل على قول ابن القاسم. فما زال التراجع بينهما حتى قام ابن حبيب مغضبا. فقلت له: هذا الرجل قد انفرد عن أعدائك (١٧٩)، كأني به قد صار في عددهم، ثم يعزلونك ثانية. فقال: بالعزل تخوفني؟ ليت بغلتي عجزت بي في سهلة المدور، منصرفا إلى أشبيلية. وقد اختلفت الأخبار، هل مات معزولا أو قاضيا.

стр. 1002

قال ابن عبد البر: وكان أول ما ظهر من حذق ابن معمر، أن تقديمه إلى القضاء وافق ليلة فطر، وأضحى فمشى صبيحتها إلى المصلى ليقيم الصلاة، وكانت الصلاة للقاضى، وكان إبراهيم يومئذ أمر أن تقام للإمام عنزة يصلى إليها، إذ لم يكن للمصلى يومئذ محراب، فإذا بأهل النباهة واليقظة من ذوى الهيئات قد احتوشوا العنزة، ليتعرفوا خطبته، فلما جاء ورآهم، فهم الأمر، فكادهم بأن قال لقومه: إنى أرى الناس قد ازدحموا حول العنزة، فقدموها إلى الفضاء ليستوسعوا. فقدموها، وطاش أنشاط الناس وأخفاؤهم، فاصطفوا قربها، وتثاقل أولو الهيئات عن ذلك، ومكثوا مكانهم، فحصل قرب الشيخ من لم تكن عليه منه مئونة، وقطع بأولائك. وذكر عن عثمان بن سعيد الزاهد قال: لما احتضر يحيى بن معمر بأشبيلية، قال لمولى له من أهل الصلاح: أقسم عليك بالله أجل الأقسام، إذا أنا مت إلا ما ذهبت ليحيى بن يحيى، فقل له: يقول لك ابن معمر: "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ" (١٨٠). ففعل ذلك، فبكى يحيى وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أظنه إلا خدعنا في الشيخ، وسيء بيننا وبينه. ثم استغفر الله مليا، ودعا له. وذكر ابن حارث أنه ولى القضاء بقرطبة مرتين، إحداهما سنة تسع ومائتين، والأخرى بعد ذلك. قال ابن الفرضي: وهو الصحيح. قال ابن أبي دليم: وتوفى سنة ست وعشرين ومائتين.

стр. 1003

طبقة ثانية بعد هؤلاء * فمنهم من أهل المدينة: أبو الحكم المعروف بالبربري قال القاضي: إسماعيل بن إسحاق، أبو إسحاق، أبو الحكم المدني، المعروف بالبربري، وكان من أصحاب عبد الملك بن الماجشون، وكان مشهورا بكنيته (١٨١). روى عنه القاضي إسماعيل في المبسوط، مسائل من الأحباس، ثم سأل عنها القاضي ابن أكتم، عبد الملك بن الماجشون، فأجابه فيها. ومن أهل العراق: يعقوب بن شيبة بن الصلت ابن عصفور، بن شداد، بن هيمان، السدوسي، مولاهم، أبو يوسف. وقال الخطيب، عن حفيده أحمد في نسبه: عصفور بن ميدان، مولي شداد بن هيمان السدوسي. قال في الكتاب، الحكمى، وابن حارث: أنه كان بارعا في مذهب مالك، ألف فيه تواليف جديدة، أخذ ذلك عن ابن المعذل، وأصبغ بن الفرج، والحارث بن مسكين، وسعيد بن أبي زيد، ولقى جماعة من أصحاب مالك. قال ابن كامل القاضي: كان من فقهاء البغداديين على قول مالك، ومن كبار أصحاب أحمد بن المعذل والحرث، وكان من ذوى السند وكثرة الرواية (١٨٢).

стр. 1004

ويعقوب هذا أحد أئمة المسلمين، وأعلام أهل الحديث المسندين، يروى عن يزيد بن هارون، ويونس بن محمد، وهاشم بن القاسم، ويحيى بن أبي بكير، وجماعة ممن روى البخارى عن رجل منهم (١٨٣)، فمن دونهم. قال أبو بكر الخطيب في تاريخ البغداديين: سمع يعقوب بالبصرة، على بن عاصم، ويزيد بن هارون، وروح بن عبادة، وعفان بن مسلم ويحيى بن عبد الله الأنصارى، وهاشم بن القاسم، ويحيى بن أبى بكير، وأبا الوليد الطيالسي وجماعة ذكرهم. وروى عنه ابن ابنه، محمد بن أحمد، ويوسف بن يعقوب بن البهلول. قال: وكان ثقة، سكن بغداد، وحدث بها وبسر من رأى، ورماه أحمد بن حنبل بهوى وبدعة حين أمر المتوكل بسؤال أحمد عمن يتقلد القضاء فذكر له. قال الخطيب: إنما رماه بذلك لوقوفه في القرآن. قال ابن كامل: كان يقف في القرآن، وقرأت بخط الحكم - والله أعلم - أن يعقوب كان ممن يقف في القرآن. قال القاضي: لعل وقوفه فيه تقية، أو سكوتا عن الكلام فيما لم يتكلم فيه السلف، مع إعتقاده الحق، والله أعلم. قال ابن كامل: وكان لا يغير شيبه. قال ابن عبد البر: يعقوب أحد أئمة الحديث، وصنف مسندا معللا، إلا أنه لم يتمه. قال الأزهرى: سمعت الشيوخ يقولون: إنه لم يتم مسند معلل قط. قال عبد الغنى بن سعيد: لم يتكلم أحد على علل الحديث بمثل كلام يعقوب، وعلى بن المديني، والدارقطني.

стр. 1005

قال شيخنا أبو على القاضي: وكان أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميرى يقول: لو وجد كلام يعقوب على أبواب الحمامات، للزم أن يقرأ ويكتب، فكيف ويوجد بسند لا مثل له، إعجابا بكلامه. وقد ذكر الخطيب عن الدارقطني، وأبى عمر بن حيوة، أنهما قالا: لو كان كتاب يعقوب على حمام سطورا، لوجب أن يكتب. وذكر عن الأزهرى: أنه بلغه، أنه كان في منزل يعقوب، أربعون لحافا معدة لمن يبيت عنده من الوراقين لتبييض كتابه ونقله، ولزمه على ما خرج منه عشرة آلاف دينار. قال: وقيل لي: ان مسند أبى هريرة منه، وجد بمصر في مائتي جزء. قال الخطيب: والذي ظهر منه، مسند العشرة، وابن مسعود، وعمار، وعتبة بن غزوان، والعباس، وبعض الموالي، هذا الذي رأينا من مسنده، حسب. قال الباجي *: وقد كان وقع لشيخنا القاضي أبي على منه قطعة صالحة. * * * قال يوسف بن إسحاق بن بهلول: قال يعقوب بن شيبة: أظل عيد من الإعياد رجلا، وعنده مائة دينار لا يملك سواها. فكتب إليه أخ يخبره أن العيد أظله، ولا شيء عنده ينفقه على الصبيان، ويستدعى منه نفقة. فوجه المائة إليه في صرة قد ختمها. فلم يكن حتى كتب أخ آخر إلى ذلك الرجل، يشكو له مثل شكواه هو للأول، ويستدعى مثل ما إستدعاه. فوجه الصرة إليه بختمها، وبقى الأول بلا شيء.

стр. 1006

فكتب إلى صديق له، يستدعى منه نفقة، ويذكر إضاقته (١٨٤)، فإذا به الثالث الذي عنده الصرة. فوجه بها إليه فعادت للأول يختمها، فعرفها، وإستراب شأنها فركب إليه ومعه الصرة، وسأله عن شأنها، فأخبره أنها وصلت إليه من صديقه فلان، بعد ما استدعيت منه ما أنفقه، فلما وردت رقعتك آثرتك بها. فقال له: قم بنا إليه. فركبا جميعا إلى الثاني، ومعهما الصرة. فتواصفوا الحديث، ثم فتحوها فاقتسموها أثلاثا. قال يوسف: والثلاثة: يعقوب بن شيبة، وأبو حسان الزيادي، وفلان سماه. وقد تقدم شبه هذه القصة للواقدى في أخباره. * * * قال يعقوب: سألت أبا عمرو، يعنى الحارث بن مسكين، عن المراكب في البحر ينفق عليها السلطان، ويحمل فيها ما يكفى لمن يركب فيها، مما يأكلون إلى أن يرجعوا، أترى للمطوعة أن يركبوها؟ فكأنه كرهه ولم يعجبه. وسألته عن مبايعة الجند والسلطان، فكره ذلك للطعام والشراب وغير ذلك، وأن يجلب إلى عسكرهم شيء. قال: إلا أن يخرجوا في غزو، فأرجو ألا يكون بأس بمبايعتهم في وجههم.

стр. 1007

قال: وسألته عما أخرج السلطان مباحا للناس، كالجسور والقناطير، والماء يوضع في الطريق للشرب، وشبهه. فقال: أما ما لا يجد الرجل منه بدا، كالمساجد الجامعة، والجسور، وشبهها، فلا بأس به، وقد يبسطون في المساجد، ويسرجون القناديل، وأما ما وجد منه بدا، فلا. وتوفى في ربيع الأول، سنة اثنين وستين ومائتين. مولده سنة اثنين وثمانين ومائة، مع ابن عبد الحكم في سنة واحدة. وقال ابن عبد البر: مولده سنة أربع وثمانين. أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة النيسابوري، المعروف بالقطان. وكان من فقهاء المالكية، وأئمة الخراسانيين فيهم، ودرس المذهب بنيسابور، وهو آخر من درس بها مذهب مالك ﵀، ذكر ذلك أبو نصر بن ماكولا الحافظ. قال: وتفقه بعبد الله بن عبد الحكم، الحكم، وسمع أبا عبد الله بن أخى ابن وهب، ويونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن منيع ومحمد بن رافع. وتوفى سنة تسع وتسعين ومائتين. ومن أهل مصر: أبو إسحاق البرقي واسمه إبراهيم بن عبد الرحمان بن عمرو بن أبي الفياض، مولى زهير. قال عبد الله بن محمد بن أبى دليم القاضي: كان صاحب حلقة أصبغ، معدودا في فقهاء مصر، يروى عن أشهب، وابن وهب، وقد أخذ عن البرقي الناس بمصر (١٨٥).

стр. 1008

وروى عنه يحيى بن عمر. قال أبو عياش القروى: كنا عند البرقى بمصر، فامتنع علينا من إسماع بعض ما سألناه، فقلت لأصحابي: دعونا من هذا، فقد تركنا خلفنا من يكفينا من الناس كلهم. قال: من هو؟ قلت: سحنون. فلم ينكر ذلك. وله مجالس، وسماع كتب من أشهب، حملت عنه. قال ابن أبي دليم: وتوفى سنة خمس وأربعين ومائتين. ذكر بني عبد الله بن عبد الحكم. وهم أربعة، قد قدمنا ذكر أبيهم، وجدهم، ونسبهم وهم: عبد الحكم، وعبد الرحمن، وسعد، ومحمد. قال ابن حارث: وكانوا بمصر أربعة إخوة فقهاء علماء بنو عبد الله بن عبد الحكم. فأما: عبد الحكم بن عبد الله أبو عثمان فكان أكبر بنى عبد الله. قال ابن أبي دليم وابن حارث: ولم يكن فيهم أفقه منه، ولا أجود خطأ، وكان خيرا فاضلا، له سماع كثير من أبيه، وابن وهب، وغيرهما من رواة مالك، وكان من أكابر أصحاب ابن وهب. قال الكندي: كان فقيها. قال أبو الطاهر: لم يكن في أصحاب ابن وهب، أتقى منه ولا أجود خطأ.

стр. 1009

حدث عنه الرمادي (١٨٦). وتوفى (١٨٧) بمصر في سجن يزيد التركي وعذابه، سنة سبع وثلاثين ومائتين. قال زكرياء بن يحيى بن الحكم: شهدت يحيى بن عبد الحكم بن عبد الله بن عبد الحكم، فقال لي أبوه: تحضر طعام ابن أخيك. فأتى بثريدة، فأكلنا، ثم أتى بجفنة بطيخ (١٨٨)، وكان عبد الحكم، هو الذي يخدمنا ويوضينا، وكذلك كان طعامه للناس، ووجه إلى المساجد التي حوله في صلاة المغرب، لكل مسجد بثريدة، وجفنة بطيخ. ذكر محنته كان القاضي بمصر، ابن أبي الليث الأصم - وكان معتزليا - قد امتحن بني عبد الحكم، مع سائر الفقهاء وأهل الفضل، في القرآن، كما قدمنا. ثم وردت على الأصم كتب من العراق، في استخراج مال الجداوى (١٨٩) من عند بني عبد الله بن عبد الحكم وغيرهم، فشهد جماعة بذلك، وشهد لبنى عبد الحكم آخرون، أن الجداوى أبرأهم. فتحامل عليهم ابن أبي الليث، وحكم على بنى عبد الحكم بألف ألف دينار، وأربعمائة ألف، وأربعة آلاف دينار، وحكم على زكرياء بن يحيى كاتب العمري بثمانية آلاف، وألزمهم المال.

стр. 1010

ودفع القصة إلى يزيد التركي، الموجه فى المال من قبل المتوكل، فألزم المال بني عبد الحكم، وشدد عليهم، وسجنهم. فعذب عبد الحكم بن عبد الله، حتى مات في عذابه، لأربع بقين من جمادى الأولى، سنة سبع وثلاثين. واستصفيت أموال بني عبد الحكم وأصحابهم، ونهبت منازلهم، وملئت السجون من الناس، إلى أن ورد كتاب المتوكل باخراجهم من السجن، ورد أموالهم إليهم، وسجن الأصم القاضي. وقد كان قبل هذا ورد كتابه بسجنه، وسجن أصحابه، واستصفاء أموالهم، ولعنه على المنبر، فلعن، ولعنته العامة على اثر ذلك، ثم أخرج من السجن، لينظر فى أمر بني عبد الحكم. فوضع يده على بيت المال، فبدده ووهبه (١٩٠) وكان نحو مائة ألف وعشرين ألفًا، ودفع إلى كل واحد من الذين سجنوا معه العشرة آلاف ونحوها، فأمر المتوكل بسجنه، وأمر بحلق رأسه ولحيته، وضربه بالسوط، وحمله على حمار باكاف، وتطوافه بالفسطاط، ففعل ذلك كله به، حكى ذلك أبو عمر الكندي فى كتاب الموالي، وفى كتاب القضاة. وذكر غيره، أن موت عبد الحكم إنما كان بسبب المحنة في القرآن، وأنه دخن عليه بالكبريت حتى مات. وقال المالكي: امتحنه الأصم وابن أبي داود (١٩١)، فلم يرجع، فضرب في مسجد مصر أقل من ثلاثين سوطًا في غلالة. اخوه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أبو عبد الله، سمع من أبيه، وابن وهب، وأشهب، وابن القاسم، وشعيب بن الليث، وغيرهم من أصحاب مالك، وصحب الشافعي وكتب عنه، وأخذ عنه، كان أبوه جمعه إليه، وأمره أن يعول عليه وعلى * أشهب، وكان محمد أقعد الناس فهما.

стр. 1011

ويروى عن ابن أبي فديك وأنس بن عياض، وشعيب بن الليث، وبشر بن بكر، وحرملة بن عبد العزيز، وإسحاق بن الفرات، وخالد بن عبد الرحمان الخراساني، وأيوب بن سويد. روى عنه أبو بكر النيسابوري، وابراهيم بن محمد الحلواني، وأبو حاتم الرازي، وابنه عبد الرحمان، وأبو بكر الأصم، وأبو إسحاق بن خزيمة، وعيسى بن مسكين، وسعيد بن إسحاق، وعمر بن يوسف الأشبيلي، وعمر بن حفص بن غالب، ومحمد بن فطيس، وعبد الله بن خالد الفارسي، وأبو جعفر الطبري، ومحمد بن الربيع الجيزي، وسعد بن معاذ. ذكر مكانه من العلم والفضل قال ابن حارث: كان من العلماء الفقهاء، مبرزًا من أهل النظر والمناظرة والحجة فيما يتكلم فيه ويتقلده من مذهبه، وإليه كانت الرحلة من المغرب في العلم والفقه من الأندلس. قال أبو عمر بن عبد البر: كان فقيهًا، نبيلًا، جليلًا وجيهًا في زمانه. وحكى أن ابن القاسم قال فيه: (إن قبل محمد لعلمًا) (١٩٢) وهذا يبعد، لما نذكره. قال الشيرازي: إليه انتهت الرئاسة بمصر. قال ابن أبى دليم: كان فقيه مصر فى عصره على مذهب مالك، وصحب الشافعي فرسخ فى مذهبه، وربما تخير قوله، عند ظهور الحجة له، وكانت له مناظرة في الفقه. قال الكندي: كان أفقه أهل زمانه، وإليه انتهت الفتيا بمصر، وناظره ابن ملول صاحب سحنون، فقال لمن معه: صاحبكم أعلم من سحنون.

стр. 1012

قال سعيد بن عثمان: محمد بن عبد الحكم ثقة فاضل عالم، رأيته بمصر يركب حمارًا قصيرًا حقيرًا منتوف الذنب، ويقول بنفسه: (الطريق الطريق) ويروح إلى الجمعة بقميص مرقوع بين كتفيه، ولو شاء لبس أرفع الثياب، وركب أفره الدواب، لسعة ماله - وذكر من فضله وتواضعه. قال ابن أبي حاتم: هو صدوق ثقة. وسئل النسائي عنه فقال: هو أظرف - أو أنظف من أن يكذب. قال محمد بن فطيس الألبيري: لقيت في رحلتي نحو مائتي شيخ، ما رأيت فيهم مثل محمد بن عبد الحكم. قال أبو عمر الصدفي: ورأيت أنا أهل مصر لا يعدلون به أحدًا، ويصفونه بالفضل والعلم والتواضع، ووجدت حلقته قائمة بجامع مصر، قد جلس فيها ابن رمضان (١٩٣). وذكر الخطيب في تاريخ البغداديين، عن أخيه سعد بن عبد الله: كان الشافعي يأتى راكبًا إلى الباب، يعنى باب بني عبد الحكم، فيقول: ثم محمد؟ فيدعوه، فيذهب معه إلى منزله، فيقيل عنده. قال أبو بكر بن خزيمة: وهم أربعة اخوة. فسماهم. قال: ولم ندرك نحن منهم إلا اثنين، يعني محمدًا وسعدًا. قال: ومحمد أعظم من رأيت في مذهب مالك، وأحفظهم له، وسمعته يقول: كنت أتعجب ممن يقول فى المسائل: (لا أدرى). فأما الآثار فلم تكن بحفظه. وكان أعبدهم وأكثرهم اجتهادًا وصلابة، سعد. وكان محمد من أصحاب الشافعي وممن يتعلم منه، وله تواليف كثيرة فى فنون العلم، والرد على المخالفين، كلها حسان ككتاب أحكام القرآن، وكتاب الوثائق والشروط، وكتاب مجالسه، أربعة، وكتاب الرد

стр. 1013

على الشافعي فيما خالف فيه الكتاب والسنة، وكتاب الرد على أهل العراق، وكتابه الذى زاد فيه على مختصر أبيه، وكتاب أدب القضاة، وكتاب الدعوى والبينات، وكتاب اختصار كتب أشهب، وكتاب السبق والرمى، وكتاب الرد على بشر المريسى، وكتاب العوم*، وكتاب الكفالة، وكتاب الرجوع عن الشهادات وكتاب المولدات. قال ابن حارث: وأراها مؤلفة عليه لأنها مسائل منثورة لم تضم لباب كالأسمعة. ذكر أخباره ذكر أبو إسحاق الشيرازي محمدًا في الشافعية، ولم يذكره في المالكية، ولا أدرى لم فعل هذا؟ والتزامه لمذهب مالك وامامته فيه مشهورة، وتواليفه على مذهبه والرد على الشافعي وغيره معروفة، مع أن غيره من أصحاب الشافعي، يذكرون أنه كان أولًا من أصحاب الشافعي، وأنه رجع عنه آخرا، ويذكرون لذلك سببًا. فذكر أبو حامد الطوسي الغزالي فى كتاب آداب الصحبة له، أن سبب ذلك، أن أصحاب الشافعي سألوا الشافعي فى مرضه: لمن يجتمعون إليه بعده؟ فتطاول إليها ابن عبد الحكم، وكان من أحب الناس إلى الشافعي وأخصهم به، فحضهم الشافعي على البويطي، فانكسر لها ابن عبد الحكم وانحرف عند ذلك عن رأى الشافعي، ورجع إلى مذهب أبيه. وهذا كله ظن منه، وإلا فقد عرف درس ابن عبد الحكم لمذهب أبيه عليه، وعلى أصحابه، أكثر من درسه لمذهب الشافعي، بل أنه صحب الشافعي واستفاد منه، واختص به. وذكر أنه زار الشافعي فى مرضه، فأنشد الشافعي: مرض الحبيب فعدته … فمرضت من حذري عليه وأتى الحبيب يعودني … فبرئت من نظري إليه

стр. 1014

وذكر أبو عمر الصدفي عن محمد: أن أباه قال له: الزم هذا الرجل -يعني الشافعي- فانه كثير الحجج، فليس بينك وبين أن تقول (قال ابن القاسم) فيضحك منك، إلا أن تخرج من هذا البلد إلى غيره. فكان كما قال: ما هو إلا أن خرجت للعراق، فتكلمنا في مسألة، فقلت لابن أبي داود: من يقول بقولك أنت؟ قال: أبو يوسف. وقلت أنا: قال ابن القاسم. فقال لي: من ابن القاسم؟ قلت: رجل يقال بقوله من مصر إلى مغرب الشمس. فكأنه اهتم حيث لم يعرفه. فقال له كاتب لابن أكتم: هو من عبادهم وفقهائهم؟ قال البلخي أبو عبد الله: كنت يومًا عند محمد بن الحكم، إذ خرج له صبي صغير عليه حلية ذهب، فقلت: ما هذا؟ فقال: انه صبى. فقلت له: أن لم يكن متعبدًا فى نفسه، فأنت متعبد فيه، بأن لا تسقيه خمرًا، ولا تطعمه خنزيرًا. فقال: انه من فعل النساء، يعنى أنهن فعلنه بجهلهن من غير أمره. قال محمد بن عبد الحكم: قلت للشافعي: لأى شيء أخذتم أنه إذا مسح الإنسان بعض رأسه وترك بعضه، أنه يجزيه؟ قال: من سبب الباء الزائدة. قال الله تعالى: وامسحوا برؤسكم) (١٩٤) ولم يقل رؤسكم.

стр. 1015

قلت له: فأي شيء ترى فى التيمم إذا مسح الانسان بعض وجهه وترك بعضًا؟ قال: لا يجزيه. قلت: لم؟ وقد قال الله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) (١٩٥). فسكت. وكان محمد يقول: التوقر في الزهد، مثل التبذل في الحفلة. قال: بعضهم أنشد محمد بن عبد الحكم: لما عفوت ولم أحقد على أحد … أرحت نفسي من غم العداوات إني أحيى عدوى حين رؤيته … لأدفع الشر عنى بالتحيات وأظهر البشر للانسان أبغضه … كأنما ملء قلبي من محبات ولست أسلم ممن لست أعرفه … فكيف أسلم من أهل المودات وقد ذكر أبو بكر بن خزيمة، قال: جرت بين محمد وبين البويطي وحشة، فى مرض الشافعي الذي * مات منه، فتنازعًا مجلس الشافعي، كل واحد منهما يقول: أنا أحق بمجلسه منك. فجاء الحميدي فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسى من يوسف -يعني البويطي- فكذبه ابن عبد الحكم، فرد عليه الحميدي، فغضب ابن عبد الحكم، وترك مجلس الشافعي، وتقدم فجلس في الطاق الثالث. قال سعيد بن معاذ: حضرت محمد بن عبد الحكم، يفتى في المشي إلى مكة بكفارة يمين، وحكى ذلك عن ابن القاسم أنه أفتى به ابنه. وذكر عنه أن قومًا استشاروه في الحج أو الجلوس إلى السماع، فأشار على بعضهم بالحج، وبعضهم بالجلوس، فسأله عن ذلك، الذي أمره بالحج.

стр. 1016

فقال: رأيت عند أصحابك فهما، ورأيتك بخلافهم ولهذا الأمر فرسان. قال: إني ذاكرت الشافعي يومًا بحديث وأنا غلام، فقال: من حدثك؟ قلت: أنت. فقال: في أى كتاب؟ قلت: في كتاب كذا. فقال: ما حدثتك به من شيء فهو كما حدثتك، وإياك والرواية عن الاحياء (١٩٦). وسئل محمد: هل للجن جزاء فى الآخرة على قدر أعمالهم؟ قال: نعم. قال الله تعالى: (ولكل درجات مما عملوا) (١٩٧). وسئل محمد بن عبد الحكم: كيف يعزى الرجل المسلم في أمه النصرانية. فقال: يقال له: الحمد لله على ما قضى، قد كنا نحب أن تموت على الأسلام ويسرك الله بذلك. وسئل أيضًا: عن مثل هذا فى القريب النصراني يموت للمسلم: كيف يعزى عنه؟ فقال: يقول: ان الله كتب الموت على خلقه، والموت حتم على الخلق كلهم. محنته قال القاضي أبو الفضل عياض ﵁: قد تقدم ما جرى عليهم فى (محنته) فى خبر مال الجداوى.

стр. 1017

وأما محنته في القرآن، فذكر أبو إسحاق الشيرازي، أنه حمل في المحنة بالقرآن إلى بغداد، إلى ابن أبي داود، ولم يجب إلى ما طلب منه، فرد إلى مصر. وقال غيره: ذكر أنه ضرب فى ذلك، وأدخل الكبريت تحت ثيابه، وأوقد على جوانب ثيابه (١٩٨)، فاحترقت ثيابه فتنحوا عنه، فهرب واستتر في دار امرأة. وقيل أنه علق ودخن من تحته. قال أبو عمر الكندي: لما أمر الواثق الناس بالمحنة في القرآن، ورد كتابه إلى أبي بكر الأصم، قاضى مصر، بأخذ الناس بذلك، فلم يبق فقيه، ولا مؤذن، ولا معلم. إلا أخذ بها، فهرب كثير من الناس، وملئت السجون ممن أنكرها، وأمر القاضى أن يكتب (المخلوق) على أبواب المساجد. فذكر بعضهم أنه رأى مطرًا، غلام الأصم، يسوق هارون الأيلى بعمامته، وهى فى عنقه، وطيلسانه تحت عضده، وهارون ينادي على نفسه بالمخلوق، حتى أخرجه من المسجد، وطاف به الطرق كلها كذلك. وأتى مطر إلى محمد بن عبد الحكم، فأخذ برجله، فوثب محمد، فلما هم مطر أن يتناول قلنسوته، بادر محمد فجعلها في كمه، فأطافه مطر، وهو ينادي بالمخلوق، فمضى به على حلقة المعتزلة، فقالوا له: الحمد لله الذي هداك يا أبا عبد الله. ففى هذا يقول الجمل المصري من قصيدة، يمدح الأصم: ومحمد الحكمي أنت أطفته … وأخاه، ينعق بالصياح الأجهر كل ينادي بالقران وخلقه … فشهرتهم بمقالة لم تشهر أعطتك السنة أتتك ضميرها … وأتتك ألسنة بما لم تضمر

стр. 1018

وفاته توفى فى ذى القعدة، منتصفه، سنة ثمان وستين ومائتين، وقيل سنة تسع. مولده منتصف ذى الحجة، سنة اثنين وثمانين ومائة. فيأتي أن سماعه من ابن القاسم * كان وهو ابن تسعة أعوام، لأن وفاة ابن القاسم في صفر، سنة احدى وتسعين ومائة، ومن ابن وهب، وهو ابن بضعة عشر عامًا، ﵀، وهذا يضعف ما تقدم فيما حكى أن ابن القاسم قال فيه: (وان قبل محمد لعلما) فيبعد أن يقال ذلك لمن هو هذا السن جملة، ولعل ابن القاسم، إنما قاله لأبيه عبد الله، فقد روى عنه كثيرًا، أو أخيهم عبد الحكم، والله أعلم. أخوهما عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الحكم أبو القاسم. روى عن أبيه، وعن ابن الماجشون، وابن بكير، والقعنبي، وعن جماعة من أصحاب مالك، وعن شعيب بن الليث، وزيد بن الحسن، وعبد الله بن صالح، وسعيد بن عفير، وعبد الله بن يزيد المقرى، وعن يونس بن يحيى بن نباتة، وأدريس بن يحيى الخولاني، ووهب الله ابن راشد، وأسد بن موسى، وطلق بن السمح، وهاني بن المتوكل. كتب عنه أبو جعفر الطبري، وأبو عبد الله الحميدي، وأبو حاتم بمصر، وفتح بن شحدب (١٩٩). وروى عنه أحمد بن بشير الدمشقي، وعيسى بن مسكين، وابراهيم ابن أبي روح. وله كتاب (فتوح مصر) رواه عنه على بن قديد (٢٠٠). قال الكندي: كان فقيهًا، والأغلب عليه الحديث والأخبار.

стр. 1019

وله كتاب آخر، رواه عنه عيسى بن مسكين. قال عبد الرحمان بن عبد الحكم: لما رميت جمرة العقبة قبل أن أفيض، دعوت بدهن (٢٠١) فمسست منه، فقال لي أبي: ما تصنع؟ قلت: أدهن به. فسكت. واتبع عبد الرحمان في ذلك حديث عائشة ﵂: "كنت أطيب رسول الله ﷺ ، وأنا محرمة قبل أن يحرم، ويحله قبل أن يطوف بالبيت". فقيل لمحمد أخيه: أتقول بهذا الحديث؟ فقال: والله أنى أعظم ألا أقول (٢٠٢). قال ابن أبي دليم: توفى في محرم، سنة سبع وخمسين ومائتين. قال أبو زرعة الرازي: هو رجل صالح، من أفاضل المسلمين. قال عبد الرحمان بن أبي حاتم: عبد الرحمان بن عبد الله بن الله الحكم، يقال أنه من الأبدال (٢٠٣)، وهو صدوق. أخوهم أبو عمر سعد بن عبد الله بن عبد الحكم يروى عن وهب بن راشد، ويحيى بن حسان التنيسي، وابن نافع، وعبد الملك بن الماجشون، وعلى بن جعفر بن محمد، و آدم بن أبي اياس العسقلاني، وجل روايته عن أبيه، وهو أصغرهم، وكان من علماء هذه الطبقة. قال الكندي: كان فاضلًا. قال أبو حاتم: هو صدوق.

стр. 1020

قال أبو بكر بن خزيمة: كان أعبدهم وأكثرهم اجتهادًا وصلاة، وسمع منه. وتوفى فى رجب، سنة ثمان وستين ومائتين، وهي السنة التي توفى فيها أخوه محمد. كذا قال ابن أبي دليم. وقال ابن شعبان: توفى قبل أخيه محمد بستة أشهر. وحكى أبو عمر الصدفي عن النسائي قال: سعد أقدم موتًا من أخيه محمد. وكان موسى بن هارون الجمال (٢٠٤) ينتحب عليه. وروى عنه محمد بن القاسم المصري، وإبراهيم بن محمد الحلواني، وابن أبي حاتم، وأبو بكر بن خزيمة، ومحمد بن الربيع، وعمر بن حفص بن غانم. مولده سنة احدى وتسعين ومائة. محمد بن إبرهيم بن زياد الاسكندارني المعروف بابن المواز قال أبو إسحاق الشيرازي: تفقه بابن الماجشون، وابن عبد الحكم، واعتمد على أصبغ، وروى محمد أيضًا عن ابن بكير، وأبي زيد بن أبي الغمر، والحرث بن مسكين، ونعيم بن حماد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقرأت فى كتاب القاضي ابن أبي دليم، أنه روى عن ابن القاسم وابن وهب، وأن مولده في رجب سنة ثمانين * ومائة، فان صح، فأنما روى عن ابن القاسم صغيرًا، كما ذكرنا في محمد ابن عبد الحكم، والله أعلم. قال الشيرازي: والمعول بمصر، على قوله. قال ابن حارث: كان راسخًا فى الفقه والفتيا، علما في ذلك.
следующие страницы →