قال أبو العرب: كان قبله علم كثير، وكان فقيرا متعففا، وكان صدوقا، وكان المغامى (٢٩١) يستضعفه في عقله.
سمع من سحنون، ومحمد بن عبد الحكم، وغيرهم من محدثى أهل المشرق.
وسمع منه عبد الله بن خليل المقعد، وحسن بن محمد المكي.
وذكر أبو سعيد الصدفى في تاريخه أنه سمع من ابن وهب، وأنه مات بسوسة سنة سبع وخمسين ومائتين.
وقال أبو العرب: مات بالقيروان سنة خمس وخمسين.
محمد بن نصر
ويقال أحمد بن نضر بن حضرم، من فقهاء القيروان وأصحاب سحنون، يكتب بالضاد وبالذال.
قال أبو العرب كان فقيها، ثقة كثير الذب والاجتهاد، كان محمد بن سحنون يتعلم منه، وكان سحنون يجله ويصله.
وكان له ابن يقال له أبو الحسن، واسمه محمد، أخذ عنه سليمان بن سالم.
قال ابن حارث: كان فقيها نظارا ذا جدل وصحة، ويقال إنه كان معلم ابن سحنون النظر.
وتوفى بصقلية، فذكر أنه لما بلغت وفاته ابن سحنون، قال: رحم الله أبا الحسن! لقد كان معلمنا.
قيل له: فلم لم تقل هذا * في حياته؟
فقال: فنظلمه حيا وميتا؟
стр. 1087
قال ابن حارث: ذكر بعض أهل العلم أن ابن حضرم تذاكر مع قوم - وقال غيره أنه ابن وهب العراقي -: ما معنى قول مالك في الرجل يقول لامرأته: قومى أو أقعدى ونحوه، يريد أنها طالق.
فأنكر بعضهم هذا من قوله.
فقال ابن حضرم: إن ظاهر القول متصل بباطن النية، ألا ترى أن الله قد أمر خلقه أن يقولوا لا إله إلا الله، فلو قالها قائل ونوى بها المسيح كان كافرا باتفاق، أفلا ترون كيف حكمت النية الباطنة على القول الظاهر، فما أنكرتم أن يكون هذا مثله؟
وتوفى في حياة سحنون، وقريبا من وفاته.
أحمد بن يلول (٢٩٢)
قال الصدفى: هو تنوخي، وكناه بأبي بكر.
وقال أحمد بن أحمد: هو من أهل توزر من بلاد قصطيلية.
سمع من سحنون، ورحل في طلب الحديث، وكان مطاعا ببلده، كثير الأتباع، مذكورا بالخير، ثقة، مأمونا، قديم الموت.
سمع منه بكر بن حماد، وابنه سحنون بن أحمد، وناس كثير من أهل القيروان وغيرهم، ومن أهل الأندلس الأعناقى (٢٩٣).
قال ابن أبي دليم: كان من أهل الفقه، وجها في هذه الطائفة، سئل عنه ابن عبدوس فقال فيه: ثقة، سمع منه.
стр. 1088
قال ابن حارث: كان فقيها عالما حسن المناظرة، وناظر محمد بن عبد الحكم بمصر.
قال أبو العرب: ولم أعلمه يختلف في ثقته.
وكان أكثر سماعه من الشاميين، من أصحاب الوليد بن مسلم، وأصحاب إسماعيل بن عياش.
وكان قد امتنع من قضاء قصطيلية (٢٩٤).
وألف رقائق الفضيل بن عياض، وكتاب زهد سفيان الثورى، وكتاب فضائل الأوزاعي، وكتاب فضائل طاوس اليمني.
وتوفى بتوزر سنة اثنتين وستين ومائتين.
وقد حدث الشيخ أبو محمد بن أبي زيد، عن ابنه (٢٩٥) سحنون عنه، بالإجازة.
الحسن بن إسماعيل القرشاني
أبو على، من رجال قصطيلية، وسكن القيروان.
سمع من سحنون قديما، ومن أصبغ بن الفرج، وسعيد بن أسد بن موسى، وغيرهم.
سمع منه أحمد بن أبي سليمان، وموسى بن عبد الرحمان، وغير واحد من أصحاب سحنون.
قال أبو العرب: كان ثقة حسن التقييد كثير الكتب، لم يختلف في ثقته.
قال أحمد بن أبي خالد في كتاب التعريف: كان ثقة حافظا للعلم.
توفى سنة ثنتين وستين ومائتين.
ويقال سنة ثلاث، منصرفه من الحج، رحمه الله تعالى.
стр. 1089
سعيد بن يحيى يعرف بابن الفرا
كان بصقلية.
سمع من مطرف، والقعنبي، وابن سحنون.
ومات بصقلية.
عبد الحميد السدى (٢٩٦)
معروف في أصحاب سحنون، وكان رجلا صالحا.
توفى بالقيروان، سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
إبراهيم بن المضاء بن طارق الأسدي
أبو إسحاق، قيرواني، سمع من سحنون، وكان رجلا صالحا، وكان له مسجد يجتمع إليه فيه القراء والمعبرون، ولم تقرأ الكتب عليه.
وقال أبو سعيد بن يونس: سمع أيضا من محمد بن علي الرعيني.
وروى عنه يحيى بن محمد بن حشيش.
ذكر بعضهم قال: كنت في مسجد إبراهيم بن المضاء، والقراء والناس مجتمعون، إذ أتى رجل فقال: يا معشر المسلمين إنى رجل فقير، ذو بنات، ولي دار جوار دار عامر بن عمرون بن زرارة من أصحاب السلطان، وأنه بنى علية، وفتح أبوابا مطلة على دارى، وبناتي * منكشفات منها، ما عليهن كبير كسوة، وهو وخدمه مطلون عليهن، فأدعوا الله لي عليه أن يكفيني مؤونته.
فدعا إبراهيم، ودعا الناس.
فما برحت حتى أتى رجل فقال: تفرقوا لا ينالكم من السلطان مكروه - أو نحو هذا - انهدمت علية عامر، وضربته سارية طيرت دماغه.
فتفرق الناس.
стр. 1090
ومات ابن المضاء سنة خمسين ومائتين.
ومن دعائه: اللهم اجعلنا من الذين خلفوا الدنيا مع نفوسهم وراء ظهورهم، فخفت عليهم الأثقال لما عندهم من الأعراض، أولئك الذين يحجب عنهم عنهم البلاء بصبرهم، وهانت عليهم المصائب بشكرهم.
سعيد الصنبري
أبو عثمان، سمع من سحنون، وكان من المتعبدين المتقشفين، وكان أصحاب سحنون يذكرونه بخير ويحكون عنه ..
مات في نحو ستين ومائتين، وقيل ثلاث وخمسين، وقيل خمسين.
إبراهيم الزاهد الأندلسي
من سكان القيروان، وكان خياطا، وله سماع من سحنون.
وقد حكى عنه يحيى بن عمر مسألة سحنون.
وعند ابن عمر كانت كتبه بعد وفاته، أحسبه كان حبسها، قاله أبو العرب.
منصور القراد
من قدماء أصحاب سحنون، صحيح الكتاب، حسن التقييد، يحكى عنه أبو عياش وابن الحداد.
موسى السبخي التونسي
قال أبو العرب: سمع أبا مصعب الزهرى، وحرملة بن يحيى قتله ميمون الأسود بتونس حين دخلها.
ذكر أنه من ربيعة.
وكان فقيها، حدث عنه محمد بن بدر الخدامي وأثنى عليه.
وكان قتله سنة إحدى وثمانين ومائتين.
стр. 1091
ومن أهل الأندلس:
أبو زكرياء يحيى بن مزين
مولى رملة بنت عثمان بن عفان، أصله من طليلطة، وانتقل إلى قرطبة عند ثورة أهل طليطلة، فأقطعه الأمير عبد الرحمان قطائع شريفة، وابتنى له دارا ووصله صلة جزلة.
وقيل بل طالبه أهل طليطلة ونالوا منه، فخرج عنهم بأهله وولده، ثم التفت إلى طليطلة فقال: ما آواك لظالم، وأطردك لمؤمن!
روى عن عيسى بن دينار، ومحمد بن عيسى الأعشى (٢٩٧)، ويحيى بن يحيى، وغازى بن قيس، ونظرائهم.
ورحل إلى المشرق، ولقى مطرف بن عبد الله، وروى عنه الموطأ، ورواه أيضا عن حبيب كاتب مالك.
ودخل العراق، وسمع من القعنبي، وأحمد بن عبد الله بن يونس.
وسمع بمصر من أصبغ بن الفرج وغيره.
وكان حافظا للموطأ فقيها فيه، وله حظ من علم العربية، مشاورا مع العتبى وابن خلاد وطبقتهم.
قال أحمد بن عبد البر: كان شيخا وسيما، ذا وقار وسمت حسن.
روى عنه سعيد بن حميد، وسعيد بن عثمان الأعناقي، ومحمد بن عمر بن لبابة.
قال أحمد بن عبد البر: كان جميع شيوخنا يصفونه بالفضل، والنزاهة والدين، والحفظ، ومعرفة مذاهب أهل المدينة، وكان يحفظ الموطأ وكتبه حفظا، ويتقن ضبطها.
وقال ابن لبابة: أفقه من رأيت في علم مالك وأصحابه يحيى بن مزين، وأما العتبى فأحفظهم لمسألة كتاب، وأما قاسم بن محمد فأقومهم بحجة،
стр. 1092
وأثبتهم في مناظرة، وأعلمهم باختلاف الناس، وأما بقى بن مخلد فكان حرا يحسن تأدية ما روى، ولم يكن يتقلد مذهبا، ينتقل مع الأخبار حيث انتقلت.
قال ابن حارث*: ومكانه من العلم لا يجهل، كان قليل الرواية، متقن الحفظ، جيد العقل حصينه، ولى قضاء طليطلة.
قال ابن أبي دليم: وكان من عقلاء الناس.
كتب ابن مزين إلى ابن غانم صاحب المدينة:
جاء الشتاء ووقت هم الأفريه … هم لعمرك من عظيم هموميه
فانظر هداك الله في ايثارنا … للبرد فروا من وثير الأفرية
وله تواليف حسان، ككتابه في تفسير الموطأ، وكتاب تسمية رجال الموطأ وهو كتاب المستقصية، وكتاب فضائل العلم، وكتاب فضائل القرآن.
قال أبو عبد الملك: ولم يكن له على ذلك علم بالحديث، ولقاسم بن محمد عليه رد في كتاب المستقصية، ويخطئه لما أثبته فيها.
وذكر أن القارئ يوما صحف عليه حرفا تصحيفا منكرا، فلم يبق في المجلس إلا من ضحك، إلا الشيخ فلم يضحك وقال لمن حضر: "كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم" (٢٩٨).
وتوفى في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين ومائتين.
وقال ابن أبي دليم وابن حارث: سنة ستين.
عبد الله بن محمد بن خالد بن مرتنيل
أبو محمد، قرطبي نبيه، تقدم ذكر أبيه.
كان عبد الله هذا من أهل العلم، سمع من أبيه، وعيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى.
стр. 1093
ورحل فسمع من سحنون بن سعيد بالقيروان الأسدية، قبل أن يدونها.
وسمع بمصر من أصبغ بن الفرج، وعبد الملك بن هشام، وتفقه، ولم يكن له علم بالحديث.
سمع منه أبو صالح، وابن حميد، وابن لبابة، وابن الجزار، ونظراؤهم.
قال ابن عبد البر. وكان رأس المالكية بالأندلس، والقائم بها، والذاب عنها، وكان صليبا، متدينا، ورعا، مهيبا، مكينا من السلطان، معظما للعلم، لا يرى التقية، ولا يبالى ما دار عليه، وكان العامة والحكام على تعظيمه وتحقيقه جدا، كأن الناس في مجلسه على رؤوسهم الطير إجلالا.
قال ابن أبي دليم: كان ذا فضل وورع، وحفظ للفقه، وجلالة قدر، وصلابة في الحق، مقدما على أصحابه لذلك، مع أبوته.
قالوا: وكان أشد الناس على بقى بن مخلد.
وكان له ابن من أهل العلم، اسمه أحمد ويكنى أبا عمر، سمع أباه ونظراءه.
وروى عنه ابن أيمن، وولى الصلاة بقرطبة، واستسقى بالناس، وكان فاضلا، وبيتهم بيت جلالة وعلم.
وذكر ابن حارث أن في أخلاقه وعورة، وكانت له جلالة وصلابة.
*
* *
وذكر أن الأمير محمدا وجه فيه ليوجهه إلى باجة، لصلاح ما قام بها بين مضر واليمن من العصبية، فحضر بيت الوزارة، وخرجت إليه الوصية، فقال: إني لست أعرف من فيهم من مضر ولا من اليمن.
فقال هاشم الوزير - وكان ما بينه وبين عبد الله سيئا - للرسول: أد عنه.
стр. 1094
فخرجت الوصية: يقول لك الأمير: تكتب إلى القاضي يعرفك من أم تعرف منهم.
فقال: إذا كنت إنما أمضى بكتاب، فصاحب رسائلى يقوم مقامي (٢٩٩) والقاضي أحق بالنظر منى أنا.
فقال هاشم: أد قوله.
فخرجت الوصية: إنا لم نبعث فيك نشاورك، إنما بعثنا فيك نأمرك فائتمر.
فغضب عبد الله، وكان إذا غضب احمرت عيناه، واتقى غضبه، وقال: لم تبعث في تشاورنى! إنما بعثت في لتأمرني فأئتمر! امرأته طالق البتة إن مضيت (٣٠٠) ثم أبدا.
فاغتنمها هاشم، وقال: أد عنه.
ثم قال له: هكذا عرفتك، شرس بن أشرس.
فقال له عبد الله: هكذا أنا وأبى، إذ كسانا الله قميصا * أعراك الله منه أنت وأباك.
ثم خرجت الوصية بسجنه، فسجن ثلاثة أشهر أو أربعة، ثم أطلق، فلم يبعث فيه لشيء بعد.
* * *
وذكر أن القاضي سليمان بن أسود، أرسل في عبد الله بن خالد ليشهده في كتب الأمير محمد، فأبي عبد الله أن يقوم إليه، فكتب القاضي بذلك إلى الأمير، وكثر على عبد الله، ووصف من تثاقله.
стр. 1095
فوقع الأمير للقاضي: نحن أحق من عظم العلم وأهله، فإذا أردت أن تشهد في كتبنا فاجلس إلى الفقيه عبد الله بن خالد.
وجرى له مرة مسألة مع هاشم بن عبد العزيز الوزير وابن عبد البر (٣٠١)، وجه فيه من المقصورة ليقوم إليه، فقال للرسول: ما لي إليه حاجة.
نقال له الرسول: له هو إليك حاجة.
فقال له: فيعني في حاجته.
فقال له: إنها وثيقة للأمير.
فقال له: فلينفذ ما أمره به.
فرجع الرسول إلى هاشم، فلما خرج، مر به في موضعه فأشهده.
وتوفى عبد الله منتصف رجب، سنة ست وخمسين ومائتين، من كتاب ابن الفرضي.
وقال ابن حارث: توفى سنة إحدى وستين.
وذكر أن الأمير محمدا قال لما مات: الحمد لله الذي كناناه، ولم بنشينا منه في شيء.
وابناه محمد وعبد الله من أهل العلم والخير والفضل، رويا عن أبيهما.
وكان محمد أكبر هما سنا وحفظا للفقه.
روى ابن أيمن عن أحمد (٣٠١ م)، وولى الصلاة.
وتوفى محمد أولا سنة إحدى وستين، وهو ابن اثنين وسبعين.
إبراهيم بن حسين بن خالد بن مرتنيل
ابن عمر، قرطبي، تقدم ذكر بيته في هذه الطبقة والتي قبلها.
стр. 1096
كنيته أبو إسحاق.
قال ابن عبد البر: كان خيرا فقيها عالما بالتفسير، له رحلة لقى فيها على بن معبد، وعبد الملك بن هشام، ومطرف بن عبد الله، ولقى سحنون بن سعيد وروى عنه.
قال ابن أبي دليم - وذكره في المالكية -: كان من أهل العلم بالفقه، بصيرا بطريق الحجة، كان يناظر يحيى بن مزين، قال غيره: ويحيى بن يحيى.
وولى الشرطة بقرطبة للأمير محمد، وكان صليبا في حكمه، عدلا.
وله كتاب مؤلف في تفسير القرآن.
قال ابن لبابة: كان إبراهيم يذهب في الشاة إذا بقر بطنها، ولم يطمع لها في الحياة، وأدركت ذكاتها، أنها تؤكل، وحاج في ذلك سحنون، وأعجب ابن لبابة ذلك، وحكى أنه مذهب إسماعيل القاضي.
وكان يجيز النكاح على أن يكون الصداق إجارة، وناظر في ذلك يحيى بن يحيى في جنازة، فقال له يحيى: لا يجوز.
فقال إبراهيم: إن الله قد حكاه في كتابه عن نبيين: موسى وشعيب.
فقال يحيى: قال الله تعالى "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" (٣٠٢) فلا يلزمنا شرعهما.
فقال إبراهيم: ذلك إذا أتى عن نبينا نسخ ذلك، وإلا فعلينا الاقتداء بهم، قال الله تعالى "فبهداهم اقتده" (٣٠٣).
فسكت يحيى.
وكان يذهب إلى النظر وترك التقليد.
стр. 1097
وحكى إبراهيم عن مطرف بن عبد الله: ليس في الكرسنة (٣٠٤) زكاة، لأنها علف.
قال ابن لبابة: وحضرته وقد ضرب شاهد زور عند باب الجامع أربعين سوطا، وحلق لحيته، وسخم وجهه.
قال ابن حارث: كان إبراهيم بن حسين صاحب نظر، وكان على سوق قرطبة، فحكم على بنى قتيبة بحكم خالفه فيه فقهاء وقته: يحيى، وعبد الملك بن حبيب، وزونان، فتظاهروا عليه، وأبانوا خطأه، فاختار الأمير قولهم، وفسخ قاضيه معاذ بن عثمان الشعباني، حكمه في ذلك.
وحضر جنازة مع يحيى بن مزين، فسئل* يحيى عن ذبيحة رميت عقدة حلقها إلى أسفل.
فقال يحيى: حرام لا تؤكل.
فقال له إبراهيم: لا تقل حرام، إنما الحرام ما حرم الله ورسوله.
وأما ما اختلف العلماء فيه فلا، وقد سمعت مطرف بن عبد الله يقول: لا بأس بأكلها.
وفيه يقول موسى بن سعيد:
لله در أبي إسحاق من حكم … كم غاية نالها بالعدل لم تنل
يطير من خونه قلب المخيف إذا … بدا ويسكن قلب الخائف الوجل
لا يقطع الليل إلا بالقيام إذا … ذو اللهو قصره باللهو والجدل
للخالديين في الدنيا بدينهم … فضل على غابر الأيام لم يزل
وكانت وفاته سنة تسع وأربعين ومائتين، في رمضان منها.
عثمان بن أيوب بن أبي الصلت
من أهل قرطبة، كنيته أبو سعيد، وأصله من الفرس.
стр. 1098
قال ابن الفرضى: روى عن الغازى بن قيس، ورحل فسمع من سحنون بن سعيد بالقيروان، وهو أول من أدخل المدونة بالأندلس، وسمع بمصر من أصبغ بن الفرج، وكان شيخا ورعا فاضلا، أريد على القضاء فأبى، وكان ابن لبابة يثنى عليه، ويصفه بالعلم والورع، وقد سمع منه.
قال غيره: وكان صديقا ليحيى بن يحيى.
وأثنى عليه أحمد بن خالد وغيره، ووصفوه بالزهد والفضل.
وكان دقيق الأدب، حليما، حسن الخلق.
توفى سنة ست وأربعين، وقيل سبع وستين، وقيل سنة أربعين ومائتين.
أبو وهب عبد الأعلى بن وهب
ابن عبد الأعلى، مولى قريش، قرطبي.
قال ابن الفرضى: سمع من يحيى بن يحيى، ورحل إلى المشرق فسمع من مطرف بن عبد الله بالمدينة، ومن أصبغ وعلى بن معبد بمصر، ومن سحنون بافريقية، وانصرف فشوور بقرطبة مع الشيوخ: يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، وعبد الملك بن حبيب وأصبغ بن خليل.
وسمع منه ابن لبابة، وصحبه كثيرا.
وسمع منه ابن وضاح.
وكان رجلا عاقلا، حافظا للرأي، مشاركا في النحو واللغة، متدينا، زاهدا، ولم يكن له معرفة بالحديث.
وكان يزن بالقدر، وكان قد طالع كتب المعتزلة ونظر في كلام المتكلمين، وكان يحيى بن يحيى وابن حبيب وإبراهيم بن حسين بن عاصم يطعنون عليه بذلك أشد الطعن.
стр. 1099
وقد ذكر أن يحيى كان يشهد عليه أشد شهادة، وكان ابن لبابة صاحبه ينكر ذلك عليه، إلا أنه كان يثبت أنه يقول بموت الأرواح، وبذلك كان يقول ابن لبابة.
قال الصدفى: كان نبيلا عاقلا فاضلا طيب الخلق عالما دينا، لم يدخل في مطالبة بقى بن مخلد، واحتج عليهم فيها.
وله أخبار في ورعه وتدينه يطول ذكرها.
* * *
وكان سبب تقديم أبى وهب إلى الشورى، تظافره مع الشيخين يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان على عبد الملك بن حبيب.
وذلك أن ابن حبيب كان يخالفهما كثيرا في الفتيا، فاتفق أن حضروا يوما عند القاضي في مجلس شورى، فأفتى فيها يحيى وسعيد بفتوى، وخالفهما ابن حبيب، وادعى قوله رواية عن أصبغ.
وكان عبد الأعلى قد لقى أصبغ فاستكثر منه، فاجتمع به سعيد بن حسان *، وسأله عن المسألة، وهل يذكر فيها عن أصبغ شيئا، فأخبره عن أصبغ بما وافق فتياه وفتيا يحيى، وخلاف ما ذكر ابن حبيب، واستظهر بالقرطاس الذي سمع فيه من أصبغ.
فاجتمع سعيد ويحيى على أن يسألا القاضي إعادة الشورى، واحضار عبد الأعلى، ففعل ذلك، فأفتى ابن حبيب بمثل فتياه أولا عن أصبغ.
فقال له عبد الأعلى: كذبت. وأخرج كتابه عن أصبغ فأراه القاضي، فعنف ابن حبيب، وقال: إنما تخالف أصحابك بالهوى.
فرفع ابن حبيب بالأمر كتابا إلى الأمير عبد الرحمان، يشكو فيه تحامل يحيى وسعيد عليه، ويغرى بالقاضي، وأنه شاور عبد الأعلى دون إذنك.
стр. 1100
فأنكر الأمير ذلك، وأغلظ للقاضى، ولحقت عبد الأعلى غضاضة، فرفع إلى الأمير كتابا يذكر فيه ولاءه، ويصف رحلته وما عنده من العلم، ويستقيله من وكسه إياه، ويستشهد بالشيخين والقاضي، فاستعطفه بذلك، وأمر بإلحاقه مرتبة الشورى، فتقلدها إلى أن توفى في أيام ابنه محمد.
وحضر بإثر هذا في مجلسهم عند الأمير عبد الرحمان، فسألهم عبد الرحمان عن مسألة، فبدر عب الملك بن حبيب، وقال: سمعت أصبغ بن الفرج يقول فيها كذا.
فقال عبد الأعلى: صدق، سمعت أصبغ يقول مثله، وفعل ذلك أحمد، فعاتبه يحيى وسعيد وغيرهما، وقالا له: رجونا أن تكفيناه فصرت حزبا معه.
فقال لهم بالعجمية: لو أنى بدأت بتكذيبه، استجفاني الأمير، ورأيت ترك ذلك حتى يظهر للأمير منى علم، ثم لن يفوت هذا.
فكان بعد يكذبه ويخالفه.
وكان أحد الأربعة من الفقهاء الذين يدخلون في الشهادات وغيرها على الأمير بقرطبة، هو وابن مطروح، وكان قوالا للحق، ناصحا للأمراء.
سأله الأمير محمد مرة عن مسائل من الورع.
فقال له عبد الأعلى: أدل الأمير على باب من الورع هو أعود عليه من هذا.
قال: وما هو؟
قال: يطلب أهل الربض ويرد عليهم غصوباتهم (٣٠٥) وما أخذلهم، أو قيمته.
فظهر على الأمير إنكار ذلك، وأمره بالقيام.
стр. 1101
قال ابن لبابة: كنت يومًا عند أبى وهب في جنته، بقرب مقبرة قريش، وكان يعتمرها بيده في نفر من الطلبة يسمع عليه، إذ حضر غذاؤه، فقدمه إلينا نأكل معه، إذ استأذن عليهم هاشم بن عبد العزيز الوزير، فأذن له على تكره، ودخل ونحن نأكل خبزا أدمه من بقل الجنة، فجلس، وجعل يداعب الشيخ لظرفه، والشيخ لا ينبسط، ويقول: أبا وهب! أما تدعونا إلى طعامك؟ تخاف أن ننتهبه؟
فقال: أنه ليس من الأطعمة التي توافقك.
قال: وإن لم يكن، فأنا أتبرك به.
ومد هاشم يده إلى لقمة من الحبز، فغمسها في البقل، وجعل يلوكها ولا يسيغها.
فلما فرغنا سأل الشيخ عن مسألة فقه جاء لها، فأجابه، وقام هاشم لينصرف، فتحركت لأقوم معه، فضرب الشيخ على يدى وأجلسنى حتى خرج، ثم قال لي: ما أردت؟
قلت: إكرامه في مجلسك.
فقال: بئس ما صنعت، إن كنت تطلب العلم لله فأعزه يعزك الله، وإن كنت تطلبه للدنيا فكن خادما من خدمة هؤلاء، متصرفا بين أيديهم، فهو أنفق لك عندهم، وأكسد لك عند ربك.
فحافظت بعد ذلك على وصاته.
وتوفى سنة إحدى وستين، في صفر منها، وقيل في ربيع الأول.
محمد بن يوسف بن مطروح بن عبد الملك
ابن أبي السيرا، عبد العزيز بن عبد الله بن مهران بن عدي، ابن بكر بن وائل، من أهل قرطبة، يكنى أبا عبد الله، وكان أعرج، وبذلك يعرف.
стр. 1102
روى بالأندلس عن غاز بن قيس، وعيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى، وغيرهم
ورحل فسمع من سحنون بالقيروان، وأصبغ بمصر، ومطرف بن عبد الله بالمدينة، وسمع منه الموطأ.
وادعى السماع من أبي عبد الرحمان المقرئ بمكة.
وكان رحل مع ابن مزين، وأبى وهب، وعبد الوهاب بن ناصح الجزيرى، وكانوا متوافقين، فذكر ابن مزين وأبو وهب، أنهما وجدا المقرئ قد مات قبل لقائهما بأيام.
وكانت الفتيا دائرة عليه مع أصبغ بن خليل، وعبد الأعلى بن وهب.
ولاه الأمير محمد الصلاة بجامع قرطبة.
قال ابن أبي دليم: كان فقيها حافظا، شوور مع الشيوخ: يحيى، وابن حسان، وابن حبيب.
قال ابن حارث: كان فقيها مبرزا. .
قال ابن عبد البر: كان شيخا جليلا، عالما بالفقه، وكانت فيه صلابة.
أخذ عنه أحمد بن خالد، ومحمد بن عمر، وابن لبابة، ومحمد بن أبي بكر، وابن الزراد، وأحمد بن بيطير، ونظراؤهم.
قال أحمد بن حزم: كان يحلق في الجامع، ويفتى، ويقرأ عليه العلم.
* * *
وكانت في ابن مطروح دعابة معروفة، وفى خلقه زعارة.
ذكر أن خصيا قال له: ما تقول في الكبش الأعرج، أتجوز الضحية به؟
قال: نعم، والخصى مثله وشبهه!
стр. 1103
قال القاضي ﵁: يريد والله أعلم - إن كان عرجا خفيفا لا يمنعه السير.
وقال له رجل: تخرب جهنم؟
فقال: ما أشقاك إن اتكلت على خرابها.
وكان أحد الفقهاء الأربعة الداخلين على الأمير للشهادة في أموره، وكان الأمير محمد يكرمه لسنه ومكانه.
قال ابن عبد البر: وكان صاحب رئاسة الفتيا أيام محمد، مع أصبغ، وعبد الأعلى.
قال غيره: وسأله خصى يومًا عن مسألة فردد عليه فيها شيئًا، فقال لمن حوله: هذا من الذين قال الله فيهم: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٣٠٦).
وكتب جامع بن وهب، من كتاب محمد بن باز، ثم سار إليه ليسمعه منه، وابن مطروح في مرتبة أشياخه، فقال له ابن باز: لو بعثت إلى يا سيدي مضيت إليك.
فقال له: لا، في بيته يؤتى الحكم.
وتوفى يوم عاشوراء، سنة إحدى وسبعين ومائتين.
أصبغ بن خليل
قرطبى، يكنى أبا القاسم، سمع بالأندلس من الغازى بن قيس، ويحيى بن مضر، وعيسى، والأعشى، ويحيى بن يحيى.
ورحل فسمع من أصبغ وسحنون.
حدث عنه أحمد بن خالد، وابن أيمن، ومحمد بن قاسم، وقاسم بن أصبغ.
قال ابن أبي دليم: كان له بصر بالوثائق.
стр. 1104
قال أحمد بن سعيد: هو من أهل العلم والفقه والورع والرياسة، فيما قال لي أحمد بن خالد غير مرة، فطنا بالمسائل والفقه، حسن القريحة والقياس.
وقال ابن لبابة: كان والله من الحفاظ، حسن القياس والتمييز.
قال ابن الفرضى: وكان حافظا للرأى على مذهب مالك وأصحابه، فقيها، منسوبا إلى الصلاح والورع، بصيرا بالشروط، دارت عليه الفتيا خمسين عامًا، وطال عمره.
قال ابن عبد البر: وكان لا يقبل من أحد هدية، وكان مقلا، وكان الأعناقى يثنى عليه، وكان معاديا للآثار، ليس له معرفة بالحديث، شديد التعصب لرأى * مالك وأصحابه، ولابن القاسم من بينهم.
وبلغ به التعصب - فيما قاله ابن الفرضى وغيره - أن افتعل حديثا في رفع اليدين في الصلاة بعد الإحرام، وزعم أنه رواه عن غاز بن قيس. عن سلمة بن وردان. عن ابن شهاب، عن الربيع بن خيثم، عن ابن مسعود قال: صليت وراء رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر سنتين وخمسة أشهر، وخلف عمر عشر سنين، وخلف عثمان اثنتى عشرة سنة، وخلف على بالكوفة خمس سنين، فما رفع واحد منهم يديه إلا في تكبيرة الإحرام وحدها.
فوقع في خطأ بين عظيم، منها أن الإسناد غير متفق، لأن سلمة بن وردان لم يرو عن ابن شهاب، ولا ابن شهاب عن الربيع، ولا رآه، وأعظم منه في المحال ذكره أن ابن مسعود صلى خلف على بالكوفة، وهو لم يدرك أيام على ﵄، توفى باجماع في خلافة عثمان ﵁.
وحدث أيضًا بحديث آخر في إسناد القرآن، عن الغازي، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، عن جبريل، عن الله، فظن أن نافعا شيخ الغازى بن قيس، هو مولى ابن عمر، وإنما هو نافع القارئ.
стр. 1105
قال أحمد بن خالد: إن أصبغ لم يقصد الكذب على رسول الله ﷺ ، وإنما ظهر له أنه يريد تأييد مذهبه.
وهذا كلام من أحمد لا معنى له، وكل من كذب على النبي ﷺ فإنما كذب لتأييد غرض، ولو قال: إنه إنما كذب في السند، وعلى غير النبي، إذ قد روى عن النبي أنه رفع أولا ثم لم يرفع بعد، بما جاء في الحديث عن النبي هنا بمعنى ما أتى به هو، كان أشبه.
لكن الكذب في العلم، أي نوع كان، مبطل لصاحبه، مسقط له بشهادة الزور.
قال قاسم بن أصبغ: سمعت أصبغ بن خليل يقول: لأن يكون في تابوتى رأس خنزير، أحب إلى من أيكون فيه مسند ابن أبي شيبة.
وكان يعادى أهل الأثر، وكان قاسم يدعو عليه ويقول: هو الذي حرمني أن أسمع من بقي بن مخلد، ونهى أبى أن يحملني إليه.
وكان يصحف، ويقول في أسيد بن الحضير، هو ابن الخضير، تصغير "خضر" بالخاء، ويأبى أن يرجع عنه (٣٠٧).
توفى سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وعمره ثمان وثمانون سنة.
وترك ولدا اسمه يحيى: سمع من أبيه ومن طبقته، ورحل فسمع من عبد الله بن أحمد بن حنبل ونظرائه في سنة خمسين وثلاثمائة.
العتبي
قال القاضي أبو الوليد: هو محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة بن جميل بن عتبة بن أبي سفيان بن صخر، قرطبي، يكني أبا عبد الله.
وقيل: هو مولى لآل عتبة بن أبي سفيان، وهو أصح.
стр. 1106
وقيل: هو محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة بن حميد، ابن عتبة بن أبى عتبة بن محمد بن عبد الله، ابن يزيد بن أبى يزيد، مولى عمرو بن عتبة بن أبي سفيان.
وقال ابن لبابة: العتبى ليس يتصل نسبه بعتبة، إنما كان له سمي عتبة، فنسب إليه.
سمع بالأندلس من يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، وغيرهما.
ورحل فسمع من سحنون، وأصبغ.
وكان حافظًا للمسائل، جامعا لها جدا، عالما بالنوازل.
كان ابن لبابة يقول: لم يكن ها هنا أحد يتكلم مع العتبي في الفقه، ولا كان بعده أحد يفهم فهمه إلا من تعلم عنده.
قال ابن عبد البر: كان عظيم القدر عند العامة، معظما في زمانه، روى عنه محمد بن لبابة، وأبو صالح، وسعيد * بن معاذ، والأعناقى وطبقتهم.
قال الصدفى: كان من أهل الخير والجهاد، والمذاهب الحسنة، وكان لا يزول بعد صلاة الصبح من مصلاه إلى طلوع الشمس، ويصلى الضحى، ولا يقدم أحدًا في الأثر على من أتى قبله.
ذكر المستخرجة
قال ابن لبابة: وهو الذي جمع المستخرجة، وكثر فيها من الروايات المطروحة والمسائل الشاذة، وكان يؤتى بالمسألة الغريبة، فإذا أعجبته قال: أدخلوها في المستخرجة.
وقال ابن وضاح: سألت أبا وهب عن مسألة، فذكر لي فيها عن أصبغ رواية، فمررت بالعتبى فسألته عنها فلم يحفظ فيها رواية، فأخبرته بما قال لي عبد الأعلى عن أصبغ، فدعا بالمستخرجة فكتبها فيها، ثم لقيت بعد عبد الأعلى، فقال لي: وهمت في المسألة عن أصبغ، ليس كذلك.
стр. 1107
وقال ابن وضاح: وفى المستخرجة خطأ كثير.
وقال أسلم بن عبد العزيز: قال لي محمد بن عبد الحكم: أتيت بكتب حسنة الخط تدعى المستخرجة، من وضع صاحبكم العتبى، فرأيت جلها كذوبا (٣٠٨)، ومسائل لا أصول لها، ومما قد أسقط وطرح، وشواذ من مسائل المجالس لم يوافق عليها أصحابها، فخشيت أن أموت فتوجد في تركتى، فوهبتها لرجل يقرأ فيها.
وقال أحمد بن خالد: قلت لابن لبابة: أنت تقرأ هذه المستخرجة للناس، وأنت تعلم من باطنها ما تعلم؟
فقال: إنما أقرأها لمن أعرف أنه يعرف خطأها من صوابها.
وكان أحمد ينكر على ابن لبابة قراءتها للناس شديدا.
وذكر أبو محمد بن حزم الظاهرى المستخرجة فقال: لها بأفريقية القدر العالي والطيران الحثيث.
وتوفى العتبى في نصف ربيع الأول، وقيل الآخر سنة خمس، وقيل أربع، وخمسين ومائتين.
إبراهيم بن حسين بن عاصم
تقدم نسبه عند ذكر أبيه، ثقفى، قرطبي، يكنى أبا إسحاق.
سمع من أبيه وغيره.
ورحل فسمع بالمشرق من جماعة.
قال ابن أبي دليم. وكان من أهل الفقه.
وتصرف السلطان في أحكام الشرطة والسوق أيام الأمير محمد، فغلب على أهل الشر، وقتل وصلب كثيرا بلا مشاورة سلطان ولا فقيه، قصد بذلك التشديد على الجماعة، لما كثر من تطاول أهل الشر، وكثر
стр. 1108
عليه من الحكام استطلاع رأيه في الصلب والقطع وشبهه، فولاه السوق، وعهد إليه التحفظ، وأذن له في العقوبات بلا مؤامرة.
فكان إبراهيم إذا جيء بالفاسد المبرح، قال له: اكتب وصيتك.
ودعا بشهود فأشهدهم عليها، فإذا فعل هذا علم أن ذلك مقتول، ثم يأمر بصلبه، ونحوه.
فكان بين يديه من المصلبين عدد.
وأخذ في ذلك بالشدة حتى تجاوز الحد، وجرت له في ذلك قصة ظريفة من قوم جاؤوا بفتى من جيرانهم، يشكون تطاوله، ويريدون زجره.
فقال لشيخ منهم: ما يستحق، عندك؟
فقال على وجه التغليظ: ما يستحق هؤلاء، وأشار إلى المصلبين.
فقال إبراهيم لهم: انصرفوا. وقال للفتى: اكتب وصيتك.
فقال له: اتق الله في، فلم يبلغ ذنبي القتل.
فقال له: بذلك شهد عليك.
وصلبه. فلما بلغ الجيران ذلك، أتوه وقالوا له: لم نشهد عندك بما يوجب قتله.
فقال: ألم تقل يا هذا كذا؟
قالوا: إنما قاله على المثل.
قال: قائمه في رقابكم!
قال أحمد بن سعيد: * كان فاضلا، ممن عنى بالعلم، ورحل فيه.
وفيه يقول موسى بن سعيد:
لا يعذر الناس منه لين جانبه … فلا يبالي بحكم الله من قتلا
стр. 1109
وتوفى في رجب، سنة ست وخمسين ومائتين.
عيسى بن عاصم بن عاصم
ابن عمه، سمع من أسد بن موسى، وموسى بن معاوية، وابن أبي شيبة، وسحنون.
وتوفى بالأندلس سنة ثمان وخمسين؟
وابن عمهما عبد الله بن محمد، يأتي ذكره بعد هذا.
محارب بن قطن بن عبد الرحمان بن قطن الفهري القرشي
من أهل قرطبة، يكنى أبا نوفل.
قال خالد: كان من أهل العناية بالعلم، والحفظ للمسائل والرأى، ومن خيار الناس وفضلائهم.
سمع من سحنون وغيره.
وذكره ابن أبي دليم في هذه الطبقة.
وتوفى سنة ست وخمسين ومائتين.
وذكر ابن الفرضى أنه رأى شهادته في وثيقة تاريخها سنة إحدى وثمانين، والله أعلم.
وترك ابنين: عمر، وأحمد.
ابن عمه مالك بن علي بن عبد الملك بن قطن أبو خالد، ويقال أبو القاسم، يعرف بالقطني، نسب إلى جده.
روى بالأندلس عن حاتم بن سليمان، ويحيى بن يحيى، وزونان.
ورحل فسمع من القعنبي، وأصبغ، وكان زاهدا ورعا محتسبا.
стр. 1110
وكف بصره فوصف له معالجة ذلك بالقدح، فقال: لا والله، لا أفعل، ضمنت لي الجنة على لسان النبي ﵇، فلا أدعها وأطلب ما بعد ذلك.
وروى عنه محمد بن لبابة، ومحمد بن أيمن، ومحمد بن محمد الصدفى، وغيرهم.
ذكره ابن أبي دليم في أئمة المالكية.
قال هو وغيره: وله عبادة وانقباض وكثرة صلاة، واقتدى به أصحاب له في العبادة وكثرة الصلاة.
قال ابن أيمن: لم يكن جيد الضبط في الحديث ولا الفقه.
قال ابن عبد البر: كان متوسط الفقه، فقه بالشيوخ.
وكان ابن لبابة يصفه بالفضل العظيم والزهد، ويقدمه على جميع من رأى في ذلك، وأنه كان لا يرفع بصره إلى السماء حياء من الله، وكان أصحابه يلتزمون ذلك.
وكان له سمت، وعقد الوثائق وكتبها.
وقد تكلم فيه ابن وضاح وغيره، وأكذبه، وكذبوه فيما يرويه.
قال الحميدي: وله مختصر في الفقه على مذهب مالك ﵀.
توفى سنة ثمان وستين.
عبد الرحمان بن إبراهيم بن عيسى
ابن يحيى بن يزيد (٣٠٩)، مولى معاوية بن أبي سفيان، غلبت عليه كنيته أبو زيد، وهو جد بنى أبي زيد بقرطبة، المضاف إليه الدرب
стр. 1111
بمقربة جامع قرطبة وكان يعرف بلسان أهل الأندلس القديم: بابن تارك الفرس.
سمع من يحيى بن يحيى.
ورحل إلى المشرق قديما، فأدرك ابن كنانة، وابن الماجشون، ومطرف بن عبد الله، ونظراءهم من المدنيين، ولقى بمكة أبا عبد الرحمان المقرئ، صاحب ابن عيينة، وبمصر أصبغ بن الفرج.
وروى عنه محمد بن لبابة، وابن حميد، وسعيد بن عثمان الأعناقى، وأبو صالح، ومحمد بن سعيد بن الملون، ومحمد بن فطيس، وأبو صالح وغيرهم.
وله من سؤاله المدنيين ثمانية كتب، تعرف بالثمانية، مشهورة.
وكان عنده حديث كثير، والأغلب عليه الفقه، وكان مقدما في الشورى، وقد شوور في حياة يحيى بن يحيى وهو فتى.
قال أحمد بن حزم: * كان ابن لبابة والأعناقي يصفانه بالعلم والفقه والثقة.
وذكر الحميدى أنه قال في كنيته (أبو يزيد) وأراه تصحيفا، لأن بنيه إلى اليوم يعرفون ببنى أبي زيد، ودربه بقرب الجامع بقرطبة يعرف بدرب أبي زيد.
وتوفى سنة ثمان وخمسين، وقيل في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين ومائتين.
ومن نسله:
محمد بن محمد: يكنى بأبي الوليد، ولى خطة الرد، وكان قليل العلم، توفى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.
وابنه عبد الله بن محمد بن محمد: أبو محمد، شاوره ابن أبي عيسى تنويها ببيته، وكان قليل العلم أيضا، وسمع، وسمع، وله رحلة.
стр. 1112
ومنهم عثمان بن عبد الرحمان بن عبد الحميد بن أبي زيد:
ذكره عبد الله بن عمر بن أبا (٣١٠)، قرطبى، متقدم في الفتيا بها، محلق في جامعها، كان نظير أبي زيد في وقته في القدر والعلم، موصوفا بالفضل.
محمد بن سعيد بن حسان
مولى الحكم بن هشام، من أهل قرطبة، تقدم ذكر أبيه.
سمع من أبيه، ويحيى بن يحيى، وابن حبيب ونظرائهم.
ورحل فشرك أباه في بعض رجاله.
سمع من أشهب، وعبد الله بن نافع الزبيري، وعبد الله بن عبد الحكم.
وقدم الأندلس فكان معدودا في هذه الطبقة، فعاجلته منيته سنة ست وستين، وقيل سنة ستين.
كذا ذكر ابن حارث، وابن عبد البر، وابن الفرضى، أنه توفى سنة ستين، وأنه عاجلته منيته.
قال المؤلف ﵀: ومن يدرك أشهب وصاحبيه ويتعلم منهم، ويكون في سن من يرحل للعلم حينئذ، لا تعاجله منيته في هذه المدة قال بعضهم: ولعله سنة ست ومائتين.
والأصح والله أعلم - أن الوهم في قوله (عاجلته منيته) لا في وقت وفاته، فإن ابنه عبد الله كان من حفاظ المذهب، وقد روى عن المشايخ، وتوفى سنة سبع وثلاثمائة، ولو كانت وفاته سنة ست ومائتين، لكان ابنه معمرا، والله أعلم.
أبان بن عيسى بن دينار
تقدم نسبه، سكن قرطبة، يكنى أبا القاسم.
стр. 1113
سمع من أبيه.
ورحل فلقى سحنون بن سعيد، وعلى بن معبد، وغيرهما.
ورحل فسمع بالمدينة من ابن كنانة، وابن الماجشون، ومطرف روى عنه محمد بن وضاح، وقاسم بن محمد، ومحمد بن لبابة.
قال ابن أبي دليم: وكان فقيها، وغلب عليه الزهد والورع، وشوور بقرطبة مع ابن حبيب، وأصبغ بن خليل، وعبد الأعلى بن وهب.
قال الرازي: ولى قضاء طليطلة، وقد كان امتنع وقال: لا أحسن القضاء.
قال محمد بن حارث: ولى الأمير محمد بن عبد الرحمان أبانا قضاء جيان (٣١١)، فأبى واستعفى، فأمر الأمير أن يوكل به الحرس، حتى يبلغ به جيان، ويكره على الحكم.
ففعلوا ذلك حتى أجلسوه، وحكم بين الناس يوما واحدا، فلما أتى الليل هرب على سقوف البيوت، فسقط واندقت فخذه، وأصبح الناس يقولون: هرب القاضي!
فانتهى الخبر إلى الأمير فقال: هذا رجل صالح، وأمر أن يبسط له الأمان، وأن يخرج.
فلما خرج ولاه الصلاة بقرطبة، وقال: نحن أحق به من غيرنا.
سئل أبان عمن له غرفة أراد أن يفتح لها بابا على مقبرة.
فقال: لا يجوز أن يفتحه على مقبرة المسلمين.
قال أبو عبد الملك: كان الغالب عليه الفقه، وكان كثير العمل، كثير الصيام، قال لي ابن لبابة: لم أنظر قط لوجه أبان ألا وجدت الموت. وكان يصف فضله وزهده وورعه.
стр. 1114
وأثنى عليه أبو صالح وفضله، وقال: رأيته لا يركع يوم الجمعة إذا صلى إلا في بيته.
وسمع منه أبو صالح والأعناقي وابن حميد، ومحمد * بن غالب الصفار، وطبقتهم فمن بعدهم.
وقال أحمد بن حزم: قال الأعناقى: لم أر أحدا ولا سمعت في الدنيا من كانت له هيئة أبان بن عيسى، ما كان منا من ينظر إلى وجه صاحبه، أو يرفع رأسه إليه، فكيف يتكلم.
وتوفى نصف ربيع الأول سنة اثنتين وستين ومائتين.
إخوته:
فمنهم:
عبد الواحد بن عيسى
ذكره الرازى في الاستيعاب، وقال: كان فقيها زاهدا.
وعبد الرحمان بن عيسى
أخوهما. قال ابن عبد البر: سمع بالأندلس من مشايخ أبيه وغيرهم ورحل فسمع من سحنون، وأصبغ ومحمد بن عبد الرحمان البرقى ونظرائهم، وكان حافظا للرأي، معتنيا بالمسائل.
روى عنه ابن لبابة وغيره.
قال ابن أبي دليم: ولقى محمد بن عبد الحكم.
قال قاسم بن محمد: سئل ابن عبد الحكم عن مسألة، فسكت ساعة، فقال له عبد الرحمان بن عيسى: ابن القاسم يقول فيها كذا وكذا.
فقال له ابن عبد الحكم: لو كان الأمر على ما تقول كان مستهلا (٣١٢) إنما يجب علينا أن نتعرف الحق.
стр. 1115
قال الرازي: وحج حجات، وشوور.
قال خالد بن سعيد: كان من أهل العناية بالعلم والحفظ والرأى والمسائل.
توفى سنة سبعين ومائتين.
محمد بن عيسى
أخوهم. قال الرازي: كان زاهدا عالما، وحج، وحضر استفتاح قريطش، فاستوطنها.
محمد بن عبد الرحمان
ابن عمهم. رحل مع ولديه: عبد الواحد، وأرى الآخر عيسى.
وروى عنه ابنه عبد الواحد.
وسيأتي ذكرهما.
عبد الودود بن سليمان
قرطبي، كان صالحا، سمع من أصبغ.
روى العتبى عنه سماعا من أصبغ، وأدخله في المستخرجة، وكان من أهل الحفظ للمسائل، ذكره ابن الفرضى.
وعده ابن أبي دليم في هذه الطبقة.
محمد بن الحارث
ابن أبي سعيد، قرطبى، يكنى أبا عبد الله، تقدم ذكر أبيه.
روى عنه كثيرا، وعن يحيى بن يحيى، وابن حبيب، وحج، فسمع بمصر وبمكة من غير واحد.
ولى لعبد الرحمان بن الحكم أحكام الشرطة الصغرى، التي كانيته بيد أبيه، وأقره الأمير محمد عليها مع حكم السوق إلى أن مات.
стр. 1116
وكان مشاورا في أيامه بقرطبة مع أصبغ بن خليل، وابن مزين، ونمطهم.
وكان أحد الثلاثة الذين طلبوا بقى بن مخلد، إلا أنه كان أجملهم في قضيته.
قال ابن عبد البر: وكان قليل الفقه.
توفى سنة ستين ومائتين.
عبد الرحمان بن سعيد التميمي
المعروف بالجزيرى، من أهل قرطبة، يكنى أبا زيد.
أخذ عن يحيى بن يحيى، وسمع من أصبغ بن الفرج، وأبي زيد بن أبي الغمر، وحرملة، وابن المنذر وغيرهم.
وروى التفسير المنسوب إلى ابن عباس، من رواية الكلبي عن أبي صالح، وسمعه منه جماعة.
قال: وكان يقوم بالرأى قياما حسنا.
قال ابن أبي دليم: عنى بالرأى وحفظ المسائل، وشوور بقرطبة، وكان محمد بن فطيس يصفه بالكرم ويثني عليه.
قال أحمد بن حزم: كان ذا مال عظيم ودنيا يقف على رأسه الوصفاء، يتشبه بالملوك، ملابس لهم، يأتيهم ويأتونه، وكان فقيها عالما بالمسائل.
قال ابن عتاب: وكان من أهل الجدة واليسار.
وغمص بشئ الله أعلم به، وذلك أن محمد بن محمد بن وضاح، جاء إليه فوجد عنده * أشياء منكرة، فأخذ ثيابه وضرب به الأرض، وقام من عنده، فقال أبو زيد: إنما يريد ولد ابن وضاح يضعفني، وقد سمع منى فلان وفلان - أراه ذكر ابن الفراء - فمضى إلى بعض الحكام وأخذ الشرط، وجعل يطلب ابن وضاح، ففضح نفسه.
توفى في شوال سنة خمس وستين ومائتين.
стр. 1117
وطرح الأعناقي وبعضهم حديثه، وترك الرواية عنه.
إسحاق بن جابر
قرطبي، فقيه، من أصحاب يحيى وعيسى، ومن خيار الناس وفضلائهم.
توفى سنة ثلاث وستين.
عبد الجبار بن فتح بن منتصر البلوى
من أهل فحص البلوط، فقيه زاهد، طلب العلم ابن خمس عشرة، فسمع من الأعشى، وابن حبيب، وأبي زيد، وعبد الأعلى، والعتبى، ورحل.
وكان ابن لبابة قد صحبه عند بعضهم، فكان يقول: ما رأيت بقرطبة زاهدا غيره.
وعاجلته المنية، فتوفى ابن أربعين سنة، وذلك سنة ست وخمسين، وقيل ثمان وخمسين.
عبد المجيد بن عفان البلوى
من أصحاب يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، وابن حبيب.
ورحل فسمع من سحنون بن سعيد، وأبي الطاهر بن المسرح، في سنة ثمان وستين ومائتين.
عمر بن موسى الكناني
من كنانة قيس، من أهل البيرة، أبو حفص.
كان فقيه ألبيرة بعد خروج ابن حبيب عنها، وكان سمع منه، ومن يحيى بن يحيى، وابن حسان، وزونان.
стр. 1118
ورحل فسمع من الحارث بمصر، ومن أبي إسحاق البرقى، ومن محمد بن عبد الرحيم البرقى، وبالقيروان من سحنون بن سعيد، وغيرهم.
وهو أحد السبعة الذين كانوا في وقت واحد بألبيرة من رواة سحنون، وهم هؤلاء الذين يأتى ذكرهم على نسق.
وكان يحيى بن عمر يثنى عليه، ويصفه بالعلم والجلالة، حدث عنه حفص بن عمر بن نجيح وغيره.
توفى سنة سبع وخمسين ومائتين فيما قاله ابن الفرضى. وقال أبو سعيد بن يونس سنة أربع وخمسين.
سليمان بن نصر بن منصور بن حامل المرى
مرة غطفان، من أهل ألبيرة، كنيته أبو أيوب.
روى عن يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، وعبد الملك بن حبيب، ونظرائهم.
ورحل فسمع من أبي مصعب، ومحمد بن عبد الملك، وسحنون، وحج حجات.
حدث عنه حفص بن عمر بن نجيح وغيره.
توفى سنة ستين ومائتين.
إبراهيم بن شعيب الباهلي
ألبيرى أيضا، كنيته أبو إسحاق.
روى عن يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، وعبد الملك بن حبيب.
قال ابن حارث: كان فقيها حافظا، وحدث.
توفى سنة خمس وستين.
стр. 1119
إبراهيم بن خالد الفهري (٣١٣)
أبو إسحاق، سمع من يحيى، وسعيد، وابن حبيب، ورحل فسمع من سحنون، وأبي الطاهر، وأبي المصعب، وغيرهم.
توفى سنة ثمان وستين.
إبراهيم بن خلاد اللخمي
ألبيرى، يروى عن ابن حبيب وسحنون.
توفي سنة سبعين ومائتين.
سعيد بن النمر
ويقال: نمر بن سليمان بن الحسن الغافقي، من أهل البيرة، يكنى أبا عثمان.
سمع من يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، وعبد الملك بن حبيب، وزونان.
ورحل فسمع من سحنون، وبمصر من ابن عبد الحكم، وأبي الطاهر، والحارث بن مسكين.
حدث عنه أحمد بن يحيى بن الشامة، وابن فحلون، وحفص بن عمر وغيرهم.
قال ابن أبي دليم: كان ذا فقه وورع، وهو * أجل هذه الطبقة وأشهرها، وله مسائل جمعت عنه، قد أدخل منها شيخنا القاضي أبو الوليد في كتاب البيان طرفا.
قال علي بن الحسن: كان ابن النمر من علية أصحاب سحنون في الفضل والعلم.
وقال غيره: هو من أجل رواة عبد الملك.
стр. 1120
توفي سنة تسع وستين، وقيل سنة ثلاث وسبعين.
محمد بن عبد الله بن قنون
البيرى، رحل فسمع من أبي المصعب، وسحنون.
توفى سنة إحدى، وقيل خمس، وستين.
وهذا الثامن من رواة سحنون من أهل البيرة ممن لم يذكره من تقدم.
أحمد بن سليمان بن أبي الربيع
البيرى، أحد السبعة من الرواة عن سحنون بألبيرة.
روى عن يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، والحارث بن مسكين، وسحنون.
قال ابن الفرضى: وكان فقيهًا.
قال ابن حارث: كان فقيهًا حافظا.
وتوفى بحاضرة البيرة، سنة سبع وثمانين، وتأخرت وفاته عن أصحابه.
فضل بن فضل بن عميرة بن راشد العتقى
تدميرى، تقدم ذكر أبيه، وكنيته كنية أبيه أيضا: أبو العافية
وكان أبوه مات وتركه حملا، فسمى باسمه وكني بكنيته.
وولى القضاء ببلده.
سمع من يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، وعبد الملك بن حبيب وتوفى سنة خمس وستين ومائتين.
محمد بن زياد الشذوني
رحل فسمع من أصبغ وغيره، وكان عابدا خاشعا.
стр. 1121
ووصفه عبد الله بن أبي الوليد بالعلم، والفضل، وقال: كان من الخاشعين
سليمان بن حجاج الشذوني
قال خالد: كان من أهل التقدم في العلم والورع، نظيرا لمحمد بن زياد.
عبد الوهاب بن عباس
ابن ناصح الثقفي، مولاهم.
ويقال: أصله بربرى من تفزة.
ويقال: ناصح بن يلتيت المصمودي، جزيري، من الجزيرة الخضراء، وبيته بيت ذلك البلد في العلم والرياسة.
رحل مع ابن مزين وابن مطروح مترافقين، فسمع من سحنون وأصبغ، وشارك ابن مزين وابن مطروح في رجالهما، وكان شاعرا.
ولى قضاء بلده وقضاء شذونة.
وابوه عباس بن ناصح: الشاعر المشهور، كنيته أبو العلاء.
رحل بعباس أبوه صغيرا، فنشأ بمصر، وتردد بالحجاز طالبا للسان العرب، ثم دخل العراق فلقى الأصمعي وغيره.
ورحل ثانية فلقى الحسن بن هاني، فاستنشده، فيقال: أن الحسن قضى له على نفسه بالفضل، حكى ذلك ابن الفرضي.
ورجع إلى الأندلس ومدح ملوكها.
وكان شاعرا مصقعا، وشعره مؤلف معروف مشروح.
قال ابن الفرضى: وكان عباس من أهل العلم باللغة والعربية، له الفقه والرواية لم يشهر عليه، لغلبة الشعر عليه، وكان يسلك في من أشعاره مسالك العرب القديمة.
стр. 1122
واستقضاه الحكم بن هشام على شذونة والجزيرة.
وولى القضاء بعده ابنه عبد الوهاب هذا.
ثم بعده ابنه محمد بن عبد الوهاب، وكان فقيهًا شاعرا.
فهم ثلاثة قضاة على نسق، أدباء شعراء علماء.
ورابعهم عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن عباس: فقيه حافظ للرأى والمسائل، متصرف في اللغة والإعراب.
توفى سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
والنباهة والعلم باقيان في بيتهم إلى وقتنا هذا بالجزيرة.
وأدركنا منهم أبا عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، كان من فقهائها المشاورين بها، وتوفى بها.
سعيد بن موسى الطائي
من أهل الجزيرة الخضراء.
من أهل العناية بالعلم والجمع * للكتب.
ورحل فلقى أصبغ بن الفرج، وحرملة بن يحيى وغيرهما.
وكان فقيه موضعه، مقصودا للسماع فيه.
محبوب بن قطن بن عبد الله
ابن القطن البكري، جياني.
روى بالأندلس، ورحل فسمع من عبد الله بن صالح، كاتب الليث بن سعد وغيره.
وكان بجيان ذا رياسة عظيمة في الفقه، نحوا من أربعين سنة، حدث عنه سعد بن معاذ.
وكان يلبس الوشى، ويخضب قدميه بالحناء.
стр. 1123
عبد القادر بن أبي شيبة
واسمه يونس الكلاعي، مولى لهم، ويقال: الخولاني أبو على، من أهل أشبيلية.
سمع من يحيى بن يحيى وابن حسان، وغيرهم، وكان صدرا في الفقهاء ببلده.
توفى في نحو السبعين.
أسد بن حارث
إشبيلي، مولى لخولان.
رحل، ولقى أصبغ، وابن بكير، وكان ذا زهد وفضل.
قال ابن حارث: كان له حظ من الفتيا.
داود بن عبد الله القيسي
أشبيلي، لقى ابن بكير، وسمع منه الموطأ، وكثيرا من علم مالك والليث.
وكان من أهل العلم العلم، مرشحا لقضاء الجماعة بقرطبة.
وتوفى في نحو السبعين.
إسحاق بن عبد ربه
باجي، سمع يحيى بن يحيى، وسحنون بن سعيد، وامتحن بالبرص، فاحتجب، وكان مشهورا بالعلم والفضل، وولى صلاة موضعه.
يحيى بن حجاج
من أهل طليطلة.
سمع من يحيى، وعيسى، وسعيد بن حسان.
ورحل فسمع من سحنون وعون وغيرهما من القرويين.
стр. 1124
قال ابن أبي دليم: وكان من أهل العلم.
استشهد في المعترك سنة ثلاث وستين ومائتين.
وكان فاضلا، ذكر أنه كان عنده طعام في بعض سنى الشدائد، وكان ذا عيال، فلما رأى في نفسه عدم الرأفة بحال غيره، تصدق بجميعه.
فعوتب في ذلك، فقال: الآن حمدت نفسى فيما نظرت لي ولمن معي، وأمنت أن تعم العباد رحمة ربى ويخصنا سخطه بما كنا فيه.
وكان من المجتهدين.
وكان لا يدخل بيتا فيه كلب ولا صورة.
يحيى بن القصير
طليطلى، صاحب ابن حجاج هذا، ومشاركه في أسمعته.
قال ابن حارث: وكان نظيره في فضله وعلمه واجتهاده.
وكان مواظبا على الجهاد، ولما استشهد صاحبه وسلم هو، كان يغمص نفسه لذلك ويوبخها، إلى أن خرج الناس للغزاة سنة أربع وستين، فلما اجتمع الجمعان أحكم أمره، وسلم متاعه إلى رفقائه، وودعهم، وتقدم للحرب طالبا للشهادة، فرزقها، بعد أن أبلى في العدو بلاء ظاهرا.
سعيد بن عياض
أبو عثمان، طليطلى، سمع من سحنون، ومن يحيى بن يزيد، وعليه عول، وكان من أهل المسائل والفتيا والفقه.
زكرياء بن قطام
من أهل طليطلة، كنيته أبو يحيى.
رحل ولقى سحنون بن سعيد وغيره.
قال ابن الفرضى. وكان من أهل الرواية.
стр. 1125
قال ابن أبي دليم: كان من أهل الفقه والفتيا، ولى قضاء طليطلة وصلاتها، ومات قاضيا بها.
قال ابن حارث: قتله أهل طليطلة.
حزم بن غالب الرعيني
طليطلى، سمع من عيسى، ويحيى.
ورحل إلى المشرق فلقى سحنون بن سعيد وغيره.
وكان مفتي بلده، وصاحب صلاته وخطبته، وأحكام قضائه.
أحمد بن الوليد بن عبد الخالق
ابن عبد الجبار بن قيس بن عبد الله بن عبد الرحمان بن قتيبة بن مسلم الباهلي، طليطلى، من أصحاب يحيى بن يحيى، وعيسى بن دينار، ونظرائهم.
ورحل فلقى سحنون.
وولى قضاء طليطلة وجيان، وبيته بيت جلالة.
هو قاض، ابن قاض، ابن قاض، ابن قاض، ولى جميعهم* قضاء طليطلة، الأربعة على نسق، ذكره ابن حارث.
عبد الجبار بن محمد بن عمران
من أهل طليطلة، سمع من سحنون ونظرائه.
قال ابن حارث: وكان من أهل الرواية الكثيرة والفتيا والعلم والورع والعبادة.
محمد بن عبد الواحد
من أهل طليطلة، يكنى أبا محمد.
رحل فسمع من سحنون.