← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

نيّفًا وستين سنة أحد من علمائها، يأخذ عنه أهل المشرق والمغرب ويضربون إليه أكباد الإبل غيره. وأما رواية: "عالم المدينة" أو "أهل [¬١] المدينة" فقد ذكر محمد بن إسحاق المخزومي أبو المغيرة أن تأويل ذلك: ما دام المسلمون يطلبون العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة [¬٢]، كان بها أو بغيرها؛ فيكون على هذا سعيد بن المسيّب، لأنه النهاية في وقته، ثم بعده غيره ممن هو مثلُه من شيوخ مالك، ثم بعدهم مالك، ثم بعده مَن قام بعامه وصار أعلم أصحابه بمذهبه، ثم هكذا، ما دام للعلم طالِبٌ، ولمذهب أهل المدينة إمام. ويجوز على هذا أن يقال: هو ابن شهاب في وقته وفنه، والعُمَريّ في وقته وفنّهِ، ومالك في وقته وفنه،، ثم إذا اجتمعت اللفظتان اختصَّ مالك بقوله: "من عالم بالمدينة"، ودخل [¬٣] في جملة علماء المدينة باللفظة الأخرى [¬٤]. وقال بعض المالكية: إذا اعتبرت كثرة من رَوَي عن مالك من العلماء ممن تقدمه أو عاصره أو تأخر عنه، على (*) اختلاف طبقاتهم وأقطارهم وكثرة الرّحلة إليه، والاعتماد في وقته عليه، دَلّ بغير مرية أنه المراد بالحديث؛ إذ لم نجد [¬٥] لغيره من علماء المدينة، ممن تقدمه [¬٦] أو جاء بعده، من الرُّواة والآخذين [¬٧] إلا [¬٨] بعض من [¬٩] وجدنا له. وقد جمع الرواة عنه غير واحد، وبلغ بهم [¬١٠] بعضهم في تسمية من

стр. 107

علم بالرواية عنه سوى من لم يُعلم ألفَ راو، واجتمع لي [¬١] من مجموعهم زائدٌ [¬٢] على ألف وثلاثمائة [¬٣] راو [¬٤]، وتدل [¬٥] كثرة قصدهم له على [¬٦] كونه أعلم أهل وقته؛ الحال [¬٧] والصفة التي أنذر بها ﵇؛ وكذلك لم يسترب السلف أنه هو المراد بالحديث [¬٨]. وعد هذا الحديث من معجزاته وآياته ﵇، مما أخبر به من الكائنات فوقعت [¬٩] كما أخبر به - عليه الصلاة و [¬١٠] السلام. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ما معناه: أنه لا ينازعنا في هذا الحديث أحَدٌ من أرباب المذاهب؛ إذ ليس منهم من له إمامٌ من أهل المدينة فيقول: المراد به إمامي [¬١١]، ونحن ندَّعي أنه صاحبنا بشهادة السلف له، وبأنه إذا أطلق بين أهل العلم: "قال عالم المدينة، وإمام دار الهجرة" فالمراد به مالك عندهم، دون غيره من علمائها، كما إذا قيل: الكوفي، فالمراد به أبو حنيفة دون سائر فقهاء الكوفة. قال القاضي أبو الفضل، ﵁: فوجه احتجاجنا بهذا الحديث بأنه [¬١٢] مالك من ثلاثة أوجه: أحدها [¬١٣]: تقليد السلف بأن [¬١٤] المراد بالحديث [¬١٥] هو، حسبما نقلناه عنهم، وما كانوا ليقولوا ذلك إلّا عن تحقيق، ولا لِيُذيعوه [¬١٦] بهوىَ وهُم المُبَرَّءُون [¬١٧] من

стр. 108

ذلك، مع تنافس الأقران وما جُبِلَت [¬١] القلوب من قلَّة [¬٢] الإنصاف للأَمثال، فكيف بضِدّ [¬٣] هذا. الوجه الثاني: أُنك إذا اعتبرتَ ما أوردناه ونورده [¬٤] من شهادة السّلف الصّالح بأنه أعلَم مَن على ظهر الأرض، وأعلَم من بَقى [¬٥]، وأعلَم الناس، وإمام الناس، وعالِم [¬٦] المدينة، وإمام دار الهجرة، وأمير المؤمنين في الحديث، وأعلَم علماء المدينة؛ وتعويلهم عليه، واقتدائهم [¬٧] به، وإجماعِهم على تقديمه [¬٨]، وطالعتَ مثلَ ذلك فيما نُورده من أخباره، ظهَر وبان أنه المرادُ بالحديث؛ إذ لَم تحصُل [¬٩] هذه الأوصاف لغيره، ولا اطبقوا [¬١٠] علَى هذه الشهادة لِسوَاهُ. الوجه الثالث: هو [¬١١] ما نبَّه عليه بعضُ الشيوخ من أَن طلبة العِلم لم يَضْربوا أَكباد الإبل من شرق الأرض وغربها إلى عالِم، ولا رَحلوا إليه من الآفاق رحلتَهم إلى مالك، لما اعتَقدوا [¬١٢] فيه من تقديمه على سائر علماء وقته، ولو اعتقدوا ذلك في غيره لمالوا إليه [¬١٣]. فالناس أكَيسُ مِن أن يمَدحوا [¬١٤] رَجُلًا … من غير أن يَجِدُوا آثار إحسانِ [¬١٥] الترجيح الثاني في هذا الفصل، من طريق النَّقل.

стр. 109

والمعتَمد فيه [¬١] مجَرّد [¬٢] تقليد السَّلَف وأَئمة المسْلمين وعُلمائهم في المسألة، بالاعتراف [¬٣] لمالك رحمه بأنه أَعلَم [¬٤] وقته وإمامه، وأعلَم الناس [¬٥]، وأعلَم علماء المدينة، وأشباه هذا من شهادتهم [¬٦] له بذلك، واعترافهم به، وتقليدهم إياه، واقتدائهم به، على رسوخ كثير [¬٧] منهم في العلم، وترجيحهم مذهبه على مذهب غيره، مما [¬٨] سنورده في بابي [¬٩] ثنائهم عليه، واقتدائهم [¬١٠] به بعد هذا عند ذكرنا * شمائله ومناقبه، وهما بابان مُتَّسِعَان. وسنورد هنا لمعًا من ذلك توميء إلى ما وراءها [¬١١] إن شاء الله تعالى. من ذلك: قال ابن [¬١٢] هرْمُز. (١) شيخُه [¬١٣] فيه: إنه عالم الناس. وقال سفيان بن عُيَيْنَة (٢) لما بلغه [¬١٤] وفاته: ما ترك على الأرض مثله، وقال: مالكٌ إمامٌ، ومالِكٌ عَالِمُ أَهلِ الحجاز، ومالِكٌ حجّةٌ في زمانه ومالِكٌ سراج الأمة، وما نحن ومالك؟ إنما كنا [¬١٥] نتبع آثار مالك. وقال الشافعي: مالك أستاذي، وعنه [¬١٦] أخذت [¬١٧] العلم، وما أَحَدٌ أَمَنَّ [¬١٨] عليَّ

стр. 110

من مالك، وجعلت مالكًا [¬١] حجة بيني وبين الله، وإذا ذكر العلماء فمالكٌ النجم الثاقب [¬٢]، ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم، لحفظه وإتقانه وصيانته؛ وقال: العلم يدور على ثلاثة: مالك، والليث، وسفيان بن عيينة. وحكى عن الأوزاعي أنه كان إذا ذكره قال: عالم العلماء [¬٣]، وعالم أَهل المدينة، ومفتي الحرمين. وقال بَقِية بن الوليد (١): ما بقى على وجه الأرض أَعلَم بسنة ماضية ولا باقية منك [¬٤] يا مالك. وقال أبو يوسف (٢): ما رأيت أعلم من ثلاثة، فذكر مالكًا وأبا حنيفة [¬٥] وابن أبي لَيْلى [¬٦]. وقال ابن مَهدي، (٣) وسئل عن مالك وأبي حنيفة: مالكٌ أَعلَم مِن أستاذ أبي [¬٧] حنيفة. وقدَّمه ابن حنبل على الأَوزاعي، والثَّوْري، واللَّيث، وحمّاد، (٤) والحكَم في العِلم، وقال: هو إمامٌ في الحديث والفِقه، وسئل عمن عمن يُريد أن يكتبَ الحديث وينظُرَ في الفِقه، حديث مَن يَكْتب؟ وفِي رأْي مَن ينظر؟ فقال: حديث مالك، ورأي [¬٨] مالك (٥).

стр. 111

وقال يحيى بن سعيد القَطّان: (١) مالكٌ إمام يُقتدَى به. وقال ابن مَعين: (٢) مالِكٌ مِن حُجَج [¬١] الله على خَلْقه، إمامٌ من أئمة المسلمين، مُجمَعٌ على فضله. وقال أيوب بن سُويد: (٣) مالكٌ إمام دارِ الهجرة. وقال له [¬٢] أَبو جَعْفر المنصور (٤): إنه أعلَم أهل الأرض [¬٣]. وقال سعيد بن الحدَّاد: كان مالكٌ من الرَّاسخين في الإسلام، أرسَخ [¬٤] في العلم من الجبال الرَّاسيات. وقال حُميد بن الأَسود: (٥) كان إمامُ النّاس عِندنا [¬٥] بعدَ عُمر، زيدَ [¬٦] بنَ ثابت، وبعدَه عبدُ الله بن عُمر. قال عليُّ بن المدِيني [¬٧]: (٦) وأخَذ عن زيدٍ ممَّن كان يتّبع رأيَه أَحَدٌ وعِشرون رجلا؛ ثم صار عِلم هاؤلاء إلى ثلاثة: ابن شِهاب (٧) وبُكير بن عبد الله، (٨) وأبي الزِّناد؛ (٩) وصار علمُ هاؤلاء كلهم إلى مالك بن أنَس. وقال أسّد بن الفُرات: (١٠) إن أردتَ الله والدار الآخرة فعليك بمالك بن [¬٨]

стр. 112

أَنَس. وقال [¬١] حمَّاد بن زيد: دخلتُ المدينة ومُناديًا [¬٢] ينادي: لا يفتى الناسَ في مسجد رسول الله ﷺ ، ولا يحدث [¬٣] إلا مالكُ بنُ أنسَ. وقد استوعبنَا [¬٤] هذه الشهادات [¬٥] والاعتراف بعد هذا وقد اعترف له بالعلم والإمامَة [¬٦] يحيى بن سعيد شيْخُه، والأوزاعي، واللّيث، وابن المبارَك، (١) وجماعة من هذا النّمط [¬٧]، ومن بعدهم كالبُخاريّ، ومُحمد بن عبد الحَكَم [¬٨]، (٢) وأبي زُرعة [¬٩] الرازي، (٣) ومن لا يعَدّ [¬١٠] كَثرة. وكذلك ذكرنَا في الباب الآخَر اقتداء السلف وأهل عصره [¬١١] من العلماء وسائر الناس به [¬١٢]، ونحنُ نذكر هنا شيئًا من ذلك. قال سعيد بن منصور (٤): رأيت مالكًا [¬١٣] يَطوف وخلفه سفيانُ الثَّوْري، كُلَّما فعَل مالك شيئًا [¬١٤] فعَلَه، يَقْتَدِي به [¬١٥].

стр. 113

قال ابن أبي أويس [¬١]: (١) كان الناسُ كُلُّهم يُصْدِرون عن رأي مالك، وكان للأمير عنده رَجل يسأله، وكذلك للقاضى [¬٢] والمحتَسِب. وسأَل رجلٌ ابنَ عُيينَة عن الضَّحِية باللَّيل، فقَال له سفيان: لا بأس بذلك. فقال له ابنُ وهْب: فإن مالكًا [¬٣] قال: لا يُضَحَّى بَلَيْل [¬٤]، وقرأ [¬٥]: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٢)، فَنَادَى سُفيان بالرَّجل وقال: إنَّ هَذَا أَخبرني عن مالكٍ أنه قالَ [¬٦]: لَا يُضحِّي بلَيْل. وقال حُميد [٧¬] [بن الأَسْوَد: ما تقلَّد] [¬٨] أهلُ المدينة بعد زيد بن ثابت كما تقلدوا * قول مالك. وقال عتيق بن يعقوب: ما أَجمع [¬٩] أحد بالمدينة [¬١٠] بعدَ موت النَّبي، ﷺ [١١¬]، إلَّا علَى أبي بكر وعمر، ومات مالكٌ ومَا نعلَم أحدًا من أهل المدينة إلّا أَجمع علَيه؛ وسَتُطالع [١٢¬] بعدَ هذَا في [¬١٣] هذا الباب بقية مَا يشابه ما ذكرنا [¬١٤] إن شاء الله [¬١٥]. الفصل الثاني في ترجيحه من طريق الاعتبار والنظر، وفيه [¬١٦] ثلاثة [¬١٧] اعتبارات؛

стр. 114

الاعتبار [¬١] الأول: أَنْ نُبَيِّنَ [¬٢] جمعَ مالك لدرجات الاجتهاد في الدين، وحوزَه خصال الكمال في العلم، وبلوغَه في ذلك كله المنزلةَ [¬٣] التي لم يبلغها أحد [¬٤] من هاؤلاء المقلَّدين، قاصدًا بذلك مَقَصدَ الحقّ، غير راكنٍ إلى التعصُّب، بائحًا بالصِّدْق [¬٥]، ومُقتصِدًا [¬٦] فيما أَذكره من ذلك، غيرَ مُستيح عِرَض أحَدٍ مِن الأئمة وقادَة الخلق [¬٧]؛ وههنا معارك النزاع والاعتلاج، ومثار العِناد واللَّجاج. فأقول والله المستعان: لا خَفاء على مُنصِف بمنصب [¬٨] مالك من الإمامة في علوم الشّريعة وعلم الكتاب والسُّنة، وأَنه إمام المسلمين وأعلَمُهم في وقته بسنَّةٍ ماضيةٍ وباقية، وأميرُ المؤمنين في الحديث، ثم العلم بالاختلاف والاتّفاق؛ وهذا كله مما لا [¬٩] يُنكِره مخالفٌ ولا مُؤالف [¬١٠]، إلا من طبع على قلبه التعصب [¬١١]، وأنه القوة في السُّنن، وهو أول [¬١٢] من ألَّف فأجاد [¬١٣] التأليف، ورتَّب الكتبَ [¬١٤] والأبواب، وضَمَّ الأشكال، وصنَع من ذلك ما اتَّخَذَه [¬١٥] المؤلِّفون بعدَهُ قدوة وإمَامًا إلى وقتنَا هذَا في أقطار الأرض؛ هذا مع صُعوبة الابتداء، وخَيرة الاختراع، وهو أولُ من تكلَّم في غريب الحَديث، وشرَح في موطئِه

стр. 115

الكثيرَ منه، وقد قال الأَصمعى: (١) أخبرني مالك مالك أَن الاستجمار هو [¬١] الاستطابة، ولم أسمعه إلا من مالك. ولَه في تفسير القرآن كَلامٌ كثير وَقَد جُمِع [¬٢]، وتفسير يرويه [¬٣] عنه بعض أصحابه؛ وقد جمع أبو محمد [¬٤] مكّى (٢) مصنَّفًا فيما رُوى عنه من التفسير والكلام في معاني القرآن وأحكامه مع تجويده له، وإحسانه ضبطَ حروفه، وقد ذكره أبو عَمرو المقري المقريء [¬٥] (٣) في كتابه في طبقات القراء المتصدّرين، وذكر روايتَه [¬٦] عن نافع (٤). قال البهلول بن راشد (٥) وغيرُه: ما رأيتُ أَنَزع بآية من كتاب الله [¬٧] من مالك بن أنس، مع معرفته بالصحيح والسَّقيم، والمعْمول به من الحديث والمتروك، وميزه للرجال [¬٨]، وصحّة حفظه وكثرة نقده، إلى ما يؤثر عنه من الكلام في غير ذلك من العلوم؛ كرسالته إلى ابن [¬٩] وهْب (٦) في الرّد على أهل القدَر، وكقولِهِ: جالَسْتُ ابْنَ هُمْرمُز ثلاثَ عَشرةَ سنة، ويُروَى [¬١٠] ستّ [¬١١] عشرة سنة في علمٍ لَم أبثه لأحَدَ من الناس (٧).

стр. 116

قال: وكان من أَعلَم [¬١] الناس بالرّد على أَهل الأهواء، وبما اختلَف [¬٢] فيه الناس. وقال المهدي: (١) أخبَرني بعض نُقّاد المعَتزِلة من القَرَويين قال: أتيتُ مالك بنَ أنس، فسألته عن مسألةٍ من [¬٣] القَدَر بحضرة النّاس، فأومأ إليّ أن اسكُت، فلَمّا خَلا المجلِس قال لي: سل الآن، وكَسِره أن يُجيبنى بحَضرة النّاس، قال: فزَعم المعتزلى أنه لم تبق له مسألةٌ من مسائلهم إلا سأله عنها، وأجابَه فيها، وأقام الحجّة على بطالة مَذهبهم، حتى نفَذ ما عند المعَتِزليّ وقام عَنه [¬٤]. وتأليفُه في الأوقات والنُّجوم [¬٥]، وإشَاراتُه إلى مآخِذ الفِقه وأُصولِه التي اتَّخَذها أهلُ الأُصول من أَصحابِه معالم اهتدَوا بها، وقواعدَ بنَوا عليها. وغيره ممّن ذكَرنا لمَ يَجْمَع هذا الجمْع، ولَا وصل هذا الحدَّ مع استقْلَالهم [¬٦] بالفقه*، ووَصفِهم بالعِلْم، ولكن فوقَ كُلِّ ذِي عِلْم عليم، مع الثّقة التامّة، والتقوَى، وشِدة التَّحَرِّى في الحديث والفتيا [¬٧]. وبهذا الوجه احتَجّ الشافعيُّ على محمد بن الحسن (٢) في ترجيح عِلم مالك على عِلم أبي حَنيفة، حين تَناظرا في ذلك، فقال له الشافعي: (٣) الإنصاف تَريدُ أم المكابرة؟ قال: الإنصاف.

стр. 117

قال الشّافعيّ: ناشدتُك [¬١] الله [مَن أعلم بكتاب الله وناسخه ومَنسُوخِه؟ قال محمد بن الحسن: اللهم صاحبكم. قال الشّافِعي] [¬٢]: ناشدتُك الله [¬٣]! فمَن أعلم بُسنّة رسول الله ﷺ ؟ [¬٤] قال له: اللّهم صاحبكم. قال الشافعي: [فَمَن أعلم بأقوال أصْحَاب رسول الله ﷺ ؟ قال: اللّهُمّ صاحِبكم. قال الشافعي] [¬٥]: فلم يبقَ إلا القياس. قال محمد: صاحِبنا أَقْيَس. قال الشافعي: القياس لا يكون إلا بهذه الأشياء، فعلى أَيّ شيء تَقيس؟ ثم قال الشافعيّ [¬٦]: ونحنُ ندّعى لصاحبنا ما لَا تدَّعونه لِصاحِبكم. وفي رواية: وصاحِبُنا لَمْ يَذهَب عليه القِياس، ولكن كان يتَوَقَّى ويَتحَرَّى، ويريد [¬٧] التأسيّ بمن تقَدَّمه. فرحِم الله الشافعيّ ومحمدَ بنَ الحسن، فلقد أنصَفا، والذي قالَه الشافِعيّ هو حَقُّ اليقين؛ فإن الاجتهادَ والقياس [¬٨] والاستنباطَ إنما يكُون علَى الأصول؛ فمَن كان أعلَم بالأصول [¬٩] كان استنباطُه أَصَحّ، وقياسُه أحَقّ، وإلّا فمَتَى

стр. 118

اختَلّت معرفتُه بالأصُول [¬١]، قاسَ على اغْتِرار، وبنَى على شَفَا جُرُفٍ هَار. وقد احتجّ بهذه الحكاية الإمام أبو إسحاق [¬٢] الشيرازي على الخُراسانيّين في اقتصارهِم في النّظَر على المسائل القياسيات [¬٣] المسماة عِندهم بالطُّبولِيات [¬٤]، لتنتيج الكلام فيها، ومَدّ أَنفاس الجِدال بينَ أهلِها. وإذا كان باتّفاق ما قاله الشافعي، وهو قول جماهير العلماء: إن الاجتهاد [¬٥] لا يصح، ولا القياس [¬٦]، إلا لمن جمَع آلاتِه [¬٧]، من علم الكتاب والسنة، وأحكم [¬٨] ذلك على ما يجب، ثم جمَع إلى ذلك من آلآت الاجتهاد، وفهم الألفاظ والمعاني وتصريفها ما لا غِنَى له [¬٩] عنه، ثم عرف مواضَع الإجماع والاتفاق، ومسائل الخلاف والنِّزَاع؛ فمتى اختَلَّ على العالمِ شيءٌ من ذلك. كان حَطًّا من [¬١٠] إمامته، ونقصًا من كماله، ولم يَصحَّ [¬١١] له الاجتهاد، ولا ساغ [¬١٢] له النّظَر في الدّين [¬١٣]، إلا باجتماع ذَلك، ومتَى أَخلّ بهذه [¬١٤] القواعِد فلا يحِلّ له الاجتهاد في الدّين ولا الفتوى بين المسلمين، ولا القياس على ما لم يَبلَغه. وقد تقرر استقلال مالك بهذه الأصول، على ألسنة [¬١٥] المؤالف والمخالف [¬١٦]، ولا يُلتَفَت إلى متعصب نعق آخر الزمان بما أراد به الغض منه في الاجتهاد،

стр. 119

وما غَضّ إلا من نفسه، مع تصريحه [¬١] عنه بأنه أعلم علماء [¬٢] المدينة، وأَمير المؤمنين في الحديث. هذا وإمامه الشافعي يُكِذّب [¬٣] هجر قولِه، والسَّلَفُ الصّالِحُ [¬٤] وأئمّةُ الهُدَى وأعلامُ العلماء ممّن ذكرنا، ومِمَّن سنذكره - إن شاء الله تعالى [¬٥]- يخالفه، ويشهد بتهافته فيما قال وجهله. ثم نَظَرْنَا إلى الأئمة المقلَّدين في عصره [¬٦]، فلم نَجد واحدًا منهم جمع من ذلك ما جمع، ولا اضْطَلَع بهذه الأصول [¬٧] كما اضْطَلَع. أما أَبو [¬٨] حنيفة والشافعي فيُسلَّم لهما حسن الاعتبار، وتدقيقُ النظر والقياس وجودة الفقه والإمامة فيه، لكن ليس لهما إمامة في الحديث ولا معرفة به ولا استقلال بعلمه، ولَا يدَّعيانه [¬٩] ولا يُدَّعى لهما، وقد ضعفهما فيه أهل الصنعة، وهذا (١) أهل الصحيح لم يُخرجا عنهما منه حرفًا، ولا لهما في أكثر المصنَّفات ذكر، وإن كان الشافعي متّبعا للحديث [¬١٠] ومفتشًا عن السنن [¬١١]، لكن بتقليد غيره، والاحتمال على رأَي سواه، والاعتراف بالعجز عن معرفته؛ فقد كان يقول لابن (*) مَهديّ وابن حنبل: أنتما أعلم بالحديث منى [¬١٢]، فما صح عندكما منه تُعّرفاني به لآخذ به؛ وهذه درجةٌ تَقصُر عن [¬١٣] درجة الاجتهاد العلية،

стр. 120

وأين يجد [¬١] المجتهد في كل حين إمامًا [¬٢] في الحديث، إذا لم يَتبحَّر فيه، أو في علم [¬٣] القرآن إذا لم يستقل به، يسأل هل لنازلته التي ينظر فيها أصلٌ فيهما [¬٤] أم لا؟ ولا سبيل إلى إنكار إمامتها في الفقه [¬٥] جملة. وللشافعي في تقرير [¬٦] الأصول، وتمهيد القواعد، وترتيب الأدلة والمآخذ، وبسطِه ذلك - ما لم يسبقه إليه مَن قبلَه وكان فيه عليه [¬٧] عيالا [¬٨] (١) كلَّ من جاء بعده مع التفنن في علم لسان العرب، والقيام بالخبر والنسب: وكُلُّ مُيَسَّر لما خُلِق له. كما أن أحمد وداود من العارفين بعلم الحديث، ولا تُنكر إمامة أحد منهما فيه، لكن لا تُسلّم لهما [¬٩] الإمامة في الفقه، ولا جودة النظر في مأْخذه [¬١٠]، ولم يتكلّما في نوازل كثيرة كلام غيرهما، وميلُهما مع المفهوم [¬١١] من الحديث، لكن داود نهج اتباع الظاهر، ونفى القياس [¬١٢]، فخالف السلف والخلف، وما مضى عليه عمل الصحابة فمن بعدهم، حتى قال بعض العلماء: إن مذهبه بدعة ظهرت بعد المائتين، وحتي أنكر ذلك عليه [¬١٣] إسماعيل القاضي (٢) أشد إنكار

стр. 121

وإذا لم يقل [¬١] بالقياس - وهو أحد أركان الاجتهاد فيما يَجتهِد، فعلامَ - فيما [¬٢] لم يُنَصَّ عليه - يعتمد، وليس تقصير من قصّر منهم في فن بالذي يُسقط رتبته [¬٣] عن [¬٤] الآخر، ولكل [¬٥] واحد منهم من الفضائل والمناقب ما حشيت به الصحف، ونقلَه السلف والخلف، لكنّ نقَص ركن من أركان الاجتهاد يُخِلُّ به على كل حال، والله ولى الإرشاد [¬٦]. الاعتبار الثاني: الالتفات إلى مأخذ الجميع في فقههم، ونظرهم على الجملة في علمهم، إذا هبط [¬٧] في آحاد [¬٨] النوازل وشُعَب الوقائع لا يدرك صوابه إلا المشتغل [¬٩] بالعلم، وتَبيين [¬١٠] ذلك لغيره يطول، ولا يدرك إلا في أمد تنقضى فيه الأعمار وتمر السنون، وحسب المبتدئ أن يُلَوَّح له بتلويح يفهمه اللبيب، ويقضي [¬١١] منه بترجيح مصيب، وهو أنا قد ذكرنا خصال الاجتهاد ثم مآخذه. وترتيُبه على ما يوجبه العقل ويشهد له الشرع: تقديم [¬١٢] كتاب الله تعالى على ترتيب [¬١٣] وضوح أدلته، من نصوصه، ثم ظواهره، ثم مفهوماته. ثم كذلك بسنة [¬١٤] رسول الله ﷺ على ترتيب متواترها، ومشهورها، وآحادها.

стр. 122

ثم ترتيب نصوصها، وظواهرها، ومفهومها، على ما تقدم في الكتاب. ثم الإجماع عند عدَم الكِتاب ومتواتِر السُّنة. وبعد ذلك - عند عدم هذه الأصول - القياس [عليهما، والاستنباط منهما] [¬١] كتاب الله مقطوع به (١). وكذلك ما تواتر من سنة نبيه ﷺ [¬٢]. وكذلك النص المقطوع به [¬٣]، فوجب تقديم ذلك كله. ثم الظواهر. تم المفهوم منها، لدخول الاحتمال في معناها. ثم أخبار الآحاد يجب العمل بها والرجوع إليها [¬٤] عند عدَم الِكتاب والتواتر، وهى [¬٥] مُقدَّمَة على القياس، لإجماع الصحابة على الفصلين (٢)، وتركهم نظر أنفسهم متى بلَغهم [¬٦] خبر ثقةٍ [¬٧] عن النبي، ﵇ [¬٨]، وامتثالِهم مقتضاه [¬٩] دون خلاف منهم في ذلك [¬١٠]. ثم [¬١١] القياس آخرًا، إذ إنما [¬١٢] يُلجَأ إليه عند عدَم هذه الأصول في النازلة، فيستنبط من دليلها، ويعتبر الأشباه منها [¬١٣]، على ما مضَى عليه عمل الصحابة ومن بعدهم من السلف المرضيّين، وعُلِم من مذهبهم أجمعين.

стр. 123

وأنت إذا [¬١] نظرت لأول وهلة منازع هاؤلاء الأئمة، وتقرير مآخذهم [¬٢] في الفقه، والاجتهاد في الشرع، وجدت مالكًا - رحمه الله تعالى - ناهجا في هذه الأصول مناهجها [¬٣]، مرتِّبا لها مراتبها ومدارجها [¬٤]، مقدِّمًا كتاب الله، ومرتبا لَه على الآثار [¬٥]، ثم مقدمًا لها [¬٦] على القياس والاعتبار، تاركًا منها لما لم يتحمله عنده الثقات [¬٧] العارفون بما تحملوه، أو ما [¬٨] وجد الجمهور والجم الغقير من أهل المدينة قد عملوا بغيره وخالفوه. ولا يلتفت إلى من تأَوَّل عليه بظنِّه [¬٩] في هذا الوجه سوء [¬١٠] التأويل، وقوَّله ما لا [¬١١] يقوله بل ما يُصرِّح أنه [¬١٢] من الأباطيل؛ ثم كان من وقوفه عن المشكلات [¬١٣] تحريه عن الكلام [¬١٤] في المعوصات ما سلك به سبيل السلف الصالحين. وكان يُرَجِّح الاتّباع، ويكره الابتداع، والخروج عن سنن الماضين. ثم سلك الشافعي سبيله وبسط مآخذه في الفقه وأصوله، لكن خالفه في أشياء أداه إليها [¬١٥] اجتهاده، وثقوب [¬١٦] فطنته، ولم يخلصه من دركها عدم استقلاله بعلم الحديث والأثر، وتزحزحه عن الانتهاء [¬١٧] في معرفته؛ ثم ما جرى بينه وبين بعض المالكية بمصر، وحَملِه عليه، حتى تميَّز عنهم - بعد أن كان معدودًا فيهم، وواحدا من جملتهم [¬١٨]، فبان بأصحابه [¬١٩] وتلاميذه، وصَرّح من

стр. 124

حنيئذ بالخلاف والرد على أكبر أساتيذه، كما سنذكره في أخباره بعد هذا - إن شاء الله تعالى [¬١]- في قصته [¬٢] مع فِتيان بن أبي السَّمح، وتعصبه عليه، وامتحان ذلك الآخَر بعدُ به [¬٣]، ودخول التنافَر بينه وبين جماعتهم منذ ذلك [¬٤] بسببه [¬٥]. فصْلٌ [¬٦] وأما أبو حنيفة فإنه قال بتقديم القياس والاعتبار على السُّنن والآثار [¬٧]. فترك نصوص الأصول، وتمسك بالمعقول، وآثر الرأى والقياس والاستحسان، ثم قدّم الاستحسان على القياس، فأبعد ما شاء. وحد بعضُهم استحسانه: أنه الميل إلى القول بغير حجّة، وهذا هو الهوى [¬٨] المذموم والشهوة، والحدَث [¬٩] في الدين والبدعة، حتى قال الشافعي: من استحسن فقد شرَّع في الدين، ولهذا ما خالفه [¬١٠] صاحباه: محمد، وأبو يوسف في نحو ثلث مذهبه، إذ وجدوا [¬١١] السنن تخالفهم فيما تركه [¬١٢] لما ذكرناه عن قصد [¬١٣]، لتغليبه القياس وتقديمه، أو لم تبلغه [¬١٤] ولم يعرفها [¬١٥]؛ إذ لم تكن [¬١٦] من مثَقَّف [¬١٧] علومه، وبها شنَّع المشنعون عليه، وتهافت الجُراءُ [¬١٨] على ذَمّ البُرَاء بالطعْن [¬١٩] إليه؛ ثم ما تمسَّك [¬٢٠] به من السُّنن فَغَيْر مُجْمَعٍ عليه [¬٢١]، وأحاديثُ ضعيفةٌ ومتروكة.

стр. 125

وبِسّبب هذا تحَزَّبت طائفةُ أهل الحديث على أهل الرّأي، وأساء وافيهم القَول والرأي؛ قال أَحمد بن حنَبل: ما زلنا نَلعَن [¬١] أهَل الرّأى ويَلعَنونا [¬٢] حتّى جاء الشّافِعيّ فمُزج بَيْننا [¬٣]، يريد أنه تمسَّك بصحيح الآثار واستعملها، ثم أراهم أَن من الرأي ما يُحتاج إليه، وتُبْنَى [¬٤] أحكام الشّرع علَيه، وأنّه قياسٌ على أصولِيها، ومنتَزَعٌ منها، وأَراهم كَيفية انتزاعها والتعلقِ [¬٥] بعَللها: وتنبيهاتها، فعَلِم أَصحابُ الحَديث أنّ صحيَح الرأى فرعٌ للأصل [¬٦]، وعَلِم أصحاب الرأي أنه لا فرَع إلا بَعْدَ أصلٍ، وأنّه لا غِنَيّ عن تقديم السُّنَنِ وصحيح الآثار [¬٧] أولا. ونحو هذا في هذا الفصل: قَوْلُ [¬٨] ابن وهب: الحديث مَضَلَّة إلا للعُلَمَاء، ولَوْلا مالكٌ واللَّيْث لضَللنا. وأما أحمد ودَاود، فإنَّهما سَلَكا اتِّباع الآثار، ونكَبا عن طريق الاعتبار، لكن [¬٩] داود غلا في ذلك، فترك [¬١٠] القياس جملة، وأحَدث هو وأَصحابُه من القول بالظّاهر مَا خالفَ فيه أَئمةَ الأُمَّة [¬١١]، فخانَه التمسُّك برُبُع أَدّلة الشّريعَة [¬١٢]، وأعرضَ عما حضَّت [¬١٣] عليه من الاجتهاد والاعتبار، وسَمَّى ما لم يَجِد فيه نَصًّا ولا [¬١٤] ظاهرا، عفوًا، وأطلق على بعضه الإباحة (*)، واضطربت أقوال أصحابه

стр. 126

في ذلك لضيق المسلك فيه، فتهافت مذهبه، واختل نظره [¬١]، وجاء من اتباع الظاهر بمقالات يَمُجُّ [¬٢] الكثيرَ منها السمعُ، وينكره [¬٣] العقل [¬٤]. وقال أحمد: الخبر [¬٥] الضعيف عندي خير من القياس، وبديهةُ العقل تُنكر هذا، فلا خيرَ [¬٦] في بناء على غير أساس. (وهذا - أكرمكم الله -[¬٧] اعتبارٌ في التفضيل نبيل [¬٨]، يَدُلُّ المنصف على السالك منهم نَهْجَ السَّبيل [¬٩] [¬١٠]. الاعتبار الثالث: يحتاج إلى تأمل شديد، وقلب سليم [¬١١] من التعصّب سَديد [¬١٢]، وهو الالتفات إلى قواعد الشريعة ومجامعها، وفهم الحكمة المقصودة بها من شارعها. فنقول: إن أحكام الشريعة أَو امر ونواهي تقتضى حثًا [¬١٣] على قُرَب ومحاسن [¬١٤]، وزجرًا عن مناكر [¬١٥] وفواحش، وإباحة لما به صلاحُ [¬١٦] هذا العالَم، وعمارةُ هذه الدار [¬١٧] ببنى آدم؛ وأبوابُ الفقه، وتراجم كتبه، كلها دائرةٌ على هذه

стр. 127

الكلمات، وسنشير إلى رموز في كليات هذه القواعد، ليَتَبيَّن للنَّاظر من اتَّبع فيهَا [¬١] معنَى الشرع المراد، أو خالَف فيها فتَكَب عن السَّدَاد، وحَاذ عَن سبِيل الرَّشاد [¬٢]، وأَنَّ مالكًا - في ذَلك كلّه -[¬٣] أهدَى سيلًا، وأقومُ قِيلًا، وأَصَحُّ تَفْرِيعًا وتأصِيلا، فنقول: أولُ مُتكَلَّمٍ فيه مِن أبوابه [¬٤] الطّهارةُ التي [¬٥] صرح صاحبُ الشرع بأنّها: شطرُ الإيمان، (١) وأمَر الله تعالَى بالطهارة مَن الحدث والخَبث، وخَصَّ ذلك بالماء بقَوله: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٢)، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٣). فأبو حنيفة الذي يرى [¬٦] أَنه تجزيء [¬٧] الطهارة من الحدث بالنبيذ المستنبذ [¬٨] في السفر [¬٩] عند عدم الماء، مع حكم أكثر العلماء بنجاسة ما يبلغ [¬١٠] من الأنبذة هذا الحد وتحريمه [¬١١]، ويجزئ [¬١٢] عنده من النجاسة بكل [¬١٣] نبيذ ومائع [¬١٤] من خل ومُريٍّ (٤) وعسل ولبن ويجزئ منها [¬١٥] عنده وعند الشافعي في أحد قوليه بكل ماء مضاف ومتغير بالإضافة، ولو كان بقطران وما أشبهه، ما لم

стр. 128

يغلب على أجزائه ما أصابه (١). أتراهما رأيا للفظ التطهير والتنظيف [¬١] قذرا، وقد زاد العضو تلوثا بذلك وقذرا، أم جعلا لتخصيص الماء حكمًا، أو لوصفه بالتطهير معنى؟ كذلك اشتراط الشافعي وأحمد القُلّتَيْن فيما تَحُل فيه النجاسة [¬٢]، (وحديثهما [¬٣] ليس بِثابت، (٢) وتقديرهما [¬٤] تَخمين وحَدْس غَير متفق ولا مُسْتقرٍّ لهما قول عليه [¬٥]، وأنه إن نقص منه كوز [¬٦] أثرت فيه النجاسة) [¬٧]، ومتى حلّت نجاسة قليلة في كيزان كثيرة كانت كلها نجسة ما دامت متفرقة، فإذا اجتمعت [¬٨] في بركة صارت طاهرة [¬٩]، وأنه إن غرف من ماء قدر قلتين بإناء [¬١٠] نَجِس كان ما في الإناء طاهرًا، وباقي القلتين نجسًا وسوسة في هذا الباب، بعيد كله عن مَدرك الصواب، حتى قال عظيم من أصحابه [¬١١]: اشتراط القلتين مثار الوسواس [¬١٢] (٣). كذلك داود في اقتصاره في النهي [¬١٣] عن البول في الماء الدائم [¬١٤] على مجرد ظاهره، فلا يفسده عنده، ولا يواقع النهي إلا من بال فيه، وأن من بال في

стр. 129

كوز وصبّه فيه، أو أحدث فيه، أو بال بقربه فسال إليه [¬١] بوله، غير داخل في النَّهْي عنده، ولا يفسد الماء [¬٢] شيء من ذلك إلا بتغييره [¬٣]. أليس يعلم على القطع [¬٤]، أن هذا صد عن مراد الشارع وقطع؟ كذلك فهم من تخصيص بعض الأعضاء بالوضوء [¬٥] ما تقدم [¬٦] من معنى التنطيف والتحسين الذي هو معنى الوضوء؛ إذ تلك الأعضاءُ من الوجه واليدين والرأس والرجلين، هي الظاهرة من ابن آدم غالبا، والتي تحتاج إلى التنظيف [¬٧] والتحسين أبدا؛ أما اليدان والرجلان فلما يعاني بها [¬٨] من الأعمال التي تُعْقِبُ الأوساخ والأدناس، وتُلاقي من الأمور التي يَنتجُ [¬٩] عنها الدَّرَن [¬١٠] والأقذار؛ وانظر من لا يهتبل بالوضوء بالماء والطهارة من (أهل) البوادي وأجلاف الأعراب، واسوداد [¬١١] القذَر برواجِبه وبَراجِمه، وتراكُم الدنس الحَوْليّ جَونًا بكُوعه ورُسْغِه. وكذلك الوجه سِمَة ابن آدم ومُحيّاه، وصورته التي كرمه الله بها وسيمَاه، وهو نَصبُ لَفْح الهَواجر [¬١٢]، ومُثَار نَقْع الأقدام [¬١٣] والحوافر، وفيه مَسامُّ تقذِف بأوسَاخها، من قَذَي عين [¬١٤]، ومُخاطِ أَنف،

стр. 130

وبصاق فم، وكل يحتاج إلى تنظيف [¬١]، فشُرع لجميعها الغسل والتكرار، ولما كان الرأس مستورًا غالبًا شرع فيه المسح [¬٢] اكتفاء [¬٣] بدَهْنه بالماء لإزالة شَعثِه [¬٤] ولأن غسلَه عند كل حدث مما يشق ويُهلك. فهل وفيَّ الشافعي بعهدة [¬٥] هذا الأصل إذ اكتفى يصَبّ الماء عن الدَّلك [¬٦]، وبالمسح على شَعَرةٍ أو [¬٧] ثلاث من جَميع الرأس؟ وأبو حنيفة في الاقتصار على الناصية؟ والثوري في الاقتصار على شَعَرة؟ [¬٨]. ولا يُعترض على ما مهدناه بكون التَّيَمم [¬٩] بدلًا من [¬١٠] الوضوء عند عدم الماء، ولا تنظيفَ فيه ولا تحسين، بل الضد من ذلك. فاعلم أن هذا لسِرٍّ عجيب [¬١١] في الشريعة لمن عَدِم الماء للطهور، وهو متكرّر وشاقٍّ في السَّبرات [¬١٢]، وكانت الصلاة دونه مع تماديه قد [¬١٣] تَركَن إليها النفس لحبها الدَّعَة [¬١٤]، وخُشي اتخاذها ذلك عادة، جعل الشرع التَّيَمُّم تنبيهًا على أنها لا تستباح إلا بطهارة ولتَبْقَى [¬١٥] النفسُ على استعمالها، وشَرَع ما لا يُعْدَم من وَجه الأرض، وخفَّف حالَه في بعض الأَعضاء وفي كُلّ حُكم، والله أَعلم وهو [¬١٦] الموفِّق.

стр. 131

وكذلك قال عليه الصلاة و [¬١] السلام: "إنّما الأعمالُ بالنيات" (١). وأبو حَنيفة والثَّوْريّ يَريان أن [¬٢] طهارةَ الصَّلاة تُجْزِئ بغير نيّة، وهي مُفتَتَح [¬٣] أجلّ القُربُات، وفرقا [¬٤] بينها وبين التيمم بغير حجة، إلا بخيالات [¬٥] لا تقوم على قدَم [¬٦]، وسوَّى الأَوزاعيِّ في الجميع، فلَم يُوجبْها. ثم نرتقى [¬٧] إلى أجلّ القُرُبات المقرونة بكلمتى الشهادة [¬٨]، وهي الصلاة والزكاة؛ فأبو حنيفة يُجزِئ عنده من الصلاة [¬٩] أَقلُّ ما يُجزِئ في كل مذهب، وهى رياضة النفوس الجامعة [¬١٠]، وصَقّالة القلوب الصَّدية، ومظانُّ الخشوع والمناجاة، وسِر العبودية المحضة. ويَرى التحيل في إسقاط الزكاة، بعد وجوبها عند رأس الحول، ُ بنقلتها عن ملكه ظاهرًا بما يواطئُ عليه غيره ليصرَفها عليه بعد الحَوْل] [¬١١]، وهى طُهْرة [¬١٢] الأموال، ودليل صحة الإيمان، كما قال ﵇: "الصدقة برهان" (٢)، وسَد خَلّة (٣) الضعفاء"، ونَهَى الشرع عن التحيل فيها بالتفريق والتجميع، ونهى عن الخداع والخلابة. فهل وفَّى القائل بهذا في هاتين القاعدتين بعَهْدها، أو طابق عملُه المعنى الموضوع [¬١٣] له في الشرع وحكمها؟

стр. 132

كذلك نهى عن شرب الخمر، وعلل ذلك بإيقاع العداوة والبغضاء، والصَّدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة (١). وقد فهِمَت الصحابةُ الأُول [¬١] ورودَ الآية في [¬٢] المعنى فحملوه [¬٣] على العموم، وقال النبي [¬٤] ﵇: "كل مُسْكرٍ خَمْرٌ، وكل خمرٍ [¬٥] حَرام (٢) ". فمن فَرَّق من الكوفيين [¬٦] بين نَئِّ [¬٧] العنَب ومطبوخه، وسائر المسكرات، وأباحها ما لم تبلغ بشاربها عدَم [¬٨] التمييز، خالف الأصلَيْن، وخرم قاعدة الشرع في الفصلَيْن [¬٩]. ثم تنظر في الفروج، فتتيقن [¬١٠] قطعًا أن حكمة الله في تحصينها، (فَلِذا) وضع أعظم الحدود وأشنعها [¬١١] لمؤثِر [¬١٢] السفاح على ما أبيح له منها [¬١٣]، بالنكاح والملك على الوجوه التي قيدها الشرع لصلاح [¬١٤] هذا الخلق، وبقاء التمييز والتعارف لهذا النَّسْل. فمن رأى أن الاستئجار علي الزنا مسقط للحدود الموضوعة فيه، وأن الزاني

стр. 133

بأَجِيرته [¬١] للخدمة لا حدَّ عليه، وكذلك اللائط [¬٢] بالذكران، وهو أفحش الفواحش لا حدَّ فيه، بل يُعزَّر على قوله وقول أهل الظاهر - فقد ناقض موضوع [¬٣] الشرع وحَلّ رباط هذا الأصل. كذلك حرم الله الدماء [¬٤] والأَعراض أَشدَّ التحريم، وفرض على المتَعْدِين [¬٥] فيها الحَدّ والعذاب [¬٦] الأليم، وحَمَى حِمَى الأموال على أربابها إلا بحقها، وحَدّ القطعَ على سارقها، والقتل على المحارب بسبَبها. فهل قولُه أيضًا بإسقاط الحدّ عن [¬٧] سارق كل رَطب من الأَطعمة، حتى لو أُلقيت قطرة عسل أو ماء في جُب ذهبٍ فسَرقه سارق لم يُقطَع لأجلها؟ وكذلك إسقاطه ذلك عن سارقٍ كلَّ ما أصله الإباحة من الجواهر الخطيرة، ومُستَخرَجات المعادن الثَّمينة، ومُلتَقطات البحر النفيسَة، وإسقاط الحد [¬٨] عن النَّبّاشين لأكفان [¬٩] الموتَى - فاتحٌ عَلَق الصيانة للأموال، ومسَهّل التوصل إلى التعدى على الكثير منها دون خوفٍ كبير نكال، لا سيما على مذهبه ومذهب داود في تخفيف التعزير، واقتصارهما [¬١٠] من ذلك على الخفيف [¬١١] اليسير. وكذلك قوله: إن من تَعدَّى على ثياب رجل فأفسدَها، أو شياهه [¬١٢] فذبحها وطبخها، فقد صارت له أَموالًا وملكها، ولَزِمت ذمتَه قيمتُها لربها

стр. 134

على رغمه مع وجود عينها [¬١]، وإن كان عديما حتى يجدَ [¬٢]، غيرَ مُراعٍ نهَى الشرع عن العدوان، والتّمادى على اغتصاب الأموال، وتسويغ إخراجها من أيدى أربابها دون أثمان. ثم جعل الله القصاص حياةً وردعًا للمُعْتَدين. وأبو حنيفة يقول [¬٣]: إن من قتل الخلائق بغير مَحدَّد [¬٤] الحديد، من التحريق والتغريق، والتّخنيق، وسقى السم، وغير ذلك من أَنواع الاجتراء والظلم، لا يُقتَصُّ منه، فقد اجتث هذا الأصل، وبسط أيدى المجرمين على أشنع ضروب القتل، آمنين من القصاص على هذا الفعل. وكذلك الأعراض حُصِّنت حَوزَتُها وصينت حُرمَتها بحدود المفتَرين؛ فالشافعي الذي لا يرى الحد بالتعريض المفهوم والخفى [¬٥]، يَرى أن جماعة من الفُسّاق المجاهرين، عددَ شهود الزّنا [¬٦] فأكثر، لو جاءوا مَجئ الشهادة مجالسَ الحكّام، وصَرَّحوا بقَذْف أَفضل الأنام، لم يلزمهم حَدٌ لمقامهم هذا المقام. فهل يعجز كلُّ فاسق جَرِئ، عن [¬٧] هَتْكِ عرض كل مسلم برئ بأنواع التعاريض القبيحة، أو بأداء الشهادة مع أَمثاله على رءوس الملأ بالفواحش الصريحة، وهم يتوصَّلُون، وإن لم، وإن لم تُقبل شهادتهم بأمانهم من الحد، إلى تمزيق [¬٨] الأدُم الصَّحِيحة؟

стр. 135

ولا خفاء أن [¬١] حِكمة الله في نصب [¬٢] الحكم والقضاء، تحقيق الحق وإبطال الباطل بحكم الدلائل الظاهرة، وقطع المنازعة والمشاجرة بين المتخاصمين [¬٣]، وحكمُهم بذلك ماضٍ [¬٤]، وبواطن الأمور إلى الله تعالى، ومن خَادعَ [¬٥] الله فإنما يخادِعُ نفسَه، ومحال تغيير [¬٦] حكم البشر في الباطن حكمَ الله تعالى [وحكمتَه لقوله ﵇: "إنّا معشرَ الأنبياء إنما نُحكُم بالظّواهِر، والله يتولَّى السرائر"] [¬٧]، ويُروَى: "والله يتولى البواطن"، وفي رواية: "إنما أمرت أن أحكم بالظاهر، والله يتولَّى السرائر" (١)، وقد قال ﵇ (٢): "لعلَّ بعضَكم أن يكون أَلحَن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيتُ له بشيء من حَقِّ أخيه فلا يأخذ [¬٨] منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة

стр. 136

من النار". فأبو حنيفة الذي يرى أن قضاء [¬١] القاضي بشهادة شهداء الزور في نكاح امرأة، أو انتقال ملك، يُحِلّ للمشهودِ له الراشي لهم [¬٢] على

стр. 137

الشهادة وطء ذلك الفرج، وأكل ذلك المال سرا وعلنا ظاهرا وباطنا، وهو يعلم تحريمه عليه، وباطل نسبتِه [¬١] إليه (١). وكذلك قال - فيمن غصَب جاريةً، فادَّعى أنها [¬٢] ماتت، فحُكِم عليه بقيمتها. ثم أظهرها - إنها قد طابت وحَلّت له؛ وكذلك لو تحيلت امرأةً عنده بشاهدى زور على طلاق زَوجها، فقضى بذلك القاضي حل لها غيرُه من الأزواج ولو كان أحدَ الشاهدين (١). فأين هذا - وفقكم الله - من مُراد الشرع، ومقصده [¬٣] بتغليظ الزجر [¬٤] عن استحلال الفروج بغير حقها والمنع؛ هل يتعذر على الفُسّاق [¬٥] بهذا، الوصولُ إلى شهواتهم فيمن امتنع عليهم من المُحْصَنات، أو حُظِر [¬٦] عليهم من الشَّهوات؟ نسأل الله توفيقًا يعصِم ولا يَصِم، برحمته. وهذه - وفقكم الله - خمسُ ترجيحات كلّها توجب اليَقين، وتوضح الحق المُبين، وتُرغم آناف المتعَصِّبين، وحَسْب الناظر في هذا الاعتبار الأخير [¬٧] حُسْن [التأمُّل أولًا، وإجمال التأول] [¬٨] آخرا، فلم نَرمُ فيه التسبب لِغَضِّ أحد من الأئمة [¬٩]، ولا التسلق على

стр. 138

عرض سلف الأمة، لكنا عرَّفنا الحق وأهله، ولم نُنكر لكل واحد [¬١]، مع ذلك، تقدُمَه وفضلَه، والسعيد من عدت عثراته. "ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل" ونحن، بعد هذا، نسرُد [¬٢] أخبار مالك، ﵀ [¬٣]، وسيره، وجملة تاريخه وخبره، بابًا بابًا حسبما سبق الوعد به؛ ونبدأ بالترتيب بذكر نسبه، ثم نأتي بطبقات أصحابه تَشْرَى، وبأعلام أهل مذهبه [¬٤] عصْبةً بعد أخْرَى، والله المستعان على تحقيق ما أطلق على ألسنتا من ذلك وأَجْرَى، لا إله غيره. باب في نسَب مالك بن أنس الأصبَحى ﵀ تعلى ونفع به [¬٥]. قال القاضي [¬٦]: قال إسماعيل بن أبي أوَيْس، فيما حكاه عنه الزُّبير بن بَكار القاضي وغيرُه (١): إنه مالك بن أنَس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غَيْمان بن خُثيْل بن عمرو بن الحارث، وهوذ وأصبَح. كذا هو غَيْمان بالغين المعجمة المفتوحة، والياء الساكنة باثنتين من أسفل [¬٧]؛ وذكر ذلك غير واحد، وكذا قيده الأمير أبو نَصر بن ماكُولا [¬٨] (٢) وحكاه عن إسماعيل بن أبي أوَيْس، وخُثَيْل بخاء معجمة مضمومة، وثاء مثلثة مفتوحة، وياء باثنتين من أسفل ساكنة. هذا هو الصحيح، وكذا قيده الأمير أبو نصر بن ماكولا وأتقنه وضبطه، وحكاه عن محمد بن سعد (٣) عن أبي بكر بن أبي أوَيْس.

стр. 139

وقال أبو الحسن الدارَقطني (٢) وغيره: جُشَيْل بالجيم، وحكاه عن الزُّبير [¬١]. وأما من قال عثمان بن حِسْل أو ابن حَنْبل [¬٢] فقد صحّف. وأما ذو أصبَح (٣) فقد اختُلف في نسَبه اختلافًا كثيرا؛ فقال الزبير: ذو أصبَح بن سُوَيد بن عَمرو [¬٣] بن سَعد بن عَوف بن عَدِيّ بن مالك بن زيد بن سدد [¬٤] بن حِمْيرَ الأصغَر ابن سَبَأ الاصغَر ابن كعب بن كهف الظُّلم بن زيد بن سهل [¬٥] بن عَمرو بن قَيْس بن مُعارية بن جُشَم بن [عبد شمْس بن وائل بن الغوث بن قَطن بن أبين [¬٦] بن زُهير بن الغوث بن أيْمَن بن الهَمَيْسَع [¬٧] بن حِمْيَر [¬٨] بن سَبأ الأكبر، وهو عبد شَمس. وإنما] [¬٩] سُمى سبأ لأنه أول من سبى وغَزا القبائل، ابن يَعْربُ بن يَشْجُب بن قَحطان. وقال غيرُه: ذو أصبح الحَرِث [¬١٠] بن عَوْف بن مالك بن زيد بن شَداد [¬١١] بن زُرْعة، وهو حِمْير الأصغر ابن سَبَأ الأصغر بن حِمْير الأكبر بن سبَأ الأكبر [¬١٢] بن يَشْجب بن يَعْرُب بن قحطان.

стр. 140

وقيل: ذو أصبح بن مالك بن زيد بن عوف بن سعيد بن عُفَيْر [¬١] بن مالك بن زيد بن سهل [¬٢]. وقيل: هو ابن مالك [¬٣] بن زيد بن الغوت بن سَعْد بن (عَوْف [¬٤] بن نَبْتَ [¬٥] بن بن مالك بن زيد بن زيد بن سَهل بن عَمرو) [¬٦] بن قَيس بن مُعاوية [¬٧] بن جُشَم بن عبد شَمس. وقيل: هو ابن عَوف بن مالك بن زيد بن عامِر بن ربيعة بن نَبْت بن مالك بن زيد بن كَهْلان بن يَشْجُب. ويقال: ذو أصبَح ويَحْصب [¬٨] ابنا مالك بن زيد بن حِميَر. هذا ما ذُكر في نسَب ذي أصبح من الخلاف، ولا خلاف في أنه [¬٩] من وَلد قَحْطان. وقد اختُلف في نسب قحطان ورفعِه، وهل (*) هو [¬١٠] من ولد [¬١١] إسماعيل أم لا؟ [¬١٢] اختلافًا كثيرا [¬١٣] لا يَنْحَصِر، وليس من غرضنا فلنَعْدُه [¬١٤]. قال القاضي أبو الفضل ﵁: لم يَختلِف العلماء بالسير والخَبَر والنَّسَب في نسَب مالك هذا، واتصالِه

стр. 141

بذى أصبح، إلا ما ذُكر عن ابن إسحاق وبعضهم، من أنه [¬١] مولى لبنى [¬٢] تَيْم [¬٣]، وسنين وهْمَ من قال ذلك، والعلة التي من أجلها تطرَّق الوهُم إليهم [¬٤]. وأما أبو عبد الله محمد بن حَمْدُويَه [¬٥] الحاكم المعروف بابن السَبيع [¬٦]، فقد غلط غَلَطا شنيعًا لا خفاء به [¬٧]، ولا قاله أحد قبله ولا بعده، وخلّط في هذا تخليطا كثيرا فقال: مالك بن أنس الإمام هو: مالك بن أنَس [¬٨] بن مالك بن أبي عامر، وهو الحارث [¬٩] بن غَيْمَان بنُ خُثَيْل بن عمرو بن الحارث بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله [¬١٠] من ولد تَيم بن مُرة يلقى رسول الله [¬١١] ﷺ عند مُرة بن كعب. فعجِبُت له [¬١٢] كيف اتفق هذا الغلط، ومن أين [¬١٣] تطرق له. ثم قال في باب آخر: إنه من خَوْلان. فأين هذا من ذلك؟ وكلاهما خطأ. وأما من [¬١٤] زَعَم أنه مولى تَيْم فدخل [¬١٥] الوهم عليه إذ وَجَده ينتمي [¬١٦] إليهم ويُحسَب في عدادهم [¬١٧]، بسبب [¬١٨] حِلْفِه معهم، وإلا فَنَسبُه [¬١٩] في ذى أصبح صحيحٌ [¬٢٠]، ذكر ذلك غير واحد من زعماء قريش ونسابها [¬٢١]، وغيرهم من أهل العلم، كمحمد بن

стр. 142

عمران الطلحي، وعبد الملك بن صالح، ومصْعَب بن ثابت الزبيرى، وعامر بن عبد الله الزُّبيري، وأبى بكر العمري [¬١]، وابنه طلحة، وأبي مُصْعب الزُّهْري [¬٢]، وابنى أبي أوَيْس، وخليفة بن خياط [¬٣] العصْفرى، والواقدى والبخاري، وابن أبي خيْثَمَة وأحمد بن صالح، والزُّبير بن بَكّار القاضي، ومن بعدهم من الحفاظ، كالدَّارَقُطنى، وأبي عبد الله التُّسْتَرى القاضي، وأبي محمد الضراب وأبي القاسم الجوهري، وأبى القاسم اللالكائي، وأبي نصر بن ماكولا، ومن لا ينعدُّ [¬٤] كثرة، بل كلُّ من ذَكَر نسبه. ولم يتابع أحدٌ منهم ابن إسحاق على قوله ممن جاء بعده، بل بينوا وجه [¬٥] وهمه. قال عامرُ بن عبد الله الزُّبَيْريّ، وذكر نسَبَ [¬٦] مالك بن أنس: أَمَا إنهم من العَرب من اليمَن، ذوو [¬٧] قَرابة بالنضْر بْن يَريم [¬٨]. وقال الدَّراوَرُوي: قال لي أبو سُّهَيل [¬٩] بن مالك: نَحْن قومٌ من ذى [¬١٠] أصبح ليس لأحدٍ علينا ولاءُ ولا عهد. وقال أَبُو مْصَعب (١): مالكٌ من العَرَب صَلِيَّةً [¬١١]، وحِلْفُهُ في قُرَيْش في بني تَيْم بن مُرة. قال محمد بن عِمْران لمن سأله عَنه: هُوَ [¬١٢] رُجلٌ من العَرَب من حِمْيَر، من

стр. 143

أنفُسهم، ما بيننا وبينه نسَبٌ، إلا أنَّ أمَّهُ مولاةٌ لعمى عُثمان بن عُبَيد [¬١] الله. وقال أبو بكر العمرى السالمي: مالكٌ من العرب [¬٢]، صحيحُ [¬٣] النَّسَبِ، من أنفسهم، لا مَواليهم. وقال مُصْعَب بن عَبد الله [¬٤] الزُّبَيْرِي [¬٥]: بنو الصبَّاح الذين كان المُلك فيهم بنوعَم مَالِك. قال الفِرْيابي [¬٦]: سألتُ مُصْعبًا عن مَالِك فقال: عَرَبيٌّ شريف، كريم في موضِعه من ذِى أَصْبَح، بطن من اليمن من ملوك اليَمَن بَني أبْرَهَة [¬٧] بن الصَّبّاح. وقال أحمد بن صَالح: مالكٌ من ذى أصبَح، صحيح النَّسَب [¬٨]. وقالت ابنة طلْحَة [¬٩]: ما لَنَا عليه عَهد [¬١٠] ولا ولاء، تعني جد مالك. ولمَّا قدم زياد بن عُبَيْد الله [¬١١] المدينة قال: ما هَاهنا [¬١٢] أحَدٌ مِن أهْل العلم؟ فنسبوا له مالكا، فقال: هذا بيتُ اليَمن، فكانَ أوّلَ من استفتاه. وقال عبد الملك بُن صَالِح الهاشمي: مالكُ بن أنَس من ذى أصبح. وجاء أبو المهاجر إلى عثمان بن عبيد الله [¬١٣] التيمي، أو غيره [¬١٤]، يشتكي بأبي عامر جد مالك [¬١٥] بن أنَس، وكان أبو المهاجر على الصَّدقة، فقال للتيمْي [¬١٦]: ألا تَعذرني من مولاك؟ قال: ليس لي بمولى [¬١٧]، هو رجلٌ من العرب من أهل اليمن.

стр. 144

باب العلة [¬١] في انتمَاء مالك وآله إلى تيْم بن مُرة من قريش وذكر نسَب أمه (*) قال أبو عُمر بن عبد البَر الحافظ (١): لا أعلم أن أحدا [¬٢] أنكر أن مالكًا ومَن ولَده كانوا حُلفاء لبني تَيْم بن مرّة من قُريش، ولا خلاف فيه إلا ما ذكر عن ابن إسحاق، فإنه زعم أنّه من موالِيهم [¬٣] (٢). قال (٣): وروى عن ابن شِهاب أنه قال: حدثني نافِع بن مَالك مولى التيمييّن [¬٤]. قال: وهذا عِندنَا لا يَصحّ عن ابن شهاب. قال الإمَام [¬٥] القاضي أبو الفَضل ﵁: قولُ ابن شهاب هَذا في صحيح البخاري (٤) أول كتاب [¬٦] الصيام، وتَصَرُّف المولى [¬٧] في لسَان العَرب بمعنى الحليف [¬٨] والناصر [¬٩] وغيرهما مَعروفٌ، فلعله ما أراد ابن شِهاب (٥)، ولذلك قال عَبد الملك بن صَالِح الهاشِمي: مالكٌ من ذى أصبَح [¬١٠] مولى لقُريش. وقال [¬١١] الزُّبير بن بَكار: عِدادُه في بَنى تيم بن مُرة. وقد روى عن مَالكٍ أنه لمّا بلغه قولُ ابن شهاب هذا [¬١٢] قال: ليته [¬١٣] لم يَرو

стр. 145

عنا شيئًا (١). قال أبو سُهيل [¬١] عمُّ [¬٢] مالك: نحن قومٌ من ذِي أصبَح، قدم جَدُّنا المدينة فتزوج في التَّيْميين، فكان معهم فنُسِب إليهم [¬٣]، ومثله قولُ [¬٤] ابن عمران التيمي القاضِي الذي تقدّم [¬٥]: ما بيننا وبينه [¬٦] نَسبٌ، إِلا أَن أُمَّه مولاة لَعَمّى عثمان بن عُبيد الله [¬٧]. وقال الرَّبيع بن مالك [¬٨] (٢) أخو أبي سُهَيل [¬٩] عن أبيه: قال لي عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله [¬١٠] التيمى [¬١١] ابن أخي طلحة، ونحن بطريق مكة: يا مالك! هَل لَك [¬١٢] إلى ما دعانا إليه غيرُك فأبيناه، أن يكون دَمُنا دمَك، وهَدْمنا هدمَك (٣) مَا بَلَّ بَحْرٌ صُوفَة (٤). فأجَبتُهُ إلى ذلك. وقال عبدُ الله بن مصعب: قدم مالكٌ بن أبي عامرٍ المدينة متظلّمًا من بعض الولاة باليمن، فعال إلى بعض بني تَيم بن مُرَّة، فعاقَده وصارَ معَهم.
следующие страницы →