بذى أصبح، إلا ما ذُكر عن ابن إسحاق وبعضهم، من أنه [¬١] مولى لبنى [¬٢] تَيْم [¬٣]، وسنين وهْمَ من قال ذلك، والعلة التي من أجلها تطرَّق الوهُم إليهم [¬٤].
وأما أبو عبد الله محمد بن حَمْدُويَه [¬٥] الحاكم المعروف بابن السَبيع [¬٦]، فقد غلط غَلَطا شنيعًا لا خفاء به [¬٧]، ولا قاله أحد قبله ولا بعده، وخلّط في هذا تخليطا كثيرا فقال:
مالك بن أنس الإمام هو:
مالك بن أنَس [¬٨] بن مالك بن أبي عامر، وهو الحارث [¬٩] بن غَيْمَان بنُ خُثَيْل بن عمرو بن الحارث بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله [¬١٠] من ولد تَيم بن مُرة يلقى رسول الله [¬١١] ﷺ عند مُرة بن كعب. فعجِبُت له [¬١٢] كيف اتفق هذا الغلط، ومن أين [¬١٣] تطرق له. ثم قال في باب آخر: إنه من خَوْلان. فأين هذا من ذلك؟ وكلاهما خطأ.
وأما من [¬١٤] زَعَم أنه مولى تَيْم فدخل [¬١٥] الوهم عليه إذ وَجَده ينتمي [¬١٦] إليهم ويُحسَب في عدادهم [¬١٧]، بسبب [¬١٨] حِلْفِه معهم، وإلا فَنَسبُه [¬١٩] في ذى أصبح صحيحٌ [¬٢٠]، ذكر ذلك غير واحد من زعماء قريش ونسابها [¬٢١]، وغيرهم من أهل العلم، كمحمد بن
стр. 142
عمران الطلحي، وعبد الملك بن صالح، ومصْعَب بن ثابت الزبيرى، وعامر بن عبد الله الزُّبيري، وأبى بكر العمري [¬١]، وابنه طلحة، وأبي مُصْعب الزُّهْري [¬٢]، وابنى أبي أوَيْس، وخليفة بن خياط [¬٣] العصْفرى، والواقدى والبخاري، وابن أبي خيْثَمَة وأحمد بن صالح، والزُّبير بن بَكّار القاضي، ومن بعدهم من الحفاظ، كالدَّارَقُطنى، وأبي عبد الله التُّسْتَرى القاضي، وأبي محمد الضراب وأبي القاسم الجوهري، وأبى القاسم اللالكائي، وأبي نصر بن ماكولا، ومن لا ينعدُّ [¬٤] كثرة، بل كلُّ من ذَكَر نسبه.
ولم يتابع أحدٌ منهم ابن إسحاق على قوله ممن جاء بعده، بل بينوا وجه [¬٥] وهمه.
قال عامرُ بن عبد الله الزُّبَيْريّ، وذكر نسَبَ [¬٦] مالك بن أنس: أَمَا إنهم من العَرب من اليمَن، ذوو [¬٧] قَرابة بالنضْر بْن يَريم [¬٨].
وقال الدَّراوَرُوي: قال لي أبو سُّهَيل [¬٩] بن مالك: نَحْن قومٌ من ذى [¬١٠] أصبح ليس لأحدٍ علينا ولاءُ ولا عهد.
وقال أَبُو مْصَعب (١): مالكٌ من العَرَب صَلِيَّةً [¬١١]، وحِلْفُهُ في قُرَيْش في بني تَيْم بن مُرة.
قال محمد بن عِمْران لمن سأله عَنه: هُوَ [¬١٢] رُجلٌ من العَرَب من حِمْيَر، من
стр. 143
أنفُسهم، ما بيننا وبينه نسَبٌ، إلا أنَّ أمَّهُ مولاةٌ لعمى عُثمان بن عُبَيد [¬١] الله.
وقال أبو بكر العمرى السالمي: مالكٌ من العرب [¬٢]، صحيحُ [¬٣] النَّسَبِ، من أنفسهم، لا مَواليهم.
وقال مُصْعَب بن عَبد الله [¬٤] الزُّبَيْرِي [¬٥]: بنو الصبَّاح الذين كان المُلك فيهم بنوعَم مَالِك.
قال الفِرْيابي [¬٦]: سألتُ مُصْعبًا عن مَالِك فقال: عَرَبيٌّ شريف، كريم في موضِعه من ذِى أَصْبَح، بطن من اليمن من ملوك اليَمَن بَني أبْرَهَة [¬٧] بن الصَّبّاح.
وقال أحمد بن صَالح: مالكٌ من ذى أصبَح، صحيح النَّسَب [¬٨].
وقالت ابنة طلْحَة [¬٩]: ما لَنَا عليه عَهد [¬١٠] ولا ولاء، تعني جد مالك.
ولمَّا قدم زياد بن عُبَيْد الله [¬١١] المدينة قال: ما هَاهنا [¬١٢] أحَدٌ مِن أهْل العلم؟ فنسبوا له مالكا، فقال: هذا بيتُ اليَمن، فكانَ أوّلَ من استفتاه.
وقال عبد الملك بُن صَالِح الهاشمي: مالكُ بن أنَس من ذى أصبح.
وجاء أبو المهاجر إلى عثمان بن عبيد الله [¬١٣] التيمي، أو غيره [¬١٤]، يشتكي بأبي عامر جد مالك [¬١٥] بن أنَس، وكان أبو المهاجر على الصَّدقة، فقال للتيمْي [¬١٦]: ألا تَعذرني من مولاك؟ قال: ليس لي بمولى [¬١٧]، هو رجلٌ من العرب من أهل اليمن.
стр. 144
باب العلة [¬١] في انتمَاء مالك وآله إلى تيْم بن مُرة من قريش وذكر نسَب أمه (*)
قال أبو عُمر بن عبد البَر الحافظ (١): لا أعلم أن أحدا [¬٢] أنكر أن مالكًا ومَن ولَده كانوا حُلفاء لبني تَيْم بن مرّة من قُريش، ولا خلاف فيه إلا ما ذكر عن ابن إسحاق، فإنه زعم أنّه من موالِيهم [¬٣] (٢).
قال (٣): وروى عن ابن شِهاب أنه قال: حدثني نافِع بن مَالك مولى التيمييّن [¬٤].
قال: وهذا عِندنَا لا يَصحّ عن ابن شهاب.
قال الإمَام [¬٥] القاضي أبو الفَضل ﵁: قولُ ابن شهاب هَذا في صحيح البخاري (٤) أول كتاب [¬٦] الصيام، وتَصَرُّف المولى [¬٧] في لسَان العَرب بمعنى الحليف [¬٨] والناصر [¬٩] وغيرهما مَعروفٌ، فلعله ما أراد ابن شِهاب (٥)، ولذلك قال عَبد الملك بن صَالِح الهاشِمي: مالكٌ من ذى أصبَح [¬١٠] مولى لقُريش.
وقال [¬١١] الزُّبير بن بَكار: عِدادُه في بَنى تيم بن مُرة.
وقد روى عن مَالكٍ أنه لمّا بلغه قولُ ابن شهاب هذا [¬١٢] قال: ليته [¬١٣] لم يَرو
стр. 145
عنا شيئًا (١).
قال أبو سُهيل [¬١] عمُّ [¬٢] مالك: نحن قومٌ من ذِي أصبَح، قدم جَدُّنا المدينة فتزوج في التَّيْميين، فكان معهم فنُسِب إليهم [¬٣]، ومثله قولُ [¬٤] ابن عمران التيمي القاضِي الذي تقدّم [¬٥]: ما بيننا وبينه [¬٦] نَسبٌ، إِلا أَن أُمَّه مولاة لَعَمّى عثمان بن عُبيد الله [¬٧].
وقال الرَّبيع بن مالك [¬٨] (٢) أخو أبي سُهَيل [¬٩] عن أبيه: قال لي عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله [¬١٠] التيمى [¬١١] ابن أخي طلحة، ونحن بطريق مكة: يا مالك! هَل لَك [¬١٢] إلى ما دعانا إليه غيرُك فأبيناه، أن يكون دَمُنا دمَك، وهَدْمنا هدمَك (٣) مَا بَلَّ بَحْرٌ صُوفَة (٤). فأجَبتُهُ إلى ذلك.
وقال عبدُ الله بن مصعب: قدم مالكٌ بن أبي عامرٍ المدينة متظلّمًا من بعض الولاة باليمن، فعال إلى بعض بني تَيم بن مُرَّة، فعاقَده وصارَ معَهم.
стр. 146
وقد روي أن مالك [¬١] بن أبي عامرٍ لم يُجب عبد الرحمن بن (عثمان بن) عُبيد الله [¬٢] إلى الحِلْف الذي دعاه إليه، وقال له: لا حاجة لي به [¬٣]، والأوّلُ أصح وأشهر.
وذُكر أنّ أبا [¬٤] عامرٍ تحَالَف مع عثمان بن عُبيد [¬٥] الله في الجاهلية وقدما معًا إلى المدينة [¬٦]، وقيل [¬٧]: إن أبا عامر إنما حالف في الجَاهلية عَبَد الله بن جُدعَان.
وقال ابن أبي أوَيس: نحن أصبَحيون حلفاءُ لبَنى تَيْم، فَنَنتمى إلى قُريش أحب إلينا من اليمن.
فَبِالسَّبب [¬٨] الذي تقدَّم لهم من الالتفاف [¬٩] بتيم [¬١٠]، إمّا بالحِلْفِ على الأشْهَر والصحيح، أو بالصَّهر، انتسبوا [¬١١] للتيميين [¬١٢]، فظنَّ ابن إسحاق ومَن لَم يُحَقق الأمرَ أنَّهم مَواليهم؛ إذ لَم يكن لَهم نَسَبٌ معروفٌ فيهم.
وأما أُمُّه فقَال الزُّبَيْر هي العاليةُ بنْت شَريك بن عبد الرحمان بن شريك [¬١٣] الأزدية.
وقال ابن عائشة: أمُّه طُلَيْحة [¬١٤] مولاة عُبيد الله بن مَعمر، وقد تقدَّم قول ابن عِمْران.
بابُ ذكر آلِ مَالِكٍ وبَيْته وبَنيه
ذكر القاضِي بَكْرُ بن العَلاء القُشَيْريّ أن أبا عامِر بن عَمرو [¬١٥] جَد
стр. 147
أبي مالِكٍ ﵀، من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: وشَهِدَ [¬١] المغازي كلها مع النبي [¬٢]، ﷺ ، خلا بَدْرًا.
وابنُه مَالِك جَدُّ مَالِكٍ، وكنيتُه أبو أَنَس، من كبار التَّابعين، ذكر ذلك غيرُ واحِد؛ يَروي عَن عُمَر، وطَلْحة، وعائشة، وأبي هريرة، وحسان بْنِ ثابت؛ وكان من أفاضل الناس وعُلمائِهم، وهُو أحد الأربعة الذين حَمَلوا عثمان ليلًا إلى قَبْره وغسَلوه ودفَنوه؛ وكان خِدْنًا لطلحة، يَروي عنه بنوه: أنس، وأبو سُهيل نافع، والرَّبيع.
مات سنة ثنتى عشرة [¬٣] ومائة (١).
وذكَر أبو محمد الضَّراب: أن عثمان، ﵁، أغْزاه إفريقية ففتحها.
وروى التُّسْتَرى مُحمد بن أحمد القاضي: أنه كان مِمّن يَكتب المصَاحِف حين جَمع عثمان المصَاحف، وكان عُمر بن عبد العزيز يَسْتَشِيره، وقد ذكَر ذلك مالك في جَامِع موطئه.
قال أبو القاسم اللالكائي [¬٤] الحافِظ: كان لأبي أنَس مالك (*) ابن أبي عامر [¬٥] أربعَةُ بنين، أحدهم: أنس أبو مَالك [¬٦] الفقيه؛ قال غيره: وبه كان يكْنَى، روى عنه ابُنه مالك.
قال الضراب: وقد روى ابن شهاب عنه، وقاله [¬٧] ابن أبي حاتم (٢)،
стр. 148
يرويه [¬١] عن أبيه.
قال أبو إسحاق بن شَعبان: رَوَى مالك عن أبيه عن جده عن عُمر حديث الغسل واللباس.
قال ابن وَهب: سُئل مالك عن أبيه فقال: كان عَمّي أَبو سُهَيل ثقة.
قال أبو مُصْعَب: كان أبو مالك بن أنَس مقعَدًا، وكان لَهُ قَصْرٌ بالجُرْف يُعرف بقصر المُقْعَد.
قال غَيره: وكان يَعِيش من صنعة النبل.
قال اللّالَكائي [¬٢]: والثاني: نافِعٌ أبو سهيل (١) روى عنه مالك أيْضًا، وإسماعيل، وَمحمد ابنا جعفر بن أبي كثير، والدَّرَاوَردي، وغيرُهم.
قال الإمام أبو الفضل ﵁: وقد رَوَى عنه ابن شهاب أيضا.
والثالث: أُوَيْس، وهو جَدُّ أَبى أُويس إسماعيل، وأبي بكر، وسيأتي ذكرهما، وسمّاه غيره أوسًا مكبّرا، ووهم؛ روَى عن أبيه أيضًا.
وزعم الضّرّاب أنه روى عنه ابن شهاب أيضا.
والرابع: الرَّبيع، قال إسماعيل: (٢) جَالَسْتُه، قال أبو حاتم (٣) [¬٣]: [لم يرو عنه العلم. قال أبو القاسم الجوهرى لم يَرْوِ عنه إلا سليمان بن بلال، وذكر التُّسْتَري لأبي بكر الأُوْيسى [¬٤] عنه روايةً، وذكر أيضًا ابنه مالكَ مِنَ الرَّبيع، وفيه نظر.
стр. 149
وقد روى أربعتهم [¬١] عن أبيهم مالك بن أبي عامر.
[وقد خرج أهلُ الصحيح: البخارى ومسلم، ومن بَعدُهم، عن مالك ابن أبي عامر] [¬٢]، وأبي سُهيل [¬٣] ابنه كثيرًا.
قال أبو إسحاق بن [¬٤] شعبان: عمومةُ مالك ثلاثةً: نافع، والنَّضر، ويسار. قال الضراب: كان لِمالك عم يقال له النّضر، وبه كان [¬٥] يعرف مَالك أولا، كان يقالُ له مالك ابن أخي النّضر، فما لبث إلا يسيرًا حتى قال: الناس: النّضْر عَم مالِك، وقاله محمّد بن طلحة. والأشهر أن النّضر الذي كان يُعرف به مالك أولًا، ثم صار يُعرف به [¬٦]، أخٌ لمالك، كذا ذكر أحمد [¬٧] بن صالح، والأصحُّ والأعرف في أعمام مالك الأول.
قال مالك: كان لي أخ في سن ابن شِهاب، فألقى أبي يوما علينا مسألة، فأصاب أخى وأخطأت، فقال لي أبي: الهَتك الحمام.
وكان لمالك ابنان: يحيى ومحمد، وابنة اسمها فاطمة، زوج ابن أخته وابن عمّه إسماعيل بن أبي أُوَيس.
قال ابن شعبان: يحيى بن مالك يروى عن أبيه نسخةً [¬٨]، وذكر أنه روى الموطأ عنه باليَمَن، وروى [¬٩] عنه محمد مَسلْمة [¬١٠].
وابنه مُحمَّد قدم مصر، وكُتب [¬١١] عنه، وحَدَّث عنه [¬١٢] الحارث بن مسكين،
стр. 150
وزَيد [¬١] بن بِشر.
قال أبو عُمَر بن عبد البرّ: كان لمالكٍ أربعة من البنين: يحيى، ومُحمّد، وَحمّادة [¬٢]، (وأم البهاء؛ فأما يحيَى وأمّ البَهاء فلم يوص بهما إلى أحَد) [¬٣]، وأوصَى بالآخَرَين إلى إبرهيم بن حَبيب، رجلٍ من أهل المدينة.
وقال ابن شعبان: حَبيب، (وهو اللآل [¬٤] ويعرف ببابين [¬٥]، وكان [¬٦] وصيَّه) [¬٧] مع داود بن أبي زَنْبَر [¬٨]، ولَعلَ إبراهيم [¬٩] ولد حبيب هذا والله [¬١٠] أعلم.
وقد ذكره في [¬١١] الرُّواة عنه وكنَّاه [¬١٢] بأبى [¬١٣] إسحَاق [¬١٤]. وذكر أيضا [¬١٥] إسحاق بن إبراهيم بن حبيب يعرف [¬١٦] ببابين [¬١٧] وذكرهم الثلاثة في المدنيين [¬١٨]، فالله أعلم. (وأرى قوله إسحاق وهم وأنه أبو إسحاق [¬١٩].
وقال) [¬٢٠] قاسمُ بن أصبغ: إبرهيم بن حَبيب ثقة من أصحاب مالك، وهو وصيُّه.
قال الزُّبَيْرى [¬٢١]: كانت لمالكٍ ابنةٌ تحفَظ عِلمه، يعنى الموطّأ، وكانت
стр. 151
تَقف خلف الباب، فإذا غلط القارئُ نقرت الباب، فيفطن مالك فيرَدُّ: عليه. وكان ابنه محمد يجيء، وهو يُحدِّث [¬١]، وعلى يده بَاشَق (١) ونَعْل كيسانية [¬٢] (٢) وقد أرخَى [¬٣] سراويلَه عليه [¬٤]، فيلتفت مالك إلى أصحابه ويقول: إنما الأدب أدب الله [¬٥]، هذا ابنى، وهذه ابنتي.
قال الفَرَويّ: كُنا نجلسُ عندَه وابنه يَحيى [¬٦] يدخُل ويخرج ولا يجلس، فيقبل علينا ويقول: إن مما يهوّن عليّ أنّ هذا (*) الشأن لا يورث، [وأنّ أحدًا لم يَخلُف أبَاه] [¬٧] في مجلِسِه إلا عبد الرحمن بن [القاسم (٣).
وكان لابنه محمد ابنٌ اسمه أحمد، سمع من جده مالك، ذكر ذلك [¬٨] أبو عبد الله بن] [¬٩] مفرّج القرطبي [¬١٠] في رواة مالك، وأبو بكر الخوارزمي البرقاني [¬١١] الحافظ في كتابه في الضعفاء الذين اتفق رأيه ورأى [¬١٢] أبي منصور بن حكمان مع أبي الحسن الدّارقُطني على تركهم.
وتوفي أحمد هذا سنة سِتّ وخمسين ومائتين.
بابٌ في مَولد مالكٍ رحمه الله تَعالَى والحمل به ومُدّة حياته ووقت وفاته
стр. 152
قال الإمام القاضي أبو الفضل، ﵁:
اختلف في مولده ﵀ [¬١] اختلافًا كثيرًا؛ فالأشهر، فيما روى من ذلك، قول [¬٢] يحيى بن بُكير [¬٣]: إنّ مولده سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، في خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان [¬٤].
وقال مُحمّد [¬٥] بن عبد الحكَم: بل سنة أربع [¬٦] وتسعين، وقاله إسماعيل بن أبي أوَيس، قال: في خلافة الوليد، وقال غيرهما: في ربيع الأول منها.
وروى [¬٧] عن محمد بن عبد الحَكَم أن مولدَه [¬٨] سنة ثلاث أو [¬٩] أربع وتسعين.
وقال أبو مُسْهِر [¬١٠]: سنة تسعين، وقيل: سنة ستّ وتسعين، وقيل: سنة سبع وتسعين.
وقال أبو داود السجِستاني: سنة ثلاثٍ وتسعين.
وقال أبو إسحاق الشيرازي (١): سنة خمس وتسعين.
قال محمد بن سعيد مولَى سفينة: قال مالك: أتى بي [¬١١] عمّى أبو سُهيل إلى عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة [¬١٢]، ليفرض لي، فقال: احتلم؟ فقال: سل أباه، فهو أعلَم به منِّي.
قال مصْعب بن عبد الله [¬١٣]: هذا [¬١٤] خطأ، عزِل عمَر عن المدينة سنة ثلاث وتسعين.
وأما وفاته فالصّحيح منه ما عليه الجمهور من أصحابه، ومن بعدَهم من
стр. 153
الحفّاظ وأهل عِلم الأثر، ومن لا يُعدّ [¬١] كثيرة: أنه توفى سنة تسعٍ وسبعين ومائة.
واختلفوا في أيّ وقت منها، فالأكثر على أنه في ربيع الأول، قاله إسماعيل بن أبى أُوَيس وابن أبي زنبَر [¬٢]، وابنُ بكير وأبو مصْعَب الزُّهري [¬٣] وغيرُهم.
واختلفوا بعد ذلك؛ فقال ابن أبي أُوَيس، والواقدى [¬٤]، وابن سعد: في [¬٥] صَبِيحةِ أربع عشرة من الشهر المذكور، وقال أبو مصعب [¬٦]: لعشرٍ مضت منه، وحكى أبو على بن البصري [¬٧] في الكتاب المقرب [¬٨]: أن وفاته يوم الأحد لثلاثٍ خلون من هذا الشهر.
وقال ابن وهب في تاريخ ابن سحْنون: يوم الأحد لثلاثَ عشرة خلت منه، وحكى أبو عُمر بن عبد البَرّ: لعشر خَلَوْن منه، وقال ابن سحنون: ويقال في إحدى عشرة، ويقال في اثنتَي [¬٩] عشرة من رَجَب من السنة. وقال مُصعب الزبَيريّ [¬١٠]، ومعن بن عيسى: في صفَر من السنة.
وخالف في ذلك كلِّه [¬١١] حبيبُ كاتبه، ومطرِّف فيما ذكر عنه [¬١٢]، قالا [¬١٣]: سنة ثمانين.
وخالف أيضا الفَرَوى [¬١٤] فَحَكَى عنه [¬١٥] ابن سُحنون [¬١٦]، وأبو العَرَب التميمي [¬١٧] أن وفاة مالك سنة [¬١٨] ثمان وتسعين، وهذا وهم، والأول هو الصحيح.
стр. 154
واختُلف على هذا في سِنه؛ فقال ابن نافع الصائغ [¬١]، وابن أبي أوَيس ومحمد بن سعد [¬٢]، وحبيب: إنه توفى وسنة خمس وثمانون، وقاله سحنون.
وقال الواقدي: تسعون، وقال الفريابي [¬٣] وأبو مصعب: ست وثمانون، وذكر عن ابن القاسم: سبع وثمانون وقاله ابن سحنون [¬٤] وأبو العرب، وعن القَعْنَبِيّ: تسع وثمانون، وقال أيوب بن صالح [¬٥]: اثنتان وتسعون.
قال أبو محمد الضّراب: وهذا خطأ، والصواب ستٍّ وثمانون، وهو الأشبه مع قول ابن القاسم على الأصح في مولده ووفاته.
واختُلف في حمل أمه به، فقال ابن نافع الصائغ، والواقدي، ومعن ومحمد بن الضّحّاك: حملت به أمه ثلاث سنين، وقال نحوه بكَّار بن عبد الله الزبيري، وقال: أنضجته [¬٦] والله الرّحم، وأنشد للطَّرِمّاح [¬٧]:
تضَنُّ بحملنا [¬٨] الأرْحَام حَتَّى … تنضّجنَا بطونُ الحاملات
قال ابن المُنذِر: وهو المعروف؛ وروى [¬٩] عن الواقدى أيضا أن حمل أمّه به سنتان، قاله عطاف [¬١٠] بن خالد، ولا خلاف أن وفاته بالمدينة.
باب في [¬١١] صفته وخَلْقه
قال أبو عاصم: ما رأيت محدّثا أحسن وجهًا من مالك، وقال عيسى بن [¬١٢] عمر المدنيّ: ما رأيتُ قطُّ بياضًا ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشدّ بياض ثوب منه. ووصَفه غير واحد من أصحابه، منهم: مطرف، وإسماعيل، والشافعي، وبَعضهم يزيدُ [¬١٣] على بعض، قالوا: كان طوالًا
стр. 155
جَسيما عظيم الهامة، أبيض الرأس واللّحية، شديد البياض إلى الصُّفرة، أعيَن: حسن الصورة، أصلَع، أشَمّ، عظيم اللِّحية، تامَّها تبلغ تامها تبلغ صدره، ذات سعَة وطول؛ وكان يأخذ إطار [¬١] شاربه ولا يحلقُه ولا يُحفيه، ويَرَى [¬٢] حَلْقَه من المَثل، وكان يترك له سَبَلَتيْن طويلتَيْن، ويحتَجّ بفَتْل عُمر لشاربه [¬٣] إذا همَّه [¬٤] أمر.
ووصفه أبو حنيفة بأنه أزرق أشقر.
قال أبو العباس بن سُريج [¬٥] القاضي، وذكرت له صفته: هذه صفةُ عاقلٍ، أو قال [¬٦]: الفِراسَةُ تدل على أنّ مَن [¬٧] هذه صِفَتُه يكون عاقلًا.
وقال [¬٨] مُصْعب الزبيريّ: كان [¬٩] مالك من أحسن الناس وجهًا، وأحلاهم عينًا [¬١٠]، وأنقاهم بياضًا، وأتمّهم طولا، في جودة بدن.
قال بعضهم: كان مالك رَبعَة في الرجال. والأول أشهر.
قال غيره [¬١١]: دخلت على مالك فرأيتُه في إزار، وكان في أذنيه كِبَرٌ كأنهما كفّا إنسان [¬١٢] أو دون ذلك.
قال الحكم بن عبدة: دخلت مَسجد المدينة، فإذا بمالك [¬١٣] وله شَعرَةٌ (١) قد فَرَقَها [¬١٤].
قال أحمد بن إبراهيم الموصلى: رأيتُ مالكًا مضموم الشّعر، قالوا: ولم يكن يَخْضِب، ويحتجّ بعلى رضي الله تعلى عنه، وهذا هو المشهور عنه. وقد روى أن بعض ولاة المدينة قال له: لم لا تخضِب يا أبا عبد الله؟ فقال له [¬١٥]: هذا بقي عليك من العدل؟
стр. 156
وقد روى ابن وهب أنه رأى مالكًا يَخْضِب بالحِنّاء.
وروى نحوه عبدُ الرحمن بن واقد، ولم يقل: بالحناء.
قال الواقدي: عاش مالك تسعين سنة لم يَخْضِب شيتبه [¬١] ولا دخل الحمّام، وفي رواية: ولا حلَق قفاه.
باب في ملبسه وطيبه وحليته ومسكنه ومطعمه ومشربه
قال محمد بن الضحّاك:
كان مالك جميل الوجه، نقى الثوب رقيقَه، يكره اختلاف اللبوس.
قال خالد بن خِداش [¬٢]: رأيت على مالك طيلسانًا طِرَزايا، وقلنسوة متركة [¬٣]، وثيابا مَرويّة جيادًا، وفي بيته وسائد، وأصحابه عليها قعودًا [¬٤]، فقلت له: يا أبا عبد الله: الذي أرى شيء أحدثته أم وجدت الناس عليه؟ قال: رأيت الناس عليه.
قال الوليد بن مُسلم: كان مالك لا يلبس الخز ولا يرى لبسَه، ويلبس البياض، ورأيته والأوزاعى يلبسان السِّيجان (١)، ولا يريان بِلبسَها [¬٥] بأسا.
قال بشر بن الحارث: دخلتُ على مالك فرأيتُ عليه طيلسانًا يساوي خمسمائه دينار [¬٦] قد وقع جناحاه على عينيْه [¬٧]، أشبه شيء بالملوك.
قال أشهب: كان مالك إذا اعتمّ جعل منها تحت دقنه، وأسدل طرفها بين كتفَيه.
قال ابن وهب: رأيت على مالك ربطةً عدنيةَ مصبوغة بمَشْقٍ [¬٨] (٢)
стр. 157
خَفيف وقال لنا: هو [¬١] صبغ أحِبُّه، ولكنّ أهلى [¬٢] أكثروا زعفرانها فتركته، وقال لنا: ما أدركتُ أحدًا يلبس هذه الثياب الرقاق إنما [¬٣] كانوا يلبسون الصّفاق إلا ربيعة، (١) فإنه كان يلبس مثل هذا وأشار إلى قميص عليه عدَني رقيق.
قال الزبيري: كان مالك يلبس الثياب العَدنية [¬٤] الجياد، والخُراسانية والمصرية المرتفعة العالية البيض، ويتطيّب بطيب جيد، ويقول: ما أحب لأحدٍ أنعم الله عليه ولا يُرِى [¬٥] أثر نعمته عليه، وبخاصة [¬٦] أهل العلم؛ وكان يقول: أُحِبُّ للقارئ أن يكون أبيض الثياب.
قال ابن أبي أويس: ما رأيت في ثوب مالك حبرًا قط.
قال أشهب: كان مالك يستعمل الطّيب الجيّد المسك [¬٧] وغيره. قال الواقدي: كان مالك يجلس في منزله [¬٨] على ضجاع، ونمارقُ مطروحة يمنةً ويُسْرة في سائر البيب لمن يأتيه من قريش والأنصار ووجوه الناس.
قال أشهب: كان مالك إذا اكتحل لضرورة جلس في بيته، وكان يكرهه إلا لعلة.
قال ابن نافع الأكبر، ومطرف، وإسماعيل: كان خاتَم مالك الذي مات وهو في يده فَصُّه حجَر [¬٩] أسود، نقشُه سطران فيهما: "حسبي الله ونعم الوكيل، بكتاب جليل، وكان يحبِسه في يساره، وربَّما خرج علينا وهو في يمينه، لا نشك أنه كان إذا توضأ حوَّله في يمينه.
وسأله مطرف عن اختياره لما نقش فيه، فقال: سمعت الله يقول:
стр. 158
"وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (١)، إلى آخر الآية الأخرى. قال مُطرّف: فحولتُ [¬١] خاتمي وصيَّرته كذلك. والله أعلم [¬٢].
قال أحمد بن صالح: كان مالك قليل الشّيء، يُظْهِر التجمُّل، ضيِّق الأمر، لم يكن له مَنْزل، كان يسكن بكراء إلى أن مات.
وسأله المهديّ: أَلك دار؟ فقال: لا، وحدّثني ربيعةُ: أن نسَب المرء دارُه.
قال عتيق بن يعقوب كان على باب مالك مكتوب: ما شاء الله، فقيل له في ذلك، فقال: قال الله: "ولولا إذ دخلت جَنّتَك قُلْتَ ما شاء الله لا قُوّة إلا بالله" [¬٣] (٢) الآية، والجنةُ: الدار.
قال ابن المنذر: كانت دارُ مالك بن أَنَس التي كان ينزل فيها [¬٤] بالمدينة دار عبد الله بن مَسعود، وكان مكانُه من المسجد مكانَ عمر بن الخطّاب، وهو المكان الذي كان يُوضَع [¬٥] فيه فراش رسول الله ﷺ في المسجد إذا اعتكف، كذا قال الأُوَيْسي [¬٦]: وقال مُصْعب [¬٧]: كان مالك يجلس عند نافع مولَى ابن عُمر في الرَّوضة حياةَ نَافِع وبعدَ موته.
قال ابن بُكَيْر كان مَولد مالك بذى المَرْوَة (٣) وكان أخوه النَّضْر يبيع البَزَّ، فكان مالك [¬٨] معه بزّازًا، ثم طلب العلم، وكان ينزل أولًا بالعَقيق [¬٩] (٤)، ثم نزل إلى المدينة [¬١٠].
стр. 159
وقيل لمالك: لم تنزلُ العقيق؟ فإنه يشقّ عليك إلى [¬١] المسجد.
فقال: بلغني أن النبي [¬٢] ﷺ كان يُحبُّه وكان يأتيه [¬٣]، وأن بعضَ الأنصار أرادَ النّقْلَة منه إلى قرْب المسجد، فقال له النبي ﷺ : أما تَحْتَسِبون [¬٤] خُطاكم؟
قال إسماعيل بن أبي أويس: كان لمالك في كلّ يوم في لحمه درهمان، وكان يأمر خَبّازه سَلمة في كلّ جُمعة أن يعملَ له [¬٥] ولعياله طعاما كثيرًا.
قال مُطرّف: لو لم يجد مالك كل يوم درهمين يبْتاعُ بهما لحمًا إلا أن يبيع في ذلك بعضَ متاعه لفَعل، وكانت وظيفته في لحمه.
وقال ابن أبي حازم: قلت لمالك: ما شرابك يا أبا عبد الله؟ قال: في الصَّيفِ السّكَّر، وفي الشتاءِ العسل.
وكان مالك يُعجبُه الموز ويقول: الموز ويقول: لم يَمَسَّه ذُبابٌ ولا يدُ أسوَدَ، وليس شيءٌ أَشبهَ بثَمَر الجنّة منه، لا تطلبُه في شتاء ولا صيفٍ إلا وجدته. قال الله تعالى: "أَكلُها دائم وظلُّها" (١).
قال أبو السَّمْح [¬٦] طلْق بن السمح: رأيت مالكًا على بغلة سَرِية بسرج سرّيٍ [¬٧] عليها، وعليه ثياب سَرية، وغلام بمشي خلفه حتَّى أَتى إِلى باب [¬٨]
стр. 160
باب داره فدخل راكبًا إلى موضع مُعرَّسه [¬١] فنزلَ وقعد، فأخذ غلام منديلًا فمسحَ خُفّه ونزَعه (*).
قال القاضي أبو الفضل ﵁:
الأخبارُ المشهورة عنه بخلاف هذا كما سنذكُره [¬٢]، وأنه كان لا يركب بالمدينة إكرامًا لتُربةٍ فيها رسول الله ﷺ ، مدفونٌ.
قال محمد بن مالك: كانت عَمّتي مع مالك في منزله، فتهييء [¬٣] له فطره خبزًا وزيتا.
ووَعظ مالكٌ مرةً أبا جعفر المنصورَ في افتقاد الرَّعية.
فقال له: أليسَ إذا بكت بنتُك من الجموع تأمر بحجر الرَّحيَ فيحرّك ليلًا يسمع الجيرانُ بكاءها؟
فقال مالك: واللهِ ما علم بهذا إلا الله.
فقال له: فعلمتُ هذا، ولا أعلم أحوال رعيتي؟
وهذا، واللهُ أعلم، كان في ابتداء حالِه وضيق أمره، وأكثرُ هذه الحكايات المختلفة التي أوردنا منها، ونورد، في اختلاف أحواله في دُنياه، إنما كانت لاختلاف الاوقات وتنقُّل الأحوال؛ إذ حالُ المرء في بدايته بخلاف حاله في نهايته؛ فقد عاش [¬٤]﵀ نحو التسعين سنة على ما تقدم، فكان فيها إمامًا يَرْوِي ويُفْتِي ويُسْمَع قولُه نحو سبعين سنة، تنتقل أحواله في كُلّ حين زيادة في الجلالة، ويتقدم في يوم [¬٥] علوُّه [¬٦] في الفضل
стр. 161
والزعامة، حتى مات، وقد انفرد منذ سنين، وحاز رياسة الدين والدنيا دون منازع، فلا تعارض بينَ ما يرد عليك من الأخبار في اختلاف أحواله، والله الموفق.
باب في عقله وسمته وأدبه وحسن معاشرته وغير شيء من شمائله
قالوا: كان رَبيعة إذا جاء مالك يقول: قد جاء العاقل.
قال ابن مهدي [¬١]: لقيتُ أربعة: مالكًا وسفيان وشُعبة وابن المُبارك، فكان مالكٌ أشدَّهم عقلًا. [وقال: ما رأَت عيناي أحدًا أهيب من هيبة مالك، ولا [¬٢] أتمَّ عقلًا، ولا أشدَّ تقوى، ولا أوفر دماغًا] [¬٣] من مالك.
وقال هارون الرشيد عنه: ما رأَيت أعقلَ منه.
وقال ابن وهب: الذي تعلّمنا من أَدب مالك أكثر مما تعلّمنا من علمه.
قال أَحمد بن حنبل: قال مالك: ما جالستُ سفيها قط، وهذا أَمر لم يَسْلَم منه غيره، قال أحمد [¬٤] بن حَنبل [¬٥]: ليس في فضائل العلماء أَجلُّ من هذا.
قال أَبو نُوحٍ [¬٦]، ومُصْعَب الزُّبَيْرِي: ذكر مالك يومًا شيئا، فقلنا له: من حدثك بهذا؟ قال: إنا لم نجالس السفهاء.
وقال زياد بن يونس: كان والله مالكٌ أعظم الخلق مروءة، وأكثرَهم سمتا [¬٧]، وكان إذا جلس جلسة لا ينحَلّ [¬٨] منها حتى يقوم، ورأيته كثيرَ الصمت قليل الكلام، متحفظا للسانه.
стр. 162
قال ابن المبارك: كان مالك أَشدَّ الناس مداراة للناس وترك ما لا يعنيه.
قال ابن أبي أويس: كان مالك يَستعمل الإنصاف ويقول: ليس في الناس أقلُّ منه فأردت المداومة عليه.
قال الزهراني: كان مالك إذا أَصبح لبس ثيابه وتعمم، ولا يراه أَحد من أهله ولا أصدقائه إلا متعمما لابسا ثيابه، وما رآه أحد قط [¬١] أكل أو شرب حيث يراه الناس، ولا يضحَك ولا يتكلم فيما لا يعنيه.
وحكى ابن فهر [¬٢] المصري [¬٣] قال: قال أبو بكر بن إِسحق (١) إِذا ذكر عقل أبي على الثقفي يقول: ذلك عقل مأخوذ من الصحابة [¬٤] والتابعين، وذلك أن أَبى عليّ أقام بسمرقند أربع سنين يأَخذ تلك [¬٥] الشمائل من محمد بن نصر المَروْزي (٢)، واخذها [¬٦] ابن نصر عن يحيى بن يحيى (٣)، فلم يكن بخراسان أعقل منه، وأخذها يحيى عن مالك، أقام عليها لأخذها سنة بعد أن فرغ [¬٧] من سماعه، فقيل له في ذلك فقال: إنما أقمت مستفيدا لشمائله فانها شمائل الصحابة والتابعين.
وكان مالك لذلك يسمَّى (*) العاقل. واتفقوا على أنه أعقل زمانه.
قال زهير بن عباد [¬٨]: ما كنت أقول لمالك [¬٩] رحمك الله إِلا قال: وأنت رحمك الله، وإذا قلت له: عافاك الله قال: وأنت عافاك الله، حسن أدب.
قالوا: وكان من أحسن الناس خلقا أحسن الناس خلقا مع أهله وولده، ويقول: في ذلك
стр. 163
مرضاةٌ لربّك، ومَثْراة في مَالك [¬١]، ومَنسَأة في أجلك، وقد بلَغنى ذلك عن بعض أصحاب النبيّ، ﷺ .
قال عبد الله بن عبد الحَكَم: هيّأَ مالك بنُ أنَس دعوة للطلبة وكنتُ فيهم، فمضينا معه إلى داره، فلما دَخلنا الدار قال: هذا المُستراح وهذا الماء، ثم دخَلنا البيت فلم يدخُل معنا، ودخَل بعد ذلك، فأتانا بالطعام، ولم يؤتَ بالماء قبلَه لغسل أيدينا، ثم أتي به بعده.
فلما خرج الناس سألته عما [¬٢] رأيت.
فَقال [¬٣]:
أما إِعلامي لكم بالمستراح والماء، فإنما دعوتكم لأبرَّكم، ولعل أحدكم [¬٤] يصيبه بَوْلٍّ أو غيره [¬٥] فلا يدري أين يذهب فيصل إليه [¬٦] الضَرر.
وأما تركي [¬٧] الدخول معكم في البيت [¬٨]، فلعلى أقول: ها هنا أبا فُلان فاجلس [¬٩]، وها هنا [¬١٠] أبا فلان اجلس، وقد أنسى بعضكم فيظُنُّ ذلك بُغضًا فيه، فتركتكم حتى أخذتم مجالسكم ودخلت عليكم.
وأما تركى الماء قبلَ الطعام، فإن الوضوء قبله من سُنَّة الأعاجم، وأَما بعده فقد جاء في ذلك حديث.
قال الشافعي: سئل مالك عن الصُّورة في البيت، فقال: لا تنبغي
стр. 164
فقال له رجل عراقي: يا أبا عبد الله! هو ذا في بيتك صورةٌ.
قال: أنا [¬١] ساكنٌ فيه منذ كذا ما رأيته قط، قم فحكها [¬٢]، فأخذ قناة فلف عليها خرقة ثم حكها.
قال مطرف: كان مالك إذا دخل بيته قال: ما شاء الله ولا حول ولا [¬٣] قوة إلا بالله، فسئل عن ذلك فقال: قال الله تعلى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (١) الآية [¬٤]، وجنّتُه: بيته.
وقيل: إن ذلك كان على باب مالكٍ مكتوبا، يريد ليتذكر برؤيته قول ذلك متى دخل.
باب في ابتداء طلبه، وسيرته في ذلك، وصبره عليه وتحريه فيمن يأخذ عنه
قال مطرف: قال مالك: قلت لأمي: أذهَب فأكتب العلم، فقالت: تعالَ فالْبَس ثياب العلم، فألبَستنى ثيابًا مشمرَّة ووضعت الطويلة على رأسى، وعممتني فوقها؛ ثم قالت: اذهب فاكتب الآن.
وقال ﵀: كانت أمي تعَمّمنى وتقول لي [¬٥]: اذهب إلى ربيعة فتعلَّم من أدبه قبل عِلمه.
قال ابن القاسم: أقضي بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقْفَ بيته فباع خشبُه [¬٦]،
стр. 165
ثم مالت عليه الدُّنيا بعدُ.
وروى مثل هذا عن ربيعة.
قال أنس بن عياض: جالستُ ربيعةً، ومالكٌ يومئذ يجلس معنا، وما يعرف إلّا بمالك أخى النضر، ثم ما زال حرصه على طلب العلم حتى صِرنا نقول: النَّضْر أخو مالك، وكان مالك طلَبه حين يتبع ظلال الشجر [¬١] ليتفرغ لما يريد، فقالت أخْتُه لأبيه: هذا أخى لا يأوى مع الناس، قال يا بُنيَّة: إنه يحفظ حديث رسول الله، ﷺ .
قال مالك كان لي أَخٌ في سن ابن شهاب، فألقي أبي علينا يومًا مسألة فأصاب أخي وأخطأتُ، فقال لي أبى: ألهَتْك الحمام عن طلب العلم، فَغَضِبْتُ وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين، وفي رواية ثمان سنين، لم أخلطه بغيره، وكنت أجعل في كُمّى تَمْرًا، وأناولهُ صبيانَه وأقول لهم: إن سأَلكم أحدٌ عن الشيخ فقولوا: مشغول.
وقال ابن هرمز يومًا لجاريته: مَن بالباب؟ فلم تَرَ إلا مالكًا، فَرَجعت فقالت له: من ثم إلا ذلك الأشْقَر، فقال لها دَعيه، فذلك عالِم الناس.
وكان مالكٌ قد اتخذ تُبَّانًا [¬٢] (١) محشوا المجلوس على (*) باب ابن هرمز يتقى به برد حَجَرٍ هناك، وقيل: بل بَردْ صحْن المسجد، وفيه كان مجلس ابن هُرمز.
قال مالك: إن كان الرجل ليختلف للرجل ثلاثين سنة يتعلم منه، فظننا أنه يريد نفسه ابن هرمز، وكان ابن هرمز استحلفه أن لا يذكر اسمه
стр. 166
في حديث.
قال ابن عينة: شهدت مالكًا يسأل زيد بن أسلم عن حديث عمر عمر: أنه حمل على فرس في سبيل الله، فجعل يرفق به ويسأله عن الكلمة بعد الأخرى، والشيء بعد الشيء، وكان في خلق زيد شيء.
قال ابن عبد الحكم: قال لي مالك: كنا نأتي ابن شهاب في داره في بَنى الدّيل، وكانت له عتبةٌ حسنة كنا نجلس عليها تتدافع إذا دخلنا عليه.
وقال مالك: كنا نجلس إلى الزُّهري وإلى محمد بن المنكدر، فيقول الزهري: قال ابن عمر كذا وكذا، فإذا كان بعد ذلك جلسنا إليه وقلنا له: الذي ذكرت عن ابن عمر من حدَّثك به؟ فيقول: ابنُه سالم.
قال مُصْعَب: كان مالك يقود نافعًا من منزله إلى المسْجد، وكان قد كُفّ بصره، فيسأله فيحدثه، وكان منزل نافع بناحية البقيع.
قال مالك: كنت آتي نافعًا مولى ابن عمر، وأنا يومئذ غُلامٌ ومعى غُلامٌ، فينزل إلى من درجة له فيقعد معى [¬١]، فيحدثني.
وقال: كنت آتى نافعًا نصف النهار، وما تظلني الشجرة [¬٢] من الشمس أَتحيّنُ خروجه [¬٣]، فإذا خرج أدعه ساعة كأني لم أُرده [¬٤]، ثم أتعرض له فأسلم عليه وأدعه، حتى إذا دخل البلاط أقول له: كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟ فيحيبني، ثم أحبس عنه، وكان فيه حدة؛ وكنت آتى ابن هرمز بكرة، فما أَخرج من بيته حتى الليل.
стр. 167
قال الزبيري [¬١]: رأيت مالكًا في حلقة ربيعة، وفي أذنه شَنْف، (١) وهذا: يدل على ملازمته الطلب من صغره كما قال في خبر نافع.
قال ابن أبي زنبر: سمعت مالكًا يقول: كتبت بيدي مائة ألف حديث. وروى عنه ابن إسحاق: ما كتبت عن أحد كتابًا على وجهه إلا عن العلاء [¬٢].
وروى ابن وهب عنه أنه قال: ما كتبت في هذه الألواح قط.
قال أحمد بن صالح: نظرتُ في أصول كُتب مالك فإذا شبيهُ باثنى عشر ألف حديث.
قال عبيد الله [¬٣] بن عمر: عامة ما سمعت من ابن شهاب أنا ومالك عَرْضًا، كان مالِكٌ يقرأ لنا، وكان [¬٤] حسن القراءة.
وقال ابن مهدى: سئل مالك عن سماعه من الزُّهرى فقال: أقلُّ ذلك العرض.
وقال له ابن وهب: أكنت تقرأ العلم على أحد؟ قال: لا.
وروى عنه أنه قال: قدم علينا الزُّهرى فأتيناه ومعنا ربيعة، فحدَّثَنا نَيّفًا وأربعين حديثًا، ثم أتيناه الغد، فقال: انظروا كتابًا حتى أحدثكم منه أرأَيتم ما حدَّثتكُم به أمس أي شيء في أيديكم منه؟ فقال له ربيعة: هاهنا من يَردُّ عليك ما حدَّثت به أمس، فقال: ومن هُو؟ قال: ابن أبي عامر، قال: هات! فحدَّثتُه بأربعين حديثًا، منها. فقال الزهري:
стр. 168
ما كنت أرَى أنه بَقِيَ من يَحفظ هذا غيري.
وقال مالك في رواية أخرى: شهدت العيد فقلت: هذا اليوم يوم يخلو فيه ابن شهاب، فانصرفت من المصلى حتى جلست على بابه، فسمعته يقول الجاريته: انظرى مَن على الباب، فنظرت، فسمعتها تقول: مولاك [¬١] الأشقر مالك فقال [¬٢]: أدخليه، فدخلت فقال: ما أراك انصرفت بعد إلى منزلك، فقلت: لا. قال: هل أكلت شيئا؟ قلتُ: لا. قال: فاطعم، قلت: لا حاجة لي فيه. قال: فما تريد؟ قلتُ تُحدّثِني، فحدثني سبعةَ عشر حديثًا ثم قال: وما ينفعُك أن أحدثَك ولا تحفظُها؟ قلت: إن شئتَ رددتُها عليك، فرددتها عليه.
وفي رواية: قال لي: هات، فأخرجتُ ألواحي، فحدثني بأربعين حديثًا فقلت: زدني. فقال لي: حسبك، إن كنت رويت هذه الأحاديث فأَنت من الحُفّاظ، قلت: قد رويتها، فجبذ الألواح من يَدِى ثم قال: حَدِّث، فحدثتهُ بها، فردِّها إليّ وقال: قُم، فأنَت من أوعية العِلم، أو قال: إنك لنعم المستودع للعلم.
ورُوى عنه: حدثّني ابن شهاب بأربعين حديثا ونيِّفٌ، منها حديث السَّقِيفة فحفظتها، ثم قلت: أعِدْها عليّ، فإني أُنسيت النيف على الأربعين فأبى، فقلت أما كنت تحب أن يُعادَ عليك؟ قال: بلى! فأعاد، فإذا هو كما حفظت.
وفي رواية: أن ابن شهاب قال له: ما استفهمت عالمًا قطُّ، ثم استرجع وقال: ساء حِفظُ الناسٌ، لقد كنت آتي سعيد بن المسيب وعُروة والقاسم،
стр. 169
وأبا سامة وحميدًا وسالما، وعد جماعةً، فأدور عليهم [¬١] أَسْمَع من [¬٢] كُلِّ واحدٍ من الخمسين حديثًا إلى المائة ثم أنصرف، وقد حفظته كله من غير أن أخلط حديث هذا في حديث هذا.
وقال مالك في رواية ابن وهب: كنت أجلس إلى ابن شهاب، ومعى خيط فإذا حدَّث عقدت الخيط، ثم رجعت [إلى البيت، يعني فكتبت.
قال: وفي رواية ابن زَيد [¬٣]: كان ابن شهاب إذا جلس يحدث ثلاثين حديثًا] [¬٤]، فحدَّث يوما وعقدتُ حديثه، فأنسيت منها حديثًا، فلقيته فسألته عنه، فقال: ألم تكن في المجلس؟ قلت: بلى. قال: فما لك لم تحفظه؟ [¬٥] قلت: ثلاثون [¬٦]، إنما ذهب عني [¬٧] منها واحد، فقال: لقد ذهب حفظ الناس، ما استودعت قلبي شيئًا قطُّ فنَسِيته، هات ما عِنْدَكَ! فسألُته فأنبأني وانصرفت [¬٨].
وقال عبد العزيز بن عبد الله: سئل مالك أسمع من عَمرو بن دينار؟ فقال: رأيته يحدث، والناس قيام يكتبون، فكرهت أن أكتب حديث رسول الله [¬٩] ﷺ وأنا قائم.
وقال أحمد بن صالح: جاء مالكٌ إلى عمر وبن دينار فلم يفهم كلامه
стр. 170
لأنه كان أهتم [¬١] (١) فذهب إلى بيت [¬٢] الزبير فكتب عنده [¬٣].
قال الزُّبَيرى [¬٤]: مر مالك بأبي الزِّناد، وهو يحدث، فلم يجلس إليه، فلقيه بعد ذلك فقال له: ما منعك أن تَجلِسَ إليّ؟ قال: كان الموضِعُ ضيّقًا فلم أرِد أن آخذ حديث رسول الله ﷺ وأنا قائم.
وروى أن القصّةَ جرت له مع أبي حازم.
قال ابن وهب: سئل مالك هل كنتم تَتَقايسُون [¬٥] في مجلس ربيعةَ، ويكسر بعضكم على بعض؟ قال: لا [وَالله.
وقال مالك: كان] [¬٦] أبو عبيدة بن محمد بن عَمّار بن ياسر [¬٧] يقول لنَا إذا أخذتم في السّاذَج تكلَّمنا معَكم، وإذا أخذَتم في المنقُوش قُمنا عنكم [¬٨].
وقال ابن أبي أويس:
سمعت مالكًا يقول: إن هذا العلم دِينٌ فانظروا عمن تأَخذونه؛ لقد أدركتُ سبعين ممن يقول: قال رسول الله ﷺ عند هذه الأساطين، وأشار إلى المسْجد، فما أخذتُ عنهم شيئًا، وإنَّ أحدهم لوائتُمِن على بيت مالٍ لكان أمِينا، إلا أنَّهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.
وفي رواية ابن وهب، وحبيب [¬٩]، وابن عبد الحكم: نَحوه.
стр. 171
وعن مُطَرِّف عَنه: أدرَكتُ جماعة من أَهلِ الْمَدينَةِ ما أَخذتُ عنهم شيئًا من العلم، وإنّهم ليؤخَذ عنهم العلمُ، وكانوا أصنافًا، فمنهم من كان يَكذِب في حَديثه الناسَ ولا يكْذِب في علمِه، ومنهم من كان جاهلًا بما عندَه، ومنهم من كان يُزَنُّ برأي [¬١] سوه، فتركتُهم لذلك.
وفي رِواية ابن وَهب عنه: أدركتُ بهذه البلْدة أقوامًا لو استُسْقِي بهم المطر [¬٢] لسُقوا، قد سمعوا العلمَ والحديث كثيرًا، ما حَدَّثت عن أحد منهم [¬٣] شيئًا؛ لأنّهم كانوا ألزَموا أنفسَهم خوفَ اللهِ والزُّهدَ، وهَذا الشّأنُ، يعنى الحديثَ والفُتيَا، يحتاجُ إلى رجل معَه تُقى وورَعٌ وَصيانَةٌ وإتقَانٌ وعِلْم وفَهم، فيعلَم ما يَخرج من رأسِه وما يَصِل إليه [¬٤] غدًا، فأَما رجلٌ بلا إتقان ولا مَعرفة فلا ينتفَع به، ولا هو حُجّة، ولا يُؤخَذ عنه.
ورَوى عنه ابن كِنانة: رُبّما جلَس إلينا الشيخُ جُلِّ نهارِه مَا نأخذ عنه، ما (*) بِنا أَن نتّهِمه، ولكن لم يكُن من أهل الحديث.
قال مالك: وكُنّا نزْدحم عَلَى دَرَج ابن شِهاب حتى يَسْقط بعضُنَا على بعض، قال: وكانت عِندي صناديقُ من كتُبٍ ذهَبت، لو بقيت لكان أَحَبَّ إليّ من أهلى ومالى.
ورَوى بعضُهم عَنه أنه قال: كتبتُ يدي مائةَ ألفِ حديث.
قال مالك: أتيتُ زيدَ بن أسلَم فسمعتُ حديثَ عُمر [¬٥]: أنه حَمَل على
стр. 172
فرسٍ في سبيل الله، فاختلفتُ إليه أيامًا أسأله فيُحدّثني [¬١]، لعلّه يَدخلهُ فيهِ شَكّ أو معنى فأتركهُ [¬٢]، لأنه كان ممّن شغَله الزهد عن الحديث.
وقيل له: لم لم تكتب عن عطاء؟
قال أردت أن آخذَ عنه، وأردت أن أنظر إلى سَمته وأمرِه، فاتَّبَعْته حَتّى أتَى منبَر النّبي ﷺ ، فمسح الفاشيةَ والدَّرجة السُّفلى يعنِي في المنبر، فَلم أكتُب عنه إذ ذاكَ؛ لأنه من [¬٣] فعل العامّة، والدرجةُ السُّفَلى والغَاشيةُ شيءٍ أصلَحه بَنو أميّة؛ فلما رأيتُه لا يفَرق بين مِنبر النّبي ﷺ وغيرِه، ويفعَل فِعل العامَّة تركتُه.
وقد روَى مالكٌ عن رجل عنه، فلعلّه تَرَكه أولًا لِما رأَى منه ولم يَعرِف حقيقةَ ما كان عليه من الفضْل والعِلم، ولهذَا ما أراد النظَرَ إليه واختبارَه [¬٤]، فلما استبانَ له بعدَ ذلك حاله وعِلمُه [¬٥]، وقد فاتَه، أَخذ علمه عن غيره.
قال ابن عيينة: ما رأيتُ أحدًا أجودَ أخذًا للعلم من مَالك، وقال: رحِمَ الله مالكًا، ما كان أشدَّ انتقاده للرجال والعُلماء.
وقال ابن المديني:
لا أعلم أحدًا يقوم مقامَ مالك، في ذلك.
وقال أحمد بن صَالح، ما أَعَلم أحدًا أَشدَّ تَنقيًا للرجال والعُلماء من
стр. 173
ما لك، ما أعلمَه [¬١] رَوى عن أحدٍ فيه شيءٍ، روَى عن قومٍ ليسَ يُترَك منهم أَحد.
وروى عنه ابن وهب أنه قال: دخلتُ على عائشة بنتِ طلحة طَلْحَة فاستضْعَفُتها فلَم آخذ عَنها إلا: "كانَ لأبي مِرْكَن يتوضّأ هُو وجَميع أَهلِه منه".
وقال: إن كنتُ لأَرى الرجلَ من أهلِ المدينة، وعندَه الحديثُ أحب أن آخذ عَنه، فلا أراه موضعًا للأخذ عنه، فأتركَهُ حتى يمُوت فيفوتُني.
وقال: رأيتُ أيّوب السِّختِياني بمكة حجّتْين، فما كتبتُ عنه، ورَأيته في الثَّالثة قاعدًا في فِناءِ زَمزَم، فكان إذا ذُكِر النّبي ﷺ عندَه يَبكي حتى أرحمه، فلما رأيتُ ذلك كتبتُ عنه.
قال ابن وَهب:
نظَر مالكٌ إلى المطَّاف بن خَالد فقال: بلغني أنكم تأخُذون مِن هَذا، فقلتُ: بلَى، فقال: ما كُنَّا نأخُذ الحديثِ إلا مِن الفقهاء.
باب في ابتداء ظهوره في العلم [¬٢]، وقعوده للفتوى والتعليم، وحاجة الناس إليه
قال اللَّيْث:
قدِمنا المدينةَ، فإذا عبدُ العزيز بن أبي سَلَمة ومالكٌ قد اكتنَفا ربيعةَ،
стр. 174
وعلاه عبدُ العزيز، ثم قدمت مرة أخرَى، فإذا مالكٌ علا عبدُ العزيز.
قال محمد بن فُليح: كنت عند ربيعة [¬١] ومالك يجلس إلَيْه [¬٢]، ثم نَبُل واحتيج [¬٣] إليه، فانتقل مِن مجلس ربيعة وطُلِبَ منه العلم، فكنتُ فيمن انتقل إليه من مجلس ربيعة، وَكُنّا [¬٤] جماعةً، أمرني بذلك أبى.
قال سفيان بن عيينة: دَارت مسأَلةٌ في مجلس ربيعة، فتكلَّم فيها [¬٥] ربيعةُ فقال مالك: ما تقول فيها يا أبا عثمان؟ قال ربيعة: أقول فلا تقول، وأقول إذ لا [¬٦] تقول، وأقول فلا تفقه ما أقول، ومالِكٌ ساكِتٌ، فلم يجب بشيء وانصرف [¬٧]، فلما راح إلى الظُّهر جلَس وحدَه وجلَس إليه القَوم [¬٨]، فلما صلى المغرب اجتمع إلى مالك خمسون أو أكثر، فلما كان من الغد اجتمع عليه [¬٩] خلقٌ كثير، قال: فجلس للناس وهو ابن سبعَ عشرةَ سنة، وعُرفت له الإمامة وبالناس حياة إذ ذاك.
قال ابن المنذر: أفتَى مالك في حياة نافع وزيد بن (*) أسلَم.
قال ابن عبد الحكم: أفتَى مالك مع يحيى [¬١٠] بن [سعيد.
قال أيوب] [¬١١]: وربيعة [¬١٢] ونافعَ.
قال عاصم بن عمر: كنا نأخذ عن مالك في حياة يحيى بن سعيد.
قال أيوب السختياني: قدمت المدينة في حياة نافع ولمالك حلقة.
стр. 175
قال مصعب: كان لمالك حلقة في حياة نافع أكثر من [¬١] حلقة نافع، وفي رواية: "ربيعة" [¬٢] مكان نافع.
قال شعبة: قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة، ولمالك يومئذ حَلْقةً، وكان موت نافع سنة سبع عشرة.
قال الامام أبو الفضل ﵁:
هذا كله صحيح، لما تقدم [¬٣] أن مالكًا جلس للناس ابن سبع عشرة سنة، ومولده سنة ثلاث [¬٤] وتسعين، على خلاف فيما قبلها وبعدها [¬٥]، فأتى [¬٦] موت نافع، وسنه نيف وعشرون [¬٧] سنة بعد أن جلس للناس بسنين.
قال ابن وهب: قال لنا مالك يوما: دعانى الأمير [¬٨] في الحداثة أن أحضر المجلس، فتأخرت حتى راح [¬٩] ربيعة، فأعلمته وقلت: لم أحضر حتى جئت أستشيرك [¬١٠]، فقال لي [¬١١] ربيعة: نعم.
قال ابن وهب: فقلت له [¬١٢]: فلو لم يقل لك احضر لم تحضر قال: لم أَحضر [¬١٣]، ثم قال: يا أبا محمد! لا خير فيمن يرى نفسه بحالةٍ [¬١٤] لا يَراه الناسُ لَها أَهْلًا [¬١٥].
стр. 176
وفي رواية أخرى: لما حضرتُ مع رَبيعة عندَ السلطان، رأيتُ الكراهيةَ في وجهه.
فقلتُ له لمَّا خرجنا: إن كنت تكره [¬١] أن أحضر [¬٢] لم أحضر، إنما [¬٣] تعَلّمنا منك.
قال: فلا أكره، إنه [¬٤] ليَحضُر [¬٥] معنا من أنت أفقَه منه.
قال مالك: ليس كلُّ من أحَبّ أن يَجلس في المسجد للحديث والفُتْيا جلَس، حَتَّى [¬٦] يُشاوِرَ فيه أهلَ الصَّلاح والفَضْلِ، وأهلَ الجِهة من المسجد؛ فإن رأوه لذلك أهلًا جلَس، وما جلستُ حتّى شهِد لي سبعون شيخًا من أهل العلمِ أنى موضعٌ [¬٧] لذلك.
قال ابن وَهب: وجاء [¬٨] رَجل يَسأل مالكًا عن مسألةِ، فبادر ابن القاسم فأفتاهُ، فأقبل عليه مالكٌ كالمغضَب [¬٩] وَقال له [¬١٠]: جَسَرت على أن تفتى يا عبد الرحمان؟! [¬١١] يكرّرُها [¬١٢] عليه، مَا أفتيتُ حتى سأَلت: هل أنا للفُتْيَا مَوْضع؟ [¬١٣]
فلمَّا سَكَن غضَبه قيل له: من سألت؟
قال [¬١٤]: الزُّهري ورَبيعَةَ الرأي.
стр. 177
قال [مالك: كان [¬١] ربيعةُ الرأي إذا] [¬٢] سألَه الرجلُ فلم يفهَم عنه يقول له [¬٣]: سَل هذا! فأَقول للِسائل: إنه ينهاك [¬٤] عن كذا.
قال ابن بُكَير وغيرُه: أولُ ما بانَ من فِقه مالك أن رجلًا أَوْصَى عندَ وفاته أنه قد زوَّج ابنتَيْه من ابنَى أخِيه، وقد أَخَذَ [¬٥] مُهورَهما، ومات الرجلُ، فَأَحضَر الوَاليُّ، وكان الحسنَ بن يزيد [¬٦]، الناسَ، وفيهم ابن أبي ذِئْب، وابنُ عِمْران، وابنُ أبي سَبْرَة [¬٧]، ومالكٌ وهو حَدَث، وذكَر المسألَة لَهم [¬٨]، فقال جميعهم: ذلك جائزٌ، ومالك ساكت.
فقال الواليّ [¬٩]: ما ترَى يَا مَالك؟
قال: لا يَجوز ذَلِكَ [¬١٠]، فغضِب الجميعُ، وقال ابن أبي ذئب: لا يَشاء أن يردّ علينا إلا رَدّ.
فقال الواليّ: أصابَ وأخطأتم، ثم قال لَه. من [¬١١] أين قلتَ يا أبا عبد الله هذا؟
قال: أرأَيتم إن أهديتا جميعًا إلى زوجَتْهما، فتعلَّق كلُّ واحدٍ منهما بهَوْدَج واحِدةٍ، كلُّ واحدٍ يقول: هي زَوجتي دونَ الأخرَى، لِمَن تَقْضون بها؟
فسكَت القَوم، وقالوا: أَصاب.
стр. 178
قال الواليّ [¬١]: فما ترى يا أبا عبد الله؟
قال: النكاحُ مفسوخ حَتَّى تُّسَمَّى كلُّ امرأةٍ لرجل معيّن.
وقال ابن الماجشون: مِمّا عُلم به فضل [¬٢] مالك أن سارقًا أُخذ، ومعه قمح قد سرقه من تلاليس لهذا، ولهذا، حتى اجتمع قمح كثير، فاعترف بذلك، فأَحْضَر الواليُّ من بالمدينة، وفيهم رَبيعةُ، ويحيى بن سعيد، ومعهم مالك على حَدَاثَةِ سنّه، لمعرفتهم بعلمه؛ فلما أخذوا مجالسهم، سألهم الوالى عن المسألة، وأخرج القمح، فإذا شبيه [¬٣] بأربعة أرادب [¬٤]، فكلُّهم رأى أن عليه القطع، ومالك ساكت.
فقال له: تكلّم!
قال: لا قطع عليه، فاستعظم ذلك من هناك [¬٥]، وسألوه من أين قاله؟ فقال لهم: هل يجب القطع إلا في ربع دينار فصاعدًا؟ فأما أن يسرق من هذا التليس ما يساوي درهمًا، ومن هذا ما يساوي درهما هكذا فهذا لا قطع [¬٦] عليه، فانصرف الناس وقد بان فضل عِلْمِه.
قال أبو الحسن الطّالبي: سأل مالكًا [¬٧] صَفوانُ بن سُليم، وهو أحَد شيوخ مالك الجِلَّة الفضلاء النُّقّاد، عن رؤيا رآها في النوم، وَمَالكٌ إذ
стр. 179
ذاك غلام [¬١] صَغير، فقال له مَالِك [¬٢]: ومِثلك يَسأل مثلى؟!
فقال له: وما عليك يا ابنَ أخي؟ رأيت كأنني أَنظر في مرآة.
فقال له مالك: أنتَ تنظر في أمر آخرتك، وما يقَرِّبك إلى ربّك.
فقال له صَفوان: أنت اليوم مَوْيِلكٌ، ولئن بقيتَ لتكوننَّ مالكًا، اتّق الله يا مالك، إذا كنت مالكًا [¬٣]، والا فأنت هالك.
قال مالك: وكان قبل يدعوني مويلكا، فلَمّا سألَني قال لي: يا أبا عبدِ الله، وهو أول يوم كنّاني [¬٤] فيه.
قال الطّالبي: وفي قوله: "وما عليك، إشارَةً إلى أنه كان عِندَه مستأهلا لجواب ما سَأل عنه.
قال القاضي أبو الفضل [¬٥]، ﵁: ولو لم يكن عِندَه كذلك لما سَأله، ولا استحَلَّ [¬٦] لنَفسِه ولا لَه الخوضَ في عِلم الغَيبِ، والتلاعبِ بالنبوّة.
قال الحرث [¬٧]:
أوصَى ابن هرمز مالكًا وعبد العَزيز بن أَبي سلَمة: إذا دَخَلتما على السلطان فكُونا من آخر [¬٨] من يتكلّم، فلزِم مالك وصيتَه، فبلغني أنه حضَر عنَد الأمير مع ابن أبي ذِئب ونُظرائه، فاستفتاهم في رجل أقرَّ على
стр. 180
نفسه بالقتل عمدًا، فأفتى كلُّهم بالقتل، إلا أن يَعْفُو الأولياءُ، ومالكٌ ساكت، فسأله فقال: انظر، وهو مُطْرِق. ثم سأله فقال: هُو القتل، (١) حتى أنظُر، فقالوا: ما [¬١] تَنظر؟ رجلٌ أقَرْ أنه قَتل عمدًا، أيُّ شيء هذا؟ فقال أين القاتل المُقِر؟ فإذا فتى حدث السن، فقال: منذ كم حبس؟ قيل: منذ كذا، فإذا حَبْسه وإقراره قبل أن يحتلم، فسُرِح. وهذا، والله أعلم، إن أنكر [¬٢] إقرارهَ ورجع عنه.
قال أحمد بن صالح:
كان مالك في ثلاث طبقات: طبقَة دونَه، وأُخْرَى معَه، وأخرى فوقه، ولم يكن في الثلاث طبقات من يجيد الطلب مثله، فاق الثلاث طبقات فالتي فوقَه من ولد في الثمانين: ابن عَجلان، وابن أبي [¬٣] ذئب، ونَمَطهم؛ والتي معه: عبد العزيز بن الماجشون، وابن أَبي الزناد، وسليمان بن بلال وغيرهم، والذين دوّنه [¬٤]: ابن الدَّراوَرْدِى، وابن أبي حازِم، وأنَس بن عِياض، ونمَطُهم [¬٥].
قال ابن القاسِم: قال لي مالك: كنّا نجلِس إلى ربعة أربعيَن مُعتمًّا سوى من لا يعْتَمّ [¬٦]، ما نَدْري منهم إلا [¬٧] أربَعة.