فقال: أوصني، فقلت [¬١]: أوصيك بتقوى الله وحده، والعطفِ على أهل بلَد رسُول الله ﷺ وجِيرانه، فإنّه بلَغنا أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: المدينة مُهَاجَري، ومنها مَبْعَثي، وبها قبري [¬٢]، وأهلُها جيراني وحَقيقٌ على [¬٣] أُمّتي حِفظي في جِيراني؛ فمن حفظهم في كنتُ له شَهِيدًا أو شفيعًا يومَ القيامة، ومن لَم يحفظ وصِيتي [¬٤] في جِيراني سقاه الله مِن طِينَته الخَبَال [¬٥] (١).
باب الآثار في اختصاص المدينة بفضل العلم [¬٦] والإيمان والسنة والقرآن
(*) روت عائشة رضي الله تعالى عنها [¬٧] أن النبي ﷺ قال: فُتحت المدائنُ بالسّيْف [¬٨]، وافتتحت المدينةُ بالقرآن (٢).
وعن أبي سَعِيد المَقبُريّ عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 72
وسلَّم: المدينة قبة الإسلام، ودار الإيمان، وأرضُ الهجرة، ومبدأ الحلال: والحرام". (١)
وروي كثير بن عبد الله عن أبيه عن جدّه أن رسول الله ﷺ قال: "إن الدين لَيَأرِز إلى المدينة"، وفي رواية: "الحجاز" كما تأِرزُ الحَيّة إلى جُحْرها (٢)، وليعْقلَنّ الدينُ من الحجاز معقَل الأرْوية [¬١] من رأس الجبَل. إن الدّين بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، فطُوبى للغُرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدى من سنتى (٣) ".
وعن عائشة [¬٢] رضي الله تعالى [¬٣] عنها عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيَنحازّن [¬٤] الإسلام إلى المدينة كما يحوز السيل الدّمَن".
وعن أبي هريرة عنه ﵊ [¬٥] أنه قال [¬٦]: "لا تقوم الساعة حتى يأرِزَ الإيمانُ إلى المديِنة كما تأرِزُ الحَيّة إلى جحْرهَا.
قال أبو مُصْعَبَ الزُّهري [¬٧] في هذا الحديث":
والله ما يأرِز إلا إلى أَهله [¬٨] الذين يقومون به، ويشرعون شرائعه، ويعرفون
стр. 73
تأويله، ويقومون بأحكامه.
وما ذاك من رسول الله ﷺ [مدحًا للأرض والدُّور، وما ذاك إلّا مدحًا] [¬١] لأهلها، وتنبيهًا [¬٢] على أن ذلك باق فيهم، زائلٌ عن غيرهم حين يُرفع [¬٣] العِلم، فيتخذُ الناس رؤساء جُهالًا [¬٤]، فيسألون فيقولون بغير علم فيَضِلُّون ويُضِلُّون.
قال ابن [¬٥] أبي أوَيِس: سمعت مالكًا يقول في معنى الحديث:
"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ" [¬٦]، أي يعود إلى المدينة كما بدأ منها.
باب فضل علم أهل المدينة وترجيحه [¬٧] على علم غيرهم واقتداء السلف بهم
قال زيد بن ثابت:
إذا رأيت أهل المدينة على شيءٍ فاعلم أنه السُّنة.
قال ابن عُمَر:
لو أن النّاس إذا وقعت فتنةٌ رَدُّوا الأمر فيه إلى [¬٨] أَهل المدينة، فإذا اجتمعوا على شيء، يعني [¬٩] فَعَلوه، صلح الأمر، ولكنه إذا نعَق ناعِقٌ تبِعَه الناس.
стр. 74
قال مَالك:
كان ابن مسعود [¬١] يُسأَل بالعراق [¬٢] عن شيء [¬٣] فيقول فيه، ثم يَقدُم المدينة [فيسأل فيجد الأمر] [¬٤] على غير ما قال؛ فإذا رجع لم يَحطَّ رحلَه [¬٥]، ولم يدخل بيته [¬٦]، حتى يرجع إلى ذلك الرجل [¬٧] فيخبِرَه بذلك.
قال:
وكان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعَلّمهُم السُّنن والفقه، ويكتُب إلى المدينة يَسألهم عمّا [¬٨] مضَى، لعلّه يَعمل بِما [¬٩] عندَهم.
وكتب إلى أبي بكر بن حَزْم [¬١٠] أن يَجمَع له السُّنَن ويكتبَ بها إليه، فتوفي، وقد كتب لَه ابن حَزْم كتُبا [¬١١]، قبل أَن يبعث بها إليه [¬١٢].
قال مالك:
والله ما استوحشَ سعيدَ بن المسيب ولا غيره من أهل المدينة لقول قائل من النّاس، ولولا أن عمرَ بن عبد العزيز أخذ هذا العلم بالمدينة لشَكّكَه كثيرٌ من الناس.
وقال عبدُ الله بن عُمر بن الخطّاب:
كتَب إليّ عبدُ الله، يَعني ابنَ الزُّبير، وعبدُ الملك بنُ مَروان، كلاهما يَدْعوني إلى المَشُورة، فكتَبتُ إليهما [¬١٣]: "إن كنتما تريدان المشورة، فعليكما بدار الهجرة والسّنة".
стр. 75
وقال رجل لأبي بكر بن عمرو بن حَزم [¬١] في أمر: "والله [¬٢] ما أدري كيف أصْنَع في كذا"؟ فقال أبو بكر: يابنَ أخي! [¬٣] إذا وجدتَ أهل هذا البلَد [¬٤] قد أَجمَعوا على شيء [¬٥] فلا تشكَّن فيه أنه الحقّ.
وقال الشافعي: إذا وجدت مُعتمدًا من أهل المدينة على شيء، فلا يكن في قَلبك منه شيء.
وقال الشّافعي أيضا: أمّا أصول أهل المدينة فَليسَ فيها حيلةٌ من صِحّتها [¬٦].
قال ابن نافِع: كان مالك يَرى أن أهل الحَرَمْين إذا بايعوا لزِمت البيعةُ أهلَ الإسلام.
قال مالك: كان ابن سِيرين أشبهَ الناس بأهل المدينة [¬٧] في ناحية ما يأخذ بِه [¬٨].
قال أبو نُعيم: سألت مالكًا عن شيء، (*) فقال لي: إن أردتَ العِلم فأقِم، يعني بالمدينة؛ فإنَّ القرآن [¬٩] لم ينزل على الفُرات.
قال الشّافعي [¬١٠]: رحلت إِلى المدينة فكتبتْ بها اختلافَهم، زاد في رواية: "في الجَدّ" [¬١١].
قال مِسْعَر: قلت لحبيب بن أبي ثابت: أيُّما أعلَم بالسنّة، أَو بالفِقه؟ أهلُ الحجاز [¬١٢]، أم أهل العِراق؟ قال: أهلُ الحجاز.
стр. 76
وقال الشافعي: كل حديثٍ لَيس له أصلٍّ بالمدينة، وإن كان منقطعًا ففيه ضَعْفٌ.
وقال مالك، ﵀، في إثر ذِكر التّشهد في الوصية: هو [¬١] الذِي أَدركتُ عليه الناسَ بهذه البَلْدة، فَلا تَشُكّ [¬٢] فيه فهو الحقّ.
قال عبدُ الله بن عُمر: بَعث عُمَر بن عبد العزيز [¬٣] نافعًا إلى مِصر يعلّمهم السنن.
قال مُجاهد وعمرو بن دينار وغيرُهما من أَهل مكّة: لَم يزَل شأْنُنا [¬٤] متشابهًا متناظرًا حين خَرج [¬٥] عطاء بن أبي رَباح إلى المدينَة [¬٦]، فلمَّا رَجع إِلينا استَبان فضله علينا [¬٧].
رسالة مالك إلى الليث بن سعد (١) في هذا
"من مالك بن أنس إلى اللّيث سَعد، سَلام عليك [¬٨]، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعدُ عصَمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإياك من كل مكروه. اعلم رحمك الله أنه بلغني [¬٩] أنك تُفتِي الناسَ بأشياء [¬١٠] مخالِفةً لما عليه جماعةُ الناس [¬١١] عندَنا، وببلدِنا [¬١٢] الذي نحن فيه.
стр. 77
وأنت في إمامتك وفضلك، ومنزلتِك من أَهل بلدك [¬١]، وحاجةَ من قِبَلهم إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك، حَقيقٌ بأن تخافَ على نفسك، وتَتَّبع ما ترجو النجاة باتباعه؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه العزيز [¬٢]: "وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ من المهاجرين والأنصار" [¬٣] (١). الآية، وقال تعالى: "فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" [¬٤] (٢) الآية [¬٥]؛ فإنما الناس تَبَع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن، وأَحِلَّ الحلال وحُرّم الحرام؛ إِذ رسول الله ﷺ بين أظْهُرهم، يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه [¬٦]، ويَسُنّ لهم فيتبعونه، حتى توفّاه الله واختار له ما عنده، صلوات الله عليه [¬٧] ورحمته وبركاته.
ثم قام من بعده [¬٨] أَتْبَعُ الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده [¬٩]، فما نزل بهم ممّا عَلِموا أَنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه [¬١٠] ثم أخَذُوا بأقوى [¬١١] ما وجَدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم، وإن خالفهم [¬١٢] مخالف، أو قال أمرًا غيرُه أقوى منه وأولى، تُرك قولُه، وعمل بغيره.
ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون ذلك السّبيل [¬١٣]، ويتبعون تلك السّنن.
стр. 78
فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرًا معمولا به لم أَرَ [¬١] لأحدٍ خلافَه، للذي في أيديهم [¬٢] من تلك الوراثة [¬٣] التي لا يجوز لاحد انتحالُها ولا [¬٤] ادعاؤها.
ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العملُ الذي ببلدنا، وهذا الذي مضَى عليه من مضَى منّا [¬٥]، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جازَ لهم [¬٦].
فانظر - رحمك الله - فيما كتبتُ إليك فيه [¬٧] لنفسك، واعلم أني أرجو أَن لا يكون دَعاني [¬٨] إلى ما كتبت به إليك إلا النصيحةُ لله تعالى وحدَه [¬٩]، والنظرُ لك والظن بك، فأَنزل كتابي منك منزلَه [¬١٠]، فإنك إن فعلت تعلم أني لم آلُك نُصْحا [¬١١].
وفّقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسوله في كل أمر وعلى كل حال [¬١٢]. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته [¬١٣].
وكُتب يوم الأحد لتسع مضين من صفر". أتيْنا بها على وجهها لسَرد فوائدها، وهي صحيحة مَروية.
وكان من جواب الليث على هذه الرسالة [¬١٤]: (١)
стр. 79
" .... وأنه بلغك عنى أني أفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وأنه يحق [¬١] عليّ [¬٢] الخوف على نفسى لا عتماد [¬٣] من قبلى على ما أفتيهم [¬٤] به وأن الناس تَبَعٌ [¬٥] لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن *.
وقد أصبتّ بالذي كتبتَ به من ذلك إن شاء الله، ووقع مني بالموقِع [¬٦] الذي لا أكره، ولا أحَدَ [¬٧] أشدّ تفضيلا مني لعلم أَهل المدينة الذين مضَوا، ولا آخَذ [¬٨] بفُتياهم [¬٩] منى، والحمدُ لله.
وأما ما ذكرتَ [¬١٠] من مُقام رسول الله ﷺ بالمدينة، ونزل القرآن عليه بين ظَهراني أصحابه، وما علّمهم الله منه [¬١١]، وأن الناس صاروا تبعا لهم [¬١٢] فكما ذكرت".
أنا اختصرت [¬١٣] هذه، وأتيتُ [¬١٤] منها بموضع الحَاجة.
باب ما جاء عن السلف والعلماء في وجوب الرجوع إلى عمل [¬١٥] أهل المدينة، وكونه عندهم حجة [¬١٦] وإن خالف الأثر [¬١٧].
стр. 80
رُوى ان عمر بن الخطاب رضي الله [¬١] تعلى [¬٢] عنه قال على المنبر: أحرّج [¬٣] بالله [¬٤] على رجل روى [¬٥] حديثًا العملُ على خلافه.
قال ابن القاسم وابن وهب: رأيت العمل عند مالك أقوى من الحديث.
قال مالك: وقد كان رجال من أهل العلم من التابعين يحدِّثون بالأحاديث وتبلُغهم [¬٦] عن غيرهم فيقولون: ما نجهل هذا، ولكن مضى العمل غيره.
قال مالك: رأيت محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم (١)، وكان قاضيًا، وكان أخوه عبد الله (٢) كثير الحديث، رجل صدق، فسمعت عبد الله إذا [¬٧] قضَى محمد بالقضية [قد جاء فيها الحديث] [¬٨] مخالفا للقَضاء - يعاتِبُه، يقول له: ألم يأت في هذا حديث كذا؟ فيقول: بلى. فيقول له أخوه: فما لَك لا تقضى به؟ فيقول: فأَين الناس عنه؟ يَعنى ما أجمع عليه من العمل بالمدينة [¬٩]، يريد أن العمل به [¬١٠] أقوى من الحديث.
قال ابن المعذَّل: سمعت إنسانا سأل ابن الماجشون: لِمَ رويتم الحديث ثم تركتموه؟ قال: ليُعلَم [¬١١] أنّا على عِلم تركناه.
قال ابن مهدي (٣): السنّة المتقدمة من سنة أهل المدينة خيرٌ من الحَديث. وقال أيضا: إنه [¬١٢] ليكون [¬١٣] [عندي في الباب الأحاديث الكثِيرة فأجِد أهل العرصة [¬١٤] على خلافه فيضعف] [¬١٥] عندي، أو نحوَه.
стр. 81
وقال ربيعة: ألف عن ألف أحبُّ إليّ من [¬١] واحد [عن واحِد؛ لأن واحدًا عن واحد] [¬٢] ينتزع [¬٣] السنة [¬٤] من أيديكم [¬٥]. قال ابن أبي حازم: كان أبو الدّرداء يُسأل فيجيب، فيقال له: إنه بلغنا كذا وكذا بخلاف ما قال، فيقول: وأَنا قد سمعتُه، ولكنه أدركت العملَ على غير ذلك.
قال ابن أبي الزناد: كان عُمر بن عبد العزيز يَجمع الفقهاء ويسألهم عن السُّنن والأقضية التي يُّعمل بها فيثبتها، وما كان منها لا يَعمل به الناس ألقاه [¬٦] وإن كان مخرجه من ثقة.
وقال مالك: انصرف [¬٧] رسول الله ﷺ من غزوة كذا في نحو كذا وكذا ألفًا من الصحابة، مات بالمدينة منهم نحو عشرة آلاف، وباقيهم تفرق في البلدان [¬٨]، فأيّهما [¬٩] أحرى أن يتّبع ويؤخذ بقولهم، مَن مات عندهم النبيُّ ﷺ [¬١٠] وأصحابُه الذين ذكرت، أو من مات عندهم واحدٌ أو اثنان من أصحاب النبي ﷺ ؟
قال [¬١١] عبيد الله [¬١٢] بن عبد الكريم الرازي: الرازي: قُبض [¬١٣] رسول الله ﷺ عن عشرين ألفَ عينِ تطرفِ
стр. 82
باب بيان [¬١] الحجة بإجماع أهل المدينة فيما هو، وتحقيق مذهب مالك ﵀ [¬٢] في ذلك [¬٣]
اعلموا، أكرمكم الله، أن جميع أَرباب المذاهب من الفقهاء والمتكلمين وأصحاب الأثر والنظر [¬٤] (*) إلبٌ [¬٥] واحد عَلى أَصحابنا في هذه المسئلة، محطّئون لنا فيها بزعمهم، مُحتجون علينا بما سَنَح لهم [¬٦]، حتى تجاوَز بعضهم حَد التعصب والتشنيع إلى الطّعن في المدينة وعدّ مثالبها، وهم يتكلمون في غير موضع خلاف؛ فمنهم من لم يتصوّر المسألة ولا تحقَّقَ [¬٧] مذهبنا، فتكلموا فيها على تخمين وحدس؛ ومنهم من أخذ الكلام فيها ممن [¬٨] لم يحققهُ عَنّا؛ ومنهم من أَحالهَا [¬٩] وأضاف لينا ما لا نقوله فيهَا، كما فعله الصَّيرفي والمحاملي والغزالى، فأوردوا عَنّا [¬١٠] في المسئلة ما لا نقُوله، واحتجوا علينا [¬١١] بما يُحتَج به [¬١٢] على الطاعنين على الإجماع.
وها أنا أفصّل الكلام فيها تفصيلًا لا يجد المنصِف إلى جَحده بعدَ تحقيقه سبيلًا، وألين موضع الاتفاق فيه [¬١٣] والخلاف إن شاء الله تعالى [¬١٤].
فاعلموا أَن إجماع أهل المدينة على ضربين: ضرب من طريق النقل والحكاية الذي تأثُره [¬١٥] الكافّة عن الكافة، وعملت به عملًا لا يخفَى، ونقَله الجمهور عن الجمهور عن زمن [¬١٦] النبي ﷺ [¬١٧]؛ وهذا الضرب منقسم على أربعة أَنواع:
стр. 83
أولها:
إما نقل شرع من جهة النبي ﷺ ، من قول أو فعل، كالصاع والمد، وأَنه ﵊ [¬١] كان يأخذ منهم بذلك صدقاتِهم وفطرتَهم، وكالأذان [¬٢] والاقامة، وترك الجهر يسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، وكالوقوف والأحباس.
فنقلُهم لهذه الأمور [¬٣] من قوله وفعله، كنقلهم موضع قبره ومسجده، ومنبره ومدينته وغير ذلك مما عُلم ضرورة من أحواله وسيرَه، وصفة صلاته من عدد ركعاتها وسجداتها [¬٤]، وأَشباه هذا.
أو نقل إقراره عليه الصلاة و [¬٥] السلام لما شاهده منهم [¬٦] ولم ينقل عنه [¬٧] إنكاره، كنقل عهدة الرقيق [¬٨] وشبه ذلك؛ أو نقل تركِه لأمور وأحكام لم يلزمنهم إياها مع شهرتها لَديهم وظهورها فيهم، كتركه أخذ الزكاة من الخضراوات [¬٩] مع علمه ﵇ بكونها عندهم كثيرة.
فهذا النوع من إجماعهم في هذه الوجوه حجةً [¬١٠] يلزم المصير إليه [¬١١]، ويترك [¬١٢] ما خالفه من خبرَ واحد أو قياس [¬١٣]؛ فإن هذا النقل [¬١٤] محقق معلومه مُوجب للعلم
стр. 84
القطعي، فلا يتُرك لما توجيه [¬١] غلبة [¬٢] الظنون؛ وإلى هذا رجع أبو يوسف وغيره من المخالفين ممّن ناظر مالكا وغيره من أهل المدينة في مسألة الأوقاف، والمدّ، والصّاع، حين شاهَد النّقلَ وتحقَّقه.
ولا يجب لمنصفٍ أن ينكر الحجة بهذا [¬٣]، وهو الذي [¬٤] تكلم عليه مالك عند أكثر شيوخنا؛ ولا خلاف في صحة هذا الطريق [¬٥] وكونهِ حجة عِندَ العُقَلاء، وتبليغُه العلمَ يدرك ضرورة، وإنّما خالف في تلك المسائل من غير أهل المدينةَ مَن لم يبلغه النقل الذي بها.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ولا خلاف بين أصحابنا في هذا، ووافق عليه الصَّيْرَفي وغيره من أَصحاب الشافعي: حكاه عنه الأبَهري [¬٦].
وقد خالف فيه بعض الشافعية عنادا، ولا راحة للمخالف في قوله: إنّ ما هذا سبيلُه فَهُم وغيرُهم من أهل الآفاق من البصرة، والكوفة، ومكة سواء؛ إذ قد نزَل هذه البلاد، وكان بها جماعةً من الصحابة ونُقلت السنن عنهم، والخبر المتواتر من أي وجه وردَ لزم المصير إليه، ووقع العلم به، فصارت الحجة في النّقل؛ فلَم تختصّ [¬٧] المدينةُ بذلك، وسقطت المسألة. وهذه من أقوى عُمَدهم.
فنقول لهم: كذلك نقول لو تُصُورت المسألة في حق غيرهم، لكن لا يوجد مثل هذا النّقل كذلك عند غيرهم؛ فإنّ شرط نقل التواتر تساوي طرَفيه ووسطه وهذا، موجود في أَهل المدينة ونقلِهم، الجماعة عن الجماعة، عن
стр. 85
النبي * ﷺ [¬١] أو والعمل [¬٢] في عصره وإنما ينقل [¬٣] أهل البلاد غيرها عن جماعتهم حين [¬٤] يرجعون إلى الواحد أو الاثنين [¬٥] من الصحابة، فرجعت المسألة إلى خبر الآحاد.
وبالحَرِيّ أن تُفرض المسألة في عمل أهل مكة في الأذان، ونقلهم المتواتر [¬٦] عن الأذان بين يَدَي] [¬٧] النبي ﵇ بها [¬٨]، لكن يعارض هذا آخرُ الفعلين من رسول الله ﷺ ، والذي مات عليه بالمدينة.
ولِهذا [¬٩] قال مالك لمن ناظره في المسألة: ما أدري ما أذان [¬١٠] يوم ولا ليلة، هذا مسجد رسول الله ﷺ يؤذّن فيه من عهده، ولم يُحفَظ عن أحدٍ إنكارَّ على مؤذن فيه.
النوع الثاني [¬١١]:
إجماعهم على عمل من طريق الاجتهاد والاستدلال.
فهذا النوع [¬١٢] اختلف فيه أصحابنا؛ فذَهب مُعظَمُهم إلى أنه ليس بحُجّة، ولا فيه ترجيح، وهو قول كُبراء البغداديين [¬١٣]، منهم ابن بُكَير، وأبو يعقوب الرّازي، وأبو الحسن ابن المتاب، وأبو العباس الطيالسي، وأَبو الفرج القاضي، وأبو بكر الأبهري، وأبو التمام: وأبو الحسن بن القصار [¬١٤]؛ قالوا: لأنَّهم بعض الأُمة، والحجة إنما هي بمجموعها، وهو قول المخالفين أجْمع.
وإلى هذا ذهب القاضي أبو بكر بن الطّيب وغيرُه، وأَنكَر هؤلاء
стр. 86
أن يكون مالك يقول هذا، وأن يكون مذهبه، ولا أَئمة [¬١] أصحابِه.
وذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة، ولكن يرجح به على اجتهاد غيرِهم وهو قولُ جماعة من متفَقّهتم، وبه [¬٢] قال بعض الشافعية، ولمَ يرتضِه القاضي أبو بكر، ولا محققو أئمتنا وغيرهم.
وذهب بعض المالكية إلى أن هذا النوع النوع حجة كالنوع [¬٣] الأول، وحكوه [¬٤] عن مالك؛ قال القاضي ابن نَصر [¬٥]: وعليه يدّل كلام أحمد بن المعذَّل، وأَبِى مُصعب، واليه ذهب القاضي أبو الحسن بن أبي عمر [¬٦]، من البغداديين، وجماعةٌ من المغاربة من أصحابنا، ورَأوْه [¬٧] مقدمًا على خبَر الواحد والقياس؛ وأطَبق المخالِفون أنه مذهب مالك. ولَا يصحّ عنه كذا مطلقا.
قال القاضي أبو الفضل ﵀ [¬٨] تعالى [¬٩]:
ولا [يَخلو عَمل أهل المدينة مع أخبار] [¬١٠] الآحاد من ثلاثة أوجه [¬١١]:
أما أن يكون مطابقًا لها، فهذا آكَدُ في صحتها إن كان من طريق النقل، أو ترجيحها [¬١٢] ان كان من طريق الاجتهادِ بِلَا خلاف [¬١٣] في هذا؛ إذ لا يعارضه هنا إلا اجتهادُ آخرين وقياسُهم عِند من يقدّم القياس على خبَر الواحد.
وإن كان مطابقا لخَبرِ يعارضه خبرٌ آخر، كان عملُهم مُرجّحا لخبرهم، وهو
стр. 87
أقوَى ما تُرجِّح به الأخبار إذا تعارضَت [¬١]، وإليه ذهبَ الأستاذ أبو إسحق الإسْفَراييني (١) ومن تابَعه من المحققين، من الأصوليين والفقهاء، من المالكية وغَيرهم.
وإن كان مخالفًا للأخبار جُملة [¬٢]، فإن كان إجماعهم من طريق النّقل تُرِك له الخبر بغير خلاف عندنا في ذلك، وعند المحققين [¬٣] من غيرنا على ما تقدم، ولا يجب عند التحقيق تصور خلاف في هذا، ولا التفات إليه؛ إذ لا يترك القطع واليقين لغلبة [¬٤] الظنون، وما عليه الاتفاق لما فيه الخلافُ [¬٥]، كما ظهر هذا للْمُخالِفِ المنصف فرجع. وهذه نكتَة المسألة، كمسألة الصّاع، والمدّ، والوقوف، وزكاة الخضروات، وغيرها.
وإن كان اجتماعهم اجتهادًا قُدّم الخبر عليه [¬٦] عند الجمهور، وفيه خلاف كما تقدم بين أصحابنا [¬٧].
فأما إن لم يكن ثَمّ عمل [¬٨] بخلاف ولا وفاق، فقَد سقَطت المسألة، ووجب الرجوع إلى قبول خَبر الواحد، كان من نقلهم أو نقل غيرهم، إذا صح [¬٩] ولم يعارض، فإن عارض هذا الخبرَ الذي نقلوه خبرٌ آخَر [¬١٠] نقَلَه غيرهم من أهل الآفاق [¬١١]، كان ما نقَلوه مرجّحا عند الأستاذ * أبي إسحاق وغيره من المحقّقين؛ الزيادة مَزِية مُشاهدتهم قرائن الأحوال، وتقعُّدهم [¬١٢] لِنقل آثار الرسول - عليه
стр. 88
السلام - وأنهم الجَمُّ الغَفِير، عن الجَمّ الغّفير، عنه [¬١].
وكثُر تحريف المخالف فيما نقّل عن مالك من ذلك سِوى ما قدَّمناه [¬٢]؛ فَحكَى أبو بكر الصَّيرفي (١) وأبو حامِد الغزالى (٢) أن مالكا يقول: لا يَعتبر إلا إجماع [¬٣] أهل المدينة دون غيرهم. وهذا ما لا يقوله مالك ولا [¬٤] أحدٌ من أصحابه. وحكَى بعض الأصوليين من المخالفين [¬٥] أن مالكًا يرى إجماع الفقهاء السبعة بالمدينة (٣) اجماعا [¬٦]، ووَجّه وقولَه بأنه لعهلم [¬٧] كانوا عنده أهل الاجتهاد في ذلك الوقت دون غيرهم. وهذا ما لم [¬٨] يَقُله مالكٌ ولا رُوى عنه.
وحكَى بعضُهم عنّا أنا لا نَقبل [¬٩] من الأخبار إلا ما صحِبَه [¬١٠] عملُ أهل المدينة. وهذا جهلٌ أو كذِب، لم يفرّقوا بين قولنا بِرَدّ الخَبر [¬١١] الذي في مقابَلَته [¬١٢] عملهم، وبين ما لا نَقبل [¬١٣] منه إلا ما واقفه عملَهم، فإن احتجُّوا علينا في هذا الفصل بردّ مالك حديثَ البَيّعَيْن بالخيار الذي روَاه هو وأَهل المدينة بأصحَّ أسانيدهم، وقول مالك، في هذا الحديث بعد ذكره [¬١٤] له في موطئه: (٤)
стр. 89
"وليس لهذا عندنا حدّ محدود، ولا أمر معمول به فيه [¬١]، وهذه المعارضة أعظم تهاويلهم [¬٢] وأشنع تشانيعهم، قالوا: وهذا ردٌّ للخبر الصحيح إذا لم يَجْرِ [¬٣] عليه عمل أهل المدينة، حتى قد أنكره عليه أهل المدينة، وقال ابن أبي ذئب (١) فيه كلاما شديدا معروفا (٢).
فالجواب أنه إنما ابتُليتم بسوء [¬٤] التأويل، فإن قول مالك هذا ليس مراده [¬٥] به ردَّ البيّعين بالخيار، وإنما أراد بقوله ما قال في بقية الحديث، وهو قوله: "إلا بيع الخيار"، فأخبر أن بَيْع الخيار ليس له عندهم حد لا [¬٦] يتعدَّى، إلا قدرَ ما تختبر فيه السلعة، وذلك يختلف باختلاف المبيعات، فيُرجَع فيه [¬٧] إلى الاجتهاد والعوائد في البلاد وأحوال المبيع وما يراد به.
بهذا فسَّر قوله محققو أئمتنا ﵏، وإنما [¬٨] ترك العمل بالحديث بغير تأول التفرق فيه بالقول وعقد البيع، وإن الخيار لهما ما داما متراوضين ومتساومَين، وهذا هو المعنى المفهوم من المتفاعلين، وهما المتكلّفان للأمر الساعيان فيه، وهذا يدل أنه قبل تمامه، ويعضده قوله: لا يَبِعْ أحدكم على بيع أخيه (٣) "، وهذا أيضا في المتساومين، فقد سماه بيعا قبل تمامه وانعقاده.
стр. 90
وقال بعض أصحابنا: الحديث منسوخ بقوله في الحديث الآخر: "إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع ويترادَّان". (١) ولو كان لهما الخيار لما احتاجا [¬١] إلى تخالف وتخاصُم، وقد يكون قول مالك على طريق الترجيح لأحد الخبرين بمساعدة عمل أهل المدينة لما خالفه كما تقدم، وقد قال بحديث البيعيَّن [¬٢] بالخيار والعمل به كثيرٌ من أصحابنا: ابن حبيب وغيره [¬٣].
ومما ذكره [¬٤] المخالفون عن مالك أنه يقول: إن المؤمنين الذين أمر الله باتّباعهم هم أهل المدينة؛ ومالكٌ لا يقول هذا، وكيف يقول هذا وهو يرى أن الإجماع حجّةٌ.
ومما عارض به المخالفون أن قالوا: إذا سلَّمنا بابَ النّقل الذي ذكرتم فما فائدة ذكر الإجماع والعمل، ومتى حصل [¬٥] النقل من جماعة منهم يحصل العلم بخبرهم، ويجب الرجوع إليه [¬٦] وإن خالفهم غيرهم.
فما فائدة ذكركم الإجماع مع الاتفاق على هذا؟.
فالجواب أنا نقول: إذا نقل البعض فلا يخلو الباقون، (إما) أن يؤثر عنهم خلاف اولا يؤثر، فإن لم يؤثر فهو ما أردناه، وإن علم الخلاف، فإن كان من القليل لم يلتفت إليه ولم تَقْدَح مخالفة [¬٧] القليل في الإجماع النقلى.
وقد اختلف في مخالفة القليل في الإجماع [¬٨] الاجتهادي (*) - على ما قرّره
стр. 91
قالوا: فإذا تقرر ما بسطتموه، رجَع الحكم إلى نقلهم وتواتر خبَرهم وعمَلهم، وبهِ الحُجّة، فما معنَى تسميته إجماعا.
قلنا: معناه إضافة النقل والعمَل إلى الجميع، من حيث لمَ ينقل أحدٌ منهم، ولا عَمِل بما يخالفه.
فإن قيل: فقد أحَلْتم المسألة، وصرتُم من إجماع إلى اجتماع [¬١] على نقل بقول أو عمَل؟
فالجواب: أن موجِب الكلام لنا في هذه المسألة مخالَفةُ العراقييّن وغيرهم لنا في مسائلَ طريقُها النَّقل والعَمل المستفيض، اعتمدوا فيها [¬٢] على أخبار آحاد، واحتجّ أصحابُنا بنقل أهل المدينة وعملِهم، المجتمَع عليه المتواتِر [¬٣]، على ترك تلك الأخبار لما قدمناه.
فإن قالوا: فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، (١) وهذا ردٌّ إلى غير الرَّسول، بل إلى عَملِ [¬٤] قومٍ من أمَّتِه.
قلنا: بل ما ردَدناهُ إلا إلى الرسول؛ إذ تقرر عندنا بالنقل المتواتر أن ذلك العمل [¬٥] هو سنة الرسول ﷺ [¬٦]، وعملُه، وإقرارُه.
قال القاضي أبو الفضل ﵁:
فأما قولُ [¬٧] من قال من أصحابنا: إن إجماعَهم من طريق الاجتهاد حُجة، فَحَجَّتُه ما لهم من فَضْلِ الصُّحبة والمخالطة والملابسة والمُساءلة، ومشاهدة الأسباب والقرائن؛ ولكلِّ [¬٨]
стр. 92
هذا فضلٌ ومزيةٌ في قوة الاجتهاد، وقد قال أصحابنا ومخالفونا: إن تفسير الصحابيّ الراوى لأحد مُحْتَمَلى الخبر أولى من تفسير غيره، وحجةٌ يُترك [¬١] لها تفسير من خالفه، لمشاهدته [¬٢] الرسول، وسماعه ذلك الحديث منه، وفَهمِه من حاله، ومخرَج ألفاظه، وأسباب قضيته [¬٣]، ما يكون له به من العلم بمراده مما ليس عند غيره، فرجَح تفسيره لذلك. فكذلك إجماع أهل المدينة بهذا السبيل، واجتهادهم [¬٤] مقدَّم على غيرهم ممن نأت داره ولم يبلغه إلا مجرد خبر معَرّىَ من قَرائنِه، سَليب [¬٥] من أسباب مخارجه.
ولهذا ما رجَّح الشافعي أحاديث شيوخ الصحابة على حديث أسامة في الدماء، قال: لأنّ ابن عمر وَعُبادة والمشيخة أعلم برسول الله ﷺ من أسامة، ولهذا رَجّح بعضن الأصُوليّن والفقهاء قياسَ الصحابيّ [¬٦] على قياس غيره، ولذلك رَجّح كثيرٌ منهم عَملَ الصحابيّ بالحديث إذا رواه، (*) على غيره من حديث لم يَعمل به راويه، وقد قال الشافعيّ مرةً: إجماع أهل المدينة أحبُّ إلى من القياس، وهذا قولٌ بأنَّ إجماعهم حجةٌ في وجه، بخلاف إجماع غيرهم الذي لا خلاف من أحد أنه لا تأثير له في الأحكام، إلا ما حكى عن بعض الأصوليين من [¬٧] أن إجماع أهل الحَرَمين والمِصَرين [¬٨] حجة كما قدمناه، وما رجح به [¬٩] أهل الأصول في تعارض الأخبار بعمل أهل مكة والمدينة.
وهذا، أكرمكم الله، منتهى الكلام في هذا الباب، ولُبابُ العقول
стр. 93
والألباب، ومُنْزَعٌ في المسألة من التحقيق والتدقيق يَشهد له كلُّ منصف بالصواب.
باب في ترجيح [¬١] مذهب مالك والحجة في وجوب تقليده وتقديمه على غيره من الأئمة.
قال القاضي أبو الفضل ﵁:
رأينا البداية به قبل الخوض في هذا مَاسّةً إلى تقديم مُقدّمةٍ وتمهيد قاعدة لموجب التَّقليد، عليها يَنبِني [¬٢] الكلام فيما قصدناه.
فأقول:
اعلموا [¬٣]- وفقنا الله واياكم - أن حُكمَ المتعبّد بأوامر الله تعلى ونواهيه، المتشرِّع بشريعة نبيه ﵇، طلب معرفة ذلك، وما يَتَعبّد [¬٤] به، وما يأتيه ويذره، ويجب عليه ويحرم، ويباح له ويُرغَّب فيه، من كتاب الله وسنّة نبيّه، فهما الأصلان اللذان لا تعرَف الشَّريعة إلا من قبلهما، ولا يُتَعَبَّد الله إلا بعلمهما، ثم إجماع المسلمين مُرتَّب عليهما، ومسنَدٌ إليهما؛ فلا يصح أن يوجد وينعقد إلا عنهما، إما من نصّ عرَفوه ثم تركوا نقله، أو من اجتهاد مبنى [¬٥] عليهما، على القول بصحة الإجماع من طريق الاجتهاد.
وهذا كله لا يتم إلا بعد تحقيق العلم بذلك، والطُّرُقِ والآلات الموصّلة إليه، من نقلٍ ونظر، وطلب قبله، وجمَعٍ، وحفظ، وعلم ما صحَّ من السنن واشتهر، ومعرفة كيف يتفَهَّم [¬٦]، وما به يتفهَّم من علم ظواهر الألفاظ،
стр. 94
وهو علم العربية واللغة، وعلم معاينها [¬١] ومعاني مراد الشرع ومقاصده، ونص الكلام [¬٢] وظاهره وفحواه، وسائر مَنَاحِيه، وهو المعبر عنه بعلم أصول الفقه، وأكثره يتعلق بعلم العربية ومقاصد الكلام والخطاب، ثم مأخذ قياس ما لم يُنَصّ عليه على ما نص، بالتنبيه على عِلّيته أو بتشبيهها له [¬٣].
وهذا كله يحتاج إلى مهلة، والتعبُّد لازم لحينه.
ثم الواصل إلى هذا الطريق، وهو طريق الاجتهاد والحكم به في الشَرع، قليلٌ وأقَل من القليل بعد الصدر الأول والسَّلَف الصالح، والقرون المحمودة الثلاثة.
وإذا كان هذا، فلا بدّ لمن لم يبلغ هذه المنزلة من المكلَّفين أن يتلقَّى ما تعبِّد بِه وكُلِّفَه من وظائف شَريعتِه ممن ينقله له، ويعرّفه به، ويَستند إليه في نقله وعلمه وحكمه، وهو التّقليد، ودرجةُ عوام النّاس بل أكثرهم هذا.
وإذا كان هذا، فالواجب تقليد العالم الموثوق به في ذلك [¬٤]، فإذا كثر العلماء فالأعلم.
وهذا حظُّ المقلِّد من الاجتهاد لدينه، ولا يترك المقلد الأعلم ويَعدِلُ إلى غيره، وإن كان مشتغلًا بالعلم؛ فيسأل حينئذ عما لا يعلم حتى يعلمه [¬٥]، كما قال الله [¬٦] تعالى: "فاسألوا: أهل الذِّكر إن كنتم لا تَعْلَمُون" (١)، وأمر النبي ﷺ [¬٧] بالاقتداء بالخلفاء بعده وأصحابه، وقد بعث النبي ﷺ ، أصحابه في الناس ليفقهوهم في الدين، ويعلموهم ما كتب عليهم، وحَضّ
стр. 95
الله تعالى كافتهم لتنفر ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (١).
وإذا كان هذا الأمر [¬١] لازمًا لابُدّ منه، وكان أولى من قلَّده العاميّ الجاهل، والمبتدئ [¬٢] المتَعبّد، والطالُب المسترشد والمتفقّه في دين الله، وأَحَقُّ بذلك، فُقَهَاءَ أصحاب رسول الله ﷺ الذين [¬٣] أخذوا عنه العلم، وعلِموا أسباب نزول الأوامر والنواهى، ووظائف الشرائع، ومخارج كلامه ﵇، وشاهدوا قرائن ذلك [¬٤]، وشافهوا في أكثرها النبي ﵇، واستفسَروه عنها، مع ما كانوا عليه من سَعة العلم ومعرفة معاني الكلام، وتنوير القلوب، وانشراح الصدور؛ فكانوا أعلم الأئمة بلا مِرية، وأولاهم بالتقليد، لكنهم لم يتكلموا من النوازل إلا في اليسير مما وقع، ولا تفرعت عنهم المسائل، ولا تكلَّموا من الشَّرع إلا في قَواعد ووقائع، وكان أكثرُ اشتغالهم بالعمَل بما عَلموا، والذِّب عن حَوزة الدّين، وتوطيد [¬٥] شريعة المسلمين، ثم بَينهمَ من الاختلاف في بعض ما تكلموا فيه ما يُبقِى المقلّدَ في حَيرة، ويحوجِه إلى نَظر وتوقف، وإنما جاء التفريعُ والتَّنتيج وبسط الكلام فيما يُتَوقَّع وقوُعه بعدَهم؛ فجاء التابعون فنظروا في اختلافهم، وبنوا على أَصولهم؛ ثم جاء من بعدهم من العلماء من أتباع التابعين، والوقائعُ قد كثرت، والنوازل قد حدثت، والفتاوى في ذلك قد تشعَّبت، فجمَعوا أقاويل الجميع، وحفظوا فقهَهم، وبحثوا عن اختلافِهم واتّفاقهم، وحَذِروا انتشار الأمر [¬٦]، وخروجَ الخِلاف عن الضّبط،
стр. 96
فاجتهدوا في جمع السُّنن وضبط الأصول، وسُئلوا فأجابوا، وبنوا القواعد، ومهدوا الأصول، وفرّعوا عليها النوازل، ووضعوا للناس في ذلك [¬١] التصانيف وبوبوها، وعمل كل واحد منهم بحسب ما فُتح عليه، ووفّق له؛ فانتهى إليهم علم الأصول والفروع، والاختلاف والاتفاق [¬٢]، وقاسوا على ما بلغهم ما يدل عليه أو يشبهه [¬٣]. رضى الله عن جميعهم، ووفّاهم أجر اجتهادهم.
فالمتعين على المقلد العامى وطالب العلم المبتدئ، أن يرجع في التقليد لهؤلاء لنصوص نوازله، والرجوع [¬٤] فيما أشكل من ذلك إليهم لاستغراق علم الشريعة ودورها عليهم، وإحكامهم النظر في مذاهب من تقدمهم، وكفايتهم ذلك لمن جاء بعدهم.
لكن تقليد جميعهم لا يتفق في أكثر النوازل وجمهور المسائل، لاختلافهم باختلاف الأصول التي بنوا عليها، ولا يصح [¬٥] أن يُقلِّد المقلِّد من شاء منهم على الشهوة والبَخْت [¬٦]، أو على ما وجَد عليه أهل قطره وآله.
فحظُه [¬٧] هنا من الاجتهاد النظرُ في اعلَمهم، وتعرف [¬٨] الأولى بالتقليد [¬٩] من جملتهم حتى يركَن العاميّ في أعماله إلى فتواه، ويعتمد في تعبُّداته على ما رآه [¬١٠]؛ وينصب العامى الأعلم من ملتزمي مذاهب [¬١١] هؤلاء منصبَه، ولا يحل له أن يعدو في استفتائه من لا يرى [¬١٢] مذهبَه؛ فقد قال بعض المشايخ: إن
стр. 97
الإمام لمن التزم تقليدَ مذهبه كالنبي، ﵇، مع أمتِه، لا يحلّ له مخالفتُه. وهذا صحيحٌ في الاعتبار، وبما [¬١] بسطناه وشرطناه [¬٢] يظهر صوابه لأولى البصائر والأبصار.
وكذلك يلزم هذا طالب العلم في بدايته [¬٣] في درس ما أصّله الأعلَم من هاؤلاء وفرَّعه، وحِفظِه ما أَلَّفه وجمعه، والاهتداء بنظره في ذلك والميل حيث مال معه [¬٤]؛ إذ لو ابتدأ الطالب في كل مسألة يطلب الوقوف على الحق منها بطريق الاجتهاد عسر عليه ذلك، إذ لا يتفق له (*) إلَّا بعد جمع خصاله، وتناهي كماله، وإذا [¬٥] كان بهذه السبيل استغنى عن تقليد أرباب المذاهب، وكان من المجتهدين بنفسه [¬٦]. فسبيله أن يقلد من يُعَرِّفُه أن هذا [¬٧] هو الحق، حتى إذا أدرك من العلم ما قُيّض له، وحصل منه ما قسم الله له [¬٨]، وأفلح وكان فيه محل للنظر [¬٩] والاجتهاد، انتقل إلى ذلك وأدرَكَه [¬١٠].
فإذا تقررت هذه [¬١١] المقدمة فنقول:
قد وقع إجماع المسلمين في أقطار الأرض على تقليد هذا النمط، واتباعهم، ودرس مذاهبهم [¬١٢] دون من قَبْلَهم، مع الاعتراف بفضل من قبلهم وسبقه ومزيد علمه، لكن للعلل التي ذكرنا، وكفاية ما نخلوه وانتقوه [¬١٣] من ذلك كما قدمنا.
стр. 98
ثم اختلفت [¬١] الآراء والهمم في تعيين [¬٢] المقَلَّد منهم بحسب ما اعتقدوا [¬٣] فيه أَنه هو الأعلم والأولى بالاتّباع [¬٤]، إما من اعتقاد اعتقدوه، أو انتشار [¬٥] ذِكر وثناء سمعوه، أو من أَتباع له اعتمدوه واتَّبعوه، أو من تقليد لآبائهم أَو أَهل بلادهم نشأوا عليه [¬٦] وألِفُوه.
فكان المقلَّدون المقتدى [¬٧] بمذاهبهم، أصحاب الأتباع في سائر الأقطار والبقاع قبلُ كثرةً:
مالك [¬٨] بن أنس بالمدينة، وأبو [¬٩] حنيفة (١) والثوري (٢) بالكوفة، والحسن البصري (٣) بالبصرة على تقدم منه [¬١٠]، والأوزاعي (٤) بالشام، والشافعي (٥) بمصر، وأحمد بن حنبل (٦) بعده [¬١١] ببغداد؛ وكان لأبي ثَوْرٍ (٧) هناك أيضا أَتباع [¬١٢].
ثم نشأ ببغداد أبو جعفر الطّبَريّ، وداود الأصبهاني (٨)، فألَّفا [¬١٣] الكتب، واختارا
стр. 99
في [¬١] المذاهب على رأى [¬٢] أهل الحديث، واطرح داودُ منهما [¬٣] القياس، وكان لكل واحد منهما أتباع.
وسرت [¬٤] جميع هذه المذاهب في الآفاق؛ فغلَب مذهب مالك على الحجاز [¬٥] والبصرة ومصر، وما والاها من بلاد أفريقية والأندلس وصِقِلّيَة والمَغرب الأقصى [¬٦]، إلى بلاد من أسلم من السودان [¬٧] إلى وقتنا هذا، وظهر ببغداد ظهورًا كبيرا [¬٨]، وضعف بها [¬٩] بعد أربعمائة سنة، وضعف بالبصرة بعد خمسمائة سنة، وغلَب من بلاد خراسان على قَزْوين [¬١٠] وأبْهَرَ، وظهر بنَيْسابُور أولا [¬١١]، وكان بها وبغيرها [¬١٢] له أئمّةٌ ومدّرسُون سنذكر منهم بعد في طبقاتهم من ألهم الله إليه [¬١٣]، وكان ببلاد فارس، وانتشر باليمن وكثير من بلاد الشام.
وغلب مذهب [¬١٤] أبي حنيفة على الكوفة والعراق وما وراء النهر، وكثيرٍ من بلاد خراسان إلى وقتنا هذا [¬١٥]، وظهر بافريقية ظهورًا كثيرا إلى قريب من أربعمائة عام، فانقطع منها، ودخل منه شيء ما وراءها من المغرب قديمًا بجزيرة [¬١٦] الأندلس وبمدينة فاس.
стр. 100
وغلب مذهب الأوزاعي على الشام وعلى جزيرة [¬١] الأندلس أولًا [¬٢]، إلى أن غلب عليها مذهب مالك بعد المائتين، فانقطع منها [¬٣].
وأما مذهب الحسن والثَّوْري فلم يكثُر [¬٤] أتباعهما ولم يطُل تقليدهما، وانقطع مذهبهما عن قريب.
وأما الشافعيّ فكثُر أتباعه وظهر مذهبُه ظهور مذهبَيْ مالكٍ وأبي حَنيفة قبله، وكان أولُ ظهوره بمصر، وكَثُر [¬٥] إصحابه [¬٦] بها مع المالكية، ثم بالعراق [¬٧] وبغداد [¬٨]، وغلب عليها وعلى كثير من بلاد خراسان، والشام، واليَمن، إلى وقتنا هذا، ودَخَل [¬٩] (ما) وراء النهر وبلادَ فارس [¬١٠]، ودخل شيء منه بلاد إفريقية [¬١١] والأندلس بأخرَةٍ [¬١٢] بعد الثلاثمائة.
وأما مذهبُ أحمد بن حنبل فظهر ببغداد، ثم انتشر بكثير من بلاد الشام وغيرها، وضعف الآن.
وأما أصحاب الطَبري وأبى ثَور [¬١٣]، فلم يكثُروا ولا طالت مُدتُهم، (*) وانقطع أَتباع أبي ثَور بعد ثلاثمائة، وأَتباعُ الطبري بعد أربعمائة.
وأما داود فكثُر أتباعُه، وانتشر ببغداد وبلاد فارس مَذهبُه، وقال به قوم قليلٌ بإفريقية والأندلس، وضعف [¬١٤] الآن.
стр. 101
فهؤلاء [¬١] هم [¬٢] الذين وقع إجماع الناس على [¬٣] تقليدهم مع الاختلاف في أعيانهم، واتفاق العلماء على اتّباعهم والاقتداء بمذاهبهم، ودرسِ كُتُبهم والتّفقُّه على مآخِذهم، والبناء على قواعِدهم، والتفريع على أُصولهم، دون غيرهم ممّن تَقدَّمَهُم [¬٤] أو عاصَرهم، للعِلَل التي ذكرنَاها.
وصار الناس اليوم في أقطار الدّنيا إلى خمسَة [¬٥] مذاهب [¬٦]: مالكية، وحفية، وشافعية، وحنبلية، وداودية، وهم المعروفون بالظّاهرية.
فحقٌّ على طالب العِلم، ومُرِيد تعرُّف الصواب والحقّ، أن يَعرف أَولاهم بالتّقلِيد، ليعتمَد [¬٧] على مذهبه، ويسلُكَ، في التفقُّه سَبيلَه.
وها نحنُ نبيّن أن مالكًا، ﵀ تعلى [¬٨]، هو ذاك، لجَمعِه أدوات [¬٩] الإِمامة، وتحصيله درجة [¬١٠] الاجتهاد، وكونه أَعلم القوم، بل أهل زمانه، وإصفاق [¬١١] أهل وقته على شهادتهم له بذلك وتقديمه [¬١٢]، وهو القدوة والناس إذ ذاك نَاسٌ والزّمن زمان، ثمّ للأثر الوارد في عالم المدينة التي هي دَارُه، وانطلاق هذا الوصف والإِضافة [¬١٣] على ألسنة الجماهير له [¬١٤]، وموافقة أحواله الحالَ الذي [¬١٥] أُخبِر في الحديث عنه، وتأويل السلف الصالح [¬١٦] له [¬١٧] أنه المراد به.
وتفصّل [¬١٨] الكلام في ذلك ونبسطه [¬١٩] في فصلين:
стр. 102
أَولُهما [¬١] مُعتَمده [¬٢] النقل والأثَر، وفي ذلك ترجيحان:
والثاني مَسْلكه [¬٣] الاعتبار والنّظَر، وفيه ثلاثة ترجيحات؛ فانتهينا في ترجيح مذهبه وعظيم [¬٤] قدره في العلم، وعُلُوّ منصبه [¬٥]- إلى خمس حُجَج كلها أَتينا [¬٦] فيها، بملغ الوسع، بما يقطع العذر، ويكاد ينتهي بعضها إلى مدْرك القطع [¬٧].
الفصل الأول:
اعلموا - وفقكم [¬٨] الله - أَنّ ترجيحَ مذهب مالكٍ على غيره وإنافة منزلتِهِ [¬٩] في العِلم، وسمُوّ قدرِه من طريق النّقل والاثَر، لا ينكره إلا معاند أَو وقاصِرٌ لَم يبلغه ذلك مع [¬١٠] اشتهاره في كتب المخالف والمساعد.
وهَا نحن نقرر [¬١١] الكلام في ذلك في محلّين [¬١٢]: أولهما [¬١٣] أَولاهما بالتقديم، وهو الأثر المشهور الصحيح [¬١٤] المروى في ذلك عن الرسول - عليه [¬١٥] السلام - من حديث الثقات، منهم سُفيان بن عيينة، عن ابن جُرَيج، عن أبي الزُّبير، عن [¬١٦] أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يُوشِكُ أَن يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ في طلَب العِلم"، وفي رواية: "يلتَمسُون العلم، فلا
стр. 103
يجدون عالما أعلّم"، وفي رواية: "أفقَه من عَالم المدينة"، (١) و [في رواية: "من عالم بالمدينة"] [¬١]، وفى بعضها: "آباطَ الإبل" مكان "أكباد الإبل".
وقد رواه غير [¬٢] سفيان عن ابن [¬٣] جُريج بمثل حديث سفيان، منهم المحاربي [¬٤] موقوفًا على أبي هريرة، ومحمد بن عبد الله الأنصاري مسندا، وهو ثِقَة [¬٥] مأمون.
وهذا الطّريق أَشَهر طُرقه، ورجال هذا الطريق رجال مشاهير ثقات، خرّج عن جميعهم البُخاريّ ومُسلم وأهلُ الصّحيح.
ورواه أيضا المقبُرى عن أبي هُريرة بلفظ آخر، حَدّث به القاضي أبو البَخْترِيّ [¬٦]: وَهب بن وَهب، عن عبد الأعلى بن عبد الله، عن المقبري، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ [¬٧] قال: "لا تنقَضى السّاعة حتى يضرب الناس أكباد الإبل من كل ناحية إلى عالم المدينة يطلبون علمه"، إلا أن أبا البخْتَري [¬٨] ضعيف عندهم، وقد رواه [¬٩] النسائي أيضا، وخرّجه في مصنَّفه عن علي بن محمد عن محمد [¬١٠] بن (*) كثير عن سُفيان عن أبي الزناد عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ [¬١١]: "تضربون أكبادَ الإبل وتطلُبون العلمَ فلا تجدونَ عالمًا أعلمَ من عالم المدينة".
قال النسائي: هذا خطأ، والصواب: أبو [¬١٢] الزبير عن أبي [¬١٣] صالح.
стр. 104
ورواه أيضا أبو موسى الأشعري عن النَّبي ﵇ بلفظ آخَرَ حدّث به مَعْن بن عيسى عن أبي المنذِر التَّميمي: زُهَير قال حدثنا عبدُ الله [¬١] بن عُمر عن سعيد بن أبي هِند [¬٢]، عن أبي مُوسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرُج ناسٌ من المشرق والمغرب في طَلبِ [¬٣] العِلم، فلا يجدون عالمًا أعلم من عالِم المدينة"، أو "عالِم أهل المدينة".
وذكر ابن حَبيب حديثا يُسنِدُه عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنقطع الدنيا [¬٤] حتى يكون عالمٌ بالمدينة تُضرَب إليه أكبادُ الإِبل، ليسَ على ظهر الدّنيا أعلم منه".
قال سفيان بنُ عَيْنَة من غير طريق واحد: نُرَى أَنَّ المراد بهذا الحديث مالك بن أنس (١) وفي رواية: هو مالك بن أنس.
و [¬٥] مثله عن ابن جَريْج (٢)، وعبد الرزّاق (٣) عن سفيان أنه قال: كنت أقول هو [¬٦] ابن المسيَّب، حتى قلت: كان في زمان ابن المسيَّب سليمان وسالمٌ وغيرهما، ثم أصبحتُ اليوم أقول: إنه مالك، وذلك أنه عاش حتّى لم يبق له نظير بالمدينة.
стр. 105
وهذا هو الصحيح عن سفيان، رواه عنه الثقات والأئمة: ابن مهدي، ويحيى بن معين، وعليّ بن المديني، والزُّبير بن بَكّار، وإسحاق بن أبي إسرائيل [¬١]، وذُؤَيب بن عمامة [¬٢] السهمى (١) وغيرُهم، كلُّهم سمع سفيان يقول في تفسير الحديث إذا حدّثهم به: "هو مالك، أو أظنه، أو أحسبه، أو أُراه [¬٣]، أو كانوا يُرَوْنَه".
قال ابن مهدي: يعني سفيان بقوله: "كانوا يُرَوْنَه" التَّابعين.
قال القاضي أبو عبد الله التُّسْتَرِي [¬٤]: هو إخبار عن غيره من نُظرائه، أو ممن هو فوقه، وإن منزلته [¬٥] كانت في نفوسهم هذه المنزلة، لما شاهدوه من حالته التي تشبه ما أُخبِر به في الحديث [¬٦]، قال: وقد جاءت هذه الأحاديث بلفظين [¬٧]، أحدهما: "لا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة"، والآخر [¬٨]: "من عالم بالمدينة"، ولكل واحد منهما معنى صحيح.
فأما قوله من عالم [¬٩] بالمدينة، فإشارة إلى رجل بعينه يكون بها لا بغيرها، ولا يعلم أحدًا انتهى إليه علم أهل المدينة [¬١٠] وأقام بها، ولم يخرج عنها ولا استوطن سواها في زمان مالك مُجْمَعًا [¬١١] عليه إلا مالكا، ولا أفتي [¬١٢] بالمدينة وحدّث [¬١٣]
стр. 106
نيّفًا وستين سنة أحد من علمائها، يأخذ عنه أهل المشرق والمغرب ويضربون إليه أكباد الإبل غيره.
وأما رواية: "عالم المدينة" أو "أهل [¬١] المدينة" فقد ذكر محمد بن إسحاق المخزومي أبو المغيرة أن تأويل ذلك: ما دام المسلمون يطلبون العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة [¬٢]، كان بها أو بغيرها؛ فيكون على هذا سعيد بن المسيّب، لأنه النهاية في وقته، ثم بعده غيره ممن هو مثلُه من شيوخ مالك، ثم بعدهم مالك، ثم بعده مَن قام بعامه وصار أعلم أصحابه بمذهبه، ثم هكذا، ما دام للعلم طالِبٌ، ولمذهب أهل المدينة إمام.
ويجوز على هذا أن يقال: هو ابن شهاب في وقته وفنه، والعُمَريّ في وقته وفنّهِ، ومالك في وقته وفنه،، ثم إذا اجتمعت اللفظتان اختصَّ مالك بقوله: "من عالم بالمدينة"، ودخل [¬٣] في جملة علماء المدينة باللفظة الأخرى [¬٤].
وقال بعض المالكية: إذا اعتبرت كثرة من رَوَي عن مالك من العلماء ممن تقدمه أو عاصره أو تأخر عنه، على (*) اختلاف طبقاتهم وأقطارهم وكثرة الرّحلة إليه، والاعتماد في وقته عليه، دَلّ بغير مرية أنه المراد بالحديث؛ إذ لم نجد [¬٥] لغيره من علماء المدينة، ممن تقدمه [¬٦] أو جاء بعده، من الرُّواة والآخذين [¬٧] إلا [¬٨] بعض من [¬٩] وجدنا له.
وقد جمع الرواة عنه غير واحد، وبلغ بهم [¬١٠] بعضهم في تسمية من
стр. 107
علم بالرواية عنه سوى من لم يُعلم ألفَ راو، واجتمع لي [¬١] من مجموعهم زائدٌ [¬٢] على ألف وثلاثمائة [¬٣] راو [¬٤]، وتدل [¬٥] كثرة قصدهم له على [¬٦] كونه أعلم أهل وقته؛ الحال [¬٧] والصفة التي أنذر بها ﵇؛ وكذلك لم يسترب السلف أنه هو المراد بالحديث [¬٨]. وعد هذا الحديث من معجزاته وآياته ﵇، مما أخبر به من الكائنات فوقعت [¬٩] كما أخبر به - عليه الصلاة و [¬١٠] السلام.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ما معناه: أنه لا ينازعنا في هذا الحديث أحَدٌ من أرباب المذاهب؛ إذ ليس منهم من له إمامٌ من أهل المدينة فيقول: المراد به إمامي [¬١١]، ونحن ندَّعي أنه صاحبنا بشهادة السلف له، وبأنه إذا أطلق بين أهل العلم: "قال عالم المدينة، وإمام دار الهجرة" فالمراد به مالك عندهم، دون غيره من علمائها، كما إذا قيل: الكوفي، فالمراد به أبو حنيفة دون سائر فقهاء الكوفة.
قال القاضي أبو الفضل، ﵁: فوجه احتجاجنا بهذا الحديث بأنه [¬١٢] مالك من ثلاثة أوجه:
أحدها [¬١٣]: تقليد السلف بأن [¬١٤] المراد بالحديث [¬١٥] هو، حسبما نقلناه عنهم، وما كانوا ليقولوا ذلك إلّا عن تحقيق، ولا لِيُذيعوه [¬١٦] بهوىَ وهُم المُبَرَّءُون [¬١٧] من
стр. 108
ذلك، مع تنافس الأقران وما جُبِلَت [¬١] القلوب من قلَّة [¬٢] الإنصاف للأَمثال، فكيف بضِدّ [¬٣] هذا.
الوجه الثاني:
أُنك إذا اعتبرتَ ما أوردناه ونورده [¬٤] من شهادة السّلف الصّالح بأنه أعلَم مَن على ظهر الأرض، وأعلَم من بَقى [¬٥]، وأعلَم الناس، وإمام الناس، وعالِم [¬٦] المدينة، وإمام دار الهجرة، وأمير المؤمنين في الحديث، وأعلَم علماء المدينة؛ وتعويلهم عليه، واقتدائهم [¬٧] به، وإجماعِهم على تقديمه [¬٨]، وطالعتَ مثلَ ذلك فيما نُورده من أخباره، ظهَر وبان أنه المرادُ بالحديث؛ إذ لَم تحصُل [¬٩] هذه الأوصاف لغيره، ولا اطبقوا [¬١٠] علَى هذه الشهادة لِسوَاهُ.
الوجه الثالث:
هو [¬١١] ما نبَّه عليه بعضُ الشيوخ من أَن طلبة العِلم لم يَضْربوا أَكباد الإبل من شرق الأرض وغربها إلى عالِم، ولا رَحلوا إليه من الآفاق رحلتَهم إلى مالك، لما اعتَقدوا [¬١٢] فيه من تقديمه على سائر علماء وقته، ولو اعتقدوا ذلك في غيره لمالوا إليه [¬١٣].
فالناس أكَيسُ مِن أن يمَدحوا [¬١٤] رَجُلًا … من غير أن يَجِدُوا آثار إحسانِ [¬١٥]
الترجيح الثاني في هذا الفصل، من طريق النَّقل.
стр. 109
والمعتَمد فيه [¬١] مجَرّد [¬٢] تقليد السَّلَف وأَئمة المسْلمين وعُلمائهم في المسألة، بالاعتراف [¬٣] لمالك رحمه بأنه أَعلَم [¬٤] وقته وإمامه، وأعلَم الناس [¬٥]، وأعلَم علماء المدينة، وأشباه هذا من شهادتهم [¬٦] له بذلك، واعترافهم به، وتقليدهم إياه، واقتدائهم به، على رسوخ كثير [¬٧] منهم في العلم، وترجيحهم مذهبه على مذهب غيره، مما [¬٨] سنورده في بابي [¬٩] ثنائهم عليه، واقتدائهم [¬١٠] به بعد هذا عند ذكرنا * شمائله ومناقبه، وهما بابان مُتَّسِعَان.
وسنورد هنا لمعًا من ذلك توميء إلى ما وراءها [¬١١] إن شاء الله تعالى.
من ذلك:
قال ابن [¬١٢] هرْمُز. (١) شيخُه [¬١٣] فيه: إنه عالم الناس.
وقال سفيان بن عُيَيْنَة (٢) لما بلغه [¬١٤] وفاته: ما ترك على الأرض مثله، وقال: مالكٌ إمامٌ، ومالِكٌ عَالِمُ أَهلِ الحجاز، ومالِكٌ حجّةٌ في زمانه ومالِكٌ سراج الأمة، وما نحن ومالك؟ إنما كنا [¬١٥] نتبع آثار مالك.
وقال الشافعي: مالك أستاذي، وعنه [¬١٦] أخذت [¬١٧] العلم، وما أَحَدٌ أَمَنَّ [¬١٨] عليَّ
стр. 110
من مالك، وجعلت مالكًا [¬١] حجة بيني وبين الله، وإذا ذكر العلماء فمالكٌ النجم الثاقب [¬٢]، ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم، لحفظه وإتقانه وصيانته؛ وقال: العلم يدور على ثلاثة: مالك، والليث، وسفيان بن عيينة.
وحكى عن الأوزاعي أنه كان إذا ذكره قال: عالم العلماء [¬٣]، وعالم أَهل المدينة، ومفتي الحرمين.
وقال بَقِية بن الوليد (١): ما بقى على وجه الأرض أَعلَم بسنة ماضية ولا باقية منك [¬٤] يا مالك.
وقال أبو يوسف (٢): ما رأيت أعلم من ثلاثة، فذكر مالكًا وأبا حنيفة [¬٥] وابن أبي لَيْلى [¬٦].
وقال ابن مَهدي، (٣) وسئل عن مالك وأبي حنيفة: مالكٌ أَعلَم مِن أستاذ أبي [¬٧] حنيفة.
وقدَّمه ابن حنبل على الأَوزاعي، والثَّوْري، واللَّيث، وحمّاد، (٤) والحكَم في العِلم، وقال: هو إمامٌ في الحديث والفِقه، وسئل عمن عمن يُريد أن يكتبَ الحديث وينظُرَ في الفِقه، حديث مَن يَكْتب؟ وفِي رأْي مَن ينظر؟ فقال: حديث مالك، ورأي [¬٨] مالك (٥).