← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

قال ابن أبي حاتم في تاريخه: وتوفى في آخر رمضان سنة ثلاث وثمانين. محمد بن أصبغ بن الفرج كان بمصر فقيها مفتيا، وكان على محلة (٣٥٦) المسالمة، وهو آخر من ولى ذلك. أخذ عن أبيه. روى عنه محمد بن فطيس، وأبو بكر بن الخلال. توفى بمصر سنة خمس وسبعين ومائتين. أبو الخير فهد بن موسى ابن أبي رباح قاضى الأسكندرية. أخذ عن ابن بكير وغيره. ولى قضاء الأسكندرية. توفى في شعبان، سنة سبعين ومائتين. علي بن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أبو الحسن. ذكره ابن أبي دليم وابن حارث في هذه الطبقة. توفى بمصر، سنة سبع وثمانين ومائتين. أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مقلاص مولي خزاعة، تقدم ذكر أبيه. قال الكندى: كان متقشفا جلدا. توفى سنة خمس وثمانين.

стр. 1157

مطروح بن محمد بن شاكر مولي غافق، أبو نصر، من أصحاب أصبغ بن الفرج. يروى عن عبد الله بن هارون. روى عنه أبو القاسم العلاف، وروى عنه أحمد بن ميسر (٣٥٧). توفى بالأسكندرية، سنة ثلاث وسبعين ومائتين. وقال ابن ميسر: كان ثقة. حفص بن مدرك بن عاصم ابن عمرو بن عمير بن أبى مدرك، مولى بني سعد، من خولان، أبو عمرو. قال ابن أبي دليم: جل أخذه عن أصبغ. قال الكندى: كان شديدا، وقد روى عنه، توفى سنة ثلاث وسبعين. داود بن عمر بن سعيد ابن أسلم، الصدفي، مولاهم. جل روايته عن أبي مريم، توفى سنة ثمان وسبعين. أبو الشريف إبراهيم بن سليمان بن عبد الله ابن المهلب، القضاعي، الحرسى، بحاء مهملة، وراء مفتوحة، وسين مهملة، كذا ضبطه الأمير. قال عبد الغنى بن سعيد: هو أبو مخلد. توفى بمصر آخر سنة ثلاث وسبعين ومائتين. وبيته بها بيت علم، سنذكر من يأتي منهم.

стр. 1158

أبو الزنباع روح بن الفرج ابن عبد الرحمان القطان، مولى الزبير بن العوام، صاحب أبي زيد بن أبي الغمر. سمع عمرو بن خالد، وسعيد بن عفير، وهارون بن موسى المدني (٣٥٨)، وعبد الغنى الغسال، وزيد بن بشر، وأبا مصعب. قال ابن حارث: كان عالما فقيها، وعنه أخذ أبو الذكر الفقيه. قال الكندى: كان أوثق الناس في زمانه. قال ابن قديد: ذاك رجل وفقه الله بالعلم. له رواية في القراءات عن يحيى بن سليمان الجعفي. روى عنه محمد بن أحمد بن الهيثم، ومحمد بن سعد، ومحمد بن شاهين، وأبو العباس أحمد بن الحسن الرازى، وأحمد بن سلمة الهلالي، وإبراهيم بن محمد الحلوانى، وقاسم بن أصبغ، وأبو بكر بن أبى الأصبغ. قال ابن يونس: مولده سنة أربع ومائتين. توفى* سنة اثنتين وثمانين ومائتين. أبو الطاهر خير بن عروة بن عبد الله بن كامل الأنصاري مولاهم، ضبط اسمه بخاء معجمة مفتوحة، بعدها ياء باثنين من أسفل، وراء. يروى عن مروان العوفي. حدث عنه أبو طالب الحافظ، وأبو عبد الله الأيلى، وأبو الحسن البصرى. ذكره ابن أبي حاتم.

стр. 1159

قال الكندى: وكان فاضلًا. توفى صدر سنة ثلاث وثمانين. أبو الطاهر محمد بن عبد الغني بن عبد العزيز ابن سلام الغسال، مولى قريش. قال الكندى: كان فقيها مفتيا. قال الطحاوي: كان فقيها لا يدافع. تقدم ذكر أبيه توفى سنة ثلاث وثمانين. محمد بن يزيد بن أبي زيد بن أبي الغمر أبو بكر، مولى بني سهم. يروى عن أبيه. روى عنه محمد بن مكى الخولاني. توفى سنة إحدى وتسعين ومائتين. أبو مسلم خير بن موفق مولى عبد الله بن سعد، التجيبي. قال الأمير: مولى بنى الأحجم، من تجيب، ثم لعبدوس بن سعيد. يروى عن عبيد بن هاشم الحلبي، وابن بكير، ومنصور بن أبى مزاحم، ومحمد بن خالد الأسكندراني، وغيرهم. توفى سنة ست وثمانين ومائتين. جبر بن سعيد بن جبر الحضرمي قاضى برقة والأسكندرية، أبو عبد الرحمان، ويقال: أبو محمد.

стр. 1160

وضبط اسمه واسم جده بجيم مفتوحة، وباء بواحدة ساكنة، وراء. روى عن محمد بن خلاد بن هلال. حدث عنه أبو طالب، وأبو عبد الله الأيلى، وأبو الحسن البصرى. توفى سنة ثمان وثمانين ومائتين. أبو بكر محمد بن عبد الله بن الغاز قال ابن أبي دليم: كان فقيها في المذهب، وتوفى سنة ثلاث وتسعين ومائتين. محمد بن الأصبغ المسمى فليح ابن سلام بن يحيى، الهروى، مولاهم. قال الكندى: كان فقيها مفتيا، وكان أبوه فليح مقبولا بمصر. توفى سنة أربع وتسعين ومائتين. محمد بن خلف بن عبيد أبو عبد الله، من أهل صوران، متولي حضر موت. قال الكندى: كان فقيها، وهو صاحب المسألة في القرآن مع أبى جريش. يروى عن الحرث بن مسكين. توفى صدر سنة تسع وتسعين، واجتمع لجنازته خلق لم ير مثلهم. القاسم بن حبيش بن سليمان بن برد بن نجيح التجيبى، مولاهم، أبو عبد الرحمان، مضى نسبه عند ذكر أبيه وجده. يروى عن هارون بن سعيد الأيلى. روى عنه ابن يونس.

стр. 1161

ذكره ابن أبي حاتم. وقال الكندى: كان فقيها مفتيا. وسيأتي ذكر ابنه. توفى سنة سبع وتسعين ومائتين. ركيز بن يحيى الأسيوطي كان يتققه على مذهب مالك. يروى عن يحيى بن بكير، وعبد الله بن عبد الحكم وغيرهما. توفى بأسيوط، سنة سبعين ومائتين. أبو عبد الله عمرو بن أبي الطاهر بن السرح تقدم ذكر أبيه. قال الكندى: كان زاهدا فاضلا. توفى سنة ثمان وثمانين ومائتين. ومولده سنة ثمان ومائتين. ومن أهل أفريقية: ابن طالب القاضي كنيته أبو العباس، واسمه عبد الله بن طالب، بن سفيان بن سالم، ابن عقال بن خفافة التميمي، من بنى عم بنى الأغلب، أمراء القيروان. ويقال: طالب بن سعيد بن سفيان. وقد غلط بعضهم فيه بسبب كنيته، فظن أن اسمه أحمد فسماه به. تفقه بسحنون، وكان من كبار أصحابه. ولقى* المصريين: محمد بن عبد الحكم، ويونس بن عبد الأعلى.

стр. 1162

وحج فانصرف، وولى الصلاة، ثم قضاء القيروان مرتين، إحداهما سنة سبع وخمسين ومائتين، ثم عزل سنة تسع وخمسين، والثانية سنة سبع وستين، وعزل سنة خمس وسبعين. سمع منه أبو العرب، وابن اللباد. وكان جميل الصورة، باهى الخلق، فاخر اللباس، أحوص العينين. ذكر علمه والثناء عليه قال محمد بن حارث في تاريخ الأفارقة وغيره من كتبه: كان ابن طالب لقنا فطنا، جيد النظر، يتكلم في الفقه فيحسن، حريصا على المناظرة، ويجمع في مجلسه المختلفين في الفقه، ويغرى بينهم لتظهر الفائدة، ويبيتهم عند نفسه، ويسامرهم، فإذا تكلم أجاد وأبان، حتى يود السامع ألا يسكت، إلا أنه كان إذا أخذ القلم، لا يبلغ حيث يبلغ لسانه. قال غيره: لم يكن شيء أحب لابن طالب من المذاكرة في العلم. قال ابن اللباد: ما رأيت بعيني أفقه من ابن طالب، إلا يحيى بن عمر. قال أبو العرب: وكان عدلا في قضائه، حازما في جميع أمره، فقيها، ثقة، عالما بما اختلف فيه، وفى الذب عن مذهب مالك، ورعا في حكمه، قليل الهيئة في الحق السلطان، وما سمعت العلم قط أطيب ولا أعلى منه من ابن طالب، وما أخذت عليه خطأ إلا مسألة اختلف فيها ابن القاسم وأشهب، فأتى بقوليهما، ولكن قلب قول كل واحد منهما إلى الآخر، وكان كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقيق القلب كثير الدموع. ولابن طالب من التأليف، كتاب في الرد على من خالف مالكا، وثلاثة أجزاء من أماليه. * * * وكان ابتداء طلبه، فيما ذكره ابن اللباد عنه، قال: كنت يتيما لا أب لي، وكنت آتى مع معلمى الخميس والجمعة، وأنا إذ ذاك صغير ذو جمة.

стр. 1163

فقرئ عليه يوما في الموطأ اسم عمر بن حسين، في كتاب الزكاة، فقال سحنون: هذا كان يشاور في القضاء في أيام مالك. ثم قرأ القارئ، فبعد قليل قال سحنون: كيف سميت لكم الرجل الذي كان يشاور في القضاء أيام مالك؟ فقد أنسيت اسمه! فسكت الناس. فقلت له أنا من موضعى: هو عمر بن حسين، أصلحك الله. فقال: بارك الله عليك، أحسنت يا غلام! من هذا الغلام؟ فعرف بي. قال: أحب أن أرى عليك زى أهل العلم، ما ينبغى أن يمنع هذا العلم من أحد. فما أتيت الموعد الآخر إلا وقد حلق رأسى، وكسيت ثياب العلماء، فلم أزل أتردد إلى سحنون، وهو يقربني حتى نفعنى الله. وله تأليف في الرد على المخالفين من الكوفيين وعلى الشافعي. ذكر ولايته القضاء وشيء من سيرته ولى ابن طالب القضاء بالقيروان مرتين. لما عزل سليمان أول مرة ولى هو، ولاه إبراهيم بن الأغلب، وعظم قدره، وجعل إليه النظر في تركة جدته، فطلب ابن طالب سليمان، فاستخفى منه. فلما رأى إبراهيم ميل نفوس الناس إلى ابن طالب، ومحبتهم له، لعدله، وسماحته، وعقله، وحسن سيرته، وعلمه، واستبشارهم بأيامه، لرخص السعر، وارتفاع الوباء (٣٥٩) أيامه به، غار إبراهيم به، وخشيه

стр. 1164

على ملكه لكونه ابن عمه، فرأى إماتة اسمه وعزله، ونادى بأمان سليمان بن عمران، وعزله (٣٦٠)، ورد سليمان بن عمران. فلما شاخ سليمان بن عمران، عزله وولى هو مكانه ثانية. قال ابن حارث: كان إبراهيم بن الأغلب أكره الناس في ابن طالب، وكان قد أساء إليه أيام قضائه الأول، وأمارة أخى إبراهيم، المعروف بأبي الغرانيق. فلما ولى إبراهيم بعده، هم به، وكان الحضرمي وبلاغ مولي إبراهيم خاصين به، ولهما بابن طالب عناية، فكانا يكفانه عنه. فلما شاخ سليمان بن عمران، واضطر إبراهيم إلى قاض غيره، جمع وجوه القيروان، وشاورهم فيمن يوليه، فصرفوا الاختيار إليه، وغلبته الشهوة في محمد بن عبدون، وأمر له بمركب، فأخرج، ليحمل ابن عبدون عليه، إلى أن دخل أحمد بن أبي سليمان، فسأله الأمير، فقال: أرى أن تولى العدل الرضى، المستحق للقضاء. فقال: من هو؟ قال: ابن طالب. فاستوى جالسا - وقد كان ابن غافق أشار بمثله قبله - وقال: ما أرى لها إلا ابن طالب. فقال له ابن أبي سليمان: أن الصلاة عمود الدين، فلما استحق عند الأمير أن يقدم عليها، كان بما هو أقل منها أولى. فقال إبراهيم: يرد الفرس. وأذن لابن أبي سليمان في الانصراف، ووجه في ابن طالب، فولاه القضاء.

стр. 1165

قال ابن طالب: كنت نائما قائلة، حتى انتبهت من نومى، فأنكرت ذلك، وعلمت أنه لأمر حدث، فقيل لي: رسول الحاجب بالباب. فخرجت إليه في ثوب البيت، فقال لي: الحاجب الأمير يدعوك الساعة. فقلت: أدخل وآخذ ثيابي علي نفسي. فقال: لا. فساءني، ودعوت بثيابي فلبستها، وسرت حتى وصلت إلى إبراهيم بن أحمد الأمير، فوجدته وبين يديه السيف مسلولا، فسلمت فرد علي، مسكن روعى لرده، ثم قال لي: أصبحت في يومى هذا ما أؤمل من أمرك شيئا، وقد عزمت على توليتك القضاء. فأبيت. فمد يده إلى السيف وقال: أن شئت القضاء، وإن شئت هذا. فقلت: تأذن لي في صلاة ركعتين، أدعو وأستخير. قال: افعل. فصليتهما، واجتهدت في الدعاء والخيرة، فلما سلمت قال لي: ما الذي ظهر لك؟ قلت: أبقى الله الأمير! أن ولايتى على من لا ينفذ عليه القضاء، ليست بولاية. فقال: على مفرق رأسى. فقلت له: أبقى الله الأمير! تقدمت أيمان، فتأذن في الانصراف حتى انظر فيها، ثم أعود الساعة. قال: افعل. وكان ابن طالب قد حلف بجميع الأيمان قبل هذا ألا يلى قضاء أبدا، فخرج ابن طالب، فخالع زوجته، وباع عبيده، وتصدق بأمواله، وأخرجها عن ملكه، ثم رجع فقبل، وكتب له عهده، وأمر له بكسوة وصلة وحملان.

стр. 1166

قال ابن طالب: وكنت لما دخلت إليه في المرتين، ما رفع لي أحد رأسا، فلما وليت وخرجت، وجدت أهل الأرض وقوفا ينتظرونني على الباب، فعلمت هوى الناس للدنيا!! قال ابن حارث: وكان ابن طالب إذا وقف للحكم بين الخصمين، كتب للمطلوب، القصة التي شهد عليه بها، ثم قال له: اذهب وطف بها على كل من علم، وجئنى بالأجوبة فيها. قال ابن أبي خالد: كان ابن طالب عدلا في قضائه، ورعا في أحكامه، كثير المشاورة لأهل العلم من أهل مذهبه وغيرهم. وذكر أبو عمرو الدانى في كتابه: أن ابن طالب أيام قضائه، أمر ابن برغوث المقرئ بجامع القيروان، ألا يقرئ الناس إلا بحرف نافع. وقال صاحب كتاب المعرب عن أخبار المغرب: أن في أيام ابن طالب قتل إبراهيم الفزاري. وكان إبراهيم شاعرا متفننا في كثير من العلوم، مع استهزاء وطيش. وكان يحضر مجلس ابن طالب لمناظرة الفقه، نقيل: انه كان يزرى به ويتضاحك بأمره، ونمت عنه أمور منكرة، فانتهى ذلك إلى ابن طالب، نطلبه ابن طالب وحبسه. وشهد عليه أكثر من مائتين، بالاستهزاء بالله، وبكتاب الله وأنبيائه، وبنبينا ﷺ . قيل: منهم ثلاثون عدلا. فجلس له ابن طالب، وأحضر العلماء، يحيى بن عمر، وغيره، وأمر بقتله، فطعن بسكين في حنجرته، وصلب منكسا، ثم أنزل بعد ذلك وأحرق بالنار. فحكى بعضهم أنه لما رفعت خشبته، وزالت عنها الأيدى، استدارت وتحوات عن القبلة، فكانت آية للجميع، فكبر الناس، وجاء كلب فولغ في دمه.

стр. 1167

فقال يحيى بن عمر: صدق رسول الله ﷺ ، وأسند حديثا عنه ﷺ أنه قال: لا يلغ الكلب في دم المسلم. قال بعضهم: سمعت ابن طالب عند محنته وسجنه، يقول وهو مسجون، في سجوده، ومناجاته ربه: اللهم إنك تعلم أني ما حكمت بجور، ولا آثرت عليك أحدا من خلقك في حكم من أحكامى، ولا خفت فيك لومة لائم. ذكر جوده وكرم أخلاقه لم يكن في زمانه سلطان ولا غيره أسمح منه، يتداين بالمال الكثير، ويتصدق به، ويصل بالعشرات (٣٦١) من الدنانير، من يعرف ومن لا يعرف، وربما أعوز فتصدق بلجام دابته، ومصحفه، ونعله، وشوار عياله، وربما تصدق بثياب ظهره. حدث بعض أصحابه: أنه ركب معه أثر سماء، وهو على حمار مصرى، فعرض له في طريقه ماء مستنقع، فأتى صبي كان يرعى غنما، فأخذ بلجام حماره، فجوزه الماء، فقال للغلام: من مولاك؟ قال: فلان. فنزل ابن طالب في مسجد، ثم قال للغلام: اذهب فجئنى بمولاك. فجاءه، فقال له: بكم اشتريت هذا الغلام؟ فقال: بعشرة دنانير. قال: فخذها وأعتقه، وولاؤه لك. وعدها له، وكتب عتق الغلام، ثم قال لمولاه: قد وجب أن تجرى له على رعايته لغنمك أجرة. فأجرى له دينارين في كل سنة. فقال ابن طالب: الزم مولاك، ولا تقطعنا، فإنا نواسيك.

стр. 1168

وذكر أن غلاما راعيا ناوله سوطه وقد سقط، فوجه في مولاه، فاشتراه مع الغنم، وأعتقه، ووهب الغنم له. وكان إذا رأى بعض الرجال في الشتاء ليس عليه دثار، نزع فروه وبعض كسوته عن جسده، وكساه. وشكا إليه رجل بتعذر جهاز ابنة له زوجها، وكانت لابن طالب ابنة تخرج إليه من عيد إلى عيد، فقال لأمها: أحب أن تريني ابنتي، وتلبسيها حليها، وثيابها أجمع. ففعلت، وأخرجت إليه، ففرح بها واستبشر، ثم قال لها ولأمها: أن فلانا شكا إلى كذا، وأنا أحب أن أدفع له جميع ما على ابنتي من حلى وثياب، يجهز به ابنته، وعلى أن أعوض ابنتى منه بما هو أكثر. فدفعتاه إليه. حكى المالكي عن محمد بن عمر: أنه ولى القضاء ومعه ثمانون ألف دينار، فلم يقبل حتى تصدق بجميعها أيام قضائه. قال: وكان رجل من العراقيين ينال من ابن طالب، فتوفيت أم ولده، وكان مقلا، فقال له بعض إخوانه: لو قصدت ابن طالب وسألته أن يصلى على جنازتك، نلت منه خيرا. قال الرجل: كيف أقصد لمن سبق منى فيه غير جميل؟ فقيل له: الرجل كريم. وكان ذلك الوقت ابن طالب معزولا عن القضاء عزلته الأولى. فمضى إلى ابن طالب، وعرفه، وسأله الصلاة، فوعده بالمجيء وقت الصلاة، ففعل، وصلى. فلما كان اليوم الرابع، وجه ابن طالب في طلبه، فأتاه، فقال له: أكرمك الله! صرت لنا كالأخ، وأحببت أن أكلفك بعض حوائجي، وذلك أن تشترى لي جارية نظيفة أديبة، على ما يحسن عندك.

стр. 1169

فمضى الرجل، وأجهد نفسه رجاء التقرب إليه، واشترى له جارية بنحو ثمانين دينارا، وأتاه بها، فأعجبت ابن طالب، فقال له: هي جيدة حسنة. فقال: قلما رأيت مثلها. فقال ابن طالب: هي هبة منى إليك، فاتخذها موضع أم ولدك، بارك الله لك. وأعطاه دنانير لكسوتها. قال: ولقى رجل ابن طالب في طريق، فشكا إليه الضعف، وأن له أربع بنات عاريات. فكتب له رقعة إلى رجل، فقرأها، فقال له: اجلس. وطلب له أربعة أقمصة، وأربع غلائل، وأربع دهاقن (٣٦٢) ومضى به إلى سوق النخاسين، فاشترى له خادما وغلاما. فلما طال على الرجل، قال: يا هذا! أحب حاجتي. فقال له: فيها أعمل. وأتى به إلى البركة، فاشترى له زوج بقر، وقطعة غنم (٣٦٢ م) وقال له: جميعه لك. ومر يوما: فإذا بجمال بحمولة قمح، وإذا رجل يسايره، فقال له: أن من هذا عنده في أمن من المجاعة.

стр. 1170

وفارقه، فسار ابن طالب إلى داره، فاذا بحمولة له وجهها له وكيله، فأمر ابن طالب بحملها إلى دار الرجل، وقال: قولوا له: قد أمنت مما كنت تحذر! قال أبو الفضل البسى (٣٦٣): كان رجل من العراقيين يقع في ابن طالب، ارضاء لأصحابه، فولدت امرأته، فقالت له: أنت ترى حالنا، فامض إلى أصحابك الذين كنت ترضيهم بسب ابن طالب، لعلهم يعينوننا على ما نحن فيه! فسار اليهم، فلم يات منهم بشيء، وخرج بمصحف ليرهنه عند أحدهم، فما قبله منه أحد منهم. فشتمته امرأته، وقالت له: اقصد اليه - يعني ابن طالب - فاني أرجو أنك لا تنصرف من عنده خائبا! فمضى اليه واعتذر، وأعلمه بمقال زوجته، فقربه، وقال له: أتيتنا فى وقت، الأشياء فيه غير واسعة علينا، ولكن نعطيك ما حضر. فدفع اليه صرة كبيرة، وأخرى صغيرة، وقال: أنفق أنت هذه - وكان فيها أربعون دينارا - وادفع الأخرى إلى أهل البيت - وكان فيها عشرة دنانير. قال ابن أبي عقبة: كان رجل كفيف من الفقراء يمشى مع زوجته، فاذا بصقلبي أتى إلى طباخ، فقال له: يقول لك القاضي: خذ لنا خروفا من صفته كذا، واعمله فى التنور، وخذ له من الزيتون والخبز وبقل المائدة ما يصلح، وهيئه إلى أن يرجع من صلاة الجمعة. وانصرف الغلام، فقالت زوجة الكفيف: والله ما اشتهيت إلا الأكل منه! وكانت حاملا، فقال الكفيف: أنت طالق ان تغذينا إلا منه!

стр. 1171

فلما فرغ الناس من الجمعة، سبقا القاضى إلى باب الدار، حتى جاء ودخل بيتا في سقيفة داره يحكم فيه، وجلس معه اخوانه الذين كانوا يحضرون مائدته. فقال الكفيف لزوجته: تسمعى إلى وقع الطست. فقالت له: يا مدبر! ما الذي يوصلك اليه؟ فقال لها: اسكتي. فلما سمعت الطست أخبرته. فقال الكفيف: يا قاض! قال الله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم) الآية (٣٦٤)، وقال: (انما نطعمكم لوجه الله) الآيات (٣٦٥). فصاح القاضي: يا غلام! خذ هذا الخوان، وامض معه حتى توصله إلى دار هذا المتكلم. ففعل. وحكى أن رجلًا من الرهادنة، بينما هو جالس في دكانه، طلعت اليه امرأة، فقالت له: بع هذا المتاع. وهو جبة وشى، وطيلسان، ونعل طائفى، وقلنسوة. فأخذها وقال: هذا لا يصلح إلا لابن طالب. فمضى بها اليه، وأخبره. فقال له: استقص، وادفع اليها الثمن. وإذا بذلك كسوته للجمعة، جاءته المرأة فلم يكن عنده ما يدفع اليها غير ذلك. كان يتصدق بحلى سرجه وسيفه.

стр. 1172

قال ابن حارث: وأتاه رجل من أهل البادية، فشكا اليه الاقلال * فكتب له إلى ابنه أبي ابراهيم (٣٦٦) فى ضيعته، أن يدفع اليه خمسين قفيزا من زيت. فلما وصل إلى أبي ابراهيم بالكتاب ضجر على الرجل، وقال: انا لم نعصر بعد، وهو يبدأ بتفريقه! ما عندي ما نعطيك! فرجع الرجل اليه، فأعلمه، فكتب اليه: أن ادفع اليه مائة قفيز! فزاد ضجره، وقال له: اذهب بسلام! فرجع اليه فأعلمه، فكتب إلى ابنه: ادفع اليه مائة قفيز! فوالله لئن رجع إلى لأدفعن اليه غلة العام أجمع. وأكرمه رجل فى طريقه، ولم يعرفه، فقال له: سل في القيروان عن دار ابن طالب. فلما وصل الرجل، دفع اليه خمسة آلاف درهم، وعشر خلع. وأهدى اليه رجل من البادية خبز سلت، فدفع اليه خمسة مثاقيل، فقيل له: انما تسوى درهما! فقال: كلا، ولكن رجا هذا افضالنا فحققناه. قال أبو محمد بن سعيد بن الحداد عن بعضهم: وصل إلى من مال ابن طالب بآية من القرآن نحو من سبعين دينارا، كنت اذا رأيته داخلا إلى مجلس قضائه، قمت بحذوه فقرأت: "إنما نطعمكم لوجه الله" (٣٦٧) الآية، فيدفع إلى الدينار والدينارين وما أمكنه. قال أبو القاسم المعروف بالمساجدى: شكوت يوما إلى ابن طالب الوحدة، وقلة الجدة، فاشترى لى جارية بأربعين دينارا، وحجرة قرب الجامع بعشرين دينارا.

стр. 1173

فشكوت اليه أنه ليس فيها ماء. فحفر في زقاقها بئرا للمسلمين. فكان يعطيني قوتى وقوت الجارية وكسوتها كل شهر. قال أحمد بن معتب: جئته يوما أسأله لرجل معروفا. قال: فناولني طرف كم قميصه، ثم أدخل يده لينزعها، فقلت: سبحان الله! معاذ الله أن أكلفك هذا! فقال لى: لا يسبق اليك أني فعلته عن ضجر، غير أني والله لا أملك فى هذا الوقت دينارا ولا درهما، ولابد له من أخذها. ورمى إلى بثوبيه. وقال بعضهم: أتيت ابن طالب، فشكوت اليه الاقلال. فاعتذر اعتذار من عزم على ردى، ثم دخل وخرج، فجعل في يدى شيئا لم أشك أنه دراهم، فلما خرجت، فاذا في يدى عشرة دنانير. وكان سليمان بن عمران، أراد غمصه بقضية أيام قضائه، زادته رفعة. وذلك أنه دخل يوم فطر على الأمير، فذكر له من يخطب. فقال له الأمير: إلى هذا الوقت؟ فمن؟ فقال له: ومن الا ابن عمك وقاضيك ابن طالب؟ وأراد أن يأخذه الأمير على غير أهبة، فيفتضح على رؤوس الناس ويسقط. فأمر الأمير باحضاره، وأمره بالخطبة؟ فقام بخطبة مشهورة - ذكر أنه لم يروها - حسنة جدا، فزادته عند الناس رفعة ومكانة.

стр. 1174

وكان ابراهيم الأمير يقول: على بابي رجلان: أحدهما يخاف الله ولا يخافنى، والثانى يخافنى ولا يخاف الله، فأما الذى يخاف الله ولا يخافنى فهو ابن طالب، والثانى فلان، فذلك عظيم الحرمة عندى، وهذا الذى يخافني هين عندي. قال بعضهم: فذكرت ذلك لابن طالب، فقال: صدق. قال القصرى: كان ابن طالب يذكر تنازع أصحابنا في المسائل، فربما ذكر في المسألة خمسة أقوال وستة، ثم تسيل دموعه، ويضع خده على الأرض ويقول: يا فتى! أردت أن يقال فقيه! فهل معك عمل صالح تنجو به من عذاب الله؟ والا فما يغنى هذا عنك. وما رأيت أكثر دموعا عند ذكر رسول الله ﷺ منه. وكان مع ذلك يقول: ربما أعجبتنى نفسى، فأقول: يا ابن طالب! هبك أعظم الناس قدرا * وأكثرهم علما، أليس وراء ذلك كله الموت. ومن كرم أخلاقه ما حدث به محمد بن محبوب قال: كنا عنده يوما، فخاطبه بعض أهل مجلسه بخطاب خشن لا يخاطب مثله بمثله، فنظر بعضنا إلى بعض، وتمادى ابن طالب في مكالمته كأنه ما سمع مكروها. فلما قام الرجل قال لنا ابن طالب: رأيت نظر بعضكم إلى بعض، وقلت في نفسي: رجل قصدنى يؤدى الذى يجب من حقى، هفا على، أصول عليه بسلطاني؟ هذا من اللؤم! وكانت لصاحبه عبد الرحمان بن محمد، المعروف بابن (٣٦٨) توزنة، ابنة خاصمها زوجها إلى ابن طالب، فى أمر يجب فيه بينهما اللعان، فأصلحهما ما أمكنه، ثم ألح الزوج عليه حتى حكم باللعان، وتلاعنا وافترقا، وكان عبد الرحمان كثير الزيارة له من أجل العلم والمناظرة، فقال ابن طالب لأصحابه المتكلمين عنده فى العلم: اذا حضر عبد الرحمان فلا يذكر أحد مسألة من باب اللعان.

стр. 1175

ومات سليمان بن عمران في أيامه، فتقدم فصلى عليه، فيقال: ان ابن طالب ما زاد في صلاته عليه على أن قال: "ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما" (٣٦٩) الآية. وقال ابن اللباد: جاء رسول الأمير ابراهيم إلى ابن طالب، فلقيه خارجا من المسجد، فقال له: يأمرك الأمير أن تصلى على سليمان بن عمران. فوقف متفكرا، ثم قال: نفعل. قال ابن اللباد: ثم عطف ابن طالب على، وقال: ظلمنى والله ابن عمران، وحبسنى، أفترى أن صلاتى عليه احلالا له، (٣٧٠)، والله لا أفعل، ماذا أقول عليه من الدعاء وقد ظلمني وكان معه قرآن واسلام؟ أقول عليه: اللهم انفعه بالاسلام، اللهم انفعه بالقرآن، أقول هذا مرة، وهذا مرة. قال ابن أبي الوليد: وأتيت ابن طالب تلك العشية، فقال لي: مات ابن عمران، لقد بلغني أنه كان يقول: أنى لأحب أن أموت في عزى - ونحو هذا الكلام، على النكير منه عليه - انما العز من كان معه القرآن والعلم، هذا العزيز، وأما من كان معه عز السلطان فليس بعز. قال أبو بكر: وكان من شأن ابن طالب الجهر بالدعاء على الميت. وصليت وراءه العصر فى داره، فكان يجهر بالقراءة في ترتيل، وكذلك التسبيح، حتى يسمعه من يليه في الصف الآخر. وصلى على جنازة بعض أصحابه، فأطال عليهم القيام جدا، مجتهدا فى الدعاء، حتى مل الناس من طول قيامه.

стр. 1176

فكلم فى ذلك، فقال: كان صديقا لى، فأردت أن أخلص له في الدعاء، وأجتهد له، لأنه روى عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، أنه فعل مثله، فاقتديت به. وكان ابن الأغلب قد فوض اليه النظر فى الولاة والجباة والعزل والولاية وقطع المناكير. ومن سيرة ابن طالب، فيما حكاه عنه أبو بكر المالكي، أن جعل على أكتاف اليهود والنصارى رقاعا بيضا، فيها صورة قرد وخنزير، وعلى أبواب دورهم الواحا مسمرة، فيها صورة قرد، وضيق على أهل القيروان في الملاهي. قال بعضهم: كنت أنظر إلى أبي العباس بن طالب، إذا تفرغ من القضاء بين الناس، قدم فوقف، وحول وجهه إلى القبلة، ثم بسط كفيه، فنظرت إلى دموعه وهي تجرى على خديه وعلى لحيته، وهو يقول: اللهم ان كانت منى زلة أو هفوة، أو أصغيت بأذنى إلى خصم دون خصم، أو مالت نفسى أو قلبي إلى خصم دون خصم، فأسألك أن تغفر لى ذلك، ولا تؤاخذني ولا تنتقم منى، انك على كل شيء قدير. ثم يصلى على محمد ﷺ ، وينصرف، هكذا يعمل في كل مجلس. وكان يكتب على أحكامه: حكمت بقول ابن * القاسم، حكمت بقول أشهب، ويقول: في البلد علماء وفقهاء، اذهب اليهم، فما أنكروا عليك فارجع إلى. وكان يكتب القضية ويقول لصاحبها: أرها لكل من عنده علم بالقيروان، ثم ارجع إلى بما يقولون لك. وكان إذا أشكل عليه أمر وقف على تنفيذه ويقول: لأن يسألني الله: عم وقفت؟ أيسر على أن يسألني: لم جسرت؟ قال ابن الحداد: كنت عند ابن طالب، فشهد عنده أبو العدل بشهادة فى عقد بدين على رجل، فقال المشهود عليه: سله هل قبض منه شيئا؟

стр. 1177

فقال: نعم قبض منه كذا. قال: فكيف شهدت على بجميعه؟ فقال لى: ما تقول فيها؟ قلت: لا يضره، لأنه لم يقصد الزور. فقال: كأنه يشهد بجميعه، ثم يقول: قبض منه. قال ابن طالب: لا أرد شهادة أبي العدل، وكان مبرزا. قال يحيى بن عمر: حضرت ابن طالب، وقد أمر بضرب رجل بالدرة، فقال: اضربه فى الرأس، فان أبا بكر ﵁ قال: انما يسكن ابليس في الرأس. وقد روى البرقى (٣٧١) عن أشهب نحوه. قال: ولا يبطح أحد في الأدب. وكتب ابن طالب إلى خلف (٣٧٢) بن يزيد، قاضى طرابلس وغيره من قضاة عمله فى البلدان، فى شأن اسقاط الشروط بين الزوجين وابطالها، وألا يزوج المرء الا على دينه وأمانته، وعلى قول الله تعالى: "فامساك بمعروف أو تسريح باحسان" (٣٧٣). ونهى أصحاب الوثائق، والشهود، وعامة الناس، أن يحضروا نكاحا فيه شيء من الشروط، ولا يكتبوها، ولا يشهدوا فيها، وأمرهم بمعاقبة من خالف ذلك، وسجنه. وحكى ابن طالب فى بعض كتبه، عن مالك ﵀ أنه سئل عن بعض هذه الشروط الغليظة، فقال: أرى أن يفرق السلطان بينهما، فانها شروط لا يوقف عليها، وإن سحنون كان يهتم لها، ويتلهف على العاقدين والشاهدين والكاتبين، ويوقع بهم العقوبة الناهكة.

стр. 1178

وذكر ذلك عن غيره. وقال: ومن عيبها ترك ما مضى عليه السلف، من تزويجهم المرء على دينه، وأن الرجل ليس يدخل مع أهله مع غليظ هذه الشروط، الا وقد فارقها لقلة الحفظ (٣٧٤) لحقائقها. محنته ووفاته كان ﵀ قد امتحن عند العزلة الأولى، في ولاية سليمان بن عمران. وكانت محنته الثانية الكبرى فى ولايته الثانية، بعد موت سليمان، في ولاية ابن عبدون. وكان السبب في ذلك، أنه نظر إلى ما شرعه (٣٧٥) ابراهيم بن الأغلب، من الفسوق و الجور، والاستطالة على المسلمين، واباحة السودان على نساء أهل أليانة (٣٧٦)، حين امتنعوا من بيعها منه. وقد أتت امرأة بفرعة (٣٧٧) ابنتها فى ثوب، فألقته بين يديه، فتوجع، وقال: ما أرى هذا مؤمنا بالله. أو هذا فعل الدهرية ومن لا يؤمن بالله واليوم الآخر. فبلغت الكلمة ابراهيم، فحقدها عليه، ثم عزله وحبسه، وولى عدوه ابن عبدون، وكان عراقيا متعصبا على المدنيين. وأمره باحضار العلماء، واخراج ابن طالب إليهم، وفيهم من كانت بينه وبين ابن طالب منافسة، ليشهدوا عليه. وجلس لذلك فى المقصورة، وجلس ابن الأغلب بقربهم، ليسمع كلامهم، وأمر القاضى بتتبع أفعاله، ومناظرته، ليفضحه على رؤوس الناس.

стр. 1179

فكان من جملة ما سألوا ابن طالب عنه، أن قالوا له: دفعت من وصية فلان إلى فلان العباسى مائة دينار، ولغيره الدينار وأقل، وهو عندك ممن لا تحل له الصدقة لأنه من بنى هاشم. فقصر في الأجوبة (٣٧٨)، ورد إلى السجن، فيحكى أن الشرط دفعوه، فكان يقول: يا فتيان! اذكروا النار. وقال ابراهيم لابن عبدون: أحضره يوما آخر، وأحضر جماعة الفقهاء، حتى يتبين خطأه، فأنكل به. وكان ابن الأغلب قد أحضر سعيد بن الحداد قبل، ليكون منه في ابن طالب ما كان من غيره، فأعان ابن الحداد ابن طالب، ووفى له، ودعا ابن الحداد ابنه وقال: - تذهب إلى ابن طالب، فقد علمت كيف كان بره بنا، وقد صار إلى ما صار اليه، وذهب عقله وفهمه لعظيم محنته، وإنما يعد الاخوان لمثل هذا. فكتب جميع أجوبة المسائل التي سألوه عنها، وأمره أن يحتج بها إذا سألوه، وقال له فى مسألة العباسي: انما حرمت الصدقات عليهم إذا كانوا يأخذون سهم ذى القربى، وأما الآن فالصدقة لهم حلال، لحاجتهم. وقال لابنه: احذر أن يشعر بك أحد، وقل له: يقرأها في خلوته، وجئنى بها حتى يطمئن قلبي. فحملها اليه، وجعل ابن طالب يختلف إلى المستراح، حتى وقف عليها وحفظ معانيها وتذكر ما أغفل لعظيم محنته بها وردها. فلما كان اليوم الموعود، وأحضر وسئل، أجاب عن كل ما عجز عنه في الجمعة الأولى. فاغتم لذلك ابراهيم، ورده إلى السجن، وعول على قتله.

стр. 1180

فيقال: أنه دس إليه من سقاه سما. وقيل: أحال السودان عليه، فركضوا بطنه حتى مات. وقيل: أنهم لما ركضوا في بطنه، ألقى دما عظيما من أسفله. ثم أخرجه من السجن، ووجه إليه فرسا ودواء، فأقامه في داره، ودموعه تسيل، ونفسه تتصاعد، حتى مات ﵀. حكى ابن اللباد أنه كان يقول في قضائه: اللهم لا تمتنى وأنا قاض. فمات بعد عزله بنحو شهر. قال ابن حارث: كان لما أمر ابن الأغلب قاضيه ابن عبدون، بإحضار ابن طالب، وأن يتتبع أفعاله، ويناظره، حتى يفضحه بحضرة الناس، ففعل، وجلس لذلك في المقصورة، وجلس ابن الأغلب بمكان يسمع منه، وأمر بإحضار ابن طالب، فأحضر، وأشار إليه ابن عبدون بالجلوس بين يديه، فجلس حيث أشار، واتكأ كالمتهاون. فقال ابن عبدون: وقر القضاء! فقال ابن طالب: أنا أعرف بحقه منك، فكيف لا أوقره؟ فقال له: أفمن توقيره أن تجلس بين يدى متكئا؟ فقال: نعم! إنما اضطررت لعلة. واعتذر بدماميل به. ودارت بينهما أشياء .. فكان من قول ابن عبدون: أخبرني عن فعلك في الأثلاث، من أجاز لك أن تفعل فيها ما فعلت؟ فقال له ابن طالب: وما الأثلاث؟ فخجل. فقال له ابن طالب: لعلك تريد الوصايا؟ قال: نعم.

стр. 1181

قال فإنها لا تسمى أثلاثا، لأن الرجل يوصى بالثلث والربع والتسمية، ولا يذكر جزءا، فما أنكرت من فعلى فيها؟ قال: تعطى منها عطاء كثيرا للواحد فتغنيه. فقال له ابن طالب: قد فعله النبي ﷺ . قال ابن عبدون: ذلك خاص بالنبى ﷺ . قال له: وفعله عمر. فقال له ابن عبدون: إنما تشبه أفعالك بفعل عمر! فقال له ابن طالب: فإذا كان بالنبي لا يهتدى، وبعمر لا يقتدى، وبالأمير لا يتأسى، فبمن إذن يا هذا؟ فقال إبراهيم: رجونا بابن عبدون أن يفضح ابن طالب، ففضحه ابن طالب! قال حمديس القطان: كان الأمير إبراهيم بن الأغلب، قد بعث إلى، وإلى سهل بن عبد الله القبرياني، وعبد الجبار بن خالد، وجماعة من أصحابنا، وجماعة من أهل العراق، لهذا المجلس. فدخلنا المسجد، فكنت قاعدا إلى حائط المقصورة. فخرج إلينا رسوله يقول: ما تقولون في ابن طالب؟ فتكلم فيه قوم بينه وبينهم شيء، وأوقعوا فيه شهادات منكرة. فسمعت الأمير من خلف الحائط، منكرا عليهم قولهم، يقول: ولا هذا كله! ولا هذا كله! وتحرى قوم الكلام، مثل حمديس، ويحيى بن عمر. وأثنى عليه آخرون، مثل سعيد بن الحداد، وقاسم بن أبي المنهال. قال حمديس: ولقد أحضرني إبراهيم - يعنى عند عزل ابن طالب من قضائه الأول - وأحضر إسحاق بن إبراهيم بن عبدوس، وأحمد بن أبى المنهال، وأحضر ابن طالب، والقاضى سليمان بن عمران.

стр. 1182

وقد أحضر سليمان قوما للشهادة على ابن طالب، منهم ابن عبدون وغيره. فجعل إبراهيم يسأل ابن طالب، فيحتج ابن طالب، فيرد الأمير حجته، ويتكلم سليمان بن عمران بما لا تقوم به حجة على ابن طالب، فيجعله الأمير له حجة. فلما رأى ذلك ابن طالب، سكت. قال حمديس: فرأيت أن السكوت لا يسعنى وقلت: إنما أحضرنا الكلام! فقلت: يأذن الأمير؟ مرة، وأخرى، فلم يجبنى. ثم قلت: أقول الثالثة، فإن لم يجب فهو حجة لي عند الله. فحول إلى وجهه، وقال: هات كلامك. وكان الأمير يطلبه بأمر التركة التي تولاها ابن طالب، وفرق ثلثها بتفويض الأمير، فقال له: لأضمننك جميع التركة. فقلت للأمير: خذ بما يجب. فقال لي: وما يجب؟ قلت: قال الله تعالى: "مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا" (٣٧٩). فلو أوصى الميت ألا يدفع ما أوجب الله توريثه، لم يكن له ذلك في سنة المسلمين. فقال: إبراهيم: أمرته ألا يدفع إلى الورثة شيئا. فقلت: أمر الله فوق أمر الأمير. فقام إلى بلاغ الخادم مغضبا يهم بي، فكلمه الأمير بالصقلبية، فانكف.

стр. 1183

وقلت: وليس لك عليه سبيل إلا في الثلث الذي فوضت إليه، فإن كان أنفذه في وجوهه فلا سبيل لك عليه. وطال المجلس، وأخذ الأمير ضامنا على ابن طالب، ويخلى. فخرج ابن عمران القاضي إلى الوزراء، فشكاني، وقال: هذا نقض أحكامى. فرد الأمر فيه إليه، فرده إلى السجن، ثم عفا عنه. وكان في سجنه ومحنته في القصة الآخرة، بلغه أن إبراهيم هم فيه بأمر، فحكى أنه فزع إلى الدعاء، فكان من دعائه ومناجاته: اللهم إن كنت علمت منى أنه إذا أجلس الخصمان بين يدى، فكان في أحدهما رضاك، وفى الآخر رضا إبراهيم، أنى أوثر رضاك على رضاه، فاعصمنى منه، وإن علمت أنى أوثر رضاه على رضاك، فسلطه على. فكفاه الله ما هم به إبراهيم من تلك القصة. وقيل: أن إبراهيم نبزه في تلك المطالبة بأمر، فأوجع قلبه، فقال: اللهم أنه رمانى بذنب لم أرتكبه، اللهم فلا تمته حتى تشهره به. فأجيبت دعوته، وانكشف إبراهيم بعد. قال المؤلف ﵀: وقد وقفت في كتاب تاريخ قضاة أفريقية، على نسخ السجل الذي عزله به، وثبت عنه مثالبه ومذاهبه التي اجتلبها عليه، وفيه رميه بهذه الكبيرة المذكورة، أنصفه الله منه. وكانت وفاة ابن طالب بعد عزله بنحو شهر، سنة خمس وسبعين ومائتين، وهو ابن ثمان وخمسين سنة. مولده سنة سبع عشرة ومائتين. ورثاه أحمد بن أبي سليمان بقصيدة طويلة أولها: تهورت الدنيا لموت ابن طالب … وأظلمت الآفاق من كل جانب إمام هدى حلت لنا فيه نكبة … من الدهر عظمى أصبحت بالعجائب

стр. 1184

لقاضي القضاة المرتضى في أموره … غدا اليوم أهل الدين أهل المصائب فمن بعده يرعى لنا الحق رعيه … ويظهره إظهاره بالمغارب؟ لقد كان سيف المالكين ومن به … نصال به ضربا على كل جانب وقد ذهب المامون للدين والتقى … ومن كان يرجى للندى والمواهب قال أحمد بن محمد القصرى. رأيت ابن طالب في النوم بعد قتله، فسألته فقال: وحد الله! لقد دخلت الجنة. فقلت: كيف كانت ميتتك؟ فقال: سقاني شربة، سقاه الله من صديد أهل النار (٣٨٠)! عيسى بن مسكين بن منصور بن جريح بن محمد الأفريقي أصله من العجم، ويتولى قريشا، من أهل الساحل. قال أبو العرب: سمع من سحنون وابنه جميع كتبه، وسمع بالمغرب من غيرهما، وسمع بالشام من أبي جعفر الأيلى، وسمع بمصر من الحارث بن مسكين، وأبي الطاهر، والربيع، ومحمد بن المواز، ومحمد

стр. 1185

ابن عبد الرحيم البرقى، ومحمد بن عبد الحكم، ومحمد بن سنجر (٣٨١)، ويونس الصدفي، وسمع من على بن عبد العزيز، وغيرهم. سمع منه الناس: أحمد بن محمد بن تميم أبو الحسن الكاشي، وأبو مروان الحجام، ومحمد بن يونس السدرى، وعلى بن محمد، وليث بن محمد السوسي وغيرهم. ذكر فضائله قال ابن دحيم: كان من أهل الفقه والورع، وكان مهيبا وقورا. قال أبو العرب: كان ثقة، مأمونا: صالحا، ذا سمت وخشوع، كثير الكتب في الفقه والآثار، صحيحها، وكان يشبه سحنون في هيبته وسمته، وكان مهيبا. قال غيره: كان رجلا صالحا فاضلا، طويل الصمت، دائم الحمد، رقيق القلب، غزير الدمعة، كثير الإشفاق، متفننا في كل العلوم: الحديث، والفقه، واللغة، وأسماء الرجال وكناهم وقويهم وضعيفهم، فصيحا، يجيد الشعر. قال أبو بكر المالكي: كان اعتماد عيسى على سحنون، وبه كان يقتدى في كل أموره، في شمائله وزهده ومباينته لأهل البدع، حسن الأدب، بين المرؤة. قال أبو على بن البصري: لو أفردنا كتابا في ذكر مناقبه ومحاسنه وزهده وعدله، ما انتهينا إلى وصفه، وكان مع ذلك عالما باللغة، قائلا للشعر. قال ابن حارث: كان ابن مسكين من أهل الفضل البارع، والورع الصحيح، والصمت الطويل، يقال أنه كان مستجاب الدعوة.

стр. 1186

قال ابن الجزار: كان محله من الزهد والورع والسكينة والوقار، والخوف من ربه، والعدل في حكمه، والروية في لفظه ولحظه (٣٨٢). على حالة يقصر عنها وصف البليغ، وكان مع ذلك فقيها عالما فصيحا. قال أبو الحسن الكانسى: أدخلنى عيسى بن مسكين إلى بيت مملوء بالكتب، ثم قال: كلها رواية، وما فيها غريبة إلا وأنا أحفظ لها شاهدا من قول العرب. قال بعضهم: لقد جلست إلى كثير من أهل العلم، فما رأيت أحدا مثله، وما أشبهه إلا بمن كان قبله من التابعين. وكان إذا حضر مجلس محمد بن سحنون، أمره محمد بأن يؤذن ويقيم ويصلى، فإذا استفتى محمد قال: أفته يا أبا موسى. ونظر إليه محمد بن سحنون يوما فقال: يا أهل المسائل: هذا أفضلكم وخيركم وإمامكم. وكان إذا تفاخر أهل المدينة وأهل العراق برجالهم، فقيل لأهل العراق: عندكم مثل عيسى بن مسكين؟ يفخمونه ويقولون: ذاك أفضلنا وأفضلكم. ذكر ولايته القضاء وسيرته قال ابن مسكين: لما مات سحنون، اغتممت لموته، فرأيته في نومي كأنه خلع من عنقه سيفا كان متقلدا به، وقلدني إياه، فقلت: كان سحنون رجلا فاضلا، والله لأقفون أثره. وتأولته العلم. فبعد أربعين سنة خرجت رؤياي، فابتليت بالقضاء.

стр. 1187

قال عيسى: فأنا في الدار يوم جمعة، برقادة - يعنى وهو قاض - إذا رجل يحرك على الباب، ففتحت له، فسلم، ثم جلس، فقال لي: كيف حالك؟ فقلت: ما سؤالك عمن صار حاله إلى ما ترى؟ قال: إنما هي تسعة. فقلت: وهذا؟ أعنى الأمير. قال: هذا يخرج، هذا يمر. فقلت: أين؟ قال: يركب البحر. ثم خرج. فقلت تسعة أيام، فمضت، ثم تسعة أشهر، فمضت، فأقمت تسع سنين. فقال: إنه كان الخضر. قال ابن حارث: كان إبراهيم بن أحمد بن الأغلب، قد اصطفى يحيى بن عمر إلى ولاية القضاء، فقال له: إن دللتك على من هو أفضل منى في الوجه الذي تحب، تعافيني؟ فقال له: نعم. فدله على ابن مسكين. فأرسل فيه إبراهيم بن أحمد إلى كورة الساحل، وأوصله إلى نفسه، وعرض عليه الفصل، فنفر منه. قال تميم بن خيران: لما شاور العلماء إبراهيم فيمن يلى القضاء، اختلفوا عليه، فذكر له عيسى، فقال حمديس: إنه والله أيها الأمير صاحبنا عند سحنون، جمع الله فيه خلال الخير بأسرها. فوجه إليه إلى الساحل، فأتى فوجد في المجلس حمديسا وغيره.

стр. 1188

فقال له إبراهيم: تدرى لم بعثت إليك؟ قال: لا. قال: نشاورك في رجل قد جمع خلال الخير، أردت أن أوليه القضاء، وألم به شعث هذه الأمة فامتنع؟ قال: يلزمه أن يلى. قال: تمنع. قال: يجبر على ذلك. قال: تمنع. قال: يجلد. قال: قم، فأنت هو! قال: ما أنا بالذي وصفت. وتمنع، فأخذ الأمير بمجامع ثيابه، وقرب السيف من نحره، فتقدم إليه عيسى بنحره. قال حمديس: وقمت من مكانى لئلا يصيبنى من دمه، فلم يزل به حتى ولى. قال ابن أبي سعيد: ولاه القضاء إبراهيم بن أحمد، بعد إجماع الناس عليه، على اختلاف مذاهبهم، وامتناعه، فخوفه إبراهيم، وحلف له بغليظ الأيمان: لئن لم تل لأقتلنك. فولى، وأسكنه رقادة، فكان لا يتصرف فيها، ولا يخرج إلا إلى المسجد. وقيل: إن إبراهيم قال: والله لأولين عليكم من لا تختلفون في فضله وزهده وعلمه، وورعه. فوجه فيه.

стр. 1189

قال غيره: وقيل: أن الأمير إبراهيم قال له: إن لم تل لأولين ابن عبدون. فخاف إن ولى ابن عبدون، أن يظهر البدعة، ويهين أهل السنة. وقيل: إن ابن الأغلب لما وجه فيه، استخشن الرسول زيه، فلما أتى به قال لابن الأغلب: إنه لا يصلح للقضاء لثقل روحه وزيه. فقال له: أرنيه قبل وصوله إلى. فأدخل من حيث يراه، وعليه جبة صوف وعمامة صوف. فلما وصل إليه، قال له ابن الأغلب: اتفق الناس عليك. فقال له: اتق الله، ولا تول مثلى على هذا البلد. فقال: اذهب، ولا ترجع إلى منزلك إلا بإذني. وجمع العلماء والشيوخ الذين أشاروا له، فقال لهم: أشرتم على بشيخ في زى جمال! فقالوا له: إن أردت أن تقوم لك الحجة عند الله فوله، فلم ير مثله. فأحضره وخوفه - وذكر نحو مما تقدم - فلما رأى منه ما لا قدرة له عليه: أراد أن يشدد عليه في الشروط. قال: اشترط ما أحببت. قال: أستعفيك في كل شهر. قال: نعم. قال: اكتبه. ففعل. قال: وأحملك على الحق، وبنو عمك وجندك وفقراء الناس وأغنياؤهم في درجة واحدة. قال: نعم.

стр. 1190

قال: اكتبه. ففعل. قال: ولا توجه ورائى، ولا أهنى ولا أعزى ولا أشيع ولا أتلقى، فمتى لم تف لى بشرط عزلت نفسي. قال: نعم. وعرض عليه الصلة والكسوة فامتنع. قال ابن حارث: قال عيسى بن مسكين لابن الأغلب: أنا رجل طويل الصمت، قليل الكلام، غير نشيط فى أمورى، ولا أعرف أهل البلد. فقال لى الأمير: عندى مولى نشيط قد تدرب في الأحكام، أنا أضمه إليك، يكون لك كاتبًا، يصدر عنك فى القول فى جميع الأمور، فما رضيت من قوله أمضيت، وما سخطت رددت. فضم إليه عبد الله بن محمد بن مفرح، المعروف بابن البناء. قال المخبر: فكثيرًا ما كنت، آتي مجلسه وهو صامت لا ينطق، وابن البناء يقضى. قال ابن البناء: فلقد دخلت يوما على الأمير إبراهيم، فقال: بلغنى أنك أنت تخاطب الخصوم وتفصل، وعيسى ساكت! ما أرى إلا أنه لم يقبل القضاء. قلت: قد قبل، إلا أني أكفيه. قال: امض، ولا تعلم أحدا بما بينى وبينك، فإذا حضر الخصمان فافصل بينهما بغير مذهبه، حتى ترى! ففعلت، فأمرني عيسى بصرفهما، فقال لي: افصل بينهما. فقلت ما قلت لهما أولا. فقال لى مثله.

стр. 1191

ففعلت مثل ما فعلت قبل. فأمرهما، فدارا بين يديه، وفصل بينهما بمذهبه، فأخبرت بذلك الأمير، فحمد الله، وسجد شكرا له. قال الخراط: وكان له كاتب آخر يقال له ابن زرياب، يتولى الديوان، فغاب يومًا عن المجلس، واحتيج إلى النظر في الديوان، ولم يدر ابن البناء ما يعمل فيه، إلى أن ارتفع النهار وتفرق أصحاب القضية. فجاء ابن زرياب، ونظر فى الديوان، فخرج منه القضية، ثم اعتذر عن تأخره بحضوره نكاحا عند أبي القاسم بن محمد بن عبدوس، وذكر ما لابن عبدوس عليهم من الحق، وأنه لم يمكنه إلا الحضور. فقال عيسى: ما ظننا بك إلا عذرا من مرض أو مهم فى دارك، وإذا أنت فى هذا: خذوا بيده إلى السجن. فلما استقر فى السجن، وجه وراءه وقال له: أنت فى اجارة المسلمين، تعطل ما استؤجرت فيه وتشتغل بحضور المأكلات (٣٨٣)! لا تعد، ارجع إلى مكانك. وذكر أنه كان يقوم فى الليل، فيذكر قصص المتخاصمين عنده واحدًا واحدًا، ويسأل الله أن يحمله فيها على السدد. ومر يوما على السجن، فأسمعه بعض من سجنه ما يكره، فكلمه في ذلك بعض من حضر، فقال: من يصبر على هذا؟ فقال عيسى: من أين كلمني؟ قالوا: من السجن. فقال لهم: فايش على أكثر من هذا؟ أخذنا كسرته ونمنعه البكاء؟ أو نحو هذا.

стр. 1192

وجرح عنده بعض العراقيين فى شهادة شهدها، بأنه يشرب النبيذ، فقال عيسى: كشفت عنه، فأصبته يدين بتحليله، ولا يجمع عليه الجموع. وأثبت شهادته. ودخل على عيسى بن مسكين رجل من أشراف الناس، يتولى الأمانة للقضاة، وكان عيسى يجله، فأقبل يسأله عما قبله، فإذا بصائح يقول: يا قاض! خصمى داخل عندك، وأنا خارج! ثم صاح ثانية وثالثة. فلم ير عيسى غيرى، فأمر بادخاله، وسأله من خصمك؟ فقال: هذا. عن الأمين. فقال له: هل دارت بينك وبينه خصومة قبل هذا؟ قال: لا. فأمر بالرجل إلى الحبس، وقال: لما دخل علينا أميننا ومن يعيننا على الحق، أردت أن تؤذيه وتمرثه (٣٨٤). فقال: عندى مناقع. قال: من السجن تأتى بها. فلما استقر فى السجن، أمر * باخراجه واحضار منافعه. قال: وبينا عيسى يوما بجامع رقادة، إذ سمع صياح قوم، بالله، ثم به. فقال لمن حوله: انظروا من هؤلاء. قالوا: نهب تونس. فأمر بامساكهم.

стр. 1193

فشكاه الذى نهبهم إلى الأمير إبراهيم، فأرسل إليه في اطلاقهم، فقال لكاتبه: اكتب إليه ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ (٣٨٥) إلى قوله "العباد". فلما قرأها إبراهيم قال: هذا رجل يحاربنا بالله، لا حاجة لنا بهم، اتركوهم. ووجه ابن الأغلب يومًا وراء ابن البناء، فغلط الرسول ودعا عيسى، وذلك بعد مجيء الأمير إبراهيم من سفرة لم يشيعه فيها عيسى ولا لقيه إذ جاء. فلما أتى الرسول إلى عيسى، أقبل، فوجد إبراهيم في بستان، فلما رآه إبراهيم، قال له ابتداء: والله ما وجهت إليك، ولا أردت إلا ابن البناء. فانصرف عيسى من مكانه ذلك، ولم يصل إلى الأمير ولا سلم عليه. فقال إبراهيم: يا قوم أرأيتم مثل هذا القاضي؟ غبت فما شيع، وجئت فما تلقى، ولا هنى، وبعثت وراء غيره فغلط به الرسول فاعتذرت له، فانصرف بعد أن رآني من غير تسليم، ردوه. فرجع، فعدد عليه ذلك إبراهيم، فقال له عيسى: الأمير أكرم من أن يعدني وعدًا، ويعقد على نفسه عهدا، ثم ينقضه، فلما تقدم من رفع المئونة عنى، صارت مخالفة ما رسمه من طرح التكلف، مما لا ينبغى أن أفعله ولا يجوز، وأما رجوعى بعد رؤيتي من غير تسليم له، فرأيته جالسًا في غير مجلسه للناس، فلو تركني سلمت، فلما بادرني بالكلام قبل السلام، ظننت كراهيته لدخول هذا الموضع، فانصرفت مساعدة لذلك. وكان يقال للأمير إبراهيم، عندما يطنب فى الثناء عليه ويفتخر به: انه متصنع.

стр. 1194

فقال: إن كان ما ظهر منه شهد لباطنه، فما كان في عباد بنى اسرائيل مثله، وان كان رياء وتصنعا فما رأينا ولا بلغنا عن أحد أملك لشهوته ونفسه منه، لاسيما مع الامكان والرياسة، وهو في الحالين نسيج وحده. قال: ولم يأخذ ابن مسكين فى مدته على القضاء أجرا، وكان لا يستعين بأحد في شيء من أموره، وربما استقى له الماء فيريقه، ويستقى بنفسه. ودخل إليه رجل يومًا، فوجد عجينا له فى مقلى كاد أن يحترق، وابن مسكين في الصلاة، فقلبه له الرجل، فلما أتم الصلاة أمر بصدقته، ولم يأكله. ودخل عليه رجل فوجده يستقى، فحلف ألا يستقى إلا هو، فتركه حتى استقى، ثم أخذه وأراقه فى الماجل، ثم استقى هو بنفسه. وإنما كان يعيش بدقيق يأتيه من منزله، يخبزه بنفسه، ومن بقل وشيء يأتيه من البادية، فان لم يأته شيء، انتظره، فربما بقى اليومين والثلاثة. وكان شديد التقشف في قضائه، ولم يكن على هذا السبيل من الانقباض قبل قضائه. ولما عزل عاد إلى ما كان عليه من حسن المعاشرة، وكرم المجالسة والمؤاخاة. وسئل عن فرط انقباضه، فقال: ابتليت بجبار عنيد، خفت أن يبعث إلى من طعامه أو يدعونى إليه، فلا آمنه، فحملت نفسي على ذلك ليقطع طمعه فى. وفرغ ما عنده من القوت برقادة، فبقى ثلاثة أيام لا يطعم شيئًا، إلى أن لزم فراشه ضعفا، حتى أتاه الرسول، آخر اليوم الثالث. قال: ولقد أقام برقادة تسع سنين، ما أكل فيها تينا إلا مرة اشترى له بخروبة، ولا بطيخا، إلا مرة واحدة، صغيرة.

стр. 1195

وكان عيسى لا ينزل إلى * القيروان، فولى مظالمها سليمان بن سالم، وأطلق له النظر في مائة دينار، ثم عزله، وولاه قضاء صقلية، وولى مكانه إبراهيم بن الخشاب، واستكتب له أبا بكر بن اللباد، فكان يجرى على رأيه، ولم يكن لابن الخشاب فقه، وولى على الحسبة أبا القاسم الطرزى. قال أبو بكر بن اللباد: شاهدت ابن مسكين فى جنازة بعض نساء الأمير إبراهيم جالسا في المقبرة، اذ جاء الأمير أبو العباس، فقام إليه الناس وسلموا عليه، وعيسى جالس، ما حل حبوته، فلما نظر إليه قال: يا قاض! السلام عليكم ورحمة الله. فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم سار، اذ جاء أبوه الأمير إبراهيم، فوثب إليه الناس، وعيسى على حاله ما حل حبوته، فلما رآه الأمير مال إليه، فلما حاذاه قال: السلام عليك يا قاض. فرد عليه. ثم نزل، وقدم عيسى للصلاة عليها. وبعث الأمير فيه مرة إلى تونس، فرغب بعض أهلها نزوله عنده، فأنزله فى دار حسنة، فقصد إلى بيت مسود من الدخان، بابه تحت درج، فنزل فيه، وبسط فيه حصيرا وجلدة وكساء. فسئل عن ذلك، فقال: يأتينى رجال السلطان، فيطيلون الجلوس إذا أصابوا مكانا حسنًا، وها هنا من أتى منهم سلم وانصرف، وعوفيت منهم. قال ابن الحارث: قال القاضى - ونقلته من خطه في غالب ظني -: سمعت بعض الشيوخ يحكى أن رجلا كان واقفا على جزار، فرماه رجل بشيء، فحاد عن عن الرمية، فسقط فاعتل ومات، وخاصم ورثته الرامي إلى عيسى بن مسكين، وأثبتوا عليه الرمية. فقضى لهم عيسى بالقتل بعد القسامة.
следующие страницы →