← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ففعلت مثل ما فعلت قبل. فأمرهما، فدارا بين يديه، وفصل بينهما بمذهبه، فأخبرت بذلك الأمير، فحمد الله، وسجد شكرا له. قال الخراط: وكان له كاتب آخر يقال له ابن زرياب، يتولى الديوان، فغاب يومًا عن المجلس، واحتيج إلى النظر في الديوان، ولم يدر ابن البناء ما يعمل فيه، إلى أن ارتفع النهار وتفرق أصحاب القضية. فجاء ابن زرياب، ونظر فى الديوان، فخرج منه القضية، ثم اعتذر عن تأخره بحضوره نكاحا عند أبي القاسم بن محمد بن عبدوس، وذكر ما لابن عبدوس عليهم من الحق، وأنه لم يمكنه إلا الحضور. فقال عيسى: ما ظننا بك إلا عذرا من مرض أو مهم فى دارك، وإذا أنت فى هذا: خذوا بيده إلى السجن. فلما استقر فى السجن، وجه وراءه وقال له: أنت فى اجارة المسلمين، تعطل ما استؤجرت فيه وتشتغل بحضور المأكلات (٣٨٣)! لا تعد، ارجع إلى مكانك. وذكر أنه كان يقوم فى الليل، فيذكر قصص المتخاصمين عنده واحدًا واحدًا، ويسأل الله أن يحمله فيها على السدد. ومر يوما على السجن، فأسمعه بعض من سجنه ما يكره، فكلمه في ذلك بعض من حضر، فقال: من يصبر على هذا؟ فقال عيسى: من أين كلمني؟ قالوا: من السجن. فقال لهم: فايش على أكثر من هذا؟ أخذنا كسرته ونمنعه البكاء؟ أو نحو هذا.

стр. 1192

وجرح عنده بعض العراقيين فى شهادة شهدها، بأنه يشرب النبيذ، فقال عيسى: كشفت عنه، فأصبته يدين بتحليله، ولا يجمع عليه الجموع. وأثبت شهادته. ودخل على عيسى بن مسكين رجل من أشراف الناس، يتولى الأمانة للقضاة، وكان عيسى يجله، فأقبل يسأله عما قبله، فإذا بصائح يقول: يا قاض! خصمى داخل عندك، وأنا خارج! ثم صاح ثانية وثالثة. فلم ير عيسى غيرى، فأمر بادخاله، وسأله من خصمك؟ فقال: هذا. عن الأمين. فقال له: هل دارت بينك وبينه خصومة قبل هذا؟ قال: لا. فأمر بالرجل إلى الحبس، وقال: لما دخل علينا أميننا ومن يعيننا على الحق، أردت أن تؤذيه وتمرثه (٣٨٤). فقال: عندى مناقع. قال: من السجن تأتى بها. فلما استقر فى السجن، أمر * باخراجه واحضار منافعه. قال: وبينا عيسى يوما بجامع رقادة، إذ سمع صياح قوم، بالله، ثم به. فقال لمن حوله: انظروا من هؤلاء. قالوا: نهب تونس. فأمر بامساكهم.

стр. 1193

فشكاه الذى نهبهم إلى الأمير إبراهيم، فأرسل إليه في اطلاقهم، فقال لكاتبه: اكتب إليه ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ (٣٨٥) إلى قوله "العباد". فلما قرأها إبراهيم قال: هذا رجل يحاربنا بالله، لا حاجة لنا بهم، اتركوهم. ووجه ابن الأغلب يومًا وراء ابن البناء، فغلط الرسول ودعا عيسى، وذلك بعد مجيء الأمير إبراهيم من سفرة لم يشيعه فيها عيسى ولا لقيه إذ جاء. فلما أتى الرسول إلى عيسى، أقبل، فوجد إبراهيم في بستان، فلما رآه إبراهيم، قال له ابتداء: والله ما وجهت إليك، ولا أردت إلا ابن البناء. فانصرف عيسى من مكانه ذلك، ولم يصل إلى الأمير ولا سلم عليه. فقال إبراهيم: يا قوم أرأيتم مثل هذا القاضي؟ غبت فما شيع، وجئت فما تلقى، ولا هنى، وبعثت وراء غيره فغلط به الرسول فاعتذرت له، فانصرف بعد أن رآني من غير تسليم، ردوه. فرجع، فعدد عليه ذلك إبراهيم، فقال له عيسى: الأمير أكرم من أن يعدني وعدًا، ويعقد على نفسه عهدا، ثم ينقضه، فلما تقدم من رفع المئونة عنى، صارت مخالفة ما رسمه من طرح التكلف، مما لا ينبغى أن أفعله ولا يجوز، وأما رجوعى بعد رؤيتي من غير تسليم له، فرأيته جالسًا في غير مجلسه للناس، فلو تركني سلمت، فلما بادرني بالكلام قبل السلام، ظننت كراهيته لدخول هذا الموضع، فانصرفت مساعدة لذلك. وكان يقال للأمير إبراهيم، عندما يطنب فى الثناء عليه ويفتخر به: انه متصنع.

стр. 1194

فقال: إن كان ما ظهر منه شهد لباطنه، فما كان في عباد بنى اسرائيل مثله، وان كان رياء وتصنعا فما رأينا ولا بلغنا عن أحد أملك لشهوته ونفسه منه، لاسيما مع الامكان والرياسة، وهو في الحالين نسيج وحده. قال: ولم يأخذ ابن مسكين فى مدته على القضاء أجرا، وكان لا يستعين بأحد في شيء من أموره، وربما استقى له الماء فيريقه، ويستقى بنفسه. ودخل إليه رجل يومًا، فوجد عجينا له فى مقلى كاد أن يحترق، وابن مسكين في الصلاة، فقلبه له الرجل، فلما أتم الصلاة أمر بصدقته، ولم يأكله. ودخل عليه رجل فوجده يستقى، فحلف ألا يستقى إلا هو، فتركه حتى استقى، ثم أخذه وأراقه فى الماجل، ثم استقى هو بنفسه. وإنما كان يعيش بدقيق يأتيه من منزله، يخبزه بنفسه، ومن بقل وشيء يأتيه من البادية، فان لم يأته شيء، انتظره، فربما بقى اليومين والثلاثة. وكان شديد التقشف في قضائه، ولم يكن على هذا السبيل من الانقباض قبل قضائه. ولما عزل عاد إلى ما كان عليه من حسن المعاشرة، وكرم المجالسة والمؤاخاة. وسئل عن فرط انقباضه، فقال: ابتليت بجبار عنيد، خفت أن يبعث إلى من طعامه أو يدعونى إليه، فلا آمنه، فحملت نفسي على ذلك ليقطع طمعه فى. وفرغ ما عنده من القوت برقادة، فبقى ثلاثة أيام لا يطعم شيئًا، إلى أن لزم فراشه ضعفا، حتى أتاه الرسول، آخر اليوم الثالث. قال: ولقد أقام برقادة تسع سنين، ما أكل فيها تينا إلا مرة اشترى له بخروبة، ولا بطيخا، إلا مرة واحدة، صغيرة.

стр. 1195

وكان عيسى لا ينزل إلى * القيروان، فولى مظالمها سليمان بن سالم، وأطلق له النظر في مائة دينار، ثم عزله، وولاه قضاء صقلية، وولى مكانه إبراهيم بن الخشاب، واستكتب له أبا بكر بن اللباد، فكان يجرى على رأيه، ولم يكن لابن الخشاب فقه، وولى على الحسبة أبا القاسم الطرزى. قال أبو بكر بن اللباد: شاهدت ابن مسكين فى جنازة بعض نساء الأمير إبراهيم جالسا في المقبرة، اذ جاء الأمير أبو العباس، فقام إليه الناس وسلموا عليه، وعيسى جالس، ما حل حبوته، فلما نظر إليه قال: يا قاض! السلام عليكم ورحمة الله. فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم سار، اذ جاء أبوه الأمير إبراهيم، فوثب إليه الناس، وعيسى على حاله ما حل حبوته، فلما رآه الأمير مال إليه، فلما حاذاه قال: السلام عليك يا قاض. فرد عليه. ثم نزل، وقدم عيسى للصلاة عليها. وبعث الأمير فيه مرة إلى تونس، فرغب بعض أهلها نزوله عنده، فأنزله فى دار حسنة، فقصد إلى بيت مسود من الدخان، بابه تحت درج، فنزل فيه، وبسط فيه حصيرا وجلدة وكساء. فسئل عن ذلك، فقال: يأتينى رجال السلطان، فيطيلون الجلوس إذا أصابوا مكانا حسنًا، وها هنا من أتى منهم سلم وانصرف، وعوفيت منهم. قال ابن الحارث: قال القاضى - ونقلته من خطه في غالب ظني -: سمعت بعض الشيوخ يحكى أن رجلا كان واقفا على جزار، فرماه رجل بشيء، فحاد عن عن الرمية، فسقط فاعتل ومات، وخاصم ورثته الرامي إلى عيسى بن مسكين، وأثبتوا عليه الرمية. فقضى لهم عيسى بالقتل بعد القسامة.

стр. 1196

فلما ذهبوا ليحلفوا، قال لهم ابن مسكين: تحلفون بالله خمسين يمينًا، لمن رميته حاد، ومن حيدته سقط، ومن سقطته مات. وكان إبراهيم، يبتهج بكونه قاضيا له، قال له يومًا بعض خدمته: لقد نصحتك نصحا ما ينصحك بمثله القضاة. فقال له إبراهيم: ولا عيسى بن مسكين؟ ذكر استجابته وبراهينه ذكر أنه دعا على ابن عبدون القاضى لما أسرف، فقال: اللهم ابله بداء الغرة. وهى قرحة تخرج فى الوجه، فابلتى بها ومات منها. وأن نصرانيًا لقيه فسلم عليه، فصافحه وعيسى لا يعلم، فعرف به بعد ذلك، فقال: اللهم اقطع يمينه وانتقم منه، فلما كان من الليل، نزل عليه لصوص، فقاتلهم فقطعوا يده. وحكى الكانسى عن بعض من رافق عيسى فى طريق الحج، فقال: خرجت ليلة من الرفقة لقضاء حاجة الانسان، ثم عدت إلى الرفقة، فإذا عليها سور منعني من الوصول اليها، حتى أصبح، وضرب الطبل، فذكرت ذلك لعيسى، فقال: ما أبيت ليلة حتى أدور على الرفقة، وأقول: اللهم احرسنا بعينك التى لا تنام، واكنفنا بكنفك الذى لا يرام، اللهم إني أستودعك دينى ونفسى وأهلى وولدى ومالى، انه لا تخيب ودائعك، يا أرحم الراحمين. قال: وبينما يقرأ عليه أصحابه، إذ أخبرهم آت، أن أبا العباس بن الأغلب كتب السجلات بخلق القرآن، وأمر بقراءتها على المنابر، وأن يحمل الناس عليها، فنحبه ذلك وأصحابه، وباتوا من أجله تحت غم، فلما أصبح، قال لهم عيسى: ان مدة هذا الرجل قد انقطعت. فأتى الخبر أنه مات تلك الليلة. وكان عيسى بن مسكين ربما نطق بشيء من الانذارات قبل وقته، فيقال إنه صحب أبا خارجة صاحب مالك ابن أنس، فتعلم ذلك منه.

стр. 1197

ويقال: بل * كان يكاتبه بذاك رجل من أهل المشرق. ويقال: بل كان يجرى الله ذلك على لسانه. قال بعض أصحابه: فبينا نحن نسمع عليه، اذ أتته بنية، فضمها إلى صدره، وبكى، وقال: كأنى بالجلاوزة (٣٨٦) يعرونها في طلب التقسيط! وفى المجلس يومئذ سهلون، ومحمد بن عباس الكاتب. قال بعضهم ممن حضر: فانى يومًا خارج بعد هذا من ديوان سهلون، وعنده ابن عباس، وهما يخدمان عبيد الله لعنه الله، إذا بامرأة طويلة على بابه تعرى من كسائها، وإذا هي تلك. فرجعت إلى سهلون وابن عباس فأخبرتهما الخبر، فذكراه. فقلت لهما: ها هي ببابك تعرى. فخرج سهلون حافيا، وتبعها، ودخل على عبيد الله، فكتب لها سجلًا، وأن تصرف إلى موضعها، ويعرض عليها العطاء. فامتنعت منه فردت إلى موضعها. قال بعض أصحابه: خرج عيسى يومًا إلى المنستير، فمر بحمة، موضع المهدية اليوم، فبكى وقال: تبنى ها هنا مدينة يكون على بانيها إثم الجن والانس، ثم سل سيفه ولوح، وقال: اللهم اشهد، إني إن أدركته أجاهده. ويحكى عنه أنه كان يجتمع مع الخضر ﵇. وحكى عنه عبد الله العارى، أنه قال: اجتمعت مع الخضر مرتين، ودخل على فى بيتى، فقال لى: أبشر بفرجك مما أنت فيه. ذكر رحلته وابتداء طلبه قال عيسى: كان أبي يختلف إلى كل من قدر عليه، ممن يعرف بصلاح، فيستجلب لى دعاءهم، وكان ابتداء طلبى سنة أربع وعشرين ومائتين.

стр. 1198

وسمع من شيوخ أفريقية: سحنون فمن بعده. ورحل إلى المشرق رحلتين، لقى فيهما من ذكرناه. وكان في رحلته الأولى لم يسمع من ابن سنجر، فرجع في الثانية بسببه قال: فلما دخلت مصر، سمعت مناديا ينادى: من يحسن القراءة فليأت دار عبد الله بن سنجر، يقرأ لابن الأمير مسندًا. فأعلمت المنادى بمكانى من القراءة، ورأيت ذلك فرصة، فكنت أكتب الليل كله، وأقرأ بالنهار، حتى كمل نسخه وسماعه، فما مرت بعد ذلك أيام حتى مات ابن سنجر. ذكر ورعه وزهده وعبادته وتواضعه قال الشيرازى: رأيت على عيسى جبة صوف قديمة، مرقعة بخرقة من كتان، وكان وهو قاض يركب الحمار بالشند، ويعلق الكوز من الشند. ومرض كاتبه أبو على بن البناء الفقيه، وكان يسكن معه فى دار واحدة، فطال مرضه أربعة أشهر، فلم يزره عيسى، ولا وقف على بابه، ولا سأله عن حاله. فبلغ ذلك من ابن البناء، وعتب عليه فيه. وفووض عيسى بن مسكين فى ذلك، وتوجه إليه فيه أبو سعيد بن محمد بن سحنون وغيره، وقالوا له: ابن البناء قد لحق بالمشايخ، وجعل لك لسانا وكاتبًا، وهو معك فى دار واحدة (٣٨٧)، وهو مريض أربعة أشهر، فما وقفت إليه يومًا واحدًا، ولا سألته عن حاله. فقال لهم: الله المستعان.

стр. 1199

فلما ألح عليه قال: أنا في بلد غصب، فما كان الله ليراني أمشى فيه واحدًا في موضع لم أجبر عليه!! فما رئ قط مشى فى غير طريق داره، إلا إلى المسجد، إلا يوم ماتت أم الأمير إبراهيم، وأرسل إليه أن يصلى عليها، فلم يجد من ذلك بدا. قال أبو العرب: حضرته بالساحل، وقد كلف انسانا شراء زيت، فاشتراه له من نصرانى، طيب الأصل، وأخبره أنه زاد فيما اشتراه عشرة أقفزة، حين علم أنه له، وذلك بعد صرفه عن القضاء فأطرق مليا، ثم رفع رأسه إليه فقال: شكر الله سعيك، لعلك تتم اجمالك بصرف زيته إليه، وتأتيني بدينارى بعينه، وإلا فاترك الزيت له، وخذ منه دينارا فتصدق به. ففعل الرجل ذلك، ثم اعتذر له عيسى لئلا يقع في * نفسه شيء، وقال له: خفت أن يميل قلبي إلى النصراني، لما ذكرت من مسارعته إلى حاجتي، فأدخل فى حكم قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣٨٨) الآية. واشتهى يومًا لحما فاشترى له، فأعجبه، فقيل له: إنه معلوف. فأبى أن يطعمه، فسئل عن ذلك، فقال: المعلوف يخلى عندنا على زيتون الناس وزروعهم. قال السدرى: أتى عيسى عشية إلى المسجد، فقمت وأخذت الحصير لأفرشها له، فلم يجلس عليها، وجلس على الأرض، وكان إذا أصابها مفروشة جلس عليها. قال بعض أصحابه: أراد عيسى أن يخرج إلى بعض المواضع، فدخلت أخرج متاعه، فلم أجد غير آنيتين، احداهما بخل، والأخرى بزيت، فقال لي: أصبب الخل على الزيت.

стр. 1200

ففعلت. فقال: هذا أخف، حمل آنية خير من آنيتين. ثم نظرت إلى كوة في بيته، وفيها آنية صغيرة، على فيها جلد مطبوع عليه، فقال: دعها حيث وجدتها. فسألته عنها. فحاد عن الجواب. فألححت عليه، فقال: كنت عند هذا - يعنى إبراهيم الأمير - فرآني أتوجع، فسألني، فأخبرته أنى أجد أرواحا باطنة، فقال: أعطيك دواء يقطعها. فأمر لي بهذا، فاستعفيت، فقال: أعرف مذهبك، خذها وابعث لنا بدراهم ثمنها فانصرفت، وبعثت إليه بالدراهم، وأغنى الله عنها. وحكى عن ابن دبوس حاجبه قال: جئته يوم خميس، أو جمعة، وقلت: اليوم يتفرغ، فأونسه. فقرعت عليه الباب، ففتح منه فردا، ووقفت، وإذا هو مؤتزر بكسائه، يغسل بيته، فقال لي: يا أخى! ما جاء بك؟ قلت: أردت أونسك، وأراك مشغولًا، فاتركني أستق لك الماء، وتغسل أنت، أو تستقى وأغسل أنا. فقال: يا أخى! قعدت بلا شغل! ورد الباب، وكان ذلك في قضائه. باب في حكمه من نثره ونظمه كان يقول: أشرف الغنى ترك المنى. من قاس الأمور، علم المستور. من حصن شهوته صان قدره.

стр. 1201

من أطلق طرفه، كثر أسفه. في تقلب الأحوال، علم جواهر الرجال. بحسن التأني، تسهل المطالب. الحسن النية يصحبه التوفيق. المعاش مذل لأهل العلم. كفاك أدبًا لنفسك، ما كرهت لغيرك. قارب الناس في عقولهم تسلم من غوائلهم. خلوا لهم دنياهم، يخلوا بينكم وبين آخرتكم. ومن شعره قوله: لما كبرت أتتنى كل داهية … وكل ما كان منى زائدًا نقصًا أصافح الأرض إن رمت القيام وإن … مشيت تصحبنى ذات اليمين عصا ومن شعره قوله يرثى ساقه: أصاب الدهر منى عظم ساق … به قد كنت مشاء جليدا إلى الفقهاء أنقلها وأطوى … بها للحاجة البلد البعيدا إذا رجل الفتى يومًا أصيبت … وطال سقامه ألف القعودا وصار لبيته جلسا وأمسى … من الإخوان منفردا وحيدا وأنشد له ابن أبي سعيد أيضًا: * لعمرى يا شبابي لو وجدتك … بما ملكت يميني لارتجعتك ولو جعلت لي الدنيا ثوابًا … وما فيها عليك لما وهبتك فقدتك فافتقدت لذيذ نومى … وطيب معيشتي لما فقدتك ونحتك وانتحبت عليك دهرا … فلم تغن النياحة حيث نحتك

стр. 1202

بقية أخباره واستعفاؤه من القضاء ووفاته ولما قدم القيروان، أتى على حمار عليه إكاف، فقام الناس إليه على أقدامهم، فقال: مكانكم رحمكم الله! إنما يقوم الناس لرب العالمين. ولما رأته امرأة على حمار وبردعة وشند، وحوله شيوخ القيروان، قالت: انظروا أي قاض وأى شكل!! فسمعها، فقال لها: والله لقد قلتها لهم. ومن الكتاب المعرب - ونقلته أيضًا من خط القاضي أبى الوليد الباجي - قال سهل بن إبراهيم: كنا عند عيسى بن مسكين، نسمع منه، وكان في كل يوم يأتيه شيخ نحوي، كان صاحبا له من عهد الصبا، وكان عيسى لا يخرج حتى يأكل، فجاء يومًا إلى عيسى قبل خروجه، فأعلم به فدعاه، فقال الشيخ للرسول: قل له إني صائم. فقال: يقول لك: تطوع أم واجب؟ قال: بل تطوع. قال: فانهض معي. فلما رجع الشيخ، سألناه قال: قال لي: إن ثوابك في إدخال المسرة على أخيك المسلم بإفطارك عنده، أفضل من ثوابك في صيام يومك. فأفطرت معه. قلنا: ألم يذكر لك قضاء هذا اليوم؟ قال: لا، ما ذكره. قال المؤلف ﵀: أما القضاء فواجب لابد منه، وإنما لم يذكره لعلمه - والله أعلم - بأن ذلك ليس من خفى العلم الذي يضطر إلى بيانه. وكان من سيرته في غير مدة قضائه، أنه كان إذا أصبح، قرأ حزبه من القرآن، ثم جلس للطلبة إلى العصر، فإذا كان بعد العصر، دعا بنته وبنات أخيه، يعلمهن القرآن والعلم.

стр. 1203

قال بعضهم: جئت إلى عيسى، فوجدناه جالسا على دكان في المعصرة، وخادم له يرد الزيتون، والدابة تطحن، وهو يقرأ حديث رسول الله ﷺ من صدره، فقيل له في ذلك، فقال: أعرض حديثى لئلا أنساه. قال ابن حمود السدوسي: كلفني ابن مسكين شيئًا في خصومة، فقلت: الله بيني وبينه. فأتاني في منامي آت، فقال لي: لا تدع على الرجل الصالح. واستعفى من القضاء، فعوفي، فرجع إلى منزله بالساحل، إلى أن مات، فأصابه داء في ساقه فلم يزل ملازما بيته. ومات في سنة خمس وتسعين ومائتين. مولده سنة أربع عشرة ومائة. وكان إذا تحدث عن أيام قضائه يقول: كنت في بليتي، وكنت أيام تلك المحنة. ولما أناب الأمير إبراهيم، وتخلى عن الملك، وتوجه للجهاد، قصده عيسى بن مسكين فقال له: إن الله عاناك مما كنت فيه، فأعفنى مما أدخلتني فيه، فقد كبرت سنى، وضعف بدنى. فعافاه، فخرج إلى ضيعته. فقال إبراهيم: ما أعجب حاله! هو في آخر أمره مثله في أوله. فكانت ولايته ثمان سنين وأحد عشر شهرًا. ولما بلغت وفاته القيروان، قال رجل منهم: سودوا وجوهكم وجدا عليه وقال آخر: ما على أفريقية! يجدون العلم بعد عيسى، ولكن لا يجدون مثل ورعه وزهده وأدبه (٣٨٨).

стр. 1204

وقال آخر: ذاك رجل حزنت لموته أفريقية. محمد بن مسكين أخوه، أبو عبد الله سمع من محمد بن شجرة، والحارث بن مسكين، ومحمد بن عبد الحكم، والربيع الخيرى، وسحنون، وابنه، وغيرهم. وشرك أخاه في أكثر رجاله. وهو أصغر من أخيه بثلاث سنين. قال ابن حارث: كان صالحا، ثقة، عاقلا، من أهل العلم. وقال مثله ابن أبي دليم. قال أبو على بن البصرى (٣٨٩): كان أيضًا هو فقيها، يصنع الشعر ويجيده. قال لقمان بن يوسف: لما رحلت إلى عيسى بن مسكين، إلى الساحل، ونزلت وأقمت، كنت أستفتى فلا أفتى، ولم أكن أمتنع من ذلك من أجل عيسى، وإنما كنت أمتنع من أجل أخيه محمد. يعنى أن عيسى لا يتغاير على هذا. سمع منه أبو العرب. وتوفى سنة سبع وتسعين ومائتين، بمنزلهم بالساحل. وولد سنة سبع عشرة، ويقال ستة عشر. وقد ذكره أحمد بن محمد بن المسى من تلامذته، وتلامذة أخيه عيسى، في مرثيته لأخيه، وأولها: الآن مات بأرض المغرب الأدب … وأصبح العلم مقرونا به العطب

стр. 1205

وانهد للدين ركن من دعائمه … وقام باغى الهدى يبكى وينتحب وأسود ما أبيض من وجه الزمان على … فقد الإمام فدمع العين منسكب وفى أخيه سمي المصطفى خلف … هذاك جوهرة أودى وذا ذهب بحران للعلم مطبوعان من كرم … من نبعة ما لها وصب ولا أرب عبد الرحمان بن محمد بن عمران الملقب بالوزنة أبو محمد، من أصحاب سحنون، يتولى سليما، وأصله من العجم. قال ابن أبي دليم: كان حسن الحفظ، جيد القريحة، جيد القريحة، يتكلم على الأصول، ولم يكن صاحب دواوين ولا إكثار. قال ابن حارث: وإنما كان مقتصرا على أمهات ابن القاسم لا غير. قال أبو العرب: كان فقيها، ثقة، صالح الكتاب، حسن الحفظ، حيد القريحة، سمع سحنون وغيره، وبسحنون تفقه، وعليه اعتمد. قال غيره: وكان من الورعين المخبتين الخاشعين. وقال سحنون: عبد الرحمان رجل من أهل الآخرة. وكان حمديس يذكره بالفضل والورع والعلم، ويقول: رحمة الله عليه، كان والله ورعا في فتياه، عالما، عاقلا، وإن من أعظم نعمة الله عليه أن أخرجه الله من الدنيا ولم يدخل على سلطان قط. وعظمه تعظيمًا كثيرًا. وخرج إليه حمديس من عند سحنون، فكشف، فلما رآه أحرم بالصلاة، فقال سحنون لحمديس: إنما كان يمضى به لأهل الدنيا، وإنما ذاك من أهل الآخرة. ولد سنة ثمان ومائتين. وتوفى في أول شوال سنة اثنتين وثمانين ومائتين. أحمد بن معتب بن أبي الأزهر أبو جعفر، تقدم ذكر أبيه.

стр. 1206

سمع من سحنون، وهو من فقهاء أصحابه. وسمع من أبي الحسن الكوفي جميع ما عنده. وسمع بالمشرق من العثماني بالمدينة، وحسين بن حسن المروزي، صاحب ابن المبارك، ولقى إسماعيل القاضي. ذكر علمه وفضائله والثناء عليه قال أبو العرب: كان ثقة، ثبتا، نبيلا، عالما بالحديث والرجال، حسن التفسير، سمع منه الناس. قال ابن حارث: كان نبيلا فاضلا صحيح اليقين بالله. قال القاضي يونس، عن أبى العرب: أن أحمد بن معتب كانت له صلاة طويلة بالليل وبكاء، حتى كان يسمع جيرانه بكاءه وصراخه، وكان له نسك وخشوع وحسن خلق، وكان فيه زهد. وكان سبب وفاته أنه حضر يومًا مسجد السبت بالقيروان، فقرأ قارئ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (٣٩٠) ويقال بل قرأ: "يطاف عليهم بصحاف من ذهب" (٣٩١) الآية، وقيل بل سمع بيت شعر فيه ذكر النار، فخر صعقًا، وحمل إلى داره، فنازع إلى المغيب لا ينطق بكلمة، وتوفى، وذلك لسبع خلت من ذى القعدة، سنة سبع وسبعين، ويقال ست وسبعين ومائتين. قال ابن اللباد: وحضرت مشهد الذكر يوم السبت، لسبع خلون من ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائتين، وأحمد بن معتب حاضر، وكان له بكاء ونوح، وكان القراء إذا علموا به تحركوا، فقرأوا، وغيروا وأخذوا في تغيير: دع الدنيا لمن جهل الصوابا … فقد خسر المحب لها وخابا

стр. 1207

فلما وصلوا. يظل نهاره بيكي ببث … ويطوى الليل بالأحزان دابا تحرك وبكى. ثم قرأ قارئ ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (٣٩١) الآيات الثلاث، فصاح صيحة شديدة، ثم سقط على وجهه، فأقام ساعة، وأسنده إنسان إلى صدره، وكلم فلم يتكلم، وقد أغلق عينيه، ثم قاء شيئًا أخضر. فلما انقضى المجلس، وختم بالدعاء، أردنا أن نحمله على دابة فلم نستطع، إذ كان لا يثبت، فجئنا بمحمل على جمل، فحمل، وأخرج من المسجد يبكى كأنه مأتم، وحمل في شق المحمل، وزامله ابن عم له، ثم أتى به إلى داره، فقاء شيئًا أخضر، ولم يتكلم. وتركناه لشأنه، فلما كان بعد العشاء الآخرة، توفي ﵀، ولم يتكلم ولم يفتح عينيه. وغلقت الحوانيت كأنه يوم عيد. وحضرت غسله، وقد كسي نورا وبياض بدن. وصلى عليه للعصر، وصلى عليه حمديس القطان، وفات كثيرًا من الناس الصلاة عليه لكثرتهم. ونودى على جنازته: أيها الناس! لا تفتكم جنازة أحمد بن معتب شهيد القرآن. قال بعضهم: ان ابن معتب ذلك اليوم مر في طريقه إلى مسجد السبت، بدار فيها غناء، فقرع الباب، فخرج إليه صاحب الدار، فاستأذنه في الدخول، فاستحيي صاحب الدار واعتذر، فقال: لابد. فدخل صاحب الدار قبله، وغيب ما كان بين أيديهم من شراب، ثم أذن له، فدخل، وسلم، فقال: من المتكلم؟ فقالوا: هذا.

стр. 1208

فقال: سألتك بالله إلا ما أعدت ما سمعت منك. فقال مغنيهم: العفو أولى لمن كانت له القدر … لا سيما عن مقر ليس ينتصر أقر بالذنب إجلالا لسيده … فقام بين يديه وهو معتذر فبكى وخر وأن، وردده مرارا، وانتحب، وقام، وقال: تاب الله عليكم. وخرج، فتاب صاحب الدار، وصار أحمد إلى مسجد السبت، فكان منه ما ذكر. قال ابن اللباد: شهد ابن معتب شهادة عند ابن طالب، وشهد سهل القبرياني بضدها، فتوقف في أمرها، ثم قال: إذا ذكر المتعبدون والبكاؤون ذكر ابن معتب معهم، وإذا ذكر أهل التجارات ذكر سهل معهم، فأرى أن آخذ بشهادة ابن معتب. قال أبو علي بن البصري: لم يكن ابن معتب من النفاذ في الفقه، وغمص الناس عليه أن القاضي ابن طالب كان له مكرما، وكان حاضرا للكلمة التي قالها ابن طالب في شأن الأمير ابن الأغلب، التي قتل ابن طالب من أجلها، وقد ذكرناها، ودعا الأمير ابن معتب للشهادة عليه، فشهد بها. وعذر ابن معتب في هذا بين، في كتم شهادة قد سمع ذلك الجائز أنه حضرها. وقد قيل: إنه ما صرح بالشهادة بها، بل أداره عليها ليلة كاملة، يسامره ويسائله، وابن الأغلب يتقد غيظا، وهو يقول له: ما علمته لك ولأهل بيتك إلا على الإخلاص والاعتقاد المشكور. وأنه لما حقق عليه قال له: ما أحفظ عليه شيئًا قاله، وكذب الناس كثير. وقيل: بل قال له: كان ما بلغك.

стр. 1209

محنته وامتحن ابن معتب بعد هذا على يد ابن عبدون القاضي، عدوه، وذلك أن ابن معتب كان لطيف المنزلة، سامى المكانة، يكتب إليه إبراهيم: إلى أخى في الإسلام، وشقيقي في المحبة. فتلاحي مع ابن عبدون، ووثق بمكانه من الأمير فخذله، ومكن منه ابن عبدون، فأدخل رجليه في فلقة، وضربها حتى أدماها. فكان أحمد بن معتب بعد ذلك يقول: أرجو أن تكون هذه النازلة خيرًا لي، أن سلبت محبة إبراهيم بن الأغلب من قلبى. وكان ابن عبدون هذا من كبار الكوفيين المتعصبين على المدنيين، فامتحن على يده جماعة من فقهاء المالكية وأهل السنة، ضربهم، ونكل ببعضهم، وأطافهم، وأغرى الأمير ببعضهم فقتله، منهم إبراهيم الزمن، وابن المدينى، وأبو القاسم مولى مسرية، وأحمد بن عبدون القصار، وغيرهم. ولما مات ابن معتب، وشهد الناس جنازته، وباتوا على قبره، نظر ابن الأغلب ليلة إلى ما على قبره من الناس وكثرة الشيوخ، فقال لابن عبدون: هذا الذي كنت تهون عندى أمره، انظر عاقبة أمره! سليمان بن سالم القطان أبو الربيع القاضي، يعرف بابن الكحالة، مولى لغسان، من أصحاب سحنون. سمع من سحنون، وابنه، وعون، والحفرى، وابن رزين، وداود بن يحيى، وزيد بن بشر. ودخل المدينة، فحدث عن محمد بن مالك بن أنس بحكاية عن أبيه، وأدرك موسى بن معاوية ولم يسمع منه؟ سمع منه أبو العرب وغير واحد.

стр. 1210

قال أبو العرب: كان ثقة، كثير الكتب والشيوخ، وكان حسن الأخلاق، بارا بطلبة العلم، أديبا، كريما، سمع منه في حياة ابن سحنون، ثم كان يقوم مع أصحابه إذا جلس ابن سحنون، فيسمع منه. قال ابن حارث: لم أسمع عنه بمكروه. قال ابن أبى دليم: وكان الأغلب عليه الرواية والتقييد، وله تأليف في الفقه، تعرف كتبه بالكتب السليمانية، مضافة إليه. وولاه ابن طالب قضاء باجة، وولاه ابن مسكين مظالم القيروان، وأذن له أن ينظر في مائة دينار، ثم ولاه قضاء صقلية، فخرج إليها ونشر بها علما كثيرا، وكان خروجه إليها سنة إحدى وثمانين. قال الشيرازي: وعنه انتشر مذهب مالك بها، فلم يزل عليها قاضيا إلى أن مات سنة إحدى وثمانين ومائتين، ولم يوجد له مال بعد موته. * يحيى بن عمر بن يوسف بن عامر الكندي قاله ابن الفرضى، وقال ابن عائد: البلوى، وقيل هو مولى بني أمية. أندلسي من أهل جيان، وعداده في الافريقيين. سكن القيروان، واستوطن سوسة أخيرا، وبها قبره، كنيته أبو زكرياء، نشأ بقرطبة. ولعامر جده ينسب باب عامر. فطلب العلم عند ابن حبيب وغيره. فرحل فسمع بأفريقية من سحنون، وعون، وأبي زكرياء الحفرى. وسمع بمصر من ابن بكير، وابن رمح، وحرملة، وأبي الطاهر، وهارون بن سعيد الأيلى، والحارث بن مسكين، وعبيد بن معاوية، وأبى زيد بن أبى الغمر، وأبى إسحاق البرقى، والدمياطى، وغيرهم من أصحاب ابن وهب وابن القاسم وأشهب.

стр. 1211

وسمع أيضا بالحجاز وغيرها من أبي مصعب الزهرى، ونصر بن مرزوق، وابن كاسب، وأحمد بن عمران الأخفش، وإبراهيم بن مرزوق، ومحمد بن عبيد، وسليمان بن داود، ويحيى بن سليمان، وزهير بن عباد وغيرهم. سمع منه الناس، وتفقه عليه خلق، منهم أخوه محمد، وأبو بكر بن اللباد، وأبو العرب، وعمر بن يوسف، وأبو العباس الأبياني، وأحمد بن خالد الأندلسي، وغيرهم. وإليه كانت الرحلة في وقته. ذكر علمه وفضله والثناء عليه قال القاضي أبو الوليد: كان فقيها، حافظا للرأى، ثقة، ضابطا لكتبه. قال ابن حارث: كان يحيى متقدما في الحفظ، وسكن القيروان، فشرفت بها منزلته عند العامة والخاصة، ورحل الناس إليه، لا يروون المدونة والموطأ إلا عنه. وكان يحيى يجلس في جامع القيروان، ويجلس القارئ على كرسي ليسمع من بعد من الناس، لكثرة من يحضره. وكان من الوقار والسكينة على ما يجب لمثله، تأدب في ذلك بآداب مالك. وكان لا يفتح على نفسه باب المناظرة، وإذا ألحف عليه سائل، أو أتاه بالمسائل العويصة، ربما طرده. قال أبو العرب: كان اماما في الفقه، ثبتا، ثقة، فقيه البدن، كثير الكتب في الفقه والآثار، ضابطا لما روى، عالما بكتبه متفننا، شديد التصحيح لها، من أئمة أهل العلم، وعداده في كبراء أصحاب سحنون، وبه تفقه. قال ابن أبي دليم: كانت له منزلة شريفة عند الخاصة والعامة والسلطان، وكان حافظا، وله أوضاع كثيرة، منها كتب الرد على الشافعي،

стр. 1212

وكتاب اختصار المستخرجة، المسمى بالمنتخبة (٣٩٢)، وكتبه في أصول السنن، ككتاب الميزان، وكتاب الرؤية، وكتاب الوسوسة، وكتاب أحمية الحصون، وكتاب فضل الوضوء والصلاة، وكتاب النساء، وكتاب الرد على الشكوكية، وكتاب الرد على المرجئة، وكتاب فضائل المنستير، والرباط، وكتاب اختلاف ابن القاسم وأشهب. قال ابن أبي خالد في تعريفه: له من المصنفات نحو أربعين جزءا. قال: وكان -فيما قال لي غير واحد- ممن لا يتصرف تصرف غيره من الحذاق والنظار في معرفة المعانى والاعراب. قال القصرى: كنت أسأله عن الشيء من المسائل، فيجيبني، ثم أسأله ذلك بزمان عنها فلا يختلف قوله على، وكان غيره يختلف على قوله. ذكر فضائله وإخباره قال يحيى: رأيت في منامى كأن سحنون معلم صبيان بيده درة، فأعطانيها وقال لي: قم على الصبيان. فأولتها * خلافته في تعليم الناس. ودعاه ابن الأغلب إلى قضاء افريقية، واضطره إلى ذلك، فدله على عيسى بن مسكين، فولاه، وسلم هو. قال حمديس: حضرت للأمير إبراهيم عرض القضاء على يحيى، فقال له: أنا غريب. فقال: غريب! غريب! ثم عرضها على الفريابي أبي جعفر، فذم نفسه، وجعل يقول مزريا على نفسه: أعيذك بالله أيها الأمير! مثلى تولى القضاء؟ فأعجبني ذلك منه.

стр. 1213

وعرضها على حماس فاعتذر. وعرضت على ابن مسكين فقال: ليس عندى كتب القضاء. فقال الأمير: من يسمع الناس العلم يسمعهم القضاء. ثم عرضها عليهم ثانية، فلما انتهى إلى عيسى بن مسكين، قال: قوموا. وحبسه فولاه القضاء. قال يحيى بن عمر: كان يمن بن رزق (٣٩٣) يخرج بحضرتى من تحت حصير جلوسه دراهم لنفقته، بعد أن فتشته قبل أن يقعد عليه ولم أر تحته شيئا. وكان يحيى جليلا في قلوب الناس، عظيما في أعينهم. قال ابن اللباد: كان يحيى بن عمر من أهل الصيام والقيام، مجاب الدعوة، له براهين. قال الحسن بن نصر: ما رأيت أهيب منه. قيل له: فابن طالب؟ قال: كانت له هيبة القضاء. وكان الكانشى يقول: ما رأيت مثل يحيى بن عمر، وما رأيت أحفظ منه، كأنما كانت الدواوين في صدره. قال: واجتمعت بأربعين عالما، فما رأيت أهيب لله من يحيى بن عمر. قال: وأنفق يحيى في طلب العلم ستة آلاف دينار. قال الأبياني: ما رأيت مثل يحيى في علمه وورعه وكثرة دعائه وبكائه، وكان حريصا على أهل العلم، يحرض طالبه، ويشرفه، والوصف يقصر والله عن يحيى وفضله، وما يجهل أمره إلا جاهل.

стр. 1214

وكان يحيى ألف كتابا في النهى عن حضور مسجد يوم السبت، وكان مسجدا بربض المبلس (٣٩٤)، بالقيروان، يجتمع إليه جماعة من أهل الصلاح والفقه والرقة، ويقرأ فيه القراء، وينشد أشعار الزهد. فصلي المغرب رجل مع يحيى، فلما أكمل الصلاة قرأ الرجل: "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه" (٣٩٥)، الآية، فبكى يحيى بن عمر، ثم قال: اللهم أنه لم يقرأها لوجهك، وإنما أراد بذلك نقصي، فلا تقله عثرته. فوالله ما حمل الرجل من مكانه إلا ميتا. ويقال: مات ليلته. وحكى أنه مر على محلة مر على محلة قوم يكبرون، أيام العشر، فنهاهم، وقال لهم: هي بدعة. فلم ينتهوا. فيقال: أنه دعا عليهم، فصار موضعهم بعد خرابا. قال الزويلي: كان يحيى بن عمر، ينصب له كرسى في الجامع للسماع، فيجلس عليه يسمع الناس، وما علمت أنه عمل ذلك لغيره. قال اللبيدى: سمع عليه خلق عظيم من أهل القيروان، في الجامع بالقيروان. وكان إذا انصرف من الجامع تبعه الناس. وبينا هو يوما يسمع الناس في خلق عظيم، جاءه كتاب من أبي زكرياء يحيى بن زكرياء الأموى، فلما فكه، أسكت القارئ، وقال لمن حضر: صاحب هذا الكتاب من جده على جدى بالعتق. ذكر ذلك تواضعا منه لله.

стр. 1215

قال أبو الحسن اللواتي: كان عندنا يحيى بن عمر بسوسة، يسمع الناس في المسجد، فيملأ المسجد وما حوله، فسأله من بعد عن سماعهم، فقال لهم: يجزئكم. وقد ذكر سليمان بن سالم، أن بعض أصحاب سحنون، نام حتى قرأ القارئ ما شاء الله، ثم انتبه، قال: فاختلفنا في سماعه، فسألنا سحنون، فقال: إذا جاء للسماع وله قصد فهو يجزئ. وقال يحيى بن عمر لبعضهم: لا ترغب في مصاحبة الاخوان، وكفى بك من ابتليت بمعرفته أن تحترس منه، انفردوا بأهل العلم، انفردوا. وكان فرات يطعن في سماع يحيى الموطأ من ابن بكير، ويحلف على ذلك ويقول: أنه كان ملازما لابن بكير حتى مات، وإني المنصرف من جنازته، إذ نزل يحيى بن عمر في مركب فسلم على، وسألني عن ابن بكير، فقلت: هذا منصرفى من جنازته، فاسترجع وقال: فاتنى الشيخ. قال الأبياني: فذكرت قول فرات للقمان بن يوسف، فقال: كذب فرات، لقيت بمصر أبا الزنباع روح بن الفرج، فسألني عن يحيى بن عمر، وقال: كيف حاله عندكم؟ قلت: في الهواء، ما يوصل إليه. فقال: يستحق يحيى، ما خرج من عندنا حتى احتاج أهل بلدنا إليه، ولو كان عندنا لكان أكثر مما هو عندكم وأرفع. فقلت: سمع من ابن بكير؟ فقال: نعم، صاحبنى عند يحيى، سمعنا منه الموطأ. قال أبو بكر المالكى: وكان شيوخنا يقولون: إنما جرى ليحيى هذا مع فرات في سفرته الثانية، وكان في الأولى لقى ابن بكير وسمع منه. وقد جرى له أيضا مثل هذا في الرواية عن سحنون، فإن أكابر أصحاب سحنون قالوا: ما رأيناه عند سحنون قط؟

стр. 1216

فقال حمديس القطان: نعم سمع من سحنون في منزله بالساحل. وكذلك قال يحيى: لم أسمع من سحنون بالقيروان، إنما سمعت منه بالبادية. قال الحسن بن نصر: كان يحيى بن عمر إذا صلى الصبح وسلم من صلاته، بقى كذلك على هيئة جلوسه في صلاته مشتغلا بذكر الله حتى تطلع الشمس. وذكر أنه رجع من القيروان إلى قرطبة بسبب دائق كان عليه لبقال، فخوطب في ذلك. فقال: رد دائق على أهله أفضل من عبادة سبعين سنة. فمضينا إلى قرطبة ورجعنا في سنة، وبقيت معنا تسعة وستون. ولما هدمت القبور لانشاء السلطان المراكب إلى صقلية، لم يهدم قبر يحيى، فكلم في ذلك بعض السودان، فقال: نرى على قبره نورا عظيما. وحضر يوما مجلسه رجل من أهل العراق، فقال يحيى: من كان ها هنا من أهل العراق فليقم عنا. وكان يحيى ينشد: هممت ولم أفعل ولو كنت صادقا … عزمت ولكن الفطام شديد ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … اليك انقطاء انقطاعى اننى لسعيد محنته ووفاته قال ابن حارث: كان يحيى بن عمر شجا (٣٩٦) على العراقيين. أخبرني من كان جالسا مع ابن عبدون، وكان رأسا فيهم، حتى خطر ابن عمر راكبا، على رأسه قلنسوة، فجعل وجه ابن عبدون يتلون شرقا به.

стр. 1217

فلما ولى ابن عبدون القضاء، طلب يحيى، وأخافه حتى توارى منه، وخرج إلى سوسة فاختفى بها. فيقال: أنه خرج ليلا متنكرا، فمر على دور بعض أهل العراق، وبها مشعل، فخاف أن يروه، فوقف، فإذا بريح قد قد أطفأته، فجاز، فبعث ابن عبدون كتابا إلى عبد الله بن هارون الكوفى يقول فيه: صح عندى أن ابن عمر متوار بتونس، فاطلبه وأوثقه وابعث إلى به. قال محمد بن عمر أخوه: فوجه في الكوفى، وعرض على الكتاب، فقرأته واربد وجهي. فقال: لا يسؤ ظنك، فلم أبعث فيك بمكروه، ولكن أعجبك من ابن عبدون، يريد منى أن آتى إلى امام من أئمة المسلمين، فأرسل به إليه ليمتهنه! أن كان أخوك بهذا البلد فهو آمن، هل هو إلا العزل؟ قال أبو العرب: وذهل آخر عمره، وتوفى بسوسة في ذى الحجة سنة تسع وثمانين ومائتين، وسنه ست وسبعون. مولده بالأندلس، سنة ثلاث عشرة، ومائتين. ورثاه سعدون الورخسي بقصيدة أولها: عين ألم بها وجد ولم تنم … تبكي بدمع كنظم الدر منسجم يا موت أثكلنا يحيى وكان لنا … في بلدة الغرب مثل البدر في الظلم ما كان إلا سراجا يستضاء به … في العلم يسمع منه العلم في الحلم وكان يحيى إذا خفنا لنا حرما … يلجأ إليه فقد صرنا بلا حرم وكان يحيى لنا سيفا نعز به الـ … ـدين الحنيف ونحمى كل مهتضم وكان يحيى لنا في الزائغين إذا … ضلوا، لسانا يبين الحق عن أمم لتبك يحيى عيون بالدموع فإن … غاضت مدامعها فلتبكه بدم ما كان أشجعه ما كان أورعه … ما كان أفصحه في محفل الكلم ما كان أفقهه ما كان أعلمه … ما كان أحماه عند الخوف للحرم ما كان أرغبه في سنة درست … يشيدها ببناء الحاذق الفهم ما كان أطهر تلك النفس من ريب … ما كان أكتب تلك الكف بالقلم

стр. 1218

محمد بن عمر أخوه، كنيته أبو عبد الله. الحارث بن مسكين، ومحمد بن عبد الحكم، وحسنش بن أصرم، وإبراهيم بن مرزوق، وأبا الطاهر بن السرح، وأبا إسحاق البرقى، ومحمد بن عبد الله البرقى. وشرك أخاه يحيى في أكثر رجاله، إلا في سحنون وأبي زيد وابن بكير، فلم يسمع منهم. وسمع من أخيه يحيى، وابن عبد الحكم. سمع بالقيروان ابن عبدوس وغيره من أصحاب سحنون. وسمع منه المصريون وغيرهم: مؤمل بن يحيى وميسرة بن مسلم، وأبو الحسن الأسوانى، وأبو حميد الجرجاني، وعبد الله بن على. وسمع منه أبو سعيد حفيد يونس، وحمزة الحافظ، ومن الأندلسيين خالد بن سعيد. قال أبو العرب: كان ثقة، كثير الكتب في الفقه والآثار، ضابطا لها. قال غيره: كان من أهل العلم والعقل والدين والثقة. قال ابن حارث وابن الفرضى: كان كثير الكتب في الفقه والآثار، ضابطا، ثقة، كثير التجول في البلاد، وخرج من القيروان إلى مصر عام تسعة وثمانين. وقال ابن الفرضى: عام سبع وتسعين، بعد أن كف بصره، وسمع منه بها الناس. قال غيره: بل توفى بأقريطش، وبها ولد، كان أبوه لزمها للجهاد. وكانت وفاته سنة سبع وتسعين ومائتين. وقال الحميدي: توفى بمصر سنة عشر وثلاثمائة. وله كتاب في أكرية السفن.

стр. 1219

أحمد بن أبي سليمان واسم أبيه داود، ويعرف بالصواف، مولى ربيعة. روى أبوه عن عبد الله بن نافع. روى عنه ابنه. قال أبو العرب: كان أبوه من أهل العلم، وما علمت إلا خيرا. ويكنى أحمد بأبي جعفر، من مقدمي رجال سحنون. وسمع من أبيه أبي سليمان. وسمع منه أبو العرب، والناس. قال ابن أبي سعيد: كان حافظا للفقه، مقدما فيه، مع ورع وصيانة لعلمه، أديبا، راوية للشعر، كثير القول له، أحد كبار المالكية ووجوههم. قال أبو العرب: كان شيخا صالحا، ثقة، فقيها، كريم الأخلاق، بارا بمن قصده، مسارعا في حوائجه، وكان يلبس الملبساة الطويلة. قال عيسى بن مسكين: أحمد بن أبي سليمان حكيم. قال غيره: كان أكثر كلامه حكمة. قال الباجي: هو فقيه. قال ابن حارث: كانت له بالشعر عناية في أول أمره، فلما صار إلى درجة العلم وصحبة العلماء، ترك قوله. قال: ولم يكن معدودا في أهل الحفظ، ولا في أهل المعرفة بما دق من العلم. قال ابن أبي سليمان: أتى بى أبى إلى سحنون، سنة سبع عشرة ومائتين، لأسمع منه، فاستصغرني، وأجاز لي جميع كتبه، ثم صحبت سحنون بعد ذلك عشرين سنة.

стр. 1220

وعمر، وكان سبب طلبه للعلم فيما حكاه، أنه قال: كنت أولا أطلب الشعر، فرأيت في المنام كأني على حائط يرجف، ونار عظيمة، وأنا أخاف أن أقع فيها، فإذا حلقة رجال فيهم أبى، فكنت آنس إليه، فيقول لي: لا تخف، ارم نفسك في حلقة سحنون تنج. وكان أحمد يفتى في الذي يفتح حوانيت في الشارع قبالة دار رجل، أنه يمنع. وكذلك كان يقول في المرأة تودع وديعة، فترفعها عند زوجها فتضيع الوديعة، أنها غير ضامنة كالرجل يستودع الوديعة امرأته. وقال غيره: المرأة ضامنة، بخلاف الزوج. وقال في رجل رمى زوجتيه: أن له أن يلاعنهما في واحد، وعلى كل واحدة منهما لعان. قال: ولو قامت إحداهما فلاعن لها، ثم أتت الأخرى، جدد لهما اللعان. وقال أيضًا: يجزئه لعانه للواحدة عن الأخرى، وإن قامت بعد قال حبيب بن ربيع: وهذا إذا كانت غائبة، مما فيه كلفة، فيلاعن مخافة لحوق المولد. وكان أحمد يصبر على السماع. قال الدباغ: أسمع الناس عشرين سنة، وكان يقول: أنا حبس، وكتبى حبس. وحفز قوما السفر، فرغبوا له في الصبر عليهم، فجلس لهم أياما. وقال: سألبس للصبر ثوبًا جميلا … وأفتل للصبر حبلا طويلا وأصبر بالرغم لا بالرضى … أخلص نفسى قليلا قليلا

стр. 1221

وفى كبر سنه يقول، من قصيدة طويلة: دعيت معلما إذ صرت شيخا … وأيام الشبيبة كنت بورا لئن كان المشيب أتى نذيرا … فإني سوف أدعوه بشيرا فأهلا بالمشيب لنا لباسا … وقارا نستزيد له وقورا وجزت بتسعة سبعين عاما … وقد ضمنت أصحابى القبورا وصرت كراكع يمشى دبيبا … وأصبح خاسئا بصرى حسيرا وألقى الدهر في أذنى وقرا … وفى بدنى وفى بطنى فتورا وفى فقه الفقيه أبى سعيد … رأيت الحق متضحا منيرا لزمت فناءه عشرين عاما … أغاديه وأغشاه هجيرا ومن شعره في هذا المعنى قوله: أرى البرق من نحو العذيب توقدا … تغيب طورا لمعة وترددا أفق أيها الباكى المسائل منزلا … تشتت منه أهله فتبددا كفى عجبا أنا جهلناه ما خلا … ملاعب ولدان ونؤيا وموقدا ألفت به غيداء إذ ناهد … وأن كنت موموق الزيادة أمردا وكنت قريبا إذ دعتنى ابن عمها … فلما دعتنى عمها كنت مبعدا وكن نساء الحي يهوين طلعتى … ليالى كان الشعر أرجل أسودا فلما اكتسيت الشيب صرت إلى النهى … وأصلحت من شأني الذي كان مفسدا لبست به ثوب الوقار وكلما … بليت وأبليت الثياب تجددا جزى الله طول العمر خيرا فإنه … حدانى إلى التقوى ودل وأرشدا ولما نحى عمرى ثمانين حجة … وأيقنت أني قد قربت من المدى تركت تكاليف الحياة لأهلها … وجانبتها طوعا فجانبني الردى رأيت حليم القوم فيهم مقدما … ومن نال علما نال جاها وسؤددا ويحبى من الزلفي غدا في معاده … بأضعاف ما يحبى الذي قد تعبدا أرانى بحمد الله في المال زاهدا … وفى شرف الدنيا وفى العز أزهدا تخليت من دنياي، إلا ثلاثة … دفاتر من علم وبيتا ومسجدا غنيت بها عن كل شيء حويته … وصرت بها أغنى وأقنى وأسعدا

стр. 1222

وقد ذم قوم ما فعلت جهالة … فعدوا من الجهال في الجهل أحمدا ولو فهموا أمرى ورأيي لأبصروا … وقالوا: رأى رأيا رشيدا مسددا وهي أطول من هذا، وهو القائل: يا لذة قصرت وطال بلاؤها … عند التذكر في الزمان الأول لما تذكرها وقال ندامة … من بعدها يا ليتنى لم أفعل ومن منثور كلامه الحسن قوله: يا طالب العلم، إذا طلبت العلم فاتخذ له قبل طلبه أدبا تستعين به على حمله، ومن أدب العلم الحلم، والحلم كظم الغيظ، وأن يغلب حلمك وعلمك هواك، إذا دعاك إلى ما يشينك، وعليك بالوقار، والتعفف، والدراية، والصيانة، والصمت، والسمت الحسن، والتودد إلى الناس، ومجانبة من لا خير فيه، والقول الحسن في إخوانك، والكف عمن ظلمك، ولا تهمز أحدا، ولا تلمزه، ولا تقل فيه، ولو كان عدوك. وقال: وليس شيء أروح على الأبدان من الزهادة في الدنيا، ولا للقلوب أروح من القناعة. وقال: أنا أحمد الله على ما يضام من أملى، ما أهتم بشيء. وتوفى ابن أبي سليمان في آخر رمضان، سنة إحدى وتسعين ومائتين. مولده سنة ست ومائتين، كذا وجدته بخط ابن حارث. وفى كتاب ابن الجزار: مولده سنة ثمان. حبيب بن نصر بن سهل التميمي صاحب مظالم سحنون، ومعدودا في أصحابه، وعنه عامة روايته، كنيته أبو نصر، كان من أبناء الجند القادمين أفريقية. قال أبو العرب: وكان فقيها ثقة حسن الكتاب والتقييد، سمع من سحنون، وعون، وعبد العزيز بن يحيى المدني، وغيرهم.

стр. 1223

وروى أيضا عن عبد الله بن عفير. قال ابن حارث: كان نبيلا في نفسه، وقد أدخل ابن سحنون سؤالاته لسحنون في كتابه، ولاه سحنون المظالم، سنة ست وثلاثين. وقال غيره: سنة وثلاثين، فوليها ست سنين، بقية حياة سبع سحنون، ثم بعد موته سنتين، وكان سحنون أذن له أن يحكم في عشرين دينارًا فأقل. قال بعضهم: سألت حبيبا: كيف ولاك سحنون المظالم؟ فقال: والله ما ظننت ذلك قط مع غيره، فكيف معه! وذلك أني تأخرت يومًا عنه، فسأل عنى، فأخبره أصحابي أنى غسلت ثوبي، فلما أتيته من غد، وجلست إليه، قال لي: قم يا حبيب، فقد وليتك مظالم القيروان. ثم قال لي: اتق الله يا حبيب، الذي إليه معادك، ولا تؤثر على الحق أحدا. وقال لاثنين من أصحابه: امضيا معه حتى يجلس في مسجد البركة، وينظر بين الناس. فما كنت أحكم في شيء منه سهل حتى أشاوره. وكان حبيب جيد النظر، وامتحن بعد هذا على يد سليمان بن عمران القاضي، فسجنه وضربه. ويقال: لما ولاه سحنون أرسل معه نحو عشرة من أصحابه، وقال: أكفوه الكلام اليوم حتى يأنس. ففعلوا، وكفوه الكلام في اليوم الأول والثانى والثالث، حتى أنس وتركوه. توفى سنة سبع وثمانين ومائتين، في رمضان، وسنه ست وثمانون. ولد إحدى ومائتين. وصلى عليه حمديس القطان. وله كتاب معروف في مسائله لسحنون، سماه بالأقضية.

стр. 1224

جبلة بن حمود بن عبد الرحمان بن جبلة الصدفي أبو يوسف، من أبناء القادمين مع حسان بن النعمان، أسلم جده على يد عثمان بن عفان. سمع من سحنون، وعون، وأبى إسحاق البرقى، وداود بن يحيى، وغيرهم من المصريين والإفريقيين. وله ثلاثة أجزاء، مجالس عن سحنون، رويت عنه. وقد روى عن سحنون المدونة، وروايته فيها معلومة (٣٩٧). وكان أولا يسمع كلام العراقيين، ويجلس إلى محمد بن أسباط، ثم ترك ذلك، وصحب سحنون. روى عنه أبو العرب، وعبد الله بن أبي عقبة، وعبد الله بن سعيد. قال ابن حارث: كان من أهل الخير البين، والعبادة الطاهرة، والورع، والزهد، وكان الغالب عليه النسك والزهد. ذكر زهده وعبادته وفضله قال أبو العرب: كان صالحا ثقة زاهدا، كان يكون بقصر طوب، ثم لزم القيروان، فسمع منه الناس، وكان صحيح السماع من سحنون، ثقة. قال أبو الغصن: رحم الله أبا يوسف، فلقد كان سيد أهل زمنه. وقال سحنون وقد رآه مقبلا: إن عاش هذا الشاب فسيكون له نبأ، وهو أزهد أهل زمانه (٣٩٨). قال بعضهم: ما رأيته قط يذكر الدنيا بمدح ولا ذم. وقال أبو موسى: ما رأيت أزهد من جبلة.

стр. 1225

وحضر جنازة مع حماس وسعيد بن الحداد، فقال له سعيد: تقدم يا أبا يوسف، فأنت أزهد منا وأسن منا وأعلم منا. قال ابن سعيد: كان جبلة من أفضل رجال سحنون، وقد علاهم في الزهد، وكان أول شأنه لما نشأ وتعلم كتاب الله، حببت إليه دار سحنون فكان يختلف إليه، وكان أبوه يصحب السلطان ويرى رأى أهل العراق، فأراد جبلة يوما الرواح إلى سحنون، فأخذ أبوه طاشيره ورفعه، لئلا يجد ما يمضى به، فأخذ جبلة مقنعة أمه، وتردى بها، ومضى إلى سحنون، فسأله، فأخبره جبلة، فأعطاه سحنون مدرجا. فلما خرج به لحقه رجل، فعوضه منه بثوب قطع منه ثوبا وطاشيرا. فمضى بها إلى سحنون، فسأله عن المدرج، فأخبره، فقال: غبنك. قال ابن حارث: وكان أبوه من أهل الأموال وصحبة السلطان، فنابذه في حياته، وتبرأ من تركته بعد مماته، وكانت تركته نحو ثمانمائة مثقال. وقيل: بل قال: ما علمت منه إلا خيرا، إلا أنه كان يقتضى من ثمن الطعام طعاما، وهذا جائز عنده على مذهبه، وعندنا غير جائز. وشهد على أبيه في حياته، أنه قتل رجلا عمدا، عند بعض القضاة، فعرض أبوه بالطعن عليه، فقال له القاضي: والله لئن شهد عليك معه اثنان لأسفكن دمك. قال أبو العرب: خرج علينا يوما، فقوم بعض أصحابه لباسه، وذلك قميص وغلالة وسراويل ومنديل أكاف، وكل ذلك خلق، بدرهم غير ربع. قال أبو سعيد بن محمد بن سحنون: كانت مع جبلة همة يتيه بها على الخلفاء. قال موسى القطان: من أراد أن يدخل دار عمر بن الخطاب فليدخل دار جبلة، ولو أن جبلة في زمان بنى إسرائيل أتت إلينا أخباره في الكتب، ولو فاخرنا بنو إسرائيل بعبادهم وزهادهم، لفاخرناهم به.

стр. 1226

وقف موسى القطان على قبره صبيحة موته، فقال له رجل: لقد وفق الله جوار هذا الرجل الصالح - يعنى البهلول بن راشد نفعه الله به. فقال القطان: فلعل البهلول ينتفع بأبي يوسف. قال بعضهم: قلت لسعيد بن الحداد ذكر لي أن جبلة كان ينام على زنبيل وقطع نطع، وطوبة عند رأسه فوقها وسادة. فقال سعيد: هو فوق ما تصف. قال عبد الله بن سعيد: وكان جبلة لا يحب ما ظهر من الأعمال، كانت أعماله كلها خفية، خلا الزهد، فإنه كان يظهر عليه. قال أبو بكر الزويلى: كان قوت جبلة في الشهر ثمنين شعيرا، يطحنها ويحملها في قلة، فإذا رأى الشمس تغيرت، خرج إلى الفحص، فأخذ ما وقع على يديه من بقل البرية، فجعله في قديرة على النار، ويجعل عليه قبضة من الدقيق، ويفطر على ذلك، هذا كان عيشه. قال ابن سعدون: رأيته حين صلى المغرب أخذ عجينه، وذهب به إلى المستوقد، وقد طبخ فيه الناس وبقى الرماد، فحفر فيه بعود، وجعل القرصة فيه، وغطاها بالرماد، وجلس في ذكر ودعاء إلى أن أخذت قشرة، فأخرجها ونفضها، فقلت لأهل القصر: شيخ مثل هذا، ساكن بين أظهركم، يخدم نفسه!! فقالوا لي: يا أبا بكر! له معنا أربعون سنة ما طبخ قدرا، ولا أوقد سراجا. وراح يوما في قميص زوجته إلى الجمعة، وكان غسل قميصه، لم يجد سواها، فقيل له في ذلك، فقال: ما علمت منه إلا خيرا، طاهرة عفيفة. وكان كثير الصدقة والمعروف، مع قلة ذات يده.

стр. 1227

ذكر ما كان من كراماته ودعواته قال محمد بن بشر المؤدب: مضى بي أبي وأنا صغير إلى المرابط بقصر الطوب، فدخلنا على جبلة، فقال لقد أضمرت اليوم أن أفطر، وسألت الله أن يأتيني بمن أفطر معه، فأخذ شقفة وجعلها على نار، فطبخ عليها عصيدا، فأكلنا فيها، فكانت قدرنا وصحفتنا. ثم قال: يا بني! اشته ما شئت. فخطر ببالى تين أخضر، وليس بزمانه، فذكرت ذلك له، فمد يده جبلة في قلة، فأخرج لي خمس تينات خضر. قال أبو ميسرة: كنت أتى إلى جبلة، فأستأذن عليه، فأسمع معه كلاما غير كلامه، فأدخل فلا أرى معه أحدا، فأسأله في كتاب لأختبر ما في البيت، فيقول لي: خذه من البيت، فلا أجد في البيت أحدا، فكان يذكر أنه يجتمع بالخضر. وأمر يوما فتى بشيء فلم يفعل، فقال له: سماك أبوك سحنونا (٣٩٩) ويأتى الناس منك شر! أو نحو هذا، فبعد قريب تولى المحرس بالقيروان. وقال لآخر من أصحابه: ليس يكون إلا شرا من أبيك، وكان أبوه على المحرس، فبعد ذلك تشرق الفتى. ودخل على جماعة من أصحابه وهم يضحكون، وقد رفعوا أصواتهم، فقال لهم: لا ينفعكم الله بالعلم. قال ابن أبي عقبة: فما علمت أن أحدا منهم ذكر. ولما خرج أهل القيروان للقاء الشيعي، مداراة له، غمه ذلك، وقال: اللهم لا تسلم من خرج يسلم عليه. فجردوا في الطريق.

стр. 1228

فقيل له: إنهم خرجوا مداراة. فقال: اسكت أرأيت لو نزل الروم بنا، فقالوا: إنما تنزلون على حكمنا أو نجاهدكم، هل كان يجوز أن ننزل على حكمهم؟ وإن عشت سترى من أحكام هؤلاء ما هو شر من أحكام الشرك! وكان رجل من المتصوفة يحضر مجلسه، فإذا سمع شيئا من الرقائق عصر عينيه، فيقول له: لست من أهل هذا. فلما دخل الشيعي صار يخدم كتابه. وكان جبلة إذا رأى ابن غازى في أول أمره وعبادته وتصوفه ورباطه وطلبه العلم، يقول: هذا الرأس ليس يموت على الإسلام. فلما دخل عبيد الله، تشرق ابن غازى، بعد الاجتهاد في العبادة، وسكنى الثغور، وطلب العلم، ودخل في دعوتهم، وقال بالإباحة (٤٠٠)، وكان ممن قال لعبيد الله: أنت أنت. ذكر شدته على أهل البدع ومجانبته إياهم وقوته في ذات الله كان ﵀ شديدا في ذلك، لا يدارى فيه أحدًا، ولم يكن أحد أكثر مجاهدة منه للروافض وشيعهم، فنجاه الله منهم. ولما دخل عبيد الله أفريقية، ونزل رقادة، ترك جبلة سكنى الرباط ونزل القيروان، فكلم في ذلك، فقال: كنا نحرس عدوا بيننا وبينه البحر، والآن حل هذا العدو بساحتنا، وهو أشد علينا من ذلك. فكان إذا أصبح وصلى الصبح، خرج إلى طرف القيروان من ناحية رقادة، معه سيفه وترسه وقوسه وسهامه، وجلس محاذيا لرقادة نهاره إلى غروب الشمس، ثم يرجع إلى داره، ويقول: أحرس عورات المسلمين منهم، فإن رأيت منهم شيئا حركت المسلمين عليهم.

стр. 1229

وكان ينكر على من خرج من القيروان إلى سوسة ونحوه من الثغور، ويقول: جهاد هؤلاء أفضل من جهاد الشرك. قال الفقيه ابن سعدون القروى. لما دخل عبيد الله الشيعي القيروان، وخطب أول جمعة، وجبلة حاضر، فلما سمع كفرهم قام قائمًا، وكشف عن رأسه حتى رآه الناس، وخرج يمشى إلى آخر الجامع ويقول: قطعوها قطعهم الله! فما حضرها أحد من أهل العلم بعد هذا. ولما ولى الصدينى القضاء أيام أحمد بن الأغلب، كان جبلة يصلى في مسجده الظهر أربعا، بأذان وإقامة. فقال المؤذن: ترى أن أؤذن وأقيم في داخل المسجد، فلأن الوقت حاد. فقال له: تؤذن وتقيم في الصحن، وإلا الزم دارك، لو منعنا أحد من الصلاة رميناه بالنبل. وأنكر عليه أحمد بن أبي سليمان التجميع مع إقامة الجمعة، فقال له جبلة: قد قال مالك في المسجونين: يجمعون في السجن لأنهم منعوا من الجمعة، فنحن قد أقمنا أنفسنا مقامهم. وكتب الصدينى إلى ابن الأغلب يخبره بما فعل جبلة من ذلك، فأرسل إليه: مد يدك إلى من شئت، واحذر جبلة. وجاءه صاحب المحرس، فقال له: يقول لك الأمير: كرر الإقامة، وسلم اثنتين، ولا تقنت. فقال له جبلة: الأمير لا يعلمنا أمر ديننا. وجاءه آخر بمثل ذلك من قبل القاضي المرورودي، وبقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وزيادة حى على خير العمل، في الأذان. فقال له جبلة: مر، قبحك الله،، وقبح من أرسلك.

стр. 1230

فرجع الرسول إلى المرورودى فأخبره. نسبه المرورودى وقال له: أنا أرسلتك الى جبلة؟ تأتى إلى أولياء الله تتعرض بر دعائهم! وتجسس عليه يوما صاحب المحرس، فأخذه جبلة، فأدخله المسجد، وضربه بالجريد، ولم يتركه حتى تاب ألا يعود اليه. وقال القابسي: انما سلك السبائى فى هذا الباب، مع بني عبيد، طريق جبلة. ولما ولى ابن عبدون، وكان عراقى المذهب فى القضاء، جاء الى القصر الذى فيه جبلة فخرج اليه أهله فتلقوه، ولم يخرج جبلة، فقيل له: ابن عبدون يأتيك يسلم عليك. فأتى ابن عبدون، فوقف على بابه، فسلم عليه فلم يرد عليه، وقال له وهو جالس: ما اسمك؟ قال: محمد. فقال له: يا محمد! اياك أن تقول: القرآن مخلوق. وحضر جنازة مع ابن عبدون، فقدم جبلة، فصلى ابن عبدون وراءه، ثم حضرت أخرى فقدم عليها ابن عبدون، ولم يصل جبلة، وانصرف من جهة القبلة ليراه الناس، فشق ذلك على ابن عبدون، وأرسل اليه فى ذلك، وقال له: أتظن أنى أقول بخلق القرآن؟ ما أقول به. فقال له جبلة: أمرك عندى أشد، ألست الذى ضربت ابن معتب، والذهبي، وفلانا، وطفت بهم السماط، وتنادى عليهم: حزب الشيطان، وهم رجال سحنون، وأخذ عن رجال مالك، عن التابعين، عن الصحابة، عن النبي ﷺ . ومن أخبار جبلة فى أمور دنياه وبلهه فيها، ما حكاه المالكي: أن كانونه الذى يصطلى به مرة انكسر، فالزقه بالزفت!
следующие страницы →