← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وقف موسى القطان على قبره صبيحة موته، فقال له رجل: لقد وفق الله جوار هذا الرجل الصالح - يعنى البهلول بن راشد نفعه الله به. فقال القطان: فلعل البهلول ينتفع بأبي يوسف. قال بعضهم: قلت لسعيد بن الحداد ذكر لي أن جبلة كان ينام على زنبيل وقطع نطع، وطوبة عند رأسه فوقها وسادة. فقال سعيد: هو فوق ما تصف. قال عبد الله بن سعيد: وكان جبلة لا يحب ما ظهر من الأعمال، كانت أعماله كلها خفية، خلا الزهد، فإنه كان يظهر عليه. قال أبو بكر الزويلى: كان قوت جبلة في الشهر ثمنين شعيرا، يطحنها ويحملها في قلة، فإذا رأى الشمس تغيرت، خرج إلى الفحص، فأخذ ما وقع على يديه من بقل البرية، فجعله في قديرة على النار، ويجعل عليه قبضة من الدقيق، ويفطر على ذلك، هذا كان عيشه. قال ابن سعدون: رأيته حين صلى المغرب أخذ عجينه، وذهب به إلى المستوقد، وقد طبخ فيه الناس وبقى الرماد، فحفر فيه بعود، وجعل القرصة فيه، وغطاها بالرماد، وجلس في ذكر ودعاء إلى أن أخذت قشرة، فأخرجها ونفضها، فقلت لأهل القصر: شيخ مثل هذا، ساكن بين أظهركم، يخدم نفسه!! فقالوا لي: يا أبا بكر! له معنا أربعون سنة ما طبخ قدرا، ولا أوقد سراجا. وراح يوما في قميص زوجته إلى الجمعة، وكان غسل قميصه، لم يجد سواها، فقيل له في ذلك، فقال: ما علمت منه إلا خيرا، طاهرة عفيفة. وكان كثير الصدقة والمعروف، مع قلة ذات يده.

стр. 1227

ذكر ما كان من كراماته ودعواته قال محمد بن بشر المؤدب: مضى بي أبي وأنا صغير إلى المرابط بقصر الطوب، فدخلنا على جبلة، فقال لقد أضمرت اليوم أن أفطر، وسألت الله أن يأتيني بمن أفطر معه، فأخذ شقفة وجعلها على نار، فطبخ عليها عصيدا، فأكلنا فيها، فكانت قدرنا وصحفتنا. ثم قال: يا بني! اشته ما شئت. فخطر ببالى تين أخضر، وليس بزمانه، فذكرت ذلك له، فمد يده جبلة في قلة، فأخرج لي خمس تينات خضر. قال أبو ميسرة: كنت أتى إلى جبلة، فأستأذن عليه، فأسمع معه كلاما غير كلامه، فأدخل فلا أرى معه أحدا، فأسأله في كتاب لأختبر ما في البيت، فيقول لي: خذه من البيت، فلا أجد في البيت أحدا، فكان يذكر أنه يجتمع بالخضر. وأمر يوما فتى بشيء فلم يفعل، فقال له: سماك أبوك سحنونا (٣٩٩) ويأتى الناس منك شر! أو نحو هذا، فبعد قريب تولى المحرس بالقيروان. وقال لآخر من أصحابه: ليس يكون إلا شرا من أبيك، وكان أبوه على المحرس، فبعد ذلك تشرق الفتى. ودخل على جماعة من أصحابه وهم يضحكون، وقد رفعوا أصواتهم، فقال لهم: لا ينفعكم الله بالعلم. قال ابن أبي عقبة: فما علمت أن أحدا منهم ذكر. ولما خرج أهل القيروان للقاء الشيعي، مداراة له، غمه ذلك، وقال: اللهم لا تسلم من خرج يسلم عليه. فجردوا في الطريق.

стр. 1228

فقيل له: إنهم خرجوا مداراة. فقال: اسكت أرأيت لو نزل الروم بنا، فقالوا: إنما تنزلون على حكمنا أو نجاهدكم، هل كان يجوز أن ننزل على حكمهم؟ وإن عشت سترى من أحكام هؤلاء ما هو شر من أحكام الشرك! وكان رجل من المتصوفة يحضر مجلسه، فإذا سمع شيئا من الرقائق عصر عينيه، فيقول له: لست من أهل هذا. فلما دخل الشيعي صار يخدم كتابه. وكان جبلة إذا رأى ابن غازى في أول أمره وعبادته وتصوفه ورباطه وطلبه العلم، يقول: هذا الرأس ليس يموت على الإسلام. فلما دخل عبيد الله، تشرق ابن غازى، بعد الاجتهاد في العبادة، وسكنى الثغور، وطلب العلم، ودخل في دعوتهم، وقال بالإباحة (٤٠٠)، وكان ممن قال لعبيد الله: أنت أنت. ذكر شدته على أهل البدع ومجانبته إياهم وقوته في ذات الله كان ﵀ شديدا في ذلك، لا يدارى فيه أحدًا، ولم يكن أحد أكثر مجاهدة منه للروافض وشيعهم، فنجاه الله منهم. ولما دخل عبيد الله أفريقية، ونزل رقادة، ترك جبلة سكنى الرباط ونزل القيروان، فكلم في ذلك، فقال: كنا نحرس عدوا بيننا وبينه البحر، والآن حل هذا العدو بساحتنا، وهو أشد علينا من ذلك. فكان إذا أصبح وصلى الصبح، خرج إلى طرف القيروان من ناحية رقادة، معه سيفه وترسه وقوسه وسهامه، وجلس محاذيا لرقادة نهاره إلى غروب الشمس، ثم يرجع إلى داره، ويقول: أحرس عورات المسلمين منهم، فإن رأيت منهم شيئا حركت المسلمين عليهم.

стр. 1229

وكان ينكر على من خرج من القيروان إلى سوسة ونحوه من الثغور، ويقول: جهاد هؤلاء أفضل من جهاد الشرك. قال الفقيه ابن سعدون القروى. لما دخل عبيد الله الشيعي القيروان، وخطب أول جمعة، وجبلة حاضر، فلما سمع كفرهم قام قائمًا، وكشف عن رأسه حتى رآه الناس، وخرج يمشى إلى آخر الجامع ويقول: قطعوها قطعهم الله! فما حضرها أحد من أهل العلم بعد هذا. ولما ولى الصدينى القضاء أيام أحمد بن الأغلب، كان جبلة يصلى في مسجده الظهر أربعا، بأذان وإقامة. فقال المؤذن: ترى أن أؤذن وأقيم في داخل المسجد، فلأن الوقت حاد. فقال له: تؤذن وتقيم في الصحن، وإلا الزم دارك، لو منعنا أحد من الصلاة رميناه بالنبل. وأنكر عليه أحمد بن أبي سليمان التجميع مع إقامة الجمعة، فقال له جبلة: قد قال مالك في المسجونين: يجمعون في السجن لأنهم منعوا من الجمعة، فنحن قد أقمنا أنفسنا مقامهم. وكتب الصدينى إلى ابن الأغلب يخبره بما فعل جبلة من ذلك، فأرسل إليه: مد يدك إلى من شئت، واحذر جبلة. وجاءه صاحب المحرس، فقال له: يقول لك الأمير: كرر الإقامة، وسلم اثنتين، ولا تقنت. فقال له جبلة: الأمير لا يعلمنا أمر ديننا. وجاءه آخر بمثل ذلك من قبل القاضي المرورودي، وبقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وزيادة حى على خير العمل، في الأذان. فقال له جبلة: مر، قبحك الله،، وقبح من أرسلك.

стр. 1230

فرجع الرسول إلى المرورودى فأخبره. نسبه المرورودى وقال له: أنا أرسلتك الى جبلة؟ تأتى إلى أولياء الله تتعرض بر دعائهم! وتجسس عليه يوما صاحب المحرس، فأخذه جبلة، فأدخله المسجد، وضربه بالجريد، ولم يتركه حتى تاب ألا يعود اليه. وقال القابسي: انما سلك السبائى فى هذا الباب، مع بني عبيد، طريق جبلة. ولما ولى ابن عبدون، وكان عراقى المذهب فى القضاء، جاء الى القصر الذى فيه جبلة فخرج اليه أهله فتلقوه، ولم يخرج جبلة، فقيل له: ابن عبدون يأتيك يسلم عليك. فأتى ابن عبدون، فوقف على بابه، فسلم عليه فلم يرد عليه، وقال له وهو جالس: ما اسمك؟ قال: محمد. فقال له: يا محمد! اياك أن تقول: القرآن مخلوق. وحضر جنازة مع ابن عبدون، فقدم جبلة، فصلى ابن عبدون وراءه، ثم حضرت أخرى فقدم عليها ابن عبدون، ولم يصل جبلة، وانصرف من جهة القبلة ليراه الناس، فشق ذلك على ابن عبدون، وأرسل اليه فى ذلك، وقال له: أتظن أنى أقول بخلق القرآن؟ ما أقول به. فقال له جبلة: أمرك عندى أشد، ألست الذى ضربت ابن معتب، والذهبي، وفلانا، وطفت بهم السماط، وتنادى عليهم: حزب الشيطان، وهم رجال سحنون، وأخذ عن رجال مالك، عن التابعين، عن الصحابة، عن النبي ﷺ . ومن أخبار جبلة فى أمور دنياه وبلهه فيها، ما حكاه المالكي: أن كانونه الذى يصطلى به مرة انكسر، فالزقه بالزفت!

стр. 1231

وأنه رئ مرة يروح على ماء فى اناء، فسئل: فقال: اشتهيت الماء البارد. ووجد بعض جيرانه قد صنع بيصارا، وجعله في صحفة فوق السطح ليجمده، فقال جبلة: مساكين! غفلوا عن بيصارهم حتى جمد، فصب لهم فيه الماء، فجاء القوم فصاحوا: من أفسد علينا بيصارنا؟ فقال لهم جبلة: أنا، لا تظنوا الا خيرا، ظننت أنه فسد. ولم يكن جبلة بصيرا بشيء من أمر دنياه، ولا مشتغلا بشيء من أخبارها من البله عن ذلك، انما شغله العبادة والخير. وكان له قبل انسان أربعة دنانير، فتعذر عليه اعطاؤها، فصالحه خادم * جبلة على أن يدفعها نجوما، ربع دينار في كل شهر، وأخبره بذلك. فقال له: ربع مثقال كثير، ولا أراه يقدر عليه، ولكن خذ منه أربعة دراهم في كل شهر. وصرف المثقال اثنا عشر درهما. فقلت:: ربع مثقال أقل من أربعة دراهم. فقال لي: حسن اذن. قال القابسي: دخل جبلة يوما على سحنون، وعليه أخلاق، فلما مر به السماع، وخرج الناس، دفع سحنون اليه شقة ورداء، وقال له: اقطع من هذه الشقة قميصين، والبس الرداء. فلما خرج ساومه بهما قوم من أصحابه، فلم يزالوا به حتى اشتروا ذلك منه بأربعين درهما. فبلغ ذلك سحنون، فقال له: اشتروا منك ما عرفوا، وبعت ما لم تعرف. توفى في صفر سنة تسع وتسعين ومائتين.

стр. 1232

وصلى عليه محمد بن محمد بن سحنون، في مصلى العيد، لكثرة من اجتمع من الناس. ومولده سنة عشر ومائتين. حمديس القطان واسمه أحمد بن محمد الأشعرى، يقال انه من ولد أبي موس الأشعرى، من أصحاب سحنون. ورحل فلقى بالمدينة أبا مصعب وغيره، وبمصر أصحاب ابن القاسم وابن وهب وأشهب. قال ابن حارث: كان علما فى الفضل، ومثلا فى الخير، شدة في مع مذاهب أهل السنة، وحنق عظيم فى التجنى على من ينحرف عن طريقة أهلها، لا يسلم على أحد منهم، وكان قد لهج الناس بتفضيله، وأقروا بخيره، وبه وبعبد الجبار يضرب المثل فى العبادة والدين، وكان صاحبا له. قال ابن عياش. كان ورعا كاملا ثقة مأمونا. قال أبو العرب: كان كثير الكتب، شأنه العبادة، مجانبا لأهل الأهواء وللسلطان، هجر عبد الجبار بسبب قراءة كتب ابن مهدى البكرى، وكان لا يسلم عليه، ولا يرد عليه إذا سلم. وهجر حماسا بسبب مخالفته في الاستثناء في الايمان، ولم يصل خلفه، ولا يرد عليه اذا سلم (٤٠١). وسئل في القعود للناس، فامتنع، ورأى أن في عصره من يقوم مقامه، ويقول: ثم من يقوم بهذا، ولم يلزمنى. قال أبو سعيد بن محمد بن سحنون: لما اعتل حمديس أحضرنا له طبيبا، فتبسم وقال: ما أقبح المخالفة بعد الموافقة، من أراد الله به حالا، وأراد هو غيره، أليس قد خالف؟ ثم قال:

стр. 1233

بيد الله دواءي … الذى يعلم داءي انما أظلم نفسي … باتباعى لهواءي كلما داويت نفسي … غلب الداء دواءى وكان لا يسلك على القناطر التي بناها أصحاب السلطان. وحضر مرة مع ابن عبدون القاضى، فأتى بجنازة فصلى عليها حمديس، فصلى وراءه القاضى، ثم أتى بأخرى فصلى عليها القاضى، فلم يصل وراءه حمديس، فمضى القاضى ابن عبدون إلى ابن الأغلب، فذكر له القصة، وقال له: أكثرت على من ذكره! ما صح عندك من أمره فأنفذه. فشاور فى ذلك بطانته، فقالوا له: ليس لك شيء تصل به اليه، إلا أن تنهاه بألا يجتمع إليه أحد. فأوصى بذلك اليه، فقال حمديس: المساجد لله، ولا أمنع أحدا من دخولها، وأنت أقدر، فاجعل على باب المسجد من يمنع من أراد منعه. فقيل لابن عبدون: لا يمكنك هذا. فوجه إليه: يدخل اليك من شاء. فقال حمديس: لا أمنعهم، ولا أتركهم بتركك. ثم عزل ابن عبدون، فاجتمع الناس لطلبه والشهادة عليه عند الأمير، ما خلا حمديس، فانه قال للأمير لما سأله: بلغني ما بلغ الأمير. ثم تنحى عنهم * الأمير بمكان يسمع كلامهم، فقالوا لحمديس: ما منعك من الشهادة؟ فقال: انما كنتم تطلبون عزله، وقد عزل. ثم عاد الأمير فسأله، وقد ظن أن أصحابه يردونه، فقال: أكذب نفسي على لساني؟ يرى الصلاة مع ابن عبدون، ولا أداء الشهادة عنده، وقد كان لا وينهى الناس عن ذلك.

стр. 1234

وحضر مع أحمد الصواف جنازة دعى لها الصواف، فقدم لها حمديس، فقال: لا أفعل. فقال أحمد: ذلك لى جائز اذ قدمونى أن أقدمك، فاني لأستحيى من الله ان أقدم بين يديك. وكان ينكر فعل هؤلاء الذين يجتمعون للتغيير، ويدقون صدورهم، ويقول: لو كان لى من الأمر شيء لنفيتهم من المنستير. وكان لا يصلى خلف أهل البدع ومن يخالفه، وفعل ذلك هو وابن سحنون ويحيى بن عمر، حين ولى الصلاة ابن أبي الحواجب، وكان يتهم بالرفض. وفعل ذلك سحنون بغيره. وترك الصلاة خلف القاضى سليمان بن عمران في جنازة، فجاء انسان فأخبر بذلك سليمان، فقال له سليمان: لعله كان على غير وضوء! قال: لا والله، فانه صلى بعدك على جنازة. فقال سليمان: خل الناس على ما هم عليه. واستحضره ابراهيم فسأله عن مسألة، فلم يجبه، فكرر عليه فلم يجبه، فقال له: ما لى أسألك ولا تجيبنى، والله لئن ضربت بمخالبي فيك، لأفعلن بك كذا، وكذا. فقال حمديس: والله لهو أهون على من أن تمسح يديك على ذنبي، انما سؤالك فى تفكه، ليس لتعمل به. وكان كثير التواضع والاشفاق. لا يرى لنفسه قدرا. ذكر ابن خيران أن رجلا ذكر له، أنه رأى في المنام امرأة، كانت مسرفة على نفسها، في منظر حسن، وحال حسن، فسألها عن سبب ذلك، لما يعرف من كثرة اسرافها، فقالت له: ان حمديس سئل أن يصلى على فصى، وشفع لى فشفع فى.

стр. 1235

فنظر له حمديس نظرة منكرة، وقال: ما يحسن أن أقول يا هذا الا كما قال محمد بن كعب القرظي لعمر بن الخطاب: لا يغرنك حسن ثناء المادحين، فلن ينفعك ما قالوا فيك ان لم يكن ذلك فيك، فأنت أعلم بنفسك من مقال القائلين، فان يكن فيك ما قالوا، فلا يضرك لو سكتوا وان لم يكن فيك فلن ينفعك ما قالوا. ثم قال للرائى: نامت عينك، انصرف اذا شئت. قال حمديس: أحضرني الأمير ابراهيم بن أحمد، مع يحيى بن عمر، فأقمنا عنده إلى الليل، وأصابنا مطر، ثم أمرنا بالانصراف، فخرجنا في ظلمة ومطر، لا نهتدى أين نمضى، اذ سمعت صوتا بحمديس ويحيى بن عمر، فعدل بنا الى دار دقت دقا عنيفا، ففتح لنا، فإذا هي دار ولده أبي العباس الأمير، فقال له: يأمرك الأمير أن يبيت عندك الشيخان الليلة. فدخل بنا الى بيت من الدار، وأتى الينا بشمعة، فقلت للخادم: ان رأيت أن تنحى عنا هذه الشمعة فافعل. فقال: انما فعلته اكراما لكما. فنحاها، فأما يحيى بن عمر فنام على بعض فراش البيت. فلما كان بالغداة، أرسل إلينا أبو العباس: لا تصلوا حتى أصلى معكما. فخرجت الى الطريق، فتوضأت من الماء المستنقع فيه، ثم خرج، وجعل يسألني عن أشياء، فقلت: ما شئت أن تسأل عنه من شيء فعليك بالشيخ -يعنى ابن عمر- فانك تجد عنده ما تريد. فسأل عن أشياء، ثم صلى بنا يحيى بن عمر. وجاء رسول الأمير ابراهيم يستدعينا، فدخلنا عليه، وطال المجلس في المذاكرة والحديث* فقال لى: من أين عيشك؟ وفى كم أنت العيال؟

стр. 1236

قلت: في ستة، ونحن من الله فى ستر جميل، ثم قلت له: لى الى الأمير حاجة. فنشط لها، وقال اذكر. قلت: تعافينى من المجيء اليك فى هذا المجلس، فانك لا تجد عندى ما تريد، مما يكون عونا لك. فسكت ساعة، ثم قال: قد فعلت. فقال يحيى بن عمر: وأنا أيها الأمير. فقال له: لا، لست أفعل. قال: ثم وجه الى حين ولى ابن مسكين القضاء، فقلت للرسول: قد سألته فعافاني. فقال لى: لا تفعل، يأتيك صاحب المدينة فيمضى بك. فقلت: مشافهته أكثر من ارساله. فانصرف الرسول، وجاءني أحمد الصواف، وقد بلغه الأمر، وكان لى أخ صدق، فقال لى: لا تفعل، أخشى أن يكون هذا منه مكرا ليجد اليك السبيل. فتوجهت، فلما دخلت غضب على ابنه وقال له: والله ما وجهت اليه. كالمعتذر. فقلت: والله ما أتيتك الا اتقاء. فقال لى: اجلس، فلعل الله أن يجعل فى مجيئك بركة، وذكر قصة ولاية ابن مسكين. توفى سنة تسع وثمانين ومائتين، وصلى عليه محمد بن محمد بن سحنون. مولده فى رجب سنة ثنتين ومائتين.

стр. 1237

حمديس بن ابراهيم بن أبي محرز اللخمي من أهل قفصة، ونزل مصر، وبها توفى. قال أبو العرب: هو فقيه ثقة. سمع بالقيروان، ومصر، من ابن عبدوس، ومحمد بن عبد الحكم، ويونس الصدفى، وكان لقمان الفقيه يتكلم فيه. وله فى الفقه كتاب مشهور فى اختصار مسائل المدونة، رواه عنه مؤمل ابن يحيى، والناس. توفى سنة تسع وتسعين ومائتين. ثابت بن سليمان قال اللبيدى كان رجلا جليلا في أصحاب سحنون. قال يحيى بن عمر: اذا رأيت محمد بن سحنون يقول: حدثني الثقة عن سحنون، فهو ثابت بن سليمان. وكان ثابت بقصر زياد، وكان يسمى قصر زياد، المرابط بساحل افريقية، دار مالك، لكثرة من فيه من العلماء والعباد والصالحين من أصحاب مالك. قال اللبيدى: كان به من أصحاب سحنون أربعة عشر رجلا. عبد الجبار بن خالد بن عمران السرتي أبو حفص، من كبار أصحاب سحنون، وسمع من السجلماسي، والحفرى، وغيرهم. وسمع منه أبو العرب، وابن اللباد، وغيرهما، وعالم كثير. قال أبو العرب: كان شيخا صالحا، ثقة متعبدا، طويل الصلاة، كثير الذكر، كان يختم القرآن فى كل ليلة من رمضان، من عقلاء شيوخ افريقية، من أكابر أصحاب سحنون.

стр. 1238

قال ابن حارث: كان صاحبا لحمديس القطان، وبهما يضرب المثل في الفضل والدين، الا أن عبد الجبار كان أنبه وأفهم لمعانى العلم والفقه من حمديس. قال: وكان ذا رياسة في العلم ونظر تام. قال أبو عياش: عبد الجبار عالم واسع العلم، فهم، نطاق بالحكمة. قال: ودرس عبد الجبار العلم حتى بلغ أو كاد مبلغ سحنون، ثم لما حج الحجة الثانية قال: قد نلنا من هذا العلم ما علمت، وقد مالت نفسى الى هذه الناحية من العبادة، فبلغ فيها مبلغ البهلول أو رياح. قال سحنون: عبد الجبار تقى في بطن أمه. وقال حمديس القطان: ما رأيت أورع من عبد الجبار. ذكر اخباره وفضائله وذكر القابسي أن عبد الجبار راح الى الجمعة على بغل الراوية يوم طين، فلما صلى لم يجد ما يرجع عليه، وكان بعيد الدار من الجامع، فدفع * اليه رجل جندى فرسه، فركبه، فنظر اليه أصحابه، فقال: ما لكم؟ اما ورع نقص، أو علم زاد!! قال بعضهم: انما فعله للضرورة اذ لم يقدر على المشى، ولعله تصدق بقدر انتفاعه به. وخرج مرة من عند الأمير ابراهيم، وكان يجله ويكبره، فشيعه الى أن ركب، وأصلحت عليه ثيابه. وكان بينه وبين حمديس القطان صحبة عظيمة، وشركة في القطن، يعملان في سوق الأحد فيه، الى أن تهاجرا بسبب كتب محمد بن مهدي البكرى، كان عبد الجبار يقرأها، فنهاه عنها حمديس، وقال له: سمعت سحنون يقول: ابن مهدى هذا ضال مضل.

стр. 1239

فلم ينته عنها عبد الجبار، فهجره حمديس، ولم يزالا متهاجرين أربعا وعشرين سنة. وكان حمديس ينهى الناس عن السماع منه. وكان عبد الجبار، اذا مر بمسجد حمديس، سلم عليه، فلا يرد عليه حمديس، فيقول عبد الجبار: ما هاجرني الا لله. ويقول حمديس: عبد الجبار رجل صالح. وكان ابن طالب صديقا لعبد الجبار، فهم بتأديب حمديس بسببه، الى أن فسد أيضا ما بينه وبين عبد الجبار. وكان سببه أن عبد الجبار كتب اليه في بعض أمنائه، فلم يلتفت الى كتابه، فكتب بذلك للأمير، وكان ابن طالب يسئ ذكره، وطلبه ابن طالب عند الأمير، وأوقع فيه الشهادات بمخالفة مذهبه، وشهد عليه ابن الحداد، وابن أبي سليمان وجماعة من أصحاب سحنون، ويسترعى الشهادات عليه حمديس، فأبى، وقال: هجرته ديانة، رأى شيئا ورأيت أنا خلافه، لم أهجره على مال أكله ولا عرض. فمضى القوم. قال ابن أبي سليمان: فما قام منا أحد حتى نقده عبد الجبار. وكان سحنون ينتظره حتى يحضر، فاذا حضر أمر القارئ فقرأ. قال عبد الجبار: ما قرأ سحنون قط كتابا في بادية ولا حاضرة الا وأنا حاضر. وكان ما بينه وبين ابن طالب القاضى سيئا جدا، بعد صداقة كانت بينهما، وعبد الجبار أول من شهد عليه عند ابن الأغلب. قال ابن اللباد: كنا نسمع على عبد الجبار في جامع ابن وهب، ألا يمشى الرجل أمام والده، فقال: من بره به أن يمشى أمامه في الظلام.

стр. 1240

قال ابن اللباد: واجتمع عبد الجبار مع سليمان بن عمران، فتذاكرا السن فقال له سليمان: نفعك الله بعمرك. فقال له عبد الجبار، وكان سيء الرأى فيه: وأنت ينفعك الله بباقى عمرك. وحكى المالكي عن عبد الجبار أنه ختم في مسجده ثلاثين ألف ختمة، وكان يختم في مسجده كل ليلة ختمة، وكان إذا تعايى في الكلمة، أو اشتبه عليه الحرف، تركه وقرأ ما يليه، ثم قد يذكره بعد العشرين آية أو الثلاثين فيرجع إليه فيقرأه مفردا، ويعود من حيث رجع. وذكر أنه كان غاديا إلى الجمعة، فإذا بشاب جميل حسن، يمشى في أثر صبية، فاتكأ عبد الجبار على رجله، فقطع شسعه، وناداه: يا شاب! فوقف، فمشى إليه عبد الجبار، وقال له: أنا شيخ ضعيف، ضعف بصرى، وانقطع شسعى، فأصلحه لي. فتناوله الشاب. ورأى عبد الجبار الصبية تتباطى في مشيها، فأصلحه، وأخذ منه النعل، ومشى في اثر الصبية، فقطعه ثانية، وناداه ليصلحه، فعطف عليه وقال له: أنا قطعته يا شاب اشفاقا على هذا الشباب من لفح جهنم. وبكى، فبكى الفتى، وجزاه خيرا، وصحبه إلى الجامع وحسنت توبته. ذكر شيء من حكمه قال أبو العرب: كان عبد الجبار من جلة من يتكلم بالحكمة. قال أحمد بن * أبي خالد في التعريف: كان عبد الجبار من عقلاء الشيوخ، ثقة، وكان كلامه بلفظ قليل يدل على معنى كثير، كقوله: من قل كلامه قلت آثامه.

стр. 1241

من كانت له ولية لم يعدم بلية. الصوم عن الكلام أثقل من الصوم عن الطعام. من حرز لسانه كثر في الدنيا والآخرة أمانه، ومن خلا بربه لم يعدم النور من قلبه، ومن خلا بغيره لم يعدم الزيادة من ذنبه. ومن كلامه: من كان في الله همه، قل في الدنيا والآخرة غمه. ومن كلام عبد الجبار: من أصبح وأمسى، وهمه بغير الله مجتمع، لم يبال الله تعالى في أي واد من أودية الدنيا وقع. وقال: لو أهمك شأنك، لكل لسانك، وتهيجت أحزانك، ولولا الفضول لصفت العقول، ولكان المجهول، عندها معقول، ومن كان بالليل نائم، وبالنهار هائم، متى ينال الغنائم (٤٠٢)، ومن سكت سلم، ومن تكلم بذكر الله غنم، ومن خاض أثم، ومن وبخك فقد نفعك، ومن نفعك فقد رفعك. وقال: ما أبعدنا منه على قربه منا إذا لم يردنا. وقال: كنت أخلو لأفهم (٤٠٣)، ثم صرت أخلو، لأغنم. وفي رواية كنت أخلو، لأعلم، ثم صرت أخلو لأفهم، ثم صرت أخلو لأغنم. وقال: كل كلمة لم يتقدمها نظر، فالكلام فيها خطر، وإن كانت من أسباب الظفر. وتوفى في غرة رجب سنة إحدى وثمانين ومائتين، وصلى عليه حمديس صاحبه، فيما قاله ابن أبي خالد.

стр. 1242

وقال أبو العرب: بل في جمادى الآخرة من السنة. مولده سنة أربع وتسعين ومائة. عمر بن يوسف بن عمروس بن عيسى أبو حفص عداده في أهل افريقية، وأصله من اشبيلية. سمع يحيى بن عمر، ومحمد بن وضاح. ذكره الشيرازي في فقهاء المالكية، وزعم أنه سمع من سحنون، ولم يذكر أبو العرب له عنه سماعا. قال أبو العرب: كان صالحا، ثقة، ثبتا، ضابطا لكتبه، سمع معنا من يحيى بن عمر وغيره، وسمعت منه. وكان سمع بمصر من محمد بن عبد الحكم، وأخيه سعد، وإبراهيم ابن مرزوق، وابن عز الأيلى. وسكن سوسة، وبها توفى سنة تسعين ومائتين. وقال في موضع آخر: سنة ست وثمانين ومائتين. والأول أصح. وذكر ابن حارث فيمن ولى قضاء طليطلة: عمر بن يوسف بن عمروس، في رأس ثلاثمائة. وأراه آخر وافق اسمه، والله أعلم. وكان قليل ذات اليد، لا يتعرض لشيء مما في أيدى الناس. وكان كثيرا ما يقول: أيا نفس قد أثقلتني بذنوبي … أيا نفس كفى عن هواك وتوبى وكيف التصابي بعد ما ذهب الصبا … وقد مل مقراضي عتاب مشيبي سمع منه أبو العرب، وعبد الله بن البادسي.

стр. 1243

أبو الأحوص أحمد بن عبد الله كان رجلا من أهل الفضل، مكفوف البصر بعد صحته، وهو من المغرب، وسكناه بسوسة. له صحبة سحنون، وسماع كثير منه، ومن ابن زعبة بمصر. قال أبو العرب: وكان يصلى من الضحى إلى صلاة العصر، فيجلس، فيسمع منه. سمع منه أحمد القصرى. قال ابن حارث: وكان الخير والعبادة أغلب عليه من الفقه، وبلغنى أنه كتب كتابا إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب يعظه فيه بلفظ غليظ، فأرسل إليه إبراهيم. وقيل بل أتاه إبراهيم بالليل، فقال له: أنت وجهت إلى بهذا؟ قال: نعم. قال: فمن كتبه لك؟ فأبى أن يخبره، فوقاه الله شره. وذكر ابن اللباد: أن رجلا رأى كأنه * واقف على باب الجنة، وأبو الأحوص يريد أن يدخل ورجل زيات من أهل سوسة يمنعه الدخول، ويقول: لا أدعك تدخل حتى تدفع إلى حقى. فقال: هذا قصر أعطيكه. قال له: لا. قال: فقصرين. قال: لا. قال: قلت: يا هذا! يعطيك قصرين في الجنة، فتأبى، وإنما لك عليه درهمان.

стр. 1244

فنفضنى نفضة، وقال: إن الله تبارك اسمه لا يكذب، ولا يكذب، لابد من القصاص يوم القيامة. فانتبهت لنفضه، وأنا أعرف الزيات، فغدوت إلى المسجد الجامع، وجلست بين الأبواب للصلاة، حتى دخل الرجل، فأشرت إليه، فأتى، فلما انقضت الصلاة قلت له: يا أبا فلان! ما لك على أبى الأحوص؟ فقد أوصانى لك بشيء أنسيته. فقال: درهمان. فدفعهما إليه، وأعلمه بالرؤيا. وكان أبو الأحوص متقللا من الدنيا، زاهدا فيها، وكان سبب سكناه سوسة أنه أقام بها مرابطا مدة، حتى فرغت نفقته، وأراد الرجوع إلى بلده، فبينا هو يركع في جامعها إذا بعصفور جاء بشيء إلى فراخه، فسقط من فيه ما جاء به، فخرج فأر من تحت الحصير، فأكل ما سقط، فقال لنفسه: فأر خلف الحصير قيض الله له رزقه فلم يضيعه! فكيف أضيع أنا؛ لله على ألا أضيع مدينة الرباط. وكان ابن الأغلب يزوره، فإن وجده يطحن جلس على التراب، وإن وجده قد أكمل جلس على جلد المطحنة؛ لأنَّه لم يكن عنده حصير في بيته، ولا غيرها. وكان إذا عرضت للمسلمين حاجة كتب إليه بالفحمة على شقف. وسأله الأمير مرة: هل لك حاجة؟ فامتنع، فعزم عليه، فقال: ثلاث حوائج. قال: هي مقضية، فما هي؟ فطلب منه الزيادة في الجامع لضيقه على الناس، وإجراء ساقية من خارج المدينة إلى مواجلها، وإخراج من سجن. فأجابه.

стр. 1245

قال أبو الأحوص: غاب إمام الجامع يومًا عن صلاة العصر، فعزم على، فقدمت، فلقد صح عندي أني ما سلمت من الصلاة حتى بدأ قوم يفتشون عن عيوبي، وما سمعت من يذكر ذلك قبل. كأنه يقول: إن الخمول من أثواب الستر. قال ابن اللباد: ذكر أبو العدل قال: كنت بمدينة سوسة مرابطا، فبلغني أن سعيد الضرير قدم، فتوجهت إليه مع أبى الأحوص لنسلم عليه، فوجدنا عنده ناسا، وذلك بعد العصر، فقرأ ودعا، ثم افترقنا عند المغرب، وكان وقت قحط ومصيف، وحاجة الناس إلى الماء، وقد فرغت مواجيلهم فوقف أبو الأحوص في بعض الطريق، فوقفنا لوقوفه فقال: اللهم إن كنت استجبت لنا في مجلسنا هذا، فعرفنا بركة ذلك، بأن تسقينا الغيث. فما دخلنا المسجد إلا ونحن نخوض الماء من المطر. قال أبو الأحوص: أتيت للسماع من سحنون، فأقمت عنده مدة لا يسأل عنى، فلما أردت الرجوع إلى بلدى أتيته لأسلم عليه، وذكرت له أني أريد الرجوع، فسلم على وقال: يا بني! لا تنسني من دعائك. فقلت في نفسي. يسألنى الدعاء؟ - ازراء على نفسى - وكنت أظنه لا يعرفني. وقال عبد الوهاب الزاهد: قمت إلى برج على شاطيء البحر، فإذا أبو الأحوص بين شرافتين في سواد الليل يقول: أبوا أن يرقدوا ليلا … فهم لله قوام أبوا أن يفطروا دهرا … فهم لله صوام أبوا أن يخدموا الدنيا … فهم لله خدام * ثم يقول: لا إلاه إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد. ثم اندفع في النياحة، ثم سمع حسى، فقال لي: من أنت؟

стр. 1246

قلت: عبد الوهاب. فقال لي: يا بني! يا أبا القاسم! إنما تقطع الدنيا بالهموم والأحزان والعلل والأمراض والأعمال، وإنما نفرح غدا بالنظر إلى الله تعالى، إذا صرنا إلى دار السلام. قال أبو الأحوص: سئل سحنون عما يأتى به أهل الشام من الرخص في الفتيا. فقال سحنون: يؤخذ هذا العلم من الموثوق بهم في دينهم، المحس بخيرهم، فإن أخذوا بالتشديد فعن علم، وإن أخذوا بالرخصة فعن علم. وتوفى بسوسة ليلة الأحد، سنة أربع وثمانين ومائتين. أبو عياش أحمد بن موسى بن مخلد من العجم، وينتمى إلى غافق، ويقال له عيشون. وقال ابن أبى دايم في كنيته: أبو العباس، بباء واحدة. قال المؤلف ﵀: هو وهم لاشك فيه، منه أو من النقلة، وصوابه (أبو عياش) بياء باثنتين من أسفل. قال أبو العرب التميمي: كان شيخا صالحا، ثقة، فقيها، عاقلا، ثبتا، زاهدا، متعبدا، ورعا، ضابطا، صحيح الكتاب، حسن التقييد، معدودا في كبار أصحاب سحنون، وعليه اعتمد، سمع منه، ومن عبد العزيز بن يحيى المدني، وابن رمح، وأبى إسحاق البرقى، وهرون بن سعيد الأيلى، وغيرهم، وسمع أيضا من الوقار. سمع منه أبو العرب، وأبو القاسم بن تمام، وعبد الله بن مسرور، ومحمد بن يونس السدرى، ولقمان بن يوسف، وغير واحد من الجلة، وعالم كثير، وكان لا يذكر أحد بحضرته بغيبة.

стр. 1247

وبلغ من تقشفه وزهده، أنه كان يركب ثورا من باب أبي الربيع بالقيروان، حتى ينتهى إلى منزله بالروحاء، فإذا كلم في ذلك، قال: حسبك من الدواب ما بلغك المنهل. وولاه ابن طالب قضاء قصطليه، ويقال: سحنون، فامتنع، حتى تخلص. وكان عارفا بأخبار علماء افريقية، وطال عمره. قال ابن أبي خالد: وكان زاهدا، ورعا، متعبدا، فاضلا، عالما بكتبه. قال أبو القاسم بن تمام: رأينا منه من الاجابات والفراسات أمرا عظيما، مرض ابنى أحمد، قلت له: أريد السفر، فإن حدث بأحمد الموت توليته وصليت عليه. فقال: اذهب إلى سفرك، فما هو بميت من هذه المعلة - وأراه أقسم - فلم يمت منها. قال محمد بن يونس السدرى: سألت أبا عياش عن التجارة بالقمح وحكرته، فأباح لي ذلك في وقت كثرة رخصه، ومنعه في وقت غلائه، إلا ما لابد منه للقوت. وقال: هذا بخلاف الزيت. يريد إباحته في كل وقت. واحتج بأن ابن المسيب كان يحتكر الزيت. وكان يميل إلى الرقائق والوعظ، ويختم بذلك مجلسه، ويقطع له ولغيره بأنه مؤمن عند الله، على رأى محمد بن سحنون، ومن قاله قبله. مات في صفر سنة خمس وتسعين ومائتين. ومولده سنة سبع ومائتين.

стр. 1248

أحمد بن وازن الصواف أبو جعفر. سمع من سحنون، ومن مروان بن أبي شحمة. قال ابن حارث: كان من الفضلاء المتقدمين والعباد المجتهدين، كان من أصحاب سحنون. وغلبت عليه العبادة والخير، ويقال إنه مستجاب الدعوة. قال أبو العرب: كان فقيها، عالما بالفقه، والمناظرة عليه، ثقة، حسن العقل، ذا اجتهاد في العبادة، وكان يسمى جوهرة أصحاب سحنون، قل من أخذ عنه، إذ لم ينصب نفسه لذلك، وكان إذا قام إلى الصلاة لم يشغل نفسه بشيء سواها، فلو جرى ما شاء الله تعالى لم يعلم بشيء منه، ذكر ذلك ابن أبي زيد الفقيه عنه. قال: وكان له ابن، له أصحاب يجتمعون على اللهو والغناء، فكانت والدته تقول له: لا تتحركوا حتى يأخذ والدك في الصلاة، فإذا أخذ في الصلاة، أخذوا في شأنهم، فلا يشعر، فإذا أحست الوالدة بانصرافه منها، ضربت الحائط، فكفوا. توفى سنة اثنين وثمانين ومائتين. مولده سنة ثلاث وتسعين ومائة، في يوم واحد مع سهل بن القبرياني، وكان جليسه للمناظرة والفقه. أبو داود العطار واسمه أحمد بن موسى، بن جرير، الأزدى أصله من الجند الداخلين. ويقال: أسلم جده على يد يزيد بن حاتم. وأبوه موسى من شيوخ افريقية، سمع ابن سلام وغيره. وكان أبو داود عطارا.

стр. 1249

قال أبو العرب: كان صالحا، ثقة في نفسه، سمع من سحنون، وهو من كبار أصحابه، ومن يحيى بن سلام، ومن أبي خارجة، ومعاوية الصمادحى، وأسد بن الفرات، ومن ابن غانم مسألة واحدة. وأخذ عنه الناس. وفي كتبه خطأ وتصحيف. قال محمد بن حارث: كان ظاهر الوجاهة والتقدم، معدودا في أصحاب سحنون. قال أبو العباس الأبياني: كان أبو داود العطار أقرب أصحاب سحنون إليه، وكان يرضاه جدا، وكان مختلطا بأهل دار سحنون، لمكانه عنده، فشهد عنده بشهادة في قضائه، فكتب سحنون لابن عبدوس فيه، فلم يمض شهادته، وكان ابن عبدوس يكتب لسحنون وصاحب كشفه من الشهود، فأنكر سحنون ذلك على ابن عبدوس، وأرسل إليه، وسأله عن سبب رده له، وقال له: هل لأحد في أبي داود توقف؟ فقال له ابن عبدوس: خطرت يوما بحانوته، فرأيت بعض أهل القصر يشترى من غلامه. فبلغ ذلك أبا داود، فأتى ابن عبدوس وقال له: أخبرنا ما أنكرت علينا، للانا نصلحه. فذكر له القصة. فقال له أبو داود: الغلام حر، والمال ماله. فأخبر ابن عبدوس سحنونا، فسر بذلك، وقال: قد علمت أنه يبعد من الريبة. توفى في ذى الحجة سنة أربع وسبعين ومائتين، وهو ابن إحدى وتسعين سنة. مولده سنة ثلاث، وقيل ثنتين، وثمانين ومائة.

стр. 1250

وله ابن اسمه محمد: ويكنى بأبي عبد الله، سمع أيضًا من سحنون، وتوفى سنة ثلاثمائة. إبراهيم بن عتاب الخولاني أبو إسحاق، من أصحاب سحنون، وكتب له أيضًا أيام قضائه، وسمع أيضًا من عبد العزيز المدني. قال أبو العرب: وهو ثقة مأمون. قال ابن حارث: كان قليل الفهم، غاليا في مذهب ابن سحنون في مسألة الإيمان، شديد الحمل على محمد بن عبدوس عصبية لابن سحنون، حتى أنه لم يصل خلف ابن عبدوس، وقد تقدم على جنازة، فوجه فيه ابن طالب، وأراه كان إذ ذاك على مظالم القيروان، فسأله: لم فعل ذلك؟ فقال: لأنه شكوكى، يقول إنه ليس بمؤمن عند الله. فقال حماس: أشهد أن ابن عبدوس قال: من قال ليس هو بمؤمن عند الله، فهو كافر عند الله. فأمر ابن طالب بسجن ابن عتاب، وكان ابن عتاب هذا إمام مسجد سحنون. وتوفى سنة إحدى وستين ومائتين. عبد الله بن غافق التونسي أبو عبد الرحمان، سمع من سحنون، وزيد بن بشر، ولقى ابن عبد الحكم، وكان موصوفا بالورع والعلم والكرم. قال أبو العرب: كان فقيها، ذا هيئة ونسك، معدودا في أصحاب سحنون، ثقة، مأمونا، وكانت له طاعة بتونس، لا يتقدمه أحد منهم في وقته، ولا يخالف أمره، وعرض عليه إبراهيم بن أحمد قضاء القيروان، فامتنع، وكان قبل قد استشار فيه ابن طالب، فقال رجل صالح.

стр. 1251

وأشار هو بابن طالب. وكان ابن عمران القاضي يقول: ما يحل لي أن أولى القضاء بتونس أحدا، حتى أعرض ذلك على ابن غافق، فإن أبى فحينئذ أولى. وكل من كان وليها فعن رأيه يصدر، وبقوله يأخذ. قال الشيرازي: وعليه كان اعتماد أهل بلده في الفتوى. وزعم أنه تفقه بعلي بن زياد، وهذا وهم كثير لأن ابن غافق ولد بعد موت على بأزيد من عشرين سنة. توفى على سنة ثلاث وثمانين ومائة، وولد ابن غافق سنة أربع ومائتين. سمع منه محمد بن عمر. قال ابن حارث: كان من الحفاظ المعدودين من وجوه هذه الطبقة، فقيها، عاقلا، نبيلا، من أهل المروءة. وكان سحنون، إذا أراد أن يحرض ابنه يقول: ادرس، لا يجيئك كبير الرأس، يعنيه، وكان في رأسه كبر. وسمعت بعض الشيوخ يحكى أن ابن غافق كان حليما كريما، كثير، الصفح، كثير الأخذ بالفضل، وكان له عدو من أهل بلده، فقدم عدوه إلى القيروان، فبدأ بثلبه ونقصه في مجالس أهل العلم، وبلغ ذلك ابن غافق، فبدأ بارسال التحف والهدايا إلى من تخلفه ذلك العدو في داره بتونس، من أهله وولده، فأغرقهم بها، وكتبوا إليه إلى القيروان يعلمونه أن ابن غافق قد أغرقنا بالنعم، فاستحيى ذلك الرجل الذي كان يثلبه، وقلب لسانه بحمده وشكره، وجعل يعتذر إلى كل من حفظ عنه فيه مقالا سيئا. ولما حج ابن غافق، أهدى إليه رجل هدية في سفره، فكافأه عليها في حينه، ثم أهدى إليه ثانية فكافأه، وجعل الآخر يكثر من مهاداته، وابن غافق من مكافأته، فلما أكثر عليه لقيه فقال له ابن غافق: إن كان يسرك أن أرجع إلى بلدى وعلى دين، فتماد في فعلك.

стр. 1252

فكف الرجل عنه. وكان يقال: ثلاثة رجال من أهل العلم لم يكن أحد أطوع في الناس منهم، محمد بن سحنون بالقيروان، وأحمد بن ملول بقصطلية، وابن غافق بتونس. وكان ينزل إلى القيروان على أحمد بن أبي زاهر. ورحل ابن غافق بالجزيرة إلى رجل يتعلم منه الأدب، فبقى عنده عشر سنين، وبعد هذا رحل إلى سحنون، ولما وصل لقى محمد بن عبد الحكم، وكان أتى مجلسه وهو لا يعرفه، فسأل محمد أصحابه عن مسألة، فأجابه فيها بعضهم، فقال له ابن عبد الحكم: من أين لك هذا الجواب؟ قال: من هذا. يعنى ابن غافق، وكان جلس إلى جانبه. فسأله محمد: من أين الرجل؟ فقال: من تونس. قال: أنت ابن غافق؟ قال: نعم. فسلم عليه، وسأله عن مسألة الإيمان، وما وقع فيها من الاختلاف بالقيروان، فقال له قال قوم: نحن مؤمنون عند الله، مذنبون، وقال قوم: نحن مؤمنون، ولا ندرى ما نحن عند الله. فقال: ما قال فيها محمد بن سحنون؟ فقال له: مؤمنون عند الله. فقال: دعنى بهذين. فعدت إليه فقال: الصواب قول محمد بن سحنون. فلما قدم ابن غافق، وضع رسالته في الإيمان، ولم ينسبها إلى

стр. 1253

نفسه، فكتبها الناس واستحسنوها، فادعاها رجل نحوى، فبلغ الخبر ابن غافق، فقال: إنما ظننت أنكم تعملون بما فيها، فلما نسبت لغير أهل العلم - والله أعلم - لم يسعنى السكوت، أنا وضعتها. وقرأها على يحيى بن عمر فاستحسنها، وقال له: أنا أرويها عنك. وكان حمديس وموسى القطان يعجبان بها. وذكر أنه ناظر ابن الكوفى يوما، فلما ضيق ابن غافق عليه بالحجة، قال له ابن الكوفى: إن مسورتك كبيرة - يعنى رأسك - وكان طويل الرأس، فقال ابن غافق: ذلك أكثر لحشوها. وتوفى بتونس سنة خمس، ويقال سنة سبع، وسبعين ومائتين، وسنه ثلاث وسبعون. مولده سنة أربع ومائتين. محمد بن بشار الزريني فقيه ثقة، أخذ عن سحنون. قال بعضهم: مررت به مرة، فرأيت فيه انكسارا، فسألته، فقال: ما لي لا أغتم، وكانت لي خادم تمنعني من الفرن والماء، أصبت بها. فأعلمت سحنونا بذلك. فبعث في خمسة رجال من أهل الساحل، وبعث إلى جامع العطار، فأخذ منه خمسين دينارا، فدفعها عشرة عشرة للخمسة رجال، وقال لهم: فرقوها على ثقات في زيت. ففعلوا، وكان ذلك قريبا من جمع الزيتون. فلما تم، كتبوا إليه باجتماع الزيت، فأمرهم ببيعه، فباعوه بمائة دينار، فرد منها إلى العطار خمسين دينار، وبعث بالخمسين إلى الزريني، فأخذها ودعا له، وقال له: تفتقدنا في دنيانا وأخرانا.

стр. 1254

سهل بن عبد الله بن سهل القبرياني تقدم ذكر أبيه، يكنى سهل بأبي يزيد. وكان معدودا في أصحاب سحنون، وسمع منه ومن عبد العزيز بن يحيى المدني، ومن أبيه. وكان فقيها ثقة. وكان كثير المال، فعالا للخير، بنى قصر الرباط على البحر بسوسة، فأنفق فيه مالا عظيما، وكان قوم أرادوا بناءه فأتوه يستعينونه في ذلك، فتولى بناء جميعه. وقيل: بل كان موضعه كدية رمل كثيرة، كان محمد بن سحنون يجلس عليه بعد بعد العصر مع أصحابه، إذا كان بقصر الطوب أصحابه للنظر في البحر والتفرج فيه، فقال يوما: وددت لو بنى ها هنا قصر! فقال له سهل: أنا أبنيه. فبناه، وأنفق فيه نحو ألف مثقال. توفى سنة ثنتين وثمانين ومائتين. ومولده سنة تسع ومائتين. وسمع منه عالم كثير، منهم أبو العرب، وأحمد بن محمد القصرى، وغيرهم. يحيى بن عون بن يوسف أبو زكرياء تقدم ذكر أبيه. له سماع من أبيه، وسحنون، وأبي زكرياء الحفرى، وجماعة. وسمع منه الناس. وكان مصابا بإحدى عينيه.

стр. 1255

وذكره في كتاب المالكى فقال: كان رجلا صالحا، من أهل الفقه والعلم، وكان إذا كان يوم الشك، جعل ابنه الماء في المسجد إلى جنبه، فإذا سأله عن الصوم أحد شرب الماء. وذكر ابن حارث، أنه كان يتهم ويطعن عليه. وضربه سحنون لما صلى على والده بغير أمره، وقد كان جالسا عند داره ينتظر الصلاة عليه، حتى مر به على قبره، فأخبر أن ولده صلى عليه، فقنعه بالسوط بيده، ثم أمر بإنزاله، وأعاد الصلاة عليه. وله كتاب في الرد على أهل البدع. مولده سنة أحدى عشرة ومائة. محمد بن زرقون بن أبي مريم المعروف بابن الطيارة من العجم. كان كاتبا لابن طالب أول قضائه، وكان إماما وخطيبا بجامع القيروان، وكان صالحا ثقة كثير الكتب صحيحها. سمع من سحنون، وابنه، وعلى بن معبد، وعبد الله بن عبد الله، وغيرهم من أهل الفقه والحديث بأفريقية، ومصر وغيرها. قال ابن اللباد: لم يكن في شيوخ أفريقية، آنس مجلسا منه. قال ابن حارث: وكذلك رأيت ابنه أبا الحسن. وتوفى سنة ثمانين ومائتين. مولده سنة إحدى عشرة ومائة. ويأتى ذكر ابنه. عبد الله بن محمد بن معبد بن عباد بن كثير التيمي يعرف بالبندى، ويكنى بأبي محمد، وجده أبو معمر عباد المحدث المشهور بأفريقية.

стр. 1256

وكان الله عبد من أصحاب سحنون. روى عنه أحمد بن محمد القصرى. قال أبو العرب: سمعت منه، وكان له سمت وهيبة حسنة. قال ابن الجزار: كان من الفقهاء المدنيين، من أهل العلم باللغة والنحو والفصاحة. توفى سنة تسع وتسعين ومائتين، وهو ابن سبع وثمانين سنة. محمد بن سعيد بن غالب الأزدي أبو عبد الله، ويعرف بابن أخت جامع القصار. قال أبو العرب: كان فقيه البدن، سمع من سحنون، وبمصر من محمد بن عبد الحكم، وكان من أصغر أصحاب سحنون، ومات بمصر سنة سبع وسبعين ومائتين. وقال ابن يونس الصدفي: سنة تسع وسبعين. سمع منه ابن بسطام وغيره. ومن فقهاء هذه الطبقة أيضا: أحمد بن مطروح المعروف بابن أبي فيزون، وأبو فيزون عمه. سمع من أبي خارجة، وأسد، وغيرهما. توفى في نحو الستين والثلاثمائة. ومنهم: سرور وكان هو وابن أبي فيزون يجتمعان مع ابن أخت جامع القصار، وحماس بن مروان، للتعلم في الفقه، ويجتمع إليهم محمد بن بسطام، ولقمان، وغيرهم من صغار أصحابهم.

стр. 1257

ولما سمع كلامهم يحيى بن عمر عند اقباله من المشرق، أعجب به وقال: ما تركت ببغداد من يتكلم في الفقه بمثل هذا الكلام. قال عبد الجبار بن خالد: ثلاثة من غير أصحاب سحنون، يلحقون بأصحابه في الفقه، حماس بن مروان، وابن أبي فيزون، وأرى الثالث ابن الطبنة. عبد الله بن الوليد أبو محمد. قال ابن الجزار: كان فقيها مدنيا. قال غيره: هو من أهل الانقباض والخير. قال أبو العرب: كان ثقة، سمع سحنونا، وابنه، وعون بن يوسف، ويحيى ابنه، وأبا الحسن الكوفى. قال ابن حارث: كان كثير الكتب، كثير الرواية، ثقة ولاه ابن طالب أسواق القيروان ومواريثها. قال غيره فما اكتسب شيئا، وكان فقيرا عفيفا. سمع منه أبو العرب. توفى سنة ثمان وتسعين ومائتين. وقيل: سنة ثلاثمائة، والأول أصح. أبو خالد يحيى بن خالد السهمي سمع من سحنون. وولاه سحنون قضاء الزاب، وكتب له سيرة يعمل عليها ويطالعه بما كان. فلدغته حية فمات ﵀.

стр. 1258

قال أبو العرب. وسمع من عثمان بن صالح بمصر وغيره، وكان صالحا قليل الفقه، حدث عنه ابنه، وعبد الرحمان بن محمد القسطلاني. قال غيره: كان يحيى ورعا، يصنع الشعر ويجيده وله قصيدة في مدح المدينة، وعلمائها، ومدح سحنون، منها: أيا طالب العلم ابتغاء ثوابه … سموت إلى أسمى أمور الهدى أمرا وأقربها من كل رشد ونعمة … وأكثرها نفعا وأعظمها أجرا فلا تطلبن العلم إن كنت طالبا … إلى غير أهل العلم سرا ولا جهرا وكل ذوى الأهواء أهل ضلالة … وإن أظهروا برا فخذ منهم الحذرا وعلم الحجازيين أهل مدينة الرس … ول فطالبه ولا تعده فترا فعلمهم النور الذي يهتدى به … وآثارهم برهانها يثلج الصدرا مدينتهم خير المدائن طيبة … وخير قبور العالمين بها قبرا مدح فيها المدينة، وذكر فضائلها ثم قال: وعلم الحجازيين بالغرب ينتهى … إلى خير من فيهم وأطيبهم خبرا وأقومهم طرا لسنة أحمد … وأعظمهم لله في دينه نصرا وأوسعهم علما وأصدقهم تقى … وأورعهم جهرا وأورعهم سرا فذاك الرضى سحنون فالزمه تستفد … به البر والتقوى وتجتنب العسرا قال أحمد بن خالد السهمى: دخلت على سحنون أنا وابن عمى. فمسح بيده على رأسى وقال: اللهم أصلحهم، فإنهم أهل بيت، الخير فيهم. ثم قال عن ابن عمى: أعطى الله المسلمين خيره. فكانت فراسة، خرج متشصصا على المسلمين. عمرو بن شجرة بن عيسى ولى قضاء تونس مكان أبيه، وكان رجلا صالحا ثقة، وقد سمع منه يحيى بن عمر، وقتل برقادة في ثورة أهل تونس، سنة نيف وثمانين ومائتين.

стр. 1259

محمد بن قمود القابسي قال أبو عبد الله الأحدابى: كان رجلا صالحا فاضلا، من أهل الدين والورع، وكان ولى قضاء بلده قابس، وكان ابن طالب يخاطبه بها. حدث عنه أبو العرب، وكان كثير الدرس لكتب المالكية. قال ابن قمود: أردت النهوض إلى نفزاوة، وخفت من العدو في الطريق، فأردت أن أخرج في جماعة، وأردت مشورة القاضي ابن طالب في ذلك. فكتب إلى: أما خروجك إلى نفزاوة فنعم، وأما تحريك الجماعة، فما ذلك لك، فلولا سلطانك ما خرجوا معك، وهذه أخلاق من لا يحاسب نفسه، فإن خرجوا معك، أوجبوا في عنقك ذماما، ولكن من احتسب مثل فلان وفلان، فهؤلاء أعوان مشاركون لك في سلطانك، واكتب إلى الوالى، يلقك مع صاحب البريد في جماعة، وتكتب إلى الأمير يلقاك في خاصته، ولا تكلف العامة ذلك، ودع عنك سنة أهل التباهي، فسوف يعلمون، عليك بتقوى الله في كل أمرك، وكن كالمصلح، ولا تعجل، فلأن يقال لك: لم لم تفعل؟ أخف عليك من أن يقال لك: لم فعلت؟ واشغل نفسك بالدعاء في الصلوات والخلوات، واتق الله، وواظب على كتبك، ووكل بها من يقوم بها، ولا تعجل في الأحكام حتى تشاورني. علي بن سالم البكري من بكر بن وائل، هو جد الشيخ الزاهد أبي إسحاق الجساني وكان من أهل العلم من أصحاب سحنون، وهو ابنه من الرضاعة، أرضعته أم محمد بن سحنون مع محمد، ثم ولاه سحنون قضاء سفاقس وسائر الساحل، وهو بنى جامع سفاقس، وسورها، والمحرس الذي يعرف بمحرس على. وكان عادلا في أحكامه، ذا دنيا عريضة، ومنازل كثيرة، منها جنيانه وغيرها.

стр. 1260

وكتب إليه سحنون: أما بعد، فإنه بلغنى أن قبلك أقواما ينكرون المنكر بأنكر منه، فأزجرهم عن ذلك، والسلام. ولما مرض سحنون بالساحل، لم يختر أن يلازمه أحد سواه، وقال: هو ابني من الرضاعة. ولم يكن يغمص عليه شيء في أحكامه. ذكر ذلك كله أبو القاسم اللبيدى. أحمد بن يزيد القرشي أبو عبد الله، يعرف بالمعلم. قال أبو العرب: كان فقيهًا، عالما بحديثه، نزها، ثقة، مأمونا، صالحا، متعبدا، ويعرف برواية الصمادحى. سمع من موسى بن معاوية، وسحنون بن سعيد، ويزيد بن محمد الجمحي وغيرهم. وكان أول عمره يعلم الناس القرآن، ثم ترك ذلك. وذكره أصحاب سحنون، وذكروا صيامه وقيامه، فقال لهم محمد بن سحنون: دعوه فهو جمل الليل. وكان عالما بالحديث وعلله. قال ابن شلبون: وحدثونا أنه ختم على قدميه سبعة عشر ألف ختمة. وكان عمر حتى ضعف عن القيام، فكان يصلي جالسا. توفى سنة أربع وثمانين، وهو ابن إحدى وتسعين سنة. أحمد بن علي بن حميد التميمي أبو الفضل كان أبوه وزيرا لابن الأغلب، وخاصته، وكذلك إخوته، ولم يدخل هو في شيء من هذا.

стр. 1261

قال المالكي: كان من أهل الفضل والدين والفقه. ورعا، متواضعا، ضابطا لكتبه، عارفا بما فيها. سمع من أسد، وسحنون، وعليه اعتمد، ومن عبد الله بن صالح الكوفى، وكان كثير الكتب صحيحها، واسع الرواية، بيعت كتبه بعد موته بألف دينار ومائتين. وكانت له دنيا عريضة، وكان مع ذلك زاهدا فيها، تاركا للشبهات متورعا. ترك من ميراث أبيه أكثر من ألف دينار، فسئل، فقال: كان من تجارة العاج، فكرهته لما جاء فيه عن أهل العلم. وكان من الكرماء والسمحاء. قال أبو العرب: كان صحيح الكتب، معدودا في أصحاب سحنون. قال أبو سعيد بن يونس المصرى: هو معروف، حدث، سمع منه سعيد بن إسحاق. قال بعضهم: كان أبو الفضل فقيهًا عالما كريما، جوادا مطعما، وكانت له مائدة يغشاها أصحابه، ويشترى لهم الضحايا كل عام. وقد ذكر أنه حضر وليمة لبعض قرابته، إذ سمع صاحبها يتوجع، فسأله، فقال: كان بين يدى الطباخ طبقان في أحدهما سكر، وفي الآخر ملح، مسحوقين، فأراد أن يجعل السكر على أطباق اللوزينج، فجعل الملح غلطا. فقال له: وكم من طبق هي؟ قال: خمسة عشر، ويقال: أقل. فقال له: وجه بالأطباق إلى مطبخى تملأ لك لوزينجا. ففعل.

стр. 1262

وكان مفضلا، مطعاما، حسن الآلة، بعيد الهمة، شريف الملبس، يطعم المائتين من الناس في الفصول، والعشرات كثيرا. ووجد له بعد موته آلات كثيرة، منها مائدة زجاج، أنهى إليه بها من بغداد، لم تصل إليه إلا بمائة وسبعين دينارا. ووجد له سبعون جبة وشى. توفى سنة إحدى وخمسين ومائتين، ويقال: إحدى وستين. *** ومن المعروفين بصحبة سحنون ممن لم يشتهر بالتقدم في الفقه من هذه الطبقة جماعة كثيرة، غلب على كثير منهم العبادة والرواية وقد تقدم من ذكر أن لسحنون من الأصحاب والرواة نحو سبعمائة. منهم: أبو عبد الله محمد بن سوال بن عاصم الطائي قال أبو العرب: كان ثقة من أصحاب سحنون. قال غيره: كان من كبارهم، وثقاة رجاله، وكان حسن الكتاب والتقييد، أخذ عنه الناس، وتوفى سنة خمس وستين، وسنه ثمانون سنة. قال غيره: أوصى بصدقة أربعة آلاف دينار وثلاثمائة. سعيد بن إسحاق الكلبي أبو عثمان قال: كان متعبدا، ثقة، صالحا، ظاهر الخشوع، سريع الدمعة. سمع من سحنون، وابنه محمد، وعون، وابن وزين، وأبي زكرياء الحفرى، وبمصر من أبى الطاهر، ومحمد بن عبد الحكم، وجماعة بمصر وغيرها.

стр. 1263

وكان حسن الكتاب، قليل الخطأ في كتبه، إذا أشكل عليه حرف سأل عنه. كان يسكن بقصر الطوب، ثم يقدم القيروان، فسمع الناس منه. وكان أبو عياش يرفع به. وسمع منه عالم كثير. قال ابن حارث: كان الغالب عليه الرواية، والجمع للحديث. قال ابن الجزار: كان كثير الرباط والرواية والحديث. قال ابن مسرور: كان فاضلا. وقال ابن اللباد: قال سعيد: ما نفعنى الله إلا بشاب رأيته بمكة، تحت جدار، عليه خرقتان، يقرأ القرآن بتلاوة حسنة، فسألته، فقال: يا بني! عليك بنفسك، ودع ما فيه غيرك. فما شككت أنه ولى، فحبوت بين يديه، وقلت له: سألتك بالله إلا ما دعوت لي. فقال لي: أسعدك الله بنفسك، وجعلك ممن تنظر إلى عيوبك، وعرفك قدر ما تطلب، حتى يهون عليك ما تترك. فلما وصل سعيد إلى القيروان، تخلى عن الدنيا واعتزل، فسكن قصر الطوب. قال بعضهم: سمع رجل سعيدا في ليلة باردة يبكى الليل كله، فسأله، فقال: تفكرت في فقراء أمة محمد في هذه الليلة فبكيت. توفى بقصر الطوب، سنة خمس وتسعين. مولده سنة اثنتى عشرة ومائتين. فرات بن محمد بن فرات العبدي من العرب.

стр. 1264

معروف بالسماع من سحنون، معدود في أصحابه، وأصحاب ابنه. وسمع من عون، وابن أبي حسان، وابن رشيد، وأبي زكرياء الحفرى، وغيرهم من أهل أفريقية. وسمع بمصر من ابن بكير، وابن عبد الحكم. وزعم أنه سمع من أصبغ، ونعيم بن حماد، وغيرهم من فقهاء مصر ومحدثيها. وكان من أطول الناس صلاة في شبابه وفى كبره، ملازما للجامع، وكان يخضب بالحناء. وامتحن على يد ابن عمران القاضي، ضربه بالسياط بفضل حنقه على محمد بن سحنون، وكان معاونا لأهل البدع. وسمع منه أبو العرب، وعالم كثير. قال ابن حارث: وكان يغلب عليه الرواية، والجمع، ومعرفة الأخبار، وكان ضعيفا متهما بالكذب، أو معروفا به. توفى سنة اثنتين وتسعين ومائتين. زيدان بن إسماعيل بن زيدان الواسطي الأزدي ثقة من أصحاب سحنون وغيره، سكن سوسة، وكان يخضب بالحناء. ورحل إلى المشرق، فسمع من هشام بن عمار الدمشقى، وابن أبي الجوارى، وسلمة بن أبي شبيب، وعبد الوارث بن غياث، والوليد بن شجاع * وغيرهم. وتوفى بسوسة، سنة اثنتين، أو ثلاث، وتسعين ومائتين. قال غيره: سنة تسعين. مولده سنة عشرين ومائتين.

стр. 1265

حدث عنه ابن اللباد، وأبو العرب. قال ابن الفرضي: كان يقال أنه من الأبدال. قال غيره: وكان أبوه إسماعيل من أهل العلم. محمد بن أبي الهيثم خالد بن يزيد اللؤلؤي الفارسي سمع من سحنون، ومن أبيه أبي الهيثم. وكان أبوه رجلا صالحا، سمع من مالك، وصحب على بن زياد، والبهلول بن راشد. وكان محمد ثقة، صالحا، سمع منه أبو العرب وغيره. قال أبو العرب: وتوفى في نيف وتسعين فيما أحسب. إبراهيم بن النعمان القرشي الفهري أبو إسحاق، أندلسي الأصل، من أهل جيان، واستوطن القيروان. قال أبو العرب: كان ثقة معدودا في أصحاب سحنون، صحيح السماع منه، كان يأخذ عنه ابن طالب القاضي من حيث لا يشعر، وكان يسأله أن يقابل معه كتبه عن سحنون. وتوفى سنة ثلاث وثمانين ومائتين. وله ابنان، إسحاق ومحمد: وكانا ممن اعتنى بالعلم. وكان إسحاق رجع أخيرا إلى مذهب الشافعي، وكان من أهل النظر، سمع من يحيى بن عمر وغيره، ورحل، ومات سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وكتب عن محمد بن قاسم بن أصبغ وغيره. وكان محمد من أصحاب محمد بن عبد الحكم، وكان فقيهًا، وقتل سنة ثلاث وثلاثمائة. ومن ذريته أبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن النعمان المقرئ، نزل بقرطبة، وكان إماما في علمه.
следующие страницы →