← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

قال المالكي: كان من أهل الفضل والدين والفقه. ورعا، متواضعا، ضابطا لكتبه، عارفا بما فيها. سمع من أسد، وسحنون، وعليه اعتمد، ومن عبد الله بن صالح الكوفى، وكان كثير الكتب صحيحها، واسع الرواية، بيعت كتبه بعد موته بألف دينار ومائتين. وكانت له دنيا عريضة، وكان مع ذلك زاهدا فيها، تاركا للشبهات متورعا. ترك من ميراث أبيه أكثر من ألف دينار، فسئل، فقال: كان من تجارة العاج، فكرهته لما جاء فيه عن أهل العلم. وكان من الكرماء والسمحاء. قال أبو العرب: كان صحيح الكتب، معدودا في أصحاب سحنون. قال أبو سعيد بن يونس المصرى: هو معروف، حدث، سمع منه سعيد بن إسحاق. قال بعضهم: كان أبو الفضل فقيهًا عالما كريما، جوادا مطعما، وكانت له مائدة يغشاها أصحابه، ويشترى لهم الضحايا كل عام. وقد ذكر أنه حضر وليمة لبعض قرابته، إذ سمع صاحبها يتوجع، فسأله، فقال: كان بين يدى الطباخ طبقان في أحدهما سكر، وفي الآخر ملح، مسحوقين، فأراد أن يجعل السكر على أطباق اللوزينج، فجعل الملح غلطا. فقال له: وكم من طبق هي؟ قال: خمسة عشر، ويقال: أقل. فقال له: وجه بالأطباق إلى مطبخى تملأ لك لوزينجا. ففعل.

стр. 1262

وكان مفضلا، مطعاما، حسن الآلة، بعيد الهمة، شريف الملبس، يطعم المائتين من الناس في الفصول، والعشرات كثيرا. ووجد له بعد موته آلات كثيرة، منها مائدة زجاج، أنهى إليه بها من بغداد، لم تصل إليه إلا بمائة وسبعين دينارا. ووجد له سبعون جبة وشى. توفى سنة إحدى وخمسين ومائتين، ويقال: إحدى وستين. *** ومن المعروفين بصحبة سحنون ممن لم يشتهر بالتقدم في الفقه من هذه الطبقة جماعة كثيرة، غلب على كثير منهم العبادة والرواية وقد تقدم من ذكر أن لسحنون من الأصحاب والرواة نحو سبعمائة. منهم: أبو عبد الله محمد بن سوال بن عاصم الطائي قال أبو العرب: كان ثقة من أصحاب سحنون. قال غيره: كان من كبارهم، وثقاة رجاله، وكان حسن الكتاب والتقييد، أخذ عنه الناس، وتوفى سنة خمس وستين، وسنه ثمانون سنة. قال غيره: أوصى بصدقة أربعة آلاف دينار وثلاثمائة. سعيد بن إسحاق الكلبي أبو عثمان قال: كان متعبدا، ثقة، صالحا، ظاهر الخشوع، سريع الدمعة. سمع من سحنون، وابنه محمد، وعون، وابن وزين، وأبي زكرياء الحفرى، وبمصر من أبى الطاهر، ومحمد بن عبد الحكم، وجماعة بمصر وغيرها.

стр. 1263

وكان حسن الكتاب، قليل الخطأ في كتبه، إذا أشكل عليه حرف سأل عنه. كان يسكن بقصر الطوب، ثم يقدم القيروان، فسمع الناس منه. وكان أبو عياش يرفع به. وسمع منه عالم كثير. قال ابن حارث: كان الغالب عليه الرواية، والجمع للحديث. قال ابن الجزار: كان كثير الرباط والرواية والحديث. قال ابن مسرور: كان فاضلا. وقال ابن اللباد: قال سعيد: ما نفعنى الله إلا بشاب رأيته بمكة، تحت جدار، عليه خرقتان، يقرأ القرآن بتلاوة حسنة، فسألته، فقال: يا بني! عليك بنفسك، ودع ما فيه غيرك. فما شككت أنه ولى، فحبوت بين يديه، وقلت له: سألتك بالله إلا ما دعوت لي. فقال لي: أسعدك الله بنفسك، وجعلك ممن تنظر إلى عيوبك، وعرفك قدر ما تطلب، حتى يهون عليك ما تترك. فلما وصل سعيد إلى القيروان، تخلى عن الدنيا واعتزل، فسكن قصر الطوب. قال بعضهم: سمع رجل سعيدا في ليلة باردة يبكى الليل كله، فسأله، فقال: تفكرت في فقراء أمة محمد في هذه الليلة فبكيت. توفى بقصر الطوب، سنة خمس وتسعين. مولده سنة اثنتى عشرة ومائتين. فرات بن محمد بن فرات العبدي من العرب.

стр. 1264

معروف بالسماع من سحنون، معدود في أصحابه، وأصحاب ابنه. وسمع من عون، وابن أبي حسان، وابن رشيد، وأبي زكرياء الحفرى، وغيرهم من أهل أفريقية. وسمع بمصر من ابن بكير، وابن عبد الحكم. وزعم أنه سمع من أصبغ، ونعيم بن حماد، وغيرهم من فقهاء مصر ومحدثيها. وكان من أطول الناس صلاة في شبابه وفى كبره، ملازما للجامع، وكان يخضب بالحناء. وامتحن على يد ابن عمران القاضي، ضربه بالسياط بفضل حنقه على محمد بن سحنون، وكان معاونا لأهل البدع. وسمع منه أبو العرب، وعالم كثير. قال ابن حارث: وكان يغلب عليه الرواية، والجمع، ومعرفة الأخبار، وكان ضعيفا متهما بالكذب، أو معروفا به. توفى سنة اثنتين وتسعين ومائتين. زيدان بن إسماعيل بن زيدان الواسطي الأزدي ثقة من أصحاب سحنون وغيره، سكن سوسة، وكان يخضب بالحناء. ورحل إلى المشرق، فسمع من هشام بن عمار الدمشقى، وابن أبي الجوارى، وسلمة بن أبي شبيب، وعبد الوارث بن غياث، والوليد بن شجاع * وغيرهم. وتوفى بسوسة، سنة اثنتين، أو ثلاث، وتسعين ومائتين. قال غيره: سنة تسعين. مولده سنة عشرين ومائتين.

стр. 1265

حدث عنه ابن اللباد، وأبو العرب. قال ابن الفرضي: كان يقال أنه من الأبدال. قال غيره: وكان أبوه إسماعيل من أهل العلم. محمد بن أبي الهيثم خالد بن يزيد اللؤلؤي الفارسي سمع من سحنون، ومن أبيه أبي الهيثم. وكان أبوه رجلا صالحا، سمع من مالك، وصحب على بن زياد، والبهلول بن راشد. وكان محمد ثقة، صالحا، سمع منه أبو العرب وغيره. قال أبو العرب: وتوفى في نيف وتسعين فيما أحسب. إبراهيم بن النعمان القرشي الفهري أبو إسحاق، أندلسي الأصل، من أهل جيان، واستوطن القيروان. قال أبو العرب: كان ثقة معدودا في أصحاب سحنون، صحيح السماع منه، كان يأخذ عنه ابن طالب القاضي من حيث لا يشعر، وكان يسأله أن يقابل معه كتبه عن سحنون. وتوفى سنة ثلاث وثمانين ومائتين. وله ابنان، إسحاق ومحمد: وكانا ممن اعتنى بالعلم. وكان إسحاق رجع أخيرا إلى مذهب الشافعي، وكان من أهل النظر، سمع من يحيى بن عمر وغيره، ورحل، ومات سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وكتب عن محمد بن قاسم بن أصبغ وغيره. وكان محمد من أصحاب محمد بن عبد الحكم، وكان فقيهًا، وقتل سنة ثلاث وثلاثمائة. ومن ذريته أبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن النعمان المقرئ، نزل بقرطبة، وكان إماما في علمه.

стр. 1266

أحمد بن محمد المعروف بابن علاقة التميمي من الجند، أصله من أطرابلس، وهو خال حماس القاضي، وهو الذي كان يأتى صغيرا إلى سحنون. قال أبو العرب: لا أعلم أحدا ذكره بسوء، وكانت له جلالة وحسن هيبة. توفى سنة تسع وثمانين ومائتين. أبو المعمور محمد بن محمد بن حمزة الربعي من أصحاب سحنون وابنه محمد، وسمع غيرهم. سمع منه عمر بن يوسف، وبكر بن حماد، وكان يقول الشعر في الزهد ويحسنه. أنشد أبو العباس بن أبى العرب له: الموت لابد آت فاستعد له … إن اللبيب بذكر الموت مشغول وكيف يلهو بعيش أو يلذ به … من التراب على عينيه مجعول توفى سنة خمس وستين ومائتين. ومولده سنة ثمان ومائتين. رخيص بن رخيص الصدفي معدود في أصحاب سحنون، ذو دين وعبادة وتقى، أثنى عليه الناس ومات سنة اثنين وستين ومائتين. أبو جعفر أحمد بن حسان البغدادي صهر على بن حميد. ثقة، صالح، من أصحاب سحنون، وسمع موسى بن معاوية، وكان صحيح الكتاب، سمع منه الناس.

стр. 1267

أعطى له في وصيفته مائة دينار، ثم أتاه قوم فزادوه في ثمنها عشرة دنانير ولم يبعها منهم، ووجه في الأول فباعها منهم بمائة، وقال: كنت نويت بيعها بمائة، فكرهت الزيادة. * عبد الله بن أبي عطاء واسمه عبد الغافر (٤٠٤). أبو محمد، أصله من الأندلس، وكان صالحا ثقة. سمع من سحنون، وزهير بن عباد. وكان صحيح الكتاب حسن التقييد. سمع منه أبو العرب وغيره. توفى سنة ست وثمانين ومائتين بالقيروان. أحمد بن حماد شيخ صالح ثقة، معدود في أصحاب سحنون، وسمع منه، ومن عبد العزيز بن يحيى المدني. توفى في رمضان، سنة سبع وثمانين ومائتين. سمع منه أبو العرب وغيره، وكان يعلم القرآن. محمد بن قاسم وابنه أبو القاسم عبد الله يعرف بابن الزواوي الصدفي ثقتان. سمع محمد من سحنون، وكان معدودا في أصحابه. وسمع ابنه من يونس وغيره، وكان صالحا. سمع أبو العرب وغيره من محمد.

стр. 1268

وتوفى محمد سنة ثمانين ومائتين، مولده سنة مائتين. وتوفى ابنه سنة أربع وثلاثمائة. عبد الله بن أبي زكرياء يحيى بن سليمان الحفري بحاء مهملة مضمومة، وفاء ساكنة، منسوب إلى حفرة عند داره بالقيروان، من الفرس. شيخ صالح ثقة، كان بالقيروان، ثم سكن مجدولا. سمع من أبيه، وسحنون، وغيره، وكان شيخا صالحا ثبتا. سمع منه سليمان بن سالم، وأبو العرب، وغيرهما. توفى بمجدول، سنة تسع وثمانين ومائتين. شيبة بن زنون من أصحاب سحنون، وعبد العزيز بن يحيى. سمع منه أبو العرب، وهو كان ممن يقرأ لأصحاب سحنون عليه. مات سنة ست وثمانين. وكان بالقيروان شاب يعرف بابن العبادانى شافعي، فحضر مجلس ابن سحنون يوما، فتنقص يوما لمالك، فاستحيى ابن سحنون من طرده، فقال شيبة: أنا أكفيكموه. وكان صارما، فلما حضر قام إليه بنعله، فأوجع قفاه ورأسه، وجعل يستغيث بابن سحنون، وهو وأصحابه صموت. فشكا إلى ابن طالب، فذكر شيبة له القصة، فسكت عنه ابن طالب. ورحل الرجل إلى العراق، فحضر مجلس إسماعيل بن إسحاق، فذكر شيبة له جهة مالك، فحذفه إسماعيل، بدواة كانت بين يديه.

стр. 1269

يزيد بن خالد أبو خالد، من أهل حامة تصطيلية، وكان له سماع كثير من سحنون. وكان سهل بن عبد الله القبرياني يذكره بخير. وكتب له ابن طالب، وائتمنه. توفى في نحو سنة ثمانين. محمد بن أبي حميد أبو عبد الله كان بالقيروان، ثم سكن سوسة، وكان من المتعبدين، يقال إنه يختم القرآن كل ليلة في شهر رمضان. وكان ثقة سمع سحنون، وسمع بالشام من ابن أبي الحوارى، وهشام بن عمار الدمشقى، وبمكة من غير واحد. سمع منه أبو العرب، وابن اللباد. ومات سنة اثنتين، أو ثلاث، وتسعين ومائتين. وكان إذا دخل الصلاة لم يشغل قلبه بشيء، وكان له ابن حدث، له أصحاب، فكان ربما أتى بالمغنين إلى داره مع أصحابه، وبيته ملاصق لبيت أبيه، فيسكتون، حتى إذا دخل في الصلاة أقبلوا على لهوهم ولعبهم، فإذا جلس في التشهد أعلمته أمه، فيقطعون. وقد تقدمت مثل هذه الحكاية لغيره. قال ابن فطيس الفقيه: قام ابن أبي حميد ليلة في سطحه، وأنا أسفل حتى بلغ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ (٤٠٥) " انقطع وقعد، ثم عاد وبكى، فلم يزل ذلك دأبه حتى أصبح.

стр. 1270

محمد بن المبارك الزيات معدود في أصحاب سحنون، ولاه ابن طالب مظالم القيروان، وكان عدلا في حكومته، مات سنة ثنتين ومائتين. خلف بن جبير أبو محمد، من أصحاب سحنون، يعرف بزدو. ولاه الحكومة بالقيروان ابن طالب، وكان عدلا في حكومته. قال ابن أبي تميم: وتوفى فيما أحسب بعد محمد بن المبارك. إسحاق بن إبراهيم القيسي أبو يعقوب، يعرف بابن السحقى. سمع من سحنون، وسمع جده من مالك. عبد الله بن أحمد بن يزيد سمع أباه، ومن سحنون، وكان يعلم القرآن. وتوفى في نحو ثمانين ومائتين. أبو زيد بن المديني سمع من سحنون، وكان مباينا لأهل الأهواء. وأغرى به ابن عبدون، القاضي العراقي، إبراهيم بن أحمد الأمير، فضربه بالسوط، وطاف به على جمل، فمات في تطوافه، في رمضان، سنة ست وسبعين ومائتين. أبو زيد قاسم بن عمرو بن صاعد التميمي سمع من سحنون، وحماد السجلماسي. وولاه ابن طالب مظالم القيروان، إلى عزل ابن طالب في المرة الأولى، ولم يعلم منه في حكومته إلا خيرا.

стр. 1271

سمع منه أبو العرب وغيره. قال ابن حارث: كان ثقة مأمونا، من أهل الوجاهة والظهور. توفى سنة أربع وثمانين ومائتين. سعيد بن موسى بن حمدون التميمي يعرف بابن الشوادكى، من أهل الدين والعبادة والاجتهاد. سمع من سحنون. وتوفى سنة خمس وتسعين. مولده سنة إحدى وعشرين ومائتين. خالد بن نصر من أهل قصطيلية. سمع من سحنون، وأصبغ، وغيرهما. وكان له ابن اسمه نصر، أخذ عن أحمد بن معتب. وسمع منه أبو العرب. قال: ومات خالد فيما أحسب، في نحو السبعين ومائتين. حدث عنه محمد بن بدر الخزامى. أحمد بن زيدون تونسى، سمع من سحنون، وغيره، وكان سماعه في وقت سماع ابن غافق، ومات عند موته. أبو زيد عبد الرحمان بن محمد بن عبد الرحمان الكناني من أهل توزر، سمع من سحنون، ورحل إلى المشرق في طلب الحديث. وكان له ابن عنى بالحديث.

стр. 1272

وسمع من عبد الرحمان، بكر بن حماد، وعبد الله بن الوليد، وجماعة وكان كثير الصوم، ذا سمت. توفى بتوزر، سنة ثمانين ومائتين. إبراهيم بن داود بن يعقوب نزل أطرابلس، وأصله من مصر، وولى قضاء أطرابلس، وكان ثقة. سمع من محمد بن عبد الحكم، والوقار، وأبى الحسن الكوفي، وغيرهم. توفى سنة ثمان وتسعين ومائتين. عبد الله بن حمدون الكلبي صقلي، له سماع من سحنون، وغيره. توفى سنة سبعين. أبو محمد يونس بن محمد الوردائي من أصحاب سحنون، سمع منه كثيرا. وكان أبو عياش يثنى عليه، ويرفع به، وقال: أنه لم يبق عند سحنون كتابا إلا وقد ظهر عليه. حدث عنه أبو العرب، ومحمد بن عثمان المؤدب. قال أبو العرب: وسمعت غير أبي عياش يذكره بغير جميل، وله عن سحنون غرائب لا توجد عند غيره. قال اللبيدى: كان مخمول * الذكر، وسببه أن الشيعي، لما دخل القيروان، وطلب أهل الخير، قال الوردائى لأهله: اختاروا، أما إن أهرب من أفريقية فلا ترونى أبدا، أو تتركونى أرعى البقر. فقالوا له: أن ما ذكرت يشق علينا، ولكنا لا نحب مفارقتك، فبقاؤك ترعى البقر، أحب إلينا.

стр. 1273

فأقبل على رعاية البقر، فكان إذا أصبح، يأخذ مصحفه في مخلاته، وعصاه، ويخرج بها، وساق البقر، وأبعدها عن العمارة، وأقبل على قراءة القرآن، فإذا أقبل الليل، أتى به. فسلمه الله من فتنة بنى عبيد، وحمل ذكره. ولقد زاره قوم في مرعاه، فلما رآهم، من بعيد، أخذ عصاه، وأقبل يجرى قدام البقر، كما تفعل الرعاة، فلما رأوا ذلك تركوه. وكان يحكى أن ابن عبدوس وغيره، سأل سحنون عن الورع، فقال: ترك دائق مما كره الله، خير من سبعين ألف حجة، يتبعها سبعون ألف عمرة مبرورة متقبلة، وأفضل من سبعين ألف فرس في سبيل الله، بزادها وسلاحها. ومن سبعين ألف بدنة تهديها إلى بيت الله، ومن عتق سبعين ألف رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل. فذكرت الحكاية لعبد الجبار بن خالد، فقال: نعم! وأفضل من ملء الأرض إلى عنان السماء ذهبا وفضة، كسبت من حلال، وأنفقت في سبيل الله، يراد بها وجه الله. وتوفى في الورداء سنة ثلاثمائة. ومن هذه الطبقة: سعيد بن مسرور مولى القبرياني، كان ثبتا ثقة صالحا. أخذ عنه سهل، وابن بسطام، وأبو العرب. وسمع ابن عبد الحكم، ويونس بن عبد الأعلى، والكوفي، وابن مرزوق، وغيرهم. وتوفى سنة أربع وثمانين.

стр. 1274

أحمد بن محمد القرشي أبو جعفر المغرياني من ولد عقبة بن نافع الفهرى، وقيل له المغرياني لنزوله مغريانة. قيل: أصله أندلسي. سمع من سحنون وغيره، وكان معدودا في أصحابه. وكان شيخا ثقة صالحا مأمونا منقبضا زاهدا عابدا. وأراده إبراهيم بن الأغلب على قضاء القيروان، فامتنع. مولده سنة اثنتى عشرة ومائتين. وتوفى سنة خمس وثلاثمائة. ومن أهل الأندلس: عبيد الله بن يحيى كنيته أبو مروان، روى عن أبيه، ولم يسمع بالأندلس من غيره. ورحل حاجا وتاجرا، ودخل بغداد، فسمع بها مجالس من أبى هاشم الرفاعي، وسمع بمصر من محمد بن عبد الرحيم البرقى (٤٠٦). وكان عاقلا، كريما عظيم المال والجاه، مقدما في المشاورين في الأحكام، منفردا برئاسة البلد، يأتونه. وكان فقهه فقه الشيوخ، ولم يكن بالراسخ فيه. سمع منه أحمد بن خالد، وابن أيمن، وأبو عيسى، وأحمد بن يحيى بن سليم، والناس. وطال عمره حتى ذهبت طبقته، وشوور مع طبقة أخرى، مع أحمد بن بقى بن مخلد ونمطه.

стр. 1275

قال أحمد بن سعيد: كان عظيم القدر، جليل الحرمة، نافذ الأمر، تقيا، شيخا دينا صالحا عاقلا، تجرى كتبه بالمشرق، ويجوز أمره في الآفاق، وبجوده تضرب الأمثال. وفيه يقول الشاعر: وأنك غيث آخر الدهر هامع … كما أنت بدر آخر الليل طالع وقد سرني أن فزت بالحمد والعلا … وأنك للدنيا والدين جامع وقال ابن عبد ربه يرثيه: * لقد فجع الإسلام منه بناصر … كما فجع الأيتام منه بوالد بكته اليتامى والأيامى وأعولت … عليه الأسارى خابيات المواعد وحكى النضر بن سلمة القاضي، قال: أتاني عبد الله بن يحيى وأنا قاض، في حياة بقى بن مخلد، فقال: لست والله أرضى أن تستشيرني مع بقى بن مخلد في مجلس واحد، فإن أردت شيئا فوجه في، في وقت، وفيه في آخر، ولا تجمعنا جميعا. قال: فلم أمت حتى أرسل الأمير في ولد بقى بن مخلد، وفى عبيد الله، فشاورهما في مجلس واحد. وعاد عبيد الله، أحمد بن بقى بن مخلد المذكور، من علة أصابته، فلما خرج لقيه بعض إخوانه، فقال له: بالأمس نابذت أباه، واليوم تواصل ابنه! فقال له عبيد الله: لكل زمان حكمة، وقد مضى ذلك الزمان، وهذا زمان آخر، عمرى فيه مدبر، وعمر هذا الحدث وسؤدده مقبل، وأنا أكره أن أورث عداوته لولدى. سمع منه الناس رواية أبيه، وكتبه، ومشاهد ابن هشام، وغير ذلك إليه. لم يكن بالضابط لكتبه.

стр. 1276

وكان فاشى الصدقات كثير المعروف، ذكر أنه تقاضى مرة مائة دينار من خراج أرحائه، وانصرف مقبلا، فلقى حطابا، فحفن له منها حفنة، ومضى، ثم وقف فسأله: ألك عيال؟ قال: نعم. فدفع إليه جميع المائة. وذكر أن رجلا من قريش كان يجاوره ويختلف إليه، فجاءت سنة مجاعة، كاد أن يهلك القرشى فيها ومن معه من الجهد، وتوالت الأمطار، وانقطع التصرف، فبقوا ثلاثة أيام لا يجدون شيئا يأكلونه، فقالوا له في اليوم الرابع، وقد أحسوا الموت: ما جلوسك؟ اخرج واطلب، لا نموت كلنا جملة. قال القرشى: فخرجت إلى أسطواني، وجلست أفكر فيمن أقصد، وأيست من كل أحد، والسماء تسكب، إذا بفارس قد دخل على، عليه مسطر، فإذا بعبيد الله، فقمت إليه وأعظمت مجيئه، فقال: إليك قصدت، بعد عهدى بك، وخشيت لحوق الضيعة بك لهذه الحال، وهذه عشرة دنانير تنفقها، وفتاى يأتيك بحمل دقيق وربعين زيتا، حتى يفتح الله. فشكرته، وخرج عنى، وجاء عبداه بما ذكره، فجئنا به. وكان قد تصدق بثلث ماله مرة، وثانية، وثالثة. وتوفى يوم الاثنين، لعشر خلون من رمضان، سنة ثمان وتسعين ومائتين. قال أحمد بن عبد البر: لقد رأيت البدار يوم جنازته من كل ضرب، الأصحاء بناحية، والمرضى بناحية، وأهل الثغور بجانب، واليهود والنصارى كذلك، ما شهدت مثل جنازته، ولا حكى أحد أنه شهد مثلها، لعظيم إحسانه للناس، ومكانه من قلوبهم، وسعيه في حوائجهم، وأفطر ابنه ذلك اليوم، وكثير من الناس، لضرورة الزحام، وما أصابهم من الحر ومزاحم الناس.

стр. 1277

إسحاق بن يحيى بن يحيى الليثي أبو إسماعيل، ويقال أبو يعقوب. كان أسن من أخيه عبد الله، وشوور في الأحكام، وكان حسن اللباس ظاهر المروة. وحكى ابن حارث، عن القاضي ابن أبي عيسى: أن عم أبيه عبيد الله، كان من أبر الناس بأخيه إسحاق هذا، وأنه كان بأخذ بركابه إذا ركب. قال ابن لبابة: دخل أحمد بن سعيد التاجر * يوم جمعة، والإمام يخطب، فركع ركعتين، فأنكر ذلك عليه إسحاق، فبلغه، فجاءه فقال له: لم أنكرت على ما لا ينكر؟ فقال له إسحاق: بلى! إنه مما لا يحب فعله. فقال له أحمد: حدثني أبوك، عن الليث، عن أبي الزبير المكي، عن جابر، أن رجلا جاء والنبى يخطب، فأمره أن يصلى ركعتين. فقال له إسحاق: متى حدثك أبى بهذا؟ قال أحمد: حدثني به وأنت تصطاد طيرا، سماه، من صغره. فكت إسحاق. توفى سنة إحدى وستين ومائتين. إبراهيم بن يزيد بن قلزم بن إبراهيم بن مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز، من أهل قرطبة، أبو إسحاق. سمع من عبد الملك بن حبيب، ويحيى بن يحيى، وعيسى بن دينار، ورحل فسمع من سحنون بن سعيد، وأصبغ بن الفرج، وكان علمه المسائل والشروط، وشوور. روى عنه أحمد بن خالد وغير. قال أحمد بن عبد البر: كان شيخا صالحا، وكان علمه قليلا.

стр. 1278

قال أحمد بن خالد: لم يكن في الفقه هناك. وسأله بعض ولاة المدينة، عن ملك الموت، كيف يقبض روحا في الهند، وروحا في أقصى المغرب، وآخر بمصر وآخر بالعراق، في وقت واحد؟ فقال له إبراهيم: لما صعب عليك عرض هؤلاء الحرس والأعوان بين يديك حسبت أمر الخالق عليه، وقدرته، وسأمثل لك مثلا: الشمس تطلع على كل بلد في حين واحد، فلو أمرت بقبض الأرواح في جميعها، لكانت تقدر. قال: نعم. قال: فكذلك ملك الموت، أعطى من القدرة مثل ذلك. قال المؤلف ﵀: صاحب هذا الكلام لا يقال فيه قليل العلم، كما قال ابن عبد البر، بل لا يصدر مثل هذا إلا عن ذي بصر صحيح العلم. عبد الله بن الفرج النميري كان فقيها حافظا للمسائل، ولاه الأمير محمد صلاة قرطبة. سمع من عبد الملك بن حبيب. رحل فسمع من سحنون، وأصبغ. وتوفى سنة ستين ومائتين. وهب بن نافع الاسدي قرطبي، فقيه، مشاور بها. وله رحلة، سمع فيها من سحنون، وأبى الطاهر، وإبراهيم بن المنذر، والحسن بن عرفة، ونصر بن علي الجهضمى، وغيرهم من شيوخ بغداد ومصر وافريقية. روى عنه الأعناقى، ومحمد بن مسرور، ومحمد بن فطيس وغيرهم.

стр. 1279

ويقال: أنه روى عن أبي جعفر المسعري، وعلى بن أبي ثابت، كتب أبي عبيد، وأنه أول من أدخلها الأندلس. وتوفى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة محمد وقاسم ابنا أسباط بن الحكم المخزومي قرطبيان، يكني قاسم بأبي محمد وقيل بأبي بكر، ومحمد بأبي عبد الله. كانا من أهل العبادة والورع. قال ابن أبي دليم: وكانت لهما حلقة بجامع قرطبة، يجلسان فيها للفتيا. يرويان عن يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان. ورحلا، فسمع محمد من الحارث بن مسكين بمصر، وكانا حافظين الفقه، بصيرين بالوثائق. توفى محمد صدر محرم، سنة تسع وتسعين ومائتين. قال الرازي: وتوفى قاسم قبله. قال ابن عبد البر: توفى محمد، أيام عبد الله الأمير، وهو نحو ما تقدم. وقيل للقاضى النضر بن سلمة: أن ابن أسباط يقع فيك، فاهدمه. فقال: والله لا أتعرض لهدم ما بنى الله. * إبراهيم بن قاسم بن هلال بن يزيد بن عمران القيسي أبو إسحاق، قرطبى، سمع من أبيه، وسعيد بن حسان، ويحيى بن يحيى، ورحل حاجا فسمع من سحنون. وكان علمه المسائل، وكان متعبدا، وقد حدث، وذكر أنه أدرك عيسى بن دينار.

стр. 1280

وكانت له من سحنون منزلة، بصحبته أباه عند ابن القاسم. وغلب عليه الزهد والورع والانقباض عن مجالس الحكام، وكان من أهل العلم وطول الصلاة، وكثرة الصيام. قال ابن عبد البر: كان علمه علم الشيوخ، ولم يكن له علم بالحديث. وكان الأمير عبد الله أدخله مع ابن وضاح يوما، لإشهاد على بعض حرمه، فامتنعا من ذلك، إذ لا يعرفانهن. فقال لهما: كيف المخرج؟ فقالا: يشهد عليهن من الفتيان والشيوخ من يعرفهن، ونشهد نحن على شهادتهم. فامتثل ذلك. فطولبا بذلك عند الأمير، حتى أثر في نفسه، وعهد ألا يشهد بعد هذا في شيء، ولا يبعث فيه بشيء. فلزم داره معظما عند العامة، إلى أن توفى. قال الصدفى: كان من أهل الجمع واللفظ، وتوفى سنة اثنين وثمانين ومائتين. يحيى بن قاسم أخوه قال ابن الفرضى: سمع من أبيه، ويحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، ورحل فسمع من عبد الله بن نافع، وسحنون بن سعيد، وغيرهما. قال ابن عبد البر: كان فاضلا، عابدا، ورعا، زاهدا، فقيها في المسائل، عالما بها. روى عنه أحمد بن خالد، وكان يعظمه، ويصفه بالفضل والعلم والفقه، مع الزهد في الدنيا، والعبادة والانقباض.

стр. 1281

قال محمد بن عبد الملك بن أيمن: كان يحيى بن قاسم، أحد العباد المجتهدين، يصوم حتى يخضر، وهو صاحب الشجرة، وذلك أنه كانت في داره شجرة تسجد بسجوده. قال ابن أبي دليم: كان يفضل على أخيه بشدة انقباض وزهد وعبادة، وكان أعلم من أخيه وأفقه في كل فن. أخذ عنهما. قال ابن حارث: وكان ابن لبابة يجمل الثناء عليه، ويفضله على أخيه إبراهيم، وكان قد جمع البلاغة في كل فن، إلى المنظر الجميل والسمت الحسن. قال: وكان يغدو إلى المسجد لصلاة الصبح، فيصلى فيه، ثم يقعد في مصلاه إلى الضحى، فيصليها، وينصرف إلى داره، فيقيل إلى الظهر، فيصليها، ويصلى العصر، ويجلس في المسجد إلى المغرب، فيصليها، ويصلى إلى العتمة، وكان حسن الصلاة، مرتلا في قراءته حرفا حرفا. وتزوج بامرأة، فدخلت عليه في السحر وقت خروجه إلى المسجد، فسلم عليها ودعا لها، ثم خرج، فلزم ترتيبه ولم يدعه. وصلى رجل إلى جانبه، فركع يحيى ركعتين طول فيهما، فلما فرغ قال له الرجل: لقد قرأت ما دمت في ركعتيك هاتين كذا وكذا. فقال له: يا أخى! قال الله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) (٤٠٧) ولم يقل (أكثر عملا). وتوفى سنة اثنين وسبعين ومائتين، وقيل ثمان وسبعين، وقيل سبعين، وسيأتي ذكر ابنه أحمد.

стр. 1282

محمد بن قاسم أخوهما قال ابن أبي دليم: كان من أهل الفقه والورع والفضل، معروفا به، ودخل العراق، واجتمع هناك في السماع ببقى بن مخلد. قال ابن الفرضي: سمع من أبيه، وكان عابدا مجتهدا عاقلا وقورا، وكان أقل إخوته علما. وتوفى في شوال، ليومين مضيا منه، سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وقيل إحدى وتسعين. وكانت بيت بنى هلال * بقرطبة، بيت علم وزهد، وتقدم في المذهب، وجلالة. ويحكى أنهم كانوا لا يوقد في دورهم ليلة يناير نار، ولا يطبخ عندهم شيء، مخالفة لسيرة أهل بلدهم العجمية المكروهة. وابنه عبد الله بن محمد بن قاسم أبو محمد له رحلة، لقى فيها المزنى، ولقى داود القياسي بالعراق، وكتب كتبه، وأدخلها إلى الأندلس، فأخلت به عند فقهاء وقته. ونظر في رأى مالك نظرا حسنا، ولكنه كان يميل إلى علم داود، كلفا بالحجة، حدث عنه ابن أيمن، وقاسم بن أصبغ، ومحمد بن قاسم وغيرهم. قال الصدفى: له تقدم وفضل ودين وانقباض وتواضع. توفى سنة اثنين وتسعين. وابنه الآخر إبراهيم بن محمد سمع عميه إبراهيم ويحيى، والخشني، وابن وضاح، وكان متعبدا. توفى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.

стр. 1283

وأخوهما أحمد بن محمد بن قاسم أبو محمد، سمع من عميه، ووهب بن مسرة، وقاسم بن أصبغ، وابن ميسور وغيرهم، وكان مصليا مجتهدا. توفى سنة سبع عشرة وثلاثمائة. وابن عمهم عبد الله بن محمد بن أحمد بن قاسم أبو محمد، سمع من قاسم بن أصبغ وغيره، وكان صاحب مسائل وشروط. توفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. وأخوه يحيى بن محمد كان له حظ من فقه، وسماع من ابن رفاعة وغيره، كتب عنه ابن الفرضى وغيره، وكان مقبولا. توفى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. وابن عمهم أحمد بن يحيى بن قاسم سمع ابن خالد وغيره، وعبيد الله، يكنى أبا عمر، كان فقيها عالما بصيرا بالمسائل والوثائق. توفى سنة ست عشرة وثلاثمائة. ذكرناهم هنا لذكر آبائهم، وسيأتي بعد بقية بيته. أبو عمر المغامي هو يوسف بن يحيى بن يوسف بن محمد، دوسى، من ولد أبي هريرة، أندلسي الأصل. ومغام من ثغر طليطلة، أصله منها، ونشأ بقرطبة، ثم استوطن القيروان إلى أن مات.

стр. 1284

قال ابن الفرضى: سمع بالأندلس من يحيى، وسعيد بن حسان، ويحيى بن مزين. وروى عن عبد الملك بن حبيب مصنفاته، وكان أحد الباقين من رواته. ورحل فسمع بمكة من على بن عبد العزيز، وبصنعاء من الزبيري، وبمصر من القراطيسي، وغيرهم. قال الشيرازي: وسمع أبا المصعب. قال ابن الفرضى: وانصرف إلى الأندلس، وكان حافظا للفقه، نبيلا فيه، فصيحا، بصيرا بالعربية، معقلا، وأقام بعد انصرافه بقرطبة أعواما، ثم رحل ثانية، فسكن مصر، وسمع الناس بها منه كتب ابن حبيب، وعظم وعظم قدره بالمشرق. وقال أبو العرب في طبقاته: كان المغامى ثقة، إماما، عالما، جامعا لفنون من العلم، عالما بالذب عن مذهب الحجازين، فقيه البدن، عاقلا، وقورا، قلما رأيت مثل عقله وآدابه وخلقه، إن جلس جلسة لم يغيرها حتى يقوم، وكان قد رحل في طلب الحديث، وهو يومئذ شيخ إمام. قد سمع منه الناس قبل رحلته، فلقى الزبيرى، وكتب عن الناس، وسمع منه على بن عبد العزيز، وخلق كثير من أهل مصر، ورأيته قد جاءته كتب كثيرة، نحو المائة كتاب، من جماعة من أهل مصر، بعضهم سأله الإجازة، وبعضهم يسأله الرجوع إليهم. قال أبو * عبد الملك: كان معقلا، حافظا للفقه، رأسا فيه. قال غيره: لا أعلم منزلة يستحقها عالم بعلم، أو فاضل بحسن مذهب، إلا ويوسف بن يحيى أهلها. قال على بن الحسين وابن فحلون: كانت حلقة المغامي بصنعاء أعظم من حلقة السرى.

стр. 1285

قال ابن فحلون: وكان على بن عبد العزيز، إذا سئل عن شيء، يقول: عليكم بفقيه الحرمين، يوسف بن يحيى، وكان جاور بها سبع سنين. قال طاهر بن عبد العزيز: كان يوسف مقدما عالما. قال ابن فحلون: لم يكن عند أهل القيروان أحد في محل المغامي ﵀. قال ابن حارث في تاريخ الإفريقيين - وذكره - فقال: أدرك بقرطبة سؤدد العلم والرياسة، ثم رحل إلى المشرق فسمع الناس منه، وألف كتبا حسنة يرد فيها على الشافعي، أخذها الناس، وانصرف إلى القيروان فأوطنها، فكان فيهم ظاهر السؤدد. قال ابن عبد البر في تاريخه - وذكر فقهه وعلمه وأثنى عليه -: ان الزبيرى وصفه بالعقل، وكان أحمد بن خالد يصفه بالعقل والعلم، سمع منه بالمشرق والمغرب، وسمع منه الموطأ بمصر، بيان العابد، المعروف بالجمال، وقال: إنما أردنا أن نأخذه من أهل الفقه، وذلك أني رأيت في منامى كأني أقرأ في المصحف، فإذا فرغت فضلت لي فضلة أنظر فيها الموطأ، ثم أقرأ، فإذا فرغت وجدت فضلة أنظر فيها الموطأ. وقال أبو إسحاق الشيرازي - وذكره -: كان فقيها عابدا، تفقه بابن حبيب، ويقال أنه صهره، وكان شديدا على الشافعي، وضع في الرد عليه عشرة أجزاء. وللمغامى أيضا تأليف في فضائل مالك، حسن، وكتاب في فضائل عمر بن عبد العزيز. قال أحمد بن نصر القروى: كان المغامى فقيه الصدر، حسن القريحة، وقورا، مهيبا. قال ابن خالد: كان عاقلا حليما.

стр. 1286

قال القصرى: غاب المغامى إلى المشرق، فأقام أحد عشر عاما، ومضى بألفي دينار، فأتى وعليه الدين، أنفقها في طلب العلم. قال أحمد بن خالد: وذكره لي الزبيرى، فقال: رأيت رجلا عاقلا. قال ابن فحلون: لما رحل المغامى إلى اليمن، للزبيري، ألفاه بحال محنته، فكتب إليه رسالة وشعرا، وذكر فيه غربته وبعد بلده، واستلطفه فيه، فدخل عليه، فلما كلمه وشاهد عقله وعلمه وبيانه، قال له: عزيز على قصد مثلك إلى، وقال: يؤذن لمن أراد السماع في دولة يوسف المغربي. فأخبره أنه من وراء أقصى المغرب، من جزيرة الأندلس. واحتفل الناس، فكان المغامى، يقرأ لهم بأثره، بعد انصرافهم من مجلس الزبيري، فوجدوه بحرا، وسألوه أن يجعل لهم دولة بالعشى، فأجابهم، فسمعوا عليه كتب ابن حبيب. سمع منه على بن عبد العزيز، وأبو الذكر القاضي، وأبو العباس الأبيانى، وفضل بن سلمة، وأبو العرب التميمي، وابن اللباد، وسعيد بن فحل، وأبو عبد الله محمد بن الربيع الحبرى، وغير واحد. توفى سنة ثمان وثمانين ومائتين، وصلى عليه حمديس القطان. ويقال أنه أغمى عليه عند موته، ثم أفاق فقال: رأيت الآن أول ذنب عملته وقد بلغت الحلم. ورثاه بعض القرويين برثاء، منه: وقائلة والكرى مولع … بأجفاننا ما عرا نومكا؟ فقلت لها حادث مفظع … أراه لغمى مستهلكا * تغيب عنى الهلال الذي … يضيء الظلام إذا احلولكا تمنيت رمسك ما ضمه … لقد ضم كل العلا رمسكا

стр. 1287

عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمان بن دينار قرطبي شهير البيت. قال ابن حارث: سمع من أبيه وأخيه، ورحل معهما (٤٠٨) ورحل بعدهما، ودخل العراق، وسمع كثيرا، وفقه، وحفظ، وبلغ مبلغ أكابر أهله في العلم، وكان خيرا ناسكا. توفى سنة اثنين وثمانين ومائتين. مولده سنة تسع وعشرين ومائتين. عيسى بن محمد بن عبد الرحمان بن دينار ذكره الرازي قال: وكان فقيها زاهدا، حج حججا، وولى قضاء طليطلة، ثم سكن قرطبة. روى عنه ابنه أبان. يروى عن عمه أبان بن عيسى، ومحمد بن عيسى الأعشى، وابن مطروح، وابن وضاح، وابن مزين، والمغامى؟ ورحل فسمع ابن عبد الحكم، ومحمد بن عبد الرحيم البرقى. وقال ابن الفرضى: عيسى بن محمد بن دينار بن وافد، أبو محمد، سمع من ابن مزين، والعتبى، ورحل فسمع من يونس، والربيع المؤذن والمدنى (٤٠٩)، وولى الصلاة بطليطلة، والقضاء. قال ابن حارث: كانت له رحلات، إحداها مع ابنه. وروى عن أبيه، وعن محمد بن سحنون، وابن أخى ابن وهب، وربيع الجيزى، وربيع المؤذن، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن يزيد المقرئ، وكان صاحب مسائل وحفظ للرأى، لا يخلطه بغيره. وتوفى في أيام الأمير عبد الله.

стр. 1288

قال ابن حارث. في رمضان، في سنة ست وثلاثمائة. مولده سنة أربع وثلاثين ومائتين. وسيأتي ذكر أبان بن محمد بن دينار أخيهما في الطبقة الأخرى بعدهم إن شاء الله. محمد بن عبد الملك بن حبيب السلمي روي عن أبيه، وكان عالما فاضلا، وهو أعلى الرواة عن أبيه، نقلته من كتاب ابن عتاب بخطه. عبيد الله بن عبد الملك بن حبيب أخوه كان رجلا صالحا، سمع من أبيه، وأثنى عليه محمد بن فطيس. وتوفى سنة نيف وتسعين. محمد وعبيد الله ابنا قمر رويا عن عبد الملك بن حبيب، وتزوج عبيد الله، ابنته، بعد وفاته، ويكنى بأبي محمد. قال ابن الفرضى: كان موصوفا بالعلم، وكان ابن فطيس ووليد بن إبراهيم يثنيان عليه بالخير والعلم، وكانت ابنة ابن حبيب تحته. محمد بن وضاح بن بزيع مولى عبد الرحمان بن معاوية، قرطبي، يكنى أبا عبد الله. وبزيع جده، مولى عبد الرحمان بن معاوية. روى بالأندلس عن محمد بن عيسى الأعشى، ومحمد بن خالد الأشج، ويحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، وزونان، وابن حبيب، وعبد الأعلى بن وهب.

стр. 1289

ورحل إلى المشرق رحلتين، إحداهما سنة ثمان عشرة ومائتين، قبل بقى بن مخلد، لقى فيها سعيد بن منصور، وآدم بن أبي اياس، وابن حنبل، وابن معين، وابن المدينى، وعبد الله بن ذكوان، وأبا خيثمة، وكاتب الليث، وابن مصفى، وغيرهم. ولم يكن مذهبه في رحلته هذه طلب الحديث، وإنما كان شأنه الزهد، ولقى العباد، فلو سمع في رحلته هذه لكان أرفع أهل وقته إسنادا. ورحل رحلة ثانية، سمع فيها من إسماعيل بن أبي أويس *، وأبى مصعب، ويعقوب بن كاسب، وإبراهيم بن المنذر، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإبراهيم بن محمد الفريابي، وهارون بن محمد بن سعيد الأيلى، وابن المبارك الصورى، وحرملة، وابن أبي مريم، وأبي الطاهر، والحارث بن مسكين، وأصبغ بن الفرج، وزهير بن عباد، وسحنون بن سعيد، وعون بن يوسف، والصمادحى، ومحمد بن مسعود، في خلق كثير من البغداديين والشاميين والمصريين والقرويين. وعدة الرجال الذين سمع منهم، مائة وخمسة وستون رجلا. وبه، وببقى بن مخلد، صارت الأندلس دار حديث. وذكره أبو عمرو المقرئ في القراء، فقال: روى القراءة عن عبد الصمد بن عبد الرحمان بن القاسم، عن ورش، ومن وقته اعتمد أهل الأندلس على رواية ورش، وكانوا قبل معتمدين على قراءة الغازى بن قيس، عن نافع. وأخذ عن ابن وضاح، أحمد بن خالد، ومحمد بن لبابة، ومحمد بن غالب، وابن صالح، وابن الجزار، وابن الزراد، وابن أيمن، وقاسم بن أصبغ، وابن ميسور، وخالد بن وهب الأعناقى، وطاهر بن عبد العزيز، وابن الأعشى، ووهب بن مسرة، في آخرين كثرة. وأكثر من رأس وشرف بالأندلس، فمن تلاميذه.

стр. 1290

وكان ذا حظوة فيه، ومن قلوب الناس محبة بينة كانت له، والله أعلم. ذكر علمه وفضله قال ابن أبي دليم: كان ابن وضاح إماما ثبتا، وقد ألف ابن مفرح في مناقبه ورجاله كتابا. قال ابن الفرضى: كان ابن وضاح عالما بالحديث، بصيرا به، متكلما على علله، كثير الحكاية عن العباد، ورعا، فقيرا، زاهدا، متعففا، صابرا على الإسماع، محتسبا في نشر علمه، سمع الناس منه كثيرا، ونفع به أهل الأندلس. قال أحمد بن سعيد: لم يختلف علينا أحد من شيوخنا أن ابن وضاح كان معلم أهل الأندلس العلم والزهد، وكان أحمد بن خالد لا يقدم عليه أحدا ممن أدرك بالأندلس، ويعظمه جدا، ويصف فضله وعقله وورعه، غير أنه كان ينكر عليه كثرة ردة في كثير من الأحاديث، كان كثيرا ما يقول: ليس هذا من كلام النبي ﷺ وسلم في شيء، هو ثابت عنه من كلامه، وكان له خطأ محفوظ. قال: ولم يكن له علم بالفقه، ولا بالعربية. قال غيره: كان المجاوب عنه أحمد بن خالد. وقد ذكره ابن أبي دليم والشيرازى، في هذه الطبقة من فقهاء المالكية. قال الشيرازي: وتفقه بسحنون، وشيوخ المغرب. وقال وهب بن مسرة: قال لي ابن وضاح: ختمت القرآن في عشرين يوما من شهر رمضان، ستين ختمة، وكان في نفسى أن أختمه أكثر من مائة مرة، فمرضت في العشر الأواخر. قال ابن عبد البر: كان ابن وضاح حليما، طيب الخلق، صبورا على الجفاء، سمحا بعلمه، لا شغل له غير العبادة ونشر العلم، وكان يختم في

стр. 1291

رمضان، في مسجده تسع ختمات، ويصبر على الصلاة قائما، لا يأتي الحكام ولا الأمراء إلا عائدا، منقبضا عنهم، وكان لا يذخر شيئا، ولا مال له، وله إخوان أفاضل يبعثون إليه أبدا ما يقوته، وكان له ابن أخت يبعث إليه كل ليلة ما يأتدم به، وكان يقسم ما يهادى به على من قصده، وكان الأمير عبد الله يفضله، ويعرف حقه، ويكاتبه فيما احتاج إليه، ويرسل فيه، فإذا أتاه الرسول ألقى على نفسه قطيفة، ثم يقول له: إني مريض، فاعتذر عنى. وذكر غيره أنه كان يواصل الأيام الخمسة ونحوها. وكان الشيوخ بالمشرق يكرمونه ويعرفون فضل علمه بالحديث، وزهده، وخيره. وكان ابن الزراد يصفه بكل فضيلة، وأنه لم ير مثله في العقل والفهم، وحفظ معاني الحديث وحسن الحكايات. قال: وكان إماما. قال: ولم أر أسخى منه، لو لم يملك غير زيتونة قاسمها مع من أتاه، ولقد عادني مرة، فأخرج إلى نصف جبنة، وقال لي: أعلم أنها لا تصلح للعليل، ولكن كرهت أن آتيك دون شيء، ولم يكن عندى سواها، فلتأكل به الخادم خبزها. وعادنى مرة أخرى، فأخرج إلى نصف سفرجلة. حكى أبو عمرو المقرى، عن أبي إبراهيم الفقيه، أن ابن وضاح لما قفل من سفرته الثانية، احتبس لسانه سبعة أيام، فكان لا يستطيع على الكلام، فقال: اللهم إن كان في اطلاق لساني صلاح لنشر هذا العلم فأطلقه. فأطلق الله تعالى لسانه، وأحيى الله به أهل الأندلس، وانتفعوا به، فكانوا يرون ذلك من أفضل كراماته.

стр. 1292

قال أحمد بن خالد: بقى ابن وضاح يوما، لا قوت له، فحركته امرأته لطلب الرزق، ولامته على لزوم البيت. قال: فخرجت وقد ضاقت على الأرض، فقلت: إلى من أقصد؟ فقصدت الله تعالى في المسجد الجامع، فكنت فيه إلى أن صليت العصر، فلما خرجت، قلت: إن رجعت إلى الدار بغير شيء ضيقت على المرأة، وفى الوقت فسحة. فنويت زيارة إخوان لي في قرية المرضى، قال: فلما توسطت القنطرة، إذا غلام صديق لي، ومعه دابة موقرة بدقيق، وجرة زيت، فقال لي: لك أقصد، فلان يقرئك السلام، وقد بعث إليك بهذا. فحمد الله، وسرت بذلك إلى دارى. وذكر عن نفسه أن الحال آلت به بمصر، إلى أن استأجر نفسه من صاحب فندق، لكنس زبل الدواب، وطرحها على رأسه. وكان له ثمانون يوما في السنة، يتورع فيها، ولا يشغل فيها نفسه بشيء، أربعون في السمائم، وأربعون في شدة البرد. قال أحمد بن خالد: كان ابن وضاح يقول لي: إني لأدعو الله لكم في سجودى أن ينفعكم الله، لأنكم إذا انتفعتم انتفعت أنا بكم. وكان يقول: أول العلم الصمت، والثانى حسن الاستماع، والثالث حسن السؤال، والرابع حسن الحفظ، والخامس حسن التخير، والسادس العمل به، والسابع الفرار من الناس، والثامن نشره، إذا لم يوجد منك بد. وكان يقول: يقال: خير الدنيا ما لم تبتلوا به منها، وخير ما ابتليتم به منها ما خرج عن أيديكم، واعلموا أن ما سقط عن أيديكم رحمة لمساكنكم، فلا تعودوا فيه.

стр. 1293

وفيه يقول أحمد بن عبد ربه: جادت لك الدنيا بنعمة عيشها … وكفاك منها مثل زاد الراكب وذكر بعض طلبته، أنهم كانوا في السماع عند ابن وضاح، في غرفة له، فدخل عليه رجل، فقال له: حضرت الآن فأصابت الصبي ابنك العجلة، ومشت عليه. فلم يكثرت لذلك، وأقبل على ما كان فيه من إمساك كتابه، وأمر القارئ أن يتمادى على قراءته. فما لبث أن دخل آخر، فقال: أبشر أبا عبد الله، سلم الصبي، إنما أصابت العجلة ثوبه، فسقط، وجازته ولم تضره. فقال: الحمد لله، قد أيقنت بذلك، لأنى قد رأيت الصبي قد ناول اليوم مسكينا * كسرة، فعلمت أنه لا يصيبه بلاء في هذا النهار، للحديث: (إن الله يدفع عن العبد الميتة السوء بالصدقة يتصدق بها). قال وهب بن مسرة: لما ودعت محمد بن وضاح، قلت: أوصنى. فقال: أوصيك بتقوى الله تعالى، وبر الوالدين، وحزبك من القرآن، فلا تنسه، وفر من الناس، فإن الحسد من اثنين، والنميمة من اثنين، والواحد من هذا سليم. وألف كتاب العباد، وكتاب المقطعان، ورسالة السنة، وكتاب الصلاة في المعلمين، وكتاب النظر إلى الله. توفى ابن وضاح في المحرم، سنة سبع، وقيل في ذى الحجة سنة ست وثمانين ومائتين. وولد سنة تسع وتسعين ومائة، وقيل سنة مائتين. وكان قد شاخ وضعف آخر حاله، فدله الأطباء أن يروح نفسه، فكان يداعب ويضحك.

стр. 1294

زياد بن محمد بن زياد بن عبد الرحمان الجمحي حفيد شبطون سمع من يحيى وغيره، وعنى بطلب العلم وجمعه، وكان فاضلا ورعا. وكان مرشحا لقضاء قرطبة، وأشار الوزراء على المنذر الأمير بولايته، فشاور بقى بن مخلد فيه، فقال: نعم الحدث! فسأله: من ترى؟ فأشار بعامر بن معاوية. توفى في رجب سنة ثلاث وسبعين ومائتين. وهب بن نافع الأسدي من أهل قرطبة. رحل إلى المشرق، ودخل بغداد، فسمع بها وبمصر في رحلته عن جماعة، من سحنون، وأبى الطاهر، والحسن بن عرفة، والحزامي، ونصر بن علي الجهضمي، وعلى بن أبي ثابت، وأبي جعفر المسعري، وغيرهم. سمع منه ابن مسور، والأعناقى. وكان فقيها، وشوور في الأحكام. عبد الرحمان بن محمد بن أبي مريم يعرف بابن البغوي، روى عن يحيى بن يحيى، وابن حبيب، ونظرائهما، وكان فاضلا نزها خيرا. وتوفى سنة تسعين ومائتين. زكرياء بن يحيى بن عبيد الله بن عبد الرحمان الثقفي من أهل قرطبة، يعرف بابن الشامة.

стр. 1295

سمع من قاسم بن هلال وغيره، ورحل فسمع من محمد بن المصفى (٤١٠) بالشام، ومن سليمان بن الحكم بالعراق، وكان موصوفا بالعلم والفضل والورع. وتوفى سنة ست وسبعين ومائتين. وأبوه يحيى: يكنى أبا زكرياء، ويقال أبا بكر، من أهل العلم، يروى عن ابن مزين. أحمد بن زكرياء بن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمان بن الشامة كذا نسبه أبو سعيد، قرطبى. سمع ابن وضاح، وإبراهيم بن قاسم، وابن باز، والخشني، وغيرهم. وعاجلته المنية قبل لحاق طبقته التي تأتى، فمات في أول هذه المقدمة سنة ثمان وستين ومائتين. قال ابن دليم: وكان موصوفا بالفقه والحفظ. إبراهيم بن لبيب أبو إسحاق، يعرف بابن الحائك، قرطبى. يروى عن يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، وعبد الملك بن حبيب. وله رحلة، لقى فيها القعنبي، وابن بكير، وغيرهما. سمع منه أسلم القاضي، وعبد الله بن يونس، وإبراهيم بن باز، ومحمد بن قاسم، وغيرهم.

стр. 1296

إبراهيم بن محمد بن باز يعرف بابن القزاز، قرطبى، كنيته أبو إسحاق، كان فقيها عالما زاهدا ورعا. سمع من يحيى، وسعيد بن حسان، وأبي زيد بن عبد الرحمان، ورحل فسمع من يحيى بن بكير، وأبي الطاهر بن السرح، وأبي زيد بن أبي الغمر، وسحنون وغيرهم. وأخذ * القراءات عن عبد الصمد بن القاسم، سمع منه الناس. ذكر علمه وفضله كان فقيها عالما زاهدا ورعا، مقدما في الفتيا. قال ابن أبي دليم: كان فاضلا، زاهدا، حافظا للمذهب، متقنا له، ربما قرئت عليه المدونة والأسمعة ظاهرا، فيرد الواو والألف، وكان كثير الملازمة للرباط والثغر، وكان لا يدخل الحمام. قال ابن الحارث: فهم رأى مالك، وكان الغالب عليه الحفظ والزهد والانقباض. وقال ابن لبابة: لم يكن عنده من الفقه أكثر من الحفظ، دون فطنة، والمعرفة به. وذكر أحمد بن سعيد، أن يوسف بن مطروح، سمع منه جامع ابن وهب، وأتى بنفسه إليه ليقرأه عليه، فقال ابن باز: يا سيدي! كنت أمضى إليك لو بعثت في. لأنه كان من ثقة أشياخه. فقال له: لا، في بيته يؤتى الحكم. قال أبو عمر والمقرئ: كان حافظا للفقه، بصيرا بالحديث، مقرئا للقرآن، رأسا فيه.

стр. 1297

قال أبو عبد الملك بن عبد البر: قال ابن خالد: ما رأيت أزهد منه، ولا أوقر مجلسا، كان لا يذكر في مجلسه شيء من أمور الدنيا، إلا القرآن والعلم، لا يقدر أحد أن يتحدث في مجلسه، ولا يتبسم الناس في مجلسه، سواء أولاد الملوك وغيرهم، يقعد حيث انتهى به المجلس، شاهدته يوما وقد جاءه صاحب رسائل من قبل الأمير، يسأله في مسألة، فسلم، فرد الناس عليه ردا خفيفا، ثم وقف علينا لا يرفع إليه أحد رأسه، حتى جعل يقول: هنا أبو إسحاق؟ فجعلنا نشير إليه، ولا يجسر أحد منا ينطق. فلما رأى ذلك، قعد حتى فرغ المجلس، ثم قام متكئا على سيفه، وسأله عن مسألته، فرد عليه وانصرف. وكنا يوما عنده، ومعنا رجل من المعلمين، من الأخيار، فتحدث إلى رجل بجنبه، ثم تبسم، فنظر إليه أبو إسحاق، ثم قال: قم. فتوقف. فقال: والله لتقومن. فنزل، فكلمنا الشيخ وقلنا: رجل من أهل الخير. واعتذرنا عنه. فقام وأخرج طعاما كفر به عن يمينه، ثم أعاده إلى مجلسه. وكان لا يعرف أحدا من أهل الخطط، لانقباضه عنهم. وأدخله الأمير المنذر مرتين على نفسه لإشهاد، وضمه لتفريق صدقاته، فلما رأى أبو إسحاق انتشابه معه، خرج إلى الثغر خرجته التي مات فيها. قال بعض أصحابه: كنا نسمع عنده في غرفة له، إذ صعدت امرأة عجوز، تسأله أن يعينها في فداء ولد مأسور لها بيد العدو، فأمر لها الشيخ بكسرة خبز، وقال لها: انصرفى، فينطلق ابنك إن شاء الله - بعد أن سألها عن اسمه.

стр. 1298

ثم قصد بعد تمام المجلس، إلى رجل صالح، فأعلمه الخبر، وأفطر عنده، وباتا مجتهدين، يدعو أحدهما ويؤمن الآخر، في ظلمة الليل. فلما كان بعد شهر، ونحن قعود عنده في الغرفة، إذ صعدت تلك العجوز، ومعها فتى، فأخبرته أنه ابنها، وأنه قد انطلق. فسأله الشيخ عن أمره، فأخبره أنه كان يرعى للعلج غنما، فإذا كان الليل ضمه للمطمر وهو مكبول. قال: فبينا أنا نائم ليلة كذا - الليلة التي دعا فيها الشيخ له - انفتح كبلى، فخفت من العلج أن يظن بي أني حللته فيعاقبني. فلما أصبح عرفته، فأوثق الكبل، وزادني آخر. فلما كان الليلة الثانية ونمت، انتبهت وقد انفتح الكبلان. فضربت حائط المطمر، فأتى، فأعلمته، فأوثقهما وزاد ثالثا، ومضى إلى قوم كانوا * يسامرونه، فأعلمهم، فعجبوا. فنمت، فانحلت الكبول كلها، فأعلمته، فعجب ومن كان معه. وقصد إلى رجل كبير لهم، فأعلمه، فقال: أطلقه، أخشى أن تدور عليه دائرة، إن هذا من الله. فأطلقني، والحمد لله. قال أحمد بن عبد البر: روى عنه أحمد بن خالد، وابن أيمن، وأبو صالح، وابن ميسور، والأعناقى، في آخرين. قال ابن خالد: وكان متواضعا، يحرث بيده، ويحصد، وينقل الزبل، وكنا نقرأ عليه في فدادينه وأندره والطريق، وكان من أحفظ الناس للمدونة والمسائل، وأضبطهم لها، لم يطلب قط من سلطان ولا من أحد من أهل الدنيا شيئا حتى مات. وذكر ابن ميسور، أن العتبى سأله أن يكتب له شيئا من حديثه، ففعل، فلما كان بعد، أتاه العتبى وقال له: جئتك يا هذا على أحاديثك هذه لأرويها عنك.

стр. 1299

فقال له ابن باز: أنا كنت أحق أن أسير إلى دارك. قال: لا. فقرأها له. وقد ذكرنا مثل هذا له مع ابن مطروح. قال ابن حزم: كان يقرأ القرآن كيف تقلب، ماشيا، وقاعدا، وفى عمله، ويختمه مرتين في اليوم والليلة، ويعمل بيده في ضيعته، ويصلى ما بين العشاءين، وأكثر الليل، أو كله، وكان يقرأ القرآن وهو راقد قراءة مستقيمة. توفى ودفن بطليطلة، ليلة الخميس، لثمانية أيام مضين من شهر ربيع الآخر، من سنة أربع وسبعين ومائتين. قاسم بن محمد بن قاسم بن يسار مولى الوليد بن عبد الملك، أبو محمد، قرطبى. له رحلتان إلى المشرق، أقام في إحداهما اثنى عشر عاما، وفى الأخرى ستة أعوام. سمع في رحلته من محمد بن عبد الحكم، والمزني، ومحمد بن عبد الرحيم البرقى، وإبراهيم بن محمد الشافعي، والحارث بن مسكين، وأبى الطاهر، ويونس، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، والقاضي إسماعيل بن إسحاق، وحشيش بن أصرم، والربيع، وسحنون بن سعيد، وغيرهم. ولزم محمد بن عبد الحكم والمزنى للتفقه والمناظرة، حتى برع في الفقه، وذهب مذهب الحجة والنظر وعلم الاختلاف. قال ابن الفرضى: وكان يميل إلى مذهب الشافعي. قال: ولم يكن بالأندلس مثل قاسم في حسن النظر والتبصر بالحجة. قال أحمد بن خالد، ومحمد بن عمر بن لبابة: ما رأينا أفقه من قاسم من دخل الأندلس من أهل الرحل.

стр. 1300

وقال أسلم القاضي: قال لي محمد بن عبد الحكم: لم يقدم علينا من الأندلس أحد أعلم من قاسم، ولقد عاتبته في حين انصرافه إلى الأندلس، وقلت له: أقم عندنا، فإنك تعقد هاهنا رياسة، ويحتاج الناس إليك. فقال لي: لابد من الوطن. وقال بقى بن مخلد: قاسم أعلم من محمد بن عبد الحكم. وقال أحمد بن صالح الكوفي: قدم علينا - يعنى من الأندلس - قاسم بن محمد، فرأيته رجلا فقيها. وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يكن بالأندلس أفقه منه ومن أحمد بن خالد. وذكره ابن أبي دليم في طبقة المالكية فقال: كان يفتي بمذهب مالك. قال غيره: كان يتحفظ كثيرا من مخالفة المالكية. قال أحمد بن خالد: قلت له: أراك تفتى الناس بما لا تعتقد! هذا لا يحل لك. قال: إنما يسألوننى عن مذهب جرى في البلد، فعرفت، فأفتيتهم به، ولو سألوني عن مذهبي أخبرتهم به. قال غيره: وكان قاسم إذا عير بميله إلى الحديث تمثل "وتلك شكاة ظاهر عنك عارها". وكان فقيه الصدر، جيد القريحة، قيما بالمناظرة، حافظا بالشروط، أديبا، شاعرا محسنا. مرسلا محسنا، بليغا. قال أبو عبد الملك: كان له بصر بالحديث والفقه والوثائق والحجة، وكان فقهه على النظر وترك التقليد، من أهل النقل والعقل، ومروة النفس، والذكاء، متواضعا، فاضلا، صاحب رياسة، وتولى تفريق الصدقة أيام محمد بن المنذر، وعبد الله، إلى أن توفى، ولم يترك شيئا.
следующие страницы →