← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

إبراهيم بن محمد بن باز يعرف بابن القزاز، قرطبى، كنيته أبو إسحاق، كان فقيها عالما زاهدا ورعا. سمع من يحيى، وسعيد بن حسان، وأبي زيد بن عبد الرحمان، ورحل فسمع من يحيى بن بكير، وأبي الطاهر بن السرح، وأبي زيد بن أبي الغمر، وسحنون وغيرهم. وأخذ * القراءات عن عبد الصمد بن القاسم، سمع منه الناس. ذكر علمه وفضله كان فقيها عالما زاهدا ورعا، مقدما في الفتيا. قال ابن أبي دليم: كان فاضلا، زاهدا، حافظا للمذهب، متقنا له، ربما قرئت عليه المدونة والأسمعة ظاهرا، فيرد الواو والألف، وكان كثير الملازمة للرباط والثغر، وكان لا يدخل الحمام. قال ابن الحارث: فهم رأى مالك، وكان الغالب عليه الحفظ والزهد والانقباض. وقال ابن لبابة: لم يكن عنده من الفقه أكثر من الحفظ، دون فطنة، والمعرفة به. وذكر أحمد بن سعيد، أن يوسف بن مطروح، سمع منه جامع ابن وهب، وأتى بنفسه إليه ليقرأه عليه، فقال ابن باز: يا سيدي! كنت أمضى إليك لو بعثت في. لأنه كان من ثقة أشياخه. فقال له: لا، في بيته يؤتى الحكم. قال أبو عمر والمقرئ: كان حافظا للفقه، بصيرا بالحديث، مقرئا للقرآن، رأسا فيه.

стр. 1297

قال أبو عبد الملك بن عبد البر: قال ابن خالد: ما رأيت أزهد منه، ولا أوقر مجلسا، كان لا يذكر في مجلسه شيء من أمور الدنيا، إلا القرآن والعلم، لا يقدر أحد أن يتحدث في مجلسه، ولا يتبسم الناس في مجلسه، سواء أولاد الملوك وغيرهم، يقعد حيث انتهى به المجلس، شاهدته يوما وقد جاءه صاحب رسائل من قبل الأمير، يسأله في مسألة، فسلم، فرد الناس عليه ردا خفيفا، ثم وقف علينا لا يرفع إليه أحد رأسه، حتى جعل يقول: هنا أبو إسحاق؟ فجعلنا نشير إليه، ولا يجسر أحد منا ينطق. فلما رأى ذلك، قعد حتى فرغ المجلس، ثم قام متكئا على سيفه، وسأله عن مسألته، فرد عليه وانصرف. وكنا يوما عنده، ومعنا رجل من المعلمين، من الأخيار، فتحدث إلى رجل بجنبه، ثم تبسم، فنظر إليه أبو إسحاق، ثم قال: قم. فتوقف. فقال: والله لتقومن. فنزل، فكلمنا الشيخ وقلنا: رجل من أهل الخير. واعتذرنا عنه. فقام وأخرج طعاما كفر به عن يمينه، ثم أعاده إلى مجلسه. وكان لا يعرف أحدا من أهل الخطط، لانقباضه عنهم. وأدخله الأمير المنذر مرتين على نفسه لإشهاد، وضمه لتفريق صدقاته، فلما رأى أبو إسحاق انتشابه معه، خرج إلى الثغر خرجته التي مات فيها. قال بعض أصحابه: كنا نسمع عنده في غرفة له، إذ صعدت امرأة عجوز، تسأله أن يعينها في فداء ولد مأسور لها بيد العدو، فأمر لها الشيخ بكسرة خبز، وقال لها: انصرفى، فينطلق ابنك إن شاء الله - بعد أن سألها عن اسمه.

стр. 1298

ثم قصد بعد تمام المجلس، إلى رجل صالح، فأعلمه الخبر، وأفطر عنده، وباتا مجتهدين، يدعو أحدهما ويؤمن الآخر، في ظلمة الليل. فلما كان بعد شهر، ونحن قعود عنده في الغرفة، إذ صعدت تلك العجوز، ومعها فتى، فأخبرته أنه ابنها، وأنه قد انطلق. فسأله الشيخ عن أمره، فأخبره أنه كان يرعى للعلج غنما، فإذا كان الليل ضمه للمطمر وهو مكبول. قال: فبينا أنا نائم ليلة كذا - الليلة التي دعا فيها الشيخ له - انفتح كبلى، فخفت من العلج أن يظن بي أني حللته فيعاقبني. فلما أصبح عرفته، فأوثق الكبل، وزادني آخر. فلما كان الليلة الثانية ونمت، انتبهت وقد انفتح الكبلان. فضربت حائط المطمر، فأتى، فأعلمته، فأوثقهما وزاد ثالثا، ومضى إلى قوم كانوا * يسامرونه، فأعلمهم، فعجبوا. فنمت، فانحلت الكبول كلها، فأعلمته، فعجب ومن كان معه. وقصد إلى رجل كبير لهم، فأعلمه، فقال: أطلقه، أخشى أن تدور عليه دائرة، إن هذا من الله. فأطلقني، والحمد لله. قال أحمد بن عبد البر: روى عنه أحمد بن خالد، وابن أيمن، وأبو صالح، وابن ميسور، والأعناقى، في آخرين. قال ابن خالد: وكان متواضعا، يحرث بيده، ويحصد، وينقل الزبل، وكنا نقرأ عليه في فدادينه وأندره والطريق، وكان من أحفظ الناس للمدونة والمسائل، وأضبطهم لها، لم يطلب قط من سلطان ولا من أحد من أهل الدنيا شيئا حتى مات. وذكر ابن ميسور، أن العتبى سأله أن يكتب له شيئا من حديثه، ففعل، فلما كان بعد، أتاه العتبى وقال له: جئتك يا هذا على أحاديثك هذه لأرويها عنك.

стр. 1299

فقال له ابن باز: أنا كنت أحق أن أسير إلى دارك. قال: لا. فقرأها له. وقد ذكرنا مثل هذا له مع ابن مطروح. قال ابن حزم: كان يقرأ القرآن كيف تقلب، ماشيا، وقاعدا، وفى عمله، ويختمه مرتين في اليوم والليلة، ويعمل بيده في ضيعته، ويصلى ما بين العشاءين، وأكثر الليل، أو كله، وكان يقرأ القرآن وهو راقد قراءة مستقيمة. توفى ودفن بطليطلة، ليلة الخميس، لثمانية أيام مضين من شهر ربيع الآخر، من سنة أربع وسبعين ومائتين. قاسم بن محمد بن قاسم بن يسار مولى الوليد بن عبد الملك، أبو محمد، قرطبى. له رحلتان إلى المشرق، أقام في إحداهما اثنى عشر عاما، وفى الأخرى ستة أعوام. سمع في رحلته من محمد بن عبد الحكم، والمزني، ومحمد بن عبد الرحيم البرقى، وإبراهيم بن محمد الشافعي، والحارث بن مسكين، وأبى الطاهر، ويونس، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، والقاضي إسماعيل بن إسحاق، وحشيش بن أصرم، والربيع، وسحنون بن سعيد، وغيرهم. ولزم محمد بن عبد الحكم والمزنى للتفقه والمناظرة، حتى برع في الفقه، وذهب مذهب الحجة والنظر وعلم الاختلاف. قال ابن الفرضى: وكان يميل إلى مذهب الشافعي. قال: ولم يكن بالأندلس مثل قاسم في حسن النظر والتبصر بالحجة. قال أحمد بن خالد، ومحمد بن عمر بن لبابة: ما رأينا أفقه من قاسم من دخل الأندلس من أهل الرحل.

стр. 1300

وقال أسلم القاضي: قال لي محمد بن عبد الحكم: لم يقدم علينا من الأندلس أحد أعلم من قاسم، ولقد عاتبته في حين انصرافه إلى الأندلس، وقلت له: أقم عندنا، فإنك تعقد هاهنا رياسة، ويحتاج الناس إليك. فقال لي: لابد من الوطن. وقال بقى بن مخلد: قاسم أعلم من محمد بن عبد الحكم. وقال أحمد بن صالح الكوفي: قدم علينا - يعنى من الأندلس - قاسم بن محمد، فرأيته رجلا فقيها. وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يكن بالأندلس أفقه منه ومن أحمد بن خالد. وذكره ابن أبي دليم في طبقة المالكية فقال: كان يفتي بمذهب مالك. قال غيره: كان يتحفظ كثيرا من مخالفة المالكية. قال أحمد بن خالد: قلت له: أراك تفتى الناس بما لا تعتقد! هذا لا يحل لك. قال: إنما يسألوننى عن مذهب جرى في البلد، فعرفت، فأفتيتهم به، ولو سألوني عن مذهبي أخبرتهم به. قال غيره: وكان قاسم إذا عير بميله إلى الحديث تمثل "وتلك شكاة ظاهر عنك عارها". وكان فقيه الصدر، جيد القريحة، قيما بالمناظرة، حافظا بالشروط، أديبا، شاعرا محسنا. مرسلا محسنا، بليغا. قال أبو عبد الملك: كان له بصر بالحديث والفقه والوثائق والحجة، وكان فقهه على النظر وترك التقليد، من أهل النقل والعقل، ومروة النفس، والذكاء، متواضعا، فاضلا، صاحب رياسة، وتولى تفريق الصدقة أيام محمد بن المنذر، وعبد الله، إلى أن توفى، ولم يترك شيئا.

стр. 1301

قال أحمد بن سعيد: كان أحمد بن خالد، والأعناقى، وابن لبابة، وابن الزراد، وجميع شيوخنا، يصفونه بالفقه والنظر والعلم والورع، ويثنون عليه الثناء العجيب. وألف قاسم كتابا في الرد على ابن مزين، والعتبى، وعبد الله بن خالد، سماه (الرد على المقلدة). وألف كتابا آخر في خبر الواحد. وكان يلى وثائق الأمير محمد، وورث هذه الخطة بنوه بعده. روى عنه ابنه محمد، ومحمد ابن عمر بن لبابة، وسعيد بن عثمان الأعناقي، وأحمد بن خالد، ومحمد بن أيمن، وابن الزراد وغيرهم. قال الرازي: وتوفى قاسم أول سنة ست وسبعين ومائتين، وعلى ما ذكر ابن حارث، سنة ثمان وسبعين ومائتين، وعلى ما ذكره ابن عبد البر: أول سنة تسع وتسعين. محمد بن عبد الرحمان بن إبراهيم بن محمد بن قيس مولى عبد الرحمان بن معاوية، قرطبى، يكنى أبا سعيد. روى بالأندلس عن يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، وابن حبيب، وزونان، وحاتم بن سليمان، وداود بن جعفر. ورحل إلى المشرق، فسمع بمكة من عبد العزيز بن يحيى، ويعقوب بن كاسب، وغيرهما، وبالمدينة من أبي المصعب الزهرى، وإبراهيم بن المنذر الجذامى، وبمصر من يحيى بن بكير، وعمرو بن خالد، ويوسف بن عدى، وبكر بن إسماعيل، وأحمد بن عبد الرحيم البرقى، وبأفريقية من سحنون بن سعيد، وعون بن يوسف، ويحيى بن سليمان وغيرهم. وكان نبيلا بصيرا بالنحو واللغة والشعر، سمع منه الناس، وكان شاعرا ثقة صالحا.

стр. 1302

قال ابن أبي دليم: كان له بصر بالوثائق، ونفاذ في معانيها، وعلم بالفقه واللغة، وكان مشاورا في الأحكام، ذا زهد وورع وفضل وعفة وانقباض عن السلطان وأصحابه. ومن قوله في وصف حاله: يقصر بي عن خطة الفقهاء … تقلص سربا لي ورث ردائي وأن ليس لي في البيت كيس دراهم … أتيه به يوما على نظرائي وأن مطاياهم خلاف مطيتى … وسرجي إذا واكفتهم وغنائى خلاف سروج يمتطون وخلفهم … عبيد لهم من خيرة الوصفاء يقولون لي لو كنت تفعل مثلما … نحاوله من خدمة الوزراء وصاحبتهم في كل يوم مراكبا … لهم كنت معدودا من النجباء فقلت ذروني أن في قناعة … ولله تأميلي وفيه رجاءى إذا كان لي قوت من البر دائم … أرد به جوعى وجرعة ماء فكل نعيم بعده لا أريده … إذا كنت أبغى خطة بريائى وتوفى في ذى القعدة سنة اثنين وثمانين ومائتين. عامر بن معاوية بن عبد السلام بن زياد ابن عبد الرحمان بن زهير بن ياسرة بن لودان، اللخمي، قرطبي، يكنى أبا معاوية، وأصله من رية. روى عن عبد الملك بن حبيب وغيره، ثم رحل إلى المشرق، فسمع من سحنون، ويحيى بن بكير، وأصبغ بن كاسب. واستقضاه الأمير المنذر ﵀، سنة ثلاث وسبعين، أشار به بقى بن مخلد، ولم يزل قاضيا وصاحب صلاة إلى أن توفى المنذر، وولى بعده عبد الله، فعزله. حدث عنه أحمد بن خالد، ومحمد بن ميسور، ومحمد بن أيمن بن الشامة.

стр. 1303

قال ابن أيمن: كان أبو معاوية من بني زياد، مسكنه برية، وقدم إلى قرطبة بسبب الفتنة، فأقام بها إلى أن ولى، وكان من أهل الرواية، لا بأس به، سمع منه، وكتب عنه، وكان أحمد بن خالد ومحمد بن ميسور يصفانه بالخير والفضل، غير أن أحمد يذكر أن فيه غفلة. قال: وسمعته يقول في بعض حديثه عن ابن بكير: (يافت) باثنتين. فأنكرناه، فقال: أمضوه. قلت لابن بكير: (يافت) بالتاء؟ قال: نعم من غدوه إلى الليل. قال ابن عبد البر: كان رجلا صالحا عالما، روى كثيرا، إلا أنه لم يكن من أهل الضبط والمعرفة بما روى، وولى الصلاة مع القضاء، وكانت في خطبته رقة تستميل القلوب، وكان مداره في شواره على بقى بن مخلد، وقد ولى قضاء كورة رية بلده، أيام الأمير محمد، وكانت به غفلة تخل به. ذكر ابن غالب الصفار، أنه واظب مجلسه في قضية "أيدون" الخصى، وتكرر، قال: فلا يزال يقول لي متى رآني: من أنت يرحمك الله؟ كما كان أول مرة، فأسمى له، وأتعرف، فإذا عاد سألني، كأن لم يعرفني. وذكر غيره، أن أبا معاوية قعد أول مجالسه في الجامع، فجاءه سليمان بن أسود، المعزول عن القضاء قبله، بديوانه، فسلمه إليه، وقال له: الحمد لله الذي جعل في أثرى مثلك. فلما أن قام سليمان، تلقاه رجل وقاح من قريش، ولببه برادئه، وقال: الحمد لله الذي جلا الظلمة وأخمد الجور بعزلك، أجبنى إلى القاضي. فرجع معه عامدا إليه، وقال له: أنا اليوم معزول، وأنت في الولاية، وما فعلت بي الآن فستكافى بمثله غدا.

стр. 1304

فامتعض له أبو معاوية، وصاح بالقرشي ودفعه عنه. سمع منه ابن خالد، وابن أيمن، وطبقتهما. وكانت وفاة عامر سنة سبع وسبعين ومائتين، إلى ثلاث سنين من عزله. سعيد بن الفرج أبو عثمان قرطبي، كان من علماء الناس، وشوور، وهو أخو الرشاس القسام، المنسوب إليه ذراع القسمة. سعيد بن يحيى بن إبراهيم بن مزين قرطبي، سمع من أبيه، ورحل حاجا. قال ابن أيمن: وبلغ مبلغ السؤدد في العلم، وأشركه الأمير محمد في الوثائق، مع قاسم بن محمد، ثم انفرد بها قاسم، وذلك أن سعيدا كتب عقد شراء شقص من حانوت فعثر الأمير محمد فيه على شيء، ونقط عليه نقطة علامة لإنكارها، وردها إلى قاسم بن محمد، فأصلحه، وأفرده بعد بذلك. وكان بمصر أخذ في الإزراء على الشافعي، فقيم عليه، حتى خلصه الربيع المؤذن من الشافعية. وتوفى سنة ست وسبعين ومائتين، وقيل ثلاث وسبعين. حسين بن يحيى أخوه سمع من أبيه، وكان عالما بالرأى، فقيها، مقدما، قاله ابن الفرضي وابن حارث وابن أبي دليم. وتوفى صدر أيام الأمير عبد الله.

стр. 1305

جعفر بن يحيى أخوهما سمع من أبيه، والخشني، وابن وضاح، وكان فقيها مقدما وجيها معدودا في العلماء. وتوفى سنة إحدى وتسعين. وكان سبب موته - فيما حكاه ابن حارث - أنه كان بينه وبين الحبيب بن زياد، قبل أن يلى القضاء شحناء، فلما ولى القضاء، أمر القومة، إذا جاء جعفر المقصورة ليصلى بها على عادته، أن يطبق الباب في وجهه، ويمنعه الدخول، ففعل ذلك، فمال جعفر إلى جانب المقصورة من خارج، فصلى بها، وانصرف إلى بيته، وقد عظم الأمر عليه، ومنعه الغداء والنوم، فقال: انه ظهر به يرقان، ومات الثالث. محمد بن سعيد الموثق المعروف بابن الملون قرطبي، يكنى أبا عبد الله. قال ابن أبي حليم: كان فقيها بمذهب مالك، حافظا له، ولم تكن له درجة في الرواية، وكان عالما بالوثائق، من أبصر الناس بها، له فيها تأليف حسن مشهور، وولى الشرطة والرد. قال ابن حارث: كان حسن الفطنة، لطيف الحيلة في أبوابها، ويشنع عليه التدليس فيما يعقده منها، فطلبه سليمان بن أسود القاضي، فخافه وتوارى عنه. قال ابن الفرضى: وروى عن يحيى بن يحيى وغيره من شيوخ الأندلس. قال الحميدى: وكان يفتى باستتابة الزنديق، وبذلك أشار بقى بن مخلد على الأمير عبد الله، ووافقه على ذلك ابن الملون، وخالفهما قاسم بن محمد، فأفتى على مذهب مالك ﵀، بقتله، دون استتابة. وتوفى صدر أيام عبد الله الأمير.

стр. 1306

أحمد بن مروان يعرف بابن الرصافي. قال أبو الوليد وغيره: سمع من يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، وابن حبيب، وكان كثير الجمع للحديث والرأى، حافظا لما روى من ذلك، هو الذي ألف المستخرجة للعتبى. وقال ابن أبي دليم: هو الذي أعان العتبى على تأليف المستخرجة. وتوفى سنة ست وثمانين ومائتين. عبادة بن علكدة ابن نوح، بن اليسع، بن محمد، بن اليسع، بن شعيب، بن جهم، ابن عبادة، الرعيني، أبو الحسن، قرطبى. سمع من محمد بن يوسف بن مطروح، وأبي زيد الجوزي، وسمع أيضا من محمد بن وضاح، ورحل فسمع من سحنون وغيره، وكان متقنا، حسن السمت والخلق. قال أحمد: كان شيخا خيارا، وكان يذهب مذهب الرأى والمسائل. توفى سنة اثنين وثمانين ومائتين. وكان أبوه علكدة قد طلب العلم، ورحل، فسمع من ابن وهب، وابن القاسم، وسحنون بن سعيد، وعاجلته المنية بالأندلس قبل أن يؤخذ عنه. توفى في سجن قرطبة، سنة سبع وثلاثين ومائتين. يحيى بن راشد قرطبي، كنيته أبو بكر. سمع من عبد الملك بن حبيب، وأبان بن عيسى، وأبي زيد بن إبراهيم، والعتبى، وكان معتنيا بالعلم، جامعا له، حافظا للمسائل، عاقدا للوثائق، مع ورع وزهد.

стр. 1307

قد روى عنه ابن لبابة، وخلف بعده على زوجته، فصارت عنده كتبه، وسمع فيها. عمر بن قردم قرطبي، راوية العتبى، وكثير من أصحابه. وكان حافظا للمسائل، واعتبطته المنية قبل طبقته. عبد الرحمان بن معاوية طرطوشي، أبو المطرف. قال ابن الفرضى: كان فقيها نبيلا، حدث، وأثنى عليه العابدي، قتله الروم سنة ثمان وثمانين، وقيل سبع وثمانين، ببلاد بنيلونة. موسى بن أحمد بن لب الثقف أبو عمران، ألبيرى. سمع بقرطبة من العتبى، وابن مزين، وابن وضاح، والخشني وغيرهم. ورحل فسمع من ابن عبد الحكم وابن أخى ابن وهب، ويونس، وإبراهيم بن مرزوق، وأحمد بن صالح الكوفي، وجماعة، وكان موصوفا بالفقه. وتوفى حدثا سنة سبعين ومائتين. هرمة بن سماك سكن بادية ألبيرة، من أهل العلم والورع والزهد، غلب عليه الرأى والزهد والانقباض. توفى سنة سبعين ومائتين.

стр. 1308

حامد بن أخطل بن أبي العريض التغلبي أبو الخضر، اللبيرى. سمع العتبى، وابن مزين، وابن وضاح، وابن نمير، وبقى بن مخلد. ورحل فسمع من ابن عبد الحكم، ويونس، وغيرهما، وأكثر، وكان ورعا فاضلا، زاهدا حافظا للفقه. سمع منه سعيد بن فحلون وغيره. ورحل إلى المشرق رحلة ثانية، توفى فيها سنة ثمانين ومائتين. هاشم اللخمي جياني، رحل فلقى سحنون وغيره، وكان من فقهاء بلده، ذكره ابن حارث. طوق بن عمر بن شبيب التغلبي جياني، قال خالد: كان معتنيا بالعلم، سمع ببلده، ورحل فسمع يحيى بن عمر، وكان من أهل الحفظ للمذهب، والتفسير للأثر، وله فضل وورع. توفى سنة خمس وثمانين. محمد بن إدريس بن أبي سفيان الأنصاري من أهل جيان، سكن قرطبة، وسمع من يحيى بن يحيى، ورحل فسمع من سحنون بالقيروان، وبالبصرة من العباس بن الوليد القريشي، وعبد الأعلى بن حماد، ومحمد بن عبيد بن حبيب، صاحب حماد بن زيد، وغيرهم. وكان رجلا صالحا، روى عنه الأعناقي، وقال: كان ثقة. وتوفى بجيان سنة خمس وسبعين.

стр. 1309

يحيى بن أيوب بن خالد بن حيان ابن خطاب بن مقسم الزهرى، مولى لهم، وأصله من البربر، من أهل جيان. سمع من سحنون وغيره، وكان عالما بالرأى، متفننا، حاذقا بالكلام في المسائل، عاقدا للشروط، وألف في ذلك كتابا، وكان كثير الحكاية عن سحنون. يروى عنه ابنه محمد. قال يحيى: كنت عند قاضى جيان، المؤمل بن رجاء، إذ شهد عنده رجل في علقة، أنها لفلان. فقال المشهود عليه: سله كم زيتونة فيها يا قاض. فقال الشاهد: لا أدرى. فسألني القاضي: أتجوز شهادته، ولا يدرى كم عددها؟ قلت: نعم، تجوز، وأنت تحكم في هذا المسجد منذ كذا وكذا، ولا تدرى كم سارية فيه. وهذا معنى قديم، يذكر عن بعض قضاة الشاميين أيضا. فرح بن زرقون من فقهاء حاضرة جيان. قال ابن الفرضى: كان رجلا صالحا ضابطا حافظا للرأى والمسائل. مطرف بن عبد الرحمان جياني، أبو القاسم. كان حافظا للمسائل، فقيها ببلده، وله رواية، ورحلة سمع فيها من محمد بن عبد الحكم، وأخيه سعد، والمزني.

стр. 1310

رحل إليه من قرطبة محمد بن قاسم بن محمد، وسمع منه، وكان يثنى عليه. قاسم بن هارون بن رفاعة بن ثعلبة جياني، كان فقيها بحاضرة جيان، وحج. * وتوفي في أول ولاية الأمير عبد الله. وفي كتاب محمد بن أحمد بن مفرح: قاسم بن هارون بن رفاعة، ابن مفلت، بن سيف، بن عبد الله، بن نمر، مولى قيس جياني، سمع من أبي مخلد، والخشني، ورحل إلى المشرق، ثم انصرف، فقتل في داره أخريات أيام الأمير محمد. فالله أعلم أهو هو أو غيره. قال: وكان فقيها فاضلا. وذكر ابن أبي دليم مثل ما ذكر ابن مفرح. وقال: سمع بجيان، وجمع الكتب، ورحل فسمع كثيرا، توفي قرب الثلاثمائة. وذكر أخاه نمرا، وسيأتي ذكره بعد هذه الطبقة. عيسى بن محمد بن عبد الرحمان بن دينار أبو محمد، يروي عن أبيه، وابن مزين، والعتبى، وابن مطروح، وأبان بن عيسى، والمغامي، وابن وضاح، ونمطهم. وله رحلات إلى الشرق، وآخرها مع أبيه، فسمع من ابن عبد الحكم، ويونس بن عبد الأعلى، والربيعين، ومحمد بن سحنون، وابن أخي ابن وهب، ومحمد بن يزيد المقري، ومحمد بن عبد الله البرقي. وكان صاحب مسائل، وحفظ الرأي، لا يخلط به غيره. وتوفي في رمضان سنة ست وثلاثمائة. مولده سنة أربع وثلاثين ومائتين.

стр. 1311

أخوه عبد الواحد بن محمد سمع من أبيه وأخيه، وله معهما رحلة إلى المشرق، فشاركهما في كثير من رجالهما، ثم رحل منفردا، ودخل العراق، وسمع كثيرا، وحفظ، وفقه، وبلغ مبلغ أكابر بيته. محمد بن زكرياء بن قطام طليطلي، سمع ابن مزين، وابن وضاح. وكان من أهل العلم والفتوى، وعليه مدار بلده في أحكامهم، وولي قضاءهم بعد أبيه، والصلاة بهم، إلى أن مات سنة ست وتسعين ومائتين. أخوه يوسف بن زكرياء بن قطام سمع بقيا، وابن باز، وابن وضاح. وكان من أهل الحفظ والتقنن المنزوع إلى الأثر، وغلب عليه الأثر. وهو متأخر عن هذه الطبقة. جابر بن نادر طليطلي، يروي عن ابن مزين ونظرائه، وكان صاحب فتيا ومسائل مات بقرب ثلاثمائة. محمد بن فارة طليطلي، سمع من قاسم بن محمد، وابن وضاح، وابن القزاز، والخشني. ذكره ابن أبي دليم في هذه الطبقة. وقال الفرضي: غلب عليه القرآن والزهد، وقرئ عليه. توفي سنة خمس وثمانين ومائتين.

стр. 1312

محمد بن أبي مغيث طليطلي، سمع ابن وضاح، وابن باز، وغيرهم، ورحل فسمع كثيرا. وتوفي سنة خمس وثمانين. عبد الله بن علقمة طليطلي، سمع من عمرو بن زيد، ورجال بلده، واعتنى بالفقه وحفظ المسائل، وكان خيرا. توفي سنة ثمان وثمانين. محمد بن زيد الخرار طليطلي، سمع من ابن مزين، وكان فاضلا متدينا صاحب فتيا، ذكره ابن حارث. زقنون بن عبد الواحد طليطلي، سمع ابن مزين وغيره من أهل بلده، ولم يرحل. قال ابن أبي دليم: كان من أهل العلم، والجمع للكتب، والتفنن في المذهب، والورع، وولي القضاء، ثم استعفى، فعوفي. قال ابن حارث: كان صاحب فتيا ومسائل. توفي قريبا من سنة ثلاثمائة. إبراهيم بن عيسى بن برون النسائي من أهل طليطلة، أبو إسحاق. سمع من ابن مزين ونظرائه، وكان مفتيا في وقته، ذكره ابن الفرضي وابن حارث، وولي أبوه قضاء بلده. توفي سنة خمس وسبعين.

стр. 1313

وذكر ابن حارث في قضاة طليطلة: إبراهيم بن يحيى بن برون قال: وكان من أهل طليطلة. سمع من ابن أيمن، وابن خالد، والبياضي (٤١١)، وطبقته، وولي سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة. ولم يذكر هذا ابن الفرضي، وذكر هذا صاحب تاريخ طليطلة. وذكر أن له اختصارا للمدونة، وأنه كان يملي على كاتبه من نوعين مختلفين. وطلبه أهل طليطلة حتى عزل عن قضائهم. ثم سجل قاسم بن أرفع رأسه بسخطته، وخاطب بها الحكم المستنصر، فأمر بنقض أحكامه، فسار إلى قرطبة، فيقال: أنه اختلط، ووجد ميتا في بعض مساجدها. وقيل: إن أهل طليطلة قتلوه وأحرقوه بالنار. ولم يصح هذا. محمد بن ميمون طليطلي، روى عن مشيخة الأندلس، وكان صاحب فتيا. مات سنة خمس وثلاثمائة. عبد السلام بن وليد بن زيدون الصدفي طيلطلي، يكنى أبا المغيث، كان فقيها حافظا. توفي سنة ست وسبعين ومائتين.

стр. 1314

فرج بن عبد الله يعرف بالخراساني، من أهل طليطلة، كان موصوفا بالعلم. وتوفي سنة خمس وتسعين ومائتين. عمر بن زيد بن عبد الرحمان أبو حفص، قال ابن حارث: كان صاحب رواية وفتيا، ورحل فسمع من سحنون وأصبغ ونظرائهما. عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم طيلطلي، من أصحاب ابن مزين وطبقتهم، وكان مفتيا. مات قريبا من ثلاثمائة، قاله ابن حارث. محمد بن عميرة العتقي من أهل تدمير، ومن بيت علم وجلالة بها، تقدم نسبهم، يكنى أبا مروان. روى عن يحيى بن يحيى، وعبد الملك بن حبيب. ورحل فسمع من ابن بكير، وأبي المصعب، وأصبغ، وسحنون، وكان حجة مع ابن حبيب. وتوفي سنة ست وسبعين. * * * ومن بيته في هذه الطبقة سوى من تقدم في طبقة قبل هذه: صباح بن عبد الرحمان بن الفضل بن عميرة العتقي تدميرى، يكنى أبا الفضل، تقدم ذكر أبيه وجده في الطبقة الأولى. روى عن يحيى بن يحيى، وزونان، وابن حبيب وغيرهم.

стр. 1315

وحج مع أبيه، فلقي بالقيروان سحنون، ولقى يحيى بن بكير، وأبا مصعب الزهري، وأصبغ بن الفرج، وأقام عنده زمانا، وكان يرحل إليه ببلده للسماع منه والتفقه. سمع منه حفص بن محمد بن حفص، وغيره. وعمر طويلا، توفي وهو ابن مائة سنة وثمانية عشرة عاما، وتوفي لعشر مضين من محرم، أربع وتسعين ومائتين، ذكر هذا ابن الفرضي. وقال ابن أبي دليم: توفي فجأة، وسنه سبع وتسعون سنة. عميرة بن الفضل بن الفضل كنيته أبو الفضل. سمع من أبي الفضل ابن عمه، ومن محمد بن عبد الحكم، وعلي بن عبد العزيز، وغيرهما، واعتنى بالمذهب، وتوفي سنة أربع وثمانين ومائتين. أخوه عبد الرحمان بن الفضل بن الفضل بن عميرة أبو المطرف، سمع أباه، وعبد الله بن يحيى، ولقي حماس بن مروان. وتوفي منصرفه من الحج، سنة أربع وتسعين ومائتين. عميرة بن عبد الرحمان بن مروان العتقي أبو الفضل، يروى عن أصبغ وسحنون. قال ابن أبي دليم: وكان من العلماء. ذكره ابن أبي دليم في هذه الطبقة. وكذا نسبه أبو سعيد في تاريخ المغاربة، ولعله وهم. والأشبه به أنه أراد عميرة بن محمد بن مروان بن خطاب بن عبد الجبار بن خطاب بن مروان بن زيد، مولى عبد الله بن مروان، وليس هذا بعتقي.

стр. 1316

رحل مع أبيه وأخيه محمد، فسمعوا المدونة من سحنون، وسمع من أصبغ. توفي سنة ثمان وثلاثين. * * * ومنهم: محمد بن هارون بن عبد الله بن عبد الرحمان بن الفضل بن عميرة أبو مروان، سمع بمصر من القراطيسي، وابن جميل، وبالقيروان من فرات. وتوفي بالأندلس سنة ست وثلاثمائة. متوكل بن يوسف أبو الأدهم، تدميري. سمع ابن عبد الحكم، وابن المواز، ويحيى بن عمر، وغيرهم، وبالأندلس من جماعة، وكان من أهل الفطنة، وتوفي بميورقة. يحيى بن خصيب من أهل سرقسطة، أبو زكرياء. قال ابن أبي دليم: من مشاهيرها في الفقه والعلم والفضل. قال أبو الوليد القاضي: كان له سماع، وكان بصيرا بالنحو. قال خالد: توفي سنة ست وثمانين. وقال الرازي: استشهد ابن الخصيب التطيلي سنة ثمان وتسعين، وكان أديبا نبيلا فقيها محدثا. فالله أعلم أهو ذاك أو آخر.

стр. 1317

إبراهيم بن نصر الجهيني أبو إسحاق، يعرف بابن أبرول، أصله من قرطبة، وسكن أبوه سرقسطة. ذكره ابن أبي دليم في الفقهاء، قال: وغلبت عليه الرواية. قال ابن الفرضي: رحل فسمع من أئمة المحدثين، محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، ومحمد بن إسماعيل الصائغ، ويونس بن عبد الأعلى، والحارث بن مسكين، ومحمد بن عبد الحكم، والمزني، وأبي الطاهر، وسليمان بن داود، والربيع بن سليمان، وغيرهم، كثيرا، وسمع بالعراق من بندار وغيره، وكان عالما بالحديث، بصيرا بعلله، حدث عنه ثابت بن حزم، وعثمان بن عبد الرحمان بن أبي زيد، وغيرهما، وكان ثقة، وتوفي بسرقسطة في ذي القعدة سنة سبع وثمانين. وله أخ اسمه محمد: شاركه في خلقه. محمد بن أسامة بن صخر الحجري أبو يحيى، سرقسطي، ذو عناية وجمع وحفظ ودين. سمع من العتبي، وعلي بن عبد العزيز، وسمع منه أحمد بن نصر، وأبو العرب، وغيرهما بالقيروان، كتب العتبي. قال أبو العرب: وكان ثقة حسن الضبط لكتبه. قال ابن أبي دليم، كان حافظا دينا، قتله عامل بلده، سنة سبع وثمانين. محمد بن أبي هاشم السرقسطي كان فقيها عالما، توفي سنة ثمان وثمانين.

стр. 1318

إبراهيم بن هارون بن سهل السرقسطي ذكره ابن أبي دليم، وقال: سمع بالأندلس، وولي قضاء بلده. قال ابن حارث: ولم يبلغني له رحلة إلى المشرق، وكان من أهل العلم والعناية والسماع، توفي سنة ست وتسعين. أحمد بن محمد بن عجلان وأخوه يحيى من أهل سرقسطة، تقدم ذكر أبيهم وبيتهم. قيل: لهما رحلة سمعا فيها من سحنون. قال ابن الفرضي: وكان أحمد فقيها، ويحيى مشهورا بالعلم والفضل، بصيرا بالفرض والحساب، وألف في ذلك تأليفا أخذه الناس عنه. قال ابن حارث: روى عنهما محمد بن تليد المعافري، وولي أحمد قضاء سرقسطة، وكان فقيها عالما. مهاجر بن زبيل أبو عبد الله السرقسطي ذكره أبو محمد القلعي، فقال: كان من أهل الخير والفضل. قال ابن الفرضي: كانت له رحلة وسماع. قال ابن أبي دليم: كانت له عناية بالعلم، وكان حافظا، وطال عمره، فرحل الناس إليه للسماع منه، وولي الشرطة بسرقسطة، وكان صاحبا لمحمد بن تليد، وتوفي وهو ابن مائة وخمس سنين. عمر بن مصعب بن قاسم ابن وهب بن عامر بن عمرو بن مصعب بن أبي عزيز بن عمير العبدري. قال ابن عبد البر: كان فقيها عالما، له رحلة.

стр. 1319

وقال أبو سعيد: عمر بن مصعب بن زرارة بن عمرو بن هاشم، العبدري، سرقسطي، فالله أعلم. محمد بن عوف العكي من أهل رية. قال ابن الفرضي: كان عالما بالمسائل، حافظا لها، ولاه الأمير محمد صلاة بلده، إلى أن مات، ولم تكن له رحلة. قال ابن أبي دليم: كان ذا سمت ووقار، عني بالرأي، وأخذ نفسه بحفظ المستخرجة، وكان يفتي بموضعه. قاسم بن حامد الأموي من أهل رية أيضا، أبو محمد، عليه كان مدار الفتيا في وقته ببلده، وعلى صاحبه محمد بن عوف. سمع من العتبي، وكان زاهدا ورعا ناسكا، مع الفقر والإقلال، وحبس كتبه، وكان جلها بخطه. قال ابن أبي دليم: كان من أهل الوجاهة والتقدم في الفقه، ولم يرحل، وعول على العتبي وابن مزين. حامد بن أبي طلة أشوني، كان مفتي موضعه، ويكنى بأبي محمد، وكانت له عناية بالعلم، وحج. عبد الله بن عمر بن الخطاب من الموالي، إشبيلي، وقيل من مسالمة أهل الذمة، وهو الذي قاله ابن الفرضي، وهو الصحيح. وجده خطاب بن أبي الخطاب، قاضي إشبيلية أيام الأمير عبد الرحمان بن الحكم.

стр. 1320

كان اسم أبى الخطاب، الحليس، فأسلم على يد أبي مسلم الأسدى، وبسببه رقى إلى ما رقى، وعداده في بني أسد، قاله كله ابن حارث. قال: وكان لخطاب حظه من فقه وعلم، فلما كتب سجله، استخشن الأمير اسم أبيه لعجمته، فقال يكتب: خطاب بن أبي الخطاب. وتوفى بإشبيلية، سنة سبع وثلاثين ومائتين. وكان له ابنان: محمد و عمر. ولي محمد قضاء شذونة وولى عمر أيضا القضاء بعد أبيه بمدة بإشبيلية، وهو أبو عبد الله هذا، وكان من الفقهاء، ذكره ابن أبي دليم. قال ابن الفرضى: سمع من العتبى، وبقى بن مخلد، وابن وضاح، ولزم بلده، فساد فيه، وملأه علما وبلاغة ولسانا، حتى شرفت به العرب، فلما حدثت فتنة العرب والموالي، قتل يومئذ، في سنة ست وسبعين ومائتين. محمد بن جنادة ابن عبد الله، بن أبى جنادة، يزيد بن عمرو الألهاني، إشبيلي، أبو عبد الله، كذا نسبه ابن الفرضى. وقال ابن حارث: محمد بن جنادة بن زيد بن عمر، من جند الشام الحمصيين، روى عن يحيى بن يحيى، وعثمان بن أيوب ونظرائهما، ورحل فسمع من الحارث، وأبى الطاهر، ويونس، وبنى عبد الحكم، وسلمة بن شبيب، وغيرهم، وعظم قدره ببلده، وكان يرحل إليه، مقدما في الفتوى. قال ابن حارث: كان من وجوه أهل العلم، والظهور والرياسة فيه، ورحل، ثم قدم من المشرق، فشرك أهل العلم في الرياسة بإشبيلية، ثم انفرد بالعلم* والرياسة بالكورة، حتى لقد كان إبراهيم بن حجاج، صاحب إشبيلية، يدخل عليه، فلا يتحرك لدخوله ولا خروجه.

стр. 1321

قال على بن أبى شيبة: وجه الأمير عبد الله، موسى بن محمد، والكلبي، ومحمد بن غالب الفقيه، إلى إبراهيم بن حجاج، فركبوا في بعض الأيام مع ابن حجاج، إلى ابن جنادة، ليشهدوه على ما عقدوه على ابن حجاج، فما تحرك له إذ رآه، ولقد أدنى الفقيه ابن غالب، وأقعده مع نفسه، لا غير، وافترق القوم، فقعدوا على مرافق في البيت، فلما انقضى مجلسهم وقاموا، قال لي: يا أبا على! قرب دوابهم واحملهم. فقال: يا موسى، الحمد لله الذي بقى للعلم مثل هذه البقية. فقال محمد بن غالب: والله ما نظرت إلى ابن جنادة قط، إلا تذكرت فتنة محمد بن عبد الحكم، وجلالته، وسنته. وكان الأمير محمد، ولى غلاما بأشبيلية، فأساء السيرة، فتحمل أهلها رافعين إليه، منهم ابن جنادة، فخرج إليهم فتى من قبل الأمير، يقول عنه لهم: ما رأينا في أهل كورنا أكذب منكم، تظلمتم من عاملنا (٤١٢) ولم يقم عندكم إلا أربعين يوما، فما عسى أن يفعل في هذه المدة؟ فقال ابن جنادة: قد نزل علينا المجوس ثلاثة أيام، ونحن نمنعهم عن أنفسنا ونحاربهم، فما بقى لنا سبد ولا لبد، فكيف بعدو مسلط لا نرفع إليه يدا، ولا نكلمه بلسان، أقام فيها أربعين يوما؟ فأوصل الفتى كلامه إلى الأمير، فقال: من تكلم؟ جماعتهم أو واحد منهم؟ فقال: واحد. فقال: اخرج فاعرفه، فإذا به ابن جنادة الفقيه، فأوصل ذلك الفتى إلى الأمير. فقال: صدق، ومن يأتى بهذا إلا فقيه؟ وعزل العامل.

стр. 1322

سمع منه محمد بن قاسم، وكان يوثقه، وأثنى عليه الباجي. وولى قضاء إشبيلية وقرمونة. قال ابن القوطية: وكان عظيم البركة والمنفعة في ولايته، سيما في أسباب الفتنة، من لطف الحيلة لأمراء كورته والسلطان. يقال انه تخلص من بنات المولدين في فتنة العرب والموالى، نحو ألف امرأة، وصانهم حتى أخرجهم إلى مأمنهم شيئا شيئا. وتوفى سنة خمس، ويقال ست، وتسعين. يزيد بن طلحة العبسي إشبيلي، أبو خالد، سمع من العتبي، وابن مزين والخشني، ومحمد بن عبد الله الغازي. قال ابن الفرضى: كان من جلة فقهاء أشبيلية، بصيرا باللغة والنحو والشعر، مشهورا بالبلاغة والحكاية، سمعت الباجى يثنى عليه، ويصفه بالعلم وجلالة القدر. عمر بن يوسف بن عمروس أبو حفص، إشبيلي الأصل، سكن سوسة بالقيروان. قال أبو العرب: كان صالحا ثبتا ثقة ضابطا لكتبه، سمع من يحيى بن عمر وغيره، وبمصر من محمد بن عبد الحكم، وأخيه سعد، وإبراهيم بن مرزوق، وابن عزيز، سمع منه الناس. وتوفى بسوسة، سنة تسعين ومائتين. غانم بن الحسن الرعيني الإشبيلي رحل فسمع ابن بكير وغيره، وكان فاضلا عابدا بصيرا بالآثار والفتيا. توفى قرب ثلاثمائة.

стр. 1323

إبراهيم بن عيسى المرادي أستجى، يروى عن العتبى، وابن مزين، وكان حافظا للفقه، بصيرا بالمذهب، طاهرا، حسن المذهب، رحل إلى قرطبة عند فتنة المولدين والعرب، فتوفى بها قرب الثلاثمائة. وابنه إسحاق ويكني بابي إبراهيم يروى عن العتبى أيضا،* وكان حافظا للرأى، وكان له بأستجة قدر عظيم في الفتيا والرياسة، وكان يحلق بجامعها. وتوفى بقرطبة في الفتنة. حسن بن شرحبيل من أهل بطليوس، أبو على، سمع بقرطبة وبلده، وكان جليلا فقيهًا، عالما، عليه مدار فتوى بلده، جامعا للكتب. توفى قرب الثلاثمائة. سعيد بن كرسلين سكن بطليوس، أبو عثمان، سمع بقرطبة من ابن وضاح، وابن باز، وأبي صالح، وكان شيخا فقيهًا فيه دعابة، وحلق بجامع بلده. توفى نحو الثلاثمائة. حفص بن عمر من أهل وادى الحجارة، سمع من ابن وضاح، وابن باز، وعبيد الله، وغيرهم، وكان معتنيا بالمذهب، حافظا له، مفتي بلده. توفى سنة ثمان وثمانين ومائتين. عامر بن موصل وقال الرازي: عامر بن موصول كذا هو بالصاد، وقال الحميدي: ابن مرسل.

стр. 1324

ويقال موصل بن إسماعيل بن عبد الله بن سليمان بن داود بن نافع الأصبحي، تطيلى، أبو مروان. سمع من يحيى بن عمر وغيره، وكان من أهل الزهد والحفظ للمذهب، وسماعه بالأندلس والمشرق كثير. توفى سنة إحدى وتسعين ومائتين. إسماعيل بن موصل أخوه أبو القاسم، من أهل الجمع للكتب، والعناية بالفقه، سمع من العتبى، وكانت له رحلة. وتوفى قبل الثلاثمائة. خالد بن أيوب أبو عبد السلام، من أهل وشقة، روى عن إبراهيم بن نصر السرقسطى وغيره، وكان من حفاظ المذهب المعتنين به، ومن أهل العلم بالمسائل. توفى صدر أيام الأمير عبد الله. فرج بن أبي الحزم وشقى، رحل فسمع من سحنون وغيره، وكان حافظا للمسائل، موصوفا بالعلم. إبراهيم بن عجنس بن أسباط الزبادي وشقى، حافظ للفقه، اختصر المدونة في عشرة أجزاء، وسهلها. قال ابن أبي دليم: وكان من مشاهير الفقهاء وأهل العلم والفهم، وله رحلة سمع فيها من يونس بمصر وغيره، وسمع من أبيه، وقد تقدم ذكره

стр. 1325

وتوفى سنة ثلاث وسبعين، أو أربع وسبعين، ومائتين، وقيل ست وسبعين. وسيأتي ذكر ابنيه. محمد بن سليمان بن محمد بن تليد المعافري وشقى، أبو عبد الله، وجده تليد مولى لرجل من معافر، ولد بسرقسطة. روى بقرطبة عن العتبى، وابن مطروح، وابن مزين، وعبد الله بن خالد، وأبي زيد. وسمع بسرقسطة من يحيى من يحيى وأحمد، ابنى محمد بن عجلان، ومن محمد بن الخشاب. ويروى عن يونس، وبنى عبد الحكم، وهارون الأيلى، وابن مرزوق، والربيعين، وأبى يحيى بن المغربي بمكة، وخشيش بن أصرم، وعلى بن عبد العزيز. وقيل أنه دخل العراق. وكان مفتى موضعه، واليه كانت الرحلة في وقته. قال ابن الفرضى: كان رجلا صالحا، ويذهب في الأشربة مذهب أهل العراق شديد العصبة للمولدين. قال ابن أبي دليم وابن حارث: كان رأس فقهاء الثغر، المتقدم فيهم، يقر له بذلك الجميع، ويقفون عند أمره، ولا يعدون فتياه. ولى قضاء سرقسطة، وقضاء وشقة، أيام ثلاثة من الأمراء: محمد، والمنذر، وعبد الله. قال ابن حارث: وكان من أهل العلم والرواية. وتوفى سنة خمس وتسعين، وقيل سنة ست.

стр. 1326

قال* الرازي وابن حارث: بوشقة، وقال غيرهما: بسرقسطة. وولى ابنه أحمد قضاء بلده، بعد أربع وثلاثمائة. محمد بن سلمة بن حنين بن قاسم الصدفي أبو عبد الله، تطيلى، كان حافظا للمسائل، أحد الأبدال، بعيد الصوت في الخبر جدا. سمع، ورحل، وشارك ابن وضاح في كثير من رجاله بالقيروان، ثم سمع منه بقرطبة، واستقضى ببلده، وكان يخاطب الأمراء، فلا يسود أحدا منهم، حدث عنه محمد بن نصر. هشام بن عمروس باجي، من أصحاب يحيى بن يحيى، وكان فقيهًا بموضعه. أحمد بن مدرك القلديني سمع من يحيى بن يحيى وغيره، وكان فقيهًا، بصيرا بالفتيا على مذهب المالكية، قاله ابن الفرضي. وسيأتي ذكر ابنه وحفيده إن شاء الله. انتهى الجزء الرابع من كتاب "ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" للقاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي، ويليه الجزء الخامس إن شاء الله.

стр. 1327

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على سيدنا محمد النبي المصطفى الأمين وعلى آله وصحابته أجمعين. وبعد، فبصدور الجزء الخامس من كتاب "ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" لمفخرة المغرب والإسلام القاضي عياض اليحصبي السبتي، تكون وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (مديرية الشؤون الإسلامية) قد قطعت شوطا مهما في أحياء جانب مشرق من جوانب التراث المغربي الإسلامي قياما برسالتها الفكرية والحضارية التي حدد معالمها رائد البعث الإسلامي مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله خدمة للثقافة العربية الإسلامية المعاصرة، وتيسيرا على الباحثين طلاب الدراسات الإسلامية العليا في المغرب وفى مختلف أقطار العالم العربي والإسلامي. ولا يخفى ما لموسوعة القاضي عياض ﵀ من قيمة علمية ومزية فكرية ومكانة رفيعة بين أمهات كتب الحديث والفقه والتراجم من حيث استيعابها ودقتها واستيفاؤها لشروط التأليف في هذا المجال وإيفاؤها بالغرض المتوخى من

стр. 1328

هذه المراجع الأمهات، التي تعتبر حجر الأساس في بناء الفكر والثقافة الإسلامية. وإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي أخذت على نفسها النهوض برسالة البعث الإسلامي في إطار الأصالة المغربية المؤمنة، ليشرفها أن تواصل عملها المثمر في هذا المضمار ممهدة السبيل أمام أجيالنا الصاعدة للاعتراف من مناهل العلوم الحديثية والإلمام بالإرث العلمي الشامخ الذي خلفه أجدادنا الرواد بناة الحضارة الإنسانية، مستلهمة العزم والاستمرار من التوجيهات المولوية السديدة. ولقد أصبح في ميسور جمهور العلماء والباحثين الاطلاع على صفحات مشرقة من سجل تراثنا الخالد بفضل الجهود المتوالية التي تبذلها الوزارة بمساعدة نخبة من الباحثين الكبار وهي تهدف - بالدرجة الأولى - إلى إقامة علاقة متينة بين الماضي المشرق والحاضر الناهض، على أساس المزج بين الأصالة والمعاصرة في إطار من الوعى بالذات والالتزام بالقيم والمقومات والأصول الجوهرية لثقافتنا وحضارتنا وفكرنا العربي الإسلامي. وفى هذا الإطار يدخل نشر كتاب "ترتيب المدارك" الذي يعكس العبقرية المغربية المبدعة التي فجرها دين الله الحق في قلوب المسلمين وأفكارهم. حفظ الله مولانا أمير المؤمنين وسدد خطاه، وأبقاه ذخرا للإسلام والمسلمين، إنه سميع مجيب. الشؤون الإسلامية

стр. 1329

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه طبقة رابعة قال الفقيه الامام القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي: ومنهم من كان بالمدينة المنورة: أبو الحسن بن المنتاب (١) واسمه عبد الله بن المنتاب بن الفضل بن أيوب البغدادي، ويعرف بالكراسى أيضا، هكذا كناه وسماه ونسبه القاضى وكيع، والسعدى، والضراب، وغيرهم. وكذا سماه الأبهري، وهو الصواب. وقال أبو القاسم الشافعي فيه: علي بن الحسن، وقال غيره: عبد الله بن الحسن. وقال الشيرازى (٢): أبو عبد الله محمد بن عبد الله. وكناه الباجى والأجذابي بأبي الحسين (٣).

стр. 1330

قاضى مدينة النبي ﷺ ، وعداده في البغداديين، من أصحاب القاضى اسماعيل، وبه تفقه، وله كتاب في مسائل الخلاف والحجة لمالك، نحو مائتى جزء. قال الشيرازي (٤): ولى قضاء المدينة من جهة المقتدر. قال أبو عبد الله الأجذابي: ولى قضاء مكة. وقال غيرهما: انه ولى قضاء الشام أيضا. قال أبو القاسم الشافعي: هو من شيوخ المالكيين الذين شاهدناهم، وفقهاء أصحاب مالك، وحذاقهم، ونظارهم، وحفاظهم، وأئمة مذهبهم. قال القاضى وكيع فى طبقات القضاة: ورد في الموسم من بغداد عبد الله بن المنتاب المالكي، على القضاء - يعنى قضاء المدينة - ثم خرج إلى العراق، واستخلف أحمد بن عبد الحكم بمكة. روى عنه أبو القاسم الشافعي، وأبو اسحاق بن شعبان، وغيرهما. * * * قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض ﵁: ومن أهل العراق وما وراءه من المشرق، وأكثر هذه الطبقة، بل كلها كبار أصحاب القاضي اسماعيل: فمنهم، ثم من ال حماد بن زيد، قاضي القضاة: أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب ابن اسماعيل بن حماد بن زيد (٥) أصله من البصرة، وسكن بغداد. سمع جده يعقوب بن اسماعيل

стр. 1331

وأحمد بن منصور الرمادي (٦)، وعمرو بن مرزوق، ومحمد بن اسحاق الصنعاني، وأبا عثمان المقرئ، ومحمد بن الوليد البسرى (٧)، والحسن بن أبي الربيع الجرجاني، وزيد بن أخزم (٨)، وعثمان بن هشام بن دلهم (٩)، وغيرهم، وتفقه بابن عم أبيه اسماعيل بن اسحاق. وروى عنه أبو الحسن الدارقطني، وأبو بكر الأبهرى، وأبو القاسم بن "حبابة، ويوسف بن عمر القواس، وجعفر بن محمد بن البهلول، وأبو على" (١٠) بن المؤذن المالكي. وعليه تفقه أبو جعفر الأبهرى وغيره، وكان يتناظر بين يديه أئمة المذهب (١١). * * * ذكر الثناء عليه: قال أبو الوليد الباجي: كان ثقة. قال أبو بكر الخطيب فى تاريخه (١٢): كان ثقة فاضلا، وحمل الناس عنه علما واسعا من الحديث وكتب الفقه التي صنفها اسماعيل، وقطعة من التفسير، وعمل مسندا كبيرا قرئ أكثره على الناس، ولم ير الناس ببغداد أحسن من مجلسه * لما حدث، وذلك أن العلماء، وأصحاب الحديث، كانوا يتجملون بحضور مجلسه، حتى انه كان يجلس للحديث وعن يمينه أبو القاسم بن منيع، وهو قريب في السن

стр. 1332

والاسناد من أبيه، وابن صاعد عن يساره، وأبو بكر النيسابورى بين يديه، وسائر الحفاظ حول سريره. وكان يذكر حديثا عن جده يعقوب، لقنه وهو ابن أربع سنين، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن الحسن: "لا بأس بالكحل للصائم". قال أبو عبد الله بن عرفة نفطويه فى تاريخه: أبو عمر لا نظير له فى الحكام (١٣)، عقلا، وحلما، وتمكنا، واستيفاء (١٤) للمعاني الكثيرة باللفظ اليسير، مع معرفة بأقدار الناس ومواضعهم، وحسن التأنى فى الأحكام، والحفظ لما يجرى على يديه. وقال طلحة بن محمد: اذا بالغنا في وصفه كنا إلى التقصير فيما نذكره من ذلك أقرب. ومن سعادة جده، أن المثل ضرب بعقله وحلمه، وانتشر على لسان الخطير والحقير ذكر فضله، حتى ان الانسان اذا بالغ في وصف رجل قال: "كأنه أبو عمر القاضى"، وإذا امتلأ غيظا قال: "لو أنى القاضي أبو عمر ما صبرت" سوى ما انضاف إلى ذلك من الجلالة والرياسة والصبر على المكاره، واحتماله لكل جريرة ان لحقته من عدوه، وغلط ان جرى من صديقه، وتعطفه بالاحسان إلى الكبير والصغير، واصطناع المعروف عند الدانى والقاصي، ومداراته للنظير والتابع، ولم يزل على ذلك يزداد طول الزمان جلالة ونبلا. قال القاضى (١٥) في كتابه: كان القاضي أبو عمر، ممن يباهي به الملك، ويحسن ببقائه الدهر، ويسر به المسلمون. وقال في موضع آخر: كان من زينة الزمان. قال أبو اسحاق الشيرازي (١٦) - وذكره في هذه الطبقة من أئمة المالكية - في تعريفه: كان حاجب القاضى اسماعيل أولا، ثم ولي القضاء بعده، ثم ولى بعده هو ابنه أبو الحسين، فكان يقال: اسماعيل

стр. 1333

بحاجبه، وأبو الحسين بأبيه، وأبو عمر بنفسه، فكان المدح في الجميع راجعا إلى أبي عمر. قال: والى اليوم، اذا رأى الناس ببغداد انسانا محتشما له أبهة، وجمال، وهيبة ووقار، قالوا: كأنه القاضى أبو عمر. * * * ذكر ولايته القضاء وشيء من سيرته ذكرنا أولا أنه كان حاجب اسماعيل القاضى، ابن عم أبيه، فلما مات القاضى اسماعيل - وقضاء بغداد بأجمعها له، ولم يجتمع لأحد قبله - قسم قضاء بغداد بعده، فولى ابن عمه يوسف بن يعقوب، والد أبي عمر، الجانب الشرقي، ثم بعد مديدة ولى مدينة المنصور ابنه أبو عمر. قال أبو جعفر الطبرى (١٧) وأبو عبد الله نفطويه: قلد القضاء أبو عمر بعد هذا المظالم والنظر فى الأمور، مجموعة له إلى قضاء المتصلة بها، والقضاء بين أهل قطربل (١٨)، وبزر جسابور، ومسكن والراذانين (١٩)، وجلس فى المسجد الجامع للحكم، ثم ولى أبو عمر بعد هذا المظالم والنظر فى الأمور، مجموعة له إلى قضاء مدينة السلام، ولم يجتمع ذلك لأحد قبله، الا لابن أبي داود، واستخلف على قضاء الجانب الشرقي، فكان يحكم فيه خلافة، وبمدينة المنصور رياسة، فلما مات أبو حازم الشافعى - وكان قاضيا على الكرخ - نقل أبو عمر اليه، فلم يزل على هذا إلى سنة ست وتسعين. وقام عبد الله بن المعتز، فكان ممن بايع له، فلما انقضى أمره، وظفر بابن * المعتز، وعاد المقتدر بحاله، استتر أبو عمر "وجرت عليه محنة عظيمة نذكرها بعد هذا، فصرفه السلطان عن القضاء جملة، وصرف بصرفه أبوه، فمات أبوه بقرب ذلك سنة سبع، وبقى أبو عمر (٢٠) "

стр. 1334

ملازما منزله إلى سنة احدى وثلاثمائة، فلما تقلد على بن عيسى بن الجراح الوزارة، أشار على المقتدر به، وعذره عنده، ووصفه بأن الملك يحسن بتوليته، فرضى عنه، وقلده الجانب الشرقي، والشرقية، وعدة نواح من السواد والشام والحرمين واليمن وغير ذلك. وقال الفرغانى: ان أول الرضى عنه كان سنة تسع وتسعين، وحينئذ ردت اليه أملاكه، وكتب عليها اسمه، ومحى عنها (٢١) اسم الصوافي (٢٢)، وخلع عليه، وركب فى جمع من القواد وأصحاب السلطان والعدول، فسار فى موكب عظيم، وبين يديه ابن مهران (٢٣) الوراق، ينادى عليه: ادعو الله لقاضينا العفيف، ويثني عليه. ثم أضيف إلى عمله أيام وزارة ابن الفرات الثانية، قضاء واسط، والبصرة وعملها، وصرفت اليه المظالم سنة ست وثلاثمائة، ثم قلده قضاء القضاة، ولم يله أحد من آله قبله، وذلك سنة احدى عشرة، فيما قاله الفرغاني. وقال غيره: سنة ثلاث عشرة (٢٤) وثلاثمائة. قال الفرغاني: فخلع عليه، وقلد قضاء القضاة، والجانبين، وركب ابنه أبو الحسين إلى الرصافة، فحكم فى جامعها، وخلف أباه على الحكم بالجانب الشرقى، فلم يزل متقلدا قضاء القضاة إلى أن مات. وكان السبب فى تقليده قضاء القضاة، أن القاهر لما قام على المقتدر، وخلع المقتدر الخلع الثانى، وكتب كتاب الخلع، سلم إلى القاضي أبي عمر، فكان عنده، فلما انحل أمر القاهر "ورجع المقتدر المرة الثانية إلى حاله، سلم اليه القاضى أبو عمر الكتاب الذي كان عنده" (٢٥). بخلعه، فراعى له ذلك. قال أبو اسحاق بن جابر القاضى: لما ولى أبو عمر القضاء، طمعنا أن نتبعه بالخطأ، لما كنا نعلم من قلة فهمه.

стр. 1335

قال القاضى: ولم أسمع من وصفه بهذا الوصف، سوى صاحب هذه الحكاية، ولعله كان فى مبتدأ أمره. قال: فكنا نستفتى فنقول: أمضوا إلى القاضى، ونراعى ما يحكم به، فيدافع عن الأحكام مدافعة أحسن من فصل الحكم على واجبه وألطف، ثم تجنبنا الفتاوى فى تلك القصص، فنخاف أن نخرج اذا لم نفت، فنفتى، فتعود الفتاوى اليه، فيحكم بما يفتى به الفقهاء، فما عثرنا عليه بخطأ. وتقدم اليه مرة ابن المنجم وابن النديم فى شيء كان بينهما، فقال له ابن المنجم: ان هذا يدل بخاصة له عند القاضي. فقال أبو عمر: ما أنكرها، وانها لنافعة له عندي، غير ضارة لك، ان كان الحق له كفيناه مؤونة اجترائه، وإن كان عليه أسلمناه اليك، من غير استدلال له. وذكر أقضى القضاة أبو القاسم الماوردى في أحكامه: أن ابراهيم ابن بطحاء كان محتسبا ببغداد، وأنه مر يوما على دار قاضي القضاة أبي عمر وقد ارتفع النهار، وقد كثر الخصم عند الدار ينتظرون خروجه، وقد حميت عليهم الشمس، فاستدعى حاجبه وقال: عرف القاضى بكثرة الخصم، وتأذيهم بطول الانتظار وارتفاع النهار، فيخرج اليهم يقضى بينهم، وإن كان عليه عذر، عرفهم، وكشف ما بهم من أذى، أو كما قال. * وفى أيام القاضى أبي عمر قتل الحلاج، والقاضي أبو عمر هو الذي أفتى بقتله، بعد تقريره على مذهبه، وقيام الشهادات عليه بالحاده، فضرب ألف سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، ثم طرح جسده وبه رمق من أعلى موضع ضربه إلى الارض، وأحرق بالنار. وفعل القاضي أبو الحسين، ابن القاضي أبي عمر أيام قضائه، بابن القراميد (٢٦) نحو هذا، وكان يذهب مذهب الحلاج.
следующие страницы →