وأحمد بن منصور الرمادي (٦)، وعمرو بن مرزوق، ومحمد بن اسحاق الصنعاني، وأبا عثمان المقرئ، ومحمد بن الوليد البسرى (٧)، والحسن بن أبي الربيع الجرجاني، وزيد بن أخزم (٨)، وعثمان بن هشام بن دلهم (٩)، وغيرهم، وتفقه بابن عم أبيه اسماعيل بن اسحاق.
وروى عنه أبو الحسن الدارقطني، وأبو بكر الأبهرى، وأبو القاسم بن "حبابة، ويوسف بن عمر القواس، وجعفر بن محمد بن البهلول، وأبو على" (١٠) بن المؤذن المالكي.
وعليه تفقه أبو جعفر الأبهرى وغيره، وكان يتناظر بين يديه أئمة المذهب (١١).
* * *
ذكر الثناء عليه:
قال أبو الوليد الباجي: كان ثقة.
قال أبو بكر الخطيب فى تاريخه (١٢): كان ثقة فاضلا، وحمل الناس عنه علما واسعا من الحديث وكتب الفقه التي صنفها اسماعيل، وقطعة من التفسير، وعمل مسندا كبيرا قرئ أكثره على الناس، ولم ير الناس ببغداد أحسن من مجلسه * لما حدث، وذلك أن العلماء، وأصحاب الحديث، كانوا يتجملون بحضور مجلسه، حتى انه كان يجلس للحديث وعن يمينه أبو القاسم بن منيع، وهو قريب في السن
стр. 1332
والاسناد من أبيه، وابن صاعد عن يساره، وأبو بكر النيسابورى بين يديه، وسائر الحفاظ حول سريره.
وكان يذكر حديثا عن جده يعقوب، لقنه وهو ابن أربع سنين، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن الحسن: "لا بأس بالكحل للصائم".
قال أبو عبد الله بن عرفة نفطويه فى تاريخه: أبو عمر لا نظير له فى الحكام (١٣)، عقلا، وحلما، وتمكنا، واستيفاء (١٤) للمعاني الكثيرة باللفظ اليسير، مع معرفة بأقدار الناس ومواضعهم، وحسن التأنى فى الأحكام، والحفظ لما يجرى على يديه.
وقال طلحة بن محمد: اذا بالغنا في وصفه كنا إلى التقصير فيما نذكره من ذلك أقرب.
ومن سعادة جده، أن المثل ضرب بعقله وحلمه، وانتشر على لسان الخطير والحقير ذكر فضله، حتى ان الانسان اذا بالغ في وصف رجل قال: "كأنه أبو عمر القاضى"، وإذا امتلأ غيظا قال: "لو أنى القاضي أبو عمر ما صبرت" سوى ما انضاف إلى ذلك من الجلالة والرياسة والصبر على المكاره، واحتماله لكل جريرة ان لحقته من عدوه، وغلط ان جرى من صديقه، وتعطفه بالاحسان إلى الكبير والصغير، واصطناع المعروف عند الدانى والقاصي، ومداراته للنظير والتابع، ولم يزل على ذلك يزداد طول الزمان جلالة ونبلا.
قال القاضى (١٥) في كتابه: كان القاضي أبو عمر، ممن يباهي به الملك، ويحسن ببقائه الدهر، ويسر به المسلمون. وقال في موضع آخر: كان من زينة الزمان.
قال أبو اسحاق الشيرازي (١٦) - وذكره في هذه الطبقة من أئمة المالكية - في تعريفه: كان حاجب القاضى اسماعيل أولا، ثم ولي القضاء بعده، ثم ولى بعده هو ابنه أبو الحسين، فكان يقال: اسماعيل
стр. 1333
بحاجبه، وأبو الحسين بأبيه، وأبو عمر بنفسه، فكان المدح في الجميع راجعا إلى أبي عمر.
قال: والى اليوم، اذا رأى الناس ببغداد انسانا محتشما له أبهة، وجمال، وهيبة ووقار، قالوا: كأنه القاضى أبو عمر.
* * *
ذكر ولايته القضاء وشيء من سيرته
ذكرنا أولا أنه كان حاجب اسماعيل القاضى، ابن عم أبيه، فلما مات القاضى اسماعيل - وقضاء بغداد بأجمعها له، ولم يجتمع لأحد قبله - قسم قضاء بغداد بعده، فولى ابن عمه يوسف بن يعقوب، والد أبي عمر، الجانب الشرقي، ثم بعد مديدة ولى مدينة المنصور ابنه أبو عمر.
قال أبو جعفر الطبرى (١٧) وأبو عبد الله نفطويه: قلد القضاء أبو عمر بعد هذا المظالم والنظر فى الأمور، مجموعة له إلى قضاء المتصلة بها، والقضاء بين أهل قطربل (١٨)، وبزر جسابور، ومسكن والراذانين (١٩)، وجلس فى المسجد الجامع للحكم، ثم ولى أبو عمر بعد هذا المظالم والنظر فى الأمور، مجموعة له إلى قضاء مدينة السلام، ولم يجتمع ذلك لأحد قبله، الا لابن أبي داود، واستخلف على قضاء الجانب الشرقي، فكان يحكم فيه خلافة، وبمدينة المنصور رياسة، فلما مات أبو حازم الشافعى - وكان قاضيا على الكرخ - نقل أبو عمر اليه، فلم يزل على هذا إلى سنة ست وتسعين.
وقام عبد الله بن المعتز، فكان ممن بايع له، فلما انقضى أمره، وظفر بابن * المعتز، وعاد المقتدر بحاله، استتر أبو عمر "وجرت عليه محنة عظيمة نذكرها بعد هذا، فصرفه السلطان عن القضاء جملة، وصرف بصرفه أبوه، فمات أبوه بقرب ذلك سنة سبع، وبقى أبو عمر (٢٠) "
стр. 1334
ملازما منزله إلى سنة احدى وثلاثمائة، فلما تقلد على بن عيسى بن الجراح الوزارة، أشار على المقتدر به، وعذره عنده، ووصفه بأن الملك يحسن بتوليته، فرضى عنه، وقلده الجانب الشرقي، والشرقية، وعدة نواح من السواد والشام والحرمين واليمن وغير ذلك.
وقال الفرغانى: ان أول الرضى عنه كان سنة تسع وتسعين، وحينئذ ردت اليه أملاكه، وكتب عليها اسمه، ومحى عنها (٢١) اسم الصوافي (٢٢)، وخلع عليه، وركب فى جمع من القواد وأصحاب السلطان والعدول، فسار فى موكب عظيم، وبين يديه ابن مهران (٢٣) الوراق، ينادى عليه: ادعو الله لقاضينا العفيف، ويثني عليه.
ثم أضيف إلى عمله أيام وزارة ابن الفرات الثانية، قضاء واسط، والبصرة وعملها، وصرفت اليه المظالم سنة ست وثلاثمائة، ثم قلده قضاء القضاة، ولم يله أحد من آله قبله، وذلك سنة احدى عشرة، فيما قاله الفرغاني. وقال غيره: سنة ثلاث عشرة (٢٤) وثلاثمائة.
قال الفرغاني: فخلع عليه، وقلد قضاء القضاة، والجانبين، وركب ابنه أبو الحسين إلى الرصافة، فحكم فى جامعها، وخلف أباه على الحكم بالجانب الشرقى، فلم يزل متقلدا قضاء القضاة إلى أن مات.
وكان السبب فى تقليده قضاء القضاة، أن القاهر لما قام على المقتدر، وخلع المقتدر الخلع الثانى، وكتب كتاب الخلع، سلم إلى القاضي أبي عمر، فكان عنده، فلما انحل أمر القاهر "ورجع المقتدر المرة الثانية إلى حاله، سلم اليه القاضى أبو عمر الكتاب الذي كان عنده" (٢٥). بخلعه، فراعى له ذلك.
قال أبو اسحاق بن جابر القاضى: لما ولى أبو عمر القضاء، طمعنا أن نتبعه بالخطأ، لما كنا نعلم من قلة فهمه.
стр. 1335
قال القاضى: ولم أسمع من وصفه بهذا الوصف، سوى صاحب هذه الحكاية، ولعله كان فى مبتدأ أمره.
قال: فكنا نستفتى فنقول: أمضوا إلى القاضى، ونراعى ما يحكم به، فيدافع عن الأحكام مدافعة أحسن من فصل الحكم على واجبه وألطف، ثم تجنبنا الفتاوى فى تلك القصص، فنخاف أن نخرج اذا لم نفت، فنفتى، فتعود الفتاوى اليه، فيحكم بما يفتى به الفقهاء، فما عثرنا عليه بخطأ.
وتقدم اليه مرة ابن المنجم وابن النديم فى شيء كان بينهما، فقال له ابن المنجم: ان هذا يدل بخاصة له عند القاضي.
فقال أبو عمر: ما أنكرها، وانها لنافعة له عندي، غير ضارة لك، ان كان الحق له كفيناه مؤونة اجترائه، وإن كان عليه أسلمناه اليك، من غير استدلال له.
وذكر أقضى القضاة أبو القاسم الماوردى في أحكامه: أن ابراهيم ابن بطحاء كان محتسبا ببغداد، وأنه مر يوما على دار قاضي القضاة أبي عمر وقد ارتفع النهار، وقد كثر الخصم عند الدار ينتظرون خروجه، وقد حميت عليهم الشمس، فاستدعى حاجبه وقال: عرف القاضى بكثرة الخصم، وتأذيهم بطول الانتظار وارتفاع النهار، فيخرج اليهم يقضى بينهم، وإن كان عليه عذر، عرفهم، وكشف ما بهم من أذى، أو كما قال.
* وفى أيام القاضى أبي عمر قتل الحلاج، والقاضي أبو عمر هو الذي أفتى بقتله، بعد تقريره على مذهبه، وقيام الشهادات عليه بالحاده، فضرب ألف سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، ثم طرح جسده وبه رمق من أعلى موضع ضربه إلى الارض، وأحرق بالنار.
وفعل القاضي أبو الحسين، ابن القاضي أبي عمر أيام قضائه، بابن القراميد (٢٦) نحو هذا، وكان يذهب مذهب الحلاج.
стр. 1336
ذكر جمل من أخباره
ذكر أبو بكر الخطيب (٢٧)، أن اسماعيل القاضي، كان يحب الاجتماع مع ابراهيم الحربي، فقيل لابراهيم: لو لقيته!
فقال: ما أقصد من له حاجب.
فقيل ذلك لاسماعيل، فنحى الحاجب عن بابه أياما، فذكر ذلك لابراهيم، فقصده، فلما دخل تلقاه أبو عمر، وكان بين يدى اسماعيل قائما، ولما نزع ابراهيم نعله، أمر أبو عمر غلاما له أن يرفعها في منديل معه، فلما طال المجلس بين اسماعيل وابراهيم، وجرى بينهما من العلم ما تعجب منه الحاضرون، وأراد ابراهيم القيام، تقدم أبو عمر الغلام أن يضع نعله بين يديه، من حيث يراها ابراهيم ملفوفة في المنديل، فقال ابراهيم لأبي عمر: رفع الله قدرك في الدنيا والآخرة.
فقيل أن أبا عمر رئى فى المنام - أي بعد موته - فقيل له: ما فعل الله بك؟
فقال: أدركتني دعوة الرجل الصالح ابراهيم، فغفر لى. أو نحو هذا.
قال بعضهم: دخلت على القاضي أبي عمر وبين يديه أبو نصر، ابن ابنه، وقد ترعرع، فقال لي: يا أبا بكر:
اذا الرجال ولدت أولادها … واضطربت من كبر أكبادها
وجعلت عللها تعتادها … فهى زروع قد دنا حصادها
فقلت: يبقى الله القاضي.
فقال: ثم ايش؟
قال الصولي: رفع صاحب الخبر بمجلس القاضي أبي عمر، إلى الراضى أمير المومنين رقعة يذكر فيها أن رجلا أحضر خصمه مجلس
стр. 1337
القاضى أبي عمر، يطلبه بمائة دينار، فألزم القاضي المدعى عليه اليمين اذا لم تكن للآخر بينة، فأخذ الخصم الدواة فكتب:
وانى لذو حلف فاجر … اذا ما اضطررت وفى الحال ضيق
وهل من جناح على معسر … يدافع بالله ما لا يطيق
فأمر القاضى باحضار مائة دينار، فدفعها عنه.
فعجب الراضى من أدب الرجل، وكرم القاضي، وأمرني بالركوب إلى القاضى، والبحث عن الرجل، فبحثت عنه أياما حتى وجدته، فجئت به اليه، فأمر له بألف دينار، وخمس خلع، ومركوب حسن، وملازمة دار السلطان، ثم قلده الأهواز.
وقال بعضهم: كنت بحضرة أبي عمر القاضي، في جماعة من شهوده وجلسائه الذين يأنس بهم، فأحضر ثوبا يمانيا، قيل في ثمنه خمسون دينارا، فاستحسنه كل من حضر المجلس، فقال: يا غلام! هات الفلانسي.
فجاء، فقال له: اقطع جميعه فلانس، واحمل إلى كل واحد من أصحابنا قلنسوة.
ثم التفت اليهم فقال: انكم استحسنتموه بأجمعكم، ولو استحسنه واحد وهبته له، فلما اشتركتم فى استحسانه، لم أجد طريقا إلى أن يجعل لكل واحد منكم شيء منه، الا بأن أجعله قلانس، فيأخذ كل واحد منكم واحدة منها.
وساير القاضى أبو عمر يوما، محمد بن داود الأصبهاني، ببغداد، فاذا بجارية تغنى من شعر محمد بن داود:
أشكو عليل فؤاد أنت متلفه … شكوى عليل إلى الف يعلله
* سقمي تزيد مع الايام كثرته … وأنت مع عظم ما ألقى تقلله
стр. 1338
الله حرم قتلى فى الهوى سفها … وأنت يا قاتلى ظلما تحلله
فقال ابن داود للقاضى: كيف السبيل إلى استرجاع هذا؟ فقال له: هيهات! سارت به الركبان.
والقاضي أبو عمر هو الذى غسل المعتضد عند موته، وصلى عليه أبوه يوسف، وغسل المكتفى وصلى عليه هو.
* * *
ذكر محنته ووفاته:
لما قام القواد على المقتدر القيمة الأولى، مع محمد بن داود الوزير، وقتلوا وزيره العباس بن الحسين، ووجه محمد بن داود إلى القاضى أبي عمر، وصاحبه القاضى ابن المثنى، في جميع العدول، بخلع المقتدر لصغر سنه، ففعلوا ذلك، وكتبوا كتابا شهدوا فيه، وبايعوا لعبد الله بن المعتز، فلما لم يتم ذلك، وقتل ابن المعتز في الحين، واستقل المقتدر، نكب القاضى أبو عمر فيمن نكب مع سائر آله، وقبض عليه، وسلم لمؤنس الخادم، واستصفيت جميع أمواله، وجرت عليه محنة عظيمة.
فذكر القاضي أبو على الحسن بن على التنوخي في كتابه، بسنده عن القاضي أبي عمر، قال، لما جرى من أمر عبد الله بن المعتز ما جرى، وحبست، وحبس معى ابن المثنى القاضي، ومحمد بن داود ابن الجراح الوزير، فى دار واحدة في ثلاثة بيوت متلاصقة، وكان بيتي وسطها، وما في وجهى طاقة بيضاء، وكنا آيسين من الحياة، فاذا جننا الليل، حدثت هذا تارة وهذا تارة، وحدثانى، من وراء الأبواب، ويوصى كل واحد منا إلى الآخر بمن يخلفه، ونتوقع القتل كل حين.
فلما كان ذات ليلة، وقد غلقت الأبواب، ونام الموكلون، ونحن نتحدث من بيوتنا، اذ أحسسنا صوت فتح الأقفال، فارتعنا، ورجع كل واحد منا إلى مكانه، ففتح الباب على ابن الجراح، وأخرج،
стр. 1339
واضجع ليذبح، وهو يقول: يا قوم! ذبحا ذبحا كذبح الكبش! أين المصادرات؟ أين أنتم عن أموالى أفدى بها نفسى؟
فما التفت إليه، فذبح وأنا أراه من شق الباب، وقد صار الليل نهارا من كثرة الشموع، وحملوا رأسه، وطرحت جثته في بئر في الدارة، وغلقت الأبواب، وأيقنت بالقتل، وأقبلت على قراءة القرآن والدعاء والبكاء، فما مضت ساعة يسيرة، حتى سمعت الأقفال تفتح، فإذا هم قد جاءوا إلى بيت ابن المثنى القاضي، فأخرجوه، وقالوا له: يقول لك أمير المومنين: يا عدو الله! استحللت نكث بيعتى وخلع طاعتى؟
فقال: لأنى علمت أنه لا يصلح للإمامة (٢٨).
فقالوا: إن أمير المومنين أمر باستثابتك من هذا الكفر، فإن تبت رددناك إلى مجلسك، وإلا قتلناك.
فقال: أعوذ بالله من الكفر، ما أتيت ما يوجب كفرا. وأخذوا يتهوسون معه بما يشبه هذا، ولا يرجع عنه، فلما يئسوا منه مضى بعضهم وعاد، ثم أضجع وذبح، وأنا أراه، وحملوا رأسه، وطرحوا جثته في البئر، فذهب على أمرى واقبلت على التضرع والبكاء فلما كان في وجه السحر، إذا بصوت الأقفال، فقلت: لم يبق غيرى، وأنا مقتول، واستسلمت وفتحوا الأبواب على، وأقامونى إلى الصحن، وقالوا: يقول لك أمير المومنين: يا فاعل يا صانع!!! ما حملك على خلع بيعتى؟
فقلت: الخطأ وشقوة الجد، وأنا تائب لله تعالى من هذا الذنب.
وأقبلت على شبه هذا الكلام.
فمضى بعضهم وعاد، فقال: أجب.
ثم أشار إلى وقال*: لا بأس عليك، فقد تكلم فيك الوزير، يعني ابن الفرات.
стр. 1340
فسكنت، فجاؤونى بخفي وطيلساني وعمامتي فلبست، وجيء بي إلى دار ابن الفرات، وفى الدار ابن الخليفة (٢٩)، فلما رآني أقبل على يخاطبني ويعظم جنايتى، وأنا أقر بذلك، وأتنصل وأستقيل، فقال: قد وهب لي أمير المومنين دمك، وابتعت منه جرمك بمائة ألف دينار ألزمتك إياها.
فقلت: والله أيها الوزير ما رأيت بعضها قط مجتمعا.
فغمزني أن أسكت، وجذبنى قوم من ورائى من وجوه الكتاب، فأسكتونى، فعلمت أنه أراد تخلص دمى، فقلت: كل ما يأمر به الوزير أعزه الله يمتثل.
فقال: احملوه إلى دارى. فحملت، فقرر أمرى على مائة ألف دينار، النصف عاجلا، والنصف في حكم التأجيل (٣٠)، على رسم المصادرات، ووسع على في المطعم، وأدخلت الحمام، ورفهت، فلما خرجت من الحمام رأيت وجهى في المرآة، فإذا طاقات شعر قد ابيضت في مقدم لحيتى، وقد شبت في تلك الليلة. وأديت من المال نيفا وثلاثين ألف دينار، ونظرنى ابن الفرات في الباقى، وصيرني إلى منزلي، وتخلص دمى، "فمكثت في بيتى سنتين، وبابي مسدود على، لا أرى أحد ولا يرانى أحد إلا في الشاذ (٣١) " وتوفرت على درس الفقه والنظر في العلم، إلى أن من الله بالفرج.
قال الصولى: توفى أبو عمر القاضي في رمضان، لخمس بقين منه، سنة عشرين وثلاثمائة، وسنه تسع وسبعون سنة.
مولده بالبصرة، أول رجب، سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
***
أبو يعلى أخوه
واسمه الحسين بن يوسف بن يعقوب.
وبنوه من آل حماد، هم المعروفون ببنى أبي يعلى.
стр. 1341
ذكره صاحب الأوراق الحكمية في الفقهاء من أصحاب إسماعيل.
وقال ابن حارث مثله.
وتوفى سنة ست وثلاثمائة.
ولهما أخ ثالث اسمه أحمد بن يوسف، وأراه أكبرهم، يكنى بأبى عبد الله، ذكره ابن حارث فيمن صحب إسماعيل وتفقه به من آله. وتوفى أولهم، سنة تسع وتسعين ومائتين.
"وابنه عبد الله (٣٢) بن أحمد بن يوسف: يكنى بأبى أحمد، تفقه أيضا بإسماعيل، وتوفى سنة إحدى وثلاثمائة، وولد سنة ثلاث وستين ومائتين.
قال في الأوراق: كان ذكيا وأعجلته المنية.
قال ابن حارث: وكان رئيسا" (٣٣).
***
إبراهيم بن حماد بن إسحاق (٣٤)
ابن أخى إسماعيل بن إسحاق. كنيته أبو إسحاق.
تفقه باسماعيل عمه، وروى كتبه، وروى عن أبيه حماد، ومحمد بن يحيى الخشنى، والعباس بن يزيد، وزيد بن أخزم (٣٥)، والرمادي، وجعفر الفريابي، وأبى الطاهر، وأبي قلابة، وأبى إبراهيم الزهرى، وابن منيع، وفتح بن محرب (٣٦)، ويحي بن داود، وأبى داود السجستاني، وحنبل بن إسحاق، وأبى على الفقهاني (٣٧) وابن
стр. 1342
أبى العنبر، والفضل بن حسن، وأحمد بن عبيد الله العنبري، وعلى بن مسلم الطوسى، وعيسى بن أبى غوث، والحسن بن عرفة، ومحمد بن زنجويه، وعلى بن حرب الطائي، وعبد الله بن ثعلب، وغيرهم.
روى عنه أبو بكر الأبهرى، وابن الجهم، وأبو الحسن الدارقطني وأبو إسحاق الدينوري، والقاضى التسترى، وأبو الحسن الجراحي، وأبو حفص بن شاهين، والقواس، وعمر بن إبراهيم الكناني، وغيرهم.
وألف اتفاق الحسن ومالك.
*وقال القاضي ابن كامل وغيره: كان نحيفا قد قوس، يظهر عليه كثرة العمل، وحركة الشفتين بالذكر دائما، وعقد الأصابع، يخضب بالحمرة.
قال غيره: كان ثقة صدوقا.
وذكره القواس في ثقاة شيوخه.
قال عمر بن إبراهيم المقرئ: أبو إسحاق القاضي الشيخ الصالح الرضى.
وقال عنه الدارقطني: ثقة فاضل.
قال الجراحى: ما جئت لإبراهيم قط إلا وجدته قائما يصلى، أو جالسا يقرأ القرءان.
قال القواس: كنت عند أبى بكر النيسابورى، فقال المستلى: رحم الله من ترحم على إبراهيم بن حماد.
فقال أبو بكر: لقد ذكرت رجلا صالحا، ما رأيت أعبد منه.
وزعم ابن كامل أنه كان يتهم بالنصب، وأن القاضي أبا الحسين كان يحقق ذلك عليه، وأنه أخرج حديث مؤاخاة النبي ﷺ ، لعلى بن أبى طالب ﵁، من كتاب عمه إسماعيل.
وابن كامل كثير الحمل على آل حماد بن زيد، متبع لعثراتهم، وكان ذلك رأى شيخه أبى جعفر الطبرى، حتى قد رأيت ابن حارث قد
стр. 1343
أنحى على أبي جعفر وابن كامل، عند ذكره أشيء نقصهم به، وانتصف لهم منهما، والله يغفر للجميع.
توفى ﵀ في محرم سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وقيل أول صفر، وقد زاد على ثنتين وثمانين سنة شهورا (٣٨)، ودفن إلى جانب قبر عمه إسماعيل، كذا قال الصولى وابن كامل.
قال ابن كامل: مولده سنة إحدى وأربعين.
وقال الخطيب (٣٩): في رجب سنة أربعين.
وقد قيل إن وفاته سنة تسع وعشرين.
***
ومن غير آل حماد من هذه الطبقة:
أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سهل البريكاني (٤٠)
ويقال البركاني، البصرى، القاضي، من كبار هذه الطبقة، وأهل الفقه والسنن منها، وممن تفقه باسماعيل وصحبه.
روى الحديث وسمع منه.
يروي عن أحمد بن عبدة، ومحمد بن أبى صفوان، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، وعبد الله بن شبيب المصرى، وموسى بن إسحاق الأنصارى، وأحمد بن الحباب الحميري، ومحمد بن أحمد بن المعذل، والقاسم بن نصر المخزومي. وسمع الرياشي اللغوى.
وعليه تفقه القشيرى والتسترى، وقد رويا عنه، وصحبه القاضي أبو الفرج.
ولى القضاء بفارس والبصرة.
стр. 1344
قال التسترى: سمعت البركاني يقول: عرضت مختصر عبد الله بن عبد الحكم (٤١)، على كتاب الله وسنة رسوله - يعني مسائله - فوجدت لكلها أصلا، إلا اثنتى عشرة مسألة، فلم أجد لها أصلا.
قال: وعدد مسائله ثمانية عشر ألف مسألة (٤٢).
ووقفت له على كتاب فيما سأل عنه القاضي إسماعيل.
وألف أيضا كتابا كبيرا في فضائل مالك وأخباره.
قال التسترى: سمعت البركاني يقول: سألت الرياشي عن قوله في الحديث "فيأتى قوم يبسون" (٤٣) ما معناه؟
فقال: هو ضرب من الشوق. وأنشد:
البزل تعلم أن ضيف ألم بنا … أني أقدم عقرا قبل ابساسي (٤٤)
لا أكره الضيف تغشانى أسنته … حتى أشوب به رحلى وأفراسى
ولد في سنة تسع وثلاثمائة.
***
محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير (٤٥)
البغدادي التميمى، أبو بكر، هذا المشهور في اسمه ونسبه.
وحكى ابن الحداد عن أبي إسحاق الدينوري في اسمه: أحمد بن محمد، بغدادي.
تفقه باسماعيل، وكان فقيها جدليا، وولى القضاء.
стр. 1345
يروى عن القاضي إسماعيل *، وهو من كبار أصحابه الفقهاء.
روى عنه ابن الجهم، والقشيرى، وأبو الفرج.
وذكره ابن مفرج في تاريخه في المتأخرين، فقال محمد بن بكير، بغدادي، ثقة، فقيه، يكنى أبا بكر، وله كتاب في أحكام القرءان، وكتاب، الرضاع، وكتاب في مسائل الخلاف. توفى سنة خمس وثلاثمائة، وسنه خمسون سنة، وقد حدثنا ابن مخلد، عن إبراهيم بن محمد بن أحمد، عن عبد الله بن البكير، عن الباغندى، وأراه ابنه.
***
أخوه عبد الله بن أحمد
كنيته أبو القاسم، أخذ أيضا عن إسماعيل، وعد في فقهاء أصحابه.
وذكره أبو عمرو المقرئ في كتاب طبقات القراء، وقال: إنه مشهور ثقة مأمون، روى القراءة عن القاضي إسماعيل، وأحمد بن علي الحرار، وابن قتيبة؟ وسمع على بن عبد العزيز.
وروى عنه الدارقطني، وأبو حفص الكناني، وعمر بن أحمد بن هارون.
مولده سنة إحدى وخمسين ومائتين.
وتوفى بعد ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
***
أبو يعقوب الرازي
اسمه إسحاق بن أحمد بن عبد الله، من كبار أصحاب القاضي إسماعيل.
قال الشيرازى (٤٦): وكان فقيها عالما زاهدا عابدا، قتله الديلم أول دخولهم بغداد، في الأمر بالمعروف (٤٧).
стр. 1346
وممن أخذ عنه، عبد الملك السعدى الأندلسي.
وذكر أبو القاسم الشافعي أبا يعقوب إسحاق بن عبد الله البصرى، فقال: كان من جلة الشيوخ المالكيين، ولم أشاهده.
ولعله الرازي المتقدم الذكر، أو غيره، والأشبه أنه - والله أعلم - نسبه إلى جده، ولعله سكن البصرة أيضا.
وذكر أبو القاسم الزهراني عن الأبهرى أنه قال: كان أبو بكر الرازى، من جلة أصحاب مالك، وحفاظ مذهبه، وبقى مدة من عمره لم يتعرض إلى شيء من النظر في القضاء فلما كثر بناته (٤٨)، ولى القضاء بأرض الديلم، فخرج ذات يوم، فوجد رجلا يحمل زق خمر، فأمر بفتقه، فطعنه الديلمي بحربته فمات.
وأراه الأول، ولكن غلط أبو القاسم في كنيته، وفى قوله بأرض الديلم والله أعلم.
***
أبو خشنان محمد بن إبراهيم البصري
اسمه محمد بن إبراهيم بن هشام البصرى، سمع أبا داود السجستاني، وأبا حفص الغلاس، وطبقتهم، وتفقه بإسماعيل بن إسحاق.
يروى عنه القاضي التسترى، وأبو الفضل القشيري وأبو عيسى محمد بن عبد الوهاب.
وله ابن جليل فاضل عالم يأتى ذكره بعد في طبقته.
روى عن أبي داود، عن القعنبي، عن مالك أنه قال: "إذا مدح الرجل نفسه ذهب بهاؤه".
стр. 1347
أبو محمد عبد الرحمان بن محمد العوفي
ابن عبد الله بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عوف الزهري، يعرف بالعوفي.
من فقهاء أصحاب إسماعيل القاضي أيضا.
حدث عنه عبد الواحد بن محمد، وأبو القاسم الطوسي وأبو الحسن بن منصور الحربي.
قال أبو محمد: قلت لثعلب، وقد عزى ببعض أهله، فتأخرت عنه، ثم جئته معتذرا بخفاء ذلك عنى، فقال لي: يا أبا محمد! ما بك حاجة للعذر فإن الصديق لا يحاسب، والعدو لا يحسب.
وابنه أبو الفضل: حدث عنه أبو ذر الصروى (٤٩)، والعتبى، وأبو إسحاق البرمكي.
قال أبو ذر: كان من الصالحين، شيخ ثقة، سمع منه ببغداد، قديم السماع، يروى عن أبيه، وعن أبي بكر الفريابي، وإبراهيم بن شريك، وإبراهيم بن عبد الله المخزومي، وبيته بيت جليل في العلم والشرف * والقضاء.
وتوفى أبو محمد ببغداد في ببغداد في ربيع الآخر، سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة.
***
أبو بكر بن الجهم
واسمه محمد بن أحمد بن محمد بن الجهم بن خنيس، ويعرفه بابن الوراق المروزي، هذا الصحيح.
وقال الشيرازى (٥٠): اسمه أحمد بن محمد، وهو خطأ.
أصلهم من مرو، ونزل جده سر من رأى، وكان وراقا للمعتضد، فلما خربت سر من رأى انتقلوا إلى بغداد.
стр. 1348
وصحب أبو بكر إسماعيل القاضي، وسمع منه، وتفقه معه، وسمع كبار أصحابه: ابن بكير وغيره.
روى أيضا عن إبراهيم بن حماد، ومحمد بن عبدوس، وعبد الله بن محمد النيسابورى، ومحمد بن حسن القزويني، وأبى مسلم الجمحي، وإبراهيم الحربي، وجعفر الصائغ، وأبي يحيى الناقد، وجعفر بن محمد الطيالسى وموسى بن هارون، وعبد الله أحمد بن حنبل، وعبيد بن شريك، وبشر بن موسى، وجعفر بن محمد الفريابي وأبى العباس الجوهرى، وعلى بن عبد الله القراطيسي، وموسى بن إسحاق الأنصارى، وأبى الوليد الأنطاكي، في عدد كثير.
قال أبو الوليد الباجي: أبو بكر مشهور في أئمة الحديث (٥١)، وألف كتبا جليلة على مذهب مالك، منها كتاب الرد على محمد بن الحسن، وكتاب بيان السنة، خمسون كتابا، وكتاب مسائل الخلاف والحجة لمذهب مالك، وشرح مختصر "ابن عبد الحكم الصغير، واختصر هذا الكتاب أبو محمد (٥٢) بن أبي زيد في كتابه المسمى بالمنتخب المستقصى.
وكان ابن الجهم صاحب حديث وسماع وفقه.
قال الخطيب: له مصنفات حسان، محشوة بالآثار، يحتج على مذهب مالك، ويرد على مخالفيه.
قال ابن حارث: وكتب حديثا كثيرا، وكتبه تنبئ عن مقدار علمه. روى عنه أبو بكر الأبهرى، وأبو إسحاق الدينوري، وتوفى تسع وعشرين وثلاثمائة، وقيل سنة ثلاث وثلاثين.
***
أبو الطيب بن راهويه (٥٣)
واسمه محمد بن محمد، بن إسحاق، بن إبراهيم، بن راهويه، ابن مخلد التميمى، ثم الحنظلي، من أنفسهم.
стр. 1349
وجده اسحاق الامام مشهور.
وأبوه أبو الحسن محمد بن اسحاق مشهور أيضا.
سمع أباه، وابن حجر، وابن حنبل، وابن المدينى، وأبا مصعب ويونس، وغيرهم من أهل خراسان والعراق والشام ومصر.
سمع منه، ببغداد (٥٤) ابن مخلد، وابن نافع وغيرهما.
قال الخطيب (٥٥) أبو بكر: وكان عالما بالفقه، جميل الطريقة، مستقيم الحديث.
وأساء ذكره أبو بكر بن البزار فقال فيه: غير ثقة ولا مأمون.
قال الخطيب (٥٦): قتلته القرامطة منصرفه من الحج، سنة أربع وتسعين ومائتين.
قال القاضى المؤلف ﵁: وأبو الطيب ابنه هذا من أئمة المالكية بالعراق، حدث عنه عبيد الله الشافعى المعروف بعبيد، وأبو مروان السعدي القرطبى، وكان ثقة، تفقه عند اسماعيل، وهو مشهور فى مالكية البغداديين.
وذكره أبو القاسم الشافعي، وعده فى فقهاء من لقيه من أصحاب مالك، وحذاقهم، ونظارهم وأئمة مذهبهم.
وولى قضاء الرملة، وبها توفى، سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.
وكان له أخ فاضل. قال أبو الطيب: كان أخى لا يأكل لنا شيئا من متاع القضاء، فتعلم الوراقة، فكان يورق ويأكل من كد يمينه، ثم ترك الوراقة، فقلت له: يا أخى لم فعلت هذا؟
قال: كنت أجمع قلبى وجوارحى على الخط، فلا أقدر أقرأ القرآن * وأذكر الله .
стр. 1350
قال: وتوفى ﵀، فأخرجناه إلى قبره، وكان يوما شديد الحر، فجاءت سحابة فأظلتنا حتى دفناه.
***
أبو الفرج عمر بن محمد بن عمرو الليثى
ويقال: ابن محمد بن عبد الله، البغدادى، هذا صحيح اسمه.
وسماه محمد بن الوليد: محمد بن الحسين وهو وهم.
"نشأ ببغداد وأصله من البصرة، وصحب اسماعيل، وتفقه معه" ويقال انه كان من كتابه، وصحب غيره من المالكيين.
وولى قضاء طرسوس، وانطاكية، والمصيصة (٥٧) وغيرهما.
وكان فصيحا لغويا فقيها متقدما.
قال بعضهم: لم يزل قاضيا بطرسوس الى أن مات سنة ثلاثين، وقيل احدى وثلاثين وثلاثمائة.
وتعلم الفروسية والثقاف، حتى كاد يفوق الفرسان.
ورأيت فى الأوراق الحكمية، وفى كتاب ابن حارث، أنه ولى بعد قضاء طرسوس قضاء بغداد، ثم خرج منها سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، فى رفقة، فقطع بهم أعراب بنى تميم، فاجتاحوها، وذهب أبو الفرج فيمن ذهب.
قال بعضهم: لما استولى أبو الحسين البريدي (٥٨) على بغداد، وخرج عنها المتقى أمير المومنين، سنة ثلاثين وثلاثمائة، ولى أبا الفرج قضاء الكرخ ببغداد.
وذكر أنه لما خرج واجتاح الأعراب القافلة التي كان فيها، أكلوا منها ما قيمته سبعمائة ألف دينار، الى خمسمائة (٥٩) ألف، سوى
стр. 1351
الأمتعة والطعام، وقتلوا منها خلقا، كان القاضى أبو الفرج فيمن سلم ومات عطشا فى البرية.
وله الكتاب المعروف بالحاوى، فى مذهب مالك ﵀، وكتاب اللمع فى أصول الفقه.
قال عبد الوهاب بن نصر: دخلت فى حداثتى (٦٠)، على الأبهرى، وفى كمى كتاب الحاوى لأبى الفرج، فقال ى: ما الذى فى كمك؟
فقلت الحاوى لأبى الفرج.
فقال: ليس بالحاوى ولكنه الخاوى.
روى عنه أبو بكر الأبهرى، وأبو على بن السكن، وأبو القاسم عبيد الشافعى، وعلى بن الحسين بن بندار القاضى الأنطاكى، وعمر ابن المؤمل الطرسوسى (٦١)، الحافظ وغيرهم.
وسمع منه بانطاكية، وطرسوس (٦٢)، وغيرهما من بلاد الشام.
أبو المثنى أحمد بن يعقوب بن أبي الربيع الحشمى
قال بعضهم: أبو المثنى مالكى جليل من أهل العلم والفضل، قتله المقتدر، سنة ست وتسعين ومائتين، في فتنة ابن المعتز، لأنه كان السفير بينه وبين محمد بن داود بن الجراح الوزير، حتى قاما به.
وقد ذكرنا صفة قتله فى محنة القاضى أبى عمر.
قال ابن أبى الأزهر: وذلك لابايته الرجوع عن بيعة عبد الله بن المعتز، وقد كان المقتدر ناظره على ذلك، فقال له أبو المثنى: لست ممن يجوز أن يحكم فى دماء المسلمين وأموالهم، وأنت صبى. فأمر به فقتل.
стр. 1352
وقيل بل قال له: لست تجوز للخلافة، لأنك لغير رشدة، لأن أباك جمع بين أمك وخالتك، يعنى فى وطء واحد.
قال الصولى: هو أول قاض قتل فى الاسلام صبرا، وكان المقتدر قد أرسل اليه ان تاب والا قتل، فأبى أن يتوب، فذبح.
***
أبو الحسن الأشعرى المتكلم (٦٣)
اسمه على بن اسماعيل، بن أبى بشر، بن اسحاق، بن أبى الربيع سالم، بن اسماعيل، بن عبد الله، بن موسى، بن بلال، بن أبى بردة، بن أبى موسى الأشعرى، صاحب رسول الله ﷺ .
ذكر محمد بن موسى بن عمران فى رسالته أنه كان مالكيا، قال: وذكر لى بعض الشافعية أنه شافعى، حتى لقيت الشيخ الفاضل الفقيه، رافعا الحمال الشافعى، فذكر لى عن شيوخه، أن أبا الحسن كان مالكيا.
قال: وكان مذهب مالك ﵀ فى وقته فاشيا اذ ذاك بالعراق، أيام اسماعيل بن * اسحاق.
وصنف لأهل السنة التصانيف، وأقام الحجج على اثبات السنة، وما نفاه أهل البدع من صفات الله تعالى، ورؤيته، وقدم كلامه، وقدرته، وأمور السمع الواردة من الصراط، والميزان، والشفاعة، والحوض وفتنة القبر التى نفت المعتزلة، وغير ذلك من مذاهب أهل السنة والحديث، فأقام الحجج الواضحة عليها من الكتاب والسنة والدلائل الواضحة العقلية، ودفع شبه المبتدعة ومن بعدهم من الملحدة والرافضة، وصنف فى ذلك التصانيف المبسوطة التى نفع الله بها الأمة، وناظر المعتزلة، وكان يقصدهم بنفسه للمناظرة.
стр. 1353
وكلم فى ذلك، وقيل له: كيف تخالط أهل البدع وقد أمرت بهجرهم؟ - وكان أمرهم فى ذلك الوقت شائعا، وكلمتهم غالبة-.
فقال: هم أهل الرياسة، وفيهم الوالى والقاضى، فهم لرياستهم لا ينزلون الى، فان لم نسر اليهم فكيف يظهر الحق ويعلم أن لأهله ناصرا بالحجة؟
وكان أكثر مناظرته مع الجبائى المعتزلى، وله في الظهور عليه مجالس كثيرة.
وله مجلس كبير مشهود فى مناظرة الأمير بالبصرة، ابن وفاء (٦٤)، فى مسألة الامامة، ظهر فيه علمه وتفننه.
فلما كثرت تواليفه، وانتفع بقوله، وظهر لأهل الحديث والفقه ذبه عن السنن والدين، تعلق بكتبه أهل السنة، وأخذوا عنه، ودرسوا عليه، وتفقهوا فى طريقه، وكثر طلبته وأتباعه لتعلم تلك الطرق فى الذب عن السنة، وبسط الحجج والأدلة فى نصر الملة، فسموا باسمه، وتلاهم أتباعهم وطلبتهم، فعرفوا بذلك، وانما كانوا يعرفون قبل ذلك بالمثبتة، سمة عرفتهم بها المعتزلة، اذ أثبتوا من السنة والشرع ما نفوه.
فبهذه السمة أولا كان يعرف أئمة الذب عن السنة من أهل الحديث، كالمحاسبى، وابن كلاب، وعبد العزيز بن عبد الملك المكى، والكراسى الى أن جاء أبو الحسن، وأشهر نفسه، فنسب طلبته والمتفقهة عليه فى علمه بنسبه، كما نسب أصحاب الشافعى الى نسبه، وأصحاب مالك وأبى حنيفة وغيرهم من الأئمة الى أسماء أئمتهم، الذين درسوا كتبهم، وتفقهوا بطرقهم فى الشريعة، وهم لم يحدثوا فيها ما ليس منها.
فكذلك أبو الحسن، فأهل السنة من أهل المشرق والمغرب بحججه يحتجون، وعلى منهاجه يذهبون، وقد أثنى عليه غير واحد منهم، وأثنوا على مذهبه وطريقه.
стр. 1354
وانما جاء خلاف ذلك من قوم من أصحاب أبى حنيفة، مذهبهم الاعتزال فى الأصول، كعبد الجبار قاضى الرى، والتنوخى، وأمثالهم من غلاة المعتزلة ودعاتهم، ومن قوم أيضا ينتسبون الى مذهب أحمد ابن حنبل، غلوا فى ترك التأويل، حتى وقعوا فى التشبيه، وأكثرهم ليس من العلم بسبيل، ولكنهم لانتسابهم الى السنة والحديث، قبلت العامة أقوالهم، ولم تنفر منهم نفورها من أولئك الأخر. فقرروا عند العامة أنه مبتدع، وأضافوا اليه من المقالات ما أفنى عمره فى تكذيب قائلها وتضليله.
وأكثر من شنع عليه بالأندلس، على بن حزم الداودى، فانه ملأ كتابه عليه وعلى أئمة أصحابه، كذبا وتشانيع باطلة، وذلك فى كتابه المسمى: بالنصائح والفضائح (٦٥).
وأثنى عليه فى كتابه الفصال، وعده فى متكلمى أهل الحديث، ومن ارتضى قوله الأئمة المالكية والشافعية.
ونظار أهل الحديث راضون عنه مقتبسون منه وقد درس عليه وعلى أصحابه * منهم جماعة حتى صاروا أئمة فى طريقه، وصنفوا الكتب على نهج طريقته وتصانيفه.
وكان أبو الحسن القابسى يثنى عليه، وله رسالة في ذكره لمن سأله عن مذهبه أثنى عليه فيها وأنصفه.
وقال أبو الحسن وقد ذكر له جواب فى مسألة لبعض العلماء فاستحسنه -: لو سئل عن هذه المسألة أبو الحسن الأشعرى ما أراه كان يجيب بأكثر من هذا، انافة بقدره.
وذكره أبو محمد بن أبي زيد فى بعض تصانيفه.
وأثنى عليه محمد بن أبى زيد وغيره من أئمة المسلمين.
стр. 1355
ولأبي الحسن من التواليف المشهورة كثير جدا، عليها معول أهل السنة، ككتاب الموجز، وكتاب التوحيد والقدر، وكتاب الأصول "الكبير، وكتاب خلق الأفعال الكبير" (٦٦)، وكتاب الصفات، وكتاب الاستطاعة، وكتاب الرؤية، وكتاب الأسماء والأحكام، والخاص والعام، وكتاب ايضاح البرهان، وكتاب البحث عن البعث، والنقض على البلخى، والنقض على الجبائى، والنقض على ابن الراوندى، والنقض على الخالدى، وكتاب الدامغ، وأدب الجدل وجوابات الطبريين، وجوابات العمانيين، وجوابات الجرجانيين، والجوابات الخراسانية، وجوابات الزاهدين، وجوابات الشيرازيين، والنوادر، والرد على الفلاسفة، ونقض كتاب الاسكافى، وكتاب الاجتهاد، وكتاب المعارف، "والرد على الدهريين" (٦٧)، والرد على المنجمين، ومقالات الاسلاميين، والمقالات الكبرى، ونقض كتاب التاج، وكتاب القراءات، وكتاب اللمع الكبير، واللمع الصغير، وكتاب الشرح والتفصيل، وكتاب الابانة فى أصول الديانة.
وله الكتاب المسمى بالمختزن فى علوم القرآن، كتاب عظيم جدا، بلغ فيه سورة الكهف، وقد انتهى مائة جزء، وسمعت بعض مشايخنا يحكى أنه أكثر من هذا بكثير.
قال الميورقى: وقد ذكر لى بعض أصحابنا أنه رأى قطعة منه.
ومن وقف على تواليفه رأى أن الله أمده بتوفيقه، وقد روى فى أمره حديث لا أعلم له أصلا ولا رويته فلا أذكره.
ويروى أنه كان فى ابتداء أمره معتزليا ثم رجع الى هذا المذهب، وهذا ان صح لا ينقصه، فقد كان من هو أفضل منه كافرا، ثم أسلم، بل هذا أدل على ثبات قدمه وصحة يقينه فى التزام السنة، اذ لم يلتزمها لأنه نشأ عليها، ولا أعتقدها الا بما نور الله له بها من قلبه وأيده بروحه ورشده، وتكنفه من عنايته ونصره.
стр. 1356
فذكر أبو عبد الله الأزدى: أنه كان أولا معتزليا أخذ عن الشحام والعطوى، وتقدم فى ذلك على نظرائه، ثم رجع الى الحق، ومذهب أهل السنة، فكثر المتعجب منه.
وسئل عن ذلك فقال: نمت ليلة من شهر رمضان، فرأيت النبى ﷺ فى النوم، كأنه رفسنى برجله، وقال: يا أبا الحسن! كتبت الحديث؟
قلت: نعم:
قال: فكتبت فيما كتبت أنى قلت: ان الله يرى في الآخرة بالأبصار؟
قلت: نعم.
فقال: فلم لا تقول به؟
قلت: قامت أدلة العقول على أن القديم لا يرى بالأبصار على طريق الاستحالة، فحملت الخبر على التأويل، ولم أحمله على الظاهر.
قال لى: ولم تجد دلالة فى العقول على أنه يرى بالأبصار؟
قلت: لا.
قال: أطلب، فانك تجد من ذلك على خلاف ما اعتقدت.
فلما أصبحت أخذنى الغم، ونحيت الكلام من بين يدى، واشتغلت بالحديث * والقرآن وتفسيره.
فلما كان فى العشر الثانية (٦٨) رأيته، فقال: ما حالك مع المسائل التي طلبتها منك؟
قلت: نحيت الكلام من بين يدى، واشتغلت بحديثك وتفسير القرآن.
стр. 1357
فغضب وقال: أقول لك شيئا وتفعل غيره؟ من الذى دلك على ذلك؟ ومن أمرك به؟ وانما قلت لك: اطلب علم الكلام، واعمل بمسألة الرؤية، ولم أقل لك نح الكلام.
فلما انتبهت أخذنى أكثر من الأول، وقلت: والله ما أدرى ما أفعل؟ كيف أدع المذاهب المقررة بالمنامات؟ فالويل لى ان اعتقدت خلاف ما أقلده من الله تعالى، والويل لى من تشنيع المعتزلة ان قلت بما يدعونى المنام اليه.
وبقيت على ذلك متفكرا ما أتهنأ بمطعم ولا مشرب، حتى كان ليلة سبع وعشرين.
قال: فاجتمع أهل البصرة على عادتهم فى الوقوف والتهجد فى الجامع الى الصباح. والبكاء، والتضرع، والدعاء، فخرجت لذلك، فلما دخلت فى الصلاة وقع على نوم كالموت الذى لا يدفع بحيلة محتال، فقمت باكيا راجعا متحسرا على ما فاتنى من ذلك، فلما دخلت البيت نمت، فرأيت النبى ﷺ ، فقال لى: ما الذى عملت فيما قلت لك؟
فقلت: يا رسول الله! كيف أدع مذهبا نصرته أربعين سنة، وصنفت فيه، ورسخت؟ يقول الناس: هذا رجل موسوس يدع المذاهب بالمنامات.
فغضب غضبا شديدا، وقال: كذلك كانوا يقولون لي، موسوس ومجنون، وما ضيعت حق الله تعالى لقول الناس، وتعد هذا من جملة المنامات؟ أتردد اليك فى الشهر ثلاث مرات، ثم تقول انه منام؟ هذه اعتذارات كلها باطلة فدعها، ولا تعرج عليها، وانظر هذه المسائل من الرؤية، وأن القرآن غير مخلوق، والقضاء والقدر، وأن الله يقدر على كل شئ، والله يلهمك فى ذلك الادلة؟ واياك أن توقع فى ذلك تقصيرا، واسلك فى نصرة ما قلت لك الكتاب والسنة، وحجة العقول، وانه حق وصواب، وأنا لا أعود اليك بعد هذا. في كلام طويل فهمته ولم ينحفظ لى.
فقمت ونصرت هذه الطريقة.
стр. 1358
وشرح الله صدره لذلك، وأيده بمعونته، فكان منه فى ذلك ما هو مشهور معروف.
وذكر بعض أصحاب أبى الحسن أنه كان حضر معه مجلسا حفيلا فى جماعة من المبتدعة، فقام فيه لله مقاما حسنا، وكسر حجتهم، فلما خرج قلت له: جزاك الله خيرا.
قال: وما ذاك؟
قلت: لمقامك هذا لله تعالى ونصر دينه.
فقال: يا أخى! انا ابتلينا بأمراء سوء، أظهروا بدع المخالفين ونصروها، فوجب علينا القيام لله والذب عن دينه حسب الطاقة، فمسألة واحدة من معرفة ربك، وما تطيعه به وتتقرب اليه به، أجدى عليك من هذا.
وتوفى أبو الحسن الأشعرى ﵀، فيما قرأته في احد أصول الشيخ أبى العباس الدانى - وأراه بخطه أو بخط أبى عبد الله الحميدى - سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
***
أبو بكر الشبلى (٦٩)
شيخ الصوفية، وامام أهل علم الباطن، وذو الأنباء البديعة، والآثار الغريبة، وأحد المتصرفين في علوم الشريعة.
اختلف فى اسمه فقيل: دلف بن جحدر، ويقال: ابن جعفر، ويقال: اسمه جعفر ابن يونس (٧٠).
حكى ذلك كله أبو عبد الرحمان السلمى فى طبقاته، وقال: كذا وجدت على قبره ببغداد مكتوبا،* يعنى القول الآخر.
стр. 1359
قال الخطيب أبو بكر في تاريخه: ويقال أيضا اسمه جحدر بن دلف، ويقال: دلف بن جفرة (٧١)، ويقال: دلف بن جيعونة (٧٢)، وقيل غير هذا.
أصله خراساني، من مدينة أسروشنه، من قرية بها يقال لها: شبلة، ومولده بسامرا، وقيل: ببغداد، "ومنشأه ببغداد.
قال أبو بكر الخطيب: كان خاله أمير الأمراء بالأسكندرية.
قال السلمى: كان الشبلى حاجب الموفق، وأبوه حاجب الحجاب ببغداد" (٧٣).
قال أبو عبد الرحمان: كان عالما فقيهًا على مذهب مالك، وكتب الحديث الكثير، وذكر أن ابتداء توبته كانت بمجلس (٧٤) خير النساج، وصحب الجنيد ومن في عصره من المشايخ، وصار أوحد الوقت حالا وعلما، وقد أسند الحديث.
وقال أبو القاسم القشيري: صحب الجنيد ومن كان في عصره، وكان نسيج وحده، له حال وظرف وعلم، مالكي المذهب.
روى عن محمد بن مهدى البصرى.
روى عنه على بن محمد الحمال، والحسين بن أحمد الصفار، وإسماعيل بن الحسين بن بندار، وأبو الحسن على بن المثنى العنبري وأبو سهل الصعلوكي، وأبو بكر الرازى، وأبو بكر الأبهرى.
قال السلمى: لما ولى الموفق العهد، حضر الشبلي يوما مجلس خير النساج وتاب فيه، ورجع إلى نهاوند (٧٥)، وكان واليا عليها،
стр. 1360
وكان الموفق جعلها لطعمته فقال لهم الشبلي: كانت ولايتي بلدكم، فاجعلونى في حل، فجعلوه (٧٦)، وجهدوا أن يقبل منهم شيئا فأبى.
قال أبو عبد الله الرازى: كان مشايخ العراق يقولون: عجائب بغداد ثلاثة في التصوف: اشارات الشبلى، ونكت المرتعش (٧٧)، وحكايات جعفر، يعنى الخلدى.
وقد ألف في أخباره وفضائله أبو عبد الرحمان السلمى، وأبو القاسم القشيرى، ولأبي بكر المطوعي في ذلك كتاب مفرد.
***
ذكر فضائله وكراماته وعلمه وعجائب أحواله وعبادته وخوفه وإشاراته
قال السلمي عن أبي عبد الله الرازي: لم أر في الصوفية أعلم من الشبلي.
قال الجنيد: لا تنظروا إلى الشبلى بالعين التي ينظر بها بعضكم إلى بعض، فإنه عين من عيون الله تعالى. قال: ولكل قوم تاج، وتاج هؤلاء القوم الشبلى.
ومن كلامه في التوحيد: جل الواحد المعروف قبل الحدود، وقبل الحروف.
وسئل عن معنى قوله : "الرحمن على العرش استوى" (٧٨). فقال: الرحمان لم يزل، والعرش محدث، والعرش بالرحمن استوى.
وكان إذا دخل شهر رمضان جد في الطاعات ويقول: شهر عظمه ربى، فأنا أولى بتعظيمه.
قال القشيرى: كانت مجاهدته في بدايته فوق الحدود.
стр. 1361
ودخل الشبلي يوما على على بن موسى بن الجراح الوزير، وعنده ابن مجاهد المقرئ، فقال ابن مجاهد للوزير: سأكشفه الساعة، وكان من شأن الشبلى إذا لبس شيئا خرق فيه موضعا، فلما جلس قال له ابن مجاهد: يا أبا بكر! أين في العلم افساد ما ينتفع به؟
فقال له الشبلي: أين في العلم "فطفق مسحا بالسوق والأعناق" (٧٩). فسكت ابن مجاهد فقال له ابن الجراح: أردت أن تسكته فأسكتك.
ثم قال الشبلي: قد أجمع الناس أنك مقرئ الوقت، فأين في القرآن، الحبيب لا يعذب أحبابه؟
فسكت ابن مجاهد، وقال له: قل يا أبا بكر.
قال: قوله تعالى: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، قل فلم يعذبكم بذنوبكم" (٨٠) الآية.
قال ابن مجاهد، كأني ما سمعتها قط.
ودخل ابن مجاهد عليه، يوما فسأله الشبلى عن نرجو الخير، يختم بين يدى كل يوم ختمتان وثلاثة.
"فقال له الشبلى: أيها الشيخ! قد ختمت في تلك الزاوية ثلاثة عشر ألف ختمة، إن كان فيها شيء قبل، وهبته" (٨١) لك، وإنى لقى ختمة منذ ثلاثين أو أربعين سنة، ما انتهيت إلى ربع القرآن.
وقيل: أن جارية للشبلى قالت له: عددت عليك ستة أشهر لم تتم فيها.
وكان الشبلى يقول: إنما يحفظ هذا الجانب بي - يعني من الديلم - فمات هو يوم الجمعة وغدت الديلم إلى الجانب الغربي يوم السبت.
стр. 1362
قال أبو سهل الصعلوكي: سمعتبر الشبلى يقول: أحبك الخلق المنعمائك، وأنا أحبك لبلائك.
وقال الشبلى: ما قلت: الله قط، إلا واستغفرت الله من قولى الله.
وقال ابنه يونس: نام أبى ليلة فترك فرد رجليه على السطح، والأخرى على الدار، فسمعته يقول: لئن طرقت لأرمين بك إلى الدار، فما زال ليلته كلها كذلك، فلما أصبح قال: يا بني! ما سمعت الليلة ذاكرا إلا ديكا يساوى دانقين.
وكان يكتحل بالملح لئلا يأخذه النوم.
قال أحمد بن عطاء: كان للشبلي يوم الجمعة نظرة بعدها صيحة، فصاح يوما صيحة تشوش ما حوله من الخلق، فسئل عن ذلك فقيل له: من صيحك؟
وكان إلى جانبه حلقة أبي عمران الأشيب، فقام إليه الشبلي، فلما رآه أبو عمران، قام إليه وأجلسه إلى جانبه، فأراد بعض أصحاب أبي عمران أن يرى الناس أن الشبلى جاهل، فقال له: يا أبا بكر! إذا اشتبه على المرأة دم الحيض من دم الاستحاضة ما تصنع؟
فأجابه بثمانية عشر جوابا، فقام إليه أبو عمران وقبل رأسه، وقال يا أبا بكر أعرف اثنتى عشرة، وستة ما سمعت بها قط.
وفى حكاية أبي القاسم القشيرى أنه قال للشبلي: استفدت في هذه المسألة عشر مقالات لم أسمعها، وكان عندى من جملة ما قلت ثلاثة أقاويل.
ووقف الشبلى يوما بباب الطاق، مع أبي الطيب الجلا، وكان من أهل العلم، فأطال الحديث معه،، فاجتمع قوم إلى أبي الطيب يسألونه أن يسأل الشبلى أن يدعو لهم ويريهم آية.
فالح أبو الطيب عليه في ذلك، واجتمع الناس، ورفع يديه ودعا بدعاء لم يفهم، ثم شخص إلى السماء، فلم يطبق عينيه من الضحى إلى الزوال، فكبر الناس ودعوا، وضجوا.
стр. 1363
ثم إذا بحلاوى بين يديه طنجير يغلى، فاشترى منه لصاحب له: وغرف بيديه من الطنجير وهو يعلى فجعله في رقاقة، وسار حتى دخل على ابن مجاهد. فقام إليه، فقال أصحابه: تقوم للشبلى. ولم تقم لابن عيسى الوزير؟
فقال: ألا أقوم لمن يعظمه رسول الله ﷺ ؟ رأيت رسول الله ﷺ في النوم: فقال لي: يا أبا بكر! غدا يدخل عليك رجل من أهل الجنة فأكرمه.
قال فلما كان بعد ليلتين رأى ابن مجاهد النبي ﷺ ، قال - فقال لي يا أبا بكر: أكرمك الله كما أكرمت رجلا من أهل الجنة.
فقلت يا رسول الله: بم استحق هذا منك، قال: أنه يصلى كل يوم خمس صلوات يذكرنى أثر كل صلاة ويقرأ: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم" (٨٢) الآية.
قال أحمد عطاء: سمعت الشبلى يقول: كتبت الحديث عشرين سنة، وجالست الفقهاء عشرين سنة، وكان يتفقه بمالك.
قال غيره: سمعت الشبلى يقول: أعرف من لم يدخل في هذا الشأن حتى أنفق جميع ما ملكه، وغرق في الدجلة سبعين قمطرا بخطه، وحفظ الموطأ، وقرأ بكذا وكذا قراءة. يعني نفسه.
* قال: وخلف أبى ستين ألف دينار، سوى الضياع والعقار، وأنفقتها كلها ثم قعدت دت مع الفقراء، لا أرجع إلى مأوى، ولا أستظهر بمعلوم.
قال بعضهم: دخلت على الشبلى، فقال: يا أحمد! ضيعنا.
قلت: ايش الخبر؟
قال: وقع في خاطري أني بخيل، فقلت - ورفعت رأسي - وعزتك ما أنا ببخيل. فجاوبني خاطري أنى بخيل، فقلت: وعزتك، لا
стр. 1364
فتحت على يومى هذا بشيء من أمر الدنيا إلا دفعته إلى أول من يلقاني، فلم أتمم العقيدة حتى دخل حاجب مؤنس الخادم، ومعه خمسون دينارا، فقال: تنفقها في مصالحك.
فخرجت من البيت، فإذا فقير بين يدى مزين، فلما فرغ من حلق رأسه ناولته الصرة، فقال: ادفعها للمزين، فقد حلق رأسى.
فقلت: إنها دنانير!
فقال: أوليس قد قلنا: إنك بخيل.
فدفعتها للمزين، فقال: اعتقدنا لما جلس الفقير بين أيدينا، ألا نأخذ منه شيئا.
فرميت بها في الدجلة.
وحكى عنه أنه قال: اعتقدت وقتا ألا أكل إلا من الحلال، فكنت أدور في البرارى، فرأيت شجرتين، فمددت يدى إليهما لأكل، غنادتني إحداهما: احفظ عليك عقدك، لا تأكل منى، إني ليهودى.
قال أبو القاسم الأندلسى العابد: خرجت أريد الشبلي ببغداد، فنزلت بها، فقلت أستريح بدخول الحمام، فأتيته، فقال لي صاحبه: يا هذا فيه رجل من أهل الله متق، فدخلت، فإذا شيخ بين يديه صبى، فلما جلست قال: أنت أبو القاسم؟
قلت: نعم.
قال: الأندلسي الجائى إلينا؟
قلت: نعم
قلت: أنت أبو بكر الشبلي؟
فقال لي: نعم.
قال: خذ هذا السطل، فإذا صب الماء الحار فاملأه.
ففعلت، ثم استلقى على ظهره، وقال لي: صبه على جسمي ففعلت.
стр. 1365
ثم قام يمسح وجهه، وقال: الحمد لله الذي لم يجعل لك علينا سلطانا.
ثم خرجوا من الحمام، فإذا ناس ينتظرونه عند منزله، فجلس، ودعا بنار، فجيئ بها تتوقد، فقال: اجعله في كفى، فجعلته في كفه، "ولم يزل يلقى من البخور فيه مرة بعد أخرى" ويبخرنا به واحدا بعد واحد حتى بخر به عشرين رجلا، ثم ألقاه ومسح من كفه" (٨٣) وقال الحمد لله الذي لم يجعل لها علينا سلطانا.
وحكى أبو القاسم القشيرى في كتاب التحبير له: قال رجل للشبلى: يا أبا بكر! لم تقول "الله" ولا تقول "لا إله إلا الله".
فقال: لا أنفى به ضدا (٨٤).
فقالوا له. نريد أعلى من ذلك.
فقال: أخشى أن أوخذ في وحشة الجحد.
فقالوا له: نريد أعلى من ذلك.
فقال: قال الله تعالى: "قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون" (٨٥).
فصعق السائل فخرجت نفسه، فتعلق أولياؤه بالشبلي في ديته، وحملوه إلى الخليفة، فخرج إليه الآذن يسأله عن القصة، فقال الشبلي: روح حنت فرقت فدعيت فأجابت، فما ذنبي؟
فصاح الخليفة من وراء الحجاب: خلوه لا ذنب له.
وأذن الشبلى مرة فلما بلغ إلى الشهادتين، قال: لولا أنك أمرتني ما ذكرت معك غيرك.
стр. 1366
قال: وكان في دار الشبلى ديك يصيح بالليل، فأخذه ليلة فشده وطرحه في بيت فلم يصح، فلما أصبح قال له: يا مدع! انما كنت تذكره مع الرخاء فلما أصابتك الشدة لم تذكره، وسكت.
وكان لكثرة ما يعتريه ويظهر في الأحيان منه، يقول كثير من الناس: أنه مجنون، فرمى مرة في المارستان، فدخل عليه جماعة، فقال: من أنتم؟
قالوا محبوك.
فأقبل يرميهم بالحجارة، ففروا، فقال، ادعيتم محبتي، فاصبروا على بلائي.
وحكى القشيرى عن بعضهم قال: كنت مع الشبلى، ففتح عليه بمنديل حسن، فمر بكلب ميت ملقى على الطريق، فقال لي: احمل ذلك الميت، وكفنه في هذا المنديل، وادفنه.
وسرت فحملت الكلب في * المنديل، وطرحته في موضع، ثم غسلت المنديل وعدت إليه، فقال: فعلت ما أمرتك؟
قلت: لا. فسكت.
فقلت: أيها الشيخ! أي شيء كان السبب فيما أمرتني به.
قال: لما رأيته استقذرته، فنوديت في سرى: أليس نحن خلقناه؟
فقلت ما قلت.
قال: ويحكى أن الشبلى أرسل إلى رجل من أصحابه ابعث إلينا بشيء من دنياك.
فكتب إليه: سل دنياك من مولاك.
فكتب إليه الشبلي: دنياى حقيرة، وأنت حقير، وإنما يطلب الحقير من الحقير، ولا أطلب من مولاي غير مولاي.
وذكر أن ابنا له مات يسمى أبا الحسن، فجزعت أمه عليه، وقطعت شعرها، فدخل الشبلى الحمام، وحلق لحيته بالنورة، فكل من أتاه معزيا قال: ايش هذا يا أبا بكر؟ لم فعلت هذا؟
стр. 1367
فيقول: علمت أنكم تعزوننى على الغفلة، وتقولون: أجبره الله، يعني تعزيته على العادة، فقدمت ذكر الله تعالى بالغفلة بلحيتى.
***
نكت من إشاراته وغرائب من استشهاداته وتمثلاته
كان الشبلى يقول: أعمى الله بصرا يراني ولا يرى في آثار القدرة، فأنا أحد آثار القدرة، وأحد شواهد العزة، ولقد ذللت حتى عز في ذلتى كل ذل، وعززت حتى ما تعزز أحد إلا بي، وبمن به تعززت.
وقال: طلبت العلوم إلى أن طلعت الشمس، فقلت: أريد فقه فقالوا: لسنا نعرف ما تقول.
وكان يقول: يا دليل المتحيرين، زدنى تحيرا في عظمتك وجلالك
وجاء رجل إلى الشبلى، فقال: كم تهلك نفسك بهذه الدعاوى، ولا تدعها؟
فأنشد متمثلا:
إنى وإن كنت قد أسأت له اليـ … ـوم لراج للعطف منه غدا
أستدفع الوقت بالرجاء وإن … لم أر منكم ما أرتجى أبدا
أعز نفسى بكم وأخدعها … نفسي ترى الغى فيكم رشدا
وسأله سائل: هل يتحقق العارف بما يبدو له؟
فقال: هل يتحقق بما لا يثبت له؟ وكيف يطبق إلى ما لا يظهر؟ وكيف يأنس بما لا يخفى؟ هو الظاهر والباطن وأنشد:
فمن كان في طول الهوى ذاق سلوة … فإني من ليلى لها غير ذائق
стр. 1368
وأكثر شيء نلته من وصالها … أمانى لم تصدق كلمحة بارق
كيف يصح لك التوحيد، وكلما ملكت شيئا ملكك، وكلما أبصرت شيئا أسرك؟
وقال رجل للشبلى: هل شاهده أحد بحقيقة (٨٦).
فقال: الحقيقة بعيدة، ولكن ظنون وأمان وحسبان، ما إن ترى له تحقيق حال، شوشه بالتلبيس والإشكال، وأنشد:
وكذبت طرفى فيك والطرف صادق … وأسمعت أذنى فيك ما ليس تسمع
ولم أسكن الأرض التي تسكنونها … لكى لا يقولوا أنني فيك مولع
فلا كبدى تهدا ولا لك رحمة … ولا عنك إقصار ولا فيك مطمع
وسئل إلى ماذا تحن قلوب العارفين؟
فقال: إلى بدايات ما جرى لهم في الغيب من حسن العناية في الحضرة لغيبتهم عنها.
وأنشد:
سقيا لعهد كم الذي لو لم يكن … ما كان قلبى للصبابة معهدا
* وقيل له: إلى ماذا تستريح قلوب المشتاقين؟
قال: إلى سرور من اشتاقوا إليه وموافقته وأنشد:
أسر بمهلكي فيه لأنى … أسر بما يسر الألف جدا
ولو سئلت عظامي عن بلاها … لأنكرت البلا وسمعت جحدا
قال الصعلوكي: ووقف سائل على حلقته، فجعل يقول: يا الله يا جواد،
стр. 1369
فتأوه الشبلى، ثم قال: كيف يمكنني أن أصف الحق بالجود، ومخلوق يقوله في شكله:
تعود بسط الكف حتى لو انه … تناها لقبض لم تجبه أنامله
تراه اذا ما جئته متهللا … كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفه غير نفسه … لجاد بها فليتق الله سائله
هو البحر من أى النواحي أتيته … فلجته المعروف، والجود ساحله
ثم بكى وقال: بل جواد، فانك أوجدت تلك الجوارح، وبسطت تلك الهمم، ثم مننت بعد ذلك على أقوام بالاستغناء عنهم، وعما في أيديهم بك، فانك الجواد، كل الجواد، فانهم يعطون عن محدود، وعطاؤك لا حد له ولا صفة، فيا جواد يعلو كل جواد، وبه جاد كل من جاد.
وحكى أبو عمران: أن أبا الحسن النورى، والجنيد، أصابتهما علة، فأخبر الجنيد وكتم النورى، فقيل للنورى: لم لم تخبركما أخبر صاحبك؟
فقال: ما كنا نبتلى ببلوى نوقع عليها الشكوى، ثم أنشد:
ان كنت للسقم أهلا … فأنت للشكر أهلا
عذب فلم تبق قلبا … يقول للسقم مهلا
فذكر ذلك للجنيد، فقال: ما كنا شاكين، ولكنا أردنا أن نكشف عن عين القدرة فينا، وأنشد:
أجل ما منك يبدو … لأنه عنك جلا
وأنت يا أنس قلبي … أجل من أن تجلا
أغنيتنى عن جميع … فكيف لي أن أملا
فبلغ الشبلى ذلك فقال:
محنتي فيك أنني … لا أبالي بمحنتي
стр. 1370
يا شفائي من السقا … م وان كنت علتي
تبت دهرا فمذ عـ … ــرفتك ضيعت توبتي
قربكم مثل بعدكم … فمتى قرب راحتي
وسئل ما أفضل الطاعات فقال:
اذا محاسني اللتي أدلى بها … كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
وقال أبو القاسم الدمشقى: كنت واقفا يوما على حلقة الشبلي فجعل يبكى ولا يتكلم، فقال له رجل: عافاك الله! الى متى هذا البكاء؟ فأنشد يقول:
اذا عاتبته أو عاتبوه … شكا فعلى وعدد سيئاتي
أيا من دهره غضب وسخط … أما أحسنت يوما في حياتي
وقال بعضهم: دخلت على الشبلى، وقد صاح وهو يقول:
على بعدك لا يصـ … ــبر من عاداته القرب
ولا يقوى على حجبك … من تيمه الحب
فان لم ترك العـ … ــين فقد يبصرك القلب
وقال رجل للشبلي: ادع الله لي: فقال:
مضى زمن والناس يستشفعون بي … فهل لي الى سعدى الغداة شفيع
وقالوا له: نراك جسيما بدينا، والمحبة تضنى،
فأنشد:
* أحب قلبى وما درى بدني … ولو درى ما أقام في السمن
وكثيرا ما كان ينشد:
ولى فيك يا حسرتي حسرة … تقضى حياتى وما تنقضي