قال: وكان في دار الشبلى ديك يصيح بالليل، فأخذه ليلة فشده وطرحه في بيت فلم يصح، فلما أصبح قال له: يا مدع! انما كنت تذكره مع الرخاء فلما أصابتك الشدة لم تذكره، وسكت.
وكان لكثرة ما يعتريه ويظهر في الأحيان منه، يقول كثير من الناس: أنه مجنون، فرمى مرة في المارستان، فدخل عليه جماعة، فقال: من أنتم؟
قالوا محبوك.
فأقبل يرميهم بالحجارة، ففروا، فقال، ادعيتم محبتي، فاصبروا على بلائي.
وحكى القشيرى عن بعضهم قال: كنت مع الشبلى، ففتح عليه بمنديل حسن، فمر بكلب ميت ملقى على الطريق، فقال لي: احمل ذلك الميت، وكفنه في هذا المنديل، وادفنه.
وسرت فحملت الكلب في * المنديل، وطرحته في موضع، ثم غسلت المنديل وعدت إليه، فقال: فعلت ما أمرتك؟
قلت: لا. فسكت.
فقلت: أيها الشيخ! أي شيء كان السبب فيما أمرتني به.
قال: لما رأيته استقذرته، فنوديت في سرى: أليس نحن خلقناه؟
فقلت ما قلت.
قال: ويحكى أن الشبلى أرسل إلى رجل من أصحابه ابعث إلينا بشيء من دنياك.
فكتب إليه: سل دنياك من مولاك.
فكتب إليه الشبلي: دنياى حقيرة، وأنت حقير، وإنما يطلب الحقير من الحقير، ولا أطلب من مولاي غير مولاي.
وذكر أن ابنا له مات يسمى أبا الحسن، فجزعت أمه عليه، وقطعت شعرها، فدخل الشبلى الحمام، وحلق لحيته بالنورة، فكل من أتاه معزيا قال: ايش هذا يا أبا بكر؟ لم فعلت هذا؟
стр. 1367
فيقول: علمت أنكم تعزوننى على الغفلة، وتقولون: أجبره الله، يعني تعزيته على العادة، فقدمت ذكر الله تعالى بالغفلة بلحيتى.
***
نكت من إشاراته وغرائب من استشهاداته وتمثلاته
كان الشبلى يقول: أعمى الله بصرا يراني ولا يرى في آثار القدرة، فأنا أحد آثار القدرة، وأحد شواهد العزة، ولقد ذللت حتى عز في ذلتى كل ذل، وعززت حتى ما تعزز أحد إلا بي، وبمن به تعززت.
وقال: طلبت العلوم إلى أن طلعت الشمس، فقلت: أريد فقه فقالوا: لسنا نعرف ما تقول.
وكان يقول: يا دليل المتحيرين، زدنى تحيرا في عظمتك وجلالك
وجاء رجل إلى الشبلى، فقال: كم تهلك نفسك بهذه الدعاوى، ولا تدعها؟
فأنشد متمثلا:
إنى وإن كنت قد أسأت له اليـ … ـوم لراج للعطف منه غدا
أستدفع الوقت بالرجاء وإن … لم أر منكم ما أرتجى أبدا
أعز نفسى بكم وأخدعها … نفسي ترى الغى فيكم رشدا
وسأله سائل: هل يتحقق العارف بما يبدو له؟
فقال: هل يتحقق بما لا يثبت له؟ وكيف يطبق إلى ما لا يظهر؟ وكيف يأنس بما لا يخفى؟ هو الظاهر والباطن وأنشد:
فمن كان في طول الهوى ذاق سلوة … فإني من ليلى لها غير ذائق
стр. 1368
وأكثر شيء نلته من وصالها … أمانى لم تصدق كلمحة بارق
كيف يصح لك التوحيد، وكلما ملكت شيئا ملكك، وكلما أبصرت شيئا أسرك؟
وقال رجل للشبلى: هل شاهده أحد بحقيقة (٨٦).
فقال: الحقيقة بعيدة، ولكن ظنون وأمان وحسبان، ما إن ترى له تحقيق حال، شوشه بالتلبيس والإشكال، وأنشد:
وكذبت طرفى فيك والطرف صادق … وأسمعت أذنى فيك ما ليس تسمع
ولم أسكن الأرض التي تسكنونها … لكى لا يقولوا أنني فيك مولع
فلا كبدى تهدا ولا لك رحمة … ولا عنك إقصار ولا فيك مطمع
وسئل إلى ماذا تحن قلوب العارفين؟
فقال: إلى بدايات ما جرى لهم في الغيب من حسن العناية في الحضرة لغيبتهم عنها.
وأنشد:
سقيا لعهد كم الذي لو لم يكن … ما كان قلبى للصبابة معهدا
* وقيل له: إلى ماذا تستريح قلوب المشتاقين؟
قال: إلى سرور من اشتاقوا إليه وموافقته وأنشد:
أسر بمهلكي فيه لأنى … أسر بما يسر الألف جدا
ولو سئلت عظامي عن بلاها … لأنكرت البلا وسمعت جحدا
قال الصعلوكي: ووقف سائل على حلقته، فجعل يقول: يا الله يا جواد،
стр. 1369
فتأوه الشبلى، ثم قال: كيف يمكنني أن أصف الحق بالجود، ومخلوق يقوله في شكله:
تعود بسط الكف حتى لو انه … تناها لقبض لم تجبه أنامله
تراه اذا ما جئته متهللا … كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفه غير نفسه … لجاد بها فليتق الله سائله
هو البحر من أى النواحي أتيته … فلجته المعروف، والجود ساحله
ثم بكى وقال: بل جواد، فانك أوجدت تلك الجوارح، وبسطت تلك الهمم، ثم مننت بعد ذلك على أقوام بالاستغناء عنهم، وعما في أيديهم بك، فانك الجواد، كل الجواد، فانهم يعطون عن محدود، وعطاؤك لا حد له ولا صفة، فيا جواد يعلو كل جواد، وبه جاد كل من جاد.
وحكى أبو عمران: أن أبا الحسن النورى، والجنيد، أصابتهما علة، فأخبر الجنيد وكتم النورى، فقيل للنورى: لم لم تخبركما أخبر صاحبك؟
فقال: ما كنا نبتلى ببلوى نوقع عليها الشكوى، ثم أنشد:
ان كنت للسقم أهلا … فأنت للشكر أهلا
عذب فلم تبق قلبا … يقول للسقم مهلا
فذكر ذلك للجنيد، فقال: ما كنا شاكين، ولكنا أردنا أن نكشف عن عين القدرة فينا، وأنشد:
أجل ما منك يبدو … لأنه عنك جلا
وأنت يا أنس قلبي … أجل من أن تجلا
أغنيتنى عن جميع … فكيف لي أن أملا
فبلغ الشبلى ذلك فقال:
محنتي فيك أنني … لا أبالي بمحنتي
стр. 1370
يا شفائي من السقا … م وان كنت علتي
تبت دهرا فمذ عـ … ــرفتك ضيعت توبتي
قربكم مثل بعدكم … فمتى قرب راحتي
وسئل ما أفضل الطاعات فقال:
اذا محاسني اللتي أدلى بها … كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
وقال أبو القاسم الدمشقى: كنت واقفا يوما على حلقة الشبلي فجعل يبكى ولا يتكلم، فقال له رجل: عافاك الله! الى متى هذا البكاء؟ فأنشد يقول:
اذا عاتبته أو عاتبوه … شكا فعلى وعدد سيئاتي
أيا من دهره غضب وسخط … أما أحسنت يوما في حياتي
وقال بعضهم: دخلت على الشبلى، وقد صاح وهو يقول:
على بعدك لا يصـ … ــبر من عاداته القرب
ولا يقوى على حجبك … من تيمه الحب
فان لم ترك العـ … ــين فقد يبصرك القلب
وقال رجل للشبلي: ادع الله لي: فقال:
مضى زمن والناس يستشفعون بي … فهل لي الى سعدى الغداة شفيع
وقالوا له: نراك جسيما بدينا، والمحبة تضنى،
فأنشد:
* أحب قلبى وما درى بدني … ولو درى ما أقام في السمن
وكثيرا ما كان ينشد:
ولى فيك يا حسرتي حسرة … تقضى حياتى وما تنقضي
стр. 1371
قال بعضهم: كنت يوما في بيت الشبلي، فأخر العصر، ونظر إلى الشمس قد نزلت للغروب فقال: الصلاة يا سادتي، فقام وصلى، ثم أنشد متداعبا وهو يضحك، وقال: ما أحسن من قال:
نسيت اليوم من عشقى صلاتى … فلا أدرى غدائى من عشائي
بذكرك سيدى أكلى وشربي … ووجهك ان رأيت شفاء دائي
ورئى خارجا من المسجد في يوم عيد وهو يقول:
اذا ما كنت لي عيدا … فما أصنع بالعيد
جرى حبك في قلبي … كجرى الماء في العود
قال أبو بكر الرازي: سمعت الشبلي يقول:
ما أحوج الناس إلى سكرة
قلت: أى سكرة؟
قال: سكرة تغنيهم عن أنفسهم وأفعالهم، وأحوالهم.
وأنشد:
وتحسبنى حيا وانى لميت … وبعضى من الهجران يبكي على بعضى
وأنشد أيضا:
ومن أين لى أين واني كما ترى … أعيش بلا قلب وأسعى بلا قصد
***
ذكر نكت من حكمه وفوائد
سئل الشبلى عن الزهد، فقال: تحويل القلب من الأشياء الى رب الأشياء.
стр. 1372
قال أبو بكر الأبهرى: سمعته يقول مرة: من لم يراع أسراره مع الحق، لا تكشف عن عين الحقيقة ندره.
وسئل عن أعجب الأشياء فقال: عبد عرف ربه ثم عصاه.
وقال: التصوف ترويح القلب بمراوح الصفاء، وتجليل الخواطر بأروقة الوفاء، والتخلق بالسخاء، والبشر في اللقاء.
وقال التصوف حب الجليل، وبغض القليل، واتباع التنزيل، وخوف التحويل.
فقيل له: من الصوفى؟
قال: الذى لا يسأل، ولا يرد، ولا يدخر.
قيل: من الفقير؟
قال: الذي يأنس بالعدم، كما يأنس بالوحدة.
وقال أيضا: التصوف ضبط حواسك، ومراعاة أنفاسك.
وسئل عن الدنيا فقال: قدر يغلى، وحسن يبلى.
وسئل عن الاخلاص وترك التصنع فقال: هو ألا يكون لكلام غيره لافظا، ولا لغير ربه ملاحظا، ولا يرى لنفسه دون ربه حافظا.
وسئل عن الفتوة، فقال: فتوة أهل الدنيا أن يعطى الرجل قبل السؤال، ولا يرد بعد السؤال، وفتوة أهل الآخرة بأن لا يفعل ما يخشى عليه ملام الناس عند الرؤية في السر والعلانية.
وقال أيضا: الفتوة الصدق عند الامتحان، والرفق عند الجفاء، والبذل عند الفاقة.
وقال: الوفاء الاخلاص بالنطق، واستغراق السرائر بالصدق.
وسئل: ما يقمع الهوى؟
فقال: رياضات الطباع، وكشف القناع.
стр. 1373
وقال: ليكن همك معك، لا يتقدم ولا يتأخر.
وسئل عن السماع، ومذهب المتصوفة فيه فقال: ظاهره فتنة، وباطنه عبرة، فمن عرف الاشارة حل له استماع العبرة، والا فقد استدعى الفتنة، وتعرض للبلية.
وقال له قائل: ربما مرت بى آية من كتاب الله فتحدوني على ترك الأشياء والاعراض عن الدنيا، ثم أرجع الى أحوالى والى الناس.
فقال الشبلى: ما اجتذبك اليه، فهو عطف منه عليك ولطف، وما ردك الى نفسك، فهو شفقة منه عليك.
وسمع * قائلا يقول: الخيار عشرة بدانق، فصاح وقال: اذا كانوا كذلك فكيف الشرار؟
وقال: نعسة فى ألف سنة فضيحة.
وقال للحصرى: ان حضر ببالك من الجمعة الى الجمعة أن تاتيني لغير الله، فحرام عليك أن تحضرني.
وقال له الجنيد: لو رددت أمرك الى الله سبحانه لاسترحت.
فقال له الشبلي: يا أبا القاسم! لو رد الله أمرك اليك لاسترحت.
فقال الجنيد: سيوف الشبلى تقطر بالدماء.
وقال الشبلى: سهو طرفة عين عن الله لأهل المعرفة، شرك بالله.
وقال: الفرح بالله أولى من الحزن بين يدى الله.
وقال: من عرف الله لا يكون له غم أبدا.
وقال: ليس من احتجب بالخلق عن الحق كمن احتجب بالحق عن الخلق، وليس من جذبته أنوار قدسه إلى أنسه، كمن جذبته أنوار رحمته الى مغفرته.
وقال: ذكر الله على الطمانينة يطفئ حرارة البلاء.
стр. 1374
وقيل له: ما علامة صحتك فى حالك؟
قال: لا يجرى على فى أوقات الغلبة ما يخالف حال الصحة.
وقال: ما أحد قال الله سوى الله، فان من قاله، قاله بحظ، فاني تدرك الحقائق بالحظوظ؟
وكان يقول: اياكم والدعوى وان وصلتم الى عين المعنى، فانه يبتليكم بالبلوى.
وقال له رجل: ذهب بصرك،
فقال: نعم بصرى الذى أراك به، وأما بصرى الذي أبصر به الحق، فهو باق.
وسئل عن التوحيد فقال: من أجاب عنه بالغاية فهو ملحد، ومن أومى اليه فهو عابد، ومن نطق به فهو عاقل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن توهم أنه واصل، فليس له حاصل، ومن رأى أنه قريب فهو بعيد، وكل ما ذكرتموه بأفواهكم، وأدركتموه بعقولكم، فهو مصنوع مثلكم.
وقال بعضهم: حضرت عند الشبلي يوم عيد في المسجد الجامع، وقد انصرف أكثر الناس من المسجد، وحوله جماعة، فسألوه الدعاء، فقال: اللهم أضربهم بسياط الخوف، واقتدهم بأزمة الشوق، واقلب نقمهم نعما، وأوقفهم عن مخالفة الرسوم وأعنهم على ملاحظة الفهوم، واغفر لهم ان انصرفوا عنك، ووفقهم ان أقبلوا عليك. خرب منازل فنائهم، واعمر منازل بقائهم، وكن لهم كما لم تزل، واشغل الكل بمفارقة الكل، ثم أنشد:
الناس كلهم بالعيد قد فرحوا … وما فرحت به والواحد الصمد
لما تيقنت أنى لا أعاينكم … غمضت عينى فلم أنظر الى أحد
стр. 1375
وقيل للشبلى: أن أبا يزيد البسطامى ذكرت عنده المواساة، فقال: وددت أن الحق تعالى جعلنى جسرا على ظهر جهنم، لكي يعبر الناس على ظهرى ولا يشقوا،
فقال الشبلي: لكني وددت أن الحق جعلنى ملء جهنم لكيلا يكون لأحد فيها مكان، وأفدى هذا الخلق الضعيف بنفسى.
***
وفاته واحتضاره
قال أبو عبد الرحمان السلمى: مات الشبلى في ذى الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
قال غيره: يوم الجمعة لليلتين بقيتا من الشهر.
وقال ابن نافع: سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة.
قال الخطيب: والأول أصح. وسنه سبع وثمانون سنة، ودفن في مقبرة الخيزران ببغداد. وقبره بها معروف.
قال الخلدى: سألت بكران خادم الشبلي: ما الذي رأيت منه عند موته؟
قال: قال لى: على درهم مظلمة، وتصدقت * على صاحبه بألوف، فما على قلبي شغل أعظم منه، ثم قال: وضئنى للصلاة. ففعلت، فنسيت تخليل لحيته، وقد أمسك لسانه، فقبض على يدى، وأدخلها فى لحيته، ثم مات ﵀.
فبكى الخلدى ثم قال: ما تقولون فى رجل لم يفته فى آخر عمره أدب من آداب الشريعة؟
قال خادمه: وجد الشبلى يوم الجمعة آخر ذى الحجة، خفة من وجع كان به، فقال لى: تنشط نمضى للجامع؟
قلت: نعم.
стр. 1376
واتكأ على حتى انتهينا الى الوراقين، فتلقانا رجل، فقال الشبلي: غدا يكون لى مع الشيخ شأن.
وصلينا ثم عدنا، فتثاقل غدا، ومات من الليل فقيل لى: في موضع كذا شيخ صالح يغسل الموتى، فدلوني عليه سحرا، فنقرت الباب خفيفا وقلت: سلام عليكم.
فقال: مات الشبلي؟
قلت: نعم،
فخرج الى، فاذا بالشيخ الذي لقيناه بالأمس،
قلت: لا اله الا الله! تعجبا، ثم قلت: بحق معبودك، من أين لك أن الشبلي مات؟
فقال: يا أبله! من أين للشبلى أن يكون لى معه شأن من الشأن اليوم؟
وذكر أن الشبلى لما احتضر قيل له: قل لا اله الا الله، فأنشد:
ان بيتا أنت ساكنه … غير محتاج الى السرج
وجهك المأمول حجتنا … يوم ياتي الناس بالحجج
لا أرانى الله من فرج … يوم أدعو فيك بالفرج
قال بعض أصحابه: رأيت الشبلى فى النوم، فقلت له: يا أبا بكر! من أسعد أصحابك بصحبتك؟
قال: أعظمهم لحرمات الله، وألهجهم بذكر الله، وأقومهم بحق الله، وأسرعهم مبادرة فى مرضاة الله، وأعرفهم بنقصانه، وأكثرهم تعظيما لما عظم الله من حرمة عباده.
ورآه آخر بعد موته فقال له: ما فعل الله بك؟
فقال: لم يطالبنى بالبراهين على الدعاوى، الا على شيء واحد: قلت يوما: لا خسارة أعظم من خسران الجنة ودخول النار،
стр. 1377
فقال لى: وأى خسارة أعظم من خسران لقاءى؟
***
أبو العباس أحمد بن محمد الطيالسي (٨٧)
كذا سماه أبو القاسم عبيد الشافعي، وذكره في أصحاب اسماعيل وكذا عده ابن حارث في أصحاب اسماعيل.
قال أبو القاسم الشافعي: أخذ عنه أبو الفرج.
وقد ذكره أبو بكر الأبهرى، فى كتابه، ونقل مقالته في مسألة عقد النكاح يوم الجمعة بعد الأذان.
وذكر أنه ممن أدركه، وهو من كبار أئمة البغداديين المالكيين.
ووجدت الدارقطني قد حدث عن محمد بن عمر المالكي، عن أحمد بن عبيد الله بن شاذان الطيالسي، فلا أدرى أهو هذا، اختلف في نسبه، أم هو غيره.
***
أبو العباس محمد بن أحمد بن الحسين بن بابونة الحنائي
من مشاهير أصحاب اسماعيل من البغداديين، روى عنه المبسوط.
ذكره ابن حارث، وصاحب الأوراق الحكمية.
***
أحمد بن سعيد البغدادي
مالكي فاضل، ذكره أبو عبد الرحمان السلمي في كتاب طبقات النساك الكبير.
стр. 1378
قال: ونزل أنطاكية للغزو، فمات بها وكان من أصحاب أبى القاسم الجنيد.
وذكره غيره.
***
أحمد بن محمد المالكي
من أصحاب الجنيد من هذه الطبقة، ويكنى بأبي الحسن.
وقال *: سمعت الجنيد يقول: سمعت السرى المنقطى يقول: لولا الجمعة والجماعات لطينت على الباب، لكن لنا اخوان قوتنا من الجمعة الى الجمعة النظر اليهم،
فقلت: صفهم لي.
قال: أغار عليهم أن تقع أعين الناظرين عليهم.
***
حامد بن أحمد المروزي
من شيوخ العلماء، وأئمة الصوفية المشاهير، وممن جمع علم الظاهر والباطن.
قال أبو عبد الرحمان السلمى فى تاريخه: هو أحد مشايخ مرو، ورحل الى أبي عثمان - يعنى الحرى - بنيسابور، وأقام عنده أياما، وكان على مذهب أهل الكوفة، فتركه ورجع إلى مذهب أهل المدينة، وكان فقيها عالما، غلب عليه الخوف فما فارقه حتى مات.
***
стр. 1379
ومن أهل مصر:
أحمد بن مروان ابن معروف المالكي (٨٨)
أبو بكر، وقد وجدت نسبه في موضع آخر: أحمد بن جعفر بن مروان بن محمد القاضي الدينوري، يعرف بالمالكي، وبالخياش، نزل مصر، وبها مات.
أخذ عن إسماعيل القاضي، ويحيى بن معين، وصالح بن أحمد بن حنبل، وأبى محمد بن قتيبة، وعلى بن عبد العزيز، وابن أبي الدنيا، ومحمد بن سعيد البرقى، وأبى محمد بن عبد المومن التنيسي، ومحمد بن عامر الزهرى.
وغلب عليه الحديث وشهر به، حدث ببغداد ومصر، وروى عنه الناس كثيرا، روى عنه أبو بكر الأبهرى، وأبو إسحاق التمار، وأبو محمد الضراب (٨٩) وابن أبي غالب البزار، وأبو بكر بن المهندس الأبهرى، وأحمد بن إبراهيم بن شاذان، وأبو حفص بن عراك، وأبو القاسم السدرى وغيرهم.
وضعفه أبو الحسن الدارقطني.
وألف فضائل مالك، وكتابا في الرد على الشافعي، وكتاب المجالسة (٩٠).
قال الفرغاني: وتوفى لعشر بقين من صفر سنة ثمان وتسعين ومائتين، وسنه أربع وثمانون سنة.
* * *
أبو العباس محمد بن أحمد بن صالح بن العلاء
ولى قضاء برقة، وتوفى سنة إحدى وثلاثمائة، ذكره ابن أبي دليم.
стр. 1380
أبو الطاهر قاسم بن عبيد الله بن مهدي
قاضى الطف، يروى عن أبي مصعب، وتوفى سنة أربع وثلاثمائة.
* * *
أحمد بن موسى بن عيسى بن صدقة الصدفي
مولاهم، يكنى بأبى بكر، ويعرف بالرباب، براء وبائين بواحدة، الأولى مشددة، كذا ضبطه الدارقطني والأمير، وهو مشهور.
وقال ابن أبي دليم فيه: أحمد بن محمد بن موسى، فقيه مشهور بمصر، من أصحاب محمد بن عبد الحكم.
قال الأمير: هو فقيه حدث يكتب الفقه، روى عنه أبو إسحاق بن الفرضي.
توفى بمصر سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، قاله أبو سعيد بن يونس.
* * *
أحمد بن محمد بن خالد بن ميسر
بياء باثنتين من أسفل وفتح السين المهملة وتثقيلها، كنيته أبو بكر، الأسكندراني.
يروى عن يزيد بن سعيد، ومحمد بن المواز، ومطروح بن شاكر، وأدخله الأصبحي عن مالك وغيره.
قال الشيرازى (٩١): وإليه انتهت الرئاسة بمصر بعد ابن المواز "وهو راوى كتبه، وعليه تفقه.
قال غيره: كان في الفقه يوازى ابن المواز" (٩٢) وألف كتاب الإقرار والإنكار.
стр. 1381
قال ابن فحلون - وذكره -: كان فقيه الأسكندرية وأفقه من يقول بقول مالك في ذلك الزمان.
قال ابن حارث: كلامه في مسائل كتاب ابن المواز تدل على جودة فهمه، روى عنه سعيد بن فحلون، وأبو هارون العمري البصري، بصرة فاس.
قال بعضهم: * كان فقيها عالما، إلا أن الناس كرهوه، لأن صاحب القيروان حين غلب على الأسكندرية، سنة وثلاثمائة، ولاه قضاءها، فحكمها إلى أن انهزم صاحب القيروان، فأخذ صاحب مصر ابن ميسر فحبسه، ثم أطلقه.
توفى سنة تسع وثلاثمائة (٩٣).
* * *
أبو عبد الله يحيى بن أزهر
معدود فيهم، مولى قريش، توفي سنة ست وثلاثمائة.
محمد بن زيان بن حبيب بن زيان بن حبيب الحضرمي
مولى الأشبا (٩٤)، من حضرموت، كنيته أبو بكر، وكان عالى الدرجة، يروى عن ابن رمح (٩٥) وعن أبيه.
وأبوه يكنى بأبي حريز (٩٦)، سمع من مالك بن أنس، وتوفى سنة أربع وستين ومائتين.
وتوفى أبو بكر سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
* * *
стр. 1382
أحمد بن الحارث بن مسكين القاضي
كنيته أبو بكر، تقدم ذكر أبيه، كان جلس مجلس أبيه بعده بجامع الفسطاط، وأخذ الناس عنه.
حدث عن أبي الطاهر، وعن أبيه، وأنكر الطحاوى عليه روايته عن أبيه، وكان مقبول الشهادة بمصر.
توفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
ومولده سنة تسع وثلاثين ومائتين.
* * *
أبو القاسم عتيق بن محمد بن يعقوب الكندي
صليبة، قتل بمكة سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
* * *
أبو الحسن القاسم بن هاشم العطار
توفى بمصر سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
* * *
عبد الله بن ابرهيم بن سليمان بن الشريف الحوتكي الحرسي
أبو اليمن القاضي.
وأبو الشريف كنية إبراهيم أبيه، من فقهائهم.
قال أبو نصر: رمى ببدعة فخرج إلى الحرس، فأقام بها إلى أن توفى سنة ثمان وثلاثمائة.
* * *
خالد بن محمد بن عبيد بن خالد الدمياطي
يعرف بابن عين الغزال.
стр. 1383
قال ابن يونس الصدفى: كان يتفقه على مذهب مالك.
حدث عن (٩٧) عبد الله بن أبي جعفر الدمياطى، وبكر بن سهل وعبيد بن خنيس.
توفى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.
وبيتهم بمصر بيت علم وجلالة.
تقدم ذكر أبيه أبى الشريف، وسيأتي نسبهم بعد هذا إن شاء الله تعالى.
* * *
أبو بكر بن رمضان "ابن الزيات"
قرأت بخط الحكم المستنصر بالله قال: هو محمد بن رمضان بن شاكر الحميدى، يعرف بابن الزيات، بزاى بعدها ياء باثنتين من أسفل، مالكي.
وقال غيره: كان مالكيا شافعيا، والمالكية أغلب عليه.
وابنه أحد المناضلين عن مذهب مالك، يأتي ذكره.
جلس أبو بكر في مجلس محمد بن عبد الحكم.
"كان أخذ عن الحارث بن مسكين، والربيع بن سليمان، بمصر ومحمد بن عبد الحكم" (٩٨).
روى عنه أبو بكر النعالى، وأبو حسن النمري.
وقال الطبني: أبو الحسن على بن يعقوب الزيات المعروف بابن رمضان، له زيادة أقوال بعض الفقهاء على زيادات البرقى في مختصر ابن عبد الحكم، فلا أدرى ما هو منه؟
стр. 1384
ذكر صاحب تاريخ قضاة مصر أن أبا هاشم المقدسي قاضيها، جمع الشهود وأهل مصر لأمر يركبون فيه إلى مكين أميرها، فوقفوا ركبانا ينتظرون خروجه، فلما خرج نظر إليهم، فقال:
ألم يكن معكم ابن رمضان؟
قالوا: نعم، هو ماش، "فنظر إليه قائما، فقال: قدموا له دابتي، وأسرج للقاضى غيرها. وقال" (٩٩): هذا مكافأه من أتانا ماشيا.
وتوفى أبو بكر هذا فيما قرأته بخط الحكم سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.
وجلس مجلسه ابنه بعده، وسنذكره بعد إن شاء الله تعالى.
* * *
أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي يوسف "ابن الخلال"
* يعرف بابن الخلال، من فقهاء مصر، درس بجامعها، وأخذ عنه الناس.
يروى عن محمد بن أصبغ وغيره.
روى عنه أبو القاسم عبد الله بن خيران.
وألف أربعين جزءا من منتقى قول مالك.
روى عن محمد بن أصبغ عن أبيه عن ابن القاسم، كتاب السر لمالك.
توفى فيما قاله ابن أبي دليم، صدر سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة.
* * *
ابن مهدان (١٠٠)
جليس ابن الزيات ﵀.
стр. 1385
ذكره في هذه الطبقة ابن أبي دليم، قال: وتوفي في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة.
* * *
أبو القاسم بكر بن محمد بن إبراهيم بن المواز
الأسكندرانى، يروى عن أبيه، توفى بالأسكندرية سنة ست وعشرين.
* * *
أبو الحسن بن سوادة
معدود فيهم، توفى بمصر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
* * *
محمد بن الربيع بن سليمان بن داود الجيزي
مولى الأزد، تقدم ذكر أبيه، كنيته أبو عبد الله.
يروى عن أبيه، وعن محمد بن عبد الحكم، وحدث عنه القابسي (١٠١) كثيرا، وسعد ابن عبد الحكم، ويونس، وأحمد (١٠٢) وسعيد بن عبد الحكم، ويونس بن سعيد الهمداني (١٠٣)، والمغامي، ويوسف بن سعيد المصيصى، وعلى بن عبد العزيز، ويحيى بن نصر وغيرهم. وكان مقدما في شهود مصر.
وألف مسند موطأ ابن وهب، وكتاب قضاة مصر.
ولد سنة أربع وثلاثين ومائتين. وتوفى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
стр. 1386
روى عنه إبراهيم بن علي، وغالب التمار، وزياد بن يونس السدرى، وحدث عنه الناس كثيرا.
قال أبو الحسين بن جهضم: هو أحد المشهورين بالصدق، والحديث، والدين، والعدالة.
وذكر عنه أنه قال: غزوت ومعى رمح جيد، فتعرض لي بعض الطرسوسيين ببيعه، فأبيت عليه، وسألنى ذلك فامتنعت، فلما كان بعد أيام لقيني وقال: بأي شيء كنت تحرز نفسك ورحلك؟
فسألته السبب لأخبره.
فقال لي: لما سألتك في الرمح وأبيت، جعلت في نفسي أن آخذه ليلا، وأغيبه، فلما نام الناس قمت من موضعى وأنا أنظر الرمح منصوبا عندك، فلما جئت رحلك لم أر الرمح، "فبقيت متعجبا، ورجعت إلى موضعى وأنا أرى الرمح" (١٠٤) فعاودت ذلك مرارا فلم أره، فعلمت أنه محجوب على.
فقال أبو عبد الله: إني كنت قرأت آية من كتاب الله، ذكرها، ولم يعرفها ابن جهضم.
* * *
عبد الرحمان بن القاسم بن حبيش بن سليمان بن برد
تقدم في هذه الطبقات ذكر أبيه وجده وأبى جده من بيت معرق في العلم، كنيته أبو القاسم.
كان فقيها عالما، عارفا باختلاف أشهب، يروى عن ابن غسان السوسي (١٠٥)، توفى في صفر سنة خمس وعشرين.
ابن عمه أبو بكر محمد بن أحمد بن سليمان بن برد.
стр. 1387
ذكره ابن أبي دليم، وابن حارث في هذه الطبقة، وتوفى سنة ست عشرة وثلاثمائة (١٠٦).
* * *
أبو بكر بن أبي الطاهر
من فقهاء المالكية بمصر والمدرس بجامعها، توفى سنة ست وعشرين.
* * *
أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي يونس
واسم أبي يونس أيوب.
قال ابن أبي دليم: كان حافظا للمذهب، قائما على الكتب الدمياطية وكان متقدما بها، وإليه كانت رياستهم فيها، إلى أن مات سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
* * *
أبو علي الحسن بن هارون الفرسي
كانت له بفسطاط مصر حلقة في المذهب، وكان عدلا توفى سنة أربع وثلاثين.
* * *
* أبو النجا الفرضي
واسمه محمد بن مطهر بن عبيد الضرير البصري *
قال ابن ملول الوشقى نزيل مصر في تاريخه: ما رأيت بصيرا ولا مكفوفا قط أعلم منه بالفرائض.
стр. 1388
قال: وكان حسن العلم بمذهب مالك، وألف فيه كتابا، وكان بصيرا بالنحو والعربية شاعرا عفيفا حليما، زكيا، وألف في علم الفرائض تواليف عالية: كتاب المقنع، وكتاب الناصر، وكتاب العريض، وإليه فيها المفزع.
وله فيها أشعار في باب المعاياة والمحاجاة بديعة.
حدث عنه أبو على بن السكن، وابن أبي غالب، ومحمد بن صالح المصرى، وأبو عبد الله بن خراسان النحوى.
قال أبو النجا: قال لي أبى ﵀: أول ما ولد لي بنت، فكان في نفسى من ذلك شيء، وكنت أشتهي أن يولد لي ذكر، فلما حملت بك أمك، رأيت في النوم كأنى في المسجد الجامع بالأسكندرية، فأنا أمشى فيه ولا أرى أحدا، حتى أتيت المحراب، فإذا رجل فيه يصلى فجلست وراءه، فلما سلم أقبل على واحتضنني وهش إلى، فجعلت أقابله من الكلام بما يشبه، فعلم بي، فقال لي: أتعرفني؟
فقلت: لا،
فقال: أنا النبي محمد ﷺ ، أنا أحبك والحسن والحسين يحبانك، وقد حمل لك بغلام.
قال: فأحسبنى، قلت: يا رسول الله أدع الله لي ولولدى. ففعل.
فلما قرب الولاد الشك من أبى النجا قال لأمه: سمه محمدا، باسم الذي بشرني به.
قالت: فإنى كنت مستندة إلى الصندوق، وأنا جالسة، حتى أغفيت بعض الإغفاء، فرأيت كأن امرأة قد بركت على، وأكبت على جوفى، فكأنها تكلم ما فيه وتناديه: "أبا النجا! أبا النجا! " مرتين.
ولم يكن نومى متمكنا، ففتحت عينى فلم أر أحدا.
فقلت لها: كنيه بما رأيت، وسميه بما رأيت.
стр. 1389
قال أبو النجا: قال لي أبو علي الواسطى، في مسألة جرت من الاستثناء، معناها على عشرة إلا أربعة، إلا واحدا.
فقلت: الذي عليه سبعة، لأن الاستثناء الثاني مستثنى من الأول.
فقال لي: لا يكون استثناء من استثناء وليس عليه إلا ستة.
فقلت له: هذا جائز في العربية وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ (١٠٧). فاستثنى آل لوط من المجرمين، واستثنى من آل لوط امرأته.
وسئل أبو النجا عن هذين البيتين:
أتعرف من قد باع في مهر أمه … أباه فوفاها بحق صداقاها
وكانت قديما أشهدت كل من رأت … بأن أباه قد أبت طلاقها
فأجابه أبو النجا:
إذا أنت عقدت المسائل ملغزا … أتتك جوابات تحل وثاقها
نزوج عبد حرة أنتجت له … فتى وأتى حنث أبان فراقها
فأنكحها مولاه من بعد رغبة … لما قد رأى منها وأسنى صداقها
فوكلت ابن العبد في قبض مهرها … وفلس مولاه وأبدى إعتياقها
فباع الوكيل العبد بالحكم إذ رأى … هوى أمه في بيعه وارتفاقها
стр. 1390
وسئل أيضا عن هذه الأبيات:
أنا ابن ربيب صنو أخي فعمى … يقول إذا رآني جاء عم
وما فينا بحمد الله أنثى … ولا ذكر تذرع ثوبا لا ثم
* ولا فينا مجوسى جهول … يحلل لابن أم وطء أم
فبين عن مناسبنا امتنانا … فأنت إمامنا في كل علم
فأجابه:
أيا سائلا أضحى يعمى … على الفرائض خذها عنى يفهم
أخوك لأمك صنو المدانى … لأم أبيك زوج غير وهم
وابن أخيك منها بغير شك … أخ لأبيك تدعوه لأم
فذاك إذا رآك يقول عمى … وأنت إذا أتاك تقول عم
وسئل أيضا:
وقاك الإله صروف الليالي … أتى من يسائل عن إرث مال
فقلت مقالا فأعيى مقالى … تراثى فافهم جواب السؤال
لخالى ابن عمى وعمى ابن خالى
стр. 1391
فأجابه أبو النجا بقوله:
أتاك جواب قريب التنا … ول جم الفوائد سهل المنال
شريف المبانى لطيف المعاني … قليل التكلف سمح المقال
تزوج عمك ثم أبوك … بلا دلس رغبة في الجمال
بأختين جدهما جدكم … تكنفكم نسب في المعالى
فجاء ابن عمك عم ابن خا … لك لا شك فيه على كل حال
له الإرث أجمع دون المنا … زع من ذى ولاء ومن بيت مال
قال ابن ملول: توفى سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
* * *
ابن أبي مطر المعافرى
هو أبو الحسن على بن عبد الله بن أبي مطر المعافري، هكذا نسبه المحقق المشهور.
وذكر بعضهم: أنه من ولد أبي موسى الأشعرى، وقيل من الأشعريين.
فقال بعضهم: على ابن عبد الرحمان.
وقيل: عبد الله بن عبد الله بن أبي مطر.
وقيل: على بن أحمد.
стр. 1392
وقيل: على بن عبد الله بن عبد الرحمان، وقاله أبو القاسم الجوهرى، وهو الأصح.
وأبو مطر اسمه الحسن بن يزيد بن ثمامه الإسكندراني، القاضي بها، سمع ابن المواز، وروى عنه كتابه، وسمع محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، وسليمان بن شعيب الكيسانى وبحر بن نصر، والربيع بن سليمان المرادى، ونصر بن محمد وابن أخى ابن وهب.
وقال أبو عبد الله بن الحدا: إن ابن أبي مطر لم يسمع جميع الكتاب من ابن المواز، بل بعضه أجازة.
سمع منه القاضي أبو الحسن الملياني، وأبو القاسم الجوهرى، ودراس بن إسماعيل الفاسي، وغير واحد، وكانت الرحلة إليه في كتاب بن المواز بالأسكندرية، وكان قاضيها، وعمر.
قال أبو الوليد الباجي: هو شيخ صالح.
وقال ابن أبي زيد: كان فقيها بمذهب مالك وله رواية في الفقه والحديث، صالحا، مجاب الدعوة.
وتوفى بالأسكندرية سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
مولده سنة إحدى وأربعين ومائتين.
وخلفه بعده في القضاء، والعلم ولده.
قال الفرغاني: لما مات ولى بعده قضاء الأسكندرية ابنه أبو مطر، شيخ صالح.
قال غيره: واسمه الحسن، يروى عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن خزيمة.
روى عنه أبو القاسم خلف بن محمد.
قال الفرغاني: ثم توفى أبو مطر، وأرخ وفاته سنة تسع * وثلاثين وثلاثمائة، والله أعلم بصحة ذلك.
قال: فولى بعده ابنه ولم يسمه. وأرى اسمه عبد الله.
стр. 1393
وقد ذكر أبو ذر في معجمه فيمن سمع منه بالأسكندرية، القاضي أبا مطر، على بن عبد الله بن الحسن بن علي بن عبد الرحمان المعافرى، وقد بين أسماءهم في هذا النسب، والله أعلم بصحة ذلك.
وسمع أبو مطر هذا من حمزة الكناني، والحسن بن جعفر السعدي، وأبى الحسن الحراني، وأبى جعفر بن نصر المقرئ، والحسن بن رشيق، وابن خروف وغيرهم.
حدث عنه أبو ذر الهروى، وأبو عبد الله القضاعي، وابن ابنه أبو محمد عبد الواحد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن أبي مطر.
وحدث عن حفيده عبد الواحد هذا أبو جعفر أحمد بن يحيى بن الجارود المقرئ.
* * *
محمد بن أحمد بن عبد العزيز
ابن منير الحراني الإمام، يعرف بابن أبي الأصبع، يكنى أبا بكر.
سكن مصر، وولي إمامة جامع الفسطاط، وكان أحد فقهائها، وله حلقة بجامعها.
حدث عن القراطيسي، وهاشم المطراني وأبي الزنباع.
حدث عنه ابن عراك، وعبد الوهاب بن الحسن البصري وغيرهما.
"قال أبو عمرو المقرئ: روى الحروف عن عبد الله بن عيسى، والقراءة عن أحمد بن هلال، وكان ذا فقه على مذهب مالك ﵀، وراوية للحديث" (١٠٨).
قال ابن حارث: كان فقيه مصر.
وقال ابن أبي زيد: كان فقيها بمذهب مالك، روى عن أصحاب الحديث، مع أدب ولغة وعلم بالقرآن، وطيب صوت، وعدالة.
قال ابن مفرج: وتوفي في شوال سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
стр. 1394
ويعرف بالحراني لأنه كان يتجر بالزرنيخ والمرتك وشبهه، وأهل مصر يسمون من يتجر بهذا حراني.
وذكر أبو الحسن الدارقطنى أبا إسحاق إبراهيم بن منير، قال: وهو عم ابن أبي الأصبع الفقيه، يروى عن أبي مصعب الزهري، توفى سنة ثلاث وثلاثمائة.
* * *
ومن أهل أفريقية:
حماس بن مروان بن سماك الهمداني
صليبة، أبو القاسم القاضي، معدود في أصحاب سحنون، سمع منه صغيرا، كان يختلف إليه مع خاله ابن علاقة (١٠٩)، ويقال أنه لم يكمل منه سماع المدونة. وقيل: بل بقى عليه منها النكاح الثاني فقط.
قال أبو العرب (١١٠): سمع بمصر من محمد بن عبد الحكم وغيره، وبافريقية من سحنون، وحماد السجلماسي، وأبي الحسن الكوفي، وابن عبدوس.
قال الشيرازي (١١١) وابن حارث: وتفقه بابن عبدوس.
قال أبو العرب: وكان صالحا، ثقة، ورعا، عدلا في حكمه، مأمونا، فقيه البدن، بارعا في الفقه، وكان الفقه أكثر شأنه، سمع منه الناس.
وسمع منه أبو العباس بن ريان، وأبو العرب، وأبو محمد بن خيران.
قال ابن أبي دليم: (١١٢): وكان جيد القريحة.
стр. 1395
وقال ابن حارث (١١٣): اختلف إلى سحنون في الصغر، فلما مات واظب ابن عبدوس فانتفع به، فكان يعد من أفقه أصحابه، وأفقه أهل القيروان، عالما، أستاذا حاذقا بأصول علم مالك وأصحابه، جيد الكلام عليه، يحكى في معانيه ابن عبدوس، حتى لقد قال القائل: كان الاسم في ذلك الوقت ليحيى بن عمر، والفقه لحماس.
وكان بعضهم (١١٤) يقول: لما دخل حماس حلقة محمد بن عبد الحكم، وابن عبد الحكم لا يعرفه، وتكلم (١١٥) حماس، فصرف إليه ابن عبد الحكم وجهه، ثم زاد في الكلام، ثم سأله ابن عبد الحكم عن مسألة من الجراح، فأجابه، ثم سأله عن أخرى فأجاب وجود، فقال ابن عبد الحكم: يمكن أن تكون حماس بن مروان؟
قال: نعم،
فعاتبه إذ لم يقصد إليه. ثم قربه وأكرمه.
قال لقمان بن يوسف: لما قدم علينا يحيى بن عمر من المشرق أتاه بعض أصحابنا فقال له: إن لنا * حلقة يجتمع فيها يوم الجمعة أصحابنا، فلو تفضلت وحضرتهم فترى كيف هم؟
فجاء به - وأنا معه - يحيى إلى القوم، فأكرموه وجلس معهم (١١٦) وفى القوم حماس بن مروان، وابن أبي فيروز، وسرور، وابن أخت جامع (١١٧).
فأخذ محمد بن بسطام يسأل عن تفسيرات محمد بن عبدوس التي ألفها في الشفعة والقسم وأشباه ذلك، وحماس بن مروان يجاوب، وباقى القوم يتكلم كل واحد منهم بما تهيأ له، ويحيى بن عمر ساكت،
стр. 1396
فلما انقضى مجلسهم وقام يحيى بن عمر، سأله (١١٨) الرجل الذي جاء به: كيف رأيت - أصلحك الله - أصحابنا؟
فقال: ما تركت ببغداد من يتكلم في الفقه بمثل هذا الكلام.
* * *
ذكر فضائله وزهده
قال أحمد بن نصر: رأيت حماس بن مروان في ليلة جمعة يختلف، فقلت: أصلحك الله ما هذا؟
فقال: عندنا شعير أخذته رائحة المطر، ليس يأخذه منا البغالون (١١٩)، فطحنا منه جشيشا نتزود (١٢٠) من خبزه، ورأيت البارحة الشعير خرج من الفرن (١٢١)، فتفكرت (١٢٢) في بيوت أزواج النبي ﷺ ، وأنه لم يكن فيها شيء من ذلك، وطالما اشتاقوا إليه، فلما أكلته عرض لي منه ريح.
ولما حضرته الوفاة أمر ببيع كتبه في كفنه.
وكان من تواضعه وزهده يفتح القناة بنفسه، ويكسر الحطب على باب داره، والناس حوله يختصمون إليه ويسألونه.
وقام (١٢٣) رجل يراعى قميص حماس وفيه خرق تظهر منه الضرورة الفاضحة (١٢٤)، فقال: أصلحك الله، هذا خيط من أصله كذا، وابرة من أصلها كذا (١٢٥)، فأحب أن تأذن لي في خياطته.
فقال: يا أخى لهذا الخرق سبعة عشر سنة، ما ضرنا (١٢٦) منه شيء، والأمر أعجل من ذلك.
стр. 1397
ويقال أنه خرج ذات ليلة من بيته، وابنه سالم يتهجد (١٢٧)، والعجوز في بيتها تقرأ وتركع وتبكي، والخادم تصلى، فوقف في القاعة وقال: يا آل حماس ألا هكذا فكونوا.
وذكر أنهم باعوا الخادم، فاشتراها قوم، فرأتهم لا يصلون بالليل، فظنت لعادتها أن من لم يصل بالليل ليس بمسلم، فهربت منهم لدار حماس، وقالت لهم: يحل لكم؟ بعتمونى من اليهود لا يصلون بالليل.
وكان يلبس الصوف، وربما لبس قميصا وغلالة ومنديلا، والمئزر في وسطه.
وذكر أن دابة سقاء صدمته فوقع وانكشف، وتبين أنه لم يكن عليه سراويل، فلما جلس مجلس قضائه، أمر من (١٢٨) ينادى: لا يمشى صاحب دابة إلا ورسنها في يده.
وقيل لمروان الزاهد (١٢٩): رأيت (١٣٠) الخضر ﵇ (١٣١).
قال: نعم، سرت إلى الجامع يوم جمعة، فجلست تحت الصومعة حتى خرج رجل في زى بغدادي، من باب النصر (١٣٢)، يتخطى الرقاب، حتى جلس بجوارى، فلما سلم الإمام عطف على وقال لي: تمضى تفتقد رجلا صالحا:
فقلت: من هو؟
قال: حماس.
فسرنا ودخلنا على حماس، وسلمنا عليه، فرأيت حماسا ينظر إلى، ثم سلمنا وخرجنا.
стр. 1398
ثم زرت حماسا بعد ذلك، فقال لي: أنت يا مروان رجل صالح، أتعرف الرجل الذي جاءك بالأمس؟ ذلك أبو العباس الخضر ﵇.
وقال: إنك رجل صالح.
* * *
ذكر ولايته القضاء وسيرته
وولى زيادة الله بن الأغلب قضاء أفريقية حماسا، عند عزله الصدينى عن قضائها، وكان الصديني خبيثا معتزليا، فأراد زيادة الله أن يستحمد (١٣٣) العامة بولاية حماس، فكتب (١٣٤) إليهم: أنى عزلت عنكم الجافي الحلق المبتدع، ووليت حماس بن مروان لرأفته ورحمته وطهارته وعلمه بالكتاب والسنة (١٣٥). * وذلك في رمضان سنة سبعين ومائتين (١٣٦)، فرضيت الخاصة والعامة، وسرت به.
قال أبو العرب: فجمع الله به القلوب النافرة، والكلمة المختلفة وفرح به أهل السنة، وكان في القيروان لولايته فرح شديد.
قال ابن حارث: كان من أفضل القضاة وأعدلهم (١٣٧)، وكان في علم القضاء حسن الفطنة والنظر، لفضل فقهه في الفتيا، من أهل الدين والفضل، وولى الأسواق (١٣٨) أبا القاسم الطرزى (١٣٩)، وكانت أيامه أيام حق ظاهر، وسنة فاشية، وعدل قائم، وأجلس معه أربعة من الفقهاء، موسى القطان ونصر السدوسي (١٤٠)، وأبا عبد الله الضراب، وعبد الرحمان الوزنة (١٤١) وسألهم أن ينظروا
стр. 1399
فيما (١٤٢) يدور في مجلسه، ولا يحكم بين خصمين حتى يناظرهم في قضيتهما.
قال أبو بكر المالكي: كان حماس يلبس الصوف الخشن، ولم يركب في ولايته، فإذا خرج إلى منزله بالبادية خرج على حمار بشند دون خف، وكان متقللا في طعامه لم يكتسب (١٤٣) دينار ولا درهما، يتقوت بما يأتيه من منزله، ولم يأخذ على القضاء أجرا، وكان يشترى ما يحتاج إليه من بقل وزيت من شعيره، فيتأدم به عند إفطاره.
قال بعضهم: وجدنا في مجلسه نصف درهم، فعرفناه به، فقال: انظروا لمن هو، والله لا يملك آل حماس الليلة صفرا ولا بيضا غير طعام لقوتنا (١٤٤).
وحكى عنه (١٤٥) أنه مر بمتداعيين يقول أحدهما لصاحبه: هذا طابع القاضي.
فقال له الآخر: طابعه في كذا وكذا منه.
فقال لهما: - وهما لا يعرفانه، وهو مقبل من باديته على حمار بشند، وعليه جبة صوف ومنديل صوف، على رأسه -: افترقا، ولينصف بعضكما بعضا، لا يسمعكما القاضي.
قال أبو العرب: واستكتب ابنيه سالما وحمودا، وأبا جعفر أحمد بن نصر، وكان كتب له ابن الخشاب أولا، وكانوا قوما صالحين (١٤٦).
قال سليمان بن محمد: لما وجه وراءه زيادة الله للقضاء، قال له: لا (١٤٧) أستطيع.
فقال له ابن الصائغ: يأخذك (١٤٨) بمذهبك.
стр. 1400
فقال له: على شرط، أتخير من يكتب لي.
قال: نعم.
فتخير ابن الخشاب، وابن نصر، فقالا: ما نقوى على ذلك، فقال لهما حماس: يتولى أحدكما وأنا أكتب له.
وقال لابنيه: الزما القرية، ولا تأتيانى إلا يوم (١٤٩) عيد، ولا تحضرا في مجلس حكمي.
ولما ولى ابن الخشاب قضاء رقادة، استكتب ابنيه ثقة بمكانهما (١٥٠).
ولما بلغه إكثار الناس القول في تجهيله، لإحضاره الفقهاء، وقلة علمه، أخرهم عن لزوم مجلسه (١٥١).
ولم يكن يهاب في الحق أحدا ولا يداريه، وألقى ذلك بينه وبين ابن الصائغ، صاحب البريد، وكبير دولة زيادة الله، والغالب عليها، عداوة (١٥٢)، ولا سيما لمخالفة (١٥٣) المذهب، وأنه كان لا يدخل تحت طوعه، ويبدأ باسمه عليه إذا خاطبه، فسعى في طلبه والغض منه (١٥٤)، فولى زيادة الله محمد بن أحمد بن جيمال (١٥٥) من أهل العراق، القضاء معه، ورفع من شأنه، ونادى مناديه: إذا تداعى الخصمان إليه، وإلى حماس، صارا إليه (١٥٦) دون حماس.
فلما رأى حماس ذلك، رفع ديوانه ومضى إلى رقادة، فأقام بجامعها ستة أشهر يطلب المعافاة، فقيل له: ليس لك إلا ابن الصائغ الذي سعى عليك.
стр. 1401
فقصده، فلما دخل عليه قام ابن الصائغ إليه، وسأله عن حاجته، فذكر أنه يرغب في المعافاة.
"فقال له: ترجع كما كنت أو أعز.
فقال: لا أحب إلا المعافاة (١٥٧).
فسعى له عند زيادة الله في ذلك.
وقال له: قد خيرك، أن أحببت أن ترجع قاضيا كما كنت، وإن أحببت عافيناك.
فقال: المعافاة أحب إلى.
فعافاه، وكتب له سجلا لحفظه (١٥٨) ومعافاته.
وقد قيل في * معافاته غير هذا، فعوفى في جمادى الأولى سنة أربع وتسعين.
قال ابن حارث: لما عوفى لزم بيته حتى لحق بالله.
قال أحمد بن موسى: كسفت الشمس وقت الزوال، فخرج حماس من داره، وهو قاض، خاشعا حافيا، والطلبة حوله، إلى الجامع، فصلى بالناس فأطال، وقعد في التشهد، إذ سمع أذان عيشون بالظهر، فلما فرغ قال له: ما حملك أن تؤذن ونحن في صلاة سنة؟
فقال: دخل الوقت، والفرض أولى من السنة.
فقال له حماس: لو لم تخرج منها لعاقبتك.
قال موسى بن عبد الرحمان: قال لي حماس: تجلس معى يوما تنظر فيما يجرى بين الناس وبيني؟
قال: فجلست عنده يوما إلى آخر المجلس، فلما هم بالقيام قال لي: أذكرت شيئا؟
стр. 1402
قلت: لا والله إلا شيئا.
قال: وما هو؟
قلت له: حبست رجلا ولم يجله الكاتب (١٥٩).
قال بعضهم: كانت لي خصومة عند حماس في وصية، فشهد لي عليها لتبطل، فأعلمني حماس ما شهد على به، فسألت عن مسألتي، فقيل لي: هي شهادة فاسدة لا تلزمك، فلما كان في مجلس آخر قال لي: ما تقول فيما شهد عليك به؟
فقلت: أصلحك الله، هي شهادة فاسدة، ولا تضرني.
فقال لي أحمد بن نصر كاتبه: أوهم القاضي بالحال؟
فقلت له: تدبر مسألتي فقد قيل لي: هي شهادة فاسدة.
فخرج وقال: أنا أعلم بمسألتك، إن لم تأت بمنفعة، وإلا حكمت عليك، أخرج.
فلما كان من الغد، تراءيت له، فدعانى فقال (١٦٠) لي: يا بني! الرجوع إلى الحق خير من التمادى في (١٦١) الباطل، تدبرت مسألتك، والأمر على ما قيل لك - يعنى الشهادة فاسدة - وحكم لي بحقى.
قال أبو محمد بن خيران: كنت أختلف إلى حماس أستفيد منه، فوجدته مستلقيا، ورجل يعد له قبائح ابن (١٦٢) جيمال القاضي وما فعل، فلما خرج قال لي حماس: ماذا يلقى من ولى من أمور الناس شيئًا (١٦٣)؟ ما أراهم إذ (١٦٤) كنا ولينا إلا يتكلمون فينا.
فقلت له: ما كانوا يقولون فيك أصلحك الله إلا ما فيك.
стр. 1403
فجلس وتغير وجهه. وقال: وما ذاك؟
ورمت ترقيع ما قلت، فلم أقدر فقلت: شيئان: أحدهما أنك استكتبت ابنك حمودا وأحمد بن نصر، ولم تجعل بينك وبينهم (١٦٥) فرجة كما يفعل غيرك، فلا يضع أحدهما قلمه إلا وعينك على ما يكتب، فقال الناس: إن كانوا ثقاتا فلم يتهمهم (١٦٦)؟ وإن لم يكونوا ثقاتا فلم أستكتبهم (١٦٧)؟
فقال لي: أما أحمد بن نصر فوالله ما أعلم اليوم بأفريقية أعلم أو أحفظ منه، وأما ابنى فوالله ما لمطلعت منه على ما لا يرضى الله (١٦٨) قط، ولكنى أردت بذلك أن يسلموا من كلام الناس في الآخرة.
فقلت له: إنك لا تكتفى في الكشف عن الشاهد بواحد ولا اثنين ولا أربعة.
فقال لي: أرأيت هذه الحوانيت التي غصبها السلطان من أربابها، هل تعلم أحدا أخلى سكناها (١٦٩) بعد أخذها؟
قلت: لا
قال: وهل علمت أحدا أدى (١٧٠) إلى أصحابها الكراء؟
قلت: لا.
قال: لكن المبتلى قد كشف عن ذلك، فما وجد أحدا أدى الكراء إلى أهلها إلا رجلين، فإذا فعل في هذا الأمر الجلى مثل هذا، وسكانها بياض الناس، فما ظنك بغيرهم؟ انى والله أكشف، وأكشف وأكشف.
стр. 1404
وحتى (١٧١) أن ابن مسرور الخال، عامل القيروان، قتل إنسانا بغير حق، فوجه (١٧٢) إليه حماس يعظه في سفك الدماء، فأنف، وقال: ما لحماس وهذا؟ أنا سلطان أنظر في الدماء وشبهها.
فوجه حماس إلى تونس إلى، زيادة الله، ووجه الخال بالخبر إلى ابن الصائغ الحاجب، فعهد إلى أصحاب السلطان ألا يدخل أحد على زيادة * الله لحماس خبرا ولا كتابا.
فمكث حماس على باب زيادة الله نحوا من ثلاثة أشهر، إلى أن ماتت ابنة لزيادة الله، فسأل عمن يصلى عليها، فقيل له: صاحبك.
فقال: وأين هو منا؟
فقيل: هو ببابك منذ كذا.
فأمره بالصلاة عليها، وأدخله على نفسه، وسمع منه، فكتب بعزل الخال عامل القيروان والتوجيه فيه، وصرف حماس مكرما.
قال المالكي: وكان أبو هارون الأندلسي العابد، إذا قدم القيروان نزل على حماس، فلما ولى حماس قضاء أفريقية، أتى أبو هارون على عادته لينزل عنده، فلما قرب من داره أخبر أنه ولى القضاء، فأتى خلف صومعة الجامع فنزل هناك.
فأخبر بذلك حماس، فأتى إليه فسلم عليه، واستدعاه، فقال له: بلغنا أنك وليت القضاء!
قال: نعم، لم آخذ لهم صلة ولا كسوة.
فقال: أما إذا كان كذا، فأنزل عندك.
وحكى أنه لما دخل المسجد الحرام ركع ركعتين، فقال: أدركنى الدهش إجلالا للبيت.
стр. 1405
وكان حماس ملتزما مذهب ابن عبدوس في الإيمان، وكان أبو ميسرة وغيره من أصحاب محمد بن سحنون يهجرونه ولا يسلمون عليه.
وتوفى سنة ثلاث وثلاثمائة.
مولده سنة اثنين وعشرين ومائتين.
* * *
أبو عبد الله محمد بن سليمان بن يسيل (١٧٣)
سمع من سحنون صغيرا. قال ابن حارث: كان يختلف إلى إلى سحنون طفلا صغيرا، ومعه مماليكه، يحملون مصلاه ويمسكون دابته، ورحل بعد ذلك فسمع من محمد بن عبد الحكم، وابن رمح، وابن زغبة (١٧٤)، وكان كثير الكتب، إلا أنه غلب عليه الرواية.
وسمع أيضا ابن يسيل (١٧٥) من أبيه سليمان ويحي بن يحي ابن سلام.
وذكره ابن أبي دليم في الفقهاء وقال: كان (١٧٦) الأغلب عليه الرواية.
قال أبو العرب: كان صحيح الكتب، حسن التقييد، وكان في كتبه عن سحنون أشياء، فاتته (١٧٧) منه، أعلن عليها، وزعم أن سحنون أجازه.
سمع منه أبو العرب وعالم من الناس.