← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

فقصده، فلما دخل عليه قام ابن الصائغ إليه، وسأله عن حاجته، فذكر أنه يرغب في المعافاة. "فقال له: ترجع كما كنت أو أعز. فقال: لا أحب إلا المعافاة (١٥٧). فسعى له عند زيادة الله في ذلك. وقال له: قد خيرك، أن أحببت أن ترجع قاضيا كما كنت، وإن أحببت عافيناك. فقال: المعافاة أحب إلى. فعافاه، وكتب له سجلا لحفظه (١٥٨) ومعافاته. وقد قيل في * معافاته غير هذا، فعوفى في جمادى الأولى سنة أربع وتسعين. قال ابن حارث: لما عوفى لزم بيته حتى لحق بالله. قال أحمد بن موسى: كسفت الشمس وقت الزوال، فخرج حماس من داره، وهو قاض، خاشعا حافيا، والطلبة حوله، إلى الجامع، فصلى بالناس فأطال، وقعد في التشهد، إذ سمع أذان عيشون بالظهر، فلما فرغ قال له: ما حملك أن تؤذن ونحن في صلاة سنة؟ فقال: دخل الوقت، والفرض أولى من السنة. فقال له حماس: لو لم تخرج منها لعاقبتك. قال موسى بن عبد الرحمان: قال لي حماس: تجلس معى يوما تنظر فيما يجرى بين الناس وبيني؟ قال: فجلست عنده يوما إلى آخر المجلس، فلما هم بالقيام قال لي: أذكرت شيئا؟

стр. 1402

قلت: لا والله إلا شيئا. قال: وما هو؟ قلت له: حبست رجلا ولم يجله الكاتب (١٥٩). قال بعضهم: كانت لي خصومة عند حماس في وصية، فشهد لي عليها لتبطل، فأعلمني حماس ما شهد على به، فسألت عن مسألتي، فقيل لي: هي شهادة فاسدة لا تلزمك، فلما كان في مجلس آخر قال لي: ما تقول فيما شهد عليك به؟ فقلت: أصلحك الله، هي شهادة فاسدة، ولا تضرني. فقال لي أحمد بن نصر كاتبه: أوهم القاضي بالحال؟ فقلت له: تدبر مسألتي فقد قيل لي: هي شهادة فاسدة. فخرج وقال: أنا أعلم بمسألتك، إن لم تأت بمنفعة، وإلا حكمت عليك، أخرج. فلما كان من الغد، تراءيت له، فدعانى فقال (١٦٠) لي: يا بني! الرجوع إلى الحق خير من التمادى في (١٦١) الباطل، تدبرت مسألتك، والأمر على ما قيل لك - يعنى الشهادة فاسدة - وحكم لي بحقى. قال أبو محمد بن خيران: كنت أختلف إلى حماس أستفيد منه، فوجدته مستلقيا، ورجل يعد له قبائح ابن (١٦٢) جيمال القاضي وما فعل، فلما خرج قال لي حماس: ماذا يلقى من ولى من أمور الناس شيئًا (١٦٣)؟ ما أراهم إذ (١٦٤) كنا ولينا إلا يتكلمون فينا. فقلت له: ما كانوا يقولون فيك أصلحك الله إلا ما فيك.

стр. 1403

فجلس وتغير وجهه. وقال: وما ذاك؟ ورمت ترقيع ما قلت، فلم أقدر فقلت: شيئان: أحدهما أنك استكتبت ابنك حمودا وأحمد بن نصر، ولم تجعل بينك وبينهم (١٦٥) فرجة كما يفعل غيرك، فلا يضع أحدهما قلمه إلا وعينك على ما يكتب، فقال الناس: إن كانوا ثقاتا فلم يتهمهم (١٦٦)؟ وإن لم يكونوا ثقاتا فلم أستكتبهم (١٦٧)؟ فقال لي: أما أحمد بن نصر فوالله ما أعلم اليوم بأفريقية أعلم أو أحفظ منه، وأما ابنى فوالله ما لمطلعت منه على ما لا يرضى الله (١٦٨) قط، ولكنى أردت بذلك أن يسلموا من كلام الناس في الآخرة. فقلت له: إنك لا تكتفى في الكشف عن الشاهد بواحد ولا اثنين ولا أربعة. فقال لي: أرأيت هذه الحوانيت التي غصبها السلطان من أربابها، هل تعلم أحدا أخلى سكناها (١٦٩) بعد أخذها؟ قلت: لا قال: وهل علمت أحدا أدى (١٧٠) إلى أصحابها الكراء؟ قلت: لا. قال: لكن المبتلى قد كشف عن ذلك، فما وجد أحدا أدى الكراء إلى أهلها إلا رجلين، فإذا فعل في هذا الأمر الجلى مثل هذا، وسكانها بياض الناس، فما ظنك بغيرهم؟ انى والله أكشف، وأكشف وأكشف.

стр. 1404

وحتى (١٧١) أن ابن مسرور الخال، عامل القيروان، قتل إنسانا بغير حق، فوجه (١٧٢) إليه حماس يعظه في سفك الدماء، فأنف، وقال: ما لحماس وهذا؟ أنا سلطان أنظر في الدماء وشبهها. فوجه حماس إلى تونس إلى، زيادة الله، ووجه الخال بالخبر إلى ابن الصائغ الحاجب، فعهد إلى أصحاب السلطان ألا يدخل أحد على زيادة * الله لحماس خبرا ولا كتابا. فمكث حماس على باب زيادة الله نحوا من ثلاثة أشهر، إلى أن ماتت ابنة لزيادة الله، فسأل عمن يصلى عليها، فقيل له: صاحبك. فقال: وأين هو منا؟ فقيل: هو ببابك منذ كذا. فأمره بالصلاة عليها، وأدخله على نفسه، وسمع منه، فكتب بعزل الخال عامل القيروان والتوجيه فيه، وصرف حماس مكرما. قال المالكي: وكان أبو هارون الأندلسي العابد، إذا قدم القيروان نزل على حماس، فلما ولى حماس قضاء أفريقية، أتى أبو هارون على عادته لينزل عنده، فلما قرب من داره أخبر أنه ولى القضاء، فأتى خلف صومعة الجامع فنزل هناك. فأخبر بذلك حماس، فأتى إليه فسلم عليه، واستدعاه، فقال له: بلغنا أنك وليت القضاء! قال: نعم، لم آخذ لهم صلة ولا كسوة. فقال: أما إذا كان كذا، فأنزل عندك. وحكى أنه لما دخل المسجد الحرام ركع ركعتين، فقال: أدركنى الدهش إجلالا للبيت.

стр. 1405

وكان حماس ملتزما مذهب ابن عبدوس في الإيمان، وكان أبو ميسرة وغيره من أصحاب محمد بن سحنون يهجرونه ولا يسلمون عليه. وتوفى سنة ثلاث وثلاثمائة. مولده سنة اثنين وعشرين ومائتين. * * * أبو عبد الله محمد بن سليمان بن يسيل (١٧٣) سمع من سحنون صغيرا. قال ابن حارث: كان يختلف إلى إلى سحنون طفلا صغيرا، ومعه مماليكه، يحملون مصلاه ويمسكون دابته، ورحل بعد ذلك فسمع من محمد بن عبد الحكم، وابن رمح، وابن زغبة (١٧٤)، وكان كثير الكتب، إلا أنه غلب عليه الرواية. وسمع أيضا ابن يسيل (١٧٥) من أبيه سليمان ويحي بن يحي ابن سلام. وذكره ابن أبي دليم في الفقهاء وقال: كان (١٧٦) الأغلب عليه الرواية. قال أبو العرب: كان صحيح الكتب، حسن التقييد، وكان في كتبه عن سحنون أشياء، فاتته (١٧٧) منه، أعلن عليها، وزعم أن سحنون أجازه. سمع منه أبو العرب وعالم من الناس.

стр. 1406

توفى سنة سبع (١٧٨) وثلاثمائة، ومولده سنة عشرين (١٧٩) ومائتين. * * * أبو عثمان بن الحداد (١٨٠) اسمه سعيد بن محمد بن صبيح أبو عثمان، والحداد جده لأمه. سمع من سحنون واختص به، وكان يطير بذكره جدا (١٨١)، ويذهب في حسن الثناء عليه كل مذهب. وسمع من غيره من شيوخ أفريقية، كأبي سنان، وأبي الحسن الكوفي بطرابلس، وغيرهما، ولم تكن له رحلة ولا حج، لأنه كان مقلا، وإنما أثرى بعد الشيخوخة والزمانة (١٨٢). سمع منه ابنه، وأبو العرب، وأحمد بن موسى التمار. * * * ذكر مكانه من العلم قال ابن حارث: وكان مذهب أبي عثمان الاختبار (١٨٣)، والنظر، والمناظرة، وفهم القرآن، والمعرفة بمعانيه، أخبرني بعض أصحابه أنه سمعه يقول: ما حرف من القرآن إلا وأعددت له جوابا، ولكن لم أجد سائلا.

стр. 1407

وكان عالما باللغة، نافذا في النحو، عربى اللسان، جهير الصوت، إذا لحن في كلامه قال: "أستغفر الله" ثم كرر الكلام معربا، وإذا تكلف (١٨٤) الشعر أجاده. قال أبو العرب التميمى: كان أبو عثمان ثقة فيما نقل (١٨٥)، عالما بالفقه، والكلام، والذب، والرد على الفرق، ومن أدهى الناس وأعرفهم فيما اختلفوا فيه. وذكره أبو على بن أبي سعيد في كتابه فقال: أبو عثمان الفقيه المتكلم من وجوه أهل العلم ومشيخة أهل النظر، صحب أول حاله سحنون، وسمع منه، ونزع آخرا إلى مذهب الشافعي، من غير تقليد له، بل كثيرا ما يخالفه، ويعتمد على النظر والحجة، وكان يسمى المدونة "المدودة" (١٨٦) ونقض * بعضها، فرفضه أصحاب سحنون وهجروه، وأغروا به ابن طالب القاضي فهم به، ثم نشأت بينه وبينه صحبة، فكان له على بر (١٨٧) وبقى مهجور الباب (١٨٨)، قليل الأصحاب، إلى أن ناظر آخرا أبا عبد الله الشيعى وأخاه أبا العباس، عند دخولهما بدعوة بنى عبيد القيروان، فمالت إليه قلوب العامة، وأجمعوا على فضله. وكانت له أوضاع في الفقه والجدل، وكان غاية في علم النحو، يحفظ كتاب سيبويه، ولم يكن بأفريقية أعلم بالنحو منه. وذكره أبو العرب وابن حارث، في أصحاب سحنون، وطبقة المدنيين، ولم يذكر أنه مال إلى مذهب الشافعي كما زعم أبو على، ولا أنه عاب كتاب المدونة، بل ذكر ابن حارث: أن له ردا على الشافعي بعث به إلى المزني وابن أبي سعيد (١٨٩) وهؤلاء أعلم بأصحابهم.

стр. 1408

وذكر ابن حارث، أن رده لما ورد على المزني قرأه وسكت، فجعل فتى من البغداديين يحركه في جوابه، والمزنى يعرض عنه، فلما أكثر عليه رمى إليه بالكتاب وقال: أما أنا فقرأت وسكتت، فمن كان عنده علم فليتكلم! وقال أحمد بن موسى، كان سعيد يقول: كان مالك من الراسخين في الإسلام. فقال له ابن طالب: وفى العلم؟ فقال: كان والله أرسخ في العلم من الجبال الراسيات. وحكى المالكي أنه كان معظما لمالك، سئ الرأي في أبي حنيفة وأصحابه، وأنه قال: شكوت بقلبي مسائل لأبي حنيفة، ركب فيها المحال اضطرارا (١٩٠)، نحو أربعمائة مسألة. قال ابن مسرور النجار: جلست يوما إلى ابن الحداد، فسألته عن مسألة مغفلة (١٩١) من كتاب أشهب، فبدأ بتنزيلها والنظر فيها شيئا فشيئا، حتى بلغ فيها ما بلغ أشهب. فقلت له: أصبت (١٩٢) أبا عثمان: كذا قال فيها أشهب. فقال لي: لعل أشهب ما وضعها حتى تدبرها (١٩٣) أياما، ونظر فيها حينا. وتكلم يوما في مسألة، فقيل له: إن داود قال فيها كذا وكذا، فقال: لو كان نومى كيقظة داود ما تكلمت في العلم. ودخل عليه يوما رجل أندلسي فحادثه، فقال له سعيد: أراك طالب علم! قال: نعم، وأنا متوجه إلى المشرق في ذلك،

стр. 1409

فقال له: ما الذى كتبت من الكتب؟ فأشار الأندلسي إلى كمه، فأخرج كتابًا من بعض المسانيد، فقال له سعيد: اقرأ منه شيئًا، فقرأ عليه حديثًا واحدًا، فلما أكمله قال له سعيد: ضع الكتاب من يدك، ثم أخذ يفسر ذلك الحديث ويلخص معانيه، ثم قرأ عليه آخر فأملى عليه تفسيره، ثم ثالثا، فقال له الأندلسي: ما بي (١٩٤) حاجة إلى التقدم إلى المشرق، لأني أعلم أنى لا ألقى مثلك. "وقال له آخر: لو دخلت المشرق أبا عثمان بالغداة لخرجت منه بالعشى، لأنى أظن أنى لا أرى مثلك" (١٩٥). وكان عالمًا بأخبار أفريقية وعلمائها. وكان رجل من الخوارج يعرف بنصر بن زوراع (١٩٦)، غاليا فى مذهبه، ينتقص أبا عثمان، ولم يكن رآه قط، فبينما هو ذات ليلة، إذ رأى في منامه أنه يسعى (١٩٧) في زقاق لا يعرفه، حتى أفضى إلى درب، ثم إلى مسجد محتفل بالناس، وفى محرابه شيخ يتكلم عليهم، فكلما تكلم بكلمة خرج من فيه نور يملأ (١٩٨) المسجد، فاستيقظ، فلما أصبح (١٩٩) خرج يمشى. قال: فما شعرت إلا وقد أفضى بي المسير إلى زقاق، وإذا هو الذي رأيته في النوم، ثم بالدرب، ثم بالمسجد، على هيئة ما رأيت ذلك فى النوم، وإذا المسجد ملآن بالناس، وشيخ جالس فى المحراب، يتكلم عليهم كما رأيت، وإذا هو أبو عثمان، فتخطيتهم حتى * جثوت بين يديه، فسلمت، فرد على السلام، وقال لى: أنت فلان؟

стр. 1410

قلت: نعم. قال: ما جاء بك؟ قلت: تائبًا مما تعلم، فاعف عنى، وقمت وقبلت رأسه، وجلست مع أصحابه، وكان بعد من أحب الناس فيه. *** ذكر أخباره في مناظراته قال ابن حارث (٢٠٠): كانت لأبي عثمان مقامات كريمة، ومواقف محمودة، فى الدفع عن الاسلام، والذب عن السنة ناظر فيها أبا العباس المخطوم (٢٠١)، أخا الشيعي الصنعاني، يعني داعية بنى عبيد الروافض عند دخولهم أفريقية، فناظرهم مناظرة القرين المساوى، لا، بل مناظرة المتعزز المتعالى، لم يحجم لهيئة سلطان، ولا خاف ما خيف عليه من سطوتهم. ولقد قال له ابنه أبو محمد: اتق الله فى نفسك، ولا تبالغ في مناظرة الرجل. فقال: حسبى من له غضبت، وعن دينه ذببت. ولما وصل عبيد الله إلى القيروان، خرج إليه جماعة من أهلها يتلقونه تقية، منهم ابن عبدون (٢٠٢) القيرواني، وابن الحداد، وكان ابن الحداد مهاجرًا له، فقال له ابن عبدون: تقدم، فلم يجبه سعيد (٢٠٣)، فقال له ابن عبدون: تقدم فليس هذا وقت مهاجرة، فلسانك سيف الله، وصدرك خزانة الله. فقيل: إنما ذلك (٢٠٤) ليحرضه على المناظرة. ووجه فيه مرة عبيد الله، فذكر له حديث (٢٠٥) "من كنت مولاه فعلى مولاه" وقال له: ما بال الناس لا يكونون عبيدنا؟

стр. 1411

فقال له ابن الحداد: لم يرد ولاية رق، وإنما أراد ولاية الدين، ونزع بقوله تعالى: "ما كان لبشر أن يوتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى" (٢٠٦) فصرفه، وعهد إليه بكتم المجلس. وقال له أبو العباس الشيعي يومًا: يا شيخ! انك تطيل جدًا! فقال: ها أنذا أطيل فلا يفهم عني، فكيف لو قصرت؟ وكان لا يداخل السلاطين، ولم يسر إلى الشيعي، حتى وجه فيه وكان يحتمل منه ما لا يحتمل بعضه من غيره. ولما بعث فيه وفى أصحابه، ودخل عليه، قال له: أين أصحابك؟ قال: "هم أولاء على أثرى" (٢٠٧). قال أبو عبيد (٢٠٨) الله الشيعي - أو أخوه أبو العباس -: القرآن يقول: إن محمدًا ليس بخاتم النبيئين. فقال له: أين ذلك؟ قال: في قوله "ولكن رسول الله وخاتم النبئين" (٢٠٩) فخاتم النبيئين غير رسول الله. فقال له: هذه الواو ليست واو الابتداء، وإنما هي من واوات العطف، كقوله تعالى: "هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم" (٢١٠)، هل أحد يوصف بهذه الصفات غير الله تعالى؟ وقال له مرة أخرى: أخبرنا الله تعالى أن أصحاب محمد يرتدون بعده. فقال: وأين ذلك!

стр. 1412

فقال: في قوله تعالى: "افاين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم" (٢١١). فقال ابن الحداد: إنما هذا على الاستفهام، كقوله: "أفان مت فهم الخالدون" (٢١٢)، ومعناه التقرير، ومعنى قوله "انقلبتم" أفتنقلبون؟ والاستفهامان إذا جاءا في قصة، استغنى بأحدهما عن الآخر. وقال له أبو عبد الله يومًا: هلا كان عندك في قوله تعالى حكاية عن نبيه في قوله لأبي بكر: "لا تحزن إن الله معنا" (٢١٣)، دلالة أن حزنه كان مسخوطًا، لنهى النبي ﷺ له عنه. فقال له أبو عثمان: لم يكن الا تبشيرًا، ليأمن على رسول الله ﷺ ، وعلى نفسه، مما كان يحذره من المشركين، إذ لا يعلم أبو بكر الغيب، فكان قول النبي ﷺ ذلك له، تبشيرًا، ولا يكون إلا بوحى. * فقال له: وأين نظيره؟ قال: قوله تعالى: "لا تخافا انني معكما أسمع وأرى" (٢١٤) وتكلم عنده يومًا، فغضب من كلامه رجل من كتابه، يلقب بشيخ المشايخ، وقام له بالرمح، فكفه عنه، (بعض من حضر ذلك المجلس وقال له: شيخ كبير ومبارك) (٢١٥)، ثم عطف على أبي عثمان فقال له: يا شيخ! لا تغضب، هذا الشيخ أتدري كم يغضب لغضبه؟ اثنا عشر ألف سيف (٢١٦). فقال له أبو عثمان: لكن أنا يغضب لى الله الواحد القهار، الذي أهلك عادًا وثمودًا (٢١٧).

стр. 1413

وله مجالس طوال مع الأمير (٢١٨) أبى العباس الأخرم الشيعي، مذكورة، أيده الله فيها وحماه منه، فلا نطيل بذكرها. وكذلك له الفرا، شيخ المعتزلة بالقيروان، وغيره من فرق أهل البدع والالحاد، مناظرات حسان، ومقامات ظاهرة. قال أبو الأسود القطان: لو سمعتم ابن الحداد في تلك المحافل، وقد اجتمع له جهارة الصوت، وفخامة المنطق، وفصاحة اللفظ، وصواب المعانى، لتمنيتم أنه لا يسكت، وحكى أن الشيعي قال للصقلى (٢١٩): "إذا اجتمع الناس فأذن لهم بالدخول، فأذن لهم بالدخول. فلما جاء سعيد أذن له فدخل (٢٢٠). فقال الشيعي للصقلى" (٢٢١): ألم أقل لك: إذا اجتمع الناس؟ فقال الصقلي: هذا هو الناس كلهم. إعجابًا بكلامه. فحكى أن الشيعي قتل الصقلي بعد ذلك لهذا. *** ذكر شيء من شمائله وفضائله وبقية أخباره وفوائد من كلامه وقطع من شعره قال المالكي: كان سعيد عابدًا، زاهدًا، ورعًا، مجاب الدعوة، وكان حسن اللباس، جميل الزى، مبالغًا فى ذلك، يفوق فيه أهل اليسار، كان تقوم كسوته بعشرين دينارًا، وكان يتقوت بأقل القوت

стр. 1414

ويقول: المروة فى إظهار حسن الرياش (٢٢٢)، وأما (٢٢٣) في المأكل والمشرب مما هو مستور فلا. قال بعضهم: كنت أسمعه يقول للسائل: لطف الله بك! والله ما باطنى إلا شر من ظاهري. ثم إنه ورث من أخيه أربعمائة مثقال، فبنى داره بمائتين، واشترى كسوة بخمسين، ودابة بخمسين، وأمسك مائة (٢٢٤). وكان راض نفسه ألا يتكلم (٢٢٥) إلا بالفصاحة والإعراب في جميع مخاطباته، حتى كان بعضهم إذا ذكره قال: شيخ متقعر في كلامه، متشدق فى منطقه، يسكن درب القرشانين (٢٢٦) بجوار سوق اليهود، لو كان بوادى القرى ما كان يسمح له (٢٢٧) أن يأخذ نفسه بهذا الشأن. وكان آنس الناس مجلسًا، وأغزرهم خبرًا. وكان يقول: إنما أدخل كثيرًا من الناس فى التقليد، نقص العقول، ودناءة الهمم. وكان يقول: القول بلا علة تعبد، والتعبد لا يكون إلا من المعبود. وكان يقول: ما لطالب العلم وملاءمة المضاجع؟ وكان يقول دليل الضبط إلا قلال، ودليل التقصير الإكثار. "وكان يقول: ليس الفقه حمل الفقه، إنما الفقه معرفة الفقه، والفطنة فيه، والفهم لمعانيه" (٢٢٨).

стр. 1415

وكان يقول: تقديم من أخر الله، وتأخير من قدم الله، فتنة في الأرض، وفساد كبير. وقال: المكر مضارع للسحر، والغدر إلى جانبه الذل. وقال: المكابرة تدفع المناظرة. وقال: لن تنقطع الساعات حتى تعود الشهوات حسرات. وقال: من كان معنيًا بنفسه، لم يكن شغله إلا النظر في معايب نفسه. وقال: ليس كل ذنب يحسن فيه العفو، ولا كل حالة يحسن فيها الحلم (٢٢٩). وقال: طول العهد مخلق للود. وقال: القلب * الحى، كاللحم الحى، اليسير يؤلمه، والقلب الميت، كاللحم الميت، الكثير لا يؤلمه. وقال: اعتقد من أكثر الناس أنهم على خلاف ما تحب، ولتكن تهمتك فيمن علقك (٢٣٠)، أكثر منها فيمن يأتيك بالعداوة. وسئل يومًا عن رجلين ينتسبان (٢٣١) إلى العلم، وليسا من أهله، فقيل له أيهما أعلم؟ فقال: إن سألتني أيهما أغرق فى الجهل أعلمتك، وأما (أعلم) فلا أعلمه. وذكر بعضهم أنه كان مستجاب الدعوة. قال: بينا سعيد جالس فى أسطوانه، إذا مر به صاحب المحرس (٢٣٢)، فنظر اليه، وحوله جلساؤه، وزال عنه، فقال بعضهم: إنما مر إلى العامل يخبره خبرك، واجتماع الناس عندك.

стр. 1416

فجعل أبو عثمان يستعيذ بالله من شره، فما أمسى الليل، حتى أتاه الخبر أن صاحب المحرس أتى العامل، فأخبره بشيء ما ندرى ما هو، فأمر العامل أن يضرب وسطه بالسيف، فوقع نصفين. فشكر الله تعالى أبو عثمان على كفايته. قال ابنه: وكان أصابه فى بصره تغير وحول، من مرض اعتراه، ولم يعلم بهذا، إلى أن نظر في المرآة "يومًا فرآه، فقام ورفع يديه وقال: اللهم بحق دين الاسلام الذى نيط به لحمي ودمي، فرج عني، فأعاد الله بصره كما كان، فنظر فى المرآة" (٢٣٣) فقال: أقول، وما عسى أن أقول؟: أحمد من أعبد (٢٣٤). ذكر أن الحاجب بالقيروان أخذ رجلًا اتهم بحرم المسلمين، فقال له: سعيد بن الحداد يعرفني. قال سعيد: وكنت أعرف منه سوء الحال. قال: فجاءني فقال: تعرفني؟ قلت: نعم، بسوء الحال. فقال: أشهدك أني تائب إلى الله من جميع ما عملته (٢٣٥). فلما ولى عنى، أتاني رسول الحاجب، فسألني عنه، فقلت له: أما منذ (٢٣٦) تاب ورجع إلى الله تعالى فما أعلم منه جرحة. قال ابن الباجي لأبي اسحاق السبائى: "ما رأيت أغزر دمعة (٢٣٧) من سعيد بن الحداد - لأن كل صاحب حول له قسوة - فقال له السبائي" (٢٣٨): سعيد سبق إلى قلبه صحبة النساك، واصل وأصحابه.

стр. 1417

وقال سعيد: كنت فى شبيبتي كثيرًا ما أتمثل بقوله: "سحابة صيف" البيت، لأقصر نفسي عن اتباع ما لا يتبع (٢٣٩). قال بعضهم: قال لى سعيد: نعست مرة، فرأيت النبي ﷺ ، فقلت: السلام عليك يا رسول الله (٢٤٠)، فسكت عنى، فانتبهت، فإذا بطاقة أمامي فيها مكتوب: وعليك السلام يا سعيد. ومن شعر أبي عثمان، قوله في ترك الشعر، وطلب الرزق - وكان أولا يعانيه ثم تركه -: رغبت بنفسي عن دنى المكاسب … وما (٢٤١) أعجزتني حيلة عن مطالبي أبت همتي إلا سموا إلى العلا … وإن طأطأتني حادثات النوائب فإن لم أنل دنيا فقد نلت همة … تنزه نفسي عن دنى المعايب تراني وفى صدري هموم كثيرة … ضحوكًا لأخفى عن جليس وصاحب وأنشد له على بن أبى سعيد البصري فى كتابه "المغرب" في المعنى: عد يا عاذلي عن التثريب … كم كربة أدت إلى محبوب (٢٤٢) ما ارتكاسى فى السعى يبسط رزقا … لا ولا الخفض قاطعي عن نصيبي

стр. 1418

غير أن القعود من سبب العدم … وطى البلاد شأن الأريب (٢٤٣) وكتب سعيد إلى حماس القاضي: تعودت مس الضر حتى ألفته … وأسلمني مس الليالى إلى الصبر * ووطن قلبي للأذى الأنس بالأذى … وقد كنت أحيانًا يضيق به صدري وصيرني يأسي من الناس راجيًا … لكثرة صنع الله من حيث لا أدري وتوفى أبو عثمان ﵀ فى رجب سنة ثلاثين وثلاثمائة (٢٤٤). ومولده سنة تسع عشرة ومائتين، ويقال: سبع عشرة. وحكى أنه لما مات: خرج البريد سحرًا يبشر بموته أمير بنى عبيد. ورثى بأشعار كثيرة، أنشد منها ابن الحارث، وأكثر منها ابن أبي سعيد، اختصرناها. *** أبو الأسود موسى بن عبد الرحمن بن حبيب المعروف بالقطان من عجم قمودة (٢٤٥)، مولى بني أمية. صحب محمد بن سحنون وسمع منه، ومن محمد بن تميم العنبري، ومحمد بن عامر الأندلسي، وعلى بن عبد العزيز وغيرهم.

стр. 1419

وروى عنه محمد بن مسرور، وتميم بن أبى العرب وأبو القاسم السدري (٢٤٦). قال القابسي: ما أعجب أهل مصر بمن قدم عليهم من القيروان، إعجابهم به، وبأبي العباس بن طالب، وأبي الفضل المميسي. قال أبو العرب (٢٤٧): كان ثقة فقيهًا. قال ابن أبى دليم: كان من أهل الحفظ والفقه. قال غيره: كان من الفقهاء المعدودين، والأئمة المشهورين. قال ابن الجزار: كان فقيهًا يعرف بالحفظ، وله أوضاع كثيرة في العلم. قال ابن حارث (٢٤٨): كان يحسن الكلام في الفقه على مذهب مالك وأصحابه، وكان ممن يفتي ويقرأ عليه. ولاه إبراهيم بن أحمد قضاء طرابلس، أيام عيسى بن مسكين، فنفذ الحقوق، وأخذها للضعيف من القوى، فاجتمعت كلمتهم عليه بالرفع إلى إبراهيم بن الأغلب، وبغى عليه، وأوذى، فعزله وحبسه، وكان محبوسًا عنده في الكنيسة شهورًا، ثم أطلقه. قال السدري: كان سبب عزله أن إبراهيم سأله اسلاف أموال اليتامى، فأبى، فحقد عليه لذلك. قال ابن عباس الأنصاري: ضاقت نفس أبي الأسود، أيام عبيد الله، لما رأى من الكفر، فخرج الى البادية مع والد أبي الفضل المميسي، فقال له يومًا: يا أبا الاسود! "لو مضيت الى مصر، ففيها خلق عظيم ينتفعون بك، وقد بلغهم ذكرك، فقال له أبو الأسود" (٢٤٩) ما طلبت العلم إلا لهذا (٢٥٠)، وإلا فلا نفعنى الله به يوم ينفع العلم أهله.

стр. 1420

وكان سبب اطلاقه، أن قومًا من التجار وقع بينهم تخاصم وتشاجر، ورفعوا أمرهم الى إبراهيم، ورفعوا فتيا أهل العلم فى أمرهم، فأرسل إبراهيم الى موسى وهو في سجنه في مسألتهم، فأجابه بجواب استحسنه فأمر باطلاقه. وقيل بل وقعت بين الفقهاء مسألة فى رجل اشترى حوتًا، فوجد في بطنه آخر، فاختلفوا هل هو للبائع للبائع أو للمشترى، فرفعها إبراهيم إلي موسى فقال: إن كان الشراء على الوزن فهو للمشترى، وان كان على الجزاف فهو للبائع. فقال: مثل هذا لا يسجن، وأطلقه. وقد ألف في قضائه عبد الله الأجذابي، والمالكي. وألف أبو الأسود أحكام القرآن اثنى (٢٥١) عشر جزءًا (٢٥٢). وتوفى ﵀ فى ذى القعدة، سنة ست وثلاثمائة وهو ابن احدى وسبعين سنة. مولده سنة اثنين وثلاثين ومائتين (٢٥٣). قال ربيع القطان: لما غسلناه وكفناه، أغلقنا عليه البيت، وخرجنا إلى المسجد، وبقى النساء فى الدار فلما جئنا أخبرنا النساء، أنهن سمعن جلبة عظيمة فظنن أن الرجال فى البيت، فعجبنا (٢٥٤) من ذلك، وتأولنا أنهم الملائكة، رحمة الله عليه. قال بعض أصحابنا: رأيت صاحبا لنا في النوم، فسألته عن أستاذنا موسي، فقال: ذلك رجل يدخل على الله متى شاء. ***

стр. 1421

* محمد بن عيسى الكلبي أبو سليمان يعرف بابن عيشون. قال أبو العرب: كان فقيه البدن، يخضب بالحناء، لم يكن صاحب كتب. وذكر أنه سمع من سحنون، وأكثر سماعه من أبي الفضل ابن حميد، وولاه عيسى بن مسكين قضاء باجة، وكانت له حلقة في الجامع، ولم يكن له علم بالحديث. سمعت منه. قال ابن الحارث: كانت له عناية بالعلم والفقه، وسمعت من يذكره بالعلم ويصفه بالحفظ، ويقول: كان من الفقهاء، ومات ﵀ بعد التسعين ومائتين. *** أبو جعفر أحمد بن نصر بن زياد الهواري أخذ عن ابن عبدوس، وابن سحنون، ويحيى بن سلام، وحمديس القاضى (٢٥٥)، وأحمد بن لبدة. ويحي بن عمر، والمغامي. سمع منه ابن حارث، وأحمد بن حزم، وغيرهم من القرويين "والأندلسيين، وعليه تفقه أكثر القرويين" (٢٥٦). قال ابن حارث: وكان عالمًا متقدمًا بأصول العلم، حاذقا (٢٥٧) بالمناظرة "فيه، ملما بالشواهد والنظير، حسن الحفظ، فقيه الصدر" (٢٥٨) جيد القريحة، حسن الكلام في علم الفرائض والوثائق ويكتب ويحسب، صحيح المذهب، شديد التواضع، سليم القلب، بعيدًا من التصنع، وكان لا ينظر ولا يتصرف في شيء من العلم غير مذهب مالك ومسائله، فاذا تكلم فيها كان فائقا (٢٥٩).

стр. 1422

قال غيره: كان من أهل الفقه والحفظ والرسوخ في المذهب، ما لقيت عالمًا أحفظ منه لمذهب (٢٦٠) أهل الحجاز، ولا أحضر جوابًا منه، كان قليل الكتب، علمه في صدره. وقال المالكي: كان من الفقهاء المبرزين، والحفاظ المعدودين، لا يدانيه في ذلك أحد في زمانه. قال أبو العرب: كان ثقة، ثبتًا، مامونًا، فقيهًا، صالحًا، كتب لحماس أيام قضائه، وكان حافظًا كثير الدرس. وذكر أنه درس كتب السلام (٢٦١) الثلاثة، ثلاث سنين. واستفتى أحمد بن نصر عن زوجين، ادعى كل واحد منهما على الآخر أنه غيوط، وأن الحدث الذى يوجد فى فراشهما ليس منه، وإنما هو من الآخر، فأمر أن يطعم أحدهما فقوسًا، والآخر تينًا، ثم ينظر الحدث فى اليوم الآخر، فيحكم بالعيب، فمن وجد زريعة ما أكل في الحدث، فالحدث منه. قال أبو القاسم زياد السدري - وكان أول من أدخل كتاب ابن المواز إفريقية - قال: فحفظت منه عشر مسائل جيادًا، وجئت إلى أبي جعفر، فألقيتها عليه واحدة بعد واحدة، فجعل يطأطيء رأسه ساعة كالمفكر، ثم أجابني عنها "حتى أجابني عن جميعها" (٢٦٢). ثم قال: يا أبا القاسم! جال سرى فى دواوين أهل المغرب، فما وجدت هذه المسائل في شيء منها، لعلك أتيت بكتاب ابن المواز؟ فقلت: نعم. قال: قطعه أخماسًا، ووجه به إلى (٢٦٣).

стр. 1423

ففعلت، وجئته بعد ذلك أزوره، فقال لى: يا أبا القاسم! الكتاب الذي كان في بيتك حصل في صدري. قال: ونزلت بالقيروان مسألة فى امرأة سقت (٢٦٤) زوجها فأجذمته، فاضطرب علماء القيروان فيها، فقال لهم أحمد بن نصر: المسألة فى المدونة، فى السن إذا ضربها رجل، فاسودت واخضرت (٢٦٥) فقد تم عقلها، ووجبت الدية فيها، لأن المراد منها بياضها وجمالها، فإذا اسودت أو اخضرت، فقد ذهب جمالها، وكذلك الانسان، إذا تجذم، فقد ذهب حسنه وجماله، فوجبت فيه الدية. قال ابن حارث: سمعته يقول (٢٦٦): الفريضة إذا ادخلها الجد صعبها (٢٦٧)، والوثيقة إذا دخلها الوصى خبلها (٢٦٨). ودخل عليه في مرضه الذي مات منه، فسئل: كيف حالك؟ فقال: ما أغفل الملوك عن لذة العلم، ما آسف على الموت، ولا آسف إلا * على كتاب لم أبلغ أمنيتي فيه، فقيل له: ما تشتهى؟ قال: مسألة، فخرجوا من عنده، وتوفى، فوجدوا تحت رأسه "الجنايات"، من "المجموعة"، وقد كسر (٢٦٩) على مسألة فيه. ولما توفى محمد بن سحنون، رجع أحمد بن لبدة يلقى على أصحاب محمد، فأراد أحمد بن نصر أن يمضى إلى ابن عبدوس، فجاء أصحاب محمد بن سحنون إلى والد أحمد، وكان بربريًا، فقالوا: ان ابنك أراد أن يمضى إلى عدو معلمه.

стр. 1424

فحلف أبوه بالطلاق عليه ألا يفعل، فكان على قلب أحمد من ذلك أمر عظيم. وكان يقول: امرأة معها ألف دينار، تعطى لك بدرهم واحد، غالية، ثم ينشد: لا يعجبنك يا فتى … حسن فرش (٢٧٠) ومتكا إن للعرس (٢٧١) فرحة … بعدها (٢٧٢) النوح والبكا *** محنته امتحن أحمد بن نصر، على يد اسحاق بن أبي المنهال، من قضاة أهل العراق، وكان أحمد بن نصر ينبه على خطئه، وكان رجل سوء، امتحن على يديه جماعة من الصالحين والعلماء المدنيين، فضرب بعضهم وحبس آخرين، فممن حبس، أحمد بن نصر، وابن اللباد، وأحمد بن زياد، وضرب محمد بن أحمد بن حمدون المؤدب، المعروف بالنعجة (٢٧٣)، وإبراهيم القسطلاني، وإبراهيم المقرئ (٢٧٤)، المعروف بـ "ارغب إلى الله" فكان مقام ابن نصر في حبسه تسعة أشهر، بسبب اجتماع الناس اليه وفتواه (٢٧٥) بالمذهب. قال ابن حارث: دارت على ابن نصر محنة ابن (٢٧٦) أبى المنهال، سنة ثمان وثلاثمائة، وذلك أن ابن نصر، كان يجلس في مسجد رحبة القرشيين، وكان يجلس إليه من أتاه، فخطر به صاحب المحرس يومًا، ومعه بعض المشارقة، فاستفظعوا (٢٧٧) جلوسه واجتماع الناس حوله، فوكل صاحب المحرس عليه وعلى من كان معه الشرط، وصار إلى على بن اسحاق الطبيب، فأعمله بخبره، وكان يخلف صاحب القيروان

стр. 1425

إذ ذاك، فأبى أن ينظر فى أمره، فصار (٢٧٨) إلى ابن أبي المنهال فأرسل إليه جماعة من أعوانه (٢٧٩)، فوقفوا عليه، ثم أمر به إلى السجن، من غير أن يدخله عليه، وأوصل من كان معه إلى نفسه، واستنطقهم رجلًا رجلًا، ثم كتب بخبرهم إلى عبيد الله، فأعرض عبيد الله عن خبرهم، فبقى فى السجن حتى عنى به أبو سعيد الضيف، فأمر باطلاقه، فلزم بيته حتى مات، ففى داخل بيته كان يجتمع إليه من يقصده. وحكى أنه كان علة الاختلاف (٢٨٠)، فدعا الله حين قيد وسجن، أن يرفعه عنه، فارتفع، فلما خرج من السجن عاد إليه. وتوفى ﵀ في ربيع الآخر سنة "سبع عشرة وثلاثمائة، مولده سنة" (٢٨١) ست أو خمس وثلاثين ومائتين، وصلى عليه أبو (٢٨٢) ميسرة الفقيه سرا في داره، فى جماعة من أصحابه، خوفًا ممن يصلى عليه من قضاة الوقت، فلما خرج به، وكفاه الله ذلك، أعاد الصلاة عليه مرة ثانية. وفى المالكيين من القرويين من يشتبه (٢٨٣) به، وهو أحمد بن نصر الداودي، متأخر، يأتي ذكره. ومن (٢٨٤) أقران أحمد بن نصر "الأول، أحمد بن نصر ثالث، أبو جعفر، من أهل باجة افريقية أيضًا، كان من المتكلمين على مذهب أهل السنة" (٢٨٥) نظارًا، توفى سنة سبع وثلاثمائة. ***

стр. 1426

ابن البنا عبد الله بن محمد بن المفرج هو أبو على عبد الله بن محمد بن المفرج، ويقال "الفرج" مولى الأغلب، يعرف بابن البنا. قال أبو بكر المالكي: كان من أهل الفهم والدراية، والفقه والرواية، بارعًا في علم القضاء، لم يكن فى عصره أعلم منه بذلك، متفننًا في علوم شتي، عدلًا في أحكامه، كتب لابن طالب، وبه انتفع، ثم كتب لعيسى ابن * مسكين، وكان على غاية من الورع والدين والأمانة. قال الأبياني: قال لى ابن البنا لما ولى القضاء: ألا تحضر مجلسى، إنى ظننت أن الفقيه يقوم بنفسه (٢٨٦)، دون معونة مجالس القضاة أو نحو هذا. فجلست عنده فقال: حلف هذا الرجل لخصمه - أراه بالمصحف -فحلفه (٢٨٧) به. فقال لى: إنما يحلف بما فى المصحف من آيات الله وتنزيله. وكنت عنده إذ سئل (٢٨٨): هل على من حلف بالمصحف كفارة؟ فقال: لا، حتى يحلف بما فى المصحف من التنزيل. وقال ابن حارث: كان نبيلًا فاضلًا ذا جاه وسؤدد، وولاه إبراهيم قضاء قسطلية، فعرض له فيها مثل الذى عرض لموسى القطان مع أهل طرابلس، بغوا عليه حتى عثر به وعزله. وكان البريد لما قدم إلى عامل قسطلية (٢٨٩)، بعزله وتخشيبه (٢٩٠)، ورفعه إلى حبس رقادة (٢٩١)، فألفى العامل غائبًا وكاتبه فى مكانه جالسًا، فسأله فيما جاء به.

стр. 1427

فقال: بعزل ابن البنا. فتقدم الخبر بالبشرى إلى أعدائه، فاستخف السرور قومًا منهم إلى أن قالوا: نسير إليه فى مجلس قضائه، ونشتمه، ونشفى صدورنا منه. ففعلوا ذلك، ولا علم عند ابن البنا بما أتى به، ولا (٢٩٢) عند أميره، فصبوا عليه من قوارع السب ما أحبوا، ولم يشك الرجل أنهم لم يجتروا بذلك عليه إلا وقد أيقنوا بعزله، ونظر إلى نفسه فى مجلس قضائه، ولم يصل العزل بعد، ولا كف يده كاف، فاستدعى من حضره من الأعوان، فأمرهم بامساكهم، وأمر بهم إلى العمود (٢٩٣) رجلًا رجلًا، فنكل بجميعهم، وضربهم ضربًا وجيعًا، وقيدهم، وأودعهم السجن، فلم يصل العامل حتى بلغ عرضه فيهم. فبلغ (٢٩٤) العامل، فأرسل فيه وأوثقه، وأرسله إلى رقادة. فلما وصل إليها تولى (٢٩٥) مناظرته بين يدى ابن الأغلب، ابن عبدون، فأبان عن نفسه، وكشف عما رفع إليه، فرفع إبراهيم رأسه إلى فتاه بلاغ، فقال له بالصقلبية: أرى هذا الرجل يستحق أن تنزع قلنسوة القاضى وتجعل (٢٩٦) فى رأسه. ثم بعد ذلك ضمه إبراهيم بن أحمد إلى كتابة (٢٩٧) عيسى بن مسكين، حين ولاه القضاء، على الوجه الذي ذكرناه في أخبار ابن مسكين.

стр. 1428

ومن أخباره الغريبة أن عيسى بن مسكين، كان أودعه ودائع، فطرأت أزمة شديدة، فقيل لعيسى: ذهبت ودائع الناس من عند ابن البنا. فقال: لم؟ قال: رأيناه يقطع الميتة، فوجه إليه عيسى فى إحضارها. فقال: نعم، فأحضرها. فقال له عيسى: تأكل الميتة وهي عندك؟ فقال له: إن الميتة أحلت لى مع الاضطرار، ولم يحل لي أن أخون أمانتي. قال: ارجع بها. قال له: لا والله. وامتنع من قبولها. وتوفى أول دولة بني عبيد، مولده سنة ثنتين وثلاثين ومائتين. *** حمدون بن عبد الله المعروف بابن الطبنة أبو عبد الله، يعرف بابن الطبنة، ولى قضاء طبنة. قال ابن حارث وابن الجزار (٢٩٨): له سماع من سحنون، وصحبة طويلة، وكان ولاه عيسى بن مسكين قضاء باجة، وكان معه فقه، وسمع من أصحاب سحنون (٢٩٩)، ولم يكن عنده حديث.

стр. 1429

قال ابن أبي دليم: كان من أهل العناية بالعلم، معدودا فى الفقهاء. وقال أبو العرب: أبو عبد الله حمدون بن عبد الله المكفوف، كان صاحبا لعبد المومن الجزرى، كتب عنه، عن عبد المومن، وكان يخضب بالحناء، وأحسب وفاته فى نحو ثمانين، وهو هذا والله أعلم. وذكر أيضا عبد الله المعروف بالطبنة، فى أصحاب سحنون، وأظنه أباه (٣٠٠). قال فضل بن سلمة: (٣٠١) رأيت حمدون بن لطبنة يناظر حماسا * في مسألة الصلح من عيب بعبد على عرض إلى أجل، والعبد غير فائت، فذكر فذهب حماس إلى أنه لا يجوز، لأنه تحول دنانير وجبت له أن يرد العبد في عرض إلى أجل، وغير معجل، وذهب حمدون إلى جوازه، وكان أعطاه عرضا مؤجلا وعبدا معجلا بمائة دينار يعجلها، وقد ذكر أصبغ في أصوله القولين معا عن ابن القاسم. * * * أبو العباس (٣٠٢) اسحاق بن ابراهيم الأزدى يعرف بابن بطريقة الصائغ، من أبناء الجند، من أصحاب محمد ابن سحنون، وعلى مثل طريقة القطان. روى عنه عبد الله بن مسرور (٣٠٣)، وحبيب بن ربيع. قال أبو العرب: كان فقيها ثبتا ثقة، ولى قضاء طرابلس. وقال الخراط: كان ثقة مامونا فقيها. قال حبيب بن ربيع: كان من نظار أهل عصرنا وكبراء أصحابنا، وامتحن على يد المرودى، ضربه وحبسه بعد عزله عن قضاء طرابلس، فأطلقه عبيد الله لما بلغه ذلك.

стр. 1430

وذلك أن عبيد الله تخاصم اليه بطرابلس، أول وروده، مع قوم من الحمالين، وهو لا يعرف بنفسه، فلما نظر اليه أبو العباس قال: وكل من يخاصم عنك، ونزه نفسك عن المناظرة. فحفظ له عبيد الله هذه اليد. وكان ابن بطريقة يقول بقول محمد بن سحنون في الايمان، فقال يوما: من لم يقل أنا مؤمن عند الله لم يصل خلفه، وأشار إلى ابن عبدوس وهو يسمعه، فذكر ذلك للقاضى ابن طالب، فانتهره، وأغلظ عليه، ثم ألقى كتاب الجوائح، فأجاب فيه. قال أبو العباس: رفع إلى ابن طالب أنى أفتى بالقيروان، وأنا حينئذ شاب، فوجه فى، فدخلت عليه، فألقى على كتاب القراض، ثم أكثر كتاب الصرف، حتى ألقى عليه مسألة الخلخالين، فلما رأى حفظى قال: الحمد لله الذي رأيت لأصحابنا شابا مثلك، نعم يابنى، امض واجلس فى مجلسك وأفت، واتق الله ربك. ويقال ان ابا الغصن السوسى كان حاضرا، فقال لابن طالب: القضاء والله يستحق، دع الفتيا. وولى أيضا القضاء على نواحى الزاب. قال ابن حارث: كان فقيها من أهل الحفظ والفهم، وقتله اللصوص سنة ثلاث وثلاثمائة فيما نقل من خط الأجذابى، وقال المالكي: سنة أربع. * * * دحمان بن معافى بن حيون (٣٠٤) أبو عبد الرحمان، مولد (٣٠٥)، من أهل البلد. قال أبو عبد الله (٣٠٦) الخراط: كان فقيه البدن عالما ثقة.

стр. 1431

قال ابن حارث: كان شيخا نبيلا، عنده علم بالمسائل، ممن يستفتى فيعرف ما يفتى به، من أهل الحفظ والفقه، من أصحاب ابن سحنون، مختص (٣٠٧) به، وسمع ابن عبد الحكم، وأبا (٣٠٨) صالح الأسلمى، ويونس بن عبد الأعلى وغيرهم. روى عنه محمد بن عمرو (٣٠٩) الملاح، وزياد السدري، وغيرهما. توفى سنة ثنتين وثلاثمائة. * * * محمد بن محمد بن خالد القيسي "الطرزى" (٣١٠) مولى بنى معبد، العابد، يكنى أبا القاسم، ويعرف بالطرزى (٣١١). سمع من ابن سحنون كثيرا، وولى مظالم القيروان لعيسى بن مسكين، ولحماس بن مروان. وذكر ابن الجزار (٣١٢) أنه اعتذر حين وليها بأن فيه حياء ولين جانب، وقلة فقه، فقال له الأمير ابن الأغلب: أما الحياء واللين فاذا أمرت ونهيت زال عنك، وأما قلة الفقه فتشاور (٣١٣) الفقهاء. وولى قضاء صقلية فى آخر دولة بنى الأغلب، وكان صارما منفذا محمودا في أموره، وكان حين نظره في المظالم ظريفا مليحا. كان اذا وجب على الرجل السجن، وهو فى الحين الذى يجب عليه ذلك * معه، استصحبه، وسأله البلوغ معه في حاجته، وضاحكه،

стр. 1432

ويأخذ به طريق السجن، فاذا وقف على باب السجن قال له: اصعد، وسننظر في أمرك. فكان اذا نظر اليه يقصد السجن، فزع كل من يمشى معه. وفعل يوما مثل هذا برجل كان معه، فقال له: اصعد. فقال له: لا تفعل. فقال: قد فعلت. فلما صار المسجون فى رأس السلم قال لصاحب المظالم ستعرف (٣١٤)! فأنزله وضربه (٣١٥) وقال له: تظلم الآن! (٣١٦). ومر (٣١٧) يوما بدار ابن زرقون امام الجامع، والماء يخرج من قناة داره (٣١٨)، فقال له: قد آذيت المسلمين بما يخرج من دارك. فقال له: وقع في بئرنا فأر وطهرناه. فقال: نجس (٣١٩) أيضا؟ فحبسه في المسجد (٣٢٠)، فلما حانت الصلاة أطلقه، وقال له لولا أنك الامام ما أطلقتك. قال ابن حارث: صحبناه وقد هرم، وقرأنا عليه بعض كتب ابن سحنون (٣٢١)، فى خفية وتوار، لما كنا فيه، وإنما كنا نسير به إلى دار أحدنا حيث نتواعد، فنقرأ عليه طول النهار.

стр. 1433

قال أبو العرب: كان شديدا في تغيير المنكر، لم يل أسواق القيروان قبله أضبط منه، ولم يكن من أهل الضبط للكتب، وأخذ عنه في كتب غيره. وتكلم فيه حماس، وكان قليل ذات اليد، لما مات لم يوجد ما يكفن فيه (٣٢٢)، حتى كفنه بعض التجار. قال بعضهم: ولقد خرج يوما بسكين ليرهنه فيما يأكل، فلم يجد من يأخذها منه، فاشتريت له خبزا وزيتا فأكله. * * * محنته وامتحن على يد المروزي (٣٢٣) "قاضى الشيعة، ضربه في الجامع على رأس الناس، وحبسه مع أهل الجرائم، وفعل ذلك المروزى" (٣٢٤) بجماعة من رجال المدنيين ومن يحسب في جملتهم، مثل ابن سلمون القطان، والخلاسي (٣٢٥) المحتسب، وقوم مرابطين من أهل تونس. وكان قتل المروزي (٣٢٦) بسببهم، وذلك أن عبيد الله، امام الشيعة، لما أتى إلى القيروان من سجلماسة، أقره على القضاء، وأقر هؤلاء الصالحين في سجنه، فأخذوا بالرفع عليه بالقدح (٣٢٧) في الدولة وغير ذلك، فعزله وعذبه، ثم قتله لا أبعد الله غيره (٣٢٨). وتوفى الطرزى ﵀ فى سنة سبع (٣٢٩) عشرة وثلاثمائة.

стр. 1434

عبد الله بن محمد بن سويد الربعي قال أبو عبد الله الخراط: كان رجلا صالحا ثقة فقيها عالما نحويا، سمع من يحيى بن عمر، وأحمد بن أبي سليمان وغيرهما، سكن القيروان، توفى سنة ثمان وثلاثمائة. * * * سعيد بن حكمون أبو محمد، وأصله من مسالمة اليهود من أهل الذمة، أسلم أبوه على يدى ابن (٣٣٠) عقال ابن الأغلب. قال ابن حارث: كان شيخا فاضلا دينا عاقلا، وكان من أصحاب محمد بن سحنون، وكان لقى أيضا (٣٣١) يحيى بن عمر وغيره، وكانت له رحلة، سمع فيها من رجال المشرق، وكان الغالب عليه العبادة، وسكن الرباط. قال ابن حارث: وقد أجازني كتبه. قال أبو العرب: وله سماع من سحنون وغيره. سمع منه أبو عبد الله الملاح، وأبو ميسرة بن نزار وأبو العرب، وزياد السدري. قال البصرى: وله فقه ورواية. قال ابن الجزار (٣٣٢): توفي سنة ثمان وثلاثمائة. وقال أبو العرب: سنة تسع، وقال أيضا: سنة عشر. ومولده سنة اثنين وثلاثين ومائتين. * * *

стр. 1435

ابن أبي الوليد محمد بن سعد القيرواني واسمه محمد بن سعد، ويقال سعيد، هو أبو الوليد، مولى الأغلب، كان يخطب على منبر القيروان، فقال الناس: لم يرق على أعواده أخطب منه. قال ابن حارث: كان له سماع من سحنون، وكان يكتب لابن طالب، وكان علمه مقدرا (٣٣٣)، لم يكن بالذي يعدله. وكان ابن طالب يقول: أهمتنى مسألة، فجعلت أسأل عنها كل من يدخل على ممن نظر في العلم *، فلا أجد عند أحد فيها ما يعجبني، فدخل على ابن أبي الوليد، فسألته عنها، فأتاني بكلام كأنه شعلة نار، فعظم في عيني، ثم سألته بعد برهة على (٣٣٤) ذلك بعينه، وقد حفظت كلامه، فما أتى بطائل، فقلت: رمية من غير رام! قال ابن حارث: ما أنصفه أبو العباس، اذ ليس من صفة ابن آدم، أن يحفظ كل جواب (٣٣٥) ينطق به، ولا ينساه. قال ابن أبي دليم: كان ذا علم وعناية وبصر بالمذهب. * * * أبو القاسم عبد الله بن محمد المعروف بابن الزواوي من أصحاب محمد بن سحنون، سمع من يونس الصدفي وغيره، توفى سنة أربع وثلاثمائة، قال أبو العرب: كان ثقة. * * * أبو سعيد محمد بن محمد بن سحنون لم يسمع من أبيه، وسمع من رجال جده، وكانوا يرون له حقه، كان منسوبا إلى العلم، وغلبت عليه العبادة، وكان جليل القدر بخيره (٣٣٦) وقديمه، ولد فى العام الذي توفى فيه أبوه محمد.

стр. 1436

ويقال انه كان يرى الخضر ﵇، ويجتمع به، وكان يقول: اني لأذهب إلى الخلاء فأتقنع فيه (٣٣٧) حياء من ربى. وحكى الأجذابى قال: كان محمد بن سحنون بسوسة، فلما صلى الصبح، وجلس بعد الصلاة، قال لمن حوله: يأتيني الآن بشير من القيروان، بأن قراطيس جاريتي، وضعت غلاما أسميه باسمى، وأكنيه بكنية أبي، ويكون رجلا صالحا، فكان كذلك، فوهب للبشير - وكان غلاما له - ثوبا رفيعا كان عليه، ثم قال له: اختره، أو العتق، فاختار العتق، فيقال: انه كان رأى ذلك في نومه والله أعلم. وكان اشترى قراطيس هذه بمصر، سمع بكاءها في القافلة، فسأل فقيل: جارية لأندلسي يريد بيعها، ولها أبوان بالمغرب. فرق لها واشتراها، وأرسل بها إلى افريقية، وقال: ما اشتريتها رغبة فيها، ولكن لأجمع بينها وبين أبويها، لعل الله أن يجمع بينى وبين أبي. فتسراها وأولدها. قال بعضهم: أتيت اليه - يريد محمد بن محمد بن سحنون - فوجدته مستبشرا، فقال بعد كلام: أتانى انسان طويل (٣٣٨)، بعيد الخطى، من جهة السبخة، فقمت اليه، فقصدني، فسلمت عليه وسلم على، ودار بيني وبينه كلام ووصية. وأبى أن يخبر بما دار بينهما. قلنا (٣٣٩) له: أراه الخضر ﵇. قال: هو. وامتحن على يد المروزي (٣٤٠) قاضى الشيعة، وقال له: بلغنى عنك أشياء أقل ما يجب فيها سفك الدماء، فاشتغل بما يعنيك. وشبه هذا.

стр. 1437

وأمر غلامه فقنعه أسواطا، وكان يقول: ما دفعت عنه بهذا الا كثيرا، وما فعلته الا شفقة عليه، فان المشارقة أكثروا فيه، فأرضيتهم بذلك. مات سنة ست وثلاثمائة. ويقال سنة سبع. وقال بعضهم: كنت أسكن بالبادية (٣٤١)، فنويت زيارة قبور صالحي القيروان، فقصدت ذلك، وجئت باب سالم (٣٤٢)، وإذا (٣٤٣) بخلق كثير من النساء قد خرجن لزيارة يوم الخميس. فقلت: لا أقدر على التماس قبورهم ومعرفتها بما على الأعمدة من أجل النساء، ولكنى أجلس حتى ينصرفن مع العصر، وأصل إلى ما أريد. فأتيت المصلى فجلست فيه، فاذا أنا برجل بثياب بيض وقف لى وسلم على. وقال: ما أجلسك هنا؟ فعرفته. وسألني عن مذهبى فعرفته انى مدنى (٣٤٤). فصافحنى وضمنى إلى صدره وقال لى: أنا أبو سعيد محمد بن محمد بن سحنون، أخرجنى اليك هذا الوقت، أنى كنت الساعة نائما على فراشي، حتى رأيت آتيا يقول: قم توضأ، واخرج إلى باب سالم (٣٤٥)، فانظر لذلك الرجل البدوى، يونس بن عبد الله، فانه يحب أن يقف على قبور المشايخ وليس يعرفها. ثم قام معى، وأوقفنى عليها، وسألني أن آتيه كلما دخلت القيروان. فبينما أنا فى باديتى، اذ دخلت على أمى فقالت لي: رأيت الساعة في منامي قائلا يقول لى: قولى (٣٤٦) ليونس: يسير إلى * القيروان، فان ابن سحنون مات. فوصلت إلى القيروان، فوجدته يغسل، فصليت عليه.

стр. 1438

أبو عمرو، ميمون بن عمرو بن المعلوف (٣٤٧) من أصحاب سحنون، ومعدود فيهم، وسمع من أبي المصعب، سمع منه أبو العرب، وابن حارث، وجماعة. قال ابن حارث: أدركته شيخا كبيرا مقعدا. وكان له دين وفضل، وولى مظالم القيروان، ثم قضاء صقلية، ولما خرج اليها - وكان بسوسة - قال: يا أهل سوسة! هذا كسائي وفروى، وجبتى وخرجى وكتبى، وسوداء تخدمنى، معها جبة وكساء، فانظروا بما أرجع. فلما وصل صقلية قيل له: هذه دار القضاء. قال: هذه دار غطاء (٣٤٨)، ما أصنع فيها، تكفى دويرة صغيرة وكانت السوداء تغزل، وتبيع، وتنفق عليه، إلى أن مرض فخرج من صقلية. وكان حج مع محمد بن سحنون، فوقفوا يوم النحر، وظنوه يوم عرفة، فاخلتف العلماء بمصر وغيرها، فبعضهم قال: الحج تام، وبعضهم قال ليس بتام. قال أبو عمرو: سألت عن ذلك المزنى بمصر فقال لي: أما نحن والشافعي، فنرى الحج تاما. وقال: وسمعت أبا موسى هارون بن عيسى الجبلي بمصر يقول: جاءتني البارحة بطاقة محمد بن سحنون، يسألني عن المسألة، فأخبره أن الحج تام. وقد اختلف قول سحنون في هذه المسألة. وحكى أبو سليمان المالكي، قال: اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة على جوازها.

стр. 1439

وهذا كما ذكره المزني عن الشافعي. وتوفى أبو عمرو سنة عشر وثلاثمائة. *** أبو عبد الله محمد بن بسطام بن رجاء الضبي السوسي ثقة مأمون، يقال أنه من البصرة، ثبت، كثير الروايات والكتب. وكانت له رحلة سمع فيها (٣٤٩) ابنى (٣٥٠) عبدوس وغيرهما من أصحاب سحنون، وبمصر من (٣٥١) ابن عبد الحكم، والربيع الجيزى، وإبراهيم بن مرزوق وغيرهم. وأدخل إفريقية كتبا غريبة من كتب المالكيين ككتاب (٣٥٢) المغيرة بن عبد الرحمان، وكتاب (٣٥٢) ابن كنانة، وكتاب (٣٥٢) ابن دينار، فكان يغرب (٣٥٣) بمسائلها. وكتب بخطه كثيرا. وكان قد اشترى وصيفا يصلح له القنديل إذا نسخ بالليل، وكان يتخذ له القصب الحلو، ويقطعه صغار، فإذا نعس الوصيف جعل في فيه قطعة (٣٥٤) ليزيل عنه النوم. وعده ابن أبي دليم في هذه الطبقة. وكان ابن بسطام يجالس حماسا وغيره من فقاء القيروان في جامعها للمناظرة في الفقه. "وقال أبو العرب: ولم يكن في عصره أكثر كتبا منه في الفقه" (٣٥٥) والآثار.

стр. 1440

قال الباجي: كان فقيهًا. وقال ابن حارث: لم يكن فقيهًا، وكان يميل إلى مذهب ابن عبدوس في مسألة الايمان، وكان يقول: من قرأ لقمان أمن العرق (٣٥٦) ومن قرأ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٣٥٧) الآية نجا من غم يجده، وفرج الله عنه. سكن القيروان ثم انتقل منها إلى سوسة، ومات بها سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة (٣٥٨). *** أحمد بن أحمد بن زياد الفارسي (٣٥٩) أبو جعفر، صحب ابن عبدوس، وابن سلام، ومحمد بن تميم القفصى (٣٦٠)، وأبا جعفر الأيلى وغيرهم. وصحب ابن مسكين القاضي، وكان يكتب له السجلات. سمع منه ابن حارث، وأحمد بن حزم، وأبو العرب، وهبة الله بن أبي عقبة، وأبو محمد بن خيران، وربيع القطان، وأبو الحسن الزعفراني. قال أبو العرب: كان عالما بالوثائق، وضع (٣٦١) فيها عشرة أجزاء، أجاد فيها، وكان ثقة، وله كتاب في أحكام القرآن، عشرة أجزاء أيضا، وله كتاب في مواقيت الصلاة. قال ابن حارث: كان فقيهًا نبيلا، وكان مذهبه النظر، ولا يرى التقليد، وكان يتكلم في ذلك كلاما حسنا، وكان بصيرا باللغة، بليغ الشعر، من المجيدين لنظمه وعلمه، ولم يكن * في المناظرة باللسان يبلغ مبلغ غيره، وكان من ذوى الجاه والمروءة والنعم.
следующие страницы →