← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

ويقال انه كان يرى الخضر ﵇، ويجتمع به، وكان يقول: اني لأذهب إلى الخلاء فأتقنع فيه (٣٣٧) حياء من ربى. وحكى الأجذابى قال: كان محمد بن سحنون بسوسة، فلما صلى الصبح، وجلس بعد الصلاة، قال لمن حوله: يأتيني الآن بشير من القيروان، بأن قراطيس جاريتي، وضعت غلاما أسميه باسمى، وأكنيه بكنية أبي، ويكون رجلا صالحا، فكان كذلك، فوهب للبشير - وكان غلاما له - ثوبا رفيعا كان عليه، ثم قال له: اختره، أو العتق، فاختار العتق، فيقال: انه كان رأى ذلك في نومه والله أعلم. وكان اشترى قراطيس هذه بمصر، سمع بكاءها في القافلة، فسأل فقيل: جارية لأندلسي يريد بيعها، ولها أبوان بالمغرب. فرق لها واشتراها، وأرسل بها إلى افريقية، وقال: ما اشتريتها رغبة فيها، ولكن لأجمع بينها وبين أبويها، لعل الله أن يجمع بينى وبين أبي. فتسراها وأولدها. قال بعضهم: أتيت اليه - يريد محمد بن محمد بن سحنون - فوجدته مستبشرا، فقال بعد كلام: أتانى انسان طويل (٣٣٨)، بعيد الخطى، من جهة السبخة، فقمت اليه، فقصدني، فسلمت عليه وسلم على، ودار بيني وبينه كلام ووصية. وأبى أن يخبر بما دار بينهما. قلنا (٣٣٩) له: أراه الخضر ﵇. قال: هو. وامتحن على يد المروزي (٣٤٠) قاضى الشيعة، وقال له: بلغنى عنك أشياء أقل ما يجب فيها سفك الدماء، فاشتغل بما يعنيك. وشبه هذا.

стр. 1437

وأمر غلامه فقنعه أسواطا، وكان يقول: ما دفعت عنه بهذا الا كثيرا، وما فعلته الا شفقة عليه، فان المشارقة أكثروا فيه، فأرضيتهم بذلك. مات سنة ست وثلاثمائة. ويقال سنة سبع. وقال بعضهم: كنت أسكن بالبادية (٣٤١)، فنويت زيارة قبور صالحي القيروان، فقصدت ذلك، وجئت باب سالم (٣٤٢)، وإذا (٣٤٣) بخلق كثير من النساء قد خرجن لزيارة يوم الخميس. فقلت: لا أقدر على التماس قبورهم ومعرفتها بما على الأعمدة من أجل النساء، ولكنى أجلس حتى ينصرفن مع العصر، وأصل إلى ما أريد. فأتيت المصلى فجلست فيه، فاذا أنا برجل بثياب بيض وقف لى وسلم على. وقال: ما أجلسك هنا؟ فعرفته. وسألني عن مذهبى فعرفته انى مدنى (٣٤٤). فصافحنى وضمنى إلى صدره وقال لى: أنا أبو سعيد محمد بن محمد بن سحنون، أخرجنى اليك هذا الوقت، أنى كنت الساعة نائما على فراشي، حتى رأيت آتيا يقول: قم توضأ، واخرج إلى باب سالم (٣٤٥)، فانظر لذلك الرجل البدوى، يونس بن عبد الله، فانه يحب أن يقف على قبور المشايخ وليس يعرفها. ثم قام معى، وأوقفنى عليها، وسألني أن آتيه كلما دخلت القيروان. فبينما أنا فى باديتى، اذ دخلت على أمى فقالت لي: رأيت الساعة في منامي قائلا يقول لى: قولى (٣٤٦) ليونس: يسير إلى * القيروان، فان ابن سحنون مات. فوصلت إلى القيروان، فوجدته يغسل، فصليت عليه.

стр. 1438

أبو عمرو، ميمون بن عمرو بن المعلوف (٣٤٧) من أصحاب سحنون، ومعدود فيهم، وسمع من أبي المصعب، سمع منه أبو العرب، وابن حارث، وجماعة. قال ابن حارث: أدركته شيخا كبيرا مقعدا. وكان له دين وفضل، وولى مظالم القيروان، ثم قضاء صقلية، ولما خرج اليها - وكان بسوسة - قال: يا أهل سوسة! هذا كسائي وفروى، وجبتى وخرجى وكتبى، وسوداء تخدمنى، معها جبة وكساء، فانظروا بما أرجع. فلما وصل صقلية قيل له: هذه دار القضاء. قال: هذه دار غطاء (٣٤٨)، ما أصنع فيها، تكفى دويرة صغيرة وكانت السوداء تغزل، وتبيع، وتنفق عليه، إلى أن مرض فخرج من صقلية. وكان حج مع محمد بن سحنون، فوقفوا يوم النحر، وظنوه يوم عرفة، فاخلتف العلماء بمصر وغيرها، فبعضهم قال: الحج تام، وبعضهم قال ليس بتام. قال أبو عمرو: سألت عن ذلك المزنى بمصر فقال لي: أما نحن والشافعي، فنرى الحج تاما. وقال: وسمعت أبا موسى هارون بن عيسى الجبلي بمصر يقول: جاءتني البارحة بطاقة محمد بن سحنون، يسألني عن المسألة، فأخبره أن الحج تام. وقد اختلف قول سحنون في هذه المسألة. وحكى أبو سليمان المالكي، قال: اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة على جوازها.

стр. 1439

وهذا كما ذكره المزني عن الشافعي. وتوفى أبو عمرو سنة عشر وثلاثمائة. *** أبو عبد الله محمد بن بسطام بن رجاء الضبي السوسي ثقة مأمون، يقال أنه من البصرة، ثبت، كثير الروايات والكتب. وكانت له رحلة سمع فيها (٣٤٩) ابنى (٣٥٠) عبدوس وغيرهما من أصحاب سحنون، وبمصر من (٣٥١) ابن عبد الحكم، والربيع الجيزى، وإبراهيم بن مرزوق وغيرهم. وأدخل إفريقية كتبا غريبة من كتب المالكيين ككتاب (٣٥٢) المغيرة بن عبد الرحمان، وكتاب (٣٥٢) ابن كنانة، وكتاب (٣٥٢) ابن دينار، فكان يغرب (٣٥٣) بمسائلها. وكتب بخطه كثيرا. وكان قد اشترى وصيفا يصلح له القنديل إذا نسخ بالليل، وكان يتخذ له القصب الحلو، ويقطعه صغار، فإذا نعس الوصيف جعل في فيه قطعة (٣٥٤) ليزيل عنه النوم. وعده ابن أبي دليم في هذه الطبقة. وكان ابن بسطام يجالس حماسا وغيره من فقاء القيروان في جامعها للمناظرة في الفقه. "وقال أبو العرب: ولم يكن في عصره أكثر كتبا منه في الفقه" (٣٥٥) والآثار.

стр. 1440

قال الباجي: كان فقيهًا. وقال ابن حارث: لم يكن فقيهًا، وكان يميل إلى مذهب ابن عبدوس في مسألة الايمان، وكان يقول: من قرأ لقمان أمن العرق (٣٥٦) ومن قرأ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٣٥٧) الآية نجا من غم يجده، وفرج الله عنه. سكن القيروان ثم انتقل منها إلى سوسة، ومات بها سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة (٣٥٨). *** أحمد بن أحمد بن زياد الفارسي (٣٥٩) أبو جعفر، صحب ابن عبدوس، وابن سلام، ومحمد بن تميم القفصى (٣٦٠)، وأبا جعفر الأيلى وغيرهم. وصحب ابن مسكين القاضي، وكان يكتب له السجلات. سمع منه ابن حارث، وأحمد بن حزم، وأبو العرب، وهبة الله بن أبي عقبة، وأبو محمد بن خيران، وربيع القطان، وأبو الحسن الزعفراني. قال أبو العرب: كان عالما بالوثائق، وضع (٣٦١) فيها عشرة أجزاء، أجاد فيها، وكان ثقة، وله كتاب في أحكام القرآن، عشرة أجزاء أيضا، وله كتاب في مواقيت الصلاة. قال ابن حارث: كان فقيهًا نبيلا، وكان مذهبه النظر، ولا يرى التقليد، وكان يتكلم في ذلك كلاما حسنا، وكان بصيرا باللغة، بليغ الشعر، من المجيدين لنظمه وعلمه، ولم يكن * في المناظرة باللسان يبلغ مبلغ غيره، وكان من ذوى الجاه والمروءة والنعم.

стр. 1441

وامتحن آخر عمره بمغارم السلطان، فانكشف، وأكب (٣٦٢) عليه العدم، وتكاملت عليه المغارم، فلجأ إلى محمد بن البغدادي، يتوسل له (٣٦٣) إلى عبيد الله في تخفيف ذلك عنه، فقال له ابن البغدادي هذا ما لا يفعله مع أحد، ولكن أسأله لك صلة تعينك على (٣٦٤) دهرك، فكم تحب أن تكون؟ فقال: عدة ما على من المغرم، آخذها ثم أخرج بها إلى الديوان فأزنها. فسأله: كم عليه؟ فقال: ستون دينارا. فقال: دعنى أسأله لك في ثلاثمائة دينار، تستعين بها على دهرك. فأبى عليه إلا قدر مغرمه، فأخرجها له، ووزنها في الديوان. وكان أبو جعفر قد توفى أبوه وتركه حملا، وترك مالا كثيرا، فوقف سحنون التركة حتى يعرف الحمل ما هو، فلما ولدته أمه، أعلموا سحنون فقال: سموه محرزا، لأنه أحرز مال أبيه. قال أبو جعفر: فعصاه النساء. فما أحرز الله عليه ماله بعدها، وتبدد في كل وجه. *** محنته كان قد امتحن، وجرت عليه دائرة عظيمة من عبيد الله الرافضي، ضربه بالعصا بطحا. ودارت عليه دائرة أخرى على يد إسحاق بن أبي المنهال، وذلك أنه كتب في كتاب صداق شرطا. وقد تقدم إلى الناس كافة ألا يكتب

стр. 1442

في نكاح شرط بيمين طلاق (٣٦٥)، فأرسل فيه إسحاق، فحبسه ثلاثة أيام. وتوفى ابن زياد سنة تسع عشرة وثلاثمائة "فيما قاله ابن حارث، وقال ابن أبي دليم سنة ست عشرة" (٣٦٦). ومولده سنة أربع وثلاثين ومائتين. *** نفيس الغرابلي السوسي كنيته أبو الغصن، وهو مولى لامرأة من أهل سوسة. قال أبو العرب: كان فقيه البدن، ثقة، سمع من سحنون، وابنه، وعون، وابن رزين (٣٦٧) وغيرهم. وسمع أيضا من ابن عبدوس، وعبد الله بن سهل القبرياني (٣٦٨) ونصر بن محمد بن عبد الحكم، ومحمد بن المواز وغيرهم من حذاق الفقهاء. سمع منه تميم بن أبي العرب وسهل بن عبد الله بن سرحان، وأبو أحمد بن أبي سعيد. وكان حماس يشهد له بالفقه، وأراده (٣٦٩) أن يلى قضاء سوسة فأبى عليه. قال غيره: كان من الفقهاء المعدودين، والحفاظ المبرزين، وكان حفظ موطأ ابن وهب.

стр. 1443

قال أبو محمد بن أبي زيد (٣٧٠): كان عالما زاهدا، ولم يذكر ابن حارث أن له سماعا من سحنون، وحكى عنه قال: أول ما طلبت العلم اختلفت إلى محمد بن سحنون وكتبت كتبه، وأخذت في الدرس، فكنت أسأله عن المسائل مما ألف في كتبه، فربما أجابني فيها من نظره بغير الذي في كتبه، فأقول له: في كتابك كذا، وكلامك أحسن مما في كتابك. فكنت إذا سألته بعد ذلك لا يجيبنى، ويقول إذا سألته: ارجع إلى كتبك وانظر فيها. فلما رأيت ذلك، انحرفت إلى عبد الله بن سهل القبرياني، فكنت معه أياما حتى خرج إلى قضاء قسطلية، فملت إلى محمد بن عبدوس، فما مرت لي معه إلا أشهر يسيرة، حتى فقت جميع أصحابه في الفقه. وحكى أن إبراهيم بن الأغلب طلبه لقضاء سوسة، فقال له: سألتك بالله أيها الأمير، لا تعر القضاء بي، لأني عبد رومي أعور غرابلي، مولى امرأة، وهذا هجنة عليك. فقال له: والله لولا أنى أعرك بالقضاء، وأخشى دعاءك، لوليتك. قال ابن حارث: كان فقيه البدن، عالما محررا فاضلا عابدا جليلا متواضعا حسن الأخلاق، وغلب عليه الزهد والعبادة، وانقبض عن التصدى للفتيا. وقد ذكر أنه كان يعمل الغرابيل، ويعيش منها وكان قليل ذات اليد. وذكر أنه دخل على ابن بسطام بسوسة، يعوده مع جملة عواده، فلم يره ابن بسطام، فجلس آخر المجلس، وكانت في خلق ابن * بسطام زعارة، فجعل يقول رأيتم هذا العبد السوء - يعنى أبا الغصن - كيف لم يعدني في مرضى:

стр. 1444

فقال له أبو الغصن - وقام -: ها أنذا حاضر في جوارك يا سيدى يا أبا عبد الله، قد أتيت لزيارتك إجلالا وإعظاما لحقك. فاستحى ابن بسطام فقال له: لم لم ترتفع؟ فقال له: أنا عبد، والعبد لا يتخطى رقاب مواليه. قال أبو ميسرة: قال لي نفيس: كان سحنون يقول لي: يا نفيس: أنت رومي، وأنا أحبك لأنك تختلف إلى (٣٧١) وتحب السماع والعلم، وكان صهيب روميا، وكان يحبه النبي ﷺ . قال الأجذابى: كان بجوار أبى الغصن شاب بطال، صاحب ملاه، وكان أبو الغصن لا يتجهم له، خوفا أن يشرد منه، فأقيمت الصلاة يوما (٣٧٢) في مسجد أبى الغصن، فقدم الفتى، فامتنع، فعزم عليه أبو الغصن، فصلى، ثم رجع فكسر ما في بيته من آلات الباطل والخمر، وعاد للعمل الصالح. وتكلم يوما حماس القاضي، وموسى القطبان في مسألة، تكلم عليها ابن عبدوس، وابن سحنون، فجعل (٣٧٣) حماس يحتج لابن عبدوس ويفضله على ابن سحنون بالفقه، وجعل موسى يفعل مثل ذلك في ابن سحنون، حتى جاء أبو الغصن، فقال حماس: قد جاء من يفصل بيننا. فذكر له ذلك. فقال أبو الغصن: إنما يفصل (٣٧٤) بين الفقيهين من هو أفقه منهما. وقال لهما: ما المسألة التي اختلفتما (٣٧٥) فيها؟ قالا: إذا باع بالخيار، واشترط أكثر من الأمد الذي يصح فيه من المشترى بالخيار، فهلك، فممن ضمانه؟ فابن عبدوس يقول: من المشترى، لأنه فاسد بيع وابن سحنون يقول من البائع لأنه بيع خيار.

стр. 1445

فقال أبو الغصن: سمعت ابن المواز يقول فيها: هو بيع فاسد. فقالا له: رواية؟ قال: نعم، إذا باع بالخيار، وشرط النقد، فالبيع فاسد فهذه نظيرتها، لأن اشتراط الزائد على ما لا يصلح من ضرب الأجل، كاشتراط النقد. وتوفى سنة تسع وثلاثمائة. مولده سنة ثلاث أو أربع عشرة ومائتين. *** أبو إسحاق بن البرذون، وأبو بكر بن هذيل أبو إسحاق بن البرذون: هو إبراهيم بن محمد بن حسين الضبي مولاهم، يعرف بابن البرذون. كان ذا رواية وأدوات (٣٧٦) وتصرف، ومن نظار فقهاء المدنيين بالقيروان، وكان تلميذا لسعيد بن الحداد، ذا اباء (٣٧٧) وأبهة نبيلة (٣٧٨)، وكان يقول: أنى أتكلم في تسعة عشر فنا من العلم. قال ابن حارث: كان عالما "بالذب عن مذهب مالك بن أنس، قال الخراط: كان أبو إسحاق بن البرذون فقيهًا عالما "بارعا في العلم، يذهب مذهب الحجة والنظر، لم يكن في نشأة (٣٧٩) القيروان أقوى على الحجة والمناظرة منه. سمع من عيسى بن مسكين، ومحمد بن عمر، وجبلة بن حمود، وسعيد بن إسحاق وغيرهم من رجال سحنون.

стр. 1446

وكان شديد التحكك (٣٨٠) للعراقيين والمناقضة والملاحاة لهم، فدارت عليه بذلك دوائر في دولتهم، ضرب بالسياط مرة أيام الصديني القاضي، ثم سعى عليه العراقيون عند دخول الشيعي القيروان، وعلى رجل آخر من أصحابه وعلى مثل طريقته يعرف بأبي بكر بن هذيل، من المدنيين أيضا المتفننين. "قال ابن سعدون: وكان من العلماء الخاشعين" وكانت الشيعة بالقيروان تميل إلى أهل العراق لموافقتهم اياهم في مسألة التفضيل، ورخصة مذهبهم، ورفعوا عليه لأبي عبد الله الشيعي، وقيل لأخيه أبي العباس المخطوم لعنهما الله، أنهما يطعنان في دولته، ولا يفضلان عليا، ونهى (٣٨١) إليه أنه قال لبعض أصحابه، وقد ناظره في إمامة أبي بكر: كان على يقيم الحدود بين يديه، فلولا أنه* كان إمام هدى مستحقا بالتقديم ما حلت له معونته. فحبسهما، ثم أمر عامل القيروان حسن بن أبي خنزير، بضرب (٣٨٢) ابن هذيل خمسمائة سوط، وبضرب (٣٨٢) رقبة ابن البرذون. "فغلط ابن أبي خنزير، فضرب ابن البرذون، وقتل ابن هذيل، ثم تنبه من الغد فقتله. وقيل: أمره بقتلهما جميعا، بعد أن يضرب ابن الهديل خمسمائة سوط، فغلط، وضرب ابن هذيل ثم قتلهما" (٣٨٣). فقيل أن إبراهيم لما جرد ليقتل، قال له حسن: ترجع عن مذهبك؟ فقال له: أعن (٣٨٤) الإسلام تستتيبني؟

стр. 1447

فقتل، ثم ربطت أجسامهما (٣٨٥) بالحبال، وجرتهما البغال مكشوفين (٣٨٦) بالقيروان، وصلبا نحو ثلاثة أيام، ثم أنزلا ودفنا. (٣٨٧). فذكر أن بعضهم رأى إبراهيم في النوم، فقال (٣٨٨) له: أنت مع صاحبك؟ فأشار إليه (٣٨٩) أنه فوقه. فقيل له: بم (٣٩٠) رفعت عليه؟ فأشار ربيده، يحكى أن الضرب الذي ضرب هو (٣٩١) دونه. وكانت هذه النازلة بهما، سنة سبع وتسعين ومائتين. وحكى أن ابن أبي خنزير لما أتى بابن البرذون إليه، قال له: يا خنزير! فقال له ابن البرذون: الخنازير معلومة (٣٩٢) بآبائها (٣٩٣). فغضب (٣٩٤)، وعاجله بالقتل، ولم يضربه. وحكى عبد (٣٩٥) الله بن خراسان وابن نصرون، أن فاعل ذلك بهما عبيد الله (٣٩٦) "بنفسه، وأنه لما أتى القيروان وجه فيهما، فوجداه على سريره، وقد حف به أبو عبد الله" (٣٩٧) وأخوه المخطوم، فقال لهما أبو عبد الله: أتشهدان أن هذا رسول الله؟

стр. 1448

فقالا بلفظ واحد: والله الذي لا إله غيره (٣٩٨)، لو جاءنا والشمس في (٣٩٩) يمينه، والقمر على (٤٠٠) يساره يقولان (٤٠١) أنه (٤٠٢) رسول الله، ما قبلناه. فأمر عبيد الله بذبحهما وربطهما إلى أذناب البغال. وقيل جاء فيهما كتاب من المهدية: يدخلان في الدعوة، أو يضربان بالسياط حتى يموتا. فعرض عليهما ذلك، فقالا: ما نترك الإسلام. فقيل لهما: فقولا (٤٠٣) للناس، قد فعلنا (٤٠٤)، ولا تفعلا. فقالا: يقتدى بنا فيما نفعل، عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة فقيل أن أخا الشيعي، قال له: أفسدت علينا ما بنا حاجة إلى صلاحه. وقيل إنه قال له: قد أمنت القيروان، فأخشى بقتل (٤٠٥) هذين الرجلين أن يحسبوا أنه رجوع عن أمانهم. فقال الشيعي: ما جعل الله لي ولا لأحد أن يعطيهم ما منعهم الله إذ يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٤٠٦) الآية فمن يأتى بما يكره في الإمام (٤٠٧) التقى، كان سبيله سبيل أهل (٤٠٨) الذمة، إذا أبانوا (٤٠٩) ما في قلوبهم من بغض النبي ﷺ ، لم يسعنا فيهم إلا القتل.

стр. 1449

ومنع عبيد الله فى هذا الحين (٤١٠) الفقهاء أن يفتوا (٤١١) بمذهب مالك وأمرهم ألا يفتوا الا بمذهبهم الذي ينسبونه إلى جعفر بن محمد، ويسمونه مذهب أهل البيت، من سقوط طلاق البتة، واحاطة البنات بالميراث، وغير ذلك. وغلظ الأمر على المالكية من هذا الحيز، ومنعوا من التحليق (٤١٢) والفتيا، فكان من يأخذ منهم (٤١٣) ويتذاكر معهم، انما يكون سرا، وعلى حال خوف ورقبة (٤١٤). وكان لابن البرذون أخ اسمه عبد المالك، يرى مذهب الشافعي ويناظر فى الفقه مناظرة حسنة، خذله الله فتشرق، فشتان ما بينه وبين أخيه. *** ذكر أبى بكر بن هذيل هذا وأخباره سوى ما تقدم وابن هذيل صاحبه (٤١٥) يكنى بأبي بكر. قال ابن خراسان - وذكر قصته مع ابن البرذون - كانا فقيهين. قال ابن ادريس: كانا من فقهاء المسلمين، امتحنا في الله، فضربا بالسوط حتى ماتا. قال ابن القابسي الفقيه: كان ابن هذيل من الورعين، انما كان عيشه من كد يد امرأته، كانت تشترى الكتان * وتغزله وتنسجه،

стр. 1450

ويتقوتون بفضله، ولقد ذكر أنه دفع إلى رجل بدنا ليبيعه له، فأعطاه فيه صنهاجي ثمنا، فباعه منه، وأتاه بالثمن، فلم يعرفه، فأمره برفعه (٤١٦) في التابوت، فلما كان بعد مدة سأله ابن هذيل عن البدن (٤١٧)، فقال: ألم أدفع اليك (٤١٨) ثمنه؟ فقال له: ما وصل إلى. فقال: ألم أجعله في التابوت؟ وقام الرجل فبادر (٤١٩) إلى التابوت فوجد فيه الصرة قد نسج عليها العنكبوت. قال الرجل: فعجبت وقلت: هذه حماية. فعرفته بأني قد وجدتها. فأخذها ثم قال لى: سألتك بالله! هذه الدنانير ما شأنها؟ فما طابت عليها نفسي. فصدقته. فقال لى: يحل لك أن تطعم أخاك الحرام؟ فقلت له: اني تائب. فقال لى: خذها عنى. فقلت: تصدق بها. فقال: والله لا فعلت، ولا يأخذها (٤٢٠) الا أنت عقوبة لك. فأتيت بها دمنة (٤٢١) المرضى، فعرضتها على قوم منهم فقالوا: الميتة خير لنا منها.

стр. 1451

ولم يأخذوها، ثم لاقيت (٤٢٢) فقيرا، فقال: اني مضطر فأخذها. محمد بن على بن عبد الرحيم قال اللبيدى: كان من الحفاظ، وهو من شيوخ الجبنيناني. *** أبو عبد الله محمد بن قعنب قال أبو على بن أبي سعيد: كان فقيها معروف المكان في المالكية بافريقية، وكان مع ذلك حليما أديبا حسن المعاشرة، مائلا إلى الشعر، له أشعار كثيرة، وستر (٤٢٣) في آخر عمره أشعاره التى صنع (٤٢٤) فى حداثته فمما أنشد منه له (٤٢٥): أستغفر الله من قولى وما كتبت … كفى وأملاه قلب هائم قلق لا أرتضى الشعر لكن فرقة فجعت (٤٢٦) … والعيش (٤٢٧) يدنى (٤٢٨) حبيبا ثم نفترق وتوفى فى المحرم سنة عشر وثلاثمائة (٤٢٩). ***

стр. 1452

أبو عبد الله حمود بن سهلون الفقيه الزاهد، صاحب أبي عبد الله محمد بن عبدوس، أخذ عنه، ودرس عليه الفقه. وممن انتفع به وصحبه أبو اسحاق الجنبياني، ومسرة بن مسلم، وكان بساحل افريقية. *** مالك بن عيسى بن نصر القفصى أبو عبد الله، ولى قضاء بلده، وسمع من محمد بن سحنون، وأبى الحسن الكوفى، وشجرة بن عيسى. ورحل في طلب (٤٣٠) الحديث، وطاف بلاد المشرق، يقال أقام بها عشرين سنة، ولقى علماء الأمصار والصلحاء والزهاد وجالسهم، وأكثر الرواية، فسمع من محمد بن عبد الحكم، ويونس بن عبد الأعلى وغيرهم. قال أبو العرب: كان قبله (٤٣١) فقه كثير، وعلم بالحديث وعلله ورجاله، لم أعلم فى عصره أجمع للعلم منه، ولا أكثر رجالا. قال غيره: رحل اليه الناس من الأندلس وغيرها. وكان أهل المشرق (٤٣٢) يعرفونه ويشهدون له بالنفاذ، وغلب عليه الحديث. وقد ذكره أبو سعيد بن الاعرابى فى كتاب طبقات النساك (٤٣٣)، ممن كان يجالس، ويسمع كلامه، ويصحبه. قال ابن حارث: وامتحنه الشعيى بصحبته (٤٣٤) له، وتعديل الأرض له لوظيف الخراج.

стр. 1453

وكان يقال: لو عاش لغلب الحديث على أهل القيروان. قال زياد بن موسى: ما رأيت بافريقية أعلم بالحديث والرجال منه. وألف كتاب الأشربة، وكان يقول: مذهبى فى تحريم المسكر مذهب أهل المدينة، وانما ألفت ذلك الكتاب لرجل صالح، سألني أن أجمع له ما ورد فى تحريم النبيذ وتحليله، فلا يظن (٤٣٥) بنا أحد أنا نميل (٤٣٦) إلى تحليله. مات سنة خمس وثلاثمائة. *** أحمد بن يحيى بن خالد السهمي (٤٣٧) صلبية، أبو جعفر، لقى سحنون وله عنه حكايات * ولم يسمع منه العلم، وسمع من ابنه، ومن ابن (٤٣٨) شجرة، وعبد الرحيم الزاهد، وكان أمينا لابن طالب. توفى سنة عشر وثلاثمائة. وأبوه أبو حاتم (٤٣٩) يحيى بن خالد، من أصحاب سحنون، ولاه قضاء الزاب، تقدم ذكره. *** عمر بن يوسف بن عبدوس بن عيسى اشبيلى الأصل، سكن سوسة القيروان (٤٤٠).

стр. 1454

قال أبو العرب: كان صالحا ثقة ثبتا، ظابطا لكتبه، سمع معنا من يحيى بن عمر وغيره، وسمعت أنا منه، وسمع بمصر من محمد بن عبد الحكم، وأخيه سعد (٤٤١)، وابراهيم بن مرزوق، وابن عزيز. وذكره أبو اسحاق الشيرازي فيهم (٤٤٢). قال أبو العرب: توفى بسوسة سنة تسعين ومائتين. *** محمد بن أحمد بن يحيى بن مهران من أصحاب محمد بن سحنون ﵀، توفى سنة تسع وثلاثمائة. *** محمد بن فتح الرقادى المعروف بشفون، لجرح أثر في شفتيه. ولد برقادة، وبها نشأ، وظهر فى آخر أيام ابن الحداد، وسلك طريقه، لكنه لم يصحبه، وانما ظهر بعده، وكان يذهب مذهب الجدل والمناظرة، والذب عن السنة ومذهب أهل المدينة، وهو من مشاهير المتكلمين والنظار بالقيروان، وله فى هذا الباب (٤٤٣) كتب حسان، وكان ذكيا، حاضر الجواب. توفى غريقا في البحر، فى طريق مصر، سنة عشر وثلاثمائة. *** سالم بن حماس بن مروان عنى بالمسائل، وسمع من أبيه، وكتب له في قضائه وكان فقيها. قال ابن أبي دليم: كان من أهل الحفظ والعلم حسن التكلم في ذلك، مع فضل ودين وانقباض.

стр. 1455

وقال مسرة بن مسلم: لما كانت الليلة التى ولى فيها أبوه القضاء، رهن الفأس في خبز وزيت. قال ابن حارث: سلك طريقة (٤٤٤) أبيه فى الحفظ والفقه، وكان معظما لعلمه وابوته، فقيها نافذا (٤٤٥). قال بعضهم: كنت في حلقة حماس، اذ دخل عليه رجل بمرقعة صوف، فقام اليه فأجلسه (٤٤٦) موضعه، وحول اليه وجهه ساعة، فلما خرج قام معه. فقال له: يا سيدي! لا تفعل. فقال حماس: هذا فرض على. فقام ابنه سالم والطلبة: يا سيدنا من هذا؟ قال لهم: هذا أبو هارون الأندلسي، مجاب الدعوة، وهو من الأبدل، وممن ترجى بركة دعائه، يا بني! الحقه، وخذ بحظك منه. فلحقه سالم، فدفع اليه خمسة دنانير، ودراعة، وجبة صوف، ومنديلا، وسراويل. وأعلم أباه بذلك. فلما كان من الغد دخل عليه (٤٤٧)، وقال له: رأيته يا سيدى كما كان أول مرة في مرقعته وعباءته. فقال حماس: يا بنى ذلك من الأبدال، يتأسى بأهل الصفة، لا تبيت معه بيضاء ولاصفراء (٤٤٨)، ولا شيء من الدنيا الا ستر عورته، وسد جوعته، نفعك الله يا بنى بذلك، فلقد (٤٤٩) نفعنى الله تعالى بدعائه. توفى سنة سبع وثلاثمائة.

стр. 1456

حمود بن حماس أخوه واسمه أحمد، ويكنى بأبي جعفر. سمع من أبيه وغيره، وكان يتكلم فى المسائل، والغالب (٤٥٠) عليه النسك والورع. قال المالكي: كان فاضلا صالحا (٤٥١)، حسن السمت والهدى، صحب جماعة من النساك، واختص بأبى هارون الأندلسي العابد. مات بعد أخيه بسنتين. قال ابن زيان: كنت يوما عند حماس، وعنده جماعة من النساك (٤٥٢)، حتى أتت امرأة، بيدها مصحف تحلف (٤٥٣) بالله وبالمصحف، ما خلف ابنك حمود (٤٥٤) عندى دينارا (٤٥٥) ولا درهما فاذا هي زوجة ابنه، قام عليها بعض ورثته بعد موته. فقال هاشم، والد القاضي عبيد الله - وكان بالحضرة -: أصلح الله القاضى! فقال حماس: من أين قلت ذلك؟ قال: جرى لابنك حمود على يدى فى * أهل تاهرت، نحو خمسمائة دينار، فككت السبايا، وهي نعمة. فقال حماس: الحمد لله. وسكت. ***

стр. 1457

أبو عبد الله محمد بن محبوب الزناتي سمع يحيى (٤٥٦) بن عمر وغيره (٤٥٧)، وكان حافظا للمسائل يناظر فيها. قال ابن حارث: كان جليسا لابن طالب، وكان جيد المناظرة حسن القريحة. قال أبو عبد الله الرقادي: لم يكن ابن محبوب يتغارق (٤٥٨) في علم الكلام، وانما كان كلامه فى المناظرة الدائرة بين الفقهاء في الفقه، ولابن محبوب مع ابن طالب وغيره مناظرات (٤٥٩). وسأله رجل من العراقيين بمحضر ابن طالب في مجلسه فقال: الاستثناء بالله يزيل الكفارة ولا يزيل الطلاق فى اليمين بالطلاق (٤٦٠) واليمين بالله أعظم منها! فقال له ابن محبوب: أخبرنا الله أن (٤٦١) الطلاق يزيل العصمة، ولم يجعل للاستثناء فيه مدخل، ولا أجمع المسلمون عليه، فوجب زوال العصمة بحكم القرآن، وأما اليمين بالله فقد أجمع المسلمون عن الاستثناء فيها. فقال العراقى: يلزمك مثل هذا فى الاكراه، وأن تجيز طلاقا لمكره، على قياس قولك. فقال: لا يلزمنى ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الاستثناء بعد الطلاق، والاكراه قبل الطلاق.

стр. 1458

والآخر (٤٦٢): أنه يدخل عليك ما أدخلت على، وذلك أن الاكراه ان كان لا يزيل الأيمان التى هى أعظم، فكذلك لا يزيل العصمة التي هي أصغر. والثالث: أن الأمة مجمعة على أنه ان ارتد طائعا طلقت زوجته، وان ارتد مكرها لم تطلق. فقال ابن طالب: أجدت. قال الرقادي: وشهدته يوما وقد جالسه (٤٦٣) بعض القدرية، فتخاوضا (٤٦٤) الكلام فى القدر، فأخذ ابن محبوب كتبا بين يديه، وجعل يكتب فيها مناقضة قول القدرى حتى ملأها، فما رأيت كلاما أوعب لعيون المعاني منه. وكانت وفاة محمد بن محبوب سنة سبع وثلاثمائة، غاله ابن حارث. وقال ابن أبي دليم: سنة ثمان. *** حسين بن مفرج مولى مهرية (٤٦٥) بنت الأغلب، أبو القاسم. كان ذا عناية بالعلم وبصر بالوثائق. سمع من أصحاب سحنون، وغلب عليه الحديث، وكان عالما به وبرجاله. وله كتاب حسن في تاريخ المولد والوفاة. قتله الشيعي وصلبه.

стр. 1459

ذكره ابن أبي دليم. وذكر ابن حارث، أنه ممن امتحن من المدنيين على يد ابن عبدون القاضي، فضم هو وأبو عبد الله السدرى سنة ثمان وثلاثمائة (٤٦٦) إلى المهدية، فضربا، ثم قتلا، ثم صلبا، لكلام حفظ عنهما (٤٦٧) في الشيعي. * * * أبو حبيب نصر بن فتح الشورى (٤٦٨) مولي ابن (٤٦٩) الأغلب. سمع من يحيى بن عمر، ومحمد بن عبد الحكم، وابن عبدوس، وغير واحد من أهل العلم بالقيروان ومصر. وكان من أهل الفتوى والحفظ للمسائل. ذكره ابن حارث قال الخراط: كان رجلًا صالحا فقيه البدن، حسن الحفظ، من أصحاب حماس، وكان حماس يجله ويستشيره. وتوفى سنة ست وثلاثمائة. * * * أبو محمد عبد الله بن محمد العتمى أصله من سرت، شيخ فاضل من أهل الصيام والقيام والعبادة يفتى (٤٧٠) بالمدونة، وكتاب أشهب، وكتاب عبد الملك بن الماجشون، وكان جيد العقل، كثير الانصاف، طويل الصمت.

стр. 1460

قال المالكي: كان من العلماء المتعبدين، له ختمة في كل ليلة، حسن الحفظ. قال ابن أبي دليم: سمع من أصحاب سحنون، وكان حافظا للمسائل، من أهل الزهد والانقباض، وكان يلزم حانوتا لبيع الفخار، وحج سنة عشر، فلازم أبا الذكر بمصر، وكان له مكرما، وكان يجالس بالقيروان أحمد بن نصر وغيره. قال: وكان أبو الذكر يقول لى اذا تجارى أصحاب المسائل: * ارجع إلى عقلك، فأرحنى منه، ودع كلام هؤلاء. قال ابن حارث كان من الشيوخ الذين أدركتهم، وكان حسن العقل، جيد الفقه، متواضعا، كثير الصمت، على سنة، لم يكن له مذهب في سماع الا الفقه والمناظرة فيه، وكان أحد الزهاد العباد الفضلاء. قال ربيع القطان: كان أبو محمد العتمى شيخا فقيها متعبدا، صاحبا صديقا، يقال: علمت منه إجابة الدعوة في غير شيء، وكان له ابن وضئ (٤٧١) خاف عليه الفتنة، فدعا الله في قبضه فمات، وقلما كنا نتزايل أنا وهو وابن مسرور النجار وأبو بكر القلال وأبو محمد عبد الله بن عامر الحداد للفقه والمناظرة، فنحن لابد لنا من نعسة أو سنة، وهو يصلى الصبح بوضوء المغرب، وكان من الكدادين، ممن يحيى الليل بطوله، وكنت أراه أول الليل يشد اللفائف على ساقيه مثل من يسافر، ليقوى بذلك على القيام. وخرج مرة إلى المنستير، مع أبي محمد الحداد، فلما كانت ليلة سبع وعشرين، رأى الحداد قائلا يقول له: ترقد والعتمى قد ختم الليلة خمس ختم! فانتبه، فأتاه فأخبره (٤٧٢)، فقال له: قرأت الليلة النصف الآخر عشر مرات. وهو الذي كان يحفظ (٤٧٣).

стр. 1461

وأقام بتونس (٤٧٤) شهرا أو أكثر، فأخبر من كان معه ممن يوثق به، أنه كان اذا صلى بالليل، يقف على رأسه قنديل من غير معاليق، يزهر، تراه أعينهم. قال: وسمعته يقول: كل ما بلغنى من التعبد عملته (٤٧٥)، حتى لقد عملت ما بلغنى عن بعض السلف، أنه ختم ثلاث ختم فى ليلة ووطئ أهله عند كل ختمة، وتطهر. يريد سليمان بن عثمان التجيبى، كان يفعل ذلك كل ليلة، فقالت له زوجته بعد (٤٧٦) موته: رحمك الله، فلقد كنت مرضيا لربك ولأهلك. وكان من دعائه يقول: رب أمتنى بغتة ولا تفوتنى صلاة. فأجاب الله دعاءه، صلى المغرب، ودخل ليفطر فما غاب الشفق الا وهو من أهل الآخرة. وكان يقول: اللهم لا تمتنى حتى تزهدنى فى الدنيا، وأترك الدكان والعيال. فكان كذلك، ترك الدكان، وفرق ما فيه على أهله وجيرانه، وخير زوجته، ودفع اليها حقها يوم الخميس، وعزم على سكنى بعض الثغور والرحلة اليه يوم السبت، فتوفى يوم الجمعة قبله، سنة عشر وثلاثمائة. * * * سعدون بن أحمد الخولاني أبو عثمان، سمع ابن سحنون، وأبا عمران الفراء (٤٧٧)، وغير واحد من أهل العلم، وسمع بمصر من محمد بن عبد الحكم، وابن رمح، وعيسى بن حماد، وأدرك سحنون ولم يأخذ عنه، وهو من كبار أصحاب ابنه، وسمع من جماعة من شيوخ القيروان.

стр. 1462

سمع منه ابن حارث، وأبو محمد بن أبي زيد، وابن الملاح، وربيع القطان، والاشبيلى، وابن زياد، وأبو بكر بن سعدون، وابن اللباد وغيرهم. قرأت بخط الشيخ أبي عمران - فيما ذكر لى ثقة -: كان سعدون من الفقهاء المتعبدين المرابطين بقصر المنستير. قال ابن حارث: كان من أهل العبادة الدائمة والفضل، وكانت فيه غفلة الشيوخ. قال المالكي: كان رجلًا صالحا طويل الصلاة والتهجد، كثير الصيام، حسن النسك، وكان شيخا من الصالحين. قال ربيع (٤٧٨): قال لنا سعدون: غزوت بضعا وسبعين غزوة لطلب الشهادة. قال أبو العرب: لم تكن عنده دراية لما فى كتبه، ولا ضبط لذلك، وكان صاحب رباط، وكان عبيد الله الرافضى قد وجه فيه، فدخل عليه، اذ كان خوف مكروهه وحمله اليه مقيدا، وسلمه الله منه، ولقى منه برا واكراما، وحدثه سعدون * بأحاديث في فضل على، فقال عبيد الله، هذا الشيخ ثلث الإسلام. وأمر له بمال ودابة. فقال: قد قبلت المال ووهبته لهذا - يريد ولدا لعبيد الله - وأما الدابة فلا أستطيع ركوبها. فقال له عبيد الله: لا تقطعنا. فكان يأتيه فى التهانى والتعازى مداراة لهم وخوفا على أهل المنستير، فسلمه الله منه (٤٧٩) ولم يخلوه (٤٨٠) كما أخلوا (٤٨١) غيره من الحصون.

стр. 1463

قال سعدون: كان ياتيني رجل من الجن (٤٨٢) يوقظني للصلاة، فسألته عن اسمه، فقال لي: محمد بن عبد الله، وأخبرني أنه مسلم، وكان يصافحنى، فأجد (٤٨٣) يده صغيرة لينة. وسألته أن يرينى وجهه فقال لى: ان رأيته تنكد عليك عيشك. وكان يحدثنى بأخبار الموسم، واعتلت زوجتي فجاءني بدواء فشربته فبريت. ووجدت ليلة قلة قد فرغ ماؤها، فقلت ما هذا (٤٨٤) الذي فعل بنا؟ فقال لى: يا أبا عثمان: أعلمنى عمى أن حية فقدت ابنها فأتت إلى القلة، فشربت منها الماء، ثم تقيت فيها لتؤذى من يتوضا منها، فخفت أن تتوضأ منها فيصيبك شيء، فأهرقته. قال سعدون: وسرقت لى حمارة وابنها، فجاءني فقال لي: لقيت السارق، ومضى بها إلى المهدية، فتمثلت له في صورة رجل، وقلت له: هذه حمارة الخولاني، ردها عليه والا فضحتك في المهدية. فقال لى: نعم، وجاء بها حتى بلغ الحمى فأصبحت فيه وولدها. فقلت له: تدخل قصور بنى الأغلب؟ فقال: أعوذ بالله، انما أدخل إلى موضع الصالحين. فلما خرج إلى الحج سألني عصا، فأعطيته قصبة، فاني بعد قضاء الحج بنحو خمسة أيام، رأيت القصبة وقعت بين يدى، وقائلا يقول: أنا ابن أخى ابن عبد الله، مات بالأسكندرية، وأوصانى أن أصرف هذه القصبة اليك. فقلت له: تكون صديقى كما كان عمك؟ قال: كان عمى رجلا صالحا، وأنا فاسق. ثم غاب عنى (٤٨٥).

стр. 1464

وقيل لسعدون: ان قوما من كتامة قتلوا رجلا صالحا، وأضرموا عليه النار الليل كله، فأصبح بدنه أبيض، لم تؤثر (٤٨٦) فيه النار. فقال: لعله حج ثلاث حجج. قالوا: نعم. قال حدثني واصل، أن من حج واحدة أدى فرضه، ومن حج ثانية داين (٤٨٧) ربه، ومن حج ثالثة حرم الله بدنه وشعره على النار. قال ابن حارث: وكان سعدون يخرج فى الحراسة والبروز على الحصون، فربما خرج فى أربعة آلاف خباء (٤٨٨) ممن يجتمع اليه، حتى خافت منه الشيعة. وتوفى سنة أربع، ويقال خمس وعشرين وثلاثمائة، وهو ابن مائة سنة وست، ويقال ثمان (٤٨٩)، وهو صحيح العقل والبصر. قال ابن حارث: كان قال لى سنة عشر وثلاثمائة: أنا ابن خمس، أو سبع، وتسعين. ودفن بالمنستير، ونفر الناس لجنازته من القيروان، ووقف على قبره بعد موته أبو بكر بن سعدون فقال: رحمك الله يا معلم الخير، يا شيخ الإسلام. أبو جعفر أحمد بن محمد القرشي المغرياني (٤٩٠) من ولد عقبة بن نافع الفهرى، يعرف بالمغرياني، لأنه كان يسكن فى منزله بمغريانه (٤٩١) من أصحاب سحنون.

стр. 1465

قال أبو العرب: كان ثقة مأمونا، وأراده الأمير ابراهيم على أن يلى قضاء القيروان (٤٩٢) فأبى عليه. مولده سنة اثنتى عشرة ومائتين. وتوفى بعد الثلاثمائة. * * * محمد بن أحمد بن أبي زاهر أبو عبد الله، من نبط (٤٩٣) تونس، يتولى قريشا. سمع "محمد بن عبد الحكم بمصر، وأبا زرعة الدمشقي، ونصر بن مرزوق، وغيرهم وأخذ عن (٤٩٤) محمد بن سحنون. وذكره ابن حارث فى أصحاب مالك من أهل القيروان (٤٩٥) توفى سنة (٤٩٦) ست عشرة وثلاثمائة. ومولده سنة احدى وثلاثين ومائتين. وذكره في الفقهاء ابن أبي دليم أيضا، وقال: غلبت عليه الرواية، وأخذ عنه. * وذكر أبو العرب، أباه أحمد بن أبي زاهر فيمن سمع من سحنون، وقال: اسم أبي زاهر، اسحاق. قال: وكان أحمد أميا (٤٩٧)، مات سنة تسع وتسعين. * * * يونس بن محمد أبو محمد من أصحاب سحنون، وسمع من غير واحد (٤٩٨).

стр. 1466

كان أبو عياش (٤٩٩) يثنى عليه خيرا، ويذكر أنه لم يبق عند سحنون كتاب الا وقد أخذه (٥٠٠)، منه يونس، وكان يضعف. توفى سنة ثلاثمائة. * * * أبو جعفر القصري أحمد بن محمد بن عبد الرحمان بن معبد ابن ابراهيم، مولى الأغلب (٥٠١)، ينسب إلى قصر بنى الأغلب ودار ملكهم القديم على ميلين من قبلة القيروان، وسكنه الناس بعد انتقال بني الأغلب عنه. سمع من يحيى بن عمر، والمغامى، وابن سالم، وابن طالب، وأحمد بن يزيد، واسحاق بن عبدوس، وعبد الجبار، وكل من عنده علم. وكان جماعا للكتب، كتب بخط يده ما لم يكتبه أحد من أهل عصره وكان حافظا لكتبه عارفا بها، وكان أبو بكر بن اللباد ينقل من كتبه سماعاته لثقته به. قال أبو العرب: وكان ثقة، سمع منه الناس. قال ابن أبي دليم: وغلب عليه الحديث، وذكره في المالكية من هذه الطبقة، وكان كثير الرواية، وكان الناس يعظمونه، وروى عنه. قال الأجذابي: كان صالحا ثقة حسن الحديث والتصنيف. قال ابن حارث: كان يميل إلى الحديث، ولم يكن عنده حفظ للفقه، ولا تكلم فيه، سمعنا منه (٥٠٢) غير شيء من صنوف العلم. وامتحن على يد القاضى الصديني، حبسه بسبب أنه - زعم (٥٠٣) - ينتقص أبا حنيفة.

стр. 1467

وكان يقول: اني لأشتهي الشيء من الطعام، فعند أكله لا أجد لذة، وما هذا الا لأحد أمرين: اما للحديث الذى جاء: "ترفع حلاوة الدنيا وزينتها" أو من كسب الناس اليوم والتباسه، ولقد فكرت في قول آدم ﵇: "تغير كل ذى طعم ولون" فكيف بزماننا هذا. فقال له بعض الحاضرين، قال أحمد بن نصر: انما منزلة افريقية كالميتة، يأكل منها المضطر حاجته، يشير إلى أن أرضها لم تخمس، وكان سريع الدمعة. ومن تأليفه كتابه (٥٠٤) في المعجزات. وكان يقول: لو سبقني أحد لدفن كتبه، لأمرتهم أن يدفنوني مع المعجزات، حتى ألقى بها رسول الله ﷺ . وكان يقول: ربما انتبهت من النوم فأرى نورا من السماء ينزل على كتاب المعجزات. وكتب بخط يده من كتب الفقه والحديث وغيرها كثيرا، ووصل إلى سوسة ليحيى بن عمر، فوجده ألف كتابا، فلم يجد ما يشترى به ورقا يكتبه فيه، فباع قميصه في ذلك. وقصد قبره (٥٠٥)، فوجد رجله قد ظهر منه، وفيه أثر الشراك، لم يتغير، بعد احدى عشرة سنة، وتوفى سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة. * * * محمد بن سليمان القطان معدود (٥٠٦) في فقهاء القيروان، ولم يكن من رؤوسهم ولا مقدما (٥٠٧) فيهم، وله سماع كثير من أصحاب سحنون، وكان ثقة من العدول.

стр. 1468

وامتحن على يد المروزى قاضى الشيعة، رفع اليه أنه ينتقصه، ويطعن على أحكامه، هو وآخر من أصحابه يعرف بأحمد النجار، من أهل الطلب أيضا، فأحضرهما إلى الجامع، وقال لابن سليمان: شهد عندى العدول أنك تنتقص أمير المومنين، وتطعن في امامته. فضربه ثلاثمائة درة. وقال لأحمد النجار: ثبت عندى أنك صمت يوم الفطر، ولم تفطر بافطار أمير المومنين ردا عليه (٥٠٨). وضربه دون ذلك، وطوفهما وحبسهما. وذلك أن الشيعة تصوم قبل رمضان بيوم وتفطر قبل الناس بيوم. * * * محمد بن هشام بن الليث اليحصبي * قيرواني سكن قرطبة وأخذ عنه بها. روى عن يحيى بن عمرو نظرائه من مشايخ القيروان. قال ابن عفيف في كتاب الاحتفال: وكان من أهل العلم والحفظ للمسائل، مع الفقه والصيانة، وولاه القاضى ابن أبي عيسى بقرطبة الأحباس، فأحسن القيام بها مدة. قال ابن الفرضي: كان عاقلا (٥٠٩) أديبا، ونظر في الأوقاف أيام ابن أبي عيسى. حدث عنه خلف بن محمد، وأحمد بن ابراهيم، وعبد الله بن محمد بن عثمان وغير واحد. وكان أعور.

стр. 1469

ويحكى أن القاضي ابن أبي عيسى احتاج إلى استسلاف مال (٥١٠) لأمر اضطره، فقال لابن الليث هذا صاحب أحباسه: جئني بكذا وكذا (٥١١) من مال الأحباس، احتجت إليه. فقال: نعم، ولكن لابد من الإشهاد على قبضك (٥١٢) أو رهن كفاف. فوضع عنده رهنا، وأعجب بذلك القاضي منه. وتوفى في منتصف رجب سنة ثمان وثلاثين. * * * عبد الله بن محمد بن يحيى بن أبي الحديد (٥١٣) الرعيني أبو محمد، يعرف بابن الكندي، كان رجلا صالحا من أصحاب سحنون، ويحيى بن سلام (٥١٤)، ويحيى الجعفري (٥١٥)، وهو آخر من مات من رجال سحنون، وكان قليل الرواية. توفى سنة سبع وثلاثمائة (٥١٦). * * * محمد بن مسرور الأبزاري الضرير أبو عبد الله، قال الخراط: كان رجلا صالحا، فقيها، متعبدا، مجتهدا (٥١٧)، بارعا في العلم، مفتي أهل زمانه، وكان حماس يشاوره في أحكامه ويصدر عن رأيه.

стр. 1470

سمع من يحيى بن عمر، وعبد الجبار (٥١٨)، وابن وازن، وابن طالب، وسهل القبرياني (٥١٩)، وبكر بن حماد، وأحمد بن يزيد، وحماس القاضي. وحدث والشيوخ متوافرون. وكان ضرير البصر، يقال أنه شرب البلاذر للحفظ، فأفسد مزاجه ولم يظهر ذلك (٥٢٠) في جسمه إلا في تعقف أصابع يديه، واسترخاء رجليه، وكان ذا هيئة (٥٢١) وملبس حسن. قال بعضهم: دخلت على ابن بطريقة، قاضي طرابلس (٥٢٢)، فوجدته مغموما يسترجع، فسألته، فقال لي: انثلم لأهل القيروان حائط (٥٢٣)، مات أبو عبد الله الضرير. ورأيته قد اغتم غما عظيما. قال ابن أبي دليم: كان حافظا للمذهب، حسن القيام به، كامل العناية. قال ابن حارث: سمعت من يصفه بالحفظ وحسن القريحة، كان حافظا لمذهب مالك، حسن القياس فيه (٥٢٤)، موصوفا بالعلم والحفظ. وكان بعض فقهاء العراق (٥٢٥) بالقيروان، إذا جلس مع أصحابه يمد يديه، ويعقف أصابعه، يحيكه بذلك إذا تكلم في حلقته، ليضحك أصحابه، فابتلاه الله آخر عمره بالجذام، فبلغ منه مبلغا عظيما، عقوبة له. توفى سنة خمس وتسعين ومائتين، فيما حكاه المالكي.

стр. 1471

أخوه أبو القاسم جعفر (٥٢٦) بن مسرور الأبزاري ويعرف بابن المشاط، قال المالكي: كان يحسن الرد على الملحدين وكان يذهب مذهب "مالك ويجيده، ثم انتقل إلى مذهب" (٥٢٧) الشافعي، ثم إلى مذهب داود، ثم إلى قول ابن شريح (٥٢٨)، ثم إلى قول أبي بكر بن داود، ثم إلى قول ابن المغلس، وعليه مات. وكان بعضهم يقول: ابن المشاط يطلب مذهبه ولم يجده. تأخرت وفاته إلى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. * * * أبو البشر مطر بن يسار مولى بني كيسان. قال أبو العرب: سكن تونس، وكان فقيها سمع معنا من مشايخنا أصحاب سحنون. توفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة. * * * أبو الفضل يوسف بن مسرور مولى نجم الصيرفي (٥٢٩). قال أبو عبد الله الخراط: كان رجلا صالحا فاضلا (٥٣٠) ثقة: كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا تأخذه في الله * لومة لائم. سمع من يحيى بن عمر وغيره.

стр. 1472

سكن قصر سهل، وألف كتابا في الأحمية (٥٣١) وما يجب على سكان القصور (٥٣٢) أن يعملوا به فآذاه أهل الحصون لذلك. قال أبو علي الوراق: وسمع أيضا من فرات بن محمد، وسعيد بن إسحاق، وعمر بن يوسف. * * * ذكر فضائله وزهده وكراماته قال الوراق: كان أبو الفضل يخبز قوته ويثرده سخنا بالزيت، ويجعله في إناء، ويفطر كل ليلة على شيء منه، وكان يسرد الصيام طول عمره، ولقد أقام أربعين سنة ما طبخ قدرا ولا أوقد في بيته سراجا، وكان سبب سبب ذلك أنه رأى خادما يعالج القدر في يوم ريح، والحطب أخضر، ودموعه تسيل، فقال: دعها والله لا طلعت لي قدر على نار ما بقيت في الدنيا. وذكر أنه لم يكن في بيته غير كتبه، وجلد صوف وركوة (٥٣٣). وكان يقول: إنما يريد البقاء في الدنيا من يتلذذ بالطعام والنساء والنوم، وأنا والله قد (٥٣٤) عدمت لذة (٥٣٥) الثلاث. قال بعضهم: حملت لأبي الفضل هدية، عسلا وسمنا وكعكا، وقلت له: هذه هدية مني إليك. فقال: أسأل الله تعالى أن يعظم ثوابك، اليوم لي ثلاثون سنة ما أكلت من هذه الطرائف شيئا، إنما وظيفتي من الشهر إلى الشهر بقيراط شعير، وإنما يتنعم (٥٣٦) الناس ويأكلون غدا، لم أسكن هذه الحصون لآكل بديني، فرقها على الضعفاء.

стр. 1473

ففعلت، وأخرجت إليه خريطة بدراهم، فقلت: فرق هذه على من يستحقها. فقال: لا أفعل، إنما أفرق مالي، وأما مالك فأنت تسأل عنه. وذكر (٥٣٧) أنه اشتهى تينا أخضر، فلما رأى الذي اشتراه له من بعيد، قال: اذهب عني. فراب الرجل ذلك، ورجع إلى بائعه فسأله عنه، فإذا هو (٥٣٨) من أرض مغصوبة لكتامى يسخر فيها الناس (٥٣٩). فرجع إلى أبي الفضل، وقال له: لم رددتني (٥٤٠)؟ فقال: والله ما خيل لي أن اشتريت إلا خنزيرا. قال بعضهم: كانت لي بنية ابيضت عيناها من الجدري، فغمني ذلك، فجئت لأبي الفضل، فوجدته معدلا عن الطريق، ورأسه بين ركبتيه، فسلمت عليه وأخبرته بقصتي، فقال: إذا كان غدا هذا الوقت فأتني بها. فمضيت عنه، فسمعته يقول: أخطأنا الطريق. ثم صاح بي فقال: لا تحركها ولا تأتني بها، أتاها الله بالفرج من حيث لا تدري ولا تشعر. ثم أتيت إلى الدار، فوجدتها نائمة، فأيقظتها، ففتحت عينيها، فإذا هما أجمل (٥٤١) ما كانتا ليس بهما بأس. وقيل له: فلان يتكلم فيك. فقال: إنما مثلي ومثله كمثل رجل حمل لضرب عنقه، فقذفه رجل في الطريق، فقال لنفسه: أنت تحمل للقتل، تسأل عمن يقذفك؟ وأنا

стр. 1474

سائر (٥٤٢) إلى الموت، لا أدري متى يأتيني، أسأل عمن يتكلم في؟ في الموت ما يشغلني عن ذلك. وله كلام في الرقائق والعبادات، وكان محبا في الموت، ذكر له يوما فاستبشر ضاحكا وقال: لو علمت أحدا مجاب الدعوة لسألته أن يسأل الله لي في الموت، وكيف لا أحب الخروج من دار فيها إبليس والفتن، إلى دار أرجو فيها الاجتماع بمحمد ﷺ . وذكر أنه دعا على نفسه بالموت. ولما احتضر قال لبعض أصحابه: سنوا علي التراب، ولا تزيدوا على تراب قبرى من غيره، "فإني رويت (٥٤٣) في بعض الآثار: أنه إذا زيد في تراب القبر من غيره" (٥٤٤) لم يسمع الميت الأذان والزوار. وتوفي ﵀ سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، ورثاه بعضهم بقوله: بقصر المنتسير المبارك عالم (٥٤٥) … نزيل غريب الدار يكنى أبا الفضل أنار حصون (٥٤٦) الغرب بالعلم فاهتدى … رجال به كانوا من الدين في جهل * وينثر در العلم في كل مشهد (٥٤٧) … وينصح للإسلام بالحق والعدل * * *

стр. 1475

حمدون بن مجاهد الكلبي من أصحاب عيسى بن مسكين، قال المالكي: صحبه زمانا، وهو راويته. وسمع من سحنون، وكانت له رحلة، وكان من أهل الفضل والدين والفقه والزهد والنسك والورع والعبادة، يحسن الفقه ويتكلم عليه، سكن الرباط. وكتب بيده دواوين كثيرة. قال: كتبت بيدي ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة، ولعل الكتاب الذي أدخل به الجنة لم أكتبه بعد. وكان حسن النقل والضبط. قال اللبيدي: كتب من العلم عظيما، وكان ملازما للعبادة، مشهورا بالعلم، روى عنه أهل مصر والمغرب، وكان لا يكتب إلا بالفهم، ويضبط كل مشكل، ويحب نشر العلم وإذاعته، حدث عنه مسرة بن مسلم، وعمرو (٥٤٨) بن مثنى، وكان إذا انصرف من المحراب يوجد موضع سجوده قد ابتل من دموعه. قال عمرو بن مثنى: صلى بنا التراويح، فلما ختم ليلة سبع وعشرين: أخذ في الدعاء والبكاء، والناس حوله يبكون، فتاب تلك الليلة من شراب المسكر وغيره على يديه نحو سبعين رجلا. وتوفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. * * *
следующие страницы →