← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

أخوه أبو القاسم جعفر (٥٢٦) بن مسرور الأبزاري ويعرف بابن المشاط، قال المالكي: كان يحسن الرد على الملحدين وكان يذهب مذهب "مالك ويجيده، ثم انتقل إلى مذهب" (٥٢٧) الشافعي، ثم إلى مذهب داود، ثم إلى قول ابن شريح (٥٢٨)، ثم إلى قول أبي بكر بن داود، ثم إلى قول ابن المغلس، وعليه مات. وكان بعضهم يقول: ابن المشاط يطلب مذهبه ولم يجده. تأخرت وفاته إلى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. * * * أبو البشر مطر بن يسار مولى بني كيسان. قال أبو العرب: سكن تونس، وكان فقيها سمع معنا من مشايخنا أصحاب سحنون. توفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة. * * * أبو الفضل يوسف بن مسرور مولى نجم الصيرفي (٥٢٩). قال أبو عبد الله الخراط: كان رجلا صالحا فاضلا (٥٣٠) ثقة: كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا تأخذه في الله * لومة لائم. سمع من يحيى بن عمر وغيره.

стр. 1472

سكن قصر سهل، وألف كتابا في الأحمية (٥٣١) وما يجب على سكان القصور (٥٣٢) أن يعملوا به فآذاه أهل الحصون لذلك. قال أبو علي الوراق: وسمع أيضا من فرات بن محمد، وسعيد بن إسحاق، وعمر بن يوسف. * * * ذكر فضائله وزهده وكراماته قال الوراق: كان أبو الفضل يخبز قوته ويثرده سخنا بالزيت، ويجعله في إناء، ويفطر كل ليلة على شيء منه، وكان يسرد الصيام طول عمره، ولقد أقام أربعين سنة ما طبخ قدرا ولا أوقد في بيته سراجا، وكان سبب سبب ذلك أنه رأى خادما يعالج القدر في يوم ريح، والحطب أخضر، ودموعه تسيل، فقال: دعها والله لا طلعت لي قدر على نار ما بقيت في الدنيا. وذكر أنه لم يكن في بيته غير كتبه، وجلد صوف وركوة (٥٣٣). وكان يقول: إنما يريد البقاء في الدنيا من يتلذذ بالطعام والنساء والنوم، وأنا والله قد (٥٣٤) عدمت لذة (٥٣٥) الثلاث. قال بعضهم: حملت لأبي الفضل هدية، عسلا وسمنا وكعكا، وقلت له: هذه هدية مني إليك. فقال: أسأل الله تعالى أن يعظم ثوابك، اليوم لي ثلاثون سنة ما أكلت من هذه الطرائف شيئا، إنما وظيفتي من الشهر إلى الشهر بقيراط شعير، وإنما يتنعم (٥٣٦) الناس ويأكلون غدا، لم أسكن هذه الحصون لآكل بديني، فرقها على الضعفاء.

стр. 1473

ففعلت، وأخرجت إليه خريطة بدراهم، فقلت: فرق هذه على من يستحقها. فقال: لا أفعل، إنما أفرق مالي، وأما مالك فأنت تسأل عنه. وذكر (٥٣٧) أنه اشتهى تينا أخضر، فلما رأى الذي اشتراه له من بعيد، قال: اذهب عني. فراب الرجل ذلك، ورجع إلى بائعه فسأله عنه، فإذا هو (٥٣٨) من أرض مغصوبة لكتامى يسخر فيها الناس (٥٣٩). فرجع إلى أبي الفضل، وقال له: لم رددتني (٥٤٠)؟ فقال: والله ما خيل لي أن اشتريت إلا خنزيرا. قال بعضهم: كانت لي بنية ابيضت عيناها من الجدري، فغمني ذلك، فجئت لأبي الفضل، فوجدته معدلا عن الطريق، ورأسه بين ركبتيه، فسلمت عليه وأخبرته بقصتي، فقال: إذا كان غدا هذا الوقت فأتني بها. فمضيت عنه، فسمعته يقول: أخطأنا الطريق. ثم صاح بي فقال: لا تحركها ولا تأتني بها، أتاها الله بالفرج من حيث لا تدري ولا تشعر. ثم أتيت إلى الدار، فوجدتها نائمة، فأيقظتها، ففتحت عينيها، فإذا هما أجمل (٥٤١) ما كانتا ليس بهما بأس. وقيل له: فلان يتكلم فيك. فقال: إنما مثلي ومثله كمثل رجل حمل لضرب عنقه، فقذفه رجل في الطريق، فقال لنفسه: أنت تحمل للقتل، تسأل عمن يقذفك؟ وأنا

стр. 1474

سائر (٥٤٢) إلى الموت، لا أدري متى يأتيني، أسأل عمن يتكلم في؟ في الموت ما يشغلني عن ذلك. وله كلام في الرقائق والعبادات، وكان محبا في الموت، ذكر له يوما فاستبشر ضاحكا وقال: لو علمت أحدا مجاب الدعوة لسألته أن يسأل الله لي في الموت، وكيف لا أحب الخروج من دار فيها إبليس والفتن، إلى دار أرجو فيها الاجتماع بمحمد ﷺ . وذكر أنه دعا على نفسه بالموت. ولما احتضر قال لبعض أصحابه: سنوا علي التراب، ولا تزيدوا على تراب قبرى من غيره، "فإني رويت (٥٤٣) في بعض الآثار: أنه إذا زيد في تراب القبر من غيره" (٥٤٤) لم يسمع الميت الأذان والزوار. وتوفي ﵀ سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، ورثاه بعضهم بقوله: بقصر المنتسير المبارك عالم (٥٤٥) … نزيل غريب الدار يكنى أبا الفضل أنار حصون (٥٤٦) الغرب بالعلم فاهتدى … رجال به كانوا من الدين في جهل * وينثر در العلم في كل مشهد (٥٤٧) … وينصح للإسلام بالحق والعدل * * *

стр. 1475

حمدون بن مجاهد الكلبي من أصحاب عيسى بن مسكين، قال المالكي: صحبه زمانا، وهو راويته. وسمع من سحنون، وكانت له رحلة، وكان من أهل الفضل والدين والفقه والزهد والنسك والورع والعبادة، يحسن الفقه ويتكلم عليه، سكن الرباط. وكتب بيده دواوين كثيرة. قال: كتبت بيدي ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة، ولعل الكتاب الذي أدخل به الجنة لم أكتبه بعد. وكان حسن النقل والضبط. قال اللبيدي: كتب من العلم عظيما، وكان ملازما للعبادة، مشهورا بالعلم، روى عنه أهل مصر والمغرب، وكان لا يكتب إلا بالفهم، ويضبط كل مشكل، ويحب نشر العلم وإذاعته، حدث عنه مسرة بن مسلم، وعمرو (٥٤٨) بن مثنى، وكان إذا انصرف من المحراب يوجد موضع سجوده قد ابتل من دموعه. قال عمرو بن مثنى: صلى بنا التراويح، فلما ختم ليلة سبع وعشرين: أخذ في الدعاء والبكاء، والناس حوله يبكون، فتاب تلك الليلة من شراب المسكر وغيره على يديه نحو سبعين رجلا. وتوفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. * * *

стр. 1476

ومن أقصى المغرب: أبو هارون العمري البصري، من بصرة المغرب، قرب مدينة فاس، واسمه عمران بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمر بن عبد الله بن علي بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁. كذا وجدت نسبه بخط الحكم أمير المومنين الذي أعرفه. قال: وسالم لا يعرف له ولد اسمه علي، والمعروف علي بن أبي بكر بن سالم. قال بعضهم، عن سلمة بن فضل بن سلمة: طرأ إلينا، إلى بجانة، وهو من أهل بصرة المغرب، فسمع أبي منه كتاب ابن المواز، ثم رجع إلى بلده. قال غيره: وهو أول من أدخل كتاب محمد بن المواز الأندلس، وسمع من فضل هو أيضا، وسمع منه فضل كتاب ابن المواز. كان خرج حاجا مع جماعة من أهل بلده، فوصلوا إلى المدينة، فقصد دار جده عمر، فاجتمع بأهله، فأنتسب لهم، فقبلوه وصححوا نسبه، وأخرجوا إليه درع عمر وسيفه، فلبس الدرع وتقلد السيف؟ وسمع بالإسكندرية من ابن ميسر، وابن أبي مطر، وبالقيروان من ابن اللباد. قال: وكان أبو هارون فقيها، وقرأت بخط الحكم أنه كان ببجانة يطلب عند فضل "بن سلمة، وأخذ عنه فضل كتاب محمد إجازة عن ابن ميسر، واختصر فضل" (٥٤٩) بعض الكتاب. قال: وكان له ولدان: عبد الله، وهارون. توفي هارون بالبصرة. وحج عبد الله سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وغاب خبره بالشام

стр. 1477

وكان لعمران عم اسمه عامر، فولد له ابن اسمه إدريس، سكن فاس وتوفي بعد ستين وثلاثمائة، وابن آخر يسمى عمر ويعرف بسلمان مات بالبصرة. قال: وكانت وفاة أبي هارون الفقيه بالبصرة، سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، ومولده ومولد أبيه بالبصرة، وقد وقفت على جزء من كتاب الفقيه سعيد بن خلف الله، من أهل بلدنا، وعليه بخطه فيه مسائل حسان، من سؤالات عمران بن عبد الله هذا، هو وصاحب له يعرف بعبد الله بن يعيش، لأحمد بن ميسر الأسكندراني. * * * ومن أهل البصرة بالمغرب أيضا من أقرانه: أحمد بن حذافة، وبشار بن بركانة من فقهاء البصرة. وكان أحمد فقيها من نمط أبي هارون، وبشار دونهما. وكان حجهم الثلاثة، في عام واحد، وسماعهم من ابن ميسر وابن أبي مطر، وابن اللباد، وفضل بن سلمة في عام واحد. * * * * ومن أهل الأندلس: أبو صالح أيوب بن سليمان (٥٥٠) ابن صالح، بن هاشم، بن عريب، بن عبد الجبار، بن محمد، ابن أيوب، بن سليمان، بن صالح، بن السمح، المعافري، قرطبي وأصله من جيان.

стр. 1478

يروى عن العتبى، وأبي زيد، وعبد الله بن خالد، ويحيى بن مزين وغيرهم. قال ابن الفرضي: كان إماما في رأي مالك وأصحابه، مقدما في الشورى، دارت عليه الفتيا في وقته، وعلى محمد بن لبابة، وكان متصرفا في علم النحو والشعر والعروض، منسوبا إلى البلاغة وطول القلم. قال ابن الفرضي: كان من أهل الحفظ والقريحة الحسنة، ولم تكن له رحلة. قال ابن حارث: كان من أهل الفقه والحفظ والقريحة الحسنة والتصرف المحمود في ضروب من العلم، حسن العادة بالمناظرة. وقال غيره: كان بصيرا بالمناظرة في الفقه، كثير التصرف في أفانين العلم، حسن الترسيل والبلاغة، اعتلى على أصحابه المالكيين بذلك، وكان له حظ صالح من الفرض والحساب والتنجيم، وكان ورعا عفيفا متصاونا، مجانبا في أول أمره للسلطان، وله في ذلك القول المشهور عند الناس: وإن أرادوك يوما ما لحاجتهم … كل التراب ولا تعمل لهم عملا ثم ولى بعد ذلك عمل الحسبة المسماة بولاية السوق، دعته إلى ذلك ضرورة وحمية، وذلك لذلة نالته من بعض العامة، وقيل من فران رفضه. وكان صليبا عادلا في حكمه. وكان جوادا سمحا على قلة ماله، حسن الأخلاق والمعاشرة. * * * جمل من أخباره كان يختلف إليه في جملة من يأخذ عنه، غلامان جميلان، وكان يختلف إليه بعض القرشيين، ولا يغيب من أجلهما، ولا يصرف طرفه

стр. 1479

عنهما، ففطن له أبو صالح، وأراد أن يكفى شأنه، فتناول في بعض الأيام رقعة بين يديه، فوقع فيها: ليس الزيارة للمزور … بل للحديث مع البدور وناولها القرشي، فلما قرأها خجل وقام، فلم يعد اليه. ويحكى أنه كان عنده علم من النجوم، وقد أنشد بعضهم له قصيدة نونية في علم الحدثان (٥٥١). وقال ابن عبد ربه: ضاقت بي الحال في بعض الأعياد، فوقع ظني على أبي صالح، فصنعت فيه أبياتا وقصدته بها منصرفه إلى داره بالهاجرة، وهو يتولى اذ ذاك حكم السوق، فلما عرف صوتى خرج إلى وهو متفضل (٥٥٢)، وكمه على رأسه، وسألني عن مجيئي، فقلت: زيارتك، قال: ومع ذلك؟ قلت: أبياتا صنعتها فيك. فتهلل وجهه فأجلسنى، وقال: أنشدني جعلني الله فداك. وأنشدته: أمصباح هذا الدين بعد نبينا … ومن نوره فى الشرق والغرب ساطع ومن أن مشى ترنو النواظر نحوه … ومن قوله تصغي اليه المسامع ومن ان توارى جسمه عاش ذكره … وكان اسمه ماخر لله راكع أترضى لقلب أنت فيه مصور … ومن هو سيف فى يمينك قاطع

стр. 1480

بأن يشتكى داء وأنت دواؤه … وأنت له برء من الداء نافع فقال: لا والله، لا أرضى يا أبا عمر. ثم أدخلني إلى بيته، وأجلسني صدره، وأخرج من تابوت منديلا بكسوة فيها ظهارة (٥٥٣)، وغلالة، ورداء، وزوج سراويل، وقلنسوة، وعمامة، وزوجا جرموق (٥٥٤) جديدان بجوربين، وزوجا خف جديدان، ثم قال لى: افتح التويبيت الذى وراء ظهرك * فاستخرج منه الكيس الذي فيه. ففعلت، فأقسم لى ان كنت أمنك زينة غير ما في هذا المنديل، ولا من الناض غير هذه الخمسة والعشرين دينارا، فأقبل جميعه مباركا لك فيه، ولا تستقله، فهو جهدى. فقلت: سبحان الله يا سيدى! انما كانت الغاية كبش الضحية. فقال لى: وكان يصلح أن أجيز مثل هذا الشعر بكبش، وهو: "ومن ان توارى جسمه" البيت. انى اذن لغبى الرأي، خذ خذ فنهضت مسرورا. وذكر أنه عكف مدة على كتاب العروض حتى حفظه، فقيل له في ذلك، فقال: حضرت قوما يتكلمون فيه، فأخذنى ذل في نفسى أن يكون باب من العلم لا أتكلم فيه. قال ابن حزم: كان بصيرا بالمسائل والنحو والغريب، فصيحا كأنه أعرابي محض، حسن المناظرة والتكلم في الفقه وجميع الفنون، وكان هم أن يجمع المدونة كلها (٥٥٥) فى كتاب يشير إلى معانيها، فاذا تصفحه أحد، تذكر به كل شيء فيها. وزهد بعض الناس فى الاخذ عنه.

стр. 1481

قال أحمد بن سعيد بن حزم: تركته على عمد. قال ابن المشاط: سألت أبا صالح: ما الأصل في تضمين الصناع؟ فقال، قوله ﷺ : "لا تتلقوا السلع" (٥٥٦) فحكم للعامة على الخاصة، "فكذلك حكم هاهنا العامة علي الخاصة" (٥٥٧) لأن الصناع خاصة، والمستعملون لهم عامة. وكان يهمس أحيانا بأشياء من علم الحدثان. وقد ذكر أنه وقف يوما بباب داره مع جيرانه على عادته. فقال لهم: سيموت اليوم رجل من الغرب، يعز فقده. ودخل داره فما خرج عن داره، وتوفى مساء يومه، وذلك يوم الخميس، لسبع بقين لمحرم، سنة اثنتين، وقيل احدى وثلاثمائة. * * * محمد بن عمر بن لبابة (٥٥٨) مولى آل عبيد الله عثمان، القرطبي، يكنى بأبي عبد الله. روى عن عبد الله بن خالد، وعبد الأعلى بن وهب، وأبان بن عيسى وأبي زيد بن ابراهيم، وأصبغ بن خليل، ويحيى بن مزين والعنبي، وقاسم بن محمد، ومالك بن على القطني: وابن مطروح، وابن وضاح وغيرهم. وكان اماما فى الفقه، مقدما على أهل زمانه فى حفظ الرأى والبصر بالفتيا، درس كتب الرأى ستين سنة، وكان اعتماده على العتبى وابن مزين. وكان مشاورا فى أيام الأمير عبد الله، مع عبيد الله بن يحيى وطبقته، ثم انفرد "بالفتيا مع صاحبه أبي صالح، وكانا متواخيين،

стр. 1482

وكان أبو صالح يقدمه على نفسه، ثم انفرد" (٥٥٩) بعد موت أبي صالح سنين عدة، فلم يشاركه أحد فى الرياسة والقيام بالفتيا، إلى أن جرت له قصة مع بعض الناس فى مجلس بعض الحكام، وقد قام عنه مغضبا "فحبس" (٥٦٠) فجفا عليه الحاكم، وقال: نستغنى عنه (٥٦١). فقال ابن لبابة: مثلك استغنى عن مثلي! فحلف ألا يحضر الشورى أبدا، ولا يشير على حاكم في خصومة، ولزم بيته، فكان الحكام يشاورونه بالتدسيس اليه (٥٦٢). ولا يعرف أن فيها خصومة، إلى أن مات ﵀. قال ابن أبي دليم: لم تكن له رحلة، وكان ممن برع في الحفظ للرأى، ودارت عليه الأحكام نحوا من ستين سنة وناظر قاسم بن محمد. قال القاضى أبو الوليد الباجي: محمد بن عمر بن لبابة فقيه الأندلس. قال الصدفي: كان محمد بن لبابة من أهل الحفظ للفقه والفهم به، أفقه الناس، وأعرفهم باختلاف أصحاب مالك وغيره، وشاهد القضايا والأحكام، مع تمييز وادراك لم يكن لأحد ممن رأينا وشاهدنا، مع نزاهة نفس وتعاون، ومروءة كاملة، وديانة، وتلاوة للقرآن، وحفظ للشعر، وفصاحة، وأخلاق حسنة، وتقشف في ملبسه، وتواضع، وكان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة. وذكره ابن حارث وصاحبه أبا صالح فقال: * كانا في وقتهما شيخى البلد وعظيميه، علما وفهما، مع السن والجلالة، والفقه الجيد، والقريحة التامة، والنهوض التام بالدقائق والجلائل من صنعة العلم، مع كثرة الدراية، وطول المدارسة، وقديم المعاناة، والرسوخ الكامل فى مذهب الرأى وطريق الفتيا.

стр. 1483

قال: وكان ابن لبابة من أهل الوفاء والفضل والنزاهة، من الفقهاء المبرزين، والحفاظ المتقدمين، وكان يفتى بوجوب اليمين دون خلطة، ولا يرى جواز شهادة الشاهد مع أبيه، وخالفه غيره فى ذلك، وبجوازها أفتى أكثر الشيوخ. قال أبو الأصبغ بن أبي عبيد: شاورنا أمير المؤمنين الناصر، في قاض يوليه، وذكر محمد بن لبابة والحبيب بن زياد، فقلت له: ابن زياد قاض بن قاض بن بيت قضاء، وقد عرف القضاء وتدرب فيه، ومحمد بن عمر بن لبابة فقيه مفت، ثقة، مأمون قد عرف الفتيا ومارساها، ولى اليوم كذا وكذا حكما بين المسلمين، فما أرسلت اليه رجلين يختصمان الا سارا اليه راضيين، وخرجا عنه راضيين، فأرى أن يولى ابن زياد القضاء، ويكون ابن لبابة صاحب الفتيا والشورى، فقبل ذلك فأتاني الرجلان بعد شاكرين، كل واحد على ما أشرت به فيه. قال ابن الفرضى: كان حافظا لأخبار الأندلس، له حظ من النحو والخبر والشعر، ولى الصلاة بقرطبة. روى عنه خلق كثير. قال: ولم يكن عنده علم بالحديث ولا ضبط لروايته، يحدث بالمعنى ولا يراعى اللفظ. قال ابن عبد البر: كان ابن لبابة قليل الرواية، قليل الكتب، لكنه كان يحفظها، ويحفظ كل ما عنده ظهرا، ولا يمسكها عند السماع، يمسكها غيره، ويرد هو من حفظه، لكن على المعنى، وكان يحب الحجة والكلام فى الفقه، وعلى النظر واتباع الحديث في آخر أيامه والميل إلى طريق الشافعي. * * * جمل من أخباره ذكر ابن لبابة أنه وافى يوما مجلس القاضى، مبطئا عن أصحابه الفقهاء، وقد استدعاهم القاضى، لأخذ فتاويهم في مسائل جمة، فقالوا بما عندهم، وأبو صالح أولهم، فلما أتى ابن لبابة سأل أبو صالح

стр. 1484

القاضى عرض أجوبتهم عليه، فخالفهم فى أكثرها، واحتج عليهم حتى اعترفوا له، ورجعوا إلى قوله، فضحك أبو صالح، وقال: والله ما مثلنا ومثلك يا أبا عبد الله الا كقول الشاعر: اذا غاب ملاح السفينة وازدهت … بها الريح زهوا دبرتها الضفادع وناظر يوما أصحابه فى حجر الأب على ابنه، وأنه في ولاية أبيه وإن بلغ، حتى يطلقه، على مذهب ابن القاسم، والتزم ذلك وناظر عليه. فقال له ابن حردم: فأنت الساعة مولى عليك، لأن أباك لم يطلقك من ولايته. وذكر أنه كان سبب رجوعه عن قوله هذا إلى القول الآخر. وكان ابن لبابة اذا رأى من يستفتى ممن لا يرضى ينشد: ذهب الرجال المقتدى بفعالهم … والمنكرون لكل أمر منكر وبقيت فى خلف يزين بعضهم … بعضا ليسكت معور عن معور كان معتدلا (٥٦٣) فى أحواله، حسن المجلس، كثير انشاء الشعر فيه، عارفا بالأخبار والنوازل وحكايات علماء قرطبة، صبورا على القلة، معينا (٥٦٤). وذكر أنه كان في شهر رمضان يفرغ نفسه للعبادة، ويغلق عليه بابه، ولا يظهر الا فى أوقات الصلوات في المسجد. وتوفى ليلة الاثنين لأربع بقين من شعبان * سنة أربع عشرة وثلاثمائة، وهو ابن ثمان وثمانين، وقيل تسع وثمانين، وقيل غرة رجب، سنة ست وعشرين.

стр. 1485

وتزاحم الناس على نعشه وقبره على عادة العامة، فقال أبوه: لو تزاحموا على علمه، لا على نعشه! فسمعت منه وكتبت عنه. * * * أحمد بن محمد الحدرى قرطبي، كنيته أبو محمد، وقيل أبو عمر، سمع من العتبى وغيره، وجل أخذه عن العتبى، وكان معتنيا بالمسائل والشروط، مقدما فى ذلك، توفى رأس الأربعمائة أو بعدها بيسير. * * * يحيى بن عبد العزيز أبو زكرياء (٥٦٥) يعرف بابن الخراز، قرطبي، سمع العتبى، وعبد الله بن خالد، وغيرهما من الأندلسيين. ورحل فسمع بمصر من المزنى، والربيع بن سليمان المؤذن، ومحمد بن عبد الحكم، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله ابن ميمون، وعبد الغنى بن أبي عقيل، وغيرهم. وسمع بمكة من على بن عبد العزيز، وكانت رحلته مع سعد بن معاذ، والأعناقي، وابن أبي تمام. وشوور بقرطبة عبيد الله بن يحيى ونظرائه، أيام الأمير عبد الله. قال ابن الفرضى: وكان يميل إلى مذهب الشافعي في فقهه، وكان أحمد بن عبادة يثنى عليه ويصفه بالتواضع. قال ابن أبي دليم: كان ذا ورع وعلم كثير، دخل القيروان، فسمع منه بها مستخرجة العتبى وغير ذلك. سمع منه محمد بن قاسم، وأحمد بن الأغبس، وأحمد بن عبادة، وأبو العرب التميمى القروى وغيرهم، ولم يسمع منه ابنه. وتوفى سنة خمس وتسعين ومائتين، وقيل سبع.

стр. 1486

محمد بن غالب (٥٦٦) يعرف بابن الصفار، قرطبى، أبو عبد الله. سمع بقرطبة من العتبى، وابن وضاح وغيرهما. ورحل فسمع من ابن سحنون، وأحمد بن صالح الكوفي، ومحمد ابن تميم العنبري، ومحمد بن عبد الحكم، ويونس، وابن أخى ابن وهب وأحمد بن عبد الرحيم البرقى وغيرهم. ودارت عليه الفتيا مع عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وأصحابهم. وكان حافظا للفقه، عالما بالشروط، متقدما فيها، ذا جاه وقدر. قال أحمد بن سعيد: له عناية ثابتة، وفهم بالفقه والوثائق، ولم يكن فى الحديث هناك، كان بابه الفقه، وأعجب ما كان في الوثائق، ولم يتبحر فى علم الفتوى، ولكنه كان فطنا حسن الولوج. قال ابن الفرضي (٥٦٧): ومالت به الدنيا فاتبع الهوى في فتياه، وخلط. وذكر ابن عبد البر أنه تاب آخر عمره، وقبل موته بعام، واعترته فكرة فى ذلك، وخوف فزع له، فكان سبب موته، والله يغفر له. قال غيره: وكان فيه دعابة وحسن خلق، ملتزما للرباط، كثير التلاوة، جيد العقل. وتوفى سنة خمس وتسعين ومائتين. وأبنه أحمد، كنيته أبو الوليد، سمع من أبيه، وعبيد الله بن يحيى، وكان يبصر الشروط، ويميز الفتوى على مذهب مالك، حافظا نبيلا ظريفا، وأفتى، وتوفى سنة احدى وثلاثمائة. وقيل بل سنة تسع وتسعين. * * *

стр. 1487

محمد بن أبي حجيرة (٥٦٨) أبو عبد الله، قرطبى، رحل فسمع من يونس وابن عبد الحكم، والمزني، وكان ذا خير وفضل وعلم، وقد حدث عنه ابن لبابة، وتوفى بمصر سنة ثلاث وتسعين ومائتين. * * * محمد بن موسى بن مفلت الكناني (٥٦٩) قرطبي، روى عن ابن مطروح، وابن وضاح، وكان حافظا للمسائل وعنى بالعلم، وبرع فيه. توفى سنة أربع وتسعين. * * * عبد الله بن محمد بن عبد الملك المعروف بزونان (٥٧٠) * ابن الحسين بن عمر بن رزيق، بن عبيد الله بن أبي رافع، مولى رسول الله ﷺ . سمع من ابن وضاح، وعبيد الله بن يحيى وغيرهما، وكان حافظا للرأى والمذاهب. توفى سنة سبع وتسعين ومائتين. * * * أصبغ بن سفيان (٥٧١) يعرف بالمريض، قرطبى كان مريضا، من أفضل أهل زمانه، ومن أهل الحفظ للمذهب، وكان ابن باز يختلف اليه إلى محلة المرضى، ويسمعه في بيته، لقدره وعلمه بفضله.

стр. 1488

أحمد بن يحيى بن يحيى بن يحيى الليثي (٥٧٢) ثلاثة في نسق رفيع البيت في العلم والجاه. يعرف بالثائر، سمع من ابن وضاح، وعمه عبيد الله، وصار في جملة المشاورين ايام الأمير عبد الله مع هذه الطبقة، ولذلك سمى بالثائر، فعاجلته المنية. وكان عالما بالفقه، متصرفا في كثير من العلوم، أديبا متفننا شاعرا مجيدا. قال الصدفي: كانت له عناية وفهم حسن، وذكر أنه كان بينه وبين بعض جيرانه الكبراء شيء، فعاده فى علته التي مات فيها، فلما علم به قال: أقيموني وتجلد له. ولما سأله عن حاله، قال: في عافية والحمد لله. فلما خرج تمثل: "وتجلدى للشامتين أريهم" البيت. ومات ليته، وذلك سنة سبع وتسعين، قبل عمه عبيد الله بسنة، في حداثته، وله سبع وأربعون سنة. * * * يحيى بن اسحاق بن يحيى بن يحيى الليثي (٥٧٣) ابن عمه، من أهل قرطبة، يعرف بالرقيعة، يكنى بأبي اسماعيل. سمع من أبيه. ورحل فسمع بافريقية من يحيى بن عمر، وابن طالب، وبمصر من محمد بن أصبغ بن الفرج. ودخل العراق، وسمع من اسماعيل القاضي، وأحمد بن زهير، وغيرهما.

стр. 1489

قال ابن الفرضى: وشوور في الأحكام، وكان متصرفا في العربية واللغة والتفسير، نبيها. وألف الكتب المبسوطة في اختلاف أصحاب مالك وأقواله، وهى التي اختصرها محمد وعبد الله ابنا أبان بن أبى عيسى، ثم اختصر ذلك الاختصار، شيخنا قاضى الجماعة، أبو الوليد محمد بن رشد، ﵏. توفى سنة ثلاث وثلاثمائة، وقيل سنة ثلاث وتسعين. *** يحيى بن عبيد الله بن يحيى الليثى (٥٧٤) ابن عمهما أبو عبد الله. قال ابن الفرضي: كان يشاور في الأحكام مع أبيه، وكان مبجلا، توفى سنة ثلاث وثلاثمائة. خالد بن وهب (٥٧٥) ابن خالد بن داود بن جعفر بن الصغير التميمي مولاهم، أبو الحسن، قرطبي، من بيت علم. قال ابن الفرضى: سمع من العتبى، وعثمان بن أيوب، ورحل حاجا، فلا أحسبه سمع في رحلته شيئا، وكان شيخا فقيهًا في المسائل، مشاورا مع الله، ومحمد بن لبابة، وأبي صالح، وطبقتهم. قال ابن حارث: كان من أهل العناية بالعلم، والتكلم في الفتيا، والرأى، والمشاورة في الأحكام، ولى قضاء شذونة للأمير عبد الله. توفى سنة اثنتين وثلاثمائة، صدر ربيع الآخر. ***

стр. 1490

وابنه أبو بكر أحمد بن خالد بن وهب قال ابن عبد الربر: كان رجل عافية وستر، روى عن أبيه وابن وضاح، وأبي صالح، وابن خمير، وشوور، وولى قضاء أكسونية، توفى بعد ثلاثين. *** يحيى بن زكرياء بن يحيى الثقفي (٥٧٦) المعروف بابن الشامة، قرطبي، من بيت نبيه. سمع من ابن مزين، وابن وضاح، وابن مطروح، وأبان بن عيسى، وعامر بن معاوية، وإبراهيم بن لبيب، وإبراهيم بن قاسم، ومحمد بن إدريس، ووهب بن نافع، وابن القزاز والخشني. وحج عام * تسعين ومائتين، فسمع بمصر من النسائي، وبمكة من الزبيري، وغيرهم. وكان عابدا صواما فاضلا، يقال أنه مجاب الدعوة. توفى قديما، سنة ثمان وتسعين، وقيل خمس وتسعين، وهو ابن تسع وخمسين سنة. * ** سعيد بن خمير بن عبد الرحمان الرعيني (٥٧٧) قرطبي، بضم الخاء المعجمة، كنيته أبو عثمان. وقيل: خمير بن مروان بن سالم، من الموالي. وكان خمير صائغا، يكنى بأبي نزار. سمع من أبي زيد بن إبراهيم وعبد الله بن خالد، ويحيى بن مزين.

стр. 1491

ورحل فسمع من يونس، وأحمد بن عبد الله بن صالح، ومحمد بن عبد الحكم، وابن أخى بن وهب، وإبراهيم بن مرزوق، ونصر بن مرزوق والمزني ونظرائهم. وكان ذا فضل وورع، متقدما في المشاورين، نقله الأمير عبد الله إلى قرب الجامع، فكان يحلق فيه، ويفتى، ويعقد الوثائق، ثم أثقله اللحم، فكان يفتى في بيته، وسمع منه، وكان فقيهًا عالما. روى عنه ابن المشاط، والأعناقى، وابن أيمن، وابن عبادة، وغيرهم كثير. قال ابن المشاط: كان ابن خمير يقول: أكل خبز الشعير والبصل، كثير لمن طلب هذا الشأن. قال: وواظبت سعيدا عامين، فلم أره يدخل داره لحما، إلا في الاعياد خاصة. قال: ولما أسن وأثقله اللحم، وضعف، دعا الله تعالى أن يخفف لحمه من غير علة، فأذاب شحمه من غير علة، حتى نضب جسمه، وكان يرى الودك والشحم في بوله، وتخفف لعادته من التهجد، فكانوا يرونه مستجابا. وتوفى في صفر سنة إحدى وثلاثمائة. مولده سنة ثلاثين ومائتين. *** أحمد بن بيطير (٥٧٨) أبو القاسم، قرطبي، مولي محمد بن يوسف بن مطروح، قاله ابن الفرضي. وقال ابن حارث: مولى الأمير محمد.

стр. 1492

قرأت بخط ابن عتاب: وقيل مولى لامرأة من أهل القصر، ولاء عتاقة. وقيل فيه: أحمد بن عبد الله بن بيطير. قال ابن حارث: وبيطير أبوه، هو المعتق نفسه، طلب ابنه أحمد هذا العلم، فساد فيه، وهو من مناجيب أبناء الموالي. سمع من ابن وضاح، وابن القزاز، وبني هلال، وابن مطروح. ورحل فسمع من على بن عبد العزيز، وأبي يعقوب الأيلى. قال ابن الفرضى: وكان حافظا للفقه، عاقدا للشروط، مشاورا في الأحكام. قال ابن أبي دليم: كان من المتقدمين في الفتوى، بحفظه للفقه، وورعه، وصلابته في الحق، ونقلت من خط ابن عتاب: قيل أنه كان قليل العلم والفهم. قال ابن عبد البر: كان حسن السمت والوقار، ضحوكا، حسن المداعبة، وكان يتحلق إليه في الجامع. قال ابن حزم: وكان ذا هدى وسمت، لم يكن من شأنه الجمع والرواية، كان صاحب مسائل وفقه. توفى في أول ذى الحجة، في الطاعون، سنة ثلاث وثلاثمائة. *** عبد الله بن محمد بن إبراهيم الثقفي (٥٧٩) ابن عاصم بن مسلم بن كعب الثقفي، قرطبي، من بيت شهير بها، تقدم ذكر سلفه. رحل فسمع من أبي الطاهر، وكان حافظا للمسائل، متقدما فيها قال ابن حارث: كان مع بصره بالفقه، بصيرا باللغة والشعر، متفننا في العلوم، حدث عنه ابن أيمن، وتوفى بعد الثلاثمائة.

стр. 1493

قال أبو سعيد: وكان ابن لبابة يصفه بالحفظ الكثير، إلا أنه كان إذا قلبت عليه المسألة لم يدرها. قال أحمد بن سعيد بن حزم: كان من أهل الورع والعبادة والتقشف، يخوض المطر في الشتاء حافيا، وربما يسير إلى باذيته راجلا، ونفقته في طرفه على عنقه، ولو شاء ركب الدواب لسعة حاله. *** سعد بن معاذ بن عثمان (٥٨٠) ابن عفان بن يخامر بن عبيد، بن محمد، بن محمد، بن أفنان * الشعباني، من أهل قرطبة، وأصله من جيان، وكنيته أبو عمرو، سمع بقرطبة، ورحل فسمع من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وعنه جل روايته، ومن أخيه سعد، ومن يونس بن عبد الأعلى، وأبى عبد الله، وأحمد بن سنان، وأحمد بن عبد الرحيم البرقى، وإبراهيم بن مرزوق، وبحر بن نصر، ومحمد بن عبد العزيز الأيلى. وكان جليلا معظما في أهل العلم، حافظا لرأى مالك، مشاورا في الأحكام، يتحلق إليه في المسجد الجامع بقرطبة، ويسمع منه. روى عنه عثمان بن عبد الرحيم بن أبي زيد، وعبد الله بن محمد بن حسين وغيرهما. *** وتوفى لثلاث خلون من جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثمائة. ووصفه ابن لبابة بذلك. *** وأخوه أحمد بن معاذ (٥٨١) قرطبي، توفى قبل أخيه سنة ثمان وثلاثمائة. ***

стр. 1494

إبراهيم بن أحمد بن معاذ (٥٨٢) ابن أخيه قرطبى سمع عمه، وأيوب بن سليمان، وطاهر بن عبد العزيز، وكان معتنيا بالرأى والمسائل. توفى آخر ذى القعدة، سنة ثلاث وثلاثمائة، قاله الرازي. وقال خالد بن سعد: سنة ثنتين أو ثلاث، شك. *** محمد بن الوليد بن محمد بن عبد الله بن عبيد (٥٨٣) من أهل قرطبة، يكنى أبا عبد الله. سمع من العتبى، وابن مزين وغيرهما. ورحل مع أسلم بن عبد العزيز، فسمع من محمد بن سحنون، ومحمد بن عبد الحكم، ويونس، والمزنى، والربيع المؤذن، وأبي عبد الرحيم البرقى، وأبي عبيد الله، ونظرائهم. وكان حافظا للفقه، عالما بالشروط، مشاورا في الأحكام، مقدما عند أحمد بن زياد القاضي والأمير عبد الله، فصيح اللسان، استغنى به القاضي أحمد بن زياد عن غيره من المشايخ زمانا. واتهم بالكذب في أحاديث أسندها. قال أحمد بن زياد: كان يضع الحديث، ويكذب على رسول الله ﷺ ، صح ذلك عنه في غير ما حديث، وكان يرفع الأحاديث إلى الأمير، تركت الرواية عنه، وكان كثير الملق (٥٨٤). قال أحمد بن سعيد: كان أديبا فصيحا عاقلا، لم أر آدب منه ولا أرق، غلب ذلك عليه حتى عتب عليه، لإكثاره من الرقة والهشة وإكرام كل طبقة، وكان مقلا صبورا على الفقر.

стр. 1495

وقال خالد: هو كذاب، وقد روى عنه وسمع منه. وتوفى في منتصف ذي القعدة، سنة تسع وثلاثمائة. * ** محمد بن عبد الرحمان بن محمد بن كليب بن ثعلبة (٥٨٥) ابن عبيد بن مسكين بن لوذان الجذامى، أبو عبد الله يلقب بغلام الله، قرطبى بيته بيت نباهة. سمع من ابن وضاح، وابن القزاز، وبنى هلال، ومطرف بن قيس وغيرهم، وكانت له رحلة. قال ابن الفرضى: وكان مشاركا في الفقه وعقد الشروط، وشاوره أسلم القاضي مع ابن لبابة ونمطه. قال أحمد بن عبد البر: كان يشير في الفقه إشارة حسنة، ممن أنجب من أبناء الملوك، ورأس بالعلم، وكان طيب الخلق. وتوفى سنة تسع، وقيل ثمان، وقيل عشر، وثلاثمائة. *** محمد بن بكر بن عبد الله الكلاعي أهل قرطبة، يكنى أبا القاسم، يعرف بابن المؤدب، أدب من أبوه أولاد الأمير محمد، ويلقب بالغمكة (٥٨٦)، بالمعجمة. روى عن أبيه، وابن وضاح، وابن باز، وإبراهيم بن قاسم بن هلال، ومطرف بن قيس، وابن مطروح، ونظرائهم. كان القاضي أسلم يشاوره ويعظمه، وكان حافظا للفقه، نبيلا في الشروط، رأسا فيها، ورعا فاضلا.

стр. 1496

قال ابن أبي دليم: برع في الفقه، وحفظ المذهب، توفى سنة سبع، وقيل ثمان. *** أحمد بن عبد الله بن الفرج النمرى (٥٨٧) قرطبي، يروى عن ابن وضاح، والخشنى، وعبيد الله بن يحيى، وأحمد بن إبراهيم الفرضى، وكان حافظا للمذهب،* وكان الغالب عليه الفقه (٥٨٨)، بصيرا بالشروط والفرض والحساب. توفى سنة ثلاث وثلاثمائة. *** محمد بن عبيد الجريوني (٥٨٩) قرطبي، أبو عبد الله. رحل، ودخل العراق، فسمع من القاضي إسماعيل، وموسى بن هارون الحمال، ومحمد بن الحسن، وابن أبي داود، وغيرهم من المحدثين. وسمع بالقيروان. وشاوره في الأحكام محمد بن أحمد بن زياد. قال ابن الفرضى: لم يكن له كبير حظ من الفقه، كان الحديث والرواية أغلب عليه. قال إسماعيل: كان رجلا نبيلا، عنى بالعلم وتقييد السنن. قال غيره: كان من أعلام الفضل والدين، حدث عنه محمد بن أبى دليم، وقد حدث عنه أهل القيروان بها.

стр. 1497

قال أحمد بن سعيد: لم أكتب عنه شيئا، مسه عندى بعض الناس فتركته، ثم كتبت بعد ذلك عن رجل عنه. واستشهد. وقال ابن الفرضى: فقد، سنة خمس وثلاثمائة. *** سعيد بن عثمان الأعناقي (٥٩٠) ابن سليمان بن محمد بن مالك بن عبد الله، التجيبى، مولاهم المعروف بالأعناقى. قال الحميدي: ويقال العناقي، بفتح العين وكسرها. قرطبي. سمع بالأندلس من ابن وضاح، وصحبه، ومن ابن مزين قبله، والخشني، وابن باز وغيرهم. ورحل فلقى نصر بن مرزوق، وابن عبد الحكم، ويونس، والحارث بن مسكين، وأحمد بن صالح، وابن السكرى الحافظ، وغيرهم. وكان ورعا، زاهدا، عالما بالحديث، بصيرا بعلله، ثقة، منقبضا عن أهل الدنيا، ملازما لبيته ومسجده. عن قال أحمد بن سعيد: سمعته يقول: كان أصحاب هذا الشأن في زمان ابن وضاح، والذي كان ينتفع به، ثلاثة: أما أحدهم فمالت به الدنيا، يعني ابن أيمن، وأسأل الله أن يفي به. والثانى متماسك، أسأل الله أن يثبته، والله إني لأدعو له في سجودي، يريد أحمد بن خالد. ثم يبكى ويسكت عن الثالث، فربما قيل: كان يريد نفسه

стр. 1498

وعلى هؤلاء الثلاثة كان اعتماد ابن وضاح في أجوبته إذا سئل عن شئ. وانتفع محمد بن وضاح بالأعناقى كثيرا، في ضبط حروف كثيرة في الحديث والرجال، وكان أصحابه يقابلون معه قبل القراءة. قال ابن وضاح: ويصححون عليه كتبهم، وحينئذ تطيب أنفسهم. حدث عنه أحمد بن خالد، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن، ومحمد بن قاسم، وابن أبي زيد القرطبي وابن الزراد، من أقرانه وغيرهم. وذكره ابن أبي دليم في طبقات المالكيين، قال: وغلب عليه الحديث والرواية. قال ابن الفرضى: لم يكن له علم بالفقه، وتوفى بتونس، في صفر، سنة خمس وثلاثمائة، في بعض سفراته إليها، وكانت بلده، وله بها قرابة يزرعون له، يقصدهم كل عام لقوته، وبها قبره. ومولده سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. *** يحيى بن أصبغ بن خليل (٥٩١) من أهل قرطبة، يكنى أبا بكر. سمع من أبيه ونظرائه ودخل العراق، فسمع من السكوني، وعبد الله بن حنبل، وغيرهما حدث عنه قاسم بن أصبغ، وثابت بن حزم وابنه قاسم بن ثابت. وكان فاضلا خيرا، واستشهد سنة خمس وثلاثمائة. * *** عمر بن حفص بن غالب الثقفى الصابوني (٥٩٢) يعرف بابن أبي تمام، قرطبي، كنيته أبو حفص.

стр. 1499

سمع بقرطبة من ابن وضاح والخشني وغيرهما. ورحل فسمع من محمد بن عبد الحكم وأكثر عنه ومن أخيه سعد. وابراهيم بن مرزوق، وأحمد بن عبد الرحيم البرقي، وأبي الطاهر الفرضي، وبحر بن نصر، وابن عزيز الأيلى، وأحمد بن شيبان وغيرهم. وكان شيخا فقيها، عالما بالمسائل والشروط، ثبتا ثقة خيارا، سمع الناس منه. روى عنه ابن حنين، وأحمد بن عبد البر، ووهب بن مسرة وغيرهم. وكان له أعوان يعملون الصابون على باب داره. وتوفى سنة ست عشرة وثلاثمائة. * * * يحيى بن زكرياء بن سليمان بن فطر (٥٩٣) ابن سفيان بن حجاج بن كليب، أبو زكرياء قرطبى. سمع من ابن وضاح، والمغامى، وعبيد الله بن حبيب، وأبى زيد الجزيري. ورحل فسمع من على بن عبد العزيز، وأبي مسلم الكشى، وغيرهما. وكان فقيها في المسائل، حافظا للرأي، مشاورا مع ابن لبابة ونمطه، وكان يجتمع اليه السماع والمناظرة عنده، وكان معظما في الخاصة والعامة. حدث عنه ابن أخيه يحيى، وجماعة. وتوفى سنة خمس عشرة وثلاثمائة.

стр. 1500

عبد الله بن محمد بن أبي الوليد الأعرج (٥٩٤) من شدونة، وسكن قرطبة، أبو محمد. سمع من العتبى وابن مزين ونظرائهما. ورحل فسمع من محمد بن سحنون، ومحمد بن تميم العنبري، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الحكم. وأحمد بن عبد الله بن صالح الكوفي، وكان رحل مع خاله محمد بن غالب. وحدث عنه خالد، وأحمد بن حزم، وعبد الله بن محرز بن عثمان ومحمد بن عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن أيوب وغيرهم. قال خالد: كان ثقة خيارا من الخاشعين الباكين. قال ابن الفرضى: كان شيخا مقلا. قال سليمان بن أيوب: وكان بوب مستخرجة العتبى على تبويب المدونة، وكان أهل المغرب يقصدونه فيها. قال ابن أبي دليم: رأس بالأندلس، وأفتى، وكان بصيرا بالوثائق. توفى سنة عشر وثلاثمائة، في جمادى الأولى. وقيل سنة تسع، في شعبان، وهو الصواب. مولده سنة ثنتين وثلاثين ومائتين، فى رجب. * * * محمد وسالم ابنا عبد الله بن عمر (٥٩٥) ابن عبد العزيز بن أبا، بباء واحدة مشددة، وهو معتق الأمير عبد الرحمان بن معاوية الداخل. كانا راويتى العتبى، وابن مزين، وأصبغ ابن خليل.

стр. 1501

وذكرهما ابن الفرضي وقال: كان معتنيا بالعلم، ذا خير وفضل وكان سالم مجتهدا فاضلا. وذكر ابن أبى دليم فى طبقاته محمد وحده (٥٩٦) وقال: كان من أهل الحفظ للمسائل، وتوفى سنة ثمان وثلاثمائة. وتوفى سالم سنة عشر. * * * على بن محمد العطار (٥٩٧) قرطبي، سمع من ابن وضاح وغيره، وكان يفتى الناس في السوق بقرطبة. قال ابن الفرضى: وكان رجلا صالحا فقيها. توفى سنة ست وثلاثمائة (٥٩٨) في ربيع الأول. * * * محمد بن أحمد الشذوني المؤدب (٥٩٩) سكن قرطبة، روى عن بقى (٦٠٠)، وابن وضاح، وكان معتنيا بالعلم، موصوفا بالخير والفضل، ذكره ابن أبى دليم فى هذه الطبقة. واستشهد سنة خمس وثلاثمائة. وقال ابن أبى دليم: فقد (٦٠١) في غزاة هذه السنة.

стр. 1502

أصبغ بن مالك بن موسى الزاهد (٦٠٢) أبو القاسم، ذكره ابن أبى دليم فى هذه الطبقة، وأصله من قبرة وسكن قرطبة. سمع محمد بن وضاح وصحبه نحوا من أربعين سنة، وكان ابن وضاح يجله ويعظمه، وسمع من ابن القزاز، وغيرهما. وقرأ على ابن القزاز القرآن، وكان اماما فى قراءة نافع، عابدا زاهدا، وكان هذا الغالب عليه. قال ابن أبى دليم: كان كثير الرواية، جامعا لفنون الحديث والفقه، وكان يجتمع اليه أهل الزهد والعبادة، يسمعون منه، وقد انتفع به جماعة من الناس، وكان الأغلب عليه النسك والعبادة. قال ابن حزم: كان عنده زهد وتقشف وورع، وله أصح حساب كالرهبان، سمعت منه، توفى قبل سنة ثلاثمائة. وقال غيره: توفي في سنة أربع وثلاثمائة. * * * أحمد بن خالد بن يزيد بن محمد بن سالم (٦٠٣) يعرف بابن الجباب، بباءين بواحدة من أسفل. * قال أبو نصر الحافظ: كان يبيع الجب. كنيته أبو عمر، قرطبي، سمع ابن وضاح، وقاسم بن محمد، وأبا عبد الله الخشنى، وابراهيم بن قاسم، وابن باز، وجماعة سواهم. ورحل فجاور بمكة، ودخل اليمن، وأقريطش، وافريقية، فسمع هناك من على بن عبد العزيز، والقراطيسى، ويحيى بن عمر،

стр. 1503

ومحمد بن على الصائغ، وأحمد بن عمرو المالكي، والديرى، والكشورى، وابن الأعجم وغيرهم. قال ابن حارث وغيره: كان بالأندلس امام وقته غير مدافع في الفقه والحديث والعبادة. قال أبو عمر بن عبد البر: لم يكن بالأندلس أفقه منه، ومن قاسم بن محمد بن قاسم. قال أحمد بن سعيد: كان من أهل الضبط والاتقان والخير والفضل والورع والتقشف، جمع علوما جمة، وكان عنده حفظ. قال محمد بن محمد بن أبي دليم: كان أحمد خالد من أهل العلم والخير، وكنا نأتيه، فنجده يخدم بيده في تحويل زرعه في أندره، وغير ذلك. قال ابن أبي القوارير، -وقد سئل: أين كان قاسم بن أصبغ من أحمد بن خالد؟ -: كان يوم من أيام أحمد أكثر من عمر قاسم، وجعل يثنى عليه ويصفه بالخير والدين. قال ابن لبابة: هو من أهل العلم. وكان يرفع به. وقال ابن حارث: وكان من أهل الزهد والانقباض، وغلب عليه آخر عمره نشر العلم، وزهد فى الفتيا. قال أبو عبد الملك: كان أحمد امام وقته وأوحد دهره. وقال بعضهم: كنا عند أبي زكرياء بن فطر، إذ دخل علينا فتى ملتحف في ردائه، فسلم عليه فأجلسه مع نفسه، وعظمه وسائله، فلما خرج سألته عنه، فقال: هذا أحمد بن خالد، أعبد أهل زمانه، وأفقههم، وذلك فى شبيبة أحمد (٦٠٤). وسأل رجل ابن لبابة عن مسألة فأفتاه. فقال له: سألت بعض العلماء بخلاف هذا.

стр. 1504

فقال: من الذى يقع عليه اسم عالم بهذا البلد؟ ما أعرفه الا أحمد بن خالد. وقال ابن أبي الفوارس -وقد سئل عن أحمد وابن الأعرابي- فقال: رأيت الرجلين، فما كان يصلح عندى ابن الأعرابي الا أن يكون غلاما لابن خالد. * * * نتف من أخباره وحكى أن أحمد بن خالد قال: دخلت مصر، وعلى رأسى أقروف، فأكثر الناس من الصياح على، وضرب الألواح، يقولون: السلام عليك يا أبا عبد الرحمان! فقلت لصاحبى: ما شأنهم؟ قال: انزع الأقروف، وادخل فى زى القوم، فنزعته. قال ابن أبى دليم: وقولهم يا أبا عبد الرحمان، كنية ابليس عندهم، كنوه بكنية بعض السلف الذين يبغضونهم ويجورونهم، ويقولون ان فعله كفعل ابليس، فسموه باسمه، بزعمهم. وذكر الباجي عن أحمد بن خالد قال: عجبت من أصحابنا، من أين أوجبوا على الزوج اخدام زوجته، حتى جعلوا ذلك كالنفقة؟ وهو عندي ردئ. وذكر خبر فاطمة ﵂، واستخدامها أباها ﷺ ، فدلها على التسبيح. وكان أول حاله طلب العبادة، وصحب ابن وضاح وأخذ عنه. قال: فنظرت الى قوم يتهارشون على الدنيا، يعني الفقهاء: فقلت، متى احتجت الى شيء من دينى رجعت الى هؤلاء! فكان ذلك مما حملني على الجد في الطلب والنظر في الفقه والعلم. قال أبو محمد الباجي، وقفت أحمد بن خالد على الغسل من التقاء الختانين دون انزال، وقلت له: ما تختار من ذلك؟

стр. 1505

قال: لا أختار شيئا، ولو كان هذا كان الأنصار كلهم في النار. قلت له: ان عائشة تقول: فعلته أنا ورسول الله ﷺ ، فاغتسلنا. فقال: وما يدريها ما كان من رسول الله ﷺ ؟ فقيل: ان النساء يحسسن ذلك. فقال: هكذا! وسكت. وذكر أن أمه كانت ترى وهى حامل به، من يقول لها: في بطنك نطفة تستضيء بها الدنيا. وكان مجلسه فى مناظرته من أجل * مجالس علماء قرطبة في وقته. قال أحمد بن خالد: كانت أمى تغزل وأبيع غزلها، فأشترى به الرق والكتب. قال ابن عبد البر: لم أره يستدبر القبلة قط، ويقعد للناس في مجلسه حيث انتهى به المجلس، ولا يتبسم، وعزم عليه آخرا في الانتقال الى الجامع بأمر أمير المومنين، بما لم يجد منه بدا، وعمارته بنشر العلم، بعد موت محمد بن لبابة، فأجاب الى ذلك بعد اباية شديدة. وكان في شهر رمضان وعشر ذي الحجة (٦٠٥) لا يجلس لأحد، انما يقطعها بالعبادة. وسمع منه عالم كثير، وألف مسند حديث مالك، وكتاب فضل الوضوء والصلاة وحمد الله، وكتاب الايمان، وكتاب قصص الأنبياء ﵈. ولم يزل على الانقباض والعبادة ولزوم بيته ونشر علمه الى أن مات ﵀.

стр. 1506

توفى ليلة الاثنين، منتصف جمادى الآخرة، سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة. مولده سنة ست وأربعين ومائتين. * * * محمد بن أحمد بن عبد الملك بن سلام (٦٠٦) معتق الامام هشام بن عبد الرحمان، يعرف بابن الزراد، قرطبي، يكنى بأبي عبد الله. روى عن ابن وضاح وصحبه، وعن ابن باز، وابراهيم بن هلال، والخشني، ونظرائهم، ورحل فسمع من على بن عبد العزيز وغيره. وكان كثير الجمع للكتب، والرواية، مع فضل وورع، وكان الزهد وأمر الحسبة (٦٠٧) والعبادة أغلب عليه من العلم، ولم يكن له ضبط لكتبه، وسمع منه. وتوفى سنة خمس، وقيل أول جمادى، سنة أربع وثلاثمائة، وسنه اثنان وستون سنة. ومولده سنة اثنين وأربعين ومائتين. * * * محمد بن عبد الله بن محمد بن قاسم (٦٠٨) قرطبي، أبو عبد الله. سمع من بقى، وعنه جل أخذه، وعن عمه قاسم، وكان منسوبا إلى الزهد والانقباض، غلبت عليه الرواية.

стр. 1507

روى عنه عبد الله بن حنين، وخالد بن سعد وغيرهما. توفى سنة اثنتى عشرة وثلاثمائة. * * * محمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن محمد (٦٠٩) يكنى أبا عبد الله، سمع من أبيه، وبقى، وابن وضاح، والخشنى، وابراهيم بن هلال، والفرضى، ومطرف بن قيس، وجماعة سواهم. ورحل فسمع بالقيروان ومصر والعراق من جماعة، كالنسائي، وابن زغبة، وأبى خليفة الجمحي، وأبى يحيى الساجي، وأبي جعفر فطين، وابن بنت منيع، ويوسف بن منيع، ويوسف بن يعقوب القاضى، وصالح بن حنبل، وغيرهم. وعدة رجاله مائة وثلاثة وستون رجلا. قال أبو محمد الباجي: ولم أدرك فى الشيوخ أكثر حديثا - منه، وكان عالما بالفقه، متقدما في علم الشروط، مشاورا في الأحكام من رأس الثلاثمائة، ثقة، صدوقا، سمع منه الناس كثيرا، وكان يملى عن ظهر نحوا من خمسمائة حديث. وتوفى منصرفه من الغزاة، سنة سبع وعشرين فجيء به إلى قرطبة لثلاث من موته، فدفن بها يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذى الحجة. مولده سنة ثلاث وستين ومائتين. * * *

стр. 1508

محمد بن مسور (٦١٠) ابن عمر، بن محمد، بن علي، بن مسور، بن ناجية، بن عبد الله، بن يسار، مولى الفضل بن عباس بن عبد المطلب، أبو عبد الله، قرطبي. روى عن محمد بن وضاح كثيرا، وعن ابراهيم ويحيى ابنى هلال، وابن باز، ومطرف بن قيس، وعامر بن معاوية القاضي، ووهب بن نافع، والخشنى وغيرهم. وحج قديما، فلم يسمع الا من يحيى بن عمر، وأدرك يونس بن عبد الأعلى، ولكنه لم يسمع منه. وكان ضابطا لكتبه، ثقة فى روايته، حافظا للفقه مقدما فيه، عالما بالوثائق، مشاورا فى الأحكام، من رأس ثلاثمائة، فاضلا متدينا خاشعا * حليما عاقلا، يكثر العمل والذكر، لا تلقاه الا محركا شفتيه بالذكر والقرآن. كان أحمد بن خالد يفضله ويثنى عليه، وأثنى عليه غير واحد، وكان حسن النية والصحبة، وولى قضاء وادى الحجارة مدة طويلة. وتوفى سنة خمس وعشرين وثلاثمائة. وقد زاد على خمس وثمانين سنة. * * * قاسم ابن أصبغ (٦١١) "البياني" ابن محمد بن يوسف بن ناصح بن عطاء، مولى الوليد بن عبد الملك بن مروان، من أهل قرطبة، يكنى أبا محمد، ويعرف بالبياني. بباء بواحدة مفتوحة، وبعدها ياء باثنتين مشددة، وبعد الألف نون منسوبة.

стр. 1509

وبيانة من عمل قرطبة. سمع بقرطبة من بقي بن مخلد، والخشني، وابن وضاح، ومطرف بن قيس، وأصبغ بن خليل، وابراهيم، وعبد الله بن مسرة، ومحمد بن عبد الله بن الغازى. ورحل الى المشرق مع ابن أيمن، فأدرك الناس متوافرين. سمع بمكة من محمد بن اسماعيل الصائغ، وعلى بن عبد العزيز. وببغداد والعراق من القاضى اسماعيل، والقاضي اليزنى، وابن أبي خيثمة، ومحمد بن اسماعيل الترمذى، وعبد الله بن حنبل، وابن قتيبة، والكريمى، وجعفر بن محمد الطيالسي، والحارث ابن أبى أسامة، وابن شاذان الجوهرى، والمبرد، وثعلب، ومحمد بن الجهم السمرى، في آخرين. وبمصر من محمد بن عبد الله العمرى، وأبي الزنباع روح بن الفرج المالكي، ومقدام بن داود المالكي. وبالقيروان من بكر بن حماد، وأحمد بن يزيد، في آخرين بعد ذلك. وانصرف الى الأندلس، بعلم كثير، وسكن قرطبة، وكان له بها قدر عظيم، وسمع منه الناس ومالوا اليه. وسمع منه الناصر لدين الله أمير المومنين عبد الرحمان بن محمد قبل ولايته، وولي عهده الحكم الحكم ابنه. وطال عمره فلحق الأصاغر فيه الاكابر، وشارك الآباء فيه الأبناء وكانت الرحلة اليه فى الأندلس والى أبي سعيد بن الأعرابي بالمشرق. قال ابن حارث: لقد دخل عليه اسماعيل بن القاسم الأندلس، قريب عهد بمشيخة العراق، فاهتبل بأمر قاسم، واختلف اليه مدة، وأخذ عنه، وكانت له عناية تامة، ورواية واسعة وكتب متقنة، وكان ثبتا صادقا.

стр. 1510

قال ابن الفرضى: وكان قاسم بصيرا بالحديث والرجال، نبيلا في النحو والغريب، وشوور في الأحكام. قال ابن أبي دليم: وغلبت عليه الرواية والسماع. وذكره أبو اسحاق الشيرازى فى أئمة المالكية في كتابه. قال أحمد بن عبد البر: كان شيخا صدوقا، ماجدا، حليما، طاهرا صحيح الكتب. وصنف قاسم في الحديث مصنفات حسنة (٦١٢) منها مصنفه المخرج على كتاب أبي داود. واختصاره المسمى بالمجتبى، على نحو كتاب ابن الجارود المنتقى، وكان قد فاته السماع منه، ووجده قد مات، فألف مصنفا على أبواب كتابه، خرجها عن شيوخه. قال أحمد بن حزم: وهو خير انتقاءا منه (٦١٣). "ومنها مسند حديثه، وغرائب حديث مالك، ومسند حديث مالك من رواية يحيى" (٦١٤). ومنها كتابه في أحكام القرآن، على أبواب كتاب اسماعيل القاضي وكتاب فضائل قريش، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاب الأسباب، وكتاب بر الوالدين. وتوفى فى منتصف جمادى سنة أربعين وثلاثمائة، وسنه اثنان وتسعون سنة وخمسة أشهر غير ستة أيام. وكان تغير ذهنه آخر سنة سبع وثلاثين الى أن مات، وأول ما عرف منه، أنه كان مسايرا لأصحابه يوما، فلقى جمل حطب، فقال لأصحابه: هذا الفيل! فعوجوا عن طريقه، وزال عن الطريق.
следующие страницы →