← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وفي رواية أخرى: لما حضرتُ مع رَبيعة عندَ السلطان، رأيتُ الكراهيةَ في وجهه. فقلتُ له لمَّا خرجنا: إن كنت تكره [¬١] أن أحضر [¬٢] لم أحضر، إنما [¬٣] تعَلّمنا منك. قال: فلا أكره، إنه [¬٤] ليَحضُر [¬٥] معنا من أنت أفقَه منه. قال مالك: ليس كلُّ من أحَبّ أن يَجلس في المسجد للحديث والفُتْيا جلَس، حَتَّى [¬٦] يُشاوِرَ فيه أهلَ الصَّلاح والفَضْلِ، وأهلَ الجِهة من المسجد؛ فإن رأوه لذلك أهلًا جلَس، وما جلستُ حتّى شهِد لي سبعون شيخًا من أهل العلمِ أنى موضعٌ [¬٧] لذلك. قال ابن وَهب: وجاء [¬٨] رَجل يَسأل مالكًا عن مسألةِ، فبادر ابن القاسم فأفتاهُ، فأقبل عليه مالكٌ كالمغضَب [¬٩] وَقال له [¬١٠]: جَسَرت على أن تفتى يا عبد الرحمان؟! [¬١١] يكرّرُها [¬١٢] عليه، مَا أفتيتُ حتى سأَلت: هل أنا للفُتْيَا مَوْضع؟ [¬١٣] فلمَّا سَكَن غضَبه قيل له: من سألت؟ قال [¬١٤]: الزُّهري ورَبيعَةَ الرأي.

стр. 177

قال [مالك: كان [¬١] ربيعةُ الرأي إذا] [¬٢] سألَه الرجلُ فلم يفهَم عنه يقول له [¬٣]: سَل هذا! فأَقول للِسائل: إنه ينهاك [¬٤] عن كذا. قال ابن بُكَير وغيرُه: أولُ ما بانَ من فِقه مالك أن رجلًا أَوْصَى عندَ وفاته أنه قد زوَّج ابنتَيْه من ابنَى أخِيه، وقد أَخَذَ [¬٥] مُهورَهما، ومات الرجلُ، فَأَحضَر الوَاليُّ، وكان الحسنَ بن يزيد [¬٦]، الناسَ، وفيهم ابن أبي ذِئْب، وابنُ عِمْران، وابنُ أبي سَبْرَة [¬٧]، ومالكٌ وهو حَدَث، وذكَر المسألَة لَهم [¬٨]، فقال جميعهم: ذلك جائزٌ، ومالك ساكت. فقال الواليّ [¬٩]: ما ترَى يَا مَالك؟ قال: لا يَجوز ذَلِكَ [¬١٠]، فغضِب الجميعُ، وقال ابن أبي ذئب: لا يَشاء أن يردّ علينا إلا رَدّ. فقال الواليّ: أصابَ وأخطأتم، ثم قال لَه. من [¬١١] أين قلتَ يا أبا عبد الله هذا؟ قال: أرأَيتم إن أهديتا جميعًا إلى زوجَتْهما، فتعلَّق كلُّ واحدٍ منهما بهَوْدَج واحِدةٍ، كلُّ واحدٍ يقول: هي زَوجتي دونَ الأخرَى، لِمَن تَقْضون بها؟ فسكَت القَوم، وقالوا: أَصاب.

стр. 178

قال الواليّ [¬١]: فما ترى يا أبا عبد الله؟ قال: النكاحُ مفسوخ حَتَّى تُّسَمَّى كلُّ امرأةٍ لرجل معيّن. وقال ابن الماجشون: مِمّا عُلم به فضل [¬٢] مالك أن سارقًا أُخذ، ومعه قمح قد سرقه من تلاليس لهذا، ولهذا، حتى اجتمع قمح كثير، فاعترف بذلك، فأَحْضَر الواليُّ من بالمدينة، وفيهم رَبيعةُ، ويحيى بن سعيد، ومعهم مالك على حَدَاثَةِ سنّه، لمعرفتهم بعلمه؛ فلما أخذوا مجالسهم، سألهم الوالى عن المسألة، وأخرج القمح، فإذا شبيه [¬٣] بأربعة أرادب [¬٤]، فكلُّهم رأى أن عليه القطع، ومالك ساكت. فقال له: تكلّم! قال: لا قطع عليه، فاستعظم ذلك من هناك [¬٥]، وسألوه من أين قاله؟ فقال لهم: هل يجب القطع إلا في ربع دينار فصاعدًا؟ فأما أن يسرق من هذا التليس ما يساوي درهمًا، ومن هذا ما يساوي درهما هكذا فهذا لا قطع [¬٦] عليه، فانصرف الناس وقد بان فضل عِلْمِه. قال أبو الحسن الطّالبي: سأل مالكًا [¬٧] صَفوانُ بن سُليم، وهو أحَد شيوخ مالك الجِلَّة الفضلاء النُّقّاد، عن رؤيا رآها في النوم، وَمَالكٌ إذ

стр. 179

ذاك غلام [¬١] صَغير، فقال له مَالِك [¬٢]: ومِثلك يَسأل مثلى؟! فقال له: وما عليك يا ابنَ أخي؟ رأيت كأنني أَنظر في مرآة. فقال له مالك: أنتَ تنظر في أمر آخرتك، وما يقَرِّبك إلى ربّك. فقال له صَفوان: أنت اليوم مَوْيِلكٌ، ولئن بقيتَ لتكوننَّ مالكًا، اتّق الله يا مالك، إذا كنت مالكًا [¬٣]، والا فأنت هالك. قال مالك: وكان قبل يدعوني مويلكا، فلَمّا سألَني قال لي: يا أبا عبدِ الله، وهو أول يوم كنّاني [¬٤] فيه. قال الطّالبي: وفي قوله: "وما عليك، إشارَةً إلى أنه كان عِندَه مستأهلا لجواب ما سَأل عنه. قال القاضي أبو الفضل [¬٥]، ﵁: ولو لم يكن عِندَه كذلك لما سَأله، ولا استحَلَّ [¬٦] لنَفسِه ولا لَه الخوضَ في عِلم الغَيبِ، والتلاعبِ بالنبوّة. قال الحرث [¬٧]: أوصَى ابن هرمز مالكًا وعبد العَزيز بن أَبي سلَمة: إذا دَخَلتما على السلطان فكُونا من آخر [¬٨] من يتكلّم، فلزِم مالك وصيتَه، فبلغني أنه حضَر عنَد الأمير مع ابن أبي ذِئب ونُظرائه، فاستفتاهم في رجل أقرَّ على

стр. 180

نفسه بالقتل عمدًا، فأفتى كلُّهم بالقتل، إلا أن يَعْفُو الأولياءُ، ومالكٌ ساكت، فسأله فقال: انظر، وهو مُطْرِق. ثم سأله فقال: هُو القتل، (١) حتى أنظُر، فقالوا: ما [¬١] تَنظر؟ رجلٌ أقَرْ أنه قَتل عمدًا، أيُّ شيء هذا؟ فقال أين القاتل المُقِر؟ فإذا فتى حدث السن، فقال: منذ كم حبس؟ قيل: منذ كذا، فإذا حَبْسه وإقراره قبل أن يحتلم، فسُرِح. وهذا، والله أعلم، إن أنكر [¬٢] إقرارهَ ورجع عنه. قال أحمد بن صالح: كان مالك في ثلاث طبقات: طبقَة دونَه، وأُخْرَى معَه، وأخرى فوقه، ولم يكن في الثلاث طبقات من يجيد الطلب مثله، فاق الثلاث طبقات فالتي فوقَه من ولد في الثمانين: ابن عَجلان، وابن أبي [¬٣] ذئب، ونَمَطهم؛ والتي معه: عبد العزيز بن الماجشون، وابن أَبي الزناد، وسليمان بن بلال وغيرهم، والذين دوّنه [¬٤]: ابن الدَّراوَرْدِى، وابن أبي حازِم، وأنَس بن عِياض، ونمَطُهم [¬٥]. قال ابن القاسِم: قال لي مالك: كنّا نجلِس إلى ربعة أربعيَن مُعتمًّا سوى من لا يعْتَمّ [¬٦]، ما نَدْري منهم إلا [¬٧] أربَعة.

стр. 181

أمَّا أحَدُهم فغلَبت عليه الملوكُ، يعني ابنَ الماجِشون، وفي رواية: شُغِل بالأغاليط (١) أو نحو [¬١] هذا. وأما الآخَر فماتَ، يعنى كثيرَ بن فَرْقَد. وأَما الثالث فغَرَّب نَفْسَه [¬٢] (٢)، يعني عبد الرحمان بن عطاء. وسكَت عن الرّابع، فعلمنا أنه يعنى نفسه. [وقيل لأبي حَنيفةَ: كيفَ رأيَت غِلمانَ الْمدِينة؟ قال: إن نَجَب منهم، فالأشقر الأزرق، يعنى مالكا؛ وفي رواية: رأيت بها عِلما مبثوثًا؛ فإن يَجْمَعه أُحد فالغُلامُ الأبيض الأحمر [¬٣]. قال ابن غانم: فذكرت ذِلك لمالك فقالَ: صدق، لقيتُه فرأيُت رجلًا له علِم وفَهْم لوْ بنى على أصل، يَعْنى أثر أهْلِ المدينة] [¬٤]. قال ابن أبي أُوَيس: قال مَالك: أقبل على ذات يوم ربيعةُ فقال لي: مَن السَّفِلة (٣) يا مالك؟ [¬٥] قلتُ: الذي يأكُل بدِينه. قال لي: فمَن سَفِلة السَّفِله؟ قلتُ: الذي يأكل غيره بدينه. فقال: زِهْ، وصدَّرَني. ﵃ أجمعِين [¬٦].

стр. 182

باب شهادة السلف الصالح وأهل العلم له بالإمامة في العلم بالكتاب والسنة والتقدم في الفقه والصدق في الرواية [¬١]، وتفضيلهم له وثنائهم عليه قد قدمنا في باب ترجيح مذهب مالك الأثَرَ الوارَد [¬٢] فيه، وتكلّمنا عليه بالمنقول والمعقُول بما لا مَزيدَ فوقَه، وذكَرنا مِن كلام السلف والأئمة بالشهادة له بالإمامة والتقدم (*) على غَيره بما لا نطّول بإعادته، ونذكُر هنا جملةً صالحة من ذلك الشرح، والله المعين [¬٣]. قال ابن هُرْمُز يوما لجِاريته: من بالباب؟ فلم تَرَ إلا مالكًا، فذكرت ذلك له، فقال: ادْعِيهِ [¬٤]؛ فإنّه عالِم الناس. وقال له ابن شِهاب: أنتَ من أوعية العلِم، أو إنك لَنِعْم مُستودَع العِلم [¬٥]. وقيل لأبي الأسود، شيخ مالك بمصر، سنة إحدى وثلاثين ومائة [¬٦] مَن للرأى بعدَ ربيعة بالمدينَة؟ فإن [¬٧] يحيى بن سعيد بالعراق، فقال: الغُلام الأصْبَحي (١). وقال سُفيان بن عُيينة: ما نحُن عندَ مالك؟ [¬٨] إنما كُنّا نتْبع آثارَ مالك، وقال:

стр. 183

إن المدينَة، أو: ما أرَى المدينة إلا سَتخرب [¬١] بعدَ مالك، قال: ومالك سيّد أهل المدينة، وقال: مالك سَيّد المسلمين، وقال: مالك إمامٌ، وقال: مالك عالم أهلِ الحجاز، وقال: كان مالك [¬٢] سراجًا، ومالك حجة في زمانه، وقال، وقد بلغَه [¬٣] وفاة مالك: ما ترك مثلَه، أو ما ترك على الأرض مثلَه. وقال لبعضهم [¬٤]: أتَقْرِنني بمالك؟ ما أَنا وَهو إلا كما قال جَرير: وابنُ اللَّبُون إذا مَا لُزَّ في قَرَنٍ … لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ الْجُزْلِ الْقَنَاعِيسِ ثم قال: ومَن مِثلُ مالك متَبعٌ لآثار من مَضى مع عقلِ وأدبٍ، وقال: مَالِكٌ إمام في الحديث، وقال: حَدَّثني مالك الصَّدوق. وجاء نَعِيُّ مالكٍ إلى حمّاد بن زَيدٍ، فبكَى حتى جعل يمسح عينَيْه بخرقة، وقال: يرحم الله مالكا، لقد كان من الدين بمكان، لقد رأيت رأيَه يُتذاكر في مجلس أَيّوب. وفي رواية: ثم قال حماد: اللهم أحسِن علينا الخلافة بعده. وقال الشافعي: إذا جاءك الأثر عن مالك فشدَّ به يدَك. وقال: إذا جاءك الخبر [فَمَالِكٌ النَّجم. وقال: إذا ذكر العلماء فمالك النجم] [¬٥]، ولم يبَلْغُ أحد في العلم مبلغ مالك، لِحِفظه وإتقَانِه وصيانته، ومن أرَاد الحديثَ الصحيح فعليهِ بمالك. وقالَ: مالِكٌ بن أنَس مُعَلّمى؛ وفي رواية: أسْتَاذى، وما أَحد أمَن

стр. 184

عليّ من مالك، وعنه أُخذنا [¬١] العلم، وإنما أنا غلام من غلمان مالك. وقال: جَعَلت مالكًا حجةً فيما بيني وبين الله. وقال محمد بن عبد الحكم: كان الشّافِعيُّ دَهْره إذا سُئِل عن الشّيء يَقُولُ: هَذا قولُ الأستاذ، يرِيدُ مَالِكًا، وذكر الأحكامَ والسُّنَن فقال: العلم يدور على ثلاثة: مالك والليث وابن عيينة. وقال: مالك وسفيان قَرِينان، ومالك النَّجم الثاقب الذي لا يلحق [¬٢]، وقال: لولا مالكٌ وابن عيَيْنَة لذَهَب عِلْم الحجاز، ويُرْوي: لما عرف العلم بالحجاز. وقال الشَّافعي [¬٣]: ذاكرتُ محمد بن الحسن يومًا فقال لي: صاحبُنا، يعنى أبا حنيفة، أعلمُ من صاحبكم، يعنى مالكا. فقلت له: الإنصاف تريد أم [¬٤] المكابرة؟ قال: الإنصاف. قلت: ناشدتك [¬٥] بالله [¬٦] الذي لا إلاه إلا هو، مَن أعلَم بكتاب الله، وناسِخِه ومنسوخه؟ قال: اللهم صاحبكم. قلت له: فمن أعلم بسنة رسول الله، ﷺ ؟ قال: اللهم صاحبكم.

стр. 185

[قلت له: فمن أعلم بأقوال أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: اللهم صاحبكم] [¬١]. قلت له: فلم يَبقَ إلا القياس. قال: صاحبُنا أقيَس. قلتُ: القياس لا يكون إلّا على هذه الأشياء، فعلى أي شيء يقيسُ؟ ونحن ندَّعِي مِنه [¬٢] لصاحبنا ما لا تَدَّعونَه لصَاحبكم. وفي بَعضِ الرِّوايَات عنه: فقلت له [¬٣]: وصاحِبُنا لم يذهَبْ عليه القياسُ، ولكنه يتوقَّى ويتحَرّى، يُريد يتأسَّى [¬٤] بمن تقدمَه. وقال بعضُهم: سمعتُ بقيةَ بن الوليد في جماعةٍ ممَّن يطلب الحديث، ومشيخةِ من أهل المدينة يقول: ما بَقِي على ظهرها - يعني الأرض - أعلم بسنةٍ ماضيةٍ ولا باقيةٍ منك يا مالك. قال عبدُ الله والد مُصعب الزُّبَيري: لمَالكُ [¬٥] بن أنَس سَيدُ المسلمين. وذكرَه اللَّيث فقال: مالك، مالكْ [¬٦]، يَرْفع من قَدْره. وذكَره الأوزاعيّ فقيل (*) له: كيف رأيت مالكًا؟ قال: رأيت رجلا عالمًا. قال عبيد الله [¬٧] بن عمر [¬٨]: نِعم الخلَفُ للنّاس مالك.

стр. 186

وقال عَبد العزيز: مالك سيّدُنا وعالمنا. قال اللّيث: لقيت مالكًا بالمدينة، فقلت له: إني أراك تمسَح العَرق عن جَبينك. قال: عرقْتُ مع أبِي حَنِيفة، إنّه لَفَقيه يا مِصريّ؛ ثم لقيتُ أبا حَنيفة فقلتُ: ما أحسَنَ قولَ ذلك الرجل فيك! فقال: واللهِ ما رأيتُ أسرَع منهُ بجواب صادِقٍ وزُهْدٍ تام. قال أبو يوسف: ما رأيت أعلَمَ من ثلاثة؛ مالكٍ، وابنِ أبي ليلى، وأبِي حنيفة. قال البهلول بن راشد: ما رأيتُ أنزَعَ من مالك بن أَنَس بآيةٍ من كتاب الله. قال مُطرّف: كان مالك إذا سئل عن مسأَلةٍ نزَلت فكأنّما نَبِيّ نَطَق على لسانِه. قال محمد بن عَبد الحكم: إذا انفَرد مالك بقولٍ لم يَقُلْه مَن قَبله، فقولُه حجة تُوجب الاختلاف [¬١]؛ لأنه إمام. فقيل له [¬٢]: فالشافعي؟ قال: لا. قال الحكم: دخلت المسجد فسَأَلت جماعةً ممن في المسجِدِ: مَن أعلَم مَن في المسجِد وأفضَل؟ فقالوا: هذا القائم الذي [¬٣] يركَع، يُريدون مالكًا. وقال وهيب بن خالد، وكان من أبصر الناس بالحديث: قدمت المدينة فلم أجد أحدّ إلّا يُعرف ويُنكَر [¬٤]، إلا مالكًا ويحيى بنَ سعيد، وكان

стр. 187

وهيب لا يَعِدل بمالِك أحدا. وعن اللّيث أنه قال: علم مالك علم تقى، علم مالك نقى، (١) مالك أمانٌ لمن أخذ عنه من الأنام. وقال ابن المبارك: لَو قيل لي: اختر للأمّة إمامًا، اخترت لها مالكًا. قال أبو إسحاق الفَزَارِي: مالك حُجّةٌ رَضِى كثير الاتّباع الآثار. وقال ابن مَهْدى: مالك أفقه من الحكم وحماد، وقال: أئمةُ الحديث الذين يُقْتَدَى بهم أربعة: سفيان بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحمَّاد بن زيد بالبصرة. وسئل: من أعلم؟ مالكٌ أو أبو حنيفة؟ فقال: مالكٌ أعلم من أستاذ أبي حنيفة (٢). وقال: الثَّوْريّ إمامٌ في الحديث وليس بامام في السنة، والأوزعي إمامٌ في السُّنة وليس بإمام في الحديث، ومالكٌ إمام فيهما. وقال مرة لأصحابه: أحدثكم عمن لم تَرَ عيناى مثله، ثم قال: حدثنا مالك، وقال: مالكٌ أحفظ أَهل زمانه، ومالكٌ لا يخطئ في الحديث. وقال: ما بقى على وجه الأرض آمن على حديث رسول الله ﷺ من مالك. وقال: ما أقدم على مالك في صحة الحديث أحدًا، وقال: لم أر أحدًا

стр. 188

مثل مالِكٍ وحَمّاد بن زيد، كانا يَحتَسِبَان [¬١] في الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: إلى مالك والشورى وابن عُيينة تنتهى الإمامة في العلم والفقه والإتقان. وقال ابن حنبل: مالك أَتبَع من سفيان. وسئل عن الثورى ومالك إذا اختلفا في الرواية وفي طريق أيهما أفقه؟ فقال: مالك أكبر في قلبي. [قيل له [¬٢]: فمالك والأوزاعي] [¬٣] إذا اختلفا في الرواية؟ [¬٤] [قال: مالك أحب إلى وإن كان الأوزاعي من الأيمة] [¬٥]. قيل: فمالك والليث؟ قال: مالك. قيل: فمالك والحكم وحمّاد [¬٦]؟ قال: مالك. قيل: فمالك والنَّخعي؟ قال: ضعه مع أهل زمانه، وقال: مالك سيد من سادات أهل العلم، وهو إمام في الحديث والفقه، ومَن مِثلُ مالك متَّبِعٌ لآثار من مضى مع عقل وأدب؟ وقيل له: الرجل يحب أن يحفظ حديث رجل بعينه، حديث من ترى يحفظ؟

стр. 189

قال: حديث مالك، فإنه حجة بينك وبين الله تعالى. وقاله أيضا [¬١] لرجل سأله: أي شيء أكتب [¬٢] من الحديث (١). قيل له: فيريدُ أن ينظر في الرأى، رأي من ترى ينظر؟ قال: رأى مالك، وقال: يرحم الله مالكًا، كان من الإسلام بمكان وقال: لا يُترك عن مالك حديثً ولا كلام إلا كُتب، وقال: مالك حافِظ متَثَبِّت، من أثبت الناس في الحديث. وقال أبو قُدامة. مالك أحفظ أهل زمانه. وقال يحيى بن سعيد القطان: ما في القوم أصح حديثًا من مالك، يعنى الأوزاعي والسفيانين، ومالكٌ أحَبُّ إلى من مَعْمَر، ومالكٌ إمامُ الناس في الحديث، وقال أيضا: مالك (*) أمير المؤمنين في الحديث، وقاله أيضًا عليُّ بن المَديني ويحَيى بن سعيد. وقال يحيى أيضًا: كان [¬٣] مالكً حافظًا، وقال: كان مالك [¬٤] إمامًا [¬٥] يُقتَدى بِه. وقال يحيى بن مَعين [¬٦]: مالكٌ نَبيلُ الرأي، نبيلُ العِلم، أخذ المتقدّمون عن مالك ووثّقوه، وكان صحيح الحديث، قال: [وكان من حُجج الله على خلقه، قال: وكان إمامًا الحديث] [¬٧]، قال [¬٨]: وكان يُقدّمه على أصحاب

стр. 190

الزهرى. وقال: ما رأيتُ أحدًا أحفظَ لحديث نفسِه منه ومن سفيان. وقيل له: الليث أرفَع عندك أو [¬١] مالك؟ قال: مالك، وهو أعلى [¬٢] أصحَاب الزُّهري، وأوثَقهم، وأثبَت الناس في كل شيء. وقال: مالك إمامٌ من أيمة المسلمين، مُجمَعٌ على فَضله وتثبُّته [¬٣] في الحديث. وقال: مالك نجم أهل الحديث المتوقّف عن الضعفاء [¬٤]، الناقِلُ عن أولاد المهاجرين والأنصار. وقال على بن المديني: ما أقدّم على مالك أحدًا في صِحّة الحديث، ومالك أميرُ [¬٥] المؤمنين في الحديث. وقال: إنّي [¬٦] أحدّثك عمن لم ترَ عينَاك، وفي رواية "عيناى"، مثله، فحدثني عن مالك. وقال: لولا أن الله تعلى يبعث [¬٧] في كل زمان مثل مالك وشعبة [¬٨] والأوزاعي لكانوا قد أدخلوا في حديث رسول الله ﷺ ما ليس فيه. وقال: حسبك مالك وابن عينية حفظًا وإتقانًا إذا اتّفقا. وقال بكر بن أحمد [¬٩] بن مُقبِل: مالك بن أنس الحُجّة القائمة.

стр. 191

وقال البُخارِيّ، وأبو زُرعة الرّازي، ومحمد بن عبد الحَكَم، وأبو عبد الله بن الرّبيع [¬١] وغيروا حد: مالك بن أنس إمامَ. وقال أيوب بن سُوَيد: مالك إمام دار الهجرة والسُّنَة، الثقةُ الصَدوق. وقال (١): ما رأيت أحدًا قط أجودَ [¬٢] حديثًا من مالك. وقال النَسائي (٢): (أمناء الله على وحيه: شُعْبَةُ، ومالك، و يحيى بن سَعيد القَطان، ما أحد [¬٣] عِندى بعد التابعين أفضل [¬٤] من مالك، ولا أجَلَّ منه ولا أوثق، ولا أحد آمن على الحديث منه. قال [¬٥] أبو حاتم الرّازي (٣): الحجةُ على المسلمين الذين ليسَ فيهم لَبْسٌ: الثَّورى، وشعبة، ومالك، وابن عيينة، وحَمَّاد بن زَيد. وقال أبو زُرعة الرّازِي: وسُئِل عنه وَعَن [¬٦] أيوب وغَيره في نافع [¬٧]، فقال مالك وإمامتُه (٤). وقال: مَثَل مالك في الفقه كمثل الكريا بوكة [¬٨] التي تُدبّر أمرَ البَيت [¬٩] [¬١٠]،

стр. 192

[وتعمل في كلّ شيء بما يُصلحه. قال سحنون: قرَأ لنا ابن غانم كتابًا من الموّطأ، فقال له رجل: يعجبك هذا من قوله مالك؟ فألقى الكتاب من يَدِه وقال: أليس وصمةً في عقلى وديني أن أرُدَّ على مالكٍ قولَه [¬١]؟ ولقدأ دركتُ العبَّاد وأهل الورع والدّين الذين يتَورَّعون عن الذّر فما فوقه [¬٢]: سفيانَ وذوى سفيان، فما رأيتُ بعيني [¬٣] أورَعَ من مالك. وقال له أبو جعفر المنصور: أنت أعلم أهل الأرض، أو أعلمُ [¬٤] الناس! فقال: لا، والله. قال: بلى! ولكنّك تكتم ذلك، وفي خبر آخر عنه: لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك، وقال أيضًا، وأشار إليه: لا يزال الناس بخير ما بقى هذا فيهم. وسئل المغيرة عن مالك وعبد العزيز، فقال: ما تعادلا [¬٥] قَطُّ في العلم، ورَفع مالكًا عليه (١). قال زياد بن يونس: مَثَل مالك في العلماء، مَثَل الثريديين الألوان، يجزئ عنها ولا تجزيء عنه. قال التُّسْتَريّ: قال أبو عبد الله الزُّبير بن أحمد الزُّبيري] [¬٦]، ونحن

стр. 193

نتذاكر المذاهب: يستغنى [¬١] بمذهب [¬٢] مالك عن مذهبهم، ولا يُستغنى [¬٣] بمذهب، أحد منهم [¬٤] عن مذهبه. قال حميد بن الأسود: قال مالك: كان [¬٥] إمام الناس عندنا [¬٦] بعد عمر بن الخطاب، ﵁، زيد بن ثابت [¬٧]، وإمام الناس بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر. قال على بن المديني: أخذ عن زيد أحد وعشرون رجلًا ممن كان يتبع رَأيه ويقوم به قبيصة، وخارجة [بن زَيد، وعبيد بن عبد الله بن عتبة بن مسعود] [¬٨]، وعروة بن الزُّبَير، وأبو سَلمة، والقاسم بن محمد [¬٩]، وأبو بكر بن عبد الرحمان، وسالم، وسعيد بن المَسيَّب [¬١٠]، وأبان بن عثمان، وسليمان بن يسار. ثم صار علم هاؤلاء كلهم [¬١١] إلى ثلاثة: ابن شهاب، وبكير (*) بن عبد الله بن الأشج (١)، وأبي الزِنّادَ. وصار علم هاؤلاء كلهم إلى مالك بن أنس. وكان ابن مهدي يعجبه هذا الإسناد ويميل إليه. قال محمد بن عيسى [¬١٢]: تذاكر أصحاب الحديث يومًا الفقهاء، فذكروا

стр. 194

[من لا يُطعن عليه حفظًا وورَعًا فذكروا حمّاد بن زيد، ومالك بن أنس، ويزيد بن زُرَيع. قال عبد الرحيم، أراه ابن عبد ربه: لما [¬١] خرج أَسدَ (١) إلى الغزاة سألته عما أعتمد عليه، فقال لي: ان اردت الله والدار الآخرة، فعليك بعلم مالك. وقال أبو إسحاق الجبنياني [¬٢]: إنما المذهب مذهب أهل المدينة [¬٣]، مذهب مالك. قال ابن وضاح: قال لي يحيى بن معين: على علم مالك تَعتَمد؟ [¬٤] قلت على علم مالك. قال: حسبك به [¬٥]. قال سعيد بن الحداد: كان مالك من الراسخين في الإسلام، فقال له أبو طالب يومًا: ففي العلم يا ابا عثمان؟ قال: كان والله أرسخ في العلم من الجبال الراسيات. قال حمّاد بن زيد: دخلت المدينة، ومناد [¬٦] ينادي: لا يفتِى في مسجد رسول الله، ﷺ ، ويحدِّثُ [¬٧] إلا مالك. قال ابن وهب: حججت سنة ثمان وأربعين، ومناد ينادي بالمدينة [¬٨]: لا يُفتِى الناس إلا مالك وابنُ أبي ذئب، وفي رواية عنه: وعبد العزيز مكان ابن أبي ذئب] [¬٩].

стр. 195

وقال [عبد الله [¬١] بن الماجشون: كان يخرج رسول الوالى أيام الحج (وينادى): لا يفتى الناس إلا عبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد، ومالك بن أنس. وذكر نحوَه ابن كاسب. وقال حُسَين بن عُروة: سمعتُ المنادي ينادي أيام الموسم: لا يفتى الناس إلا مالك، وابن أبي الزِّنَاد، والدَّراورديُّ. قال المسيبي [¬٢]: بلغني أن ولاة المدينة كانوا لا يأذنون لأحد أن يفتى إلا مالكًا، وابن أبي الزناد. قال القاضي أبو عبد الله التستري: يشبه ان تكون هذه الأخبار في زمن بعد آخر، والله أعلم؛ لاختلاف طبقات من قُرِن فيها مع مالك، ﵁ [¬٣]. وفي حديث بداية الشافعي لما أراد طلب العلم بمكة. قلت: من يذكر لهذا [¬٤] الشأن؟ قيل لي [¬٥]: مالك بالمدينة] [¬٦]. قال ابن أبي حازِم: قال لي عبد العزيز بن الماجشون: اغتنم مالكًا، فلم يسبق ممن أدرك الناسَ غيري وغيره [¬٧]. وقال سعيد بن داود: لم يكُن [¬٨] في عصر مالكٍ أحَدٌ أرفعَ عند أهل المدينة من مالك. وقال غيره: ما رأيتُ أحدًا [¬٩] أحسن على الكشف [¬١٠] من مالك، كلما كشفته ازددت فيه رغبة.

стр. 196

وقيل لابن هُرمزُ: نسألُك فلا تُجِيبنا ويسألك مَالك وعبدُ العزيز فتُجِيبُهما؟ فقال: دخل عليّ في بَدَني ضعَف، ولا آمَن ان يكون قد دخل على في عقلي مثل ذلك، وأنتم إذا سألتموني عن الشيء فأجبتكم قبلتموه، ومالك وعبد العزيز ينظران فيه، فإن كان صوابًا قبلاه، وإن كان غيرَه تَرَكاه. وقال محمد بن سعد: كان مَالكٌ ثقةً مأمونًا ثبتًا فقيها ورعًا حجة عالما [¬١]. وقال أبو علي بن أبي هلال: سُئل النَّسائي عن معاوية، فقال: الإسلام دار، والصَّحابة ﵃[¬٢] بابها، فمن تكلَّم في أحَد منهم بسوء فإنما دخل [¬٣] الدار. قال أبو علي بن أبي هلال: وأنا أقول: ومَالِكٌ حلقة الباب فمن مَسَّ [¬٤] الحَلْقَةَ فإنّما أرَاد الدَّار. ﵃ أجمعين [¬٥]. بقية [¬٦] شهادتهم له بالصدق والثبات في الأثر والقول في مراسيله وتوثيقه [¬٧] من روي عنه [¬٨]، ﵁ [¬٩]. قال ابن مهدي: مالك أثبت في نافع من عبد الله، وموسى بن عقبة [¬١٠]، ومن إسماعيل [¬١١] بن أُمَيّة، ومن سائر النّاس. وقال مثلَه يحيى بنُ سعيد، ويحيى بن معين. قال سُليمان بن حَرب: أن مالكًا لأهل لذلك. قال ابن مهدي: ومَالكٌ عن ابن المسَيّب أحبُّ إليَّ من قتادة عن ابن المَسيَّب، إلا ان

стр. 197

يقول قَتادةُ: سمعت. قال ابن وهب: ما أَحَدٌ آمَن ولا أوَثَق من مالك. وقال يحيى بن سعيد القَطّان، وذكرت له مرسلات [¬١] (*) السُّفيانَين والشّعبي والأعمَش وغيرِهم، فقال في بعضها: شِبهُ الريح، وشِبه لا شيء، قيل له: فمرسلات مالك؟ قال: هي أحبُّ إليَّ، ليس في القوم أصحُّ حديثًا منه، وقدَّمه في أصحَاب الزُّهريّ، قال: ومالك عن سعيد أحبُّ إليَّ من سفيان عن إبراهيم. وقال أحمد بن حنبل: مالكٌ أحسن حديثًا عن الزُّهري [¬٢] من ابن عُيَينة ومالكٌ أثبتُ الناس في الزُّهري. قال أحمد بن صالح: ثُلثُ حديث مالك مُسنَد، وليست [¬٣] هذه المنزلَةُ لأحد من نُظرائِه. وحديث مالك ألفا حديثِ وشبيهٌ بمائتَي حديث [¬٤]، يعنى التي رويت عنه وحدَّث بها. وقال أبو القاسم اللَّالكائي [¬٥] عن علي بن المَديني: عند مالك نحو ألف حديث. قال أحمد بن صالح، وذكر اللَّيث وسُفيان، فجعَل يُعظِّمُهما، وقال: كل واحد منهما إمام. قيل له: فإذا اختلفَ [¬٦] سُفيان ومَالك في الزُّهري، أيهما أحبُّ إليك؟ قال: مالك. قال سُفيان بن عيينة: أخذ مالك ومَعمَر عن الزُّهري عرضًا، وأخذتُ عنهما سَماعا.

стр. 198

قال ابن معين: لو أخذَا كِتابًا كانا أثبت منه. قال البخارِي: مالكٌ أثبت النّاس في الزهري. وقال يحيَى بن عبد الله لأبي زُرْعَة: ليسَ هذا زعْزَعة عن زَوْبَعَة، إِنما تَرْفع السّتْرَ [¬١]، وتَنظر إلى رسول الله ﷺ وأصحابِهِ بينَ يدَيه: مالكٌ عن نافع عن ابن عُمر. وقال وَكيع: حَدَّثني الثِّقةُ [¬٢]: مالكُ بن أنَس. وَروى مثلُه عن القاسِم [¬٣] بن عليّ، وعن أَحمد بن عليّ. وقال الحسن بن علي: كُنّا عند وهَيب بن خَالد، فحدَّث بحديثِ عن مالك وابن جُرَيج، فقلتُ لِرَجُلِ: اكتُب ابنَ جُرَيج ودَع مالكًا؛ لأنه كان حَيًّا يومئذ [¬٤]، فسمِعَها وهَيب فقال: تَقُول دَع مالكا! ما نَعْلم بينَ شَرْقِها وغربِها [¬٥] أحدًا [¬٦] آمَنَ عِندنا [¬٧] من مالكٍ على حَديث (١). قال ابن المَدِيني: مالكٌ، عن رَجُلٍ، عن سعيد بن المسيِّب، أحبُّ إليّ من سُفيان، عن رجلٍ، عن إبراهيم؛ فإن مَالكًا لم يَكُن يُحَدِّثُ إلا عن ثِقَة. وقال أبو دَاود [¬٨]:

стр. 199

أَصَحُّ حديث رسول الله ﷺ : مالكٌ، عن نَافع، عن ابن عمر، ثم مالكٌ، عن الزُّهْري عن سَالم [¬١]، عن أبيه، ثم: مالكٌ، عن أبي الزِّنَاد، عن الأَعْرَج عن أبي هُريرة. لم يَذكر شيئًا عن غير مالك. وقال: مالك مَراسيلُ مالك أَصحُّ من مراسيل سَعيد بن المسيَّب، ومِن مراسيل الحسَن، ومَالِكٌ أصحُّ النَّاسِ مُرْسلًا. وقال سُفْيان: إذا قَال مالكٌ بلَغَني فَهُو إِسْنَادٌ قَوِيٌّ [¬٢]. وقال يحيَى بن سَعيد: مُرْسلات مَالكٍ صِحاح، قال يحيَى: كان بَعضُ [¬٣] أصحابنا يقول: مرْسَلَات مالكٍ إسنادٌ. قال ابن وَهْب: مالكٌ والليثُ [¬٤] إسنادٌ وإن لم يُسْنِدَا. وقال إبراهيم الحَرْبي: مالكٌ لَا يُرْسِلُ إلا عن ثقَة. وسُئل أحمد بن حَنبل عن حَديثِ جعفر بن محمّد، فقال: ما أقول فيه وقد رَوى عنه مالك؟ وسُئل يحيَى [¬٥] بن مَعين عن طَلْحة الأَيْلى وَجَماعةٍ [¬٦]، فقال: قد [¬٧] حدَّث عنهم مالِك. قال الأَثْرَم: (١) سألتُ [¬٨] أحمدَ بنَ حنبل، عن عَمرو بن أبي عَمْرو

стр. 200

مولَى المطِلَّب، فقال: يُؤَيّد أَمَره [¬١] مالكُ بنُ أَنَس، قد رَوَى عنه، وقَد ذكره البُخَاريّ في الصَّحيح وقال: قد رَوَى عنه مالك. باب في [¬٢] إجماع الناس عليه، واقتداء الأكابر به، وحاجتهم إليه قال مالك ﵀ تعلى - فيما رَوى عنه ابن وَهْب وابنُ القاسِم: ما أحَدٌ ممّن نقَلت عنه العلم إلا اضطَرّ إليَّ حتَّى سأَلني عن أمر [¬٣] دينهِ. قال ابن أبي حازِم: رأيتُ زيدَ بن أسلَم واقفًا يستفتيه. وقال مالك: قال لي يحيى بن سَعيد، حين خَرج إلى العراق: التَقِط لي مئةَ حديثٍ من أحاديث ابن شِهابٍ أرُوهَا [¬٤] عَنك، فكتَبتُها ثم دفعتُها إليه، فقال لي [¬٥]: أرويها عنك؟ قلت: نعم! قيل له: فسَمِعها منك؟ قال: كان أفقَهَ من ذلك. قال يحيَى بن سَعيد: التقَى مالكٌ والثَّوْرِيّ، فكان الثَّوريُّ يسأل مالكًا. قال مَعْن: رأيتُ الثَّورَى يُزَاحِمنا على بابِ مالك. قال مَطروح بن شَاكر: جلَسَ ابن شِهاب، وربيعةُ، ومَالك، فألقَى ابن شِهابٍ مسألةً، فأجاب (*) فيها ربيعةُ، وصمتَ مالك، فقال لَه ابنْ شِهاب: لِم لَا تجيبُ قال: قد أَجابَ الأُستاذُ، أو نَحْوَه، فقَال ابن شهاب: ما نَفتَرقُ

стр. 201

حَتَّى تُجيب، فأَجابَ بخلاف جَواب رَبيعَة، فقال ابن شِهاب: ارْجِعوا بنا إِلى قَول مالِك. قال الدّرَاوَرْدِيّ: بينَا أنا جالسٌ مع يَحيى بن سعيد الأنصارى، وهشام بن عُرْوة، إذ سِمعُت أحدَهُما يقول لِلآخَر: كم ذَا يكون هذا الرجُلُ بن أَظهُرِنا فَلا نَأْتِهِ نسمع منه، أو نأخذ عنه، فقلت في نفسي: إن رجلا ذَهَب هَاذان [¬١] للأخذ [¬٢] عنه لأهل أن لا أجهلَهُ، فَقَامَا، وَقمتُ [¬٣] معَهما، فأَتَيا باب مالِك، فاستأذَنا عليه، فلم نَلْبَث [¬٤] أن سَمِعنا وقْعَ الوَسائد وأذن لهُما في الدُّخول [¬٥]، فدخَلا ودخَلتُ معهما، فقالا: يا أبا عبد الله! حَدِّثْنا عن ابن شهاب. وكان سعيان الثّوريّ إذا سُئلَ [¬٦] عن شَاذّ الحَديث يقولُ [¬٧]: دَعُوه، فإن الحجازيّ نهانى عنه، يعني مالكا. قال يحيَى بن [¬٨] مَعين: سَمع يحيى بن سَعِيد القطَّان من مَالك في شَباب مالك. قال شُعْبة [¬٩]: دخلتُ المدينة سنةَ سبعَ عشْرَة بعدَ موت نافِع بسَنَةٍ، وفي بَعضها: سنة ثمانَ عَشْرةَ، وهو أَصَحّ، فرأيت مالكًا لهَ حلقةٌ، إذا اختَلَف الناس في شيء نظَروا إليْه ما يقول. قال القاضي محمد بن أحمد البَصْري: وفي هذه السنَة سَمِع شُعبَةُ من مالك، وسِنُّ مالك إذ ذاك نَيَّفٌ وعشرون سنةَ.

стр. 202

قال ابن أَبي أُوَيس: كانَ النَّاسُ كلُّهم يُصْدِرون عن رَأى مالك بن أَنَس، وكان لِلأميرِ عندَه رجلٌ يَسْأَله، وها كَذا لِلقاضِي [¬١] والمحْتَسِب. قال سَعيد بنُ مَنْصور: رأيتُ مالكًا يطوفُ وخَلْفَه سُفيانُ الثَّوْري يَتَعلَّم منه كما يَتَعلَّم الصّبِي من مُعَلِّمه، كُلَّما فعلَ مَالِكُ شَيْئًا يفعَلُه [¬٢] سُفْيَان، يَقْتَدِي به. وقال ابن عُيَينَة: ما نَحْنُ وَمَالِكٌ؟ إنما كُنّا نتَّبع آثارَ مَالكٍ، فإذا أَخذ [¬٣] عن الشَّيْخ أَخذْنَا عنه [¬٤]. وقال بعضُهم: كنت عند ابن عُيَينة فسأَله رجلٌ عن الضَّحِية باللّيل، فقال سُفيان: لا بأسَ به، فقُلت له [¬٥]: إن ابنَ وهب يَرْوِي عن مالك أنّه لا يُضَحَّى بليلٍ، وقرأَ "في أَيامٍ مَعْلُومَاتٍ". (١). فصَاح ابن عُيينة على الرَّجلُ [¬٦] وقال له [¬٧]: إِن هَذا أخبَرني عن ابن وَهب عن مَالكٍ أَنّه لا يُضَحّى بليل. وقد ذُكِر [¬٨] أن ابنَ وَهْب هو الذي حكَى لابن عُيَينة قولَ مالكٍ هذا. قال ابن عُييَنة: حَجَّ مالك فضاق [¬٩] الطواف بالنّاس يأتَموُّن به. قال يحيَى: قال الشافعي: أَفطرتْ بالمدينة عندَ مالِكِ، فخرج إلى العيد

стр. 203

وصلَّى ثم انصرَف [¬١] ونظَر إلى الناس عند بيْت النّبي، ﷺ ، [وهُو على باب المسْجِد، فقال: ما لَهم؟ قالوا: انصرفُوا يسَلّمون على النبي، ﷺ ] [¬٢]، فرجَع في الرَّحبة إلى الحَظِيرة التي يطْعَم فيها المساكينُ في رمَضان وتَرَك أن يَدخُل المسجِد، فرأَيتْ الناسَ قد خَرَجوا من المسجد يتَّبِعُون أيَن سلَك [¬٣]. وقال عتيق بن يعقوب [¬٤]: ما أجمعَ أهلُ المدينةِ على أحدٍ بعد النبي، ﷺ ، إلّا علَى أبي بكرٍ وعُمر، وماتَ مالكٌ وما نَعلَم [¬٥] أحدًا من أهل المدينة قَبْلَ مَوتِه إِلّا وقد أجمع عَليه. وقال حُمَيد بن الأسوَد: ما تقلَّد أهلُ [¬٦] المدينَة بعْدَ قول [¬٧] زَيد بن ثابتَ كما تَقَلّدُوا قولَ مالك. وقال ابن أبي أُوَيس: حَضرتُ الاستِسْقَاء بالمصلَّى، فلما حَوَّل الإمامُ رداءه، قام مالك فحوَّل ساجًا عيله، فقام الناسُ فحوَّلوا أَرديتَهم؛ فلما انصَرف مالِكٌ قيل له: أَمِن سُنّة الاستسقاء، إذا حَوَّل الإمامُ، أن يقوم الناسُ فيحَوِّلُوا أَرديتهم؟ قال: ليسَ عليهم قيامٌ، ويُحَوّلُون قُعودًا [¬٨]، وإنما وَقفْتُ لأن سَاجى كان تَحتِي، فلم أَقْدِر على تَحويله حتّى قُمت [¬٩]. قال مَروان بن محمد: ما ترك مالكٌ الرواية عن أحد إلا ضُعِّف. قال ابن كِنَانة: قال العمري (١) لِمالك: با يَعَنى [¬١٠] أهلُ الحَرَمَيْن،

стр. 204

وأنتَ ترى ظلم أبي جَعفر، فقالَ له مالك: أتَدْرِي ما الذي منَع عُمر بن عبد العزيز أن يُوَلّي رجُلا صالحًا بعَده؟ قال: لا، قال: كانَت البيعةُ ليزيد، فخافَ عمر إن بايَع لَغيره أن يُقيم يزيد الهَيْج، (*) ويقاتِل الناس، فيُفْسِد ما لا يُصْلَح فاحتَمل لعُمَرِيٌّ على رأي مالك. وقال سفيان: كان مالكٌ سِراجًا؛ حَجَّ الثوريُّ فطُفْت منه فلم يَكن معَه كَبِير أحَد، وقَدِم مالكٌ فطَاف بالبَيت فضَاق الطَّواف بالنّاس، يعنى لكثرتهم. ولما روَى مالكٌ عن يَزيد بن عَبد الله بن الهَادي، رَحل إلى يَزيد قريبٌ من أَلف راحلَة، فلما أصبَح يَزيد ونظَر إلى كَثرة من غَشِيَ بابه قال: ما هذا؟ قيل له: إن مالكًا قد روى عنك. وقال دَاود بن مهران: لما أتيتُ المدينةَ حضرت جنازةً، فلم يبَق أحَد منهم، من بني هاشم ومِن قريش والنَّاسِ إلا حَضَرها، فلمّا أُخْرِجت الجنازة، قام مالكٌ وقام الناس لقيامه، فمضى ماشيًا بين يديها، وتبعه الناس؛ فما رأيت أحدًا خلف الجنازة، ومالكٌ أمامهم. وقال الليث: إني لأدعو لمالكٍ في صلاتي، وذكر من حاجة الناس إليه في الفُتْيا. قال الشافعي: رأَيتُ المُغِيرة، وابنَ أبي حَازمٍ، والدَّرَاوَرْدِيّ يذهبون مَذْهَب مالك. قال ابن وهب: سألت عبد العزيز بن المَاجِشون عن مَسْألة فقال: ما يَحْضرنى فيها جَواب، ولكن سَل مالكًا وأخبرني بما يقول. فسألته

стр. 205

وأخبرته، فقال: مالك سَيّدنا وعالِمنا. وذكَر عبد العزيز [¬١] بن المَاجِشون مَسْألة اختَلَف فيها قولُ أبيه وقول مالك فقال: وَبِقَول مالكٍ أقول، وأَميلُ مع مالك حيثُما مالَ؛ فإنّه كان موفَّقًا. قال خالد بن نِزَار: زار مُسْلِم بن خَالِد الزّنْجِي [¬٢] (١) مالكًا، فقال له مالك: يا مُسْلم! ما هذه الأشياءُ التي بلغني عنكم تخالفون فيها أهلَ المدينة؟ قال: يا أبا عبد الله، أصلحك الله! إني قد جمعتُ أشياء أريد أن أسأَلك عنها. قال مالك: هَاتِ! أما إني أُحبّ أن يُرْشِدكم الله، ولكنّي أَكره أن تُخالِفوا أهلَ المدينة إلى غيرهم. قال محمد بن الحسن الشَّيْباني [¬٣]: أَقَمتُ على باب مالك سنتين أو ثلاثًا أَسمَعُ منه، وكان يقول: إنه سَمِع منه لفظًا أكثرَ من سبعمائة حديث. وقال يحيى بن يحيَى التَّمِيمي: أَقمتُ عند مالك بن أَنَس بعد كمال سماعِي منه سنةً، أتعَلَّم هَيْئَتَه [¬٤] وشمائله، فإِنَّها شمائل الصَّحابةِ والتَّابعين، أو نحوَ هذا. وقال محمد بن عبد الحَكَم: كان الشّافعيُّ إذا سُئِل عن شيء يقول: هذا قَوْلُ الأستاذ، يعني مالكا. وقال فيه: مالكٌ أستاذي، ومالكٌ معَلِّمي، وعنه أخَذْنَا العِلم، وما أَحَدٌ أَمَنَّ عليّ من مالك، وإنما أنا

стр. 206

غلامٌ من غلمان مالك، وجَعَلْتُ مالكًا حجةً بيني وبين الله تعالى. وقال ابن وَهب [¬١]: لولا أن الله تعلى استنقذنا بمالكٍ واللَّيث لضَلِلْنا. وسُئل مالكٌ عن عبد الله بن عَبد الرحمان الأنصَاري الذي يُحَدِّث عَنْه ابن سَمْعَان (١)، فقال: مَا أَعْرِفُه، فقَال الناس: رَجُل من أهل [¬٢] المدينة من الأَنصار، ويُرْوَى [¬٣] عنه، لا يَعرِفْه مالك؟ فاتَّهمَه النَّاس. قَال على [¬٤] بن المَدِينيّ: إذا حَدّث مالكٌ عن رَجُلٍ من أَهْل المَدِينَةَ، ولا نَعرِفه [¬٥]، فهُو حُجَّةٌ؛ لأنه كان ينتَقِى. وقال عليٌّ: مالِكٌ أُستَاذِي في أهلِ [¬٦] المدينة، ويَحيَى في أَهل العِراق. وحكَى بعضُ من ألَّف في مناقبه: أن ابنَ هُرْمُز مرَّ بدار بعض أهل الأقَدار، وهُو واقف مع مَولاةِ له، فقال ابن هُرْمُز: يا هَذا! إنَّك على الطَّريق، وليسَ يَحِلُّ هذا لك. فقال: هذِه دارِي، ومَولاتي وحَشَمِى، فما يُنْكَر على مِثْلِى؟ [¬٧] وقال لعَبيده: طَئُوا بَطْنَه، فوطِئُوه حتى حُمِل إلى مَنزِله. فعادَه النّاسُ وفيهم مَالك، فجعل يشكو، والنّاسُ [¬٨] يدعُون له، ومَالِك ساكِتٌ، ثم تكلّم فقال: إنّ هَذا لم يكن لك، تَأتى إلى رَجُل من أَهل القَدْر على بابِ داره، ومعه حَشَمُه ومَواليه.

стр. 207

فقال له ابن هُرمُز: فتُرَى أنّي [¬١] أخطأت؟ قال: إي والله وذكَر باقي الحكاية. ولما قَدِم حَمَّادُ بن زَيد المدينةَ لم يأتِه أحَدٌ من أصحاب مَالك، فراحَ حَمّاد فشكَا ذلك إليه، فقال له: أنا أمرْتُهم بذلك، قال: ولِمَ يا أبا عَبد الله؟ قال: لأنكم يا أهلَ العراق تكتُبون بالمَدينة عمن لا شهَادة له عندنَا، فنَتَوهّم (*) عليكم [¬٢] أنكم تَفْعَلون هاكَذا في بلادِكم، فرَجع حَمّاد فَأَسقَط عَامّةَ عِلْمِه [¬٣]. قال سُحْنون: جاء وافد من [¬٤] أهل مِصْر بسؤالاتهم لِرَيعة، فوَجَدهُ قَد مات، قال: [فلم أُرِدْ أَن أَرجع بغير جواب، فرأيت] [¬٥] في المسجدِ حَلْقة يَخُوضون في العلم، فجلست إليهم وأخبرتهم أمري، وقلتُ لهم: إن كان عِندكم علمٌ فأجيبوني [¬٦] أو فأرشِدُوني [¬٧]. فأشارَ جَميعُهم إلى [¬٨] مالك بن أنَس، وهو يومئذٍ شَابٌّ جالِسٌ إلى عمودٍ وَحدهُ، ولم أدَعْ حلقةً إلا جلسْت إليها، وسأَلتُهم، فكُلُّهم يَدُلُّني عليه، فأتَيْتُه فأخبرتُه بخبَري وبما دَلَّني القومُ عليه؛ وذكر أنه سَأله، فكُلَّما قرأ عليه مسألةً بكى ثم أجابَه. قال سحنون: بكَى حين عرفها، وعَرَف أنه احتِيَج إليه فيها.

стр. 208

قال المغامى [¬١] عن عبد الملك: سَمِعت مُطَرِّفًا وابنَ الماجِشُون يقولان عن مالك [¬٢] في أمَّهات الأولاد، إذا اسُتحقِقْن: إنهن يؤخَذن وقيمةُ أولادهن، حتى استُحِقّت أُم ولَده مُحمَّد، وتخاصَم [¬٣] فيها وكيلْ المستحِق مع وَكيل مالكٍ عندَ المطّلب والى المدينة، فقال المطلّب: ما أرى أحدًا أَستشيره [¬٤] في أمره غيرَه، فقال وكيلُ الطالب: تستشيره في أمرٍ نَزَل به؟ فقال المطّلب: ليسَ مثلُه يُتَّهم، ولو كانَ صاحبُه حاضرًا استَشَرناه، يعنى ابنَ أبِي سلَمة. فاستشار مالكًا في ذلك فقَال: قد [¬٥] كان مِن رأيي في ذلك ما قَد علمت، وجَرَى في الناس، حتى رأيتُ أمرًا شديدًا؛ يُعمَد إلى أُمِّ وَلدي، فتُستخْرَج من تَحتى، وإنما اشتَريتُ من سوق [¬٦] المُسْلمين [فتحمل على زربون] [¬٧] (١) أَنا أَفديها يجميع مالى، [وما ظُلِم من دُفِعَتْ إليه القِيمَة] [¬٨]. فحكم بذلك، فما سُرَّ أَهلُ المدينة بشيءٍ [¬٩] سُرورَهم بِهذه الفُتْيا. وفي "الثمانية" (٢) و "الواضِحَة" مثلُه، وأَنه قولُ ابن كِنانة وابن [¬١٠] الماجِشُون.

стр. 209

قال أبو محمد الضَّرَّاب وغيره: روَى [¬١] عن مالك جماعةٌ من الشيوخ الذين روى عنهم، منهم: يحيى بن سَعِيد الأنصاريّ (١). وأبو الأسود بن نَوْفَل (٢) وزياد بن سعد (٣). وابن شهاب. وهشام بن عروة. وربيعة، إلى آخرين سِواهُم. وأما من روى عنه من أقرانه ممن مات قبله أو بعده فكثير. كا بن جُريج. وابن عجلان (٤). والدَّرَاوَرْدي (٥). وعبد الله بن جعفر المديني [¬٢] (٦). والليث. ونافع القاريء. وعبد العزيز بن الماجشون (٧).

стр. 210

والسفيانين (١). والحمادين (٢). والزنجي [¬١]. وأبي حنيفة. وصاحبيه (٣). ووكيع (٤). وشعبة. والأوزَاعِي، وسِواهم ممّن سَنذكرهم بعدَ هذا. قال غيرُه: ففِي رواية هَؤلاء المشيخةِ وأمثالِهم عن مَالك دليلٌ على عِظَم شأنِه. قال جَعْفَر الفِرْيابيّ: لا أعلَم أحدًا روَى عنهُ الأيمةُ والجِلّة [¬٢] ممن ماتَ قبلَه بدَهْرٍ طويل إِلّا مالكًا [¬٣]، فإن يحيَى بن سَعيدٍ مات قبلَه بخمسٍ وثلاثين سنةً، وابن جُريج بثلاثين سنةً [¬٤]، والأوزاعيّ بعشرين، والثَّوْرى

стр. 211

بثمانَ عشرة، وشُعبة بسَبْع عشرة [¬١]. قال القاضي [¬٢] الإمام أبو الفَضل ﵁: وأبو حنيفة بثلاثين سنة، وهَمّام [¬٣] (١) بأكثر من ذلك، وأغرب من هذا [¬٤] الزُّهريّ، توفى قبلَ مالكٍ بخمس وخمسين سنة. قال أبو الحسَن الدَّارُقطني: لا نعلم [¬٥] أحدًا تقدَّم أو تأخَّر اجتمَع له ما اجتمع لمالك، وذلك أنه روى عنه رجُلَان حديثًا واحدًا بينَ وفاتَيْهما [¬٦] نحوٌ من مئة وثلاثين سنةً: مُحمد بن شهاب الزُهري شيخه، تُوفى سنةَ خمسٍ وعشرين ومائة، وأبو حُذَافةَ السَّهْمي، توفى بعد الخمسين ومائتَين، رَويا عنه جميعًا حديث الفُرَيْعَة (٢) بِنتِ مالِك في سُكْنَى المعْتَدَّة (٣). باب تحريه في العلم والفتيا والحديث وورعه فيه وإنصافه قال عبد الرّحْمان العمَري: قال لي مَالك: رُبَّما وردَت عليّ المسألةُ تمنعني من الطَّعام والشَّراب والنَّوم، (*) فقلتُ له [¬٧]: يا أبا عَبد الله! والله [¬٨] ما كلامك عند الناس إلا نَقْش [¬٩] في حجر، ما تقولُ شيئًا إلا تلقَّوْهُ منك.

стр. 212

قال: فمَن أحقُّ أن يكون كذَا [¬١] إلا من كان هَكذا؟ فرأيتُ في النَّوم قائلًا يقول: مالكٌ مَعصومٌ. قال ابن القَاسم: سمعتُ مالكًا يقولُ: إني لأُفكّر في مسألةٍ منذُ بضعَ عَشْرَةَ سنَة، فما اتَّفَق لي فيها رأيٌ إلى الآن. وقال ابن مَهدي: سَمِعت مالكًا يقُول: رُبّما ورَدَت عليَّ المسألة فأَسهَرُ فيها عامَّةَ لَيْلَتي [¬٢]. قال ابن عَبد الحكم: كان مَالِكٌ إذا سُئل عَنِ المسْألة قالَ للسائل: انصَرِف حتى أنظرَ فيها. فينصَرِف ويتردد فيها، فقلْنا لَه في ذلك، فبكَى وقالَ: إني أَخَافُ أن يَكون لِي من المسَائل يومٌ وأَيُّ [¬٣] يوم. [قال قراد [¬٤]: كان مالكٌ إِذا جلَس يُنكّس رأَسَه، ويُحرّك شفتَيه بذكر الله، ولم يَلتَفت يمينًا ولا شمالا، فإذا سُئل عن مسألةٍ تغَيّر لونُه، وكانَ أحمَر، بصفْرةٍ [¬٥]، فيصفَرُّ وينكّس رأسَه ويُحرّكُ شفَتَيه ثم يقول: ما شاء اللهُ لا حولَ ولا قُوة إلا بالله، فربما سئل عن خمسِين مسألةً فلا يُجيب مِنها في وَاحِدَةٍ] [¬٦]. وقال بعضُهم: لكأَنما مالكٌ، والله، إِذا سُئل عن مَسألةٍ واقفٌ بينَ الجَنَّة والنَّار.

стр. 213

وكان يَقول: مَن أحبَّ أنْ يجيبَ عن مسألةٍ فلْيَعْرض نَفسَه قبلَ أن يجيبَ على الجَنَّة والنار، وكيفَ يكونُ خَلاصُه في الآخرة، ثم يجيب. وقال: ما شئٌ أشَدُّ عليَّ من أَن [¬١] أُسأَل عن مَسألةٍ من الحلال والحَرام؛ لأن هذا هو القَطْعُ في حكْمِ الله، ولَقد أَدْركتُ أَهلَ العِلم والفِقْهِ ببَلدِنا وإِنَّ أَحدَهم إِذا سُئِل عن مسألةٍ كأنَّ الموتَ أَشرَف عليه [¬٢]، ورأيتْ أهل زَماننا هذا يَشْتَهُون [¬٣] الكلامَ فيه، والفُتيا؛ ولو وقفوا على مَا يَصِيرون إليه غَدًا لقَلَّلوا من هذا، وإنّ عُمر بن الخطاب، وعَلِّيًا، وعَلْقَمة: خيارَ الصحابة، كانَت تَرِدُ [¬٤] عليهم المَسائل، وهُم خير القرون الذين بعث فيهم [¬٥] النَّبيُّ ﷺ وكانوا يَجْمَعون أصحابَ النبي ﷺ : ويسألون، ثم حِينئذ يُفْتون فيها، وأهلُ زَمانِنا هَذا قد صَار فَخْرهم الفتْيَا، فبِقَدر ذلك يُفْتَح لهم من العِلم، قَال: ولم يَكن من أَمْر النَّاسِ، ولا مَن [¬٦] مضَى مِن سَلَفِنا [¬٧] الذين يُقْتَدَى [¬٨] بهِم، ومُعَوَّلُ [¬٩] الإسلام عَليهم، أن يَقولُوا هذا حلال وهذا حَرام، ولكن يَقولُون [¬١٠]: أنا أكْرَه كذا، وأرى كذا [¬١١]، وأمَّا حَلال

стр. 214

وحرَام فَهَذَا الافْتَراءُ [¬١] عَلَى الله، أما سمعتُهم [¬٢] قَوْلَ الله تَعَالى: "قُلْ أَرَأَيْتُم مَا أَنزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وحلالًا (١)، الآية؛ لأن الحلالَ ما أَحلَّه الله ورَسُولُه، والحرامَ ما حَرَّماه. قال مُوسَى بن دَاود: ما رأيتُ أحدًا من العُلماء أكثَر أن يَقُول: لا أحسِن، مِن مالك، ورُبَّما سمِعتُه يَقُول: ليسَ هَذا ببلَدنا. قال مَروان بن محمد: كنتُ أرى مالكًا يَقول للرَّجل يَسأله: اذهَب حَتَّى أَنظُر في أمرك. فقلتُ: إِن الفِقْه مِن بَالِه، وما رَفعَه الله إلا بالتَّقْوَى [¬٣]. قال سُحنون: قال مالِك يومًا: اليومَ لي عِشرون سَنَة أَتفكّر في هَذه المسْألة. قال ابن مهدي (٢): سألَ رجُلٌ مالكًا عن مَسْألة، وذَكَر أَنَّه أرْسِل فيهَا مِن مَسيرة ستَّةِ أشهُرٍ من المغرب، فقال له: أخبر الذي أَرْسَلك أنه لا عِلْم لِي بهَا، قال: ومَن يَعلمُها؟ قال: مَن عَلَّمَه الله [¬٤]. وسَأله رجل عن مسألةٍ استَوْدَعه إياها أهلُ المغرب، فقال: ما أدري، ما ابتُلِينا بهذه المسألة في بَلَدنا، ولا سَمِعْنا أحدًا مِن أشياخنا تكَلَّم فيها، ولكِن تَعُود.

стр. 215

فلما كان من الغَدِ جاءه، وقد حَمَل ثِقَلَه على بَغْلةٍ يقُودها [¬١]، فقال: مَسْألتي؟ فقال: مَا أدرِي ما هِيَ؟ فقال الرجل: يَا أبا عبد الله! تركتُ خَلْفي من يقول: ليس على وجه الأرض أَعلمُ منك. فقال مالكً غيرَ مُسْتَوْحِش: إِذا رجعتَ فأَخبِرهم أني لا أُحْسِن. وسأله آخَرُ فلم يُجِبْه، فقال له [¬٢]: يا أبا، فقال له: يا أبا عبد الله أَجنى! فقال: وَيْحك! أَتريد أن تَجْعَلَنى حُجَّةً بينَك وبين الله؟ فأَحتاج أَنا أولًا أن أَنظر كيف خلاصي ثم أُخلّصك. قال ابن أبي حازم (١): قال مَالك: إِذا سَأَلك إِنسانٌ عن مسألةٍ، فابدَأ بنَفْسِك فأحْرِزها [¬٣]. قال الهَيْثَم بن جَمِيل (٢): شَهِدت مالكًا سُئِل [¬٤] عن ثمانٍ وأربعين: مسألةً، فَقال في اثنَتيْن [¬٥] وثلاثين مِنها: لا أدرِي. وقال خَالِد بن خِدَاش [¬٦] (٣): قدِمتُ من العِراق على مالك بأربعين مسأَلةً، فَما أجابَنى منها إِلا في خَمْسٍ.
следующие страницы →