← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

توفى ليلة الاثنين، منتصف جمادى الآخرة، سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة. مولده سنة ست وأربعين ومائتين. * * * محمد بن أحمد بن عبد الملك بن سلام (٦٠٦) معتق الامام هشام بن عبد الرحمان، يعرف بابن الزراد، قرطبي، يكنى بأبي عبد الله. روى عن ابن وضاح وصحبه، وعن ابن باز، وابراهيم بن هلال، والخشني، ونظرائهم، ورحل فسمع من على بن عبد العزيز وغيره. وكان كثير الجمع للكتب، والرواية، مع فضل وورع، وكان الزهد وأمر الحسبة (٦٠٧) والعبادة أغلب عليه من العلم، ولم يكن له ضبط لكتبه، وسمع منه. وتوفى سنة خمس، وقيل أول جمادى، سنة أربع وثلاثمائة، وسنه اثنان وستون سنة. ومولده سنة اثنين وأربعين ومائتين. * * * محمد بن عبد الله بن محمد بن قاسم (٦٠٨) قرطبي، أبو عبد الله. سمع من بقى، وعنه جل أخذه، وعن عمه قاسم، وكان منسوبا إلى الزهد والانقباض، غلبت عليه الرواية.

стр. 1507

روى عنه عبد الله بن حنين، وخالد بن سعد وغيرهما. توفى سنة اثنتى عشرة وثلاثمائة. * * * محمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن محمد (٦٠٩) يكنى أبا عبد الله، سمع من أبيه، وبقى، وابن وضاح، والخشنى، وابراهيم بن هلال، والفرضى، ومطرف بن قيس، وجماعة سواهم. ورحل فسمع بالقيروان ومصر والعراق من جماعة، كالنسائي، وابن زغبة، وأبى خليفة الجمحي، وأبى يحيى الساجي، وأبي جعفر فطين، وابن بنت منيع، ويوسف بن منيع، ويوسف بن يعقوب القاضى، وصالح بن حنبل، وغيرهم. وعدة رجاله مائة وثلاثة وستون رجلا. قال أبو محمد الباجي: ولم أدرك فى الشيوخ أكثر حديثا - منه، وكان عالما بالفقه، متقدما في علم الشروط، مشاورا في الأحكام من رأس الثلاثمائة، ثقة، صدوقا، سمع منه الناس كثيرا، وكان يملى عن ظهر نحوا من خمسمائة حديث. وتوفى منصرفه من الغزاة، سنة سبع وعشرين فجيء به إلى قرطبة لثلاث من موته، فدفن بها يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذى الحجة. مولده سنة ثلاث وستين ومائتين. * * *

стр. 1508

محمد بن مسور (٦١٠) ابن عمر، بن محمد، بن علي، بن مسور، بن ناجية، بن عبد الله، بن يسار، مولى الفضل بن عباس بن عبد المطلب، أبو عبد الله، قرطبي. روى عن محمد بن وضاح كثيرا، وعن ابراهيم ويحيى ابنى هلال، وابن باز، ومطرف بن قيس، وعامر بن معاوية القاضي، ووهب بن نافع، والخشنى وغيرهم. وحج قديما، فلم يسمع الا من يحيى بن عمر، وأدرك يونس بن عبد الأعلى، ولكنه لم يسمع منه. وكان ضابطا لكتبه، ثقة فى روايته، حافظا للفقه مقدما فيه، عالما بالوثائق، مشاورا فى الأحكام، من رأس ثلاثمائة، فاضلا متدينا خاشعا * حليما عاقلا، يكثر العمل والذكر، لا تلقاه الا محركا شفتيه بالذكر والقرآن. كان أحمد بن خالد يفضله ويثنى عليه، وأثنى عليه غير واحد، وكان حسن النية والصحبة، وولى قضاء وادى الحجارة مدة طويلة. وتوفى سنة خمس وعشرين وثلاثمائة. وقد زاد على خمس وثمانين سنة. * * * قاسم ابن أصبغ (٦١١) "البياني" ابن محمد بن يوسف بن ناصح بن عطاء، مولى الوليد بن عبد الملك بن مروان، من أهل قرطبة، يكنى أبا محمد، ويعرف بالبياني. بباء بواحدة مفتوحة، وبعدها ياء باثنتين مشددة، وبعد الألف نون منسوبة.

стр. 1509

وبيانة من عمل قرطبة. سمع بقرطبة من بقي بن مخلد، والخشني، وابن وضاح، ومطرف بن قيس، وأصبغ بن خليل، وابراهيم، وعبد الله بن مسرة، ومحمد بن عبد الله بن الغازى. ورحل الى المشرق مع ابن أيمن، فأدرك الناس متوافرين. سمع بمكة من محمد بن اسماعيل الصائغ، وعلى بن عبد العزيز. وببغداد والعراق من القاضى اسماعيل، والقاضي اليزنى، وابن أبي خيثمة، ومحمد بن اسماعيل الترمذى، وعبد الله بن حنبل، وابن قتيبة، والكريمى، وجعفر بن محمد الطيالسي، والحارث ابن أبى أسامة، وابن شاذان الجوهرى، والمبرد، وثعلب، ومحمد بن الجهم السمرى، في آخرين. وبمصر من محمد بن عبد الله العمرى، وأبي الزنباع روح بن الفرج المالكي، ومقدام بن داود المالكي. وبالقيروان من بكر بن حماد، وأحمد بن يزيد، في آخرين بعد ذلك. وانصرف الى الأندلس، بعلم كثير، وسكن قرطبة، وكان له بها قدر عظيم، وسمع منه الناس ومالوا اليه. وسمع منه الناصر لدين الله أمير المومنين عبد الرحمان بن محمد قبل ولايته، وولي عهده الحكم الحكم ابنه. وطال عمره فلحق الأصاغر فيه الاكابر، وشارك الآباء فيه الأبناء وكانت الرحلة اليه فى الأندلس والى أبي سعيد بن الأعرابي بالمشرق. قال ابن حارث: لقد دخل عليه اسماعيل بن القاسم الأندلس، قريب عهد بمشيخة العراق، فاهتبل بأمر قاسم، واختلف اليه مدة، وأخذ عنه، وكانت له عناية تامة، ورواية واسعة وكتب متقنة، وكان ثبتا صادقا.

стр. 1510

قال ابن الفرضى: وكان قاسم بصيرا بالحديث والرجال، نبيلا في النحو والغريب، وشوور في الأحكام. قال ابن أبي دليم: وغلبت عليه الرواية والسماع. وذكره أبو اسحاق الشيرازى فى أئمة المالكية في كتابه. قال أحمد بن عبد البر: كان شيخا صدوقا، ماجدا، حليما، طاهرا صحيح الكتب. وصنف قاسم في الحديث مصنفات حسنة (٦١٢) منها مصنفه المخرج على كتاب أبي داود. واختصاره المسمى بالمجتبى، على نحو كتاب ابن الجارود المنتقى، وكان قد فاته السماع منه، ووجده قد مات، فألف مصنفا على أبواب كتابه، خرجها عن شيوخه. قال أحمد بن حزم: وهو خير انتقاءا منه (٦١٣). "ومنها مسند حديثه، وغرائب حديث مالك، ومسند حديث مالك من رواية يحيى" (٦١٤). ومنها كتابه في أحكام القرآن، على أبواب كتاب اسماعيل القاضي وكتاب فضائل قريش، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاب الأسباب، وكتاب بر الوالدين. وتوفى فى منتصف جمادى سنة أربعين وثلاثمائة، وسنه اثنان وتسعون سنة وخمسة أشهر غير ستة أيام. وكان تغير ذهنه آخر سنة سبع وثلاثين الى أن مات، وأول ما عرف منه، أنه كان مسايرا لأصحابه يوما، فلقى جمل حطب، فقال لأصحابه: هذا الفيل! فعوجوا عن طريقه، وزال عن الطريق.

стр. 1511

وحفيده قاسم بن محمد بن قاسم: حدث عن جده، وسمع منه ابن الفرضى وغيره (٦١٥). * * * محمد بن أصبغ أخوه (٦١٦) كان دون أخيه قاسم فى السن بقليل، ومات قبله بسنين * كثيرة. سمع من بقى، وابن وضاح، وأصبغ بن خليل، والخشني، وابن باز، ومطرف بن قيس، وعبر الله بن ميسرة، ومحمد بن عبد الله بن الغازي. وكان عالما بالحديث حافظا للرأى، بصيرا بالنحو، بليغا، متفننا في ضروب من العلم، حسن الخط، ضابطا. قال ابن أبى دليم: كانت له مناظرة ودراسة وحفظ للمذهب، وجمع لفنون من العلم. قال ابن حزم: وكان بصيرا بالحديث والفقه، متفننا، عاقلا، أديبا، حدث عنه أخوه قاسم. توفى سنة ست وثلاثمائة ومولده في ربيع الأول سنة خمسين ومائتين (٦١٧). * * * محمد بن أحمد الجبلي (٦١٨) قرطبي، يكنى أبا عبد الله. سمع بقي بن مخلد، وابن وضاح، والخشني، وأحمد الفرضي.

стр. 1512

وكان حافظا للرأى، عالما بالأحكام، وألف في ذلك كتابا فيما يجب على الحاكم عمله (٦١٩). وأخذته ريح فأبطلته فلزم بيته، فكان يجتمع إليه للمناظرة، ودعى للشورى فأبى أن يتقلدها، وله مختصر حسن في المدونة. وقال ابن حارث: كان ممن رسخ فى العلم والفقه والفرائض، ودعى للشورى فامتنع، وكان من فضلاء المسلمين. "قال ابن أبى دليم: وجمع الكتب، وحفظ المذهب، وكان حسن الفرائض، من فضلاء المسلمين" (٦٢٠). توفى فى شوال سنة عشر، ويقال ثلاثة عشرة وثلاثمائة. * * * ثابت بن يزيد بن يحيى (٦٢١) قرطبي، سمع ابن وضاح، والخشني، وعبيد الله بن يحيى، والفرضي، والأعناقي، وابن خمير، وابن أبي تمام، وابن معاذ، وابن أبي الوليد الأعرج، وغيرهم. وله كتاب فى فضائل الجهاد، حسن. وكان من أهل الفتيا والاحسان بالشروط (٦٢٢)، وكان يميل الى الحديث. توفى سنة ثمان عشرة وثلاثمائة.

стр. 1513

محمد بن عبد الرحمان (٦٢٣) مولى بنى أبي عيسى، له عناية بالجمع والرواية وحسن الضبط، وكان من أولى السمت، سمع ابن وضاح وغيره، وكانت له رواية تامة، وهي الأغلب عليه. * * * محمد بن عبد الملك بن أيمن بن فرج (٦٢٤) من أهل قرطبة، يكنى أبا عبد الله. سمع من ابن وضاح، والخشنى، وابراهيم ويحيى ابني هلال. وابن باز، وعبد الله خالد، ومحمد بن يوسف بن مطروح وغيرهم. ورحل سنة أربع وسبعين، مع قاسم بن أصبغ، وابن أبي عبد الأعلى، فسمع بمصر من المطلب بن شعيب، والمقدام بن داود، وبمكة من على بن عبد العزيز، والصائغ، وببغداد من أحمد بن زهير، واسماعيل القاضى، وعبد الله بن حنبل، وأبى اسماعيل الترمذي، ومحمد بن الجهم السمرى، والدورى وجماعة. وشارك قاسما في رجاله كلهم، وكان فقيها بارعا حافظا للمسائل حسن القياس. تقلد الفتيا والمشاورة فى الأحكام أكثر من أربعين سنة، وانفرد مدة بذلك، وكان المنظور اليه، وحدث عنه جماعة، وتقلد الصلاة بقرطبة، وذهب بصره آخر عمره. قال محمد بن يحيى بن عبد العزيز: كان ابن أيمن اماما، ألف مصنفا في السنن على تصنيف أبي داود، أخذ عنه، وكان كل بيت مغمورا معه بجاهه وفقهه وسننه، لا يطمع أن يؤخذ بقول غيره.

стр. 1514

وكان اذا قال قولا فخولف قال: حسبكم أن تسمعوا ما أقول وتقبلوا، لفقهه، ودربته فى الفتيا، وموت من تقدمه. قال أبو عثمان الأعناقى: لما ولى محمد بن سلمة القضاء، وكان لى صديقا، رأيت بعد مدة صلته وقصده، فاقيت في طريقي محمد بن أيمن، فقال لى: الى أين؟ فعرفته. فقال: كلا يا أبا عثمان البتة البتة، يعنى: تطلب الدنيا وتجالس القضاة! فكأنما نبهني من غفلة، فرجعت الى دارى، ولم أعد الى مثلها بعد. وكان ابن أيمن يكثر من قول البتة * البتة، لا يخلو كلامه منها. وذكر أنه مر يوما بأزقة بغداد، هو وقاسم بن أصبغ، وابن أبي عبد الأعلى، وكانوا مترافقين (٦٢٥) ليسيروا الى شيخ للسماع منه، فاذا في طريقهم بطفل قد نبتت أسنانه، وقد أخرجه أهله، ونثروا عليه الفاكهة، على عادتهم، وينتهبها من حضر، فقال قاسم: هذا رزق رزقه الله. فأخذ هو وابن عبد الأعلى فيمن أخذ، وأكلا، وأمسك ابن أيمن، وقال: هذه نهبة لا تحل. ثم وصلوا إلى الشيخ، فسمعوا منه الى ارتفاع النهار إلى الظهر، وأضر الجوع بابن أيمن، فسألهما: هل بقى عندكما من ذلك شيء؟ فقالا له: وأين قولك؟ فقال لهما: ليس مع الاضطرار اختيار. وتوفى ليلة السبت، منتصف شوال، سنة ثلاث وثلاثمائة. مولده أول ذى الحجة سنة ثنتين وخمسين ومائتين.

стр. 1515

محمد بن ابراهيم بن مسرور (٦٢٦) يعرف بابن الجباب، أبو عبد الله، قرطبى. يروى عن بقى، وابن وضاح، والخشنى وقاسم بن محمد وغيرهم، ولم يرحل، وكان حافظا للفقه، بصيرا بالوثائق، عالما بالأقضية والأحكام. وكان صاحب وثائق الناصر أمير المومنين، وذا رياسة وقدر جليل، حدث، وشوور، وكان صليب القناة ذا دهاء. وتوفى سنة تسع عشرة، وقال ابن عبد البر: بعد عشرين وثلاثمائة. * * * عبدون بن محمد بن فهر (٦٢٧) ابن الحسن، بن على، بن أسد، بن محمد، بن زياد، بن الحارث ابن عبيد الله، بن عدى، الجهني، أبو الغمر، قرطبي رحل مع الأعناقي وابن خمير، فسمع من يونس وابن عبد الحكم وغيرهما من المصريين. وقد روى عنه محمد بن لبابة. وولى قضاء الجماعة بقرطبة يوما واحدا، وكان غائبا بضيعته حين الولاية، فخدم الوزراء أمر الحبيب بن زياد، فانصرف رأى الأمير عبد الله الى تولية الحبيب، وكان ذا فقه وعناية. وتوفى ليومين مضيا من شوال، سنة خمس وعشرين، وقيل سنة أربع، وثلاثمائة، قال ابن الفرضي: هو أصح.

стр. 1516

أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمان (٦٢٨) ابن عبد الحميد، بن ابراهيم، بن عيسى، بن يحيى، بن يزيد هولى معاوية بن أبي سفيان، قرطبى. سمع من ابن وضاح وأكثر عنه، ومن ابراهيم بن قاسم، ومطرف بن قيس، والفرضى، والخشنى، وعبد الله بن مسرة، والأعناقي، وابن خمير، وابن لبابة، وأسلم القاضى، وغيرهم. ورحل فى حداثته حاجا، فلم يسمع في رحلته. وكان فاضلا خيرا وقورا ضابطا لكتبه، متقنا لروايته، حافظا للفقه، مشاورا. قال ابن أبى دليم: وكان ثقة صدوقا، ذا جمع ورواية وقلد تفريق الصدقات، وسمع منه، وفلج آخرا، ومكث بذلك سنين الى أن مات. قال ابن الفرضى: سمعت محمد بن أبى دليم والباجي وغير واحد من شيوخنا يثنون عليه ويوثقونه. توفى سنة خمس وعشرين وثلاثمائة. * * * محمد بن ابراهيم بن عيسى (٦٢٩) أبو بكر، يعرف بأبي حمدان (٦٣٠) سمع ابن وضاح والخشني، وحج، وتقلد الشورى، ورأس بقرطبة، وكان شريف الهمة. توفى سنة ثمان وعشرين. * * *

стр. 1517

اسماعيل بن عمر بن اسماعيل (٦٣١) قرطبي، أبو الأصبغ، ويقال أبو القاسم، ويعرف بابن الزاهد (٦٣٢). سمع ابن وضاح، وابن مطروح ووهب، وابن نافع وغيرهم، وكان مشاورا فى الأحكام، ذا سمت ووقار، حدث، وكتب عنه، حدث عنه عباس بن أصبغ الهمذاني. توفى سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمائة أو نحوها. * * * أحمد بن محمد بن زياد بن عبد الرحمان شبطون اللخمي (٦٣٣) من بيوت العلم بقرطبة والجلالة، يعرف بالحبيب، ولى قضاء الجماعة بقرطبة، كنيته أبو القاسم، سمع من ابن وضاح وغيره. وأبوه أيضا، وعمه، ولى القضاء قبل هذا. قال ابن حارث: اتفق غير * واحد من علماء الناس وعقلائهم، أن الحبيب كان أكمل الناس أدبا، وأكثرهم عناية، وأقضاهم لحاجة بماله وجاهه، وأبرهم بالصديق، حسن السياسة، فقيها بالأمور عارفا بالأحوال، طلوبا اذا طالب، صبورا على المقارعة، لم يزل فى حداثته نبيها عند الكبراء، وشاوره الأمير محمد مع الفقهاء، وأرسله الأمير المنذر الى الاستسقاء بالناس، فأتيح له أن يسقى الناس وهم في المصلى، فتيمنوا به. وكان من أهل الزهد والغنى، ذكر أن أصل غناه كان من قبل القاضي ابن أسود، كان يحضه على ابتغاء الرزق، ويرشده إلى أبواب التجارة، فقال له الحبيب: وأنى لى بها ولا تصح الا بالمال الواسع، وليس عندى؟

стр. 1518

فسكت عنه مدة، الى أن سنح له مال جسيم، مبلغه خمسة آلاف من الأوقاف، فقال له: حرك هذا وربحه لك. ففتح عليه بما كان أصل ثرائه. وكان مطعما واسع الخوان، قلما يأكل وحده. قال ابن عبد البر: وكان كثير الصدقات، ذا هيئة حسنة وشارة، يصنع الدعوات الواسعة، ويحضرها شيوخ زمانه من الفقهاء وكبار العدول، فيوسعهم اطعاما. وكان يلتزم المبيت فى شهر رمضان من كل سنة في دار له بجوار الجامع. ومن عادته أن يبيت عنده فى كل ليلة عشرة من الفقهاء والوجوه، على نوبة، يفطرون عنده. وكان كثير السلف لمن سأله ذلك من أصحاب السلطان وغيرهم، ولا يسلف أحدا الا برهن كفاف، ولا يحرك رهينه فيه حتى يكون هو الذي يطلبه، ويفتكه. *** ولايته القضاء وسيرته ولاه الأمير عبد الله سنة احدى وتسعين، بعد تراء فيمن يوليه، وتعطل خطة القضاء للاستشارة مدة، فلم يزل قاضيا الى أن مات عبد الله، وولى حفيده الناصر عبد الرحمان بن محمد بن عبد الله، فأقر مدة يسيرة ثم عزله، وولى أسلم بن عبد العزيز، ثم عزل أسلم وأعاد الحبيب ولايته الثانية، وجمع له معها الصلاة، فتقلدهما الى أن مات. وكان السبب في عوده، أن أسلم لما ولى، آذاه في حاشيته، وكشفهم، واستقصى عليهم، حتى انه ركب بنفسه إلى منية الحبيب مع الفقهاء، فهدم عليه حائط منيته، فأخرج منها إلى الطريق صفين من

стр. 1519

شجر بقله. تصور الحبيب على ذلك الطريق، فآسفه بذلك. وحمله على معارضته. فسعى فى الرجوع الى قضائه، وتخدم بدرا الحاجب، فهيأ له ذلك. وكان بدر كارها فى أسلم. واتفق أن كتب أسلم مستعفيا، فعوفي. وولى الحبيب، فكافأ أسلم في صنائعه بسبب الودائع، كيل الصاع بالصاع. قال ابن حارث: لما ولى الحبيب القضاء، شده وحصنه، ولم يقبل الرأى ممن أشار به عليه من الفقهاء مرسلا. حتى كلفهم أن يقيده المفتى بخط يده، فكان أول قاض ألزم الفقهاء ذلك، ثم تكلف في دولته الثانية تأليف تلك الأقضية، فوضع منها عشرة أجزاء متهورة، فيها لمن نظر بلاغ من المعرفة، ودربة على الحكومة. قال ابن حارث: ولا بأس بعلمها ولا يقصر فى صوابها، أراد بذلك الاستغناء عن شيخ الفقهاء اذ ذاك محمد بن لبابة، واذ كان ما بينه وبينه غير صالح، فقعد الشيخ عن الاتيان اليه. وساعده صاحبه أبو صالح، فأظهر الحبيب الاستغناء عنهما بابن أيمن، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ، ومحمد بن الجباب، ومحمد بن بكر، ومن بعدهم، مدة من الدهر، الى أن سعى عمر بن لبابة في اصلاح ذلك بينهما، عند ما فسد ما بين الشيخين محمد بن لبابة وأبي صالح، فجمع عمر بينهما عند * أسلم بن عبد العزيز، وجعل شرطهما في الاصلاح، الاجتماع على ازالة محمد بن أيمن عن مكانته. وكان كثيرا ما ينكل بمن آذى ذوى الهيآت من صالح المسلمين، ويعاقب من شكوا اليه به منهم، دون بينة، حتى لقد كلمه ابن لبابة وأبو صالح فى ذلك، وسألاه اطلاق رجل سجنه فى ذلك، وقالا له: تحبس رجلا بدعوى خصمه!؟ فأبى من اطلاقه، وقال: كان أبى وعمى لا يلتمسان على من تشكى به أحد من أهل العلم والمروءة بينة. قال ابن حارث: ان كانت هذه الحكاية صحيحة فهي من الفلتات، ويلزم أباه وعمه اللذين قلدهما ما لزمه، فلا تقوم به حجة على مذهب

стр. 1520

الحق، وأفضل الناس دينا وعلما ومروءة ومنصبا، لو ادعى على أخسهم حالا فى كل ذلك فلسا، لم يعط بدعواه، فالذي هو أعظم من ذلك من الحبس والعقاب أولى. قال ابن عبد البر: وكان الحبيب على براعة خلاله (٦٣٤) ممن أهان خطة القضاء، بالركون الى السلطان ورجاله، والاستخداء اليهم (٦٣٥) والتردد على أبوابهم. فعوتب بذلك. على أنه كان بعيدا عن الدنيا، حافظا للأمانة، متبعا للسنة، معتمدا في أحكامه على مشورة الشيوخ الجلة، جاريا ألا يخرج القضاء عن حده. وذكر أن رجلا جاء الى الحبيب، فشهد عنده شهادة، فقال: منذ كم عرفتها؟ فقال: منذ مائة سنة. ذاهبا الى المبالغة. فقال: وكم سنك؟ فقال: ستون. فقال: كيف عرفت هذا قبل أن تولد؟ فقال: انما قلته على المثل والسعة. فدعا له بالشرط (٦٣٦)، فأدبه، ثم قال لو أن ابراهيم بن حسين ابن عاصم (٦٣٧) احترس من مثل هذا، ما صلب (٦٣٨) انسانا بغير حق، يريد الى الخبر الذي ذكرناه في خبر ابن عاصم.

стр. 1521

نوادر من أخباره ذكر ابن السليم أن ابن عبد ربه (٦٣٩) أثبت عند القاضي حبيب عقدا، وجب له التسجيل به والاشهاد على نفسه بانفاذه، فطلب له ثبتا في حكومته، فكتب له ابن عبد ربه أبياتا في أعلى جلد رق أبيض، وترك سائره، وأرسل به الى القاضى، ونص الشعر: تبرمت الوثيقة بالوثاق (٦٤٠) … وصار الروح منها في التراقى فلو أنصفتها نظرا وحزما … الى من بالمدينة والعراق لعل القوم يتفقون فيها (٦٤١) … وكيف لهم؟ وأنى باتفاق! فجاج العلم واسعة عليكم … وهن على ضيقة الخناق فلما قرأها القاضى، قال: ليس هذا من بابي، على بأبي صالح الفقيه، فعرض عليه الأمر وقال: ما الذى أراد بترك البيضاء تحت الشعر؟ فقال: ايعادك بأنك ان لم تمض حكمه ملأه بهجائك. فقال: نعوذ بالله من ذلك، وعجل التسجيل له وأرضاه. وكان الحبيب شريف الهمة، حكى أنه جلس الى مائدته رجل من بطانته من أهل السوق، وقد كان أخرج الرجل في كمه خبزا لغذائه، فأظهر مزاحا سمجا، وأخرج خبره من كمه وقال: أما أنا فأتيت بخبزى منه آكل. فقال له الحبيب: ويلك، ان كان كلامك مزاحا فعاره يبقى على الأبد. وقال لغلامه: خذ بيده وأقمه عن المائدة، فليس مثل هذا بشخص.

стр. 1522

وتوفى الحبيب سنة اثنتى عشرة وثلاثمائة "وهو يتقلد الصلاة والقضاء معا. وابنه محمد بن أحمد: قال ابن أبي دليم: عني بالمذهب والمناظرة فيه، وشوور، وتوفى سنة ثمان عشرة وثلاثمائة" (٦٤٢). * * * أسلم بن عبد العزيز (٦٤٣) ابن هاشم، بن خالد، بن عبد الله، بن حسن بن جعد، بن أسلم، ابن أبان، بن عمرو، مولي عثمان بن عفان، من أهل بيت شرف بالاندلس ونباهة، كنيته أبو الجعد. * قال ابن حارث: وكان أسلم عظيم القدر، شريف البيت، كريم الأبوة، رفيع الدرجة فى العلم، وعلو الهمة في الادراك والديانة (٦٤٤) والصحبة وبعد الرحلة في طلب العلم، معروفا بالنصيحة والاخلاص للأمراء. سمع بالأندلس من بقى، وصحبه طويلا. ورحل الى المشرق سنة ستين ومائتين، فلقى بمصر المزني، ومحمد بن عبد الحكم، ويونس، والربيع بن سليمان المؤذن، وأحمد ابن عبد الرحيم البرقي. سمع من على بن عبد العزيز، وسليمان بن عمران بالقيروان. وسمع منه عثمان بن عبد الرحمان، وعبد الله بن يونس، ومحمد بن قاسم، وغير واحد. وانصرف الى الأندلس، فنال الوجاهة العظيمة والدرجة الرفيعة. * * *

стр. 1523

ولايته القضاء وسيرته ولاه قضاء الجماعة، الناصر لدين الله، اول ولايته، وسط سنة ثلاثمائة، وكان معروفا بمذاهبه الحسنة ومروءته الكاملة. وأوصافه المحمودة، بعد الحبيب. وولى الصلاة محمد بن لبابة. الى أن استعفى سنة تسع وثلاثمائة فأعفاه، وولى الحبيب ثانية الى أن مات الحبيب، سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة، فأعاد أسلم عليها. قال ابن حارث: ولم يزل محمود السيرة، مشكور الفعال، في دولته الأولى، الى أن مل واستعفى، وذكر بالسالفين من عيون القضاة في ايثار الحق وامضائه، وكان صارما لا هوادة عنده مع مبطل، وكان في قضائه الآخر دون ما كان عليه أولا، اذ أعادوه وقد أدركه الوهن، وأخذت منه السن، الا أنه كان نافذ الفطنة، يقرأ عليه ما يحمله من علمه، فلا يشذ عليه من الصواب شيء، ولا يذهب عليه من دقيق المعانى ما يذهب على مثله، الى أن كف بصره، وعجز عن الحكومة، فوالى الاستعفاء والصرف عن نفسه، فعزل سنة أربع عشرة. وقد كان الناصر يستخلفه في سطح القصر اذا خرج لمغازية. قال ابن عبد البر: كان أسلم قاضيا مهيبا، صليب القناة، حسن السيرة، مشبها من مضى من خيار القضاة فى صدر الأمة، لا يقضى عن شبهة. وذكر الشيوخ أنه لم يل القضاء بعد محمد بن سلمة، أشد تثبتا منه وتصحيحا في حكمه، ولا أبعد من الظنة، من أسلم. وكان قعوده للقضاء فى أسطوان داره، وكان شديد الاغلاظ على المتهمين فى الشهادة، لا يدع مواجهة من اتهمه بذلك، لا يستحيى فيه أحدا، شديد المباينة فى الحق، قليل المداراة فيه، وربما أخرج ذلك بلفظ نادر يعجب بظاهره، وربما صرح بذلك وأبان عند الحاجة. ذكر أن فقيها شهد عنده شهادة استرابها فقال له أسلم: في نفسي من هذه القضية حزة.

стр. 1524

فقال له الفقيه: أعقد الآن شهادتى كما أديتها، ثم اصنع ما بدا لك. فقال: لا والله يا سيدى لا أفعل، لأنى اذا عقدتها وجب على الأخذ بها، وان لم أعقدها دفع الله عن المشهود عليه بأسها. فغضب الفقيه، وقال له: يا أبا الجعد! ما هذا خلق تبقى به لنفسك صديقا، لو تركته لكان أزين لك. فقال له أسلم: لست والله أدع طبعى حتى تدع أنت طبعك في شهادة الزور. ودخل عليه فقيهان مشهوران لأداء شهادة، فلما أخذا مجلسهما، ابتدرهما وقال: القوا ما أنتم ملقون. فاتهما أنفسهما، وتوقفا عن أدائها. وحكى ابن حارث، أن ابن معاذ وأبا صالح، أتياه يوما، فلما أخذا مجلسهما نظر اليهما أسلم، فقال: القوا ما أنتم ملقون. فأبهتهما. ودخل عليه محمد بن الوليد يوما فكلمه في شيء فقال له أسلم: سمعنا وعصينا. فقال له ابن الوليد: ونحن قلنا واحتسبنا. وأتاه في بعض مجالسه شهود، بعضهم من أهل المدينة * بقرطبة، وبعضهم من أهل شبلار (٦٤٥) من الربض الشرقي، يشهدون في ترشيد امرأة من الربض الغربي، فلما أخذوا مجالسهم وأعلمه الوكيل بالبينة، فتح أسلم باب الخوخة التي في المجلس الذي يجلس فيه بدهليزه، ونادى بأعلى صوته الى من بخارجه: أيها الناس! اجتمعوا. فاجتمع من حضر بابه، فقال: اسمعوا عجبا، لله در القائل حيث يقول:

стр. 1525

راحت مشرقة ورحت مغربا … شتان بين مشرق ومغرب! هؤلاء قوم من أهل المدينة وسلا، ويشهدون في ترشيد امرأة من ساكنات آخر بلاط مغيث (٦٤٦). ثم سكت، فدهش القوم، وتسللوا، وتسللوا لواذا، فجعل أسلم يقول: مساكين! أمروا فأتمروا، يعرض ببعض من كان يعتنى بالمرأة من الأكابر، وكان الشهود من صنائعه. وذكر أنه بلغه عن بعض الشهود المتهمين، أنه أرشى في شهادته ببساط، فلما أتى ليؤديها ودخل على أسلم، وجعل يخلع خفيه، يريد يريد المشى على بساط القاضي، ناداه: أيا فلان! البساط، البساط! تحفظ من البساط، الله الله! فتنبه لبيان أمره عند القاضى، ولم يجسر على أداء شهادته تلك. وكان القاضي أسلم، مع مهابته في قضائه، مداعبا متلطفا، ذكر أن أمرأة جميلة حسنة الهيئة، كانت تكثر عليه شكاة زوجها واضراره بها، ثم عاودته اثر صلح أوقعه بينهما، فقال لها: ما هذا والصلح قريب، وقد حكمنا لك عليه. قالت: انه زاهد في. فقال: اللهم عفوا، ليس هذا عمل القاضى، انما عليه فصل القضاء، وليس عليه رد الهوى، ولكنى أدلك على ما ربما ينفعك، اذهبي الى فلان يكتب لك كتابا للهوى: انطلقى عنا يا هوجاء. وكانت الأحباس في أيامه أوفر ما كانت وأوسعه، وكان يفرق مالها مرتين فى السنة، وهو أول قاض أحضر العلماء والعدول لتفريق مالها، وجعل لها أوقاتا يدعو المساكين لأخذها، وكان القضاة قبله يعطونها تفاريق (٦٤٧) داخل السنة لمن رأوه أهلها.

стр. 1526

وكان فى دولته الأولى لا يمكن أحدا من الحكام من الدخول في شيء من أحكامه، ولا يقضى عليه (٦٤٨)، وفى دولته الثانية لان قليلا، وكانت السن أخذت منه، ولم يعدم يقظته. قال ابن عبد البر: وقد سمعت شيوخنا من أهل العلم يقولون: ان من ولى عندنا القضاء مرتين انه فى الأولى أفضل من الثانية، الا ما كان من محمد بن سلمة، أحد قضاة قرطبة قبل هذا. ومن نوادر قضائه فى الصلابة الشادة، أن رجلا أعجميا ممن استنزل من الحصون المخالفة، كانت بيده حرة مسلمة، استجارت بالقاضي، فأجارها، وبدأ بالنظر فى أمرها، فاذا برسول الحاجب بدر، ومحله من الخليفة ألطف محل، يقول له: هؤلاء العجم استنزلناهم بالعهد، وأنت أعلم بما يجب من الوفاء لهم، فدع بينه وبين أمته. فقال للرسول: أخبره، الأيمان كلها لازمتى، لا أنظر بين اثنين حتى أنفذ على الأعجمى ما يجب عليه من الحق. فرجع الرسول الى بدر ثم جاءه يقول له: يقرئك السلام، ويقول لك: أنى لا أعترضك فى الحق، ولا أستحل سؤاله منك، ولكن تفتى بما يجب، وأنت أعلم بالواجب. وجاءه رجل من النصارى يستقيل لنفسه (٦٤٩)، فوبخه أسلم على ذلك، وعنفه، فبلغ من سخفه أن قال له: يا قاض! وتتوهم انك ان قتلتني أنى أنا المقتول؟ فقال له أسلم: فمن؟ قال: شبهى يلقى على جسد من الأجساد فتقتله، وأرفع أنا تلك الساعة الى السماء. فقال له أسلم: الذي تدعيه غائب عنا، والذي نخبرك به من تكذيبك غائب عنك، وثم وجه يظهر صدقه * لنا ولك. فقال له النصراني: وما هو؟

стр. 1527

فقال أسلم لأعوانه: هاتو السوط، وجردوه. وأمر بضربه، فجعل يقلق (٦٥٠) تحت السياط ويصيح، فقال له أسلم: فى ظهر من تقع هذه السياط؟ فقال: في ظهرى. فقال له أسلم: وكذلك السيف والله، يقع فى عنقك، فلا تتوهم غير ذلك. قال محمد بن عبد البر: كنت بين يدى أسلم، اذ أتاه فتى من عند الناصر، بعزله عن القضاء، فوجم وأطرق، ثم قال: الحمد لله الذي عافانا منها، فطالما سألته ذلك. قال: فأكدت بصيرته، وذكرته كثرة تمنيه العافية منها. وخاصم فقيه عند أسلم رجلا في خادم اعترفها، وجاء بشاهد أتى به من اشبيلية، فقال: يا قاض! هذا شاهدى، فاسمع منه، فصعد أسلم فى الشاهد نظره وصوب، وقال: أصلحك الله: محتسب أو مكتسب؟ فقال له الشاهد: أحسن الظن يا قاض، فليس هذا اليك، هذا الي الله ، المطلع على ما فى القلوب، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولم تقعد هذا المقعد لتسأل عن هذا وشبهه، وانما عليك أن تسمع الظاهر، وتكل الباطن الى الله تعالى، عالم السر والعلانية، ان شئت فاسمع الشهادة منى كما يلزمني أداؤها، ثم اقبلها ان شئت أو أضرب بها الحائط - زاد من طريق آخر على غير هذا السياق - ليس لك أن تكشف الستر المسدول بينك وبين الناس، فان هذا التغيير للشهود يوقف أولى الأنفة عن الشهادة عندك، والتعرض لاهانتك، وفى ذلك من ضياع الحقوق ما لا يخفى. فأخجل أسلم كلامه وقال له: لك ما قلت، فأد شهادتك يرحمك الله. قال: فأين الخادم، تحضر، حتى أشهد على عينها.

стр. 1528

فقال أسلم: وفقيه أيضا! هاتوا الخادم. فجاءت من عند الأمين، فلما مثلت بين يديه نظرا فيها مليا ثم قال: أعرف هذه الخادم ملكا لهذا الرجل، لا أعرف ملكه زال عنها بوجه من الوجوه، الى حين شهادتى هذه، سلام على القاضي. ثم خرج. وتوفى أسلم سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وهو معزول عن القضاة كما ذكرنا، وسنه سبع وثمانون سنة. ومولده سنة احدى وثلاثين ومائتين. * * * أحمد بن بقى بن مخلد (٦٥١) أبو عبد الله، وولاؤهم لامرأة من أهل جيان. سمع من أبيه خاصة، وهو صغير، وتركه أبوه ابن أربع عشرة سنة. وكان زاهدا، فاضلا، متفننا، وشوور في الأحكام مع عبيد الله ابن يحيى، آخر أيام عبيد الله، ثم بعده، وولى تفريق الصدقات والصلاة، ثم قضاء الجماعة، مقرونا مع الصلاة والخطبة، وذلك سنة أربع عشرة وثلاثمائة. * * * ذكر فضائله وأخباره قال أبو عبد الملك بن عبد البر: كان أحمد بن بقى حليما عاقلا، وقورا مسمتا (٦٥٢) لينا، هينا، يصلب في بعض أحيانه، غير أن اللين أغلب عليه، لم يكن بالأندلس قاض يقارنه فى الوقار والسكينة، يقدر من كظم غيظه وضبط نفسه على ما يقدر عليه غيره، ويدرك بعقله ما

стр. 1529

لا يدرك غيره بحفظه، وكثيرا ما كان يذكر على الشيوخ أشياء بجودة قريحته، فيرجعون فيها الى رأيه، وكان قبل قضائه معظما، يجلس اليه وجوه الناس فيسألونه، وكأن الطير على رؤوسهم، اعظاما له، وكان مع ذلك موطأ الأكناف، معتدل الأمور، من رآه أحبه (٦٥٣). وذكر أنه كان شديد الحفظ للقرآن، كثير التلاوة له، يقوم به آناء ليله ونهاره، ويلزم تلاوته فى المصحف، مع قوة حفظه، على طريقة أبيه بقى، وكان ثابت العلم بتفسيره ومعانيه، قوى المعرفة باختلاف العلماء فيه. ذكر أنه قرأ يوما على الخليفة الناصر سورة "يوسف" ففسرها (٧٦) آية آية، وقص ما قاله الناس* فيها الى خاتمة السورة، وكان دمثا صبورا محتملا، يدفع السيئة بالحسنة. وذكره ابن حارث فقال: ولى القضاء فجاء أحوذيا (٦٥٤) نسيج وحده، ذا سيرة حسنة، وهدى جميل، ومذاهب محمودة، وله في الوقار والأخبار ما بد به أهل عصره، لب حصيف، ويقظة كاملة، جالسته زمانا، فرأيته جامعا لهذه الخلال الرفيعة. قال: وكان بليغا فى خطابته، مطبوعا فى ايراده، طويل القلم واللسان، باذا لأفاضل زمانه، سمعت ولى العهد الحكم -وذكره- فذكر من وصف رجاحته وتمام أدواته وفرط تواضعه ما لا شيء فوقه، وكانت أخلاقه من أخلاق أبيه، فى المداراة والاعضاء والصفح. قال ابنه: كنت بحضرته، إذ أتاه من حكى له عن رجل، أنه رفع عليه بطاقة الى أمير المؤمنين، فجعل أبى يدعو للرافع بالتوبة، ويتخوف عليه الاثم. ومات بعض كبار قرطبة، فمشى الى داره، وقال لبعض من ماشاه: لقد كان يؤذيني (٦٥٥) في حياته، وهو اليوم أحوج الى أن أصبر عليه (٦٥٦)، فاشهدك أنه في حل مما فعل.

стр. 1530

وجاءه صديق له بوثيقة واهية، ليشهد فيها على رجل بحق له قبله، فكره الشهادة فيها لوهيها، وكره اخجال الصديق في ترك الشهادة له، والتقية لله تعالى فى مثلها، وبينة (٦٥٧) المشهود عليه، فيبطل الحق، لكون الوثيقة بخطه، فقال للذي عليه الحق: تشهدنى أن لفلان عليك كذا وكذا الى أجل كذا. فقال: نعم. فقيد شهادته على ذلك اللفظ. وقال الحاجب ابن موسى: سألته يوما عن نسبه وولائه فقال: ولاؤنا لامرأة من أهل جيان. فجعل الحكم يتعجب من انصافه وتواضعه. وكان الحاجب هذا يقول: لقد أنعم الله علينا -معاشر أصحاب السلطان أبناء الدنيا- بأحمد بن بقى، يميل بنا الى طلب الآخرة وبيع الدنيا. وذكره ابن قاسم فقال: كان من أعقل أهل زمانه، وأشدهم وقار! وأحسنهم خلقا، وأكثرهم تصاونا وانقباضا، وأضبطهم لنفسه. وذكر عنه ابنه أحمد، أنه كان اذا طرقه ضيف ليلا، لم يذبح له شيئا من الحيوان البتة، ويقول: الليل أمان لهذه الداجنة، ويقتصر في قراه على ما يحضر من عسل وجبن وزيتون وشبهه، وكان يعقد الشروط ويحسن الحذق لها، مشهورا بذلك، ولا يوقع شهادته في وثيقة حتى يقرأها. وكان أحمد بن ابراهيم بن الجباب صاحب الوثائق، فأمر أحمد ابن بقى بالعقد عليه، فكان يتعقب وثائقه، فقال ابن الجباب يوما: من أين يتعاطى ابن بقى أنه أعلم بالوثائق منى؟ "فبلغ ذلك ابن بقى، فأسرها فى نفسه، الى أن كتب ابن الجباب وثائق، وأتى بها الى ابن بقى، فاستفرغ فيها ابن بقى جهده، فأخذ عليه مواضع، وأبانها، ثم قال له: أبدلها.

стр. 1531

فأبدلها. وأتى بها، فانتقد عليه أيضا فيها، فأرسل اليه ابن الجباب: أنا أقر أنك أعلم بالوثائق منى" (٦٥٨) فدعنى من كثرة استقصائك، والا حلفت لا كتبت وثيقة. فتركه ابن بقى بعد ذلك. قال الصدفى: كان أحمد بن بقى من الدهاة. وكان أحمد بن عبد ربه يقول: عجائب الدنيا ثلاثة: البحر. وأحمد بن بقى، وموسى، يعنى ابن حديد الفرضي. وذكر أن ابن أخى موسى هذا، قال له: يا عم! أغاثنا الله (٦٥٩) بأحمد بن بقى، اذ مال الى طريق الزهد، وترك لنا الدنيا، فلو مال اليها لشغلنا بأنفسنا. قال ابن حارث: ذكر أنه كان لاحمد بن بقى فتيا نادرة، فى حداثة، سنة، مع الشيوخ، رفعت من قدره، وذلك أن الأمير عبد الله أرسل في فقهاء يستفتيهم، وفيهم أحمد بن بقى، وهو يومئذ حدث، فسألهم فى الأسرى الذين وجه بهم من أصحاب بن حفصون المنتزى (٦٦٠) فأفنى الشيوخ عليهم بالقتل وقالوا: أهل فتنة وفساد. وابن بقى ساكت. فقيل * له: تكلم. فقال: قد تكلم الشيوخ. فقيل: لابد أن تقول. فقال: أرى أن يحبسوا ويكشف عنهم، فأن كانوا من أهل الابتداء في الشر والمساعدة فيه، وفى الخروج على المسلمين، وسفك دمائهم، فرأيى رأيهم، وان كانوا ممن ضمهم ملك ابن حفصون وقهره وشرد، من غير أن تعرف لهم مساعدة، فلا قتل عليهم، ويتركون بحالهم التي كانوا عليها قبل ملك ابن حفصون. فقبل رأيه، وصرفوا الى السجن، وكشف عنهم، فوجدوا ممن لا يستحق القتل، فأطلقوا، وارتفع شأن ابن بقى عند الأمير بذلك.

стр. 1532

ذكر سيرته في قضائه قال ابن حارث: كان ابن بقى من خير القضاة، له من الأخبار في الوقار والاحتمال واللين ما بذبه أهل وقته، وما قصر فيه أسلم المتقدم قبله، بالعنف وفقا، وبالاستقصاء اغضاء، مع الاستثبات في القضاء، والاحتراس من الخداع. ذكر أنه لم يضرب أحدا بسوط مدة قضائه، وكانت نحوا من عشرة أعوام، الا رجلا واحدا مجمعا على فسقه. وأمر يوما بحبس رجل أتى بما يوجب ذلك، فلما ذهبوا به قال لمن حوله: أرغبوا الى فى اطلاقه، لئلا أبيت بهمه، ففعلوا، فأمر برده وقال له: لولا رغبة من رغب فيك لأطلت سجنك. واستطالت امرأة في مجلسه، وآذته بصلفها (٦٦١) في خصامها لزوجها، فنظر اليها القاضى وقال لها: أقصرى والا عاقبتك. فانكسرت شيئا:: ثم عادت لحالها. فعطف عليها وقال لها: أنت ظالمة، قالها ثلاثا، ثم قال لها:: ألم أخوفك؟ فهذه كانت عقوبتها التي هددها بها. وكان من شأنه أن ينفذ من الأمور الظاهرة التي لا ارتياب فيها، ويتمهل فيما التبس عليه منها، ويثاقل بامضائه، حتى تظهر له الحقيقة أو يصير المتخاصمان الى التصالح والتراضى، أو يعذر في الحجة. وكلم فى ذلك فقيل له: انك لتعاب بلين الجانب والتطويل في الخصومة. فقال: أعوذ بالله من لين يؤدى الى ضعف، ومن قوة توقع في عنف. ثم جعل يذكر فساد الزمان واحتيال الفجار.

стр. 1533

وقال مرة أخرى لمن عاتبه فى تطويله: صاحب الباطل اذا طول عليه بلد (٦٦٢) وفشل، وترك طلبه، ورضى باليسير، وقد فسد الزمان وكثر شهود الزور، فرأيت التأنى أخلص، ثم ذكرت حديث النبي ﷺ في حيصة وحويصة، أن النبي ﷺ لما أشكل عليه الأمر، ودى القتيل من عنده. فقال له السائل: فتنشط أنت لهذا، أن تعطى الصلح من عندك؟ قال: لا، انما ذلك على الامام الذي بيده بيت المال. قال ابن عبد البر: ولما ولى القضاء، اتخذ لخدمته شيوخا أولى سداد، وسأل أن يرزقوا من بيت المال، فأجيب الى ذلك. وله في الصفح والاعراض والتغافل عما لا شك كان عارفا به، أخبار مأثورة، ولو أضيفت الى غيره، عدت فى طرف من أخبار البله، ولكن كان له فيها غرض ومذهب، والله أعلم بسريرته فيه. منها: أن أصبغ بن عيسى الشقاق قال: كنت مراكبا (٦٦٣) للقاضى أحمد، ببعض طرق البلد، اذ عن لنا رجل سكران، يمشى بين أيدينا مخبولا (٦٦٤) فجعل القاضى يمسك عنان دابته، ويترفق في سيره، لعله ينجو بنفسه، فلم يكن عنده شيء من ذلك، ووقف مستقبلا فلما دنونا منه ولصقنا به، مال الى القاضى وقال لى: مسكين هذا الرجل أراه مصابا في عقله. قلت: بليته عظيمة. فجعل يستعيذ بالله من محنته، ويسأله له الأجر على مصابه، ومضى ولم يعرض له. وذكر أيضا أنه لقى آخر، وليس مع القاضي غير عونين، فقبضا على السكران، وجاءا به اليه فقال: احملاه معى.

стр. 1534

فلما قرب من شجر زيتون في طريقه وجه أحدهما في امتلاخ (٧٨) قضيب من * الزيتون، لدن معتدل، ليحده به، فلما ذهب، وجه العون الآخر يستحثه ويعينه، فلما بعد، جعل القاضي ينشد: خلا لك الجو فبيضى واصفري … ونقري ما شئت أن تنقرى ففهمها السكران وأسرع هاربا، وأقبل الغلامان بالقضيب، فتضاجر القاضى من احتباسهما (٦٦٥)، وقال: قد تخلص السكران منا، ما بمثلكم تقام الحدود. وأتى برجل عليه رائحة المسكر، فأمر باستنكاهه. فشهد عليه كاتبه برائحة المسكر، فظهر فى وجه القاضى الكراهة، وقال لآخر: استنكهه. فقال: لا أدرى ما هذه الرائحة. فتهلل وجهه ثم قال: انطلق لم يثبت عليك شيء. قال ابن حارث: وتسامح من تسامح من القضاة في حد السكر واغضاؤهم عليه، لا أعلم له وجها، الا أن حده ليس بنص كتاب ولا سنة، وانما أمر النبي ﷺ أن يضرب بالنعال وأطراف الثياب، ثم اجتهدت فيه الصحابة ﵃ بعد ذلك، زمن أبي بكر وقد روى عن أبي بكر عند موته أنه قال: ما بقى في نفسي شيء غير حد الخمر، فانه شيء لم يفعله رسول الله ﷺ ، وانما هو شيء رأيناه بعده. وذكر بعض أصحابه قال: بينا هو يسير بشرقى قرطبة، ومعه جماعة من أصحابه الفقهاء وغيرهم، اذ أفضى الى مجمعة عرس بفناء بعض الدور، وقد اجتمعوا الى زمارين يلهونهم، في خلق عظيم، وقد قام وسطهم ماجن، قد أخرج لهم لعبتهم المسماة بعبد الخالق، قد اعتم على قلنسوته، وشبه بلحية زور بيضاء وافرة، وارتدى، وتوكأ على عصا، وهو يكلمهم بمضاحكه، اذ فجأهم موكب القاضى من حيث

стр. 1535

لا يشعرون، فقطعوا الزمر، وغطوا الآلة، وأبلسوا بأجمعهم، لا ينطقون، وملهيهم قائم وسطهم لا يتنفس بكلمة، من خوف القاضي فلم يستنكر القاضى هيئته ومقامه وسطهم، أنه قاص يعظهم، أو تداهى فى أمرهم (٦٦٦)، فسلم عليهم وعلى جماعتهم، وقال: أحسنت أيها الشيخ بوعظك هذه الجماعة، أجرك الله وشكر فعلك، فاستبصر في ارشادهم، واحتسب أجرك على الله، وفقنا الله واياكم لما يرضيه. وسلم عليهم ومضى لسبيله، فلما أبعد، عادوا لشأنهم، وجعلوا يدعون له ويثنون عليه. فقال له بعض أصحابه: يبلغ بك حسن الظن بالناس، أن تقف على عصابة باطل فأحمدت مقام مغويهم، وأمرته بما يزداد به في تخليلهم، وكنت بغير ذلك أولى فيه وفيهم. فقال: معاذ الله أن آتى ما تقولون، بل أنتم عندى آثمون، فانى لم أنكر حالا، ولا رأيت ولا سمعت بأسا، شيخ مسن، حسن السمت، توسمت فيه الخير، لم أشك أن الجماعة أحدقت به لابتغاء البر، وأنه يدعوهم الى الخير، ولو علمت الذي تقولون لكان منى غير ذلك. وذكر أنه بينا هو يسير يوما اذ عشر أعوانه على صبية تحمل عودا الغناء معشي، فانتزعوه منها، فصاحت الصبية، فقال القاضي: ما لكم ولهذا؟ فقالوا: فى هذا الغشاء عود يجب أن يكسر. فقال: وما عليكم من عود، أو كلما وجدتم عودا مغطى كسرتموه؟ قالوا: أنه عود الطرب، وآلة الباطل. وأخرجوه من غشائه. فلما نظر اليه قال: ما أرى الا جميل الصورة لطيف الصناعة، أخرس، ما أسمع منه قولا يلهى. فقالوا: انما يظهر ذلك عند جس أوتاره. وأقبلوا يحركونها بأصابعهم حتى طنت.

стр. 1536

فقال: أمسكوا، فانه ملآن شياطين. ثم نظر الى مزبلة بقربه، فقال: ضعوه على تلك المزبلة، فان المزبلة مأوى الشياطين، فهم أولى به. ففعلوا، ومضى لسبيله، فأخذت الصبية عودها ومضت. ومن أخباره في قضائه، أنه اختصم اليه رجلان توسم (٦٦٧) في أحدهما السلامة ولزوم الطريقة، وكان الآخر ممن يدلى * بحجته، فقال القاضى لذى السلامة: لو وكلت من يتكلم عنك، فانك لا تدرى ما تقول، وأرى صاحبك غواصا على الحجة. فقال له: هل هو الا الحق أقوله كائنا ما كان فيه. فقال: اللهم غفرا، ما أكثر من قتله الحق، وقد قال الأحنف: الصدق في بعض المواطن معجزة. وأتاه رسول الحاجب موسى بن حديد يوما، فأقرأء سلامه وقال: يقول لك: قد عرفت محبتى لك، واعتنائى بأسبابك، وقد جرى على فلان ما علمت، وشهدت البينة العدلة، وتأنيت عن الحكم عليه. فقال للرسول: تبلغ الحاجب سلامى، وتقول له محبتك كانت لوجه الله، وفلان وغيره فى الحق سواء، والله ما أحكم عليه حتى يتضح عندى أمره كاتضاح الشمس، فقد دخل على في أمره ارتياب، فانه لا يجيرنى منه أحد أن جاذبنى فى الخصومة بين يدى الله تعالى. فنقل الرسول قوله للحاجب، فقال: لا نزال بخير ما كان هذا وشبهه بين أظهرنا. وذكر أنه كان فى مجلس نظره، وقد غص بالفقهاء والعدول والخصوم، حتى دخل عليه المعتوه المعروف بابن شمس الضحى، وكان من ذوى البيوتات والثروة، فقال: يا قاضى المسلمين! أريد أن تأمر وكيلى فلانا يزرع لى بقريتي بنانيس (٦٦٨)، فتنبت لي خوابي، فأحصل على ربح.

стр. 1537

فما بقى أحد في المجلس الا ضحك، سوى القاضي، فانه وجم واستعبر وقال: يا بني! لقد ظلمك من ألقى هذا على لسانك. ثم قال لأهل مجلسه: وا أسفا على ضحككم وسخريتكم منه، انا لله وانا اليه راجعون على قلة التحصيل وعزوب العقول، فان البكاء على هذا أولى وأليق، فما بيننا وبين زوال العافية الا الذهول عن شكرها اللهم أسدل علينا سترها، واحفظ عقولنا بمعرفتك، وارزقنا ذرية طيبة صالحة زكية، تقر أعيننا بها. فاستحى كل من حضر. ومن فصول كلامه المستحسن في خطبه، أنه استبحر يوما في الدعاء، فلما وصل الى قوله "وأخلصوا لله دعاءكم" سكت على أثره مليا، الى أن قدر أن الناس دعوا بدعائه، ثم قال: اللهم وقد دعاك هذا النفر من عبادك، الساعون لثوابك، المجتمعون بفنائك، فزعا من عقابك، وطمعا فى ثوابك، ورجاء فى ثنائك، وقبلهم من الذنوب ما قد أحاط به علمك، وأحصاه حفظك، فعد عليهم فى موقفهم هذا برحمة توجب لهم بها جنتك، وتجيرهم بها من عذابك، آمين، يا أرحم الراحمين، انك على كل شيء قدير. وامتثل كثير من الخطباء سيرته في هذه السكتة في آخر الخطبة الثانية أثناء الدعاء الى يومنا هذا، في بلاد الأندلس. ولم يزل الناصر عارفا بحق أحمد بن بقى، معظما له، الى أن هلك أحمد، وهو يتولى القضاء والصلاة، ليلة الاثنين، ثالثة جمادى الأولى، سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. وسنه أربع وستون سنة. مولده مفتتح يوم النحر سنة ستين ومائتين. وكانت ولايته القضاء نحوا من عشرة أعوام. * * *

стр. 1538

أحمد بن بشر بن محمد بن اسماعيل بن البشر ابن محمد التجيبى (٦٦٩) يعرف بابن الأغبش، أبو عمر، قرطبى. سمع من ابن وضاح و الخشنى، ومطرف بن قيس، وعبيد الله بن يحيى، وطاهر بن عبد العزيز، وكان متقدما في معرفة لسان العرب ولغاتها، مشاورا في الأحكام، يميل الى النظر والحجة، وربما أفتى بمذهب الشافعي. وأثنى عليه أبو محمد الباجى، ومحمد بن يحيى بن عبد العزيز، وسليمان بن أيوب ووصفوه بالفهم والعلم، ولم تكن له رحلة. قال أحمد: كان يحفظ أصول مذهب مالك حفظا حسنا، واعتنى بكتب محمد بن ادريس الشافعى، وكان يميل اليه، وكان اذا استفتى ربما يقول: أما مذهب مالك (٦٧٠) فكذا، وأما الذي أراه فكذا. لم يكن يذكر أحد في مجلسه بسوء، شديد النفس، قليل الاختلاف الى أهل الدنيا. وكتب للفضل بن سلمة مدة قضائه. توفى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وقيل فى ذى الحجة، سنة سبع وعشرين. * * * محمد بن عبد الله بن عبد الملك بن أبي دليم (٦٧١) قرطبي، كنيته أبو عبد الملك، وقال ابن الفرضي: أبو عبد الله، والأول الصحيح، وهو الذي ذكره ابنه، وابن عفيف، وخالف في هذا النسب ابن حارث، رفعه وقال: انه زناتى أو داحي (٦٧٢).

стр. 1539

روى عن ابن وضاح كثيرا، والخشني، ومطرف بن قيس، وعبيد الله بن يحيى، وقاسم بن عبد الواحد، وغيرهم. وكان يتشبه بابن وضاح كثيرا في خلقه وخلقه (٦٧٣) وعنه جل روايته. وكان طاهرا، ثقة، منقبضا عن الحكام، وغاب عليه الرأى، وسمع منه، ولم يرحل. حدث عنه أبو محمد الباجي. قال ابن عفيف: كان من أهل العلم والرواية. قال محمد بن يحيى: كان من خيار الناس. توفى لليلة بقيت من رمضان، سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. *** عبد الله بن محمد بن حنين (٦٧٤) ابن عبد الله، بن عبد الملك، بن مروان، بن عبيد الله، الكلابي، مولى لهم، أبو محمد، قرطبى، يعرف بابن أخي ربيع الصباغ. سمع من عبيد الله، والأعناقى، وأسلم، وأبي صالح، وابن لبابة، وابن أبي تمام، وأحمد بن خالد، وابن أيمن، وغيرهم. وأدرك ابن وضاح ولم يسمع منه وحج آخر عمره، فسمع بمصر من محمد بن ريان، والباهلي. وسمع منه بها أبو سعيد بن يونس، وأبو عمر الكندى وابراهيم ابن محمد بن ابراهيم النسائي القاضي، وغيرهم. وكان معتنيا بالحديث، اماما فيه، بصيرا بعلله، حسن التأليف فيه، له تواليف في معرفة الرجال وعلل الحديث، وفي الأسمعة عن مالك.

стр. 1540

واختصر مسند بقى ابن مخلد، وكتاب التفسير له، وهو المبتدئ بتأليف كتاب الاستيعاب لأقوال مالك مجردة، دون أقوال أصحابه، الذى تممه أبو عمر بن المكوى، وأبو بكر المعيطى. وكان أبو محمد الباجى يوثقه ويثني عليه. قال أحمد بن سعيد: كان من أهل المروءة والعلم والتقى، معي هدى حسن، وسمت عجيب، لم أر مثله وقارا، وحلما، وسعة فهم في الحديث ومعانيه، وقد كتب عنه بالمشرق. توفى فى ذى الحجة سنة ثمان عشرة، ويقال سنة تسع عشرة وثلاثمائة. * * * أيوب بن سليمان بن حكم (٦٧٥) ابن عبد الله بن بلكايش بن اليان، القوطى أبو سليمان قرطبى، شهر بها. وجده اليان القوطى، صاحب سبتة، آخر أيام ملك النصرانية الاندلس، فجرت له مع لذريق ملكهم قصة مشهورة، في غدره له في ابنة أحفظه اياها اليان، فسعى فى حتفه، وأقحم المسلمين عليه أرض الاندلس مع طارق بن زياد، فكان سبب فتح الاندلس على يده، ثم انتقل الى قرطبة، فأسلم ابنه بلكايش جد هؤلاء بها، وفيها كان نسله. وكانت لأيوب (٦٧٦) هذا وجاهة بعلمه وأوليته، سمع بقى بن مخلد كثيرا، وصحبه قديما، ورحل فسمع من القاضي اسماعيل وغيره، وأدخل كتب العراقيين، وكان مائلا الى النظر والحجة، لايرى التقليد. وتوفى فى شوال، سنة ست وعشرين وصلى عليه ابنه سليمان، وسيأتي ذكره.

стр. 1541

سعدان بن معاوية (٦٧٧) قرطبي، سمع من ابن خمير والاعناقي، وابن لبابة. وحج فوافق دخول القرامطة مكة، فأصابته ضربة شقت خده وعينه، وانصرف الى الأندلس، فسكن اقليم القصب. وكان حافظا للمسائل، عاقدا للشروط، مفتيا بموضعه. قال ابن حارث: وكان حسن القريحة، جيد الكلام في المسائل، يلحق بحذقه فيها بوجوه العلماء فى وقته، أصيب في غزوة الخندق سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. * * * * أبان بن محمد بن عبد الرحمان بن دينار (٦٧٨) سكن قرطبة، أبو محمد. سمع من العتبى، وابن مزين، وطبقتهما، وكان فقيها. "روى عنه الباجي، وابن بكر، وفرج بن سلمة القاضى. قال الرازي: كان فقيها" (٦٧٩) عالما. توفى يوم عيد الفطر، سنة سبع عشرة وثلاثمائة. قال ابن حارث: كان ورعا فاضلا، لم تكن له رحلة * * * عبد الله بن محمد الأنصاري (٦٨٠) يعرف بابن واقون، قرطبى، أبو محمد.

стр. 1542

سمع ابن وضاح، والخشني، وغيرهما. وكان حافظا للمسائل والرأى، عاقدا للشروط، متقدما فيها. وكان قد اتهم بتدليس العقود والضرب على الخطوط، وتلقين الخصوم، فألزمه القاضى بيته، ومنعه من عقد الوثائق والشهادات والفتيا. وتوفى سنة عشرين. * * * محمد بن حكم بن الزيات (٦٨١) أبو القاسم، قرطبي أخذ عن ابن وضاح، وابراهيم بن محمد بن باز، ومطرف بن قيس، وعبيد الله بن يحيى، وغيرهم. وكان حافظا للمسائل، عاقدا للشروط، مشهورا بالعدالة، حدث عنه الناس كثيرا، وروى عنه عبد الله بن محمد بن عثمان، ويحيى بن هلال بن قطن، وخلف بن محمد الخولاني وغيرهم. وأثنى عليه سليمان بن أيوب. قال ابن أبى دليم: وكان عنى بحفظ المذهب، وجالس عبيد الله كثيرا. توفى سنة خمس وعشرين * * * محمد بن نصر بن عيشون القيسي (٦٨٢) قرطبي، سمع ابن وضاح وغيره، وكان معتنيا بالرأي، حافظا له، عاقدا للوثائق، رجلا صالحا. توفى سنة خمس عشرة وثلاثمائة.

стр. 1543

بقى بن العاصي (٦٨٣) من أهل قمراطة، أبو عبد الله، سمع من ابن وضاح "وكان يحفظ الرأى حفظا حسنا، وأقرأ المدونة، وكان فاضلا ورعا، توفى سنة أربع وعشرين. * * * شريف، من أهل قريش (٦٨٤) من أصحاب ابن وضاح (٦٨٥) وغيره. قال خالد: كان حافظا للمسائل، ممن عنى بالعلم. * * * حي بن مطاهر (٦٨٦) من بادية البيرة، سمع بها من ابن أيمن، وعمر بن موسى، وبجيان من محبوب بن قطن (٦٨٧)، وسهل بن سعدون. وكان له بصر بالمذهب، وغلب عليه حفظه، وكان رجلا صالحا. وتوفى سنة ست وثلاثمائة. * * * أحمد بن عمرو بن منصور (٦٨٨) أبو جعفر، من أهل البيرة، يعرف بابن عمريل بن أبي أمية.

стр. 1544

سمع بالأندلس، ورحل فسمع من على بن عبد العزيز، ويونس، وبكار بن قتيبة، ومقدام بن داود، ومحمد بن سحنون، وابن سنجر والربيع بن سليمان، ومحمد بن عبد الحكم، وأخيه عبد الرحمن، ونصر بن مرزوق، وجماعة سواهم. قال ابن الفرضى: وكان عالما بالحديث، حافظا له، بصيرا بعلله اماما فيه، واليه كانت الرحلة فى وقته، وكان خالد يرفع به جدا. وروى عنه وذكره ابن أبى دليم، فقال: غلب عليه الحديث، وولى الصلاة والحكم، الى أن مات. قال الحميدي: هو فقيه محدث عالم صالح، يفهم الحديث ويعرف الرجال، وكان يرفع يديه في الصلاة عند كل خفض ورفع، ويذكر عن عبد الرحمان بن عبد الحكم أنه كان يفعل ذلك، وأما محمد فربما فعل هذا وهذا. وتوفى سنة اثنتى عشرة. * * * حفص بن عمرو بن نجيح الخولاني (٦٨٩) البيري، أبو عمر، سمع العتبى و ابن مزين وأبان بن عيسى، وابن مطروح وعمر بن موسى، وابراهيم بن خالد، وابراهيم بن شعيب، وسليمان بن نصر وأصحابه الذين سمعوا من سحنون من أهل البيرة. ورحل فسمع من محمد بن عبد الحكم، ونصر بن مرزوق، وابراهيم بن مرزوق، وابن أخى ابن وهب، وبكار بن قتيبة، ويونس. وكان من أهل الحفظ للمسائل، والتفقه فيها، وعليه كان مدار بلده في الفتوى. وتوفى سنة ثلاث عشرة.

стр. 1545

محمد بن فطيس بن واصل الغافقي (٦٩٠) البيري، أبو عبد الله روي بالاندلس عن العتبى، وأبان بن * عيسى و ابن مزين، وعبد الله بن خالد، وأبي زيد عبد الرحمان بن ابراهيم، وأصبغ بن خليل، وأبي زيد الجزيري، وابن مطروح، وعامر بن معاوية القاضي، وبقي بن مخلد، وعبيد الله بن عبد بن حبيب، وابن وضاح، والمغامى، وغيرهم. ورحل الى المشرق سنة سبع وخمسين، فسمع بافريقية من شجرة بن عيسى، ويحي بن عون، والكوفي، وغيرهم وبمصر من يونس، ومحمد بن عبد الحكم، والمزنى، ومحمد بن أصبغ، وابن أخى ابن وهب، وبكار بن قتيبة، وغير واحد. وسمع بمكة من على بن عبد العزيز، والصائغ، وبأطرابلس من الكوفي وغيرهم. وعدد شيوخه في رحلته مائتا شيخ. قال ابن الفرضى: كان محمد شيخا نبيلا، ضابطا لكتبه، ثقة، صدوقا، واليه كانت الرحلة بالبيرة، مع ابن عمريل، ثم مات صاحبه فانفرد هو. قال ابن أبى دليم: وكان من حفاظ المذهب المتفقهين فيه، الجامعين للكتب، المصححين اياها. وألف كتاب الورع عن الربا، والأهوال، وتحذير الفتن، وكتاب الدعاء والذكر. قال على بن الحسين: كان أعلى ممن بعده فى كل شيء، كثير الرواية، ثقة فاضلا، ذكر ابن حارث فى كتاب القضاة أن المؤمل بن رجاء العقلى، ولى قضاء البيرة، وكان من أشد الناس جهلا وبلها، وممن أشار الى طلب وظن أنه يعلم، ولا يعلم، فخاصمت عنده يوما امرأة
следующие страницы →