← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

حمد بن غدرة (٧٨٩) حجارى، أبو عبد الله. أخذ عن ابن باز، والخشنى، وابن وضاح، وكان حافظا للمسائل متفننا فيها، صالحا. روى عنه وهب بن مسرة، وقال: كان ثقة حافظا "لأقاويل أصحاب مالك. وقال ابن الفرضى: كان رجلا صالحا حافظا" (٧٩٠) للمسائل، وولى قضاء بلده، وكان حسن السيرة. توفى سنة ثلاث عشرة. *** ثابت بن حزم وابنه قاسم (٧٩١) هو ثابت بن حزم، بن عبد الرحمان، بن مطرف، بن سليمان، ابن يحي العوفي، السرقسطي، أبو القاسم. سمع بالأندلس من ابن وضاح "والخشني، وعبد الله بن مسرة، ومحمد بن الغازي، وغيرهم" (٧٩٢). ورحل مع ابنه قاسم، فسمعا بمكة، من ابن الجارود، ومحمد بن على الجوهرى، وأحمد بن حمزة، وبمصر من البزار، والنسائي. قال ابن الفرضى: وكان عالما متفننا بصيرا بالحديث، والفقه، والنحو، والغريب، والشعر، وذكر أنه استقضى ببلده. ولثابت كتاب الدلائل في شرح ما أغفل أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث، وناهيك به اتقانا.

стр. 1577

وكان الذي ابتداه ابنه قاسم، فمات قبل اكماله، فتممه أبوه ثابت. قال أبو على القالى: ما أعلم وضع فى الأندلس مثل كتاب الدلائل. قال ابن الفرضى: لو قال أبو على: ما وضع بالمشرق مثله، ما أبعد. قال ابن أبى دليم: وكان ثابت كثير الخبر والمثل، قد اعتنى باللغة والعربية. وتوفى ثابت بسرقسطة، في رمضان، سنة ثلاث عشره. وقال ابن أبى دليم وابن حزم: سنة أربع عشرة، وهو ابن خمس وتسعين سنة. مولده سنة سبع عشرة ومائتين. وابنه قاسم: كنيته أبو محمد، شارك أباه في رحلته وشيوخه، وعنى هو وأبوه بجمع الحديث والفقه، ويقال: انهما أول من أدخل كتاب العين الأندلس. قال ابن الفرضى: وكان قاسم عالما بالحديث والفقه، متقدما في معرفة الغريب والنحو والشعر، ورعا ناسكا، أدير على أن يلى القضاء فامتنع، وأراد أبوه أن يكرهه عليه، فسأله أن يتروى في أمره ثلاثا، ويستخير الله تعالى، فمات في هذه الثلاثة الأيام. فيرون أنه دعا على نفسه بالموت، وأنه كان مجاب الدعوة. ويقال: انه لما أبى، استعان عليه الأمير بأبيه، وقال له: ان لم يل، فاخرجا عن بلدى. فكلمه أبوه في ذلك. ووجدت بخط الحكم أمير المومنين: توفي قاسم سنة اثنين وثلاثمائة.

стр. 1578

اسحاق بن عبد الرحمان (٧٩٣) سرقسطى، يكنى أبا عبد الحميد. سمع بالأندلس، ورحل فسمع بالمشرق، وكانت له عناية بالعلم، مشهورا به، وبالزهد والبلاغة والخطابة والعبادة. ويقال انه كان مجاب الدعوة، كثير التلاوة للقرآن، ولى صلاة بلده وخطبته. توفى قريبا من سنة عشرين وثلاثمائة. *** أحمد بن يوسف بن عابس المعافري (٧٩٤) أبو بكر، أصله من سرقسطة، وانتقل إلى وشقة، فسكنها إلى أن توفى بها. سمع بالأندلس كثيرا، ورحل فسمع من يحيى بن عمر، وأحمد ابن أبي سليمان، وعلى بن عبد العزيز، وغيرهم. وكان ذا فهم ونبل وتصرف في علم النحو واللغة، شاعرا مطبوعا، بصيرا بالمذهب والفرض والحساب والمساحة. توفى سنة ثمان، وقيل تسع، وتسعين ومائتين، وقيل بل سنة ثلاثمائة، وفيها مات ابنه محمد. وكان أبوه يوسف * يكنى بأبي عمر، مشهورا بالعلم والفضل، مقدما في موضعه عقلا وأدبا ومروءة، وله رحلة سمع فيها أيضا من يحيى بن عمر وغيره.

стр. 1579

أحمد بن إبراهيم بن عجنس (٧٩٥) ابن أسباط، الزيادي، وشقى، أبو الفضل. سمع من أبيه، وتوفى سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة، وحدث، ذكره ابن أبى دليم والعوفي. وأخوه عبد الرحمان بن إبراهيم، أبو المطرف سمع من أبيه، وكان حافظا للفقه، عالما بمذهب مالك وأصحابه، ولم تكن له رحلة. توفى نحو تاريخ وفاة أخيه، ذكره ابن حارث. * * * محمد بن شجاع (٧٩٦) وشقى، سمع بالأندلس، ورحل فأخذ عن يحيى بن عمر، وكان حسن العناية والعلم بالرأى. وذكر أنه كان يرى نكاح المتعة. وقتل ببرشلونة، سنة إحدى وثلاثمائة. * * * صالح بن محمد المرادي (٧٩٧) أبو، عمر، يعرف بالوكرادى، وشقى، فقيه حافظ متفنن في العلم. لازم بالقيروان يحيى بن عمر، فتفقه معه، وكان خرج إلى الحج فسرقت بضاعته، فبقى عنده، ثم انصرف. وسمع أيضا من أحمد بن يزيد بالقيروان. وتوفى بوشقة سنة اثنين وثلاثمائة.

стр. 1580

سعيد بن سعيد بن كثير (٧٩٨) أبو عثمان، وشقى. "سمع بقرطبة من ابن مطروح، وأبي زيد، وغيرهما. وكانت له رحلة لقى فيها يحيى بن عمر، وابن أبي سليمان، وكان فاضلا متواضعا متفننا، أخذ عنه. وتوفى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. * * * عفان بن محمد (٧٩٩) أبو عثمان، وشقى" (٨٠٠). كان زاهدا فاضلا، كثير التلاوة والصوم أكثر دهره، من أهل الجمع والعلم. سمع بموضعه من شيوخه، وولى صلاة بلده، وأحكام شرطته، فلم تحفظ عليه زلة. وتوفى سنة سبع وثلاثمائة. * * * أيوب بن إبراهيم أبو القاسم، وشقى، سمع بقرطبة كثيرا وفى بلده، وكان بصيرا بالوثائق والمسائل متقدما في ذلك. توفى بعد الثلاثمائة. ***

стр. 1581

سعيد بن مذكور (٨٠١) وشقى، سكن لاردة. قال ابن حارث: كان من أهل الذكاء والعلم، حافظا للمسائل، توفى سنة عشر وثلاثمائة. * * * يوسف بن مؤذن بن عيشون المعافري (٨٠٢) من أهل وشقة، أبو عمر. سمع ابن وضاح، وقاسم بن محمد، وأبا زيد الجزيري. ورحل فسمع ابن عبد الحكم، ويحيى بن عمر، وعلى بن عبد العزيز، ويحيى بن سلام، وغيرهم. ذكره ابن أبى دليم، وابن حارث، وغيرهما، ولم يذكر أحد منهما أن له قرابة لهؤلاء، ولعله أبوهم أو ابن عمهم. قالوا: وكان من المنفقين فى سبيل الله، ذكر أنه فك نحو مائة أسير. قال ابن أبى دليم: وكان مشهورا بالعلم والدين، من أهل الصدقات. توفى سنة تسع وثلاثمائة. * * * يونس ومحمد ابنا يوسف بن مؤذن (٨٠٣) من أهل وشقة، سمعا بالأندلس والمشرق كثيرا، وشهرا بالعلم والفضل والزهد.

стр. 1582

ويكنى محمد أبا عبد الله. وتوفى يونس سنة ست وتسعين. وتوفى محمد سنة سبع عشرة وثلاثمائة. وقال ابن الفرضى فى باب أحمد بن مؤذن: وشقى، أحد العباد، ورحل فسمع يحيى بن عمر، وكان ذا قدر جليل، يقال انه فك من أسرى المسلمين مائة وخمسين نسمة. توفى سنة سبع وثلاثمائة. * * * عمر بن يوسف بن فهر (٨٠٤) ابن خصيب، الأموى، مولاهم، يكنى أبا حفص، يعرف بابن الإمام، وبيتهم بالثغر معروف في العلم والجلالة. قال ابن الفرضى: كان حافظا للمسائل، وامتحن بالأسر، هو وابنه وأخوه، فافتدوا بخمسة عشر ألف دينار. وعمر، وولى قضاء بلده سنة خمس وعشرين، الى أن * توفى سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. مولده سنة أربع وأربعين ومائتين. * * * أبو عبد الله الفهرى فقيه تطيلة وكبيرها، ذكره ابن حارث، وقال: لقيته بتطيلة سنة خمس وعشرين، فرأيت عليه جلالة السن، وسمت العلم وهديه، وتكلمت معه فأفضيت منه إلى علم كامل، وفقه ظاهر، ومذاهب مستحسنة. ولعله والد المذكور أولا، والله أعلم بالصواب

стр. 1583

قال الفقيه الإمام أبو الفضل عياض اليحصبي ﵁ وغفر له آمين. ثم صار المذهب بعد هذه الطبقة في طبقة أخرى. فمنهم من أهل المدينة: أبو مروان قاضيها (عبد الملك بن محمد المعروف بالمرواني) واسمه عبد الملك، بن محمد بن عبد العزيز، بن أحمد، بن عبد الرحمان. قال ابن حارث: كذا كتبت نسبه من خط المديني. ويعرف بالمرواني، ويعرف أيضا بالمالكي، وكان يزعم أن جده كان منقطعا لمروان، فعرف وأهل بيته بذلك، وليس بقرشي. قال أبو الحسن بن معاوية بن مصلح - وذكره في شيخوخه -: كان ثقة مأمونا، روينا عنه كتاب المشكل من تأليفه، وغير ذلك. كذا قال: "المشكل" وأظنه "المسكر". ألف كتاب الأشربة وتحريم المسكر، وهو كتاب الرد على أبى جعفر الاسكافي.

стр. 1584

وسمع منه الناس كثيرا. فممن سمع منه من أهل الأندلس: أبو محمد الأصيلي، والقاضي ابن السليم، وأبو عبد الله بن مفرج، وابن عون، وخطاب بن زيد، وأبو الحسن بن مضا الحجازى، وغيرهم. ومن أهل المشرق: أحمد بن ابراهيم الونداقاني. * * * ومن هذه الطبقة من أهل مكة: عبد الله بن سعيد بن نافع كان بمكة، من فقهاء المالكية. قال الفرغاني: وكان من أهل السير والعلم (٨٠٥)، أخذ عنه فيما أرى، عبد الوهاب بن نصر، فقد رأيته -والله أعلم- في مشيخته * * * ومن أهل العراق: ثم من آل حماد بن زيد: قاضي القضاة أبو الحسين عمر بن قاضي القضاة أبي عمر محمد ابن القاضى يوسف، ابن القاضى يعقوب بن إسماعيل بن حماد، بن زيد.

стр. 1585

كذا اسمه، وقد وهم فى اسمه أبو القاسم عبيد الله بن عمر البغدادي الشافعي، فسماه أحمد. وقال: كان من أحذق من رأينا من أحداث المالكيين. وقال ابن حارث وغيره: كان ذكيا، فطنا، حاذقا بالمذهب، أخذ من كل علم بنصيب. قال الشيرازي: وناظرًا بابكر الصيرفي، فقيه الشافعية. قال الصولى، وذكر القاضى أبا عمرو وفاته - فقال: وولى بعده ابنه أبو الحسين، نظيره في الفضل، وتاليه فى العقل، السالك مسالك سلفه، والجاري على مذاهب أوله، الحامل لعلوم قلما اجتمعت في مثله من أهل زمانه، ولا يعرف قاض فى سنه ولا أعلى منه يشتغل بالعلوم التي يشتغل بها من حفظ للحديث، وعلم به، واستبحار في الفقه، واحتجاج له، وتقدم فى النحو واللغة، وحظ جزيل من البلاغة، نظمها ونثرها، وقرأ على من كتب اللغة والأخبار ما يقارب عشرة آلاف ورقة. قال: وكان بلغ فى العلوم مبلغا عظيما، وله إلى أشعار ملاح، لها منى جوابات، قد أفردت لها كتابا عملته فى وصفه ووصف أبيه أبي عمر. وللقاضي أبي الحسين كتاب في الرد على من أنكر اجماع أهل المدينة، وهو نقض * كتاب الصيرفي. وله كتاب سماه الفرج بعد الشدة. ولم يدرك عمه إسماعيل بن اسحاق، وإنما تفقه عند أبيه، وكبار أصحاب إسماعيل. وعن القاضي أبي الحسين، وأبيه أبى عمر، أخذ الشيخ أبو بكر الأبهرى وغيره، وعندهما تفقه. * * *

стр. 1586

ولايته القضاء وبقية أخباره كان أبو الحسين يخلف أباه في قضائه وهو صغير السن، ثم ولى قضاء مدينة المنصور سنة عشرين وثلاثمائة، فلما توفى أبوه في رمضان من هذه السنة، قلد أبو الحسين جميع ما كان يتقلده أبوه من أعمال القضاء، إلا قضاء القضاة، وخلع عليه. فلما كان في صفر سنة خمس وعشرين، ولى قضاء القضاء. ثم قلد في سنة ست وعشرين الخطابة فى مجلس الخلفاء، وذلك أنهم حضروا بين يدى الخليفة الراضى عقد مصاهرة بين بعض كبار أصحابه، فقام بعض الحاضرين يخطب، فمنعه أبو الحسين "وطالب بما عقد القضاة قبله، فقلد ذلك، فخطب أحسن خطبة. وفى أيام أبى الحسين" (٨٠٦) قتل ابن أبى العراقيدى (٨٠٧) وكان يذهب مذهب الحلاج، ويقول بالحلول والتألة، (٨٠٨) فشهد على قوله، وأفتى أبو الحسين بقتله. وفى أيام أبيه أبي عمر، قتل الحسين بن منصور الحلاج، بفتواه "وفتوى أبى الفرج المالكي، ومن وافقهما من المالكية، وكان أبو العباس بن شريح أفتى بقبول" (٨٠٩) توبته على مذهبه، فأخذ بفتوى من قال بقتله، بعد أن ضرب ألف سوط، وقطعت أطرافه، وضرب بها وجهه، ثم طرح من أعلى الركنة إلى الأرض وأحرق "بالنار. وذكر بعضهم أن أبا الحسين بن ورقاء خرج مرة من بغداد، ولم يودع القاضى أبا عمر ولا" (٨١٠) ابنه أبا الحسين، فلما عاد قصده الناس إلا هما، فكتب إليهما: أأستجفى أبا عمر وأشكو … أم استجفى فتاه أبا الحسين فما زارا ولا بعثا رسولا … ولا كانا لحقى قاضيين بأى قضية وبأى حكم … ألحافى قطيعة واصلين

стр. 1587

فقال أبو عمر لابنه: أجبه، فكتب إليه: تجن واظلم فلست تقلى … عن سالم العهد أيها الظالم حكمت ظنا بما هويت ولن … يحكم بالظن والهوى حاكم أمران لن يذهبا على فطن … وأنت بالحكم فيهما عالم تركت حق الوداع منصرفا … وجئت تبغى زيارة القادم كأن حقى عليك مطرح … وحق ما تدعيه لى لازم وكل هذا عتاب ذى مقة … وصدره من حفيظة سالم وذكر القاضي أبو على الحسين بن على التنوخي في كتابه عن أبي الربيع بن داود خادم أبي عمر القاضي. قال: حججت مع القاضي أبى الحسين بن أبي عمر، فذكر حكاية معناها، أنه دخل مكة في حر شديد، فلما طاف وسعى أدركه قلق وشدة من الحر، فقال أشتهي على الله شربة ماء مثلوج. فقيل له: ان هذا ما لا يوجد في هذا المكان. فقال: هو ما قلت. أو نحو هذا. فلم يكن الا أن نشأت سحابة، وأبرقت وأرعدت شديدا، ثم أمطرت ببرد كثير، فجمعنا منه شيئا عظيما، وكان صائما، فلما كان وقت المغرب جئته منه بما أراد، أو نحو هذا من الخبر. وقد عزيت هذه القصة إلى غيره. وقال الصولى فى القاضى أبى الحسين، يخاطب أباه القاضي أبا عمر: * وما يتخالج القاضي ارتياب … بأنك طرف حلبته الجواد أعدت خلاله فينا ولولا … كمالك لم تكن مما يعاد

стр. 1588

فأنت خليفة منه تسود … البنين الأشرفين ولا تساد وبعضهم يكون بنوه منه … مكان النار يخلفها الرماد قدرت على المكارم لا انتقاص … يعيبك قد رهن ولا ازدياد قال الصولى: وكتب إلى القاضي أبو الحسين: أيها ذا الصديق كل الصديق … في معاني التحصيل والتحقيق والذى لم أخنه عهدا وثيقا … لا ولا خاننى بعهد وثيق لم أخلفت يا خليلى وعدا؟ … حاصلا في زيارتي وطريقي إن من ساءه جفاؤك إياه … بطول الجفاء غير حقيق وهى طويلة، فأجابه الصولى بقصيدة طويلة أولها: يا مقرا بالود عين الصديق … وأجل الورى على التحقيق وتوفى أبو الحسين ببغداد، وهو يتولى قضاء القضاة، ليلة الخميس، لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان، سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة واخترمته المنية قبل استيفاء أمد أقرانه وطبقته، وسنه يوم مات تسع وثلاثون (٨١١) سنة.

стр. 1589

وأمه أم ولد اسمها لبنى. ولم يتخلف عن جنازته جليل، وصلى عليه ابنه أبو نصر. قال الصولى: ووجد عليه الراضى أمير المومنين وجدا شديدا، حتى كان يبكي بحضرتنا ويقول: كنت أضيق بالشيء ذرعا حتى أراه، فيوسعه على برأيه. قال: وكنا عند الراضى ليلة، فأمر جواريه أن يضربن بالعود وينحن عليه، ففعلن، وجعل يبكى حتى خفنا عليه، وجعلنا نعزيه، فقال: والله لا بقيت بعده. *** ابناه: أبو نصر يوسف وأبو محمد الحسين ذكر الامام أبو اسحاق الشيرازى أبا نصر في طبقة أبيه أبى الحسين، ولم يذكر أبا محمد. قال أبو اسحاق: كان أبو نصر فقيها فاضلا، وهو آخر من ولى القضاء ببغداد من ولد حماد بن زيد. وقال طلحة بن محمد بن جعفر: ما زال أبو نصر منذ نشأ، نبيلا نظيفا جميلا عفيفا، متوسطا في علمه بالفقه، حاذقا بصناعة القضاء، بارعا في الأدب والكتابة، حسن الفصاحة، واسع العلم باللغة والشعر، تام الهيئة، اقتدر على أمره بالنزاهة والتصاون والعفة، حتى وصفه الناس من ذلك بما لم يصفوا به أباه وجده، مع حداثة سنه، وقرب ميلاده من رياسته. قال: ولا نعلم قاضيا تقلده - يعنى بغداد - أعرق في القضاء منه، ومن أخيه الحسين، لأن أباه أبا الحسين، وجده أبا عمر ولد أبي عمر يوسف بن يعقوب، وأباه يعقوب، كلهم ولوا القضاء ببغداد، ما خلا يعقوب، فانه ولى قضاء المدينة ثم قضاء فارس. قال الخطيب: ولى أبو نصر القضاء في حياة أبيه وبعد وفاته. قال طلحة: لما خرج الراضى إلى الموصل، سنة سبع وعشرين، ومعه قاضي القضاة أبو الحسن، أمره أن يستخلف ابنه أبا نصر على

стр. 1590

مدينة السلام بأسرها، اذ علم أنه لا أحد بعد أبيه يجاريه، ولا انسان يساويه، فتبين للناس من أمره * ما بهر عقولهم، ومضى في الحكم على سبيل معروفة له ولسلفه، فلم يزل يخلف أباه على القضاء إلى أن توفى أبوه. قال الصولى. لما جلس القاضي أبو نصر خلفا لابيه عند خروجه إلى الموصل لحرب ابن حمدان، حضر محمد بن بدر الشداني (٨١٢) صاحب الشرطة، ونثر عليه دراهم ودنانير، وذلك سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وعمره اذ ذاك خمس وعشرون سنة. قال ابن سنان والصولى: قلد الراضى أبا نصر يوسف، وأبا محمد الحسين، مكان أبيهما، لسبع من وفاته، فجعل لأبي نصر قضاء القضاة ببغداد إلى المدائن، ولأبي محمد ما بين المدائن إلى البصرة، وخلع عليهما، فمرا في الشارع الاعظم، فكان مما كلم به أبو نصر أمير المومنين الراضى حين ولاه: قد استوفى سيدنا الانعام وكلمه، وشد بآخره أوله، فثبت الله وطأته، وأدام دولته. وقيل ان السلطان صادرهما بعد موت أبيهما، على عشرين ألف دينار، وباعا فيها - فيما حكاه ابن كامل - من كسوة أبيهما خاصة، بأربعة آلاف دينار وخمسمائة دينار. ثم قلد أبو محمد مدينة المنصور، مما كان بيد أخيه أبى نصر، سنة تسع وعشرين، وفى هذه السنة عزلا جميعا عن القضاء ببغداد. وكان السبب فى ذلك، ما جرى بين أبى نصر، وبين أبي عبد الله بن أبي موسى الهاشمى وكان ابن أبي موسى هذا أولا ممن سعى للقاضي أبي نصر في الولاية، ثم اتهمه أبو نصر بالسعى عليه لأخيه، فوقعت بينهما وحشة، فأخذ أبو نصر شهادة العدول بأن ابن أبي موسى ليس أهلا للشهادة، فاسقطه، وأشهد ابن أبي موسى ثلاثين عدلا، أنه لا يشهد عند أبي نصر أبدا، وتجرد في السعى عليه لأخيه، وأنفق من ماله ألوفا كثيرة، حتى صرف، وولى أبو محمد مكانه، فخلع عليه لعشر خلون من محرم، سنة تسع وعشرين.

стр. 1591

وقال ابن سنان: صرف أبو نصر عن القضاء في جمادى الأولى من هذه السنة، ثم رد إلى قضاء الجانب الشرقى فى شعبان منها، ثم عزلا جميعا في هذه السنة. وزعم القاضى أبو بكر بن الاخضر الداودى فى كتابه في أخبار أهل الظاهر، أن أبا نصر هذا انتقل آخرا من مذهب مالك إلى مذهب داود، وتقدم فيه، وتمم كتاب الايجاز، لمحمد بن داود. وأنشد الخطيب أبو بكر لأبي نصر القاضي: يا محنة الله كفى … ان لم تكفى فخفى ما آن أن ترحمينا … من طول هذا التشفى ذهبت أطلب بختي … فقيل لي قد توفى ثورينال الثريا … وعالم متخفى الحمد لله شكرا … على نقاوة صرفى (٨١٣) وتوفى يوم الاربعاء، لثمان خلون من ذى القعدة، سنة ست وخمسين وثلاثمائة، ومولده سنة خمس وثلاثمائة. *** هارون بن ابراهيم بن حماد بن اسحاق بن اسماعيل بن حماد كنيته أبو بكر، "ذكره ابن حارث فيمن تفقه باسماعيل (٨١٤) ". ولى قضاء مصر سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، وهو ببغداد، فكتب إلى عبد الرحمان بن اسحاق بن محمد بن معمر الجوهرى، والى أحمد بن على بن الحسين بن شعيب المداينى، فتسلما ديوان القضاء، وقرأ الجوهرى كتاب عهده بجامع مصر، وقد تضمن ولاية الصدقات، فتسلما الديوان ثم أفرد الجوهرى منهما بالنظر والحكم، وكان الجوهرى عفيفا عن أموال الناس، يذهب مذهب أبي حنيفة، فتولى ذلك

стр. 1592

إلى أن قدم أحمد بن ابراهيم خليفة لأخيه هارون، فعزل سنة ست عشرة وثلاثمائة، ثم وليها خليفة لأخيه هارون ثانية، سنة سبع عشرة، إلى أن صرف * بصرف أخيه، في سنة عشرين وثلاثمائة، ثم وليها من قبل القاهر أمير المومنين، سنة احدى وعشرين، ثم صرف صدر سنة اثنين وعشرين، بعد عزل ابن قتبة. وتوفى فجأة فى جمادى الأولى، سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة - أرى ببغداد - وكان يخضب بالسواد، وسنه يوم مات ثمان وخمسون سنة. *** أحمد بن ابراهيم "بن حماد بن اسحاق بن اسماعيل بن حماد" أخوه، كنيته أبو عثمان، يروى عن أبيه، وأبي جعفر الطحاوى، وأبى بكر بن عبد العزيز العمرى، حدث عنه أبو محمد بن أبي زيد. وخلف أخاه على قضاء مصر، فوردها سنة أربع عشرة وثلاثمائة، فحكم قضاءها إلى آخر سنة ست عشرة، فعزل، وولى قضاءها بعد ذلك بين خلافة وقضاء "ست" (٨١٥) مرات. *** سيرته ﵀ قال القاضى أبو طاهر الذهلي: كان أبو عثمان مشهورا بالحياء وخفض الصوت، أخبرني من حج معه، أنه كان اذا لبى، لبى بأخفض ما يكون، حتى كان النساء أرفع منه صوتا. قال غيره: كان لا يكاد كلامه من الحياء. واستكتب أبا حفص عمر بن أحمد بن شجاع.

стр. 1593

وعرض المرابطين لاول ولايته، والأعلام، ففرض لألف رجل ومائة رجل ونيف، وأصلح ثمانين علما. وفى ولايته الأولى حكم بتوريث ذوى الأرحام، وورد الكتاب بالامر بذلك من بغداد. وهذا أول من خرج من القضاة بمصر إلى مسجد محمود (٨١٦)، لرؤية هلال رجب، احتياطا لرمضان، وكان في مدة قضائه بمصر يسمع من أبي جعفر الطحاوي ويتردد عليه، إلى أن مات أبو جعفر. قال بعضهم: حضرت مجلس أبي جعفر الطحاوي، وعنده أبو عثمان بن حماد، وهو يومئذ قاضى مصر، فدخل اليه رجل، فسأل أبا جعفر عن مسألة، فقال له أبو جعفر: مذهب القاضي أيده الله كذا وكذا. فقال له السائل: ما جئت إلى القاضي، انما جئت اليك. فقال: يا هذا! مذهب القاضي ما قلت لك. فقال له السائل مثلما قال له أولا، فقال أبو عثمان: أفته أيدك الله. فقال أبو جعفر: اذا أذن القاضي أيده الله أفتيه. ثم أفتاه بعد، وذلك من فضلهما وأدبهما. مولد أبي عثمان سنة خمس وسبعين ومائتين. وتوفى بمصر، سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وقد لحقته حاجة وفقر. كفنه حين مات أبو بكر المادراني صاحب خراجها. على بن ابراهيم "بن حماد بن اسحاق بن اسماعيل بن حماد" *** أخوهما، كنيته أبو الحسن، يروى عن أبيه، والحارث بن أبي أسامة، ومحمد بن خلف، ووكيع، والبهلول بن راشد.

стр. 1594

روى عنه ابن أخيه أحمد بن عبد الوهاب، وأبو عبد الله التسترى، وأبو الحسن الدارقطني. *** عبد الصمد بن الحسين بن يوسف بن يعقوب ويعرف بابن أبي يعلى، كنيته أبو الحسين، سمع من عمه القاضي أبي عمر، وذكر أنه سمع من اسماعيل. روى عنه ابن أخيه أحمد بن عبد الوهاب. *** أبو الطاهر الذهلي قال الدارقطني: هو محمد، بن أحمد، بن عبد الله، بن نصر، بن يحيى، بن عبد الله، بن صالح، بن أسامة، الذهلى من بيوتات العلم ببغداد، وذوى الاقدار بها. سمع بشر بن موسى، وأبا أحمد بن عبدوس، وموسى بن هارون، وأبا بكر الفريابي، وجعفر بن يحيى القطان، وأبا اسحاق الزجاج. ومن شيوخه أيضا: أبو بكر بن محمد بن سليمان السروى، والقاضي أبو عمر الحمادي. سمع منه أبو الحسن الدارقطني، وعبد الغنى بن سعيد، وأبو القاسم الجوهرى، وأبو الحسن بن منير، وأبو القاسم بن أبي زيد. وانتخب * له أبو الحسن الدارقطني وعبد الغني بن سعيد، أجزاء من حديثه. قال الدارقطني: كتبت عنه بمصر، وأبوه القاضي أبو العباس أحمد، قاضى واسط، يروى عن الدورقى، ومحمد بن خداش، ومحمد

стр. 1595

بن عبد الله المخزومي، وعمران بن بكار، وابن النطاح، ومحمد بن خالد كتبنا عنه أمالينا. قال الفرغاني: كان أبوه من شيوخ القضاة بالعراق، ولى بها جليل الأعمال: كالبصرة، وواسط، وحدث عنه، وهم من أهل البيوتات ببغداد. قال الدارقطني وأخوه نصر بن عبد الله بن نصر "كتب عن ابن النطاح وغيره. وجدهم أحمد بن يحيى، أخو نصر (٨١٧) " بن يحيى يروى عن على بن الجعد، وعاصم بن على، وأبي بلال. قال الأمير فيه: كان ثقة، ثبتا، كثير السماع، فاضلا، بيته بيت جليل في الحديث والقضاء. قال الفرغانى: كان أبو الطاهر مسندا فى الحديث، فقيها بمذهب مالك، ثبتا، ثقة، أديبا، كاملا، ذا قدر وجلالة، وقدم في دولة بني العباس، وكان من شهود القاضى أبى الحسين بن حماد، وله به خاصة، ولاه القضاء بواسط، فنكب بها بحكم التركي، فتخلص بعدما أشفى على الهلكة، ثم ولى قضاء المدينة وعملها، أيام المتقى، سنة تسع وعشرين. وقال الصولى: انه انما ولى فى هذه السنة قضاء مدينة المنصور ببغداد عند آل حماد، ثم لفظته العراق، بأسباب الفتنة، بعد أن ولي جانبي بغداد، فخرج إلى مصر، وولى قضاء دمشق، فاختلف عليه أهلها، فصرف، ثم ولى قضاء مصر، سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، بعد الحصبي وابنه، ودخل جوهر، غلام بنى عبيد، مصر، وهو قاضيها، فبقى على قضائها. قال الفرغاني: وكان حسن السيرة والعلم بالعربية والادب. قال القاضي أبو عبد الله الحداد: كان محدث زمانه، وطال عمره.

стр. 1596

قال غيره: روى كتب الأدب عن ثعلب وأبي الفرج الأصبهاني. قال ابن أبي زيد: كان فقيها بمذهب مالك، وأديبا كاملا، وكانت له جلالة وقدر، مسندا في الحديث. قال القاضي أبو عبد الله: وتوفى أبو طاهر سنة سبع وستين وثلاثمائة، مولده سنة تسع وسبعين ومائتين. *** أبو عبد الله التسترى هو محمد بن أحمد "بن محمد بن عمر، وهو الصحيح في اسمه. قال الفرغاني: ويقال اسمه أحمد بن محمد" (٨١٨)، القاضي من أهل البصرة، ويعرف بالتسترى، وهو قريب لسهل بن عبد الله التسترى العابد، ذى الأقاصيص العجيبة. أخذ عن ابراهيم بن حماد، ومحمد بن خشنام، والبركاني، وغيرهم من أئمة المالكيين. وسمع من أبيه، وأحمد بن على بن الحسن، وابراهيم بن محمد الحلوانى، وجرير بن محمد الغطفاني وأبى عبد الله الزبيري، وأبى بكر بن أبي داود، وموسى بن سهل بن عبد الحميد، والحسن بن المثنى، والحسين بن اسحاق، ومحمد بن سليمان الباغندى، وعبد الله بن جامع الحلوانى، واللؤلؤى، وغير واحد. وكان له اتساع فى الرواية والحديث، وحظ من علم العربية، وكان ملازما للسنة، نافرا عن البدعة. حدث عنه ابنه، وجعفر بن نصر الخلدى. قال الفرغاني: وأدرك سهلا، وسمع منه حكايتين. قال: سمعته وهو يقول: من أصبح ولم يعتقد أنه يمسى في القبر لعبت به الشياطين طول يومه.

стр. 1597

قال: وسمعته يقول: الآكلون على ثلاثة أصناف: فآكل يأكل نورا وايمانا من أول طعامه إلى آخره، وآخر يأكل طعاما، وآخر يأكل سرجينا (٨١٩). فأما الذى يأكل نورا وايمانا من أول طعامه إلى آخره، فالذي يسمى الله عند كل لقمة ويحمده عند اساغتها. وأما الذى يأكل * طعاما، فالذي يسمى الله في أول طعامه ويحمده في آخره. وأما الذى يأكل سرجينا فالذى لا يذكر الله فى أول طعامه ولا فى آخره. أو كما قال: فانى كتبته من حفظى. قال الفرغاني: وتوفى سهل وهو صغير، ابن عشر سنين، مولده سنة ثلاث وسبعين ومائتين، ووفاة سهل سنة ثلاث وثمانين ومائتين. قال: وكان أبو عبد الله هذا، عالما بمذهب مالك، شديد التعصب له، ووضع فى مناقبه نحو عشرين جزءا، وقد طالعتها وانتقيت في هذا الكتاب فى أخبار مالك عيونها، وقد أدخل جميع ماله فيها من كلام صاحب كتاب الاستيعاب في جامعه. وله كتاب فى فضائل المدينة والحجة بها. وكان ندب فى أيام على بن الجراح لتفقيه أهل مدينة الرسول ﵇، فأقام بها زمانا طويلا، ثم عاد إلى العراق، وتقلد قضاء البصرة بلده سنين، ثم قصده أحد رؤسائها بمكروه كثير، لوحشة جرت بينهما، فصرف عن القضاء، وقصد إلى الوزير المهلبي إلى الاهواز، فشكا اليه أمره، فوعده بكل جميل، ونوى صرفه إلى القضاء، فغير عليه، فعاد إلى البصرة، فجرت له بها أقاصيص مع المعتزلة، فنبت به الدار، وقصد بغداد، سنة خمس وأربعين، فلقيه يوما بها الشريف أبو عبد الله بن المراغى الصغير العلوى فى بعض الطرق، فقال له: أنت تقول أن الله يرى يوم القيامة، وأن القرآن غير مخلوق. قال نعم.

стр. 1598

فبصق في وجهه، وقيل انه لعنه وسبه أقبح سب، ففت ذلك في عضده، وأعله، وأحدث به ورما، فذكر أنه قال لولده: هذه علة لم أعتل قط مثلها، وأحسبها علة الموت، فاذا مت فلا تزدني على ثوبين، تدرجنى فيهما، بثمن أربعين درهما، وتبخرهما بنصف أوقية عود، وادفني عند قبر معروف، فانها بقعة مباركة. فمات ﵀ في شهر الأول ربيع من السنة التي قدم فيها بغداد، وهى سنة خمس وأربعين المذكورة، وسنه اثنان وسبعون سنة، وقد تقدم مولده. *** بكر بن العلاء القشيري هو بكر بن محمد، بن العلاء، بن محمد، بن زياد بن الوليد، بن الجهم بن مالك، بن ضمرة، بن عروة، بن شنوءة، بن سلمة الخير، بن بشير، بن كعب، القشيرى. كذا نسبه غير واحد، كنيته أبو الفضل. وأمه من ولد عمران بن حصين صاحب رسول الله ﷺ . كذا حكى عنه محمد بن عمر بن عيشون الطليطلي. وهو من أهل البصرة، وانتقل إلى مصر، وهو من كبار فقهاء المالكيين رواية للحديث. وذكره أبو اسحاق الشيرازى فى أصحاب اسماعيل بن اسحاق. وقال أبو عمر الطلمنكي: هو معدود في أصحاب اسماعيل بن اسحاق. وقال الفرغاني وغيره: انه لم يدرك اسماعيل ولا سمع منه. وقد حدث بكر عن اسماعيل فى كتبه بالاجازة، ولا يبعد سماعه من اسماعيل، اذ قد أدركه بالسن، كما تراه في وفاته وسنه.

стр. 1599

سمع من كبار أصحاب إسماعيل وغيرهم، كابن خشنام والبريكانى والقاضي أبي عمر، وإبراهيم بن حماد، وجعفر بن محمد الفرياني. وروى عن أحمد بن إبراهيم بن عبيد، وسعيد بن عبد الرحمان الكرابيسي، ومحمد بن صالح الطبرى، وأبي خليفة الجمحي، وغيرهم من أئمة الفقه والحديث. حدث عنه من لا ينعد من المصريين والأندلسيين والقرويين وغيرهم. فممن حدث عنه ابن أبي عراك، والنعال، وأبو محمد النحاس، وابن عون الله، وأبو زيد بن أبي عامر البستي. قال الفرغاني: كان بكر* من كبار الفقهاء المالكيين بمصر، وتقلد أعمالا للقضاة، وكان راوية للحديث، عالما به، وأوله من البصرة، وخرج من العراق لأمر اضطره، فنزل مصر قبل الثلاثين والثلاثمائة، وأدرك فيها رئاسة عظيمة، وكان قد ولى القضاء ببعض نواحى العراق. وعده أبو القاسم الشافعي في شيوخ المالكيين الذين لقيهم، وأثنى عليه. وألف بكر كتبا جليلة، منها كتاب الأحكام، المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق، بالزيادة عليه، وكتاب الرد على المزني، وكتاب الأشربة، وهو نقض كتاب الطحاوى، وكتاب أصول الفقه، وكتاب القياس، وكتاب في مسائل الخلاف، وكتاب الرد على الشافعي في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة، وكتاب الرد على القدرية وكتاب من غلط في التفسير والحد ومسألة الرضاع ومسألة بسم الله الرحمن الرحيم ورسالة إلى من جهل محل مالك بن أنس من العلم. ورأيت له كتاب مآخذ الأصول، وكتاب نزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكتاب ما في القرآن من دلائل النبوة، وغير ذلك. وذكر أبو مروان بن مالك الفقيه القرطبي، أن بكرا قال: احتبس بولى وأنا صبى، نحو سبعة أيام، فأتى بى والدى إلى سهل، يعنى

стр. 1600

التسترى، ليدعو لى، فمسح بيده على بطني، فما هو إلا أن خرجنا بلت على عنق الغلام. توفى بمصر، ليلة السبت، لسبع بقين من ربيع الأول، سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقد جاوز الثمانين سنة بأشهر، وشهدت جنازته، ودفن بالمقطم. قال أبو عبد الله بن عيشون: وأنشدنا بكر بن العلاء: ومن شيمتى ألا أفارق صاحبا … على حالة إلا سألت له رشدا فإن عاد بي ودى رجعت ولم أكن … كآخر لا يرعى ذماما ولا عهدا * * * أبو على محمد بن سليمان بن علي المالكي البصري القاضي بها، يروى عن زيد بن أخزم، وأبي حفص الغلاس، والنضر بن طاهر، وبندار، ومحمد بن عبد الملك. حدث عنه الدارقطني. سمع عنه بالبصرة أبو محمد بن إسماعيل. * * * أبو جعفر بن قتيبة هو أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة بن مسلم الدينوري، البغدادي، النسابة (٨٢٠).

стр. 1601

كان مالكي المذهب، من أهل العلم والحفظ لكتب أبيه، والإتقان. سمعت منه كتب أبيه من حفظه، وكان يحفظها كما يحفظ القرآن، ويرد فيها من حفظه النقطة والشكلة، وما معه نسخة. كان أبوه أبو محمد حفظه إياها في اللوح، وعدتها واحد وعشرون مصنفا: كتاب المشكل، وكتاب معاني القرآن، وكتاب غريب القرآن، وكتاب غريب الحديث، وكتاب عيون الأخبار، وكتاب مختلف الحديث، وكتاب التفسير، وكتاب الفقه، وكتاب المعارف وكتاب أعلام النبوة، وكتاب العرب والعجم، وكتاب الأنوار، وكتاب الميسر، وكتاب طبقات الشعراء، وكتاب معاني الشعر، وكتاب إصلاح الغلط، وكتاب أدب الكتاب، وكتاب الأبنية، وكتاب النحو، وكتاب المسائل، وكتاب القراءات. سمع منه خلق عظيم من الجلة بالعراق ومصر، كأحمد بن ولاد، وأبي جعفر النحاس، وأبي عاصم المظفر بن أحمد، وأبي على القالي، وغيرهم من جلة أهل الأدب والرواية. وكان مجلسه لعيون الناس وأعيان النبهاء، ولم يكن عنده حديث إلا ما في كتب أبيه. وولى قضاء مصر، سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وردها وقد لبس السواد، وحكم في جامعها، واستخلف الفقيه أبا الذكر المالكى على فرض النساء، وكانت في خلقه حدة. وتوفى في ربيع الأول سنة * اثنين وعشرين، بمصر، بعد صرفه، وكانت ولايته القضاء بمصر ثلاثة أشهر. وله ابن اسمه عبد الواحد: روى عن أبيه، سمع منه أبو عبد الله الوشاء المصرى. * * *

стр. 1602

ومن أهل مصر: ابن القرطى (محمد بن القاسم بن شعبان) هو أبو إسحاق، محمد بن القاسم، بن شعبان، بن محمد بن ربيعة، بن داود، بن سليمان، بن أيوب بن الصيقل (٨٢١)، بن أبى عبيدة، بن محمد بن عمار، بن ياسر، كذا حكى أبو القاسم بن سهل الحافظ، وذكر أنه نسب له نفسه كذا، ويقال: أن عمارا من عنس (٨٢٢) وعنس من مذحج، ويعرف بابن القرطى، بقاف مضمومة، وراء ساكنة، بعدها طاء مهملة مكسورة، وياء النسب. قال الفرغاني: كان رأس الفقهاء المالكيين بمضر في وقته، وأحفظهم لمذهب مالك، مع التفنن في سائر العلوم، من الخبر والتاريخ والأدب، إلى التدين والورع، وذكر أنه كان يلحن، ولم يكن له بصر بالعربية مع غزارة علمه، وكان واسع الرواية، كثير الحديث، مليح التأليف. قال ابن مفرج العنسي: هو شيخ الفتوى وحافظ البلد. وكذلك قال أيضا ابن أبي زيد فيه. وقال الشيرازي: وإليه انتهت رياسة المالكيين بمصر، ووافق موته دخول بني عبيد الروافض، وكان شديد الذم لهم، ويقال انه كان يدعو على نفسه بالموت قبل دولتهم، ويقول: اللهم أمتني قبل دخولهم مصر. فكان كذلك. قال القابسي: أرسل معز بنى عبيد قبل دخوله مصر، إلى أبى إسحاق بن شعبان، صلة من مائة مثقال، وكتابا مع رسوله ابن الديلمي، فقرض ابن شعبان من الكتاب "بسم الله الرحمن الرحيم" وأحرق باقيه في الشمعة أمام الرسول، ورد المائة عليه، وقال للرسول: لولا أنه ثبت عندى أنك سنى، ما خرجت من هذه الدار، ولجعلت من يقتلك.

стр. 1603

وذكر لى أن أبا الحسن القابسي، أو أبا محمد بن أبي زيد - وغالب ظني أنه أبو الحسن - كان يقول في ابن شعبان: أنه لين الفقه، وأما كتبه ففيها غرائب من قول مالك، وأقوال شاذة عن قوم لم يشتهروا بصحبته، ليست مما رواه ثقاة أصحابه، واستقر من مذهبه. قال أبو حيان: كان الحكم المستنصر، أمير المؤمنين بالأندلس، يوجه كل عام إلى كل واحد "من علماء مصر، سرا، صلة سنية، "ويخص ابن شعبان بضعفها". قال ابن أبي يزيد المصرى: كان الذي يوجه لكل واحد" (٨٢٣) منهم مائتى مثقال، ويضعفها لأبى إسحاق، وفعل ذلك بعده صاحب القيروان، فردها ابن شعبان "وأساء القول فيه، ولم يقبلها إلا حمزة الكناني المحدث، فأنكر ذلك عليه ابن شعبان (٨٢٤) فاعتذر له، فأعرض عنه ابن شعبان، ولم يوافقه على قبوله إياها. وألف كتابه الزاهي الشعباني المشهور في الفقه (٨٢٥)، وكتابه في أحكام القرآن، وكتاب مختصر ما ليس في المختصر، وكتاب مناقب مالك، وكتاب شيوخ مالك، وكتاب الرواة عن مالك، وكتاب جماع النسوان، وكتاب مواعظ ذى النون الأخميمى، وكتاب النوادر، وكتاب الأشراط، وكتاب المناسك وكتاب السنن قبل الوضوء. قال الفرغاني: وتوفى ابن شعبان يوم السبت، لأربع عشرة بقيت من جمادى الأولى، سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، ودفن يوم الأحد، وقد جاوز سنه ثمانين سنة، وصلى عليه أبو على الصيرفي وخلق عظيم. * * * أبو على الحسين بن أيوب بن سليمان المعروف بالصيرفي قال الفرغانى: كان من وجوه المالكيين بمصر، مقدما فيهم، مع

стр. 1604

عفة وسعة جاه، وكان إليه * أمر الوقوف (٨٢٦) بمصر سبعة أشهر، في ذى الحجة، بعد ابن شعبان بنحو سبعة أشهر، في السنة التي مات فيها، وحضر جنازته كافور أمير مصر، وقل من تخلف عنها، ودفن بالمقطم، وهو ابن أربع وتسعين سنة. * * * أبو الحسن التلباني اسمه على بن جعفر بن أحمد القاضي روى عن ابن أبي مطر. يروى عنه أبو الحسن القابسي، وأبو زيد بن أبي غافر الكتامى من أهل سبتة. وكان أحد مشيخة المالكيين بمصر ثم نزل جزيرة أقريطش. "قال أبو الوليد الباجي: هو فقيه معروف. قال الفرغاني: وكان أهل أقريطش" (٨٢٧) قد كتبوا إلى مصر يسألون أن يوجه إليهم من يفقههم ويتقلد حكمهم، فوقع الاتفاق عليه، فخرج إليها، وأقام بها إلى أن دخلها الروم واستحوذوا عليها، من سنة خمسين وثلاثمائة وملكوها إلى وقتنا هذا، ردها الله دار اسلام بمنه. * * * محنته وأخباره في أسره كان أبو الحسن فيمن أسر بأقريطش، وحمل إلى القسطنطينية دمرها الله تعالى، وجرت بينه وبين نقفور (٨٢٨) الطاغية ملكها مناظرات.

стр. 1605

قال التلباني: أحضرنى نقفور ليلا بالقسطنطينية، فكان أول ما خاطبني به أن قال لى: ما علمت أنك ها هنا حتى عرفت أنه مات ابنك اليوم، فتذكرت أمرك. فدعوت له (٨٢٩). ثم قال لي: أنت تقول أن الخير من الله والشر من الله. قلت: نعم. وذلك أن النصارى كلهم على مذهب القدرية في الاستطاعة. فقال لى نقفور: فكيف يعذب عليه؟ إذ هذا ظلم لا يشبهه. فقلت له: لم يضطره إلى ما خلق مضطر (٨٣٠). ثم قلت له: هل كان حتما عليه أن يخلق أم لا؟ (٨٣١). فلم يجد جوابا، ثم قال لي: عيسى بشر به جميع الأنبياء، ونبيكم لم يبشر به أحد من الأنبياء. فقلت له: نبينا قد بشر به جميع الأنبياء أيضا. قال: لا، فأوجدنيه في كتابكم فهو عندنا. فقلت له: أنا أوجده في كتابكم وكتابنا. قال: لئن لم تفعل تموت. قلت: فمن يحكم بيننا إذا اختلفنا؟ قال: اليهود. قلت: أعداؤنا وأعداؤكم، كيف نحكمهم علينا؟ فسكت، ثم قال لى أيضا: وأنتم لم تجتمعوا على نبيكم، فإن منكم من يقول: أن النبي على.

стр. 1606

فقلت: ليس من يقول هذا عندنا مسلما. وجسرت فقلت: وأنتم أيضا مختلفون في البارى تعالى، وذكرت له مقالاتهم. فقال لي في بعض كلامه: خرج رجل فأظلته سحابة، فنظر فيها فعمى، وكان فيها عيسى. فقلت: وهذا أيضا من أعجب العجب، أن أقام عيسى بين الناس مدة ينظرون إليه وينظر إليهم، ويكلمهم، فلم يعم من نظر إليه، فلما تباعد عمى من نظر إليه. فسكت، وتكلم معى في غير هذا أيضا، فرأيت أنه نظر في شيء من الكلام لم يحسنه، وذهب به العجب مذهبه، وكان صحبه رجل من معتزلة البصرة طرق له شيئا من الكلام هوسه (٨٣٢). * * * أبو بكر محمد بن سليمان بن أبي الشريف واسمه إبراهيم بن عبد الله بن المهلب، القضاعي، الحوتكي، الحرسى، وقد ذكرناه. وأبو بكر هذا من فقهاء المالكية بالفسطاط، والمدرسين في جامعه. يروى عن محمد بن مكى الخولاني، وعن أبي الحسن بن تدمير. روى عنه أبو القاسم الجوهرى، ويحيى بن عابد، وأبو الحسن القابسى. وذكر أبو القاسم بن أبي زيد المصرى في تاريخه: أن أبا بكر هذا، هو الذي حج بالناس سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، باجتماع من حضر الموسم، لفتنة كانت، لفتنة كانت بالموسم، فصلى بالناس في مسجد إبراهيم. * * *

стр. 1607

أبو القاسم بن النحاس من كبار فقهاء المالكية بمصر، وكانت له حلقة تلى حلقة ابن شعبان، بجامع الفسطاط، ذكر ذلك الفرغاني. * * * * أبو بكر بن فهد من فقهاء هذه الطبقة، ودرس بجامع الفسطاط، مكان أبى بكر بن أبى الأصبغ، بعد وفاته، ذكره الفرغاني. * * * أبو الذكر محمد بن يحيى بن مهدى التمار من أهل أسوان، قاضى مصر، قال الشيرازي: تفقه بالمغافى، سمع منه أبو الطاهر محمد بن عبد الغنى. ولى قضاء مصر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، خليفة لأبي يحيى عبد الله بن مكرم، لما ولى قضاءها وهو ببغداد، كتب إلى الطحاوي، وعلى بن أحمد بن سليمان، وموسى بن عبد الله، وعبد الله بن محمد السجستاني، في اختيار رجل يرضونه، ينظر بين الناس، فوقع اختيارهم عليه، ثم ولاه ابن طغج بعد هذا سنة ثلاثين وثلاثمائة أيضا، النظر بين أهل مصر، عند موت القاضي ابن بدر الصيرفي. قال ابن حارث: كان فقيه مصر في وقته، وكانت له حلقة في جامعها، وبه كان يلوذ كل مالكى بها، إلا قليلا، وتناظر عنده فقهاء من القرويين: أبو محمد العتمى، وأبو الفضل الممسى (٨٣٣). وكان يجلس للتفقه بجامع الفسطاط، من صلاة الصبح إلى الزوال، ومن الظهر إلى العصر.

стр. 1608

وذكر بعضهم أن أبا بكر بن الحداد الشافعي أيام نظره في قضاء مصر، تقدم إليه رجل جحد ابنة له من زوجته، فنظر في لعانهما، ووعد النزول فيه بعد العصر للجامع، ويجلس على المنبر، ويتهيأ ويقيمهما (٨٣٤) للغان، وأعد رجلا يضرب على فم الزوج عند فراغه، وامرأة تضرب على فم المرأة عند فراغها. ويقول: إنها موجبة على مذهب الشافعي. وتبادر الناس للاجتماع لذلك، فتلطف أبو الذكر للرجل حتى اعترف بالبنت، وبالمرأة حتى أعفته من الحد. ورفع الأمر إلى أبي بكر بن الحداد، فعلم أنه قطع به عن مراده، فأمر بحمل البنت على أبيها والنداء عليهما بمصر: هذا الذي جحد ابنته، فأعرفوه. وأمر بإيقافهما بمجلس أبى الذكر. قال ابن حارث: وتوفى قريبا من سنة عشرين وثلاثمائة. وذكر الشيرازي غير هذا. والذي يأتى على ما تقدم من ولايته، أن وفاته بعد هذا كله، والصحيح أن وفاته سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، كذا قيدها ابن أبي زيد في تاريخه في المصريين سنة وفاة أبي بكر الصموت بها. * * * مؤمل بن يحيى بن مهدى التمار أخوه، أكثر الناس يقوله بفتح الميم الثانية، ووجدته بخط بعضهم مكسورة، مع التشديد في الوجهين. جلس مجلس أخيه بعد موته، وكانا معا ممن يدرس في جامع الفسطاط.

стр. 1609

سمع مؤمل من حمد يس، ومحمد بن عمر، وأحمد بن محمد بن عبد العزيز، وأبى الطاهر محمد بن جعفر البرسيمى. سمع منه حمزة بن محمد الحافظ، وسلمة بن سعيد الاستجى، وأبو القاسم الجوهرى. أبو جعفر أحمد بن محمد بن هارون بن موسى المعروف، بابن الاسوانى، من مشاهير فقهاء المالكية بالفسطاط والمدرسين بجامعها من هذه الطبقة. يروى عن أبي القاسم بن حديد (٨٣٥)، ومحمد بن عمر بن النفاخ الباهلي، وموسى بن عبد الله بن أبى مروان، وغيلان البدارى (٨٣٦)، وأبي طالب الخشاب. روى عنه أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمى، وعبد الغنى بن سعيد الحافظ، وأبو الحسن بن الطفال، وأبو الحسن بن فهر، وأبو هارون الصدينى الفارسى. *** على بن عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي مطر المعافرى تقدم ذكر أبيه. قال ابن أبي زيد المصرى: ولى قضاء مصر عند وفاة أبيه، سنة سبع وثلاثين (٨٣٧) وثلاثمائة. قال الفرغانى: وهو شيخ صالح، يروى عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن خزيمة، وروى عنه أبو القاسم * خلف بن محمد. قال الفرغانى: ولما توفى ولى ابنه بعده "ولم يسمه.

стр. 1610

قال القاضي ﵀: اسمه عبد الله، وقد ولى بعده ابنه" (٨٣٨) على بن عبد الله، روى عنه أبو ذر، وسنذكره بعد أن شاء الله تعالى. وذكر الفرغانى أن وفاة أبى مطر، سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة. *** أبو الحسن أحمد بن عبد الرحمان بن القاسم بن حبيش بن سليمان بن برد مولى تجيب (٨٣٩)، تقدم ذكر سلفه، وهم بيت جلالة في العلم بمصر، تكرر فيهم العلم والحديث والفقه، من سليمان جدهم صاحب مالك ﵁ إلى هذا الوقت. *** عمر بن محمد بن أبي حجيرة أبو حفص، قرطبى، ولزم فسطاط مصر، وحدث بها عن ابن النفاح وغيره، ورأس بها في الفتيا على مذهب مالك. حدث عنه من الأندلسيين العابدى، ومحمد بن أحمد بن يحيى، قاله القرطبي. *** ولد أبى بكر محمد بن رمضان بن شاكر الحميرى الزيات كذا قرأت نسبه بخط الحكم أمير المومنين. وأبوه أحد مشاهير فقهاء المالكية بمصر، وكانت له حلقة بجامعها، مع أبى بكر بن الحداد، وأبي جعفر الطحاوى وطبقته، وقد ذكرناه، ولا أقف على اسم ابنه هذا.

стр. 1611

وقد ذكر ابن أبي دليم ولده هذا، وقال: كان صاحب حجة المالكية في وقته، والمناظر دونهم، ولم يذكر اسمه. وكذلك في كتاب ابن حارث. إلا أنى وجدت أبا مروان الضبى، ذكر أبا الحسن على بن يعقوب الزيات المعروف برمضان، وذكر له زيادة أقوال بعض الفقهاء في مختصر ابن عبد الحكم على ما زاده البرقى، فلا أدرى أهو ذلك غلط في اسم أبيه، أو هو آخر من آل رمضان، والله أعلم، والتأويل الأول أشبه. *** أبو محمد عبد الله بن أحمد بن القاسم بن يوسف بن موسى الأنصارى المعروف بابن ملول أندلسى الأصل وشقة وسكن مصر وسمع الصموت والفرغانى، وأبا بكر بن داود البغدادى، واعتنى بالتاريخ، والخبر، وهو كان الغالب عليه، مع الأدب. وصنف. قال أبو محمد الفرغانى: كان عالما، متفننا، حافظا متقدما في فنون العلم، له نظر ثاقب، وشعر حسن. قال ابن الفرضى: قال أبو عمر: دخلت عليه بمصر وهو عليل فقال: ناولنى تلك المخدة (٨٤٠)، ثم أنشد: يا خد إنك إن توسد لينا … وسدت بعد الموت صم الجندل فامهر لنفسك صالحا تنجو به … فلتند من غدا إذا لم تفعل وتوفى بمصر في ذى القعدة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.

стр. 1612

ومن الشاميين: أبو بكر محمد بن علي النابلسى كبير أهل مدينة الرملة، وفقيهها، وكان مطاعا في بلده مسموعا، منه، متبع الرأى، وكان فقيها زاهدا، مالكى المذهب، ذا يسار وظهور، وكان شديدا على بنى عبيد حين ملكوا مصر والشام، ذا ما لهم، منفرا للعامة عنهم، قاليا لهم. قال ابن سعدون: وكان شيخا صالحا: قال أبو إسحاق الرقيق في تاريخه: هو رجل معروف بالعلم، وكان يفتى في المحافل باستحلال دم من أتى من المغرب، ويستنفر الناس لقتالهم، يزيد بنى عبيد. قال: وكان أغلظ عليهم من القرامطة. قال القاضي ﵁: وإنما سلك في هذا مسلك شيوخ القيروان، في خروجهم عليهم مع أبى يزيد، أبي يزيد، لاعتقادهم كفر بنى عبيد قطعا، وقالوا لأبى يزيد: أنت رجل من أهل القبلة، نقاتل بك من كفر بالله ورسوله. *** ذكر محنته مما ذكره * الرقيق، وابن أبي يزيد، وابن سعدون: كان ﵀ لما قام الأعصم القرامطى، ونهض إلى الشام، واسمه الحسن بن أبى منصور، وأتى من موضعه بالأحساء، فحل بالرملة بجيوشه، سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وفر أمامه أميرها، لم يسع أبا بكر هذا إلا مداراته على بلده، لئلا يستبيحه، فأدخله الرملة، ولم يخالفه أهل البلد، ووقوا كثيرا من شره. ثم زحف الأعصم إلى مصر، وحاصر القاهرة، وبها العبيدى صاحب القيروان، الملقب بالمعز، إثر وصوله إليها وغلامه جوهر

стр. 1613

الصقلى، إلى أن هزموا الأعصم، وفر أمامهم إلى بلده الإحساء، وذلك في سنة أربع وستين. وانبعثت عساكرهم، فخرج أبو بكر النابلسى من الرملة خائفا منهم إلى دمشق، فلما حصل بها قبض عليه بعض عظمائها، وحمل إلى مصر مع ابنه من جملة الأسرى الذين قبض عليهم في الهزيمة، وكانوا نحو ثمانمائة، فشهروا على الجمال، وأمر بضرب أعناقهم على النيل، ورمى جثتهم به، إلا النابلسى فإنه أمر أن يسلخ من جلده بعد أن قتل ابنه بين يديه فرمى بنفسه لما سمع ذلك عن الجمل الذي كان عليه" (٨٤١). وقال لجوهر: عرف السلطان أنى أفدى نفسى لخمسمائة ألف. فدخل جوهر ثم خرج فقال: اذهبوا به واسلخوه. فرمى بنفسه ثانية، فلطم شديدا، وحمل إلى المنظر، فبطح على وجهه بالأرض، وجلس على صدره ووركيه، ومسك جدا، وشق السلاخون عرقوبيه، ونفخ كما تنفخ الشاه، ثم سلخ، وهو في كل هذا يقرأ القرآن بصوت قوى وترتيل، إلى أن انتهى السلخ إلى كتفيه، فتغاشى، ثم مات، فصلب جسده بناحية، وجلده بعد أن حشى بناحية، رحمة الله عليه. وذكر أبو الحسن بن جهضم في كتابه، في صدق فراسة المومن، قال: لما قدم أبو الحسن على بن محمد بن سهل الرملة، خرج إليه جماعة يلقونه، ومنهم والد أبى بكر النابلسى، وابنه أبو بكر معه، فلما نظر الشيخ إليه قال: مرحبا بشهيد مصر. وكان هذا في سنة عشرين، واستشهد في التاريخ المتقدم بعد هذا بنيف وأربعين سنة. وذكر ابن جهضم أن قتله كان سنة ثلاث وستين، والأول أصح. قال ابن سعدون: لما أتى بأبى بكر، وبابنه أسيرين، اختار الشيخ أن يقتل ابنه قبله، حتى يحتسبه ويكون في ميزانه، فكان ذلك،

стр. 1614

فدعا الله تعالى على قاتله أن يفجعه الله بابنه، وكان لمعز ولد اسمه عبد الله، لقبه المهدى، فقبل الله دعاء الشيخ، وأماته في حياة أبيه، وأفجعه به. قال القاضي عياض: رأيت مثل هذه الحكاية لغيره، وحكيت لنا من طريق عن عبد الله بن يربوع من أهل بلدنا، وكبيره وفقيهه، حين قتله القرشيون الأدارسة، أمراء سبتة، هو وابنه أحمد، أنه اختار تقديم ابنه، فإن كان هذا باللفظ والرغبة، فهو خطأ في الفقه وغفلة عظيمة في العلم. لأنه معين على تقديم من قدمه للقتل، باستعجاله له قبل نفسه، ولعل القدر لو قدم هو، لحال بينه وبين ولده، ونجاه من القتل بلطف من الطاف الله، كما نجى غير واحد من أصحابه. وبعكسها حكاية أبى الحسن النورى، حين قدم الصوفية ببغداد للقتل، فبرز للسياف متقدما سابقا لهم، وقال: أتصدق بهذه الساعة التي أقتل فيها على أصحابى. فنجى الله جميعهم من القتل، وهذا لا شك معين على نفسه وتقديمه لعل الله يلطف به في الساعة الثانية لو تأخر وينجيه. *** (١٠٦) * ومن أهل أفريقية: أبو بكر بن اللباد واسمه محمد بن محمد بن وشاح، مولى الأقرع، مولى موسى بن نصير اللخمى، وكان وشاح حائكا. من أصحاب يحيى بن عمر "وبه تفقه. وأخذ عن أخيه محمد أخيه محمد بن عمر" (٨٤٢) وابن طالب، وحمديس القطان، وأحمد بن يزيد، وعبد الجبار بن خالد، والمغامى، وأحمد بن أبى سليمان.

стр. 1615

وسمع من الشيوخ الذين كانوا في وقته، كأبى بكر بن عبد العزيز الأندلسى المعروف بابن الجزار، وحبيب بن نصر، وأبى عمران البغدادى، وأحمد بن يزيد، وأبى الطاهر، ومحمد بن المنذر، والزبيدى، وأبى عبد الله بن محمد بن معمر، وزيدان، وغيرهم. سمع منه جماعة من الناس، وتفقه به أبو محمد بن أبى زيد، وابن حارث وغيرهم. وممن روى عنه زياد بن عبد الرحمان القروى، ومحمد بن الناظور، ودراس بن إسماعيل، ولم تكن له رحلة ولا حج. *** ذكر الثناء عليه وفضله ودينه وعلمه قال ابن حارث: وكان عنده حفظ كثير، وجمع للكتب، له حظ وافر من الفقه، شغله، شغله اسماع الكتب عن التكلم في الفقه، وكانت مذاكراته تعسر، لم ينتفع به لضيق في خلقه، وكان من شيوخ وقته (٨٤٣). قال أبو العرب: وكان فقيها "ثبتا ثقه. قال ابن أبي دليم: كان حافظا، معينا للناس. قال غيره: وكان مجاب الدعوة، حفظت عنه إجابات، كثير الاتباع للسنن. قال الخراط: وكان فقيها" (٨٤٤) جليل القدر، عالما باختلاف أهل المدينة واجتماعهم، مهيبا مطاعا. قال ابن حارث: وكان أولا يكتب لابن الخشاب، إذ كان على مظالم القيروان، وكان الغالب على خلقه الحرج. وفى تعليق أبى عمران: كان من أهل الحفظ والضبط لكتبه. وذكره أبو بكر بن عبد الرحمان فأثنى عليه بالدين والورع والزهد، قال: كان من الحفاظ المعدودين، والفقهاء المبرزين. وذكر عن الأبيانى أنه قال: إنما انتفعت بصحبة ابن اللباد، ودرسته معه عشرين سنة.
следующие страницы →