وقد ذكر ابن أبي دليم ولده هذا، وقال: كان صاحب حجة المالكية في وقته، والمناظر دونهم، ولم يذكر اسمه.
وكذلك في كتاب ابن حارث.
إلا أنى وجدت أبا مروان الضبى، ذكر أبا الحسن على بن يعقوب الزيات المعروف برمضان، وذكر له زيادة أقوال بعض الفقهاء في مختصر ابن عبد الحكم على ما زاده البرقى، فلا أدرى أهو ذلك غلط في اسم أبيه، أو هو آخر من آل رمضان، والله أعلم، والتأويل الأول أشبه.
***
أبو محمد عبد الله بن أحمد بن القاسم بن يوسف بن موسى الأنصارى المعروف بابن ملول
أندلسى الأصل وشقة وسكن مصر وسمع الصموت
والفرغانى، وأبا بكر بن داود البغدادى، واعتنى بالتاريخ، والخبر، وهو كان الغالب عليه، مع الأدب. وصنف.
قال أبو محمد الفرغانى: كان عالما، متفننا، حافظا متقدما في فنون العلم، له نظر ثاقب، وشعر حسن.
قال ابن الفرضى: قال أبو عمر: دخلت عليه بمصر وهو عليل فقال: ناولنى تلك المخدة (٨٤٠)، ثم أنشد:
يا خد إنك إن توسد لينا … وسدت بعد الموت صم الجندل
فامهر لنفسك صالحا تنجو به … فلتند من غدا إذا لم تفعل
وتوفى بمصر في ذى القعدة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.
стр. 1612
ومن الشاميين:
أبو بكر محمد بن علي النابلسى
كبير أهل مدينة الرملة، وفقيهها، وكان مطاعا في بلده مسموعا، منه، متبع الرأى، وكان فقيها زاهدا، مالكى المذهب، ذا يسار وظهور، وكان شديدا على بنى عبيد حين ملكوا مصر والشام، ذا ما لهم، منفرا للعامة عنهم، قاليا لهم.
قال ابن سعدون: وكان شيخا صالحا:
قال أبو إسحاق الرقيق في تاريخه: هو رجل معروف بالعلم، وكان يفتى في المحافل باستحلال دم من أتى من المغرب، ويستنفر الناس لقتالهم، يزيد بنى عبيد.
قال: وكان أغلظ عليهم من القرامطة.
قال القاضي ﵁: وإنما سلك في هذا مسلك شيوخ القيروان، في خروجهم عليهم مع أبى يزيد، أبي يزيد، لاعتقادهم كفر بنى عبيد قطعا، وقالوا لأبى يزيد: أنت رجل من أهل القبلة، نقاتل بك من كفر بالله ورسوله.
***
ذكر محنته
مما ذكره * الرقيق، وابن أبي يزيد، وابن سعدون: كان ﵀ لما قام الأعصم القرامطى، ونهض إلى الشام، واسمه الحسن بن أبى منصور، وأتى من موضعه بالأحساء، فحل بالرملة بجيوشه، سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وفر أمامه أميرها، لم يسع أبا بكر هذا إلا مداراته على بلده، لئلا يستبيحه، فأدخله الرملة، ولم يخالفه أهل البلد، ووقوا كثيرا من شره.
ثم زحف الأعصم إلى مصر، وحاصر القاهرة، وبها العبيدى صاحب القيروان، الملقب بالمعز، إثر وصوله إليها وغلامه جوهر
стр. 1613
الصقلى، إلى أن هزموا الأعصم، وفر أمامهم إلى بلده الإحساء، وذلك في سنة أربع وستين.
وانبعثت عساكرهم، فخرج أبو بكر النابلسى من الرملة خائفا منهم إلى دمشق، فلما حصل بها قبض عليه بعض عظمائها، وحمل إلى مصر مع ابنه من جملة الأسرى الذين قبض عليهم في الهزيمة، وكانوا نحو ثمانمائة، فشهروا على الجمال، وأمر بضرب أعناقهم على النيل، ورمى جثتهم به، إلا النابلسى فإنه أمر أن يسلخ من جلده بعد أن قتل ابنه بين يديه فرمى بنفسه لما سمع ذلك عن الجمل الذي كان عليه" (٨٤١). وقال لجوهر: عرف السلطان أنى أفدى نفسى لخمسمائة ألف.
فدخل جوهر ثم خرج فقال: اذهبوا به واسلخوه.
فرمى بنفسه ثانية، فلطم شديدا، وحمل إلى المنظر، فبطح على وجهه بالأرض، وجلس على صدره ووركيه، ومسك جدا، وشق السلاخون عرقوبيه، ونفخ كما تنفخ الشاه، ثم سلخ، وهو في كل هذا يقرأ القرآن بصوت قوى وترتيل، إلى أن انتهى السلخ إلى كتفيه، فتغاشى، ثم مات، فصلب جسده بناحية، وجلده بعد أن حشى بناحية، رحمة الله عليه.
وذكر أبو الحسن بن جهضم في كتابه، في صدق فراسة المومن، قال: لما قدم أبو الحسن على بن محمد بن سهل الرملة، خرج إليه جماعة يلقونه، ومنهم والد أبى بكر النابلسى، وابنه أبو بكر معه، فلما نظر الشيخ إليه قال: مرحبا بشهيد مصر.
وكان هذا في سنة عشرين، واستشهد في التاريخ المتقدم بعد هذا بنيف وأربعين سنة.
وذكر ابن جهضم أن قتله كان سنة ثلاث وستين، والأول أصح.
قال ابن سعدون: لما أتى بأبى بكر، وبابنه أسيرين، اختار الشيخ أن يقتل ابنه قبله، حتى يحتسبه ويكون في ميزانه، فكان ذلك،
стр. 1614
فدعا الله تعالى على قاتله أن يفجعه الله بابنه، وكان لمعز ولد اسمه عبد الله، لقبه المهدى، فقبل الله دعاء الشيخ، وأماته في حياة أبيه، وأفجعه به.
قال القاضي عياض: رأيت مثل هذه الحكاية لغيره، وحكيت لنا من طريق عن عبد الله بن يربوع من أهل بلدنا، وكبيره وفقيهه، حين قتله القرشيون الأدارسة، أمراء سبتة، هو وابنه أحمد، أنه اختار تقديم ابنه، فإن كان هذا باللفظ والرغبة، فهو خطأ في الفقه وغفلة عظيمة في العلم. لأنه معين على تقديم من قدمه للقتل، باستعجاله له قبل نفسه، ولعل القدر لو قدم هو، لحال بينه وبين ولده، ونجاه من القتل بلطف من الطاف الله، كما نجى غير واحد من أصحابه.
وبعكسها حكاية أبى الحسن النورى، حين قدم الصوفية ببغداد للقتل، فبرز للسياف متقدما سابقا لهم، وقال: أتصدق بهذه الساعة التي أقتل فيها على أصحابى.
فنجى الله جميعهم من القتل، وهذا لا شك معين على نفسه وتقديمه لعل الله يلطف به في الساعة الثانية لو تأخر وينجيه.
***
(١٠٦) * ومن أهل أفريقية:
أبو بكر بن اللباد
واسمه محمد بن محمد بن وشاح، مولى الأقرع، مولى موسى بن نصير اللخمى، وكان وشاح حائكا.
من أصحاب يحيى بن عمر "وبه تفقه.
وأخذ عن أخيه محمد أخيه محمد بن عمر" (٨٤٢) وابن طالب، وحمديس القطان، وأحمد بن يزيد، وعبد الجبار بن خالد، والمغامى، وأحمد بن أبى سليمان.
стр. 1615
وسمع من الشيوخ الذين كانوا في وقته، كأبى بكر بن عبد العزيز الأندلسى المعروف بابن الجزار، وحبيب بن نصر، وأبى عمران البغدادى، وأحمد بن يزيد، وأبى الطاهر، ومحمد بن المنذر، والزبيدى، وأبى عبد الله بن محمد بن معمر، وزيدان، وغيرهم.
سمع منه جماعة من الناس، وتفقه به أبو محمد بن أبى زيد، وابن حارث وغيرهم.
وممن روى عنه زياد بن عبد الرحمان القروى، ومحمد بن الناظور، ودراس بن إسماعيل، ولم تكن له رحلة ولا حج.
***
ذكر الثناء عليه وفضله ودينه وعلمه
قال ابن حارث: وكان عنده حفظ كثير، وجمع للكتب، له حظ وافر من الفقه، شغله، شغله اسماع الكتب عن التكلم في الفقه، وكانت مذاكراته تعسر، لم ينتفع به لضيق في خلقه، وكان من شيوخ وقته (٨٤٣).
قال أبو العرب: وكان فقيها "ثبتا ثقه.
قال ابن أبي دليم: كان حافظا، معينا للناس.
قال غيره: وكان مجاب الدعوة، حفظت عنه إجابات، كثير الاتباع للسنن.
قال الخراط: وكان فقيها" (٨٤٤) جليل القدر، عالما باختلاف أهل المدينة واجتماعهم، مهيبا مطاعا.
قال ابن حارث: وكان أولا يكتب لابن الخشاب، إذ كان على مظالم القيروان، وكان الغالب على خلقه الحرج.
وفى تعليق أبى عمران: كان من أهل الحفظ والضبط لكتبه.
وذكره أبو بكر بن عبد الرحمان فأثنى عليه بالدين والورع والزهد، قال: كان من الحفاظ المعدودين، والفقهاء المبرزين.
وذكر عن الأبيانى أنه قال: إنما انتفعت بصحبة ابن اللباد، ودرسته معه عشرين سنة.
стр. 1616
وقال محمد بن إدريس: صحبت العلماء بالمشرق والمغرب، ما رأيت مثل ثلاثة: أبى بكر بن اللباد، وأبى الفضل الممسى، وأبى إسحاق بن شعبان.
وذكر بعض ثقات أصحابه أنه نظر إلى رجليه بعد أن فلج، وقد تغيرتا وانتفختا، فبكى ثم قال: اللهم ثبتهما على الصراط يوم تزل الاقدام، فأنت العالم بهما، والشاهد عليهما أنهما ما مشتالك في معصية.
وألف أبو بكر كتاب الطهارة، وكتاب عصمة النبيئين صلى الله عليهم أجمعين، وهو كتاب إثبات الحجة في بيان العصمة، وكتاب فضائل مالك بن أنس، وكتاب الآثار والفوائد (٨٤٥)، عشرة أجزاء.
***
ذكر أخباره وإجابة دعوته وبراهينه وجمل من فضائله
قال محمد بن إدريس: كنا يوما عند ابن اللباد نقرأ عليه، حتى سمعنا فوق البيت حركة، فسأل الشيخ خادمه عنها، فقالت: جعفر بن القوام يطارد الحمام.
فقال: اللهم أصلحه.
فما كان إلا بعد يوم أو يومين، حتى قرع علينا الباب، فأذن له، وجلس في الحلقة، فقال له الشيخ: اجلس يا مومن آل فرعون إلى أن نفرغ، وكان أجداده كلهم عراقيين.
فواظب السماع، وانتفع بدعائه، ولزم السبائى، وبلغ في العبادة مبلغا عظيما.
وحكى المالكى أنه دعا على ثلاثة فأجيبت فيهم دعوته، أما أحدهم فدعا عليه بالجنون، وعلى الآخر بالعمى، فرأيتهما كذلك، وآخر بالجلاء، فمات في بلد السودان.
стр. 1617
قال محمد بن إدريس: بعنا لأبى بكر زيتا بثلاثين دينارا، ففرح بها، وأقبل يصبها من يد إلى يد، ويقول: زكوها، فوالله ما زكيت قبلها قط.
قال: ودخل على عبيد الله صاحب أفريقية، فأقبل عليه وقال: يا محمد، أنت منار بلدك في كم من العيال أنت؟
فأخبره * فقال: نفرض لك في بيت المال ما يكفيك من النفقة والكسوة وغيرها.
فقال: قبلت، ولكن تترك ذلك في بيت المال حتى أحتاج إليه؟ قال: وكانت له امرأة سليطة تؤذيه بلسانها، يحكى أنها قالت له يوما، يا زان!
فقال: سلوها بمن زنيت؟
قالت: بالخادم.
فقال: سلوها لمن الخادم.
قال: له.
فقال له أصحابه: طلقها ونحن نؤدى حقها.
فقال: أخشى إن طلقتها أن يبتلى بها مسلم، ولعل الله دفع عنى بمقاساتها (٨٤٦) بلاء عظيما.
ويقال: بل قال: حفظتها في والدها فإنى خطبت إلى جماعة فردوني، وزوجنى هو لله تعالى، وكان يفعل معى جميلا، أفيكون مكافأته طلاقها؟
وكان يقول: لكل مؤمن محنة، وهي محنتى.
قال ابن إدريس: شور رجل ابنته شوارا حسنا كثيرا، فعجب الناس منه، وحضره أبو بكر بن اللباد، فانصرف الناس يهنون صاحب الشوار، فقال أبو بكر له: لا أخلف الله عليك بخير، فقد أكمدت جارك، وعضلت ابنته، وخالفت سنة رسول الله ﷺ .
стр. 1618
قال: وكنت يوما جالسا معه على باب داره، إذ خرج رجل من جيرانه، ولم يسلم، فجعلت انظر إليه، فقال لي: يا أبا عبد الله! إن أزهد الناس في العالم أقاربة وجيرانه.
وقال مرة أخرى في مثلها: ما قرب الخير من قوم قط إلا زهدوا فيه.
وذكر الأجذابى أن أبا بكر جلس يوما عند إسماعيل المؤدب جاره، ليتفرج، ويرى الناس، فكان الناس إذا جازوا عن ذلك الموضع، رجعوا عن طريق آخر، هيئة له، فقال: ما بالهم؟
قالوا: من أجلك وهيبتك.
فقال: إنما جلسنا في هذا الموضع لنتفرج، لا لنضر بالناس في طريقهم. ثم قام.
وكان يحضر مجلس السبت بالقيروان، ويقول لمن أنكر عليه ذلك، قال الله تعالى: ولا يطأون موهئا يغيظ الكفار (٨٤٧).
قال: وحضور السبت مما يغيظ بنى عبيد.
ورفع إلى المهدية لعبيد الله ليتولى قضاء صقلية، فاعتذر وقال: صرت في جد لو كنت على القضاء لوجب ألا أولى، فكيف ابتدئ الآن، وقد كبرت سنى ودخلتنى زمانة؟
ثم عرض لهم بنصر كفه اليمنى وقد تشنج.
وكان أبو بكر يقول: البر شيء هين، وكلام لين.
***
ومن أخباره ﵀
قال أبو بكر: أدركت بالقيروان أقواما كانوا أغنياء فافتقروا، وما ذاك إلا أنهم اتجروا بالحنطة في أبار الشدائد.
стр. 1619
"قال: وحدثتني امرأة - سماها - توفى ابن لها بالفسطاط، فقدمت القيروان، قالت: وكنت أخرج إلى باب سلم كل وقت، فأبكي إلى جانب قبر، فرأيت في المنام كأني هناك، فإذا أهل القبور قعود على قبورهم. الرجال والنساء، فسمعتهم يقولون: قد جاءت هذه المرأة تبكى، ألها عندنا قبر تبكى عليه؟
فقالوا: لا
فقالوا: فلم تؤذينا ببكائها؟
ثم لطمني ميت لطمة بيده الشمال في خدى الأيمن، فقلت: لا تلطم وجهي وقد مسست به الركن والحجر.
فقالوا لى: حزنك بمصر وتوذيننا ها هنا؟
فانتبهت وأثر اللطمة في خدها، وكشفت لى وجهها وفيه أثر السواد، فأقام نحو أربعين يوما ثم ذهب" (٨٤٨).
قال أبو بكر: خرجت امرأتى في فرح، فبت وحدى، فكلمني جني من زاوية الدار، وقال لى: امرأتك تلبس المعصفرات وتنجسنا في مسكننا (٨٤٩)
فقلت له: ومن أين لك عندنا مسكن يا شيطان؟
فقال لى: أولا تدرى ما قتلت لك من ديك أفرق (٨٥٠).
فلما قال هذا أدركنى منه شيء، وقلت: هذا حرز أبي دجانة؟
فقال: أبو دجانة؟
وكان أبو بكر يتخذ ديوكا، فيجدهم أمواتا، كان ذلك الجني يخنقهم، لأن الديك الأفرق يطرد الشيطان.
стр. 1620
محنته وأخباره فيها
كان أصل محنته أنه صلى على جنازة استؤذن لها، وقد حضر ابن أبى المنهال القاضي حينئذ لجنازة أخرى، كلم عليها، فصلى أبو بكر بن اللباد، وصلى وراء ابن أبي المنهال، ثم قدمت الجنازة الأخرى فصلى عليها ابن أبي المنهال، فجلس أبو بكر بن اللباد، ومد رجليه، واستدبر القبلة، ولم يصل وراءه، فشق ذلك على ابن أبي المنهال وأغرته به المشارقة فوجه وراءه في جماعة منهم فلما دخل قال له: اجلس ثم.
وعقد عليه محضرا، بشهادة القوم، بفتحه بابه، وانتصابه للفتوى والسما بخلاف مذهب أمير المومنين وأنه يلبس السواد، ويخطب في الأعياد (٨٥١).
فقال له أبو بكر: ولمن أدعو؟
قال: لبني أمية.
قال: وبنو أمية يلبسون السواد؟
وأراد فضيحته عند من حضر.
ثم قال له: وأيضا فإن الخطبة لا تكون بأقل من خمسين رجلا، ودارى لا تحمل ذلك.
ثم قال له: ومتى كان هذا، بعد صلاة الجنازة أو قبلها؟
فقال له ابن أبي المنهال: وأى حجة لك في ذلك؟
فقال: إن كان قبل الصلاة عليها فقد غششت أمير المومنين إذ كتمت عنه هذا، وأن كان بعدها فأنت خصمى، ولا يقبل قولك.
فأمر ابن أبي المنهال بسجنه، فجاء الغلام ليأخذ بيده، فانتهره وقال: دع، أشهدكم أني محبوس.
ومضى إلى السجن، فوجد فيه المراودى، وكان سجن على سب النبي ﷺ ، فلما دخل الشيخ تلقاه، فأعرض عنه فقال المراودى: والله انى لأبغضك قديما.
стр. 1621
فقال أبو بكر: الحمد لله - يا فاسق - الذي لم يجعل في قلبك بعض النبي ﷺ ، وحبى.
فأقام مسجونا حتى ذهب محمد ابن أخيه إلى المهدية، فأخبر بذلك البغداداى، وكان يحبه، فسعى له عند عبيد الله حتى أمره أن يكتب إلى ابن أبي المنهال بإخراجه من السجن، على ألا يفتى ولا يجتمع إليه الناس (٨٥٢)، ولا يفتى إلا بمذهب السلطان.
وكتب في رقعة داخل الكتاب: ما هذا الذي فعلت؟ عمدت إلى عمدة بلده فأحدثت فيه هذه الأحدوثة، وأثرت البلد، وهذا مما كرهه أمير المومنين، فلا تعد إلى مثل هذا.
فلما وصل إليه الكتاب، أخرجه، وشرط عليه ألا يخشن عليه الجواب.
فلما جاءه رفع مجلسه وقال: هذا كتاب أمير المومنين، نجد فيه ألا تفتى، ولا يجتمع إليك أحد، وإن مرضت فلا تعاد.
فقال أبو بكر: هذه مسألة لم تنزل بعد.
ثم خرج إلى المهدية. فقصد البغدادي، فذكر وصوله لعبيد الله، فقال له: اكتب له كل ما يحب، ولا تدخله على.
فكتب له سجلا ألا ينظر في أمره ابن أبي المنهال، فأراد أن يأخذه. فقال له البغدادي: ليس مثلك يحمل عنايته بيده، تصل إلى بلدك، ويصل مع البريد إليك.
فنفذ ذلك، وبقى أبو بكر لا يسمع إلا في خفية، فلزم داره، وأغلق بابه.
وكان ربما خرج إلى المسجد، فيأتى الطلبة إلى بابه، فتفتح لهم خادمه، فإذا اجتمعوا أتته، فيدخل، وتغلق عليهم، فيقرأون.
стр. 1622
وكان منهم أبو محمد بن التبان، وابن أبي زيد، وغيرهم، وكانوا ربما جعلوا الكتب في أوساطهم، حتى تبتل بأعراقهم، فأقاموا على ذلك إلى أن توفى ﵀.
وكان قد امتحن أيضا على يد التاهرتى، طلبه بوديعة، فقال له: لا أعرف ما تقول، ولا أودعنى هذا الرجل شيئا، ولا أعرف من هو، ولا رأيت هذا العدد قط إلا على مائدة صيرفي.
فدعا أعوانه، فأخذوه وبطحوه على وجهه، وجلس أحدهم على أكتافه، والآخر على رجليه، وضربوه ثلاث عصى.
فقال: اصبر أكلمك.
فقال: دعوه، فما رق قلبى لأحد رقته عليك، قد عفوت عنك.
قال ابن إدريس: لما امتحن أبو بكر على يد التاهرتى، وضربت اليته، قال: تضرب اليتى! والله ما عصت الله تعالى قط.
وتوفى في منتصف صفر، يوم السبت، سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، قبل دخول أبي يزيد القيروان بخمسة أيام، وأظهر أهل القيروان بسبب قرب أبى يزيد منهم، عند موته، الترحم على أبى بكر وعمر، ولعنوا من لا يترحم على أصحاب النبي ﷺ ، وهدموا بيوت المتغلبين.
وكان فلج في آخر عمره، ورثاه أبو محمد بن أبي يزيد بقصيدة طويلة أولها:
يا من لمستعذب في ليله حزنا … مستوطن من بقايا دائه وطنا
يا عين وابكى لمن في فقده فقدت … جوامع العلم والخيرات إذ دفنا
لهفي على ميت ماتت به سبل … الخيرات قد كان أحى الدين وألسننا
стр. 1623
نفسي تقيك أبا بكر ولو قبلت … فدتك من كل مكروه إليك دنا
إنا فقدناك فقد الأرض وإبلها … فنحن بعدك نلقى الضيم والفتنا
ونحن بعد أيتام بغير أب … إذ غيب الترب عنا وجهك الحسنا
وعنها في ذكر محنته ووفاته:
قد كان يعتز بالرحمان إذ قصدوا … لذله بهوان السجن إذ سجنا
كم محنة طرقته في الإله فلم … يجد لذلك إذ في ربه امتحنا
بل كان حصنا لدين الله ينصره … ويحتمى مغضبا لله أن فتنا
إن صال في الحق لم يرهب عواذله … ولا ملامة من في قوله طعنا
حتى استنار به الإسلام في بلد … لولاه مات به الإيمان واندفنا
الفقه خلته والعلم حليته … والدين زينته والله شاهدنا
أب لأصغرنا كفل لأكبرنا … في النوازل ملجانا ومفزعنا
يا من هو العلم المشهور منظره … ومن تأدب بالتقوى وأدبنا
ومن به تكشف الظلماء إن نزلت … ومن بدعوته الرحمان ينفعنا
стр. 1624
لقمان بن يوسف الغساني
أبو سعيد، كان بالقيروان، وسكن صقلية مدة، ثم استوطن تونس.
سمع من يحيى بن عمر، وعليه اعتمد، وعيسى بن مسكين وحماس، وعبد الجبار، وابن بسطام، وغيرهم من أصحاب سحنون.
وحج فسمع بمصر كثيرا.
وأخذ عن علي بن عبد العزيز، ويحيى بن أيوب العلاف.
وقرأ على الأنماطى، والوداني، وكان محسنا بالقراءة، وأقرأ بقراءة نافع.
قال ابن حارث: وكان من أهل العبادة والصيام والقيام والتقشف والتواضع، حافظا لمذهب مالك، حسن القريحة فيه، متفننا، فقيها، مبرزا في ذلك، عالما باللغة والحديث والرجال والقرآن، يميل إلى طريق ابن عبدوس في فقهه، وفى مسألة الإيمان والاستثناء فيه، وفى جميع معانيه، من آنس الناس مجلسا، وأغزرهم خيرا، وأعرفهم بأخبار القيروان وشيوخها، لا يكاد يفرغ من حديث حتى يصله بغيره.
قال ابن حارث: وكان إذا مرت مسألة - يعنى في وقت القراءة عليه - تحتاج إلى كلام كلمنى فيها، وإذا مر اسم رجل كلم فيه محمد بن صامت، وإذا، وإذا مر شيء من اللغة كلم فيه سعيد بن ميمون.
معنا قال أبو العرب: كان فقيها يسمع من مشايخنا.
قال أبو عبد الله الخراط: كان فقيه البدن ثقة، صالحا، متقشفا، يحسن اللغة والنحو.
وكان الأبياني يثنى عليه ثناء حسنا.
ويقال أنه كان عالما باثني عشر صنفا من العلوم، وسمع منه الناس.
стр. 1625
قال الأبياني: غسل لقمان رجليه في يوم مطير، في جامع تونس، فأنكر عليه ذلك إنسان، فقال لقمان: عطاء بن أبي رباح يتوضأ في المسجد الحرام، وهذا يمنعنى أن أغسل رجلي في جامع تونس.
قال الأبياني: كنت أسمع من يحيى بن عمر، ثم آتى لقمان، فأفسر عليه ما أشكل على، فسألني عن ذلك يحيى، فأخبرته، فقال لي: قل حدثني يحيى بن عمر، ونبأني بمعناها لقمان بن يوسف.
قال الأبياني: ومكث لقمان أربع عشرة سنة، يدرس المدونة، ويكتبها في اللوح، حتى خرج له في جسمه خراج من رأس اللوح، كان سبب موته، وأصل علته.
قال الأبياني: قال لى لقمان بن يوسف: ركعتا تحية المسجد أوجب من ركعتي الفجر.
وعرض له عارض في بصره فعمى، وبقى مدة أعمى، ثم رد الله عليه بصره، فصحبته * أياما وهو صحيح البصر، يقرأ الخط الدقيق، بلا معالجة ولا اكتحال.
وسألته عن الخمير تجعل على الدمل، فقال: لا بأس به.
ومات بتونس سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وقيل ثمان عشرة، قال أبو العرب: في نيف وعشرين.
***
أبو الفضل الممسى
واسمه العباس بن عيسى بن محمد بن عيسى بن العباس وممس (٨٥٣) قرية هناك.
كان فقيها فاضلا دينا عابدًا، أثنى عليه أهل مصر (٨٥٤).
سمع من موسى القطان، والبجلي (٨٥٥)، وجلبه بن حمود، وأحمد بن أبي سليمان.
стр. 1626
قال ابن حارث: كان يتكلم في علم مالك كلاما عاليا، ويفهم علم الوثائق فهما جيدا، ويناظر في الجدل وفى مذاهب أهل النظر، على رسم المتكلمين والفقهاء، مناظرة حسنة، وكان لسانه مبينا، وقلمه (٨٥٦) بليغا. مع حصافة (٨٥٧) العقل، وذكاء الفهم، وكان في المناظرة في الفقه أجزل منه في الكلام.
وقال في كتاب آخر: كان من أهل المرؤة والانقباض والصيانة، ولم يكن في طبقته أفقه منه ولا أصدق، وعنى بالنظر والخلاف، ولكنه كان مالكيا محضا، وقد ألف الأجدابي في فضائله (٨٥٨).
وقال ابن أبي دليم: كان من أهل الحفظ والذكاء والعلم بالوثائق.
قال أبو عبد الله الأجذابي: كان أبو الفضل صالحا، قواما صواما، ورعا، حافظا للفقه والحجة لمذهب مالك درس كلام القاضي إسماعيل.
قال: وقال لنا أبو الحسن القابسي: - وذكره وفضله -: ما بين محمد بن سحنون وأبي الفضل أشبه بمحمد منه، لعلمه وورعه وزهده واجتهاده، وكان من العاملين.
قال: ويقال: إن أهل مصر لم يعجبوا ممن ورد إليهم من المغرب، إلا من ثلاثة.
من ابن طالب، أعجب به أولئك الجلة.
وموسى القطان، فإنه كان من أنبل أصحاب محمد بن سحنون.
وأبى الفضل الممسى.
وكان يقال: ما كان ببلدنا على معنى ابن سحنون (٨٥٩) في الكلام على العلم ومعانيه، إلا موسى القطان، وبعده أبو الفضل.
стр. 1627
وقال أبو بكر بن سعدون: صرت إلى البجلي (٨٦٠) الشافعي أسلم عليه، وإذا أبو الفضل خارج من عنده، فقال البجلي: "أي شاب نشأ للمومنين".
وكررها، فسألناه، فقال: هذا الشاب الخارج، أبو الفضل العباس، ليسودن. أو نحو هذا.
وكان السبائى يحبه جدا، ويقدمه في هدية وعمله وورعه.
ولقد قال أبو محمد بن أبي زيد عند قتله: وددت أن القيروان سبيت، ولم يقتل أبو الفضل.
وكان أبو محمد يثنى عليه خيرا.
قال ابن حارث: وخرج إلى الحج سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فأقام عامه ذلك بمصر، ولزم مجالسة أبى الذكر الفقيه وأصحابه (٨٦١) وكان له قدر فيهم، وجاه عندهم، وألف كتابا في تحريم المسكر، ناقض به كتاب الطحاوى، وله أيضا كتاب في قبول الأعمال، وكتاب اختصار كتاب محمد بن المواز، وسمع في حجته تلك حديثا كثيرا.
قال غيره: سمع بمصر من جعفر بن أحمد بن عبد السلام الحضرمي، وأبي عبد الله بن الربيع الجيزى، وأبى بكر بن مروان المالكي.
روى عن الذهلي، وابن عبد الوارث، وأبى الحسن بن سوادة، وأبى الحسين بن المنتاب، بمكة، وغيرهم.
أخذ عنه أبو محمد بن أبي زيد، ومحمد بن حارث، وأبو بكر الزويلي، وأبو الحسن بن الخلاف، وأبو الأزهر بن معتب.
стр. 1628
ذكر عبادته وزهده وبعض أخباره وشمائله
قال ابن حارث: ولما انصرف من رحلته لزم الانقباض، والنسك، فكانت تلك حاله إلى سنة قيام مخلد بن كيداد (٨٦٢) أبي يزيد على بنى عبيد، فخرج معه علماء القيروان، فكان ممن خرج، فمات ﵀ بباب المردية.
قال المؤلف ﵀: يريد ابن الحارث بالمردية، المهدية، مناقضة لاسمها الذي سماها به بنو عبيد، إذ كانت عش * كفرهم، ودار ضلالهم، ووجدت أبا عمران الفقيه يكنى عنها بالمهدومة، تطيرا لها.
قال أبو الأزهر بن معتب: صحبته من سنة عشر، إلى أن توفى سنة ثلاث وثلاثين، وهو على حالته من الاجتهاد.
قال أبو بكر بن سعدون: صام أبو الفضل عندنا رمضان، فكان لا يتعشى حتى يصلى العشاء الأخيرة، يتنفل بين العشائين، وكنت أتعاهده بالليل، فأجده قائما يصلى، وكان لا يتوضأ إلا في البحر، ويبعد، وذلك أنه كان شديدا في وضوئه وطهارته.
ورأى بعضهم السبائى يتوضأ، فتعجب من وضوئه، فقال له: لا تعجب، لو رأيت وضوء أبي الفضل المسمى ما عجبت من وضوئي.
وأهدى له أبو الأزهر بن معتب بسوسة كعكا عمل بسكر، فرده وقال: أنا لا أكل سكر صقلية، لأنه من ضياع السلطان.
قال أبو الحسن بن الخلاف: لما جعل على الملح القبالة بالقيروان، أرسلنى أبو الفضل لأشترى له ملحا من فرن نقض، تحريا.
ووجهه مرة ليشترى له سلعة من السوق، فقال: لا تشترها من صاحب دكار، فيلزمنا الكراء بمقدار مقامها عنده، لكن اشترها في المناداة.
стр. 1629
وكان يلبس ثيابا جليلة وخفا أسود، وإذا أتى موضعا جلس في أشرفه.
وكان يحضر الإملاكات عند ولى الزوجة، ولا يحضرها عند الزوج، لسلوكه معه في خلط من يحضر الأزفة على رسمهم، صيانة للعلم.
وكان من النظافة وعلو الهمة والنزاهة على غاية، وكان له نعل لبيت مائه، وآخر لمشيه في داره، وآخر يمشى به إلى مصلاه.
قال الأجذابى: وإنما سلك أبو محمد بن أبي زيد في هديه وهمته وسمته، طريقته (٨٦٣).
وحكى أبو محمد بن أبي زيد وغيره عنه، أنه كان يذهب إلى أن ينوى الإنسان، في كل تطوع، ووصية يوصى بها، وصدقة، رد التباعات المجهولة، لأن ردها أوجب من التطوع.
قال ابن الخلاف: وكذلك في الصلوات، ينبغى إذا أحب أن يتنفل، أن يصلى صلاة، يوم ينوى بها الخمس، يكون قضاء عما لا يدرى أنه فرط فيه أو فسد عليه.
قال أبو الحسن بن الخلاف: كانت عندنا بضفة (٨٦٤) الوادى "نوالات" (٨٦٥) مغصوبة، يباع فيها البقل، فربما احتجت الي شراء البقل منها، وتحرجت من ذلك، فسألت أبا الفضل الممسى، وأبا حفص بن العسال عن ذلك، فقالا - وكان أحدهما يسمع صاحبه: تصدق بقدر ما أقام البقل فيها من بعد شرائك إلى أن قبضته.
فقلت: إنما كراؤها في الشهر ربع درهم، ويشتري فيها - يعني في اليوم - بقل باثنى عشر درهما، وإنما اشتريت بحبة (٨٦٦).
стр. 1630
فقالا لى: إنها مثاقيل الدر، أفلا تجتمع في السنة حبتان؟
قال: وسألت أبا الفضل عن رجل من جيراني من أصحاب السلطان، أراد أن يودع عندى مائة دينار.
فقال لى: إذا أتاك فطلبها تردها عليه؟.
قلت: نعم.
فقال لى: إن كانت عندك مائة أخرى تتصدق بها فافعل، لأنه غاصب، وحقه أن ترد ما غصبه على أربابه، فإن لم تعرفهم تصدق بها عنهم.
وذكر أن رجلا عند نهب تونس، جاء للسوق ليشترى ثوبا لامرأته، فوجد جنديا يبيع ثوبا، فظنه ثوب امرأته، فاشتراه بتسعة دنانير (٨٦٧) ودفعها إلى الجندى، فجعلها في منطقته مع غيرها، وإذا الثوب ليس بثوب امرأة الرجل، فسأل الجندي أن يقيله، ففعل، فأخذه منه، ودفع إليه دنانيره من منطقته، فسأل عنها جماعة من أصحاب سحنون، فما اختلف عليه منهم أحد أنه يتصدق "بهذه الدنانير لاختلاطها بدراهم الجندى، وأنها لا تتميز، ويتصدق" (٨٦٨) بقيمة الثوب، لأن كونه في يده من قبل الجندى الغاصب، صار هو كالغاصب له، فوجب * عليه رده إلى ربه، أو الصدقة به إن جهله، فإذا رده إلى الجندى لزمته قيمته يتصدق بها على المساكين، إذ أربابه مجهولون.
وكان بينه وبين أبي ميسرة بن نزار الفقيه، بعد، وكذلك مع غيره من علماء القيروان، بسبب مسألة الإيمان واختلافهم فيها.
وكان أبو ميسرة يقول له: تب وأنا أخدمك (٨٦٩).
فكان أبو الفضل يقول: مماذا أتوب؟
стр. 1631
وكان أبو ميسرة قد أخذ محضرا عليه، فاجتمع بالسبائى أبي أسحاق (٨٧٠)، معرفة، فغضب واسترجع، وقال: هكذا يوفع الشيطان بين المؤمنين العداوة والبغضاء، والله لا رضيت بسماع هذا في أبي الفضل أبدا. أرجل نشأ على الطهارة وحفظ القرآن، ابن ثماني سنين، وحفظ الموطأ ابن خمس عشرة سنة، يقال هذا فيه؟
وخرج، فبهت أبو ميسرة، ولامه من حضره، ومن كان يغرى بينهما، وقال: إن ذكره أحد منكم بلفظة، إن دخل إلى .. :
وقطع المحضر، وقام إلى دار أبي الفضل فدخل عليه، وعانقه، وجلله، وصلح أمرهما.
* * *
شرح مقتل الممسى وأصحابه
كان أهل السنة بالقيروان، أيام بني عبيد في حالة شديدة من الاهتضام والتستر، كأنهم ذمة، تجرى عليهم في أكثر الأيام محن شديدة.
ولما أظهر بنو عبيد أمرهم، ونصبوا حسينا الأعمى السباب لعنه الله، في الأسواق، للسب بأسجاع لقنها، يتوصل منها إلى سب النبي ﷺ ، في ألفاظ حفظها، كقوله لعنه الله: "العنوا الغار وما حوى، والكساء وما حوى" وغير ذلك، وعلقت رؤوس الحمر والكباش على أبواب الحوانيت، عليها قراطيس معلقة، مكتوب فيها أسماء الصحابة، اشتد الأمر على أهل السنة، فمن تكلم أو تحرك قتل ومثل به، وذلك في أيام الثالث من بني عبيد، وهو إسماعيل الملقب بالمنصور، سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.
وكان في قبائل زنانة رجل منهم يكنى بأبي يزيد، ويعرف بالأعرج صاحب الحمار، اسمه مخلد بن كيداد من بنى يفرن، وكان يتحلى بنسك عظيم، ويلبس جبة صوف قصيرة الكمين، ويركب حمارا،
стр. 1632
وقومه له على طاعة عظيمة، وكان يبطن رأى الصفرية، ويتمذهب بمذهب الخوارج، فقام على بنى عبيد، والناس يتمنون قائما عليهم، فتحرك الناس لقيامه، واستجابوا له، وفتح البلاد ودخل القيروان.
وفر إسماعيل إلى مدينة المهدية، فنفر الناس مع أبي يزيد إلى حربه، وخرج فيهم فقهاء القيروان وصلحاؤهم، ولأوا أن الخروج معه متعين لكفرهم، إذ هو من أهل القبلة، وقد وجدوه يقاتلونهم معه.
وكذلك كان أبو إسحاق السبائى يقول، ويشير بيده إلى أصحاب أبي يزيد -: هؤلاء من أهل القبلة، وهؤلاء ليسوا من أهل القبلة - يريد بنى عبيد - فعلينا أن نخرج مع هذا الذي من أهل القبلة لقتالهم، فإن ظفرنا بهم لم ندخل تحت طاعة أبي يزيد، والله يسلط عليه إماما عادلا يخرجه عنا.
وحكى أبو بكر عبد الله بن محمد المالكي بـ (٨٧١)، أن فيمن خرج معه: أبو الفضل الممسى، وربيع بن سليمان القطان، وأبو العرب بن تميم، وأبو إسحاق السبائى، وأبو عبد المالك مروان بن نصرون الزاهد، وأبو حفص عمر بن محمد العسال، وعبد الله بن محمد الشقيقي، - في جماعة من المدنيين - وإبراهيم بن محمد المعروف بالعشاء (٨٧٢) الحنفى، وغيرهم.
ولم يتخلف من فقهاء المدنيين المشهورين، إلا أبو ميسرة، لعماه، ولكنه "ممن حرض على الخروج، والا أبو سعيد بن أخي هشام، فإنه يقال ان الجبن منعه من الخروج، ولكنه" (٨٧٣) مشى شاهرا سلاحه في القيروان مع الناس، باجتماع المشيخة على الخروج.
ووجهوا إلى الممسى ليروا رأيه في ذلك، وكان عباس الممسى في ذلك الحين * مريضا بمنزله، وأنذر الناس إلى الجامع، فحضروا، وتكلموا في الأمر، فذكر الربيع خبر والدته، وذكر العشاء ثقل وضوئه،
стр. 1633
فقال العباس الممسى: قد تعلمون أنه يشق على من الوضوء والوالدة أكثر مما ذكرتم، وغير ذلك من علتى هذه الظاهرة، ولكن لما بلغني من رد الناس الأمر إلى أزلت العذر، فإن عزمتم عديمة رجل واحد، فلا أضن بنفسى عنكم، لما وجب على من جهادهم.
فقال أبو إسحاق السبائى: جزاك الله يا أبا الفضل عن الإسلام وأهله خيرا، أي والله! نسير ونجد في قتال اللعين المبدل للدين، فلعل الله أن يكفر عنا بجهادنا تفريطنا وتقصيرنا عن واجب جهادهم.
فكلمهم أبو الفضل واحدا واحدا، فقال ربيع القطان: أنا أول من يسارع ويندب الناس.
وتسارع جميع الناس إلى ذلك، وذلك يوم الاثنين، لثالث عشرة بقيت لجمادى الأولى، سنة ثلاث وثلاثين، وعقدوا أمرهم على الخروج إلى المصلى بالسلاح الشاك.
فلما كان الغد، خرجوا واجتمعوا بالمصلى، بالعدة الظاهرة، فضاق بهم الفضاء من كثرتهم، وتواعدوا للخروج والنظر في الأزواد.
ثم اجتمعوا يوم الأربعاء، في السلاح، فركب ربيع فرسا، وعليه درع مصبوغ، وتقلد سيفا، وحبس رمحا، قد تعمم بعمامة، حمراء، وأبو سعيد بن أخى هشام يمشى معه، على عنقه السيف، مصلتا، وركب أبو العرب، وتقلد مصحفا، وركب غيرهما في السلاح الشاك، وشقوا القيروان ينادون بالجهاد، قد شهروا السلاح، وأعلنوا بالتهليل والتكبير، وتلاوة القرآن، والصلاة على النبي صلى الله وسلم وعلى آله، والترحم على أصحابه وأزواجه ﵃ أجمعين، واستنهضوا الناس للجهاد، ورغبوهم فيه.
فلما كان يوم الجمعة، ركبوا بالسلاح التام والبنود والطبول، وأتوا حتى ركزوا بنودهم قبالة الجامع، وكانت سبعة بنود:
بند أحمر للممسى، فيه مكتوب: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله، لا حكم إلا لله، وهو خير الحاكمين".
стр. 1634
وبندان أصفران لربيع، في أحدهما: "بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، محمد رسول الله". وفى أحدهما ("نصر من الله وفتح قريب (٨٧٤) على يد الشيخ أبي يزيد، اللهم انصر وليك، على من سب نبيك وأصحاب نبيك").
وبند أصفر لأبى العرب، مكتوب فيه:
"بسم الله الرحمان الرحيم، قاتلوا أيمة الكفر (٨٧٥) الآية".
وبند أخضر لابن نصرون الزاهد فيه: (لا إله إلا الله، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم (٨٧٦) ".
وبند أبيض للسبائى، فيه: "بسم الله الرحمان الرحيم، "محمد رسول الله" و "أبو بكر الصديق" و "عمر الفاروق".
وبند أبيض للعشاء، وهو أكبرها، فيه مكتوب:
(لأن إله إلا الله، "إلا تنصره فقد نصره الله، الآية" (٨٧٧).
وحضرت صلاة الجمعة، فخطب خطيبهم أحمد بن أبي الوليد خطبة بليغة، وحرض، الناس على الجهاد، وسب بنى عبيد، ولعنهم، وأغرى يهم، وتلا: "لا يستوى القاعدون من المومنين" (٨٧٨) الآية وأعلم الناس بالخروج من غدهم يوم السبت، فخرج الناس مع أبي يزيد لجهادهم، فرزقوا الظفر بهم، وحصروهم بمدينة المهدية.
فلما رأى أبو يزيد ذلك، ولم يشك في غلبته، أظهر ما أكنه من الخارجية، فقال لأصحابه: إذا لقيتم القوم، فانكشفوا عن علماء القيروان حتى يتمكن أعداؤهم منهم.
ففعلوا ذلك، فقتل منهم من أراد الله سعادته ورزقه الشهادة، منهم الممسى، وربيع القطان، ومحمد بن علي البقال - وكان نسلا
стр. 1635
من أهل العلم في خمسة وثمانين رجلا، (٨٧٩) من الفقهاء والصالحين، وذلك في رجب، سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
ففارق الناس أبا يزيد "وظهر منه نكران وفسوق واستباحة، ولباس حرير، فانقلب الناس كلهم عليه، وانكسرت شوكته *. وظهر إسماعيل، فطلبه، وفر أبو يزيد أمامه إلى أن ظفر به إسماعيل فقتله.
وكان أهل السنة قد تراجعوا عند ظهور أبي يزيد" (٨٨٠) بالقيروان وأظهروا السنة وحلقوا بالجامع، فكان لربيع فيه حلقة يجتمع إليه فيها، وكانت فيه حلقة أخرى يجتمع فيها للتفقه عند علماء المالكية: أبي الأزهر بن معتب، ومحمد بن أحمد السدري (٨٨١)، وابن أخي هشام، وعمر بن محمد العسال، وعبد الله بن عامر بن الحداد، وأبى الليث مولى بنى اللباد، وأبى محمد بن أبي زيد، وعبد الله بن الأحدرى.
فلما ظفر إسماعيل بأبي يزيد، ودخل القيروان، سلط الله به على جماعة منهم سوط عذاب.
واختلف في قتل الممسى كيف كان، فقيل سقط عن دابة وقت الهزيمة، فانكسر وركه، فدرسته الدواب، وقيل وقعت به جراح فأثخنته، فسقط إلى الأرض.
فقيل أنه لما سقط وقع ظهره إلى ناحية المهدية، فمر به رجل، فقال له: بفضلك رد وجهى إلى ناحيتها، لئلا ألقى الله موليا ظهرى عنهم.
قال محمد ابنه: وكان أبي لا يدخل مرحاضه أحد سواه، وفيه آنيته وجميع ما يحتاج إليه، ومفتاحه معه، فيوم قتل سمعنا آنيته قد انكسرت فيه، ولها وجبة.
فقالت الوالدة: أعطانا الله خيرها.
فإذا بها الساعة التي قد استشهد فيها.
стр. 1636
قال مروان العابد: رأيته بعد موته "في علبة، وعليه ثياب، فنظرته (٨٨٢)، فسألته، وكان يكلمنى، وكأنه يكلم قوما معه (٨٨٣) " فقال لى: قد جمعنا الله وأصحابنا من أهل العلم، فنحن نتناظر في العلم كما ترى عند مالك بن أنس ﵁.
ورثاه أبو محمد بن أبي زيد بقصيدة جيدة أولها:
يا ناصر اللدين قمت مسارعا … وبذلت نفسك مخلصا ومريدا
وذببت عن دين الإله مجاهدا … وابتعت بيعا رابحا محمودا
عهدي به بين الأسنة لم يكن … لله عند لقا العدو كمودا
كانت حياتك طاعة وعبادة … فسعدت في المحيا ومت سعيدا
يا قرة للناظرين وعصمة … للمسلمين وعدة وعديدا
يا فاتق الرتق الخفى بعلمه … ومبينا للمشكلات مفيدا
جمعت كل فضيلة ونقيبة … وحويت علما طارفا وتليدا
وبرعت بين أصوله وفروعه … فقهرت ما قد كان منه عتيدا
يا أيها المحسود في أخلاقه … وفعاله لا لمت فيك حسودا
أفديك من ورع عليم فاضل … لك في الورى ما إن رأيت عنيدا
يبكى إذا غسق الدجى بمدامع … قد خددت في خده أخدودا
إن فاتنى نظر إليك فلم يفت … ذكر يحل من السلو عقودا
ومدامع تشفى وتطفى بالحشا … نارا إذا طفيت تزيد وقودا
ورثاه أيضا أبو القاسم الفزاري بقصيدة أولها:
عليك أبا الفضل استباق دموعي … وشغلي بأنواع الأسى وولوعى
стр. 1637
منوع من الفحشاء والإثم نفسه … وليس لباغ فضله بمنوع
بنفسى صريع جالت الخيل حوله … بمعترك الأبطال أي صريع
ولست له أبكى ولكن لمعشر … أصيبوا به من مفرد وجميع
* وللفقه والإسلام والدين والتقى … وطول احتمال واصطناع صنيع
مضى علم العلم الرفيع وطالما … أصابت قناة الموت كل رفيع
ولأبى عبد الله الداروني النحوى فيه وفي مجلسه:
ما أشرف العلم ويا حبذا … مجلسنا عند أبي الفضل
يفيض في علم وفي حكمة … يصدر منها القول عن فصل
وفى لغات العرب قد زانها … شواهد تعرب عن أصل
وصاحب المجلس بادي الحجا … قد خص بالعلم وبالعقل
والدين والفضل معا والتقى … والخلق الواسع والبذل
وقال أبو عبد الله محمد بن سعيد المؤدب:
أبو الفضل كهف للعلوم بأسرها … ومعدنها عند احتفال المحافل
стр. 1638
فأجابه الداروني:
وقرة عين الطالبين إذا غدوا … إليه ليعروا من ثياب المجاهل
فقال المؤدب:
على وجهه نور يكاد ضياؤه … يجلى الدجى والليل ملقى الكلاكل
قال الدارونى:
لقد نال في الدنيا ثواب إمامة … مواهب علم جاوزت كل نائل
وإني وإن أطنبت فيك مقصر … وما أنا وحدى بل كذا كل قائل
* * *
ربيع القطان
هو أبو سليمان، ربيع بن سليمان بن عطاء الله، ينتسبون إلى قريش، صليبة من نوفل.
قال المالكي: وكان ربيع من الفقهاء المعدودين، والعباد المجتهدين، والنساك أهل الورع والدين، كان عالما بالقرآن وقراءته وتفسيره ومعانيه، حافظا للحديث، عالما بمعانيه وعلله وغريبه ورجاله، حافظا للفقه، حسن الكلام على معانيه، قويا على المناظرة، حافظا للمدونة وغيرها، معتنيا بالمسائل والفقه، كانت له بجامع القيروان حلقة يحضرها أبو القاسم بن شبلون وغيره، أيام أبي يزيد.
стр. 1639
ووصفه ابن شبلون بالتقى، والتفقه، وجودة الذهن (٨٨٤). والفقه الجيد، والضبط.
وكان يتفقه عند أحمد بن نصر ولازمه، وكان من كبار أصحابه.
وكان عالما بالوثائق، حسن الخط، أخذها عن ابن زياد.
وكان عالما باللغة والنحو، أخذ ذلك عن أبي على المكفوف، والداروني، وغيرهما.
وكان يؤلف الخطب والرسائل، ويقول الشعر.
وكان لسان افريقيا في وقته في الزهد والرقائق.
سمع القطان من ابن نصر، وابن أبي زاهر، ومحمد بن سليمان بن بسيل، وأحمد بن زياد، وابن اللباد، وأبى العرب، وأبى جعفر القصرى، والتمار، وغيرهم، وبمصر من أبي عبيد الله الجيزي (٨٨٥) ومامون، وأبى محمد بن رشدين (٨٨٦)، وبمكة من ابن شاذان الجلاب، وأبى محمد بن يزيد المقرئ، وغيرهم.
قال ابن أبي دليم: وكان من أهل الدراسة، والاعتناء بالعلم والمسائل، وحفظ الوثائق، ثم لزم الانقباض والاشتغال بنفسه.
قال المالكي: وكان أبو محمد بن التبان يحبه كثيرا ويثنى عليه ويكرمه.
قال أبو عبد الله الأجذابي: كان ربيع من حفاظ كتاب * الله القوامين به.
قال أبو بكر بن عبد الرحمان: كان من الفقهاء والعلماء المجتهدين في العبادة.
قال ابن حارث: كان من أهل الحفظ والفهم، فقيها، مفتيا، حسن التصرف، نظر في مذاهب الناس وأهل النظر، مع التزام مذهب مالك،
стр. 1640
وكان صاحبي في كل مجلس علم وسماع ومناظرة، ثم حج سنة أربع وعشرين، وانحرف عن كل ما كان عليه من التكلم في الرأي، وذهب إلى علم الباطن، والنسك، والعبادة، وتلاوة القرآن، وتفهمه، على طريق أهل الإرادة، وصار داعية إليه، فنفع الله به خلقا كثيرا، وكانت له حلقة بجامع القيروان أيام أبى يزيد، يجتمع إليه فيها أهل هذه الطريقة.
***
ذكر أخباره وفضائله وزهده وتعظيم الكبار له
قال عبد الله بن محمد القروى: كان ربيع لستان أهل افريقية في الزهد، والرقة، والكلام على الأحوال والمقامات، لا يفوقه في ذلك أحد في وقته، انتفع في ذلك بصحبة أبي الحسن على بن سهل الدينوري، وأبي على بن الكاتب، وأبى على الروذباري وغيرهم.
وحكى الأجذابي أنه خرج إلى الحج مرتين، الأولى سمع فيها الحديث، والثانية خرج متنكرا في زى طنجي، حتى لا يؤبه به، ويخلص له عمله، فاجتمع في تلك السفرة بجماعة من المتعبدين.
وكان أبو علي بن الكاتب يقول: ما رأيت رجلا جعل رجله الأولى في أول درجة من هذا العلم، وجعل رجله الثانية في أعلى رجة إلا ربيعا القطان، كأنما جاءه الأمر دفعة واحدة، صلة من الله تعالى.
وفى كتاب زهرون الأطرابلسي إليه: أنتم العلماء بأمره، والطرق إليه، والأدلاء عليه، أسأل الله أن يجعلنى حسنة من بعض حسناتك.
وكان أبو مالك الدباغ له حلقة يجتمع إليه أيضا فيها أصحابه في علم الباطن فكان إذا اختلفوا قام أبو مالك إلى حلقة ربيع فيجثوا بين يديه، فيسأله عما يريد.
وكان قد نحل جسمه ورق عظمة، من صيام النهار وقيام الليل.
قال بعضهم: كان بعض أهل العلم ينال من ربيع، ويأخذ عليه في مجلس وعظه، فسرت لأنتقد عليه، فرأيت رجلا ليس للدنيا عنده ذكر.
стр. 1641
وعظم حاله وحال مجلسه.
وكان جعل على نفسه إلا يشبع من طعام ولا نوم، حتى يقطع الله دولة بني عبيد.
وكان مع ذلك ملتزما في حانوته، يبيع فيه القطن، وفيه يأتيه من يطلب منه ويسأله.
قال أخوه أحمد: جاء قوم، فسألوا ربيعا عن مسائل، فرأيت أخانا حمودا قد اغتم، فسألته عن غمه.
فقال: من أجل هذا: يأتى إليه قوم فيقعدون عنده، فيسألونه علم رفيع، فيجيبهم بكلام عال، فإذا قاموا عنه رجع إلى حلقة القطن، يبصر فيها، ويطلب الحبة والخروبة.
فذكرت ذلك لربيع فقال: عادكم فراريخ: لم تصرخوا!
وقال بعضهم: كنت يوما في مجلس ربيع، وهو محتفل، فوقع بقلبي شيء: فأقلقني، ولم أقدر على الصبر إلى خفة الناس، فقمت "قائما وقلت: مسألة أصلحك الله.
فقال لى: اجلس.
فاحترق قلبي، فقمت" (٨٨٧) فأعدت الكلام.
فنهرني وقال: اجلس
فغضبت وقلت له: يحل لك تكتم العلم؟
فلم آته أياما، ثم قلت لنفسى: إنما وقع الضرر بك، حيث قطعت حظك منه، لما يفوتك من الخير.
فسرت إليه، فوجدت بابه مردودا بلا حديدة، وكانت علامة جلوسه، فدخلت دون إذن، فوجدته جالسا على رجليه، قد أخذته حالة، وهو يبكى ويقول:
стр. 1642
أنت دائي و دوائي … أنت عيدى ومناعى
أنت ذخري أنت فخري … أنت كنزي وغنائي
فبقيت أنظر إليه، وقد هاج، فسلمت عليه، فانتبه وقال: مرحبا بك.
وقام وأخذ بأطواقي وجمعها * علي، ثم جلس وقال لي: صارت لك نفس تغضب وتنزق؟
فقلت: أي شيء أعمل؟ وقع بقلبي شيء فاحترقت، فقمت إليك أرجو الفرج، وأنت تجلسني!
فقال: قد رأيتك وحسست الذي بك، فما مسألتك؟
فأخبرته، فقال: تلومني على هذا؟ هذه مسألة ينبغى ألا تذكر قدام الناس، الجواب فيها كذا وكذا.
قال أبو محمد: قلت لربيع أتاني العدو (٨٨٨).
فقال: العدو إنما هو السارق، والسارق لا يدخل بيتا خاليا، وإنما يدخل بيتا عامرا، ولكن إذا قال لك هكذا، "فقل له هكذا" (٨٨٩) ومد يديه يشير إلى الدعاء والتضرع، واللجأ إلى الله ، في كشف ما طرأ عليك منه، فإنه يذهب.
قال: وسألنا ربيعا عن حضور مجلس السبت، فامتنع، فألححنا عليه، فوعد، ومضى معنا إليه، وجلس ورأسه بين ركبتيه، ونحن نسمع تنهيده، حتى انصرف، فلما وصل منزله عصر القميص الذي كان عليه عصرا من دموعه، وبيته على الحبل.
***
стр. 1643
فصل من حكمه
كلامه: الدنيا أمل ووجل، والآخرة جزاء وعمل، والمتوسط ومن بينهما أجل.
ومن كلامه: لا ترض عن نفسك في أمسك، وع عنه وعظه لك في سرور غيرك بالتغيير، وفى صفائه بالتكدير، وفي عزه بالذل، وفي عقده بالحل.
وكان يقول: ألا أخبركم بالحازم العازم؟ الذي قال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ (٨٩٠).
ومن نظمه:
لا تطمئن فإن الناس قد حالوا … واقبض لسانك عما قلت أو قالوا
واحذر، فإنك مهما جزت عن زمر … بادى النصيحة إما ملت أو مالوا
وابك الدماء على ما فات من زمن … فيه الوفاء وفيه الدين والمال
لله أنت لقد غودرت في زمن … أعلى الفضائح آداب وأعمال
واقنع فحسبك أن تقبل نصيحتنا … أو تعتبن فما يغنيك تسآل
وشعره كثير، وخطبه ورسائله كثيرة معقدة مشكلة، على طرائق كلام الصوفية ورموزهم.
***
стр. 1644
ذكر جمل من براهينه وكراماته
قيل لأبي الحسن القابسي: هل بلغك أن أحدا اجتمع مع الخضر ﵇؟
قال: نعم، فذكر أنه كان يجتمع مع ربيع القطان في غرفته.
قال أحمد أخو ربيع: خرج أخي ربيع إلى الحج، معتقدا ألا يظهر بمصر، فكان يأتى إلى حلقة الدينورى متخفيا، فإذا دخل، رفع أبو الحسن الدينوري رأسه إلى نحو سقف الجامع، ينظر مليا، ثم يومئ بطرفه إلى الجهة التي هو فيها ربيع، فينكشف له الناس، حتى يقع بصره عليه ثم يقول: (نعم) وربيع مستتر بالناس.
فصار ربيع بعد ذلك يقعد في غير ذلك المكان، فيفعل الدينوري مثل فعله، فينكشف له الناس عنه، كأن مخبرا يخبره به.
ففعل يوما مثل فعله، ثم صرف عن الجهة التي كان فيها وقال: أنه ليكاد يعشي بصري نور مما أرى على قوم!
ولم يلتق ربيع معه في تلك السفرة.
قال بعضهم: واعدت أبا سليمان ربيعا يوما على كتاب يقابله معى، فقال: آتيك الليلة أقابل معك.
فانتظرته بعد، فقال العشاء، وقد غلقت الأبواب، إذ سمعت حسه وهو يتحدث مع إنسان، ثم ضرب، ففتحت له وخرجت انظر،، فلم أر أحدا فأقسمت عليه: من الذي كان يحدثك؟
فقال: لا تفعل
فكررت عليه، فقال: ومن وقع بقلبك؟
فقلت: الخضر
فقال: هو، والله.
وكان السلطان قد رمى على القطانين قطنا كان عنده بثمن سماه، فرمى على أخيه أحمد منه ثلاثة قناطير،
стр. 1645
قال فعزمت على عمله وبيعه، وزيادة ما عجز عن من عندي، فنهاني أخي ربيع عن ذلك، وهزني * الأعوان في الثمن، وهو ينهاني، حتى ضجرت وكابرته، فقال لى: يا بغيض: انه يزول عنك ويرجع إلى صاحبه.
فاني لجالس، إذا رسول من الوالى، فقال لى: اصرف القطن الذي طرحته عليك.
فصرفته، ومحى اسمي.
وكان أخوه سعيد قد ركب في مركب إلى مصر، فانفتح، وفرغ بعض شحنته، وضعفت قلوب من فيه، وأرادوا ترك الكراء لصاحبه والخروج منه، إذ ورد عليهم كتاب ربيع إلى أخيه: بلغني ضعفه قلوبكم، وإرادة بعضكم الخروج، فلا تخرجوا، فإن المركب يصل سالما بكل ما فيه.
فقويت قلوبهم، وقال صاحب المركب: سلم والله مركبي، فإن ربيعا لم يتكلم بهذا الأمر إلا عن صحة.
فوصل المركب سالما.
وكان يتكلم على الأحوال. قال بعضهم: كثيرا ما كنت أغشى مجلس ربيع، أريد سؤاله عن أشياء تختلج في صدري، فأنصرف بعلم ما أردت منه، دون مسألة، ولقد خطر ببالي يوما من بعض كرامات الصالحين ما هالني و استعظمته، فنظر إلي وقال: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٨٩١).
وقال مكى بن يوسف - وكان مختصا به - عنه، قال: كنت أمشى وحدي في خلاء الأرض، وبين يدي جبل، فوقع في قلبي شيء من القرب إلى الله تعالى، فخشيت أن تكون نفسي سخرت بي، وأنه ليس من قبل الحق، فقلت: اللهم إن كان هذا شيئا من قبلك، فأرني برهانه، لئلا أشك فيه، لتطمئن إليه نفسي.
стр. 1646
فنظرت إليه، فإذا الجبل كله ذهب يلوح، فنظرت إليه ثم أعرضت عنه.
وقال إبراهيم بن مسرور: بت وفى سري حاجة ضقت بها، فبينما أنا نائم، أقبل على شخص عليه بردة، ورائحة طيبة، فقال: ما لك ضقت بحاجتك؟ اذهب إلى الولي، فإنه يجريها الله على يديه.
قلت: ومن الولي؟
فقال لي: الولي كما ذكرت لك.
فكررت عليه، فقال لي: هو ربيع القطان، فاذهب إليه، وبشره بالولاية.
فأتاه فبشره، فقال له ربيع: أما علمت يا أخي أن المؤمنين كلهم أولياء الله.
قال أخوه أحمد: دخلت عليه يوما وهو متفكر، فسألته عن فكرته، فقال: تفكرت في أمر.
قلت: فيم؟
قال: يراد بي وبرأسي أمر عظيم.
فسألته، فقال: رأيت في رؤياي الحق جل ذكره، فأمرني، فدنوت منه، فشرف موضعا مني وعظمه، ما بين صدغي وأذني من الجانب الأيسر.
فكانت والدته تأمره إذا حلق، أن تأخذ شعر ذلك الموضع، فجمعت منه كثيرا، وأوصت حين موتها أن يدفن معها.
فضرب حين قتل في ذلك الموضع، ﵀.
وقال حسن بن فتحون: قال لي ربيع: ليرادن أمر بهذا الرأس.
يعنى رأسه، فكان ذلك، لما قتلوه أخذوا رأسه، فداروا به في البلاد.
***
стр. 1647
بقية أخباره ووفاته
وكان ربيع ﵀ ممن عقد الخروج لغزو الروافض، وجد في ذلك كما قدمناه في أخبار الممسى، فقتل شهيدا في واد المالح، في حصار المهدية، سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
وكان أبو علي بن الكاتب العابد يقول: ما رأيت ربيعا قط، إلا ورأيت دم الشهادة يلوح على وجهه.
قال القابسي: وكان رغبة بنى عبيد ورجاؤهم، أخذ ربيع حيا، ليشفوا منه نفوسهم، فلما لقوه في القتال، أقبل وهو يطعن فيهم ويضرب وهم يتوقفون عنه رجاء أخذه، فلما أثخنهم بالضرب حملوا عليه، فقتلوه وأخذوا رأسه، ومضوا به إلى امامهم، فطيف برأسه.
قال بعضهم: رأيت السيف يثخن فيه وهو يقول: قدوس، المشركون يقتلون المؤمنين!
وما ولى دبرا حتى قتل.
قال أبو محمد بن التبان: رأيت ربيعا القطان، بعد أن قتل، فسألته عن حاله، فقال لي: تارة تزخرف لنا الجنان، وتارة يشرف علينا الحور والولدان، وتارة تهتك لنا الحجب.
فقلت له: من أعلى درجة أنت أو الممسى؟
فقال جمعنا في حديق واحد.
ورثاه أخوه أحمد بمراثي كثيرة، منها من قصيدة طويلة أولها:
* خليلي عوجا مهجتي عزيانيا … وإن كنت حيا لم أمت وابكيانيا
رزئت ربيعا، كان للناس كلهم … ربيعا، نرى فيه القلوب رواعيا
رزئت أبي فيه وأمي وعترتي … وأهلي ولإخواني فلم يبق باقيا
стр. 1648
رثيتك مقرحا وأى مصيبة … بأعظم لي من أن أرى لك راثيا
ومن ذلك قوله:
جعلت أخى ذكراك فرضا من الفرض … وطول عزائي فيك من دينى المحض
إذا جن إظلامي أراك ممثلا … دجى الليل بين المدامع والغمض
تخيل لي في كل قفر وبلدة … كأنك لا تخلى مكانا من الأرض
ومولد ربيع سنة ثمان وثمانين ومائتين، وكان بينه وبين الممسى ستة أشهر.
***
ذكر إخوته
كان أبوه ﵀ من أهل العبادة، وكان يرى رؤيا، فقصها على عابر فقال له: تتزوج امرأة تطابق حالك، ويخرج من بينكما أولاد علماء.
قال أحمد أخو ربيع: كنا إذا جلسنا مع والدي وخطر في باله شيء من العلم، قام من مكانه فجثا بين يدى ربيع ابنه، فيقوم ربيع إليه، ويقول لم فعلت هذا؟
فيقول: أردت أن أسألك عن شيء من العلم.
فيقول: وهلا وأنت في مكانك؟
فيقول: أردت أن أعطي العلم حقه.
إخوة ربيع هذا: أحمد، وربيع، وسعيد وعطاء الله، كله فضلاء عباد.
стр. 1649
قال الأجذابي: فأما ربيع فهو الذي أوتى علمًا عظيمًا.
وأما سعيد، فسمع بالقيروان، وطلب الفقه ورحل وسمع بمصر كثيرًا، ومات بها.
وأما أبو جعفر أحمد، فكان من أهل العلم والقرآن، قرأ على أبى بكر الهوارى بأفريقية، وبمصر على الأنماطي، وأحمد بن يوسف، وغيره، وبالأندلس على غيرهم، وصحب بمصر أبا إسحاق بن شعبان، وأبا على بن الكاتب الزاهد، وكان مرسلًا شاعرًا، وموثقًا، حسن الخط، عالمًا بالعروض، وكان أعبد حلقة أخيه ربيع، وكان رئيسها ومتولى الإلقاء بها، وكان ابن التبان ممن يغشاها، ولما انقضت أيام أبي يزيد، سافر أحمد إلى الأندلس، وأقام بها عشر سنين، خالط بها القاضي منذر بن سعيد، ثم أخذ له سجلًا من سعيد، فرجع إلى القيروان، ومات سنة إحدى، أو ثنتين وتسعين وثلاثمائة، وكان كثير الحديث والشواهد والملح.
***
محمد بن إبراهيم أبو بكر المعروف بالكتاني
بتاء مشددة باثنتين من فوق، صحب موسى القطان، وأحمد بن نصر، وسمع من غيرهما.
قال ابن حارث: وكان يتكلم في المسائل كلامًا صالحًا، ذا دين وطهارة، وحفظ، ودرس، ومناظرة، وصيانة، وحسن انقباض، وخير، وفضل. وكان يختم القرآن في كل ليلة، وحج سنة سبع وعشرين، ومات في رجوعه بالحوراء، في هذه السنة.
***
محمد بن عباس النحاس
بحاء مهملة، قال ابن حارث: كان مذهبه المسائل والفقه، خاصة، جالسا عند جميع الشيوخ، وتوفى سنة خمس وعشرين وثلاثمائة.
стр. 1650
أبو عبد الله محمد بن مسروق النجار
يعرف بابن الأصلع، ويقال الأقرع.
وكان مذهبه الدرس والحفظ والمناظرة، وسمع يحيى بن عمر، وسعيد بن الحداد، وغيرهما.
قال ابن حارث: كان حسن القريحة، فقيه البدن، شيخًا مسنًا، وكان جليسنا في كل مجتمع، وكان شأنه الفقه * البارع، والمناظرة فيه، حسن المناظرة متواضعًا.
قال المالكي: كان شيخًا فقيهًا، حافظًا، عالمًا بالحجة والنظر، لم يكن صاحب كتب ورواية، واليه أسندت الحلقة بعد أحمد بن نصر، فرفعها إلى أبي الفضل الممسي. وقال: داري ضيقة، وأنا حديث عهد بعرس.
وهو رابع أربعة كانوا بالقيروان في وقتهم على طريقة واحدة في الفقه والنظر إلى المسائل، وتعليلها: هو وربيع القطان، وابن حارث، والممسي.
ولأحمد القصرى (٨٩٢) كتاب في الرد عليهم، سماهم فيه العقلية، وساعده عليهم أحمد بن نصر بن نصر - وكتب خطه فيه - وأبو ميسرة.
قال صاحب الكتاب المعرب (٨٩٣): كان فقيهًا بمذهب مالك، عالمًا بالحجة والنظر.
وتوفى - فيما ذكره ابن حارث والمالكي - سنة ثمان وعشرين.
وفى خط أبي عمران: سنة تسع، وذلك بتونس ووجدته أيضًا بخط ابن حارث:
***