فنظرت إليه، فإذا الجبل كله ذهب يلوح، فنظرت إليه ثم أعرضت عنه.
وقال إبراهيم بن مسرور: بت وفى سري حاجة ضقت بها، فبينما أنا نائم، أقبل على شخص عليه بردة، ورائحة طيبة، فقال: ما لك ضقت بحاجتك؟ اذهب إلى الولي، فإنه يجريها الله على يديه.
قلت: ومن الولي؟
فقال لي: الولي كما ذكرت لك.
فكررت عليه، فقال لي: هو ربيع القطان، فاذهب إليه، وبشره بالولاية.
فأتاه فبشره، فقال له ربيع: أما علمت يا أخي أن المؤمنين كلهم أولياء الله.
قال أخوه أحمد: دخلت عليه يوما وهو متفكر، فسألته عن فكرته، فقال: تفكرت في أمر.
قلت: فيم؟
قال: يراد بي وبرأسي أمر عظيم.
فسألته، فقال: رأيت في رؤياي الحق جل ذكره، فأمرني، فدنوت منه، فشرف موضعا مني وعظمه، ما بين صدغي وأذني من الجانب الأيسر.
فكانت والدته تأمره إذا حلق، أن تأخذ شعر ذلك الموضع، فجمعت منه كثيرا، وأوصت حين موتها أن يدفن معها.
فضرب حين قتل في ذلك الموضع، ﵀.
وقال حسن بن فتحون: قال لي ربيع: ليرادن أمر بهذا الرأس.
يعنى رأسه، فكان ذلك، لما قتلوه أخذوا رأسه، فداروا به في البلاد.
***
стр. 1647
بقية أخباره ووفاته
وكان ربيع ﵀ ممن عقد الخروج لغزو الروافض، وجد في ذلك كما قدمناه في أخبار الممسى، فقتل شهيدا في واد المالح، في حصار المهدية، سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
وكان أبو علي بن الكاتب العابد يقول: ما رأيت ربيعا قط، إلا ورأيت دم الشهادة يلوح على وجهه.
قال القابسي: وكان رغبة بنى عبيد ورجاؤهم، أخذ ربيع حيا، ليشفوا منه نفوسهم، فلما لقوه في القتال، أقبل وهو يطعن فيهم ويضرب وهم يتوقفون عنه رجاء أخذه، فلما أثخنهم بالضرب حملوا عليه، فقتلوه وأخذوا رأسه، ومضوا به إلى امامهم، فطيف برأسه.
قال بعضهم: رأيت السيف يثخن فيه وهو يقول: قدوس، المشركون يقتلون المؤمنين!
وما ولى دبرا حتى قتل.
قال أبو محمد بن التبان: رأيت ربيعا القطان، بعد أن قتل، فسألته عن حاله، فقال لي: تارة تزخرف لنا الجنان، وتارة يشرف علينا الحور والولدان، وتارة تهتك لنا الحجب.
فقلت له: من أعلى درجة أنت أو الممسى؟
فقال جمعنا في حديق واحد.
ورثاه أخوه أحمد بمراثي كثيرة، منها من قصيدة طويلة أولها:
* خليلي عوجا مهجتي عزيانيا … وإن كنت حيا لم أمت وابكيانيا
رزئت ربيعا، كان للناس كلهم … ربيعا، نرى فيه القلوب رواعيا
رزئت أبي فيه وأمي وعترتي … وأهلي ولإخواني فلم يبق باقيا
стр. 1648
رثيتك مقرحا وأى مصيبة … بأعظم لي من أن أرى لك راثيا
ومن ذلك قوله:
جعلت أخى ذكراك فرضا من الفرض … وطول عزائي فيك من دينى المحض
إذا جن إظلامي أراك ممثلا … دجى الليل بين المدامع والغمض
تخيل لي في كل قفر وبلدة … كأنك لا تخلى مكانا من الأرض
ومولد ربيع سنة ثمان وثمانين ومائتين، وكان بينه وبين الممسى ستة أشهر.
***
ذكر إخوته
كان أبوه ﵀ من أهل العبادة، وكان يرى رؤيا، فقصها على عابر فقال له: تتزوج امرأة تطابق حالك، ويخرج من بينكما أولاد علماء.
قال أحمد أخو ربيع: كنا إذا جلسنا مع والدي وخطر في باله شيء من العلم، قام من مكانه فجثا بين يدى ربيع ابنه، فيقوم ربيع إليه، ويقول لم فعلت هذا؟
فيقول: أردت أن أسألك عن شيء من العلم.
فيقول: وهلا وأنت في مكانك؟
فيقول: أردت أن أعطي العلم حقه.
إخوة ربيع هذا: أحمد، وربيع، وسعيد وعطاء الله، كله فضلاء عباد.
стр. 1649
قال الأجذابي: فأما ربيع فهو الذي أوتى علمًا عظيمًا.
وأما سعيد، فسمع بالقيروان، وطلب الفقه ورحل وسمع بمصر كثيرًا، ومات بها.
وأما أبو جعفر أحمد، فكان من أهل العلم والقرآن، قرأ على أبى بكر الهوارى بأفريقية، وبمصر على الأنماطي، وأحمد بن يوسف، وغيره، وبالأندلس على غيرهم، وصحب بمصر أبا إسحاق بن شعبان، وأبا على بن الكاتب الزاهد، وكان مرسلًا شاعرًا، وموثقًا، حسن الخط، عالمًا بالعروض، وكان أعبد حلقة أخيه ربيع، وكان رئيسها ومتولى الإلقاء بها، وكان ابن التبان ممن يغشاها، ولما انقضت أيام أبي يزيد، سافر أحمد إلى الأندلس، وأقام بها عشر سنين، خالط بها القاضي منذر بن سعيد، ثم أخذ له سجلًا من سعيد، فرجع إلى القيروان، ومات سنة إحدى، أو ثنتين وتسعين وثلاثمائة، وكان كثير الحديث والشواهد والملح.
***
محمد بن إبراهيم أبو بكر المعروف بالكتاني
بتاء مشددة باثنتين من فوق، صحب موسى القطان، وأحمد بن نصر، وسمع من غيرهما.
قال ابن حارث: وكان يتكلم في المسائل كلامًا صالحًا، ذا دين وطهارة، وحفظ، ودرس، ومناظرة، وصيانة، وحسن انقباض، وخير، وفضل. وكان يختم القرآن في كل ليلة، وحج سنة سبع وعشرين، ومات في رجوعه بالحوراء، في هذه السنة.
***
محمد بن عباس النحاس
بحاء مهملة، قال ابن حارث: كان مذهبه المسائل والفقه، خاصة، جالسا عند جميع الشيوخ، وتوفى سنة خمس وعشرين وثلاثمائة.
стр. 1650
أبو عبد الله محمد بن مسروق النجار
يعرف بابن الأصلع، ويقال الأقرع.
وكان مذهبه الدرس والحفظ والمناظرة، وسمع يحيى بن عمر، وسعيد بن الحداد، وغيرهما.
قال ابن حارث: كان حسن القريحة، فقيه البدن، شيخًا مسنًا، وكان جليسنا في كل مجتمع، وكان شأنه الفقه * البارع، والمناظرة فيه، حسن المناظرة متواضعًا.
قال المالكي: كان شيخًا فقيهًا، حافظًا، عالمًا بالحجة والنظر، لم يكن صاحب كتب ورواية، واليه أسندت الحلقة بعد أحمد بن نصر، فرفعها إلى أبي الفضل الممسي. وقال: داري ضيقة، وأنا حديث عهد بعرس.
وهو رابع أربعة كانوا بالقيروان في وقتهم على طريقة واحدة في الفقه والنظر إلى المسائل، وتعليلها: هو وربيع القطان، وابن حارث، والممسي.
ولأحمد القصرى (٨٩٢) كتاب في الرد عليهم، سماهم فيه العقلية، وساعده عليهم أحمد بن نصر بن نصر - وكتب خطه فيه - وأبو ميسرة.
قال صاحب الكتاب المعرب (٨٩٣): كان فقيهًا بمذهب مالك، عالمًا بالحجة والنظر.
وتوفى - فيما ذكره ابن حارث والمالكي - سنة ثمان وعشرين.
وفى خط أبي عمران: سنة تسع، وذلك بتونس ووجدته أيضًا بخط ابن حارث:
***
стр. 1651
أبو الحسن عبد الله بن محمد بن زرقون العسال
ابن أبي مريم، يعرف بابن الطيارة في التعليق.
كان من أهل العلم والفقه على مذهب المدنيين بالقيروان، وكان أبوه صاحب صلاتهم، وقد ذكرته في أصحاب سحنون.
وكان أبو الحسن ثالث ثلاثة إذا حضروا في مجلس لم يتكلم أحد غيرهم: هو وأبو محمد عبد الله بن أبي عثمان بن الحداد، وأبو إبراهيم القرشى المعلم، كثرة حكاية وحسن إيراد.
قال الخراط: كان رجلًا صالحًا ثقة مأمونًا فقيهًا خيرًا.
سمع من سهل القبرياني، وأبي داود العطار.
سمع منه أبو الحسن بن زياد، وأبو الأزهر بن نافذ (٨٩٤).
توفى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
مولده سنة أربع وأربعين ومائتين.
***
أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم
ابن تمام بن تميم التميمي.
كان جده تمام بن تميم، من أمراء أفريقية.
وكان أبوه أحمد ممن سمع من شجرة بن عيسى، وسليمان بن عمران، وبكر بن حماد.
وسمع أبو العرب من جماعة من أصحاب سحنون، وأكثر رجال إفريقية، كيحيى بن عمر، وأبي داود العطار، وعيسى، ومحمد بن مسكين، وابن طالب، وعبد الجبار، وأبى عياش، وسهل القبرياني، وحماس، وحبيب بن نصر، وجبلة، وابن أبي سليمان، وسعيد بن إسحاق، وجماعة.
стр. 1652
قال أبو عبد الله الخراط: كان رجلًا صالحًا، ثقة، عالمًا بالسنن والرجال، من أبصر أهل وقته بها، كثير الكتب، حسن التقييد، كريم النفس والخلق، كتب بخطه كثيرًا في الحديث والفقه، يقال: أنه كتب بيده ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة، وشيوخه نيف وعشرون ومائة شيخ.
سمع منه أبو محمد بن أبي زيد، والحسين بن سعيد، وابناه، وزياد السدري (٨٩٥)، والناس.
قال ابن أبي دليم: وكان حافظًا للمذهب، معتنيًا به، وغلب عليه الحديث والرجال، وتصنيف الكتب، والرواية والإسماع.
وألف طبقات علماء إفريقية، وكتاب عباد أفريقية، ومسند حديث مالك، وكتاب التاريخ، سبعة عشر جزءًا، وكتاب مناقب بني تميم، وجزءين في موت العلماء، وكتاب المحن، وكتاب فضائل مالك، وكتاب فضائل سحنون، وكتاب الوضوء والطهارة، وكتاب الجنائز وذكر الموت وعذاب القبر، وكتاب عوالى حديثه، وكتاب في الصلاة، وغير ذلك.
ودارت عليه محنة من الشيعي، حبسه وقيده مع ابنه مدة، بسبب بنى الأغلب والتهمة في السلطان.
وهو أحد من خرج لحرب بنى عبيد وحصار المهدية، وسمع عليه هناك كتاب الإمامة لمحمد بن سحنون، فكان يقول: سماع هذين الكتابين هنا على، أفضل من كل ما كتبت.
وكان سبب طلبه للعلم، أنه أتى يومًا إلى دار محمد بن يحيى بن السلام، فأعجبه أمر الطلبة، فاختلف إليهم أيامًا، وهو يتزيى بزى أبناء السلاطين.
***
قال: فقال لى رجل: لا تتزى بهذا الزى، فليس بزى طلبة العلم.
قال فرجعت فذكرت ذلك لأمى، فأبت على وقالت: إنما تكون مثل آبائك السلاطين.
стр. 1653
فاشتريت ثيابا ورداء، وجعلتهم عند صباغ، فإذا أتيت، لبست تلك الثياب، وجعلت ما على في حانوته، ومضيت إلى ابن السلام، فإذا انصرفت من عنده، رجعت إلى حانوت الصباغ، وكشفت ما على، ولبست ثيابى التي جئت بها، ورجعت إلى دارى.
فقال لى رجل: أراك تلازم وتسمع ولا تكتب!
فقلت له: والداى رغباني عن هذا الأمر والمعونة عليه، ولم يمكناني من شيء.
فقال: أعطيك جلدًا تكتبه لنفسك، وتكتب لى آخر.
فرضيت بذلك، وفعلته معه مدة إلى أن يسر الله لي ما اشتريت به الرق، وقويت به على طلب العلم.
وكان أبو العرب شاعرًا، أنشد له ابنه تميم:
إذا ولى الصديق لغير عذر … فزاد الله خلته انقطاعًا
إلى يوم التناد بلا رجوع … فإن رام الرجوع فلا استطاعًا
إذا ولى أخوك فول عنه … وزده وراء ما ولاك باعًا
وناد وراءه يا رب تمم … ولا تجعل لفرقته اجتماعًا
وله:
ضعفت حيلتى وقل اصطباري … والى الله أشتكى كل ما بي
وهن العظم بعد أن كان صلبًا … وفقدت الشباب أي شباب
стр. 1654
وتوفى فيما قال ابن حارث: يوم الأحد، لثمان بقين من ذى القعدة، سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وقيل لسبع بقين من رجب منها.
مولده سنة إحدى وخمسين ومائتين.
وكان له ابنان:
أبو العباس تمام، سكن أفريقية، نذكره.
وأبو جعفر تميم، سكن الأندلس، وروى بها كتب أبيه وغيرها، وكان يضعف، تكلم فيه أخوه.
***
أبو جعفر أحمد (ويقال حمود) بن إبراهيم (ويقال ابن سعدون) المتعبد
سكن سوسة، ويعرف بالأربسي، ويقال له أيضًا ابن السرداني، وإنما قيل لأبيه السردانى لأنه غزا سردانية.
قال أبو بكر المالكي: وكان رجلًا صالحًا فاضلًا فقيهًا ثقة، ذا سمت حسن ووقار وورع، سمع منه الناس، وكتب جميع كتب يحيى بن عمر، لأن يحيى لما هرب من ابن الأغلب أودعه كتبه، وسمع أيضًا من أحمد بن أبي سليمان وغيره.
قال أبو الأزهر: ما رأيت في المتعبدين مثله، وكان قد اعتل، فلم يبق في بدنه عضو إلا معتلًا، سوى لسانه وعقله وبصره، فكان إخوانه يزورونه، وهو ملقى على ظهره، ما يستطيع الجلوس. ولقد كان يأتيه جماعة من إخوانه بينهم اختلاف، رجاء أن يصلح بينهم، فيذكر كل واحد منهم قصته، فأجعل من بالي حفظ قصصهم وما يحتج به كل واحد منهم، لأقف على صحة جوابه وفهمه، فربما جازت على أشياء من أقاويلهم، لا أذكرها إلا بجوابه لهم، وكان مع ذلك قد أدرك الثمانين، وكان من الزهاد المتعبدين المستجابين، دخل سوسة بألف مثقال، فأنفقها، وكانت له مرؤة، وهو كان القائم بأمر أبي جعفر القمودي العابد صاحبه.
стр. 1655
وذكر عنه أنه لقيه رجل يومًا طالعًا إلى السجن، وعلى عنقه كساء، وبيده طعام فسأله، فقال: حبس لى صديق اليوم، وأردت تأنيسه بالمبيت عنده.
ولما اشتد مرضه، كان أبو جعفر القمودي إذا سلم من صلاته يمضى وينظر إليه من الباب، ثم يرجع إلى صلاته، فإذا سلم عاد فنظر إليه، فوجده مرة في حال النزع، وقد انقطع كلامه، فقال القمودي: الحمد لله رب العالمين، الآن قد طابت نفسي عليك، خلصت وبقيت أنا موحولًا.
فلما سمعه الأربسي، وهو لا يتكلم، أشار بيده * إلى حلقه، يريد أن نفسه لم تخرج بعد.
ولما مات وقف عليه، وقال: خلصت ورزئت عليك، لا يصل إليك سلطان ولا شيطان، وتركتنا بعدك موحولين في بحر نسبح فيه، لا ندرى نغرق أم ننجو؟
قال الخراط: رأى ثقة في منامه قائلًا يقول: ان أردت أن تنظر إلى أبي بكر الصديق، فانظر إلى أبي جعفر بن السرداني.
وتوفى ﵀ سنة ثلاث وعشرين، وقيل أربع وعشرين وثلاثمائة.
* **
وأخوه أبو قحطان قائد بن سعدون الأربسي
قال المالكي عنه: كان رجلًا فاضلًا، من أهل العلم والفضل والورع والعناية والكتب وضبطها، وسمع أكثر كتب يحيى بن عمر، وكتبها، وحبسها بعد موته بسوسة.
***
стр. 1656
أبو جعفر أحمد بن موسى التمار
من قبط تونس، سمع من فرات، ويحيى بن عمر، وغيرهما، وسمع منه عالم كثير.
قال ابن حارث: وكان من أهل العلم بالجدل، على معاني المتكلمين، وفى النظر على مذاهب الفقهاء، ويتكلم في ذلك كلامًا جيدًا، وكان لطيف الفهم، دقيق الاستخراج، قد صحب أبا عثمان بن الحداد، واحتوى على معانيه وكان حسن التصرف، جميل الأدب، كريم المروؤة، محمود الأخلاق، كثير الحكاية.
قال الخراط: كان صالحًا ثقة، فقيهًا، عالمًا، يحسن النحو والعربية، سأله بعضهم يومًا عن بين المفلس الحى والمفلس الميت، إذا وجد البائع عين متاعه.
فقال: لأن الميت انتقل ملك ماله إلى غيره، والحي ملكه باق على حاله.
وامتحن هو وأخوه محمد أيام الشيعي، فأمر عبيد الله بضرب أخيه مائتين، فمات، ودارت على ناس كثير من المدنيين وغيرهم محن كثيرة، كمحنة عمروس في خلع لسانه وابن معتب في ضرب ظهره، وابن المدنى في ضرب ظهره وصفعه، وابن اللباد بسجنه، وابن البردون وابن هذيل بقتلهما وصلبهما وأشياء كثيرة من جهة ترك "حي على خير العمل" في الأذان، وترك قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" في الصلاة، والفتيا بمذهب مالك ﵁.
وله في عبيد الله وآله:
أنا أقول بأني … ممن يراني بري
إن كان منهم على … أو كانوا هم من على
وتوفى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
стр. 1657
إبراهيم بن أبى خفص أبو إسحاق المعروف بأبي قنة
سمع من يحيى بن عمر وغيره، وكان جيد العقل، يميل إلى النظر حسن الحكاية، قتله اللصوص في داره لأجل ماله، وكان كثيرًا، وكان وحيدًا، فذبح بالليل هو وجاريته، وحمل ماله.
***
أبو عبد الله محمد بن أبى المنظور عبد الله بن حسان
ويقال أبو محمد، الأنصاري، من أنفسهم، ويقال مولاهم، وأصله من الأندلس، وبها ولد، من جزيرة طريف.
ورحل فسمع الديري (٨٩٦)، وإسماعيل القاضي، وابن قتيبة، وابنه، والحارث بن أبي أسامة، والكشوري، وعلى بن عبد العزيز، وغيرهم، وكتب في رحلته علمًا كثيرًا.
وأوطن القيروان، وأغلق على نفسه باب إسماع العلم، واشتغل بالتجر، وكانت له في البلد جلالة السن والعلم والصيانة.
ولاه أبو القاسم من بنى عبيد قضاء القيروان عن ملأ من الناس، أرادت الشيعة بتوليته تسكين نفوس أهل السنة والناس، إذ كان منهم بعد فتنة أبي يزيد.
وكان شرط على إسماعيل حين ولاه، ألا يأخذ لهم صلة، ولا يركب لهم دابة، ولا يقبل شهادة من أقاربهم، ولا يركن إليهم، فأجابوه إلى ذلك.
وكان صليبًا في قضائه، سالكًا طريق العدل في أمره.
ورفع إليه أن يهوديًا سب النبي ﷺ فقال: لم أعط السيف.
فأحضره، وعرض عليه الإسلام، فأبى، فأجلسه وأمر بضربه، وقال للضارب: اقصد حذاء قلبه.
стр. 1658
فضربه حتى مات.
وغلبت عليه الرواية، سمع منه أبو جعفر القصري، وابن التبان، وابن نظيف، وعبد الله بن أبي هاشم.
وولى القضاء وهو ابن تسعين سنة، ولم يستنب، ولا أخذ على قضائه أجرًا، ولا ركب في قضائه.
وتوفى وهو كبير السن، سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة في السنة الثانية من قضائه، وهو قاض.
قال بعضهم: كان له إدراك وسماع كثير، وعلم مشهور، وكان مالكيًا عالمًا بأصول الفقه، وليس ينسب إلى الحفظ كثيرًا، ذا سمت وخشوع وتقى.
***
أبو محمد عبد الله بن سعيد بن محمد بن الحداد
شيخ عاقل حصيف، عالي الهمة.
سمع من أبيه، وأحمد بن يزيد، وغيرهما من شيوخ القيروان.
حدث عنه أبو محمد بن أبي زيد وغيره.
وكان مليح المجلس، كثير الحكاية.
توفي بعد العشرين وثلاثمائة.
***
عبد الله بن أبي هاشم بن مسرور التجيبي
مولاهم، المعروف بابن الحجام، مولى بني عبيد التجيبيين، أبو محمد.
سمع من عيسى ومحمد ابنى مسكين، وسعيد بن إسحاق، وعبد الله بن سهل الأندلسي، وأبي عياش، وفرات، وحمديس القطان،
стр. 1659
وعمر بن يوسف، وابن أبي سليمان، ويحيى بن زكرياء الأموى، والمغامى، وغيرهم من شيوخ أفريقية.
ورحل فسمع في رحلته بمصر وجدة وغيرهما من جماعة، منهم إبراهيم بن جميل، ومحمد بن إبراهيم الديلى، وابن الأعرابي، وابن أبى مطر، وعبد الله بن حموية، ومحمد بن الحسين الطوسى، والحضرمي.
وغلب عليه الجمع والرواية، يقال: أكثر سماعه من ابن مسكين، إجازة.
قال أبو عبد الله الخراط: كان أبو محمد ورعا مسمتا خاشعا، رقيق القلب، غزير الدمعة، مهيبا في نفسه، لا يكاد ينطق أحد في مجلسه بغير الصواب، يشبه في أموره كلها ابن عمر، وحمديسا القطان، حسن التقييد، صحيح الكتب، وكانت كتبه كلها بخطه، وكان كثير التصنيف في أنواع العلوم، كثير الكتب.
قال القابسي: ترك أبو محمد هذا سبع قناطير كتبا بخطه "إلا كتابين، فكان لا يحتمل أن يراهما، لأنهما ليسا بخطه (٨٩٧) " فلما توفى رفع جميعها إلى سلطان الوقت، فأخذها ومنع الناس منها.
وذكر بعض أصحابه، أنه لما اشتد به المرض، قال له أصحابه: نخشى أن يأخذ السلطان كتبك. ويمنع الناس الانتفاع بها، فحبسها على المسلمين، واجعلها أثلاثا في ثلاثة مواضع.
ففعل ذلك، فلما كان من الغد، قال: لم أنم البارحة لما فقدت كتبي، فردوها على.
فردوا الثلثين، وتركوا الثلث الذي كان في دار أبي محمد بن أبي زيد.
فلما وصل إليه الثلثان مات، فقبض السلطان على ذلك، وسلم الثلث.
стр. 1660
قال أبو بكر بن عبد الرحمان: بلغني أن أهله اشتروا له جارية، وزينوها فأدخلوها عليه، فلما كان الليل، أخذ الكتاب، وكتب الليل كله، ولم يلتفت إليها، وأقام على ذلك نحوا من شهر، فلما طال على الجارية ذلك، قالت له: إن كان ليس لك بي غرض فبعني.
قال لها: ومن أنت؟
قالت: جاريتك.
قال لها: أنا ما اشتريت جارية، أمضى إلى من اشتراك يبيعك.
ففعلت، فأقام على حاله إلى أن مات.
وكان القابسي يقول - لمن قال: لم يدرك يحيى بن عمر إلا مغلوبا -: بل أدركه صحيحا، ولكن كان أبو محمد أولا منقطعا، فلهذا لم يسمع من يحيى.
وحكى أن النعمان قاضى الشيعة، مر به بباب داره، فقال: السلام عليك يا أبا محمد.
فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
وكرر عليه، فرد مثله، فلما انصرف النعمان قال له من حوله: تكون قاضي قضاة السلطان وداعيته، تسلم على ناصبي فما رد عليك، أذللت نفسك وأذللتنا.
فرجع إليه يتوقد غضبا، فلما رآه أبو محمد، قام وجعل يده على أذنه وقال: جعلت أذنك قمعا لمن يقرب إلى النار لحمك ودمك.
فقال: صدقت يا أبا محمد.
فانصرف قائلا لأصحابه: هذا ليس من أهل * الدنيا فيتم فيه ما نريد.
ولقيه أبو هاشم قاضى القيروان، في حفدته، فترجل له وسلم عليه، فعاتبه ابن مسرور في دخوله في قضاء القوم، فاعتذر له وقال له: هل لك من حاجة؟
стр. 1661
قال له: لا حاجة لي عندك.
فسلم عليه وانصرف.
فقال للقاضى بعض من معه: إن أردت قضاء حاجته، فكلم السلطان في الدار التي غصبها له.
فقال: نعم.
وسأل السلطان فيها فأجابه، فأخبر بذلك ابن مسرور فقال: والله لا فعلت شيء، تركته لله أرجع فيه؟ لا حاجة لي فيه.
وألف كتبا كثيرة في أنواع من العلوم، منها كتاب المواقيت ومعرفة النجوم والأزمان.
سمع منه أبو محمد بن أبي زيد، والقابسي، ومحمد بن إدريس وأبو عبد الله الصدقى وغيرهم من أهل أفريقية ومصر والأندلس.
وكان ﵀ قد نبذ جماعة من أصحابه، لأشياء أطلع عليهم فيها، فكتب عليهم محضرا يقول فيه: يشهد من تسمى في هذا الكتاب، أن عبد الله بن مسرور، أشهدهم أن فلانا وفلانا، كانوا يأخذون عنى طرفا من العلم، فسألونى أن أجيز لهم كتبى، ففعلت، فاشهدوا على أني قد رجعت عما رووا عنى، وعن إجازتى لهم كتبى، لما ظهر فيهم من سوء حالهم، وكذا وكذا.
قال القاضي: مثل هذا لا يضر الرواية، وقد فعلها بعض من لقيناه ببعض من سخطه من أصحابه، ولعله لم يخف عليهم أن الرجوع فيه لان يصح لكنه كالردع "والتحريج لهم بمثل هذا، وقد بينا هذا الفصل بيانا شافيا في كتاب الإلماع" (٨٩٨).
وتوفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة، وسنه سبع وثمانون سنة.
مولده سنة ثلاث وستين ومائتين.
وكان سبب موته أنه اصطلى، فنعس، فالتهبت النار ثيابه واحترق، إلا موضع سجوده.
стр. 1662
حبيب بن الربيع
مولى أحمد بن أبي سليمان الفقيه.
كان فقيهًا عابدا، كناه أبو الوليد الباجي بأبي القاسم، وغيره بأبى نصر.
يروى عن مولاه أحمد، ويحيى بن عمر، ومحمد أخيه، والمغامى، وحماس، وأبى داود العطار، وعبد الجبار، وأبي عياش، ويحيى بن عبد العزيز، وعمر بن يوسف، وابن بسطام، وابن الحداد، وعبد الرحمان الوزنة، وغيرهم.
روى عنه أبو محمد بن أبي زيد، وابن إدريس، وعلى بن إسحاق، وجماع.
قال القاضي أبو الوليد الباجي: هو فقيه.
قال الخراط: كان فقيه البدن، يميل إلى الحجة، عالما بكتبه، حسن الأخلاق، بارا، سمحا، كان مولاه أحمد يقول: الذي خسرته في ابنى، ربحته في حبيب.
وكان حبيب يقول: قال لى مولاى أحمد: تخلق بخلقي في كل شيء إلا في الدينار والدرهم، لسماحة يده.
قال حبيب: فتخلقت بخلقه بحمد الله في كل شيء، وفي الدينار والدرهم. (٨٩٩).
وكان حبيب هذا شاعرا، وهو القائل:
إن الزمان وإن نأى بصروفه … فأنا له من أعصمى رجاله
ما إن يغير حالة من حاله … إلا سمت هممى على أحواله
стр. 1663
ولقد أبيت وما لصاحب نعمة … من ماله قبلى ولا إفضاله
وأصون ما بذل امرؤ من وجهه … لصديقه أو غيره بسؤاله
إن الصديق وإن تغير حاله … لم أجز ذاك الفعل من أفعاله
وصفحت عنه حافظا لسجيتي … ووصلت حبلى إن نأى بحباله
قال بعض أصحابه: طال بنا المجلس يوما حتى قلق بعض الحاضرين، فلما كمل الجزء أنشد حبيب:
الصبر جارك فاستعن بجواره … عند الحوادث والمهم النازل
فلتحمدن، جواره متعجلا … ولتعطين ثوابه في الآجل
* ووقفت على جزء من مسائله، مما سأل عنه مولاه، وابن الحداد، وعبد الرحمان الوزنة، وابن بطريقة.
وأفتى حبيب، فيمن دفن فأكله السبع أن كفنه لورثته.
وقال غيره: لا يورث، كمن لا وارث له.
وقال أبو على بن البصرى في كتابه (المعرب عن أخبار المغرب): كان حبيب هذا فقيهًا، وهو الذي عناه مولاه أحمد بقوله في شعره:
تسمع يا حبيب هديت قولي … تنل بسماعه خيرا كثيرا
سمعتك تذكر الشعراء طرا … وتنشد شعره جما غفيرا
стр. 1664
وليس مؤلف قولا حكيما … كآخر قائلا إفكا وزورا
وتوفى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وهو ابن نيف وثلاثين سنة.
***
حبيب بن نصر
أبو نصر مولى أحمد بن أبي سليمان أيضا سمع من مولاه، ويحيى وغيرهما وعنى بالمسائل والمناظرة فيها، وكان منقبضا.
***
إسحاق بن مسلم
أبو إبراهيم، مولى أحمد أيضا، كان يتكلم في الفقه على مذاهب النظار، وفى الأسماء والصفات على طريق المتكلمين وأهل السنة، وكان نبيلًا متصرفًا، إلا أن ابن حارث حكى عنه أنه كان يقول بالجسم ولا كالأجسام، وهذا إن صح عنه ينفى كل ما وصف به من فهم ونبل، ويدل على إغراق في الجهل، وغباوة تامة، وقلة علم.
***
أبو عبد الله محمد بن العباس بن الوليد الذهلي
المعروف بدعدع، بدالين مهملتين مضمومتين، كان عالما فقيهًا بمذهب مالك، ذا حفظ.
سمع محمد بن سحنون، ومحمد بن يحيى بن سلام، ومحمد بن تميم العنبري.
وكان شديد البغض لبني عبيد، كثير السب لهم، لا يخاف في الله لومة لائم.
стр. 1665
وحكم عليه ابن طالب، وعلى أخيه الملقب بشرشر، أنهما موالى لامرأة من العجم، وبالكذب.
أرى ذلك لانتمائهما إلى هذيل.
وضرب النفطى قاضى الشيعة محمدا هذا في جميع القيروان عريانا، وصفع حتى قفاه سال الدم من رأسه، وبرح عليه في الأسواق، وأطافه عريانا على حمار، إذ رفع عنه أنه كان يفتى بمذهب مالك، ويطعن علي السلطان، ثم حبس.
ووجدت في التعليق لأبي عمران، أنه سقط آخر عمره وتوفى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، من خط أبي عمران.
***
محمد بن عبد الله المعروف بالمرقشانى
سمع من يحيى بن عمر، وموسى القطان، وقرئ عليه، وكان يختم القرآن كل ليلة.
توفى سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
стр. 1666
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي من القمم الشوامخ في تاريخ المغرب، وله عدة جوانب، فهو مفسر، ومحدث، وفقيه، وأديب، ولغوي، ومؤرخ .. ذكر له في مقدمة الجزء الأول من هذا الكتاب - الأستاذ العالم البحاثة المرحوم محمد بن تاويت الطنجي - ترجمة مستفيضة.
وسأقدم - فقط - تعريفا موجزا بكتاب "ترتيب المدارك" الذي نقوم بتحقيق هذا الجزء (السادس) منه والأجزاء التي تليه - إن شاء الله، وكان على المحققين - الأفاضل - الذين سبقوني أن يفعلوا - حتى يكون القارئ على بينة من أمره.
موضوعه:
والكتاب يدخل في كتب التراجم، فهو قد أرخ لرجالات الفقه المالكي في فترة ما بين (١٢٤ - و ٤٦٢ هـ)، وقدم له، مؤلفه بمقدمات في: ( .. ذكر المدينة وفضلها، وتقديم علمائها وعلمها، ووجوب الحجة في إجماع أهلها، وترجيح مذهب مالك إمامها (١) … وعقد ترجمة مسهبة
_________
(١) المقدمة ج ١/ ٨.
стр. 1667
للإمام مالك - صاحب المذهب، تحدث فيها عن نشأته، وحياته العلمية، ومجالسه في الحديث وتأليفه الموطأ، وما إلى ذلك من آثاره.
وأورد جملة من فضائله، وما قيل في شأنه، وثناء الناس عليه.
ومن هنا تخلص للرواة عنه - وفيهم شيوخه وأقرانه - وذكر منهم نحو ألف اسم.
ثم الذين انتهى إليهم مذهب مالك - جيلا جيلا، وأمة أمة - إلى زمن المؤلف - على حد تعبيره (٢).
منهجه:
حدد أبو الفضل عياض منهجه في مقدمة الكتاب، فقسم ما بين عهد مالك والزمن الذي يعيشه - إلى فترتين: فترة الأصحاب، وفترة الأتباع، ولكل فترة طبقات، فالرواة أصحاب مالك ثلاث طبقات، والأتباع الذين انتهى إليهم مذهب مالك عشر طبقات، وعرف بالمشتهرين من كل طبقة - مرتبا لهم حسب أوطانهم: المدينة العراق، مصر، إفريقية، المغرب الأقصى، الأندلس؛ فيذكر اسم المترجم ولقبه ونسبه، ومولده، وشيوخه، ورواته، وتاريخ وفاته، وفضائله ومناقبه، ومرتبته في العلم والرواية.
_________
(٢) قلنا على حد تعبيره، لأنه جاء في مقدمته ص ١٤: ( .. وأخلافهم أمة بعد أمة - إلى شيوخنا الذين أدركناهم، وأئمة زماننا الذين عاصرناهم … ).
وهذا لا يتفق مع ما وجد من الكتاب، فهو ينتهي عند ترجمة أبي عبد الله بن فتوح (ت ٤٦٢ هـ).
وبعبارة أدق، فالمؤلف لم يؤرخ للفترة التي عاشها، ولم يذكر أحدا من شيوخه أو ممن عاصرهم، ولعله أرجأ ذلك إلى أن ينتهي من تسويد فهرسته "الغنية". وقد استوعب فيها الشيوخ الذين روى عنهم، فأدركته المنية قبل تحريره، وسنزيد الموضوع وضوحا في الجزء الأخير من هذا الكتاب - بحول الله.
стр. 1668
وآثاره .. ( .. فابتدأنا بذكر الفقهاء من أصحابه خاصة، ثم بأتباعهم طبقة طبقة، وأخلافهم أمة بعد أمة، إلى شيوخنا الذين أدركناهم، وأئمة زماننا الذين عاصرناهم، ممن شهرت إمامته، وعرفت معرفته … فأنبأنا بأسمائهم، وأعربنا عن ألقابهم وأنسابهم؛ ثم ذكرنا من مولدهم ووفاتهم، وذكر مشايخهم ورواتهم؛ وتصنيف زمانهم وطبقاتهم .. ثم جمعنا من أخبارهم وقصصهم، وفقر من سير حكامهم وقضاتهم، ونوادر من فتاوى فقهائهم وأئمتهم … وأثبتنا من حكم حكمائهم، ورقائق وعاظهم، ومناهج صلحائهم وزهادهم … وذكرنا من محن، ممتحنيهم، وبلايا مبتليهم .. وانتقينا أثناء ذلك من نوادر ظرفائهم وملح أدبائهم، ومحاسن شعرائهم .. (٣)).
مصادره:
عاد المؤلف في هذا الكتاب إلى عشرات المصادر في التاريخ، والسير، والأنساب، وكتب المناقب، وتواريخ الرواة والقضاة، وكتب الطبقات ..
ومن أهم المصادر التي اعتمدها:
- مناقب مالك لأبي عبد الله التسترى، والرواة عن مالك لابن الضراب، وكتاب الطبقات لابن أبي دليم، ورياض النفوس للمالكي، وطبقات الفقهاء لابن حارث الخشني، وتاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي، وتاريخ الفقهاء والقضاة لأحمد بن عبد البر، وتاريخ إفريقية والمغرب للرقيق، وتاريخ بغداد لأبي بكر الخطيب، وكتاب الاحتفال
_________
(٣) المقدمة ص ١٤ - ٢٨.
стр. 1669
في تاريخ علماء الأندلس لابن عفيف، والانتخاب لأبي القاسم بن فرج .. إلى ما تلقاه - كما يقول - من أفواه الرجال، وما التقطه لفرط الاعتناء والاهتبال. (٤)
قيمته:
لكتاب "المدارك" قيمته التاريخية، والعلمية، والأدبية، فقد عالج قضايا تاريخية، كمحنة المالكية على يد العبيديين، وثورة أبي يزيد الخارجي ضدهم، وتأييد فقهاء المالكية له، واستشهاد كثير منهم في المعركة، إلى غير ذلك مما لم نجده - مفصلا هكذا - في كتاب سواه.
وذكر سير رجالات المالكية بصورة أوسع وأشمل حسبما أومانا إليه حديثنا عن "منهجه".
وعرض لمسائل فقهية اختلف الفقهاء فيها. وقال فيها القول الفصل، أو لمح إلى الوجه الصحيح فيها.
وأورد ما ينيف على مائتي قطعة شعرية من مختلف العصور. بالإضافة إلى ما يتصيده من ملح ونكت أدبية، وتحدث عن قضايا صوفية، وأثبت جملة من كرامات الأولياء، وحكايات الصالحين، وأوغل في ذلك إلى حد الإغراب.
وصحح أخطاء وقع فيها كثير من المؤرخين، وأعطى عدة أمثلة في ذلك ما بين أسمائهم، وأنسابهم، وطبقاتهم، ووفياتهم ..
_________
(٤) انظر المقدمة ص ١٥ - ٢١.
стр. 1670
النسخ الخطية ومنهج التحقيق
والنسخ الخطية التي يقوم عليها تحقيق هذا الجزء ثلاث:
١ - صورة عن نسخة خطية بالخزانة الملكية رقم (٣٢٤٣) وترمز إليها بحرف (أ) وقد جعلناها الأصل.
٢ - صورة عن نسخة خطية لأبي بكر التطواني. مودعة بالخزانة العامة بالرباط رقم (٢٦٣٥ - د) وترمز إليها بحرف (ط).
٣ - صورة عن نسخة خطية بمدريد، محفوظة بالخزانة العامة بالرباط رقم (٣٤٠٢ - د) وترمز إليها بحرف (م).
ومر التعريف بهذه النسخ جميعا في الأجزاء السابقة.
أما منهج التحقيق، فقد انتسخت النص من صورة الأصل (أ)، وقارنته بباقي النسخ، وأثبت ما بينها من فروق في الحاشية، وقد وضعت حاشيتين، إحداهما للفروق، والأخرى للتعاليق - يفصل بينهما خط، اثبت في الأولى ما بين النسخ من فروق - وهي خاضعة لأرقام السطور لكل صفحة.
ولم أثبت في الصلب إلا القراءة الراجحة - في نظري، وتركت للقارئ حرية الاختيار. فإذا انفردت نسخة ما غير الأصل - بزيادة. وكان هناك ما يعضدها. أدرجتها في النص ووضعتها بين قوسين ( .. ).
أما الحاشية الأخرى. فلم أرد أن أثقل الكتاب بالشروح والحواشي، بل اقتصرت على ما يحتاج إلى شرح من كلمات وبعض عبارات .. وأحلت على مصادر تراجم الكتاب - ما وجدت إلى ذلك سبيلا.
стр. 1671
ونبهت على وفيات أغفلها المؤلف، أو خالفه فيها غيره، وربما ترجمت لبعض الأعلام الواردة في النص.
وأشرت إلى أرقام الآيات وسورها في المصحف الكريم.
ووضعت فهارس مفصلة تلقى بعض أضواء على محتويات النص.
وكتاب "ترتيب المدارك" من الأعلاق النفسية، التي أمر صاحب الجلالة الحسن الثاني بطبعها، وهو حريص كل الحرص على إخراجها على الصورة التي ترضي القارئ، وتتفق ومكانتها العلمية، أبقاه الله ذخرا للإسلام والمسلمين، وحفظه بما حفظ به الذكر الحكيم، إنه سميع مجيب.
وأنوه بالجهود التي تبذلها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في سبيل إحياء التراث الإسلامي، وأشكر (مصلحة إحياء التراث) على ما تقدمه لنا من عون.
وفقنا الله إلى ما فيه خير الأمة الإسلامية، وهدانا إلى سواء السبيل، إنه نعم المولى ونعم النصير.
стр. 1672
أبو عبد الله محمد بن غلبون الصنهاجي
من أهل باجة إفريقية، المعروف بالوقاد - مشدد القاف، وآخره دال.
قال القابسي [¬١]: كان [¬٢] من أصحاب حمد يس، روى عنه السدري.
وفي التعليق (١) أنه كان فقيها بمذهب مالك.
قال المالكي: كان من أهل الفقه والعلم، ذا فهم جيد، وكان يجري بينه وبين ربيع القطان مناظرات في الفقه.
قال ابن حارث: كان فقيها حافظا، وكان الفقه والمناظرة وجودة القريحة أغلب عليه من الحفظ، وكان إذا ألقيت عليه مسألة فنظر [¬٣] فيها وقيل [¬٤] له: اسمع جوابها، قال: لا حتى أعرف ما يظهر لي، إنما أريد (أن) [¬٥] انتفع بعلم نفسي.
وكان يتكلم في معاني الأحاديث كلاما حسنا، وفي فقه السنن [¬٦]، وكان من ذوي المروءة، والهيئة الحسنة [¬٧].
وحكى عنه القابسي مسألة القملة تسقط في قفيز، قمح لا يؤكل (٢).
مات بباجة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
стр. 1673
أبو العباس عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق التونسي [¬١] المعروف بالإبياني (٣)
كذا يقال بكسر الهمزة وتشديد الباء.
وقيل [¬٢] صوابه تخفيفها، التميمي.
تفقه بيحيى [¬٣] بن عمر، وأحمد بن أبي سليمان، وحمد يس، ويحيى بن عبد العزيز، وحماس بن مروان، وغيرهم.
وصحب لقمان بن يوسف، وعبد الله بن عامر، وذاكر أبا بكر بن اللباد [¬٤].
يروى عنه الأصيلي، وأبو الحسن اللواتي، وعمرون [¬٥] بن محمد، وعبد الله بن أبي زريق [¬٦]، وسعيد بن ميمون، وأبو القاسم بن زيد، وأبو علي الصولي [¬٧]، وعيسى [¬٨] بن سعادة، والقابسي، وابن أبي زيد، وغيرهم.
قال بعضهم: كان أبو العباس عالم إفريقية غير مدافع.
وقال بعضهم: كان من شيوخ أهل العلم وحفاظ مذهب مالك.
قال ابن أبي دليم: كان من أهل الخير والوجاهة، وله ميل إلى مذهب الشافعي.
стр. 1674
قال ابن حارث: هو شيخ من أهل الصيانة والانقباض، والحفظ، والكلام في الفقه.
قال المالكي: كان شيخا صالحا ثقة [¬١]، مأمونا، إماما [¬٢]، فقيها، عاقلا، حليما، نبيلا، فصيحا، عالما بما في كتبه، حسن الضبط، حسن الحفظ [¬٣]، جيد الاستنباط، كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد، إذا نزلت به نازلة مشكلة [¬٤]، كتب بها إليه [¬٥] يبينها له. ولما وصل (إلى) [¬٦] مصر تلقاه نحو من أربعين فقيها، لم يكن فيهم أفقه منه.
وقال أبو إسحاق بن شعبان: ما يزال بالمغرب [¬٧] علم [¬٨] ما [دام فيه أبو العباس.
وقال: من أراد أن ينظر إلى فقيه، فلينظر إليه.
وقال: لا يزال أهل المغرب بخير] [¬٩] ما أقام [¬١٠] بين أظهرهم، وما عدا النيل منذ خمسين سنة أعلم منه.
وقال [¬١١] أبو حفص بن عمرون: صحبت الحسن بن نصر وغيره - وذكر من أحوالهم، وفضائلهم، فما رأيت مثل أبي العباس في الفقه والعلم.
وكان أبو الحسن القابسي يقول، ما رأيت بالمشرق ولا بالمغرب مثل أبي العباس.
وكان يفصل المسائل كتفصيل الجزار الحاذق اللحم، وكان يحب المذاكرة في العلم، ويقول: دعونا من السماع، ألقوا علينا المسائل.
стр. 1675
وربما دخل عليه أصحابه وهو ملتاث، (٤) فإذا أخذوا في المذاكرة، زال التياثه وظهر نشاطه.
وكان يدرس كتاب (٥) ابن حبيب.
وكان أبو بكر [¬١] بن اللباد إذا ذاكره يضجر لكثرة معارضته، ودقة فهمه، فيصبر له أبو العباس.
وذكر اللواتي أنه قرأ على أبي العباس في الواضحة صدرا من كتاب البيوع، فقال له: بقي من الكتاب حديث كذا - ومسألة [¬٢] كذا، وذكر أحاديث ومسائل - فنظرنا فلم نر شيئا، ثم تأملنا، فإذا ورقتان قد التصقتا وتجاوزناهما، فإذا في الصفحتين كل ما ذكره، فعجبنا من حفظه، وكان قليل الفتوى.
ذكر فضائله وأخباره [¬٣]
لما حج في زمن كافور، دخل الجامع بمصر، فوقعت عليه عين ابن القرطبي، فقال: هذه [¬٤] مشية فقيه - وكان قد فاتته صلاة العصر، فأحرم - وابن القرطبي ينظر إليه - فقال: (هذا) حرام فقيه.
فلما صلى كان بجواره رجل من أهل العلم، فتحدث معه، ثم قال له [¬٥]: كيف رأيت مصر؟ [¬٦] قال: رأيت ظلما ظاهرا.
стр. 1676
وكان قد حبس بغال الناس، فرفعت رقعة بمقاله إلى كافور، وكان يجلس يوم السبت للمظالم، ويجلس معه الفقهاء - وفيهم ابن شعبان، فلما جلسوا إذا بالرقعة، فقال كافور: من المتكلم بهذا؟ وقد كان [¬١] خبره [¬٢] وصل إلى ابن شعبان وحرص [¬٣] على رؤيته، فقال ابن شعبان لكافور [¬٤]: هو أبو العباس الإبياني، ما عدا النيل منذ خمسين سنة أعلم منه.
فقال كافور: تطلق [¬٥] بغال الناس. ويبيعون [¬٦] في السوق - إن شاءوا. فما أردنا اشترينا.
فكثر دعاء المغاربة لأبي العباس، وعرف أبو العباس بمقال أبي إسحاق. فركب إليه، فلما رآه أبو إسحاق وثب من مجلسه فأجلسه فيه: ثم ذاكره في أشياء. ثم قال: أنت اليوم عندنا [¬٧]. فقال له [¬٨] أبو العباس: تعلم أنه لا ضيافة على أهل الحضر.
فقال أبو إسحاق: قال ابن عبد الحكم: عليهم الضيافة.
ثم قال له [¬٩] أبو إسحاق: هل لك في المذاكرة؟.
فقال له [¬١٠]: ذلك إليك.
فقال له [¬١١]: أو ندع للصلح موضعا؟.
فقال: ذلك إليك.
стр. 1677
وقيل: إن أبا إسحاق ألقى عليه لما أكمل الصلاة في الجامع عشر مسائل، فأجابه [¬١] منها في تسعة [¬٢]، وأخطأ في العاشرة.
وقال بعضهم: بل ما أجاب به كان الصواب.
والمسألة: المدبر يقر بالجناية في حياة سيده، ثم يموت سيده.
والجواب فيها: أنه [¬٣] ينظر، فإن كان قد اختدمه سيده بمثل ما يختدمه المجني عليه في حياته، فلا شيء على المدبر [¬٤]، وإن كان اختدمه السيد بمثل نصفها، بقى عليه نصف الجناية على [¬٥] هذا الحساب.
قال عبد الله بن أبي زريق [¬٦]، قال لي أبو العباس: تحب أن تفلح؟
قلت: نعم!
قال: فلتكن نفسك عندك أهون من الزبل الذي على المزبلة.
وكان إسماعيل (٦) أشخص فيه لتولية [¬٧] القضاء، فعرضه عليه فامتنع، فأوقفه إسماعيل أياما يتقصى أمره، ويدس عليه من يسمع كلامه.
وأدخله على نفسه، فدخل عليه في زي بدوي حافيا [¬٨]- ونعلاه في يده، وكان قد سبق إلى السلطان من قدم له [¬٩] أحواله.
стр. 1678
فلما رآه السلطان بتلك الهيئة، صدق ما قاله القائل، فعرض عليه فامتنع، فعافاه [¬١]؛ وخرج من عنده عشاء، فتوجه إلى تونس لحينه - مخافة أن يبدو له في أمره، وعافاه [¬٢] الله - تعالى.
وقيل إن الذي أراد أن يوليه القضاء معد (٧).
وكان غذاء أبي العباس، نصف حجلة تشرد له في نصف خبزة، وكان متحفظا في طعامه كثير الحمية.
ورأى رؤيا تدل أن في طعامه شيئا، فسأل عن [¬٣] الخمير (٨)، فلم يجد شيئا. فإذا بالأندر [¬٤] الذي ذري فيه قمحه [¬٥] غير حسن الأصل، فتحفظ بعد ذلك.
وكان متواضعا كثير التواضع، وكان إذا قيل له الفقيه، يقول: لقب لقبنا به [¬٦].
وحكي أنه رئ يقعد السفافل [¬٧] (٩) في وجهه إزراء بنفسه وتحقيرا لها.
وقد سئل يوما عن فقيهين من أصحابه وتلاميذه - وهما أبو القاسم بن زيد، وسعيد بن ميمون، فقيل له: فأيهما [¬٨] أفقه؟
стр. 1679
فقال: إنما يفصل بين العالمين [¬١] من كان أعلم منهما.
وكان ﵀ يقرأ السبع كل يوم، وما استكمل حفظ القرآن إلا وهو ابن سبعين سنة.
قال بعضهم: كنا عند أبي العباس، حتى أتى عطية الجزري العابد، فنظر يمينا وشمالا، ثم انصرف - وهو يقول: ما هنا [¬٢] من أصحابنا أحد.
فصاح أبو العباس عليه، فرجع وقال [¬٣] له: وما نحن من أصحابك؟ واندفع في البكاء ويكرر قول عطية ويقول: من أين [¬٤] نكون من أصحابك - وأنت تأتى القيروان وعليك تليس؛ وقابس وعليك تليس [¬٥]، وإطرابلس وعليك تليس [¬٦]، ومصر وعليك تليس؛ ونحن نتخذ ثيابا للحاضرة [¬٧] لا نلبسها في البادية، وثيابا للبادية [¬٨] لا نلبسها في الحاضرة [¬٩]، ونتزين ونتطيب؛ ويبكي - وعطية يقول له: يا سيدي لا تفعل، فأنت إمامنا في ديننا، بك نقتدي في أمورنا. وكانت له فراسة لا تكاد أن تخطيء، يذكر [¬١٠] أنه قال لأبي الحسن القابسي [¬١١] وهو يطلب عليه -: والله لتضربن [¬١٢] إليك آباط الإبل من أقصى المغرب، فكان كما قال.
ودخل عليه عطية الجزري، فرحب به أبو العباس، فقال: أتيتك زائرا ومودعا إلى مكة، فقال له أبو العباس [¬١٣]: لا تخلنا من بركة دعائك - وبكى، وليس
стр. 1680
مع عطية ركوة ولا مزود (١٠)، فخرج [¬١] مع أصحابه؛ ثم أتاه بإثر ذلك رجل، فقال له - أصلحك الله - عندي خمسون مثقالا ولي بغل، فهل ترى لي [¬٢] الخروج إلى مكة؟
فقال: لا تعجل حتى توفر [¬٣] هذه الدنانير.
فعجبنا من ذلك، واختلاف جوابه للرجلين مع اختلاف أحوالهما.
فقال: عطية جاءني مودعا غير مستشير - وقد وثق بالله، وجاءني [¬٤] هذا يستشير ويذكر ما عنده، فعلمت ضعف نيته [¬٥]، فأمرته بما رأيتم.
قال بعضهم: مر عطية المتعبد يوما برجل يزمر، فمزق زقه، فأقبل الزامر يرميه بطوب الحرث، وعطية يقول: اللهم تب عليه.
فعرف بذلك [¬٦] إلا بياني فقال: ضرب عطية؟ اللهم اقطع يمينه.
قال الحاكي: فرأيت الزامر بعد ذلك في الطواف، فقلت له: أنت صاحب عطية؟
فقال: بدعوته انتفعت.
فذكرت له دعوة أبي العباس، فقال: ما له ولي؟ هلا دعا لي كما دعا عطية - وأخرج يده مقطوعة!
وكتب الفضل بن نصر التاهرتي [¬٧] إلى أبي العباس إلا بياني شعرا، أوله:
стр. 1681
ماذا تريك حوادث الأزمان … وصروفها وطوارق الحدثان
ومنها [¬١]:
وأشد ما ألقى وأنضج للحشى … عدم الوفاء وجفوة الاخوان
هذا أبو العباس واحد عصره … وفقيهه والفائق الأقران
أنفت أنفت به أخلاقه عن وصلنا … وسلامنا في السر والإعلان
إني أتيتك شاكرا وممجدا [¬٢] … أشكو إليك حوادث الأزمان
فكتب إليه أبو العباس الإبياني:
أبا الفضل دهرك فيه [¬٣] انقلاب … يريك العجائب بعد العجاب
فكن حلس [¬٤] بيتك مستوحشا … من الناس والأهل حتى الإياب
وتوفى سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة، وقال [¬٥] المالكي: سنة إحدى وستين، وهو ابن مائة سنة غير أربعة أشهر.
تميم بن خيران [¬٦] بن تميم السرتي [¬٧] أبو محمد (١١)
سمع من أبي عياش وجبلة، وحماس، وموسى القطان، وابن بسطام، وغيرهم.
قال ابن أبي دليم: وكان يتكلم في العلم كلاما صالحا، وعنى بالوثائق [¬٨] والمناظرة عليها. وعليه كان يعتمد أهل القيروان في وقته.
стр. 1682
قال أبو بكر المالكي: كان فقيها، له علم بأخبار أفريقية، عالم بالوثائق، يقال إنه كتب لرجل وثيقة، فقال له: يا هذا، احتفظ بها، فإني ما أبقيت لك فيها وجها إلا تكلمت لك عليه، وأنا أضمن [¬١] لك جميع دركها، إلا شيئين: شاهد زور، وقاضيا مرتشيا.
وكان عالما بأخبار أفريقية وأنساب أهلها، (أنيس المجلس) [¬٢]، يقال [¬٣] إنه صام ثلاثين سنة، وعليه كان يعتمد أهل القيروان في وقته، توفي [¬٤] سنة ست وأربعين وثلاثمائة، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل [¬٥] اثنتين وثمانين [¬٦].
***
أبو يوسف بن مسلم بن يزيد بن ربيعة الحضرمي
قال أبو القاسم اللبيدى [¬٧]: كان من أهل العلم والفهم والعبادة والورع، قد لقى [¬٨] جماعة من أصحاب سحنون، ولقى بمصر أصحاب الحارث بن مسكين، ولقى بمكة ابن الجارود، وابن المنذر، والبغوي، وغيرهم. أخذ عنه [¬٩] الجبنياني، وهو مسرة بن مسلم وأكبر منه، ويعرف بسكر ديك [¬١٠].
وهم أهل بيت قرآن وعلم وعبادة: أبو يوسف، ويزيد، ومسرة، وأحمد، كلهم ممن سمع العلم، وتعبد [¬١١]، وكان أكثر منفعتهم بأبي عاصم المتعبد، الذي انتفع به الجبنياني، وكان كل واحد منهم يقوم بربع القرآن.
стр. 1683
ليث بن محمد بن صفوان أبو الحارث
قال اللبيدي [¬١]: كان من الفقهاء، وكان منقطعا للعبادة [¬٢]، وكان من أصحاب عيسى بن مسكين، وكان منزويا عن الناس، متبتلا، يسكن قصر زياد، فإذا كثر عليه الناس هرب، وعنه أخذ عمر (١٢) بن مثنى.
أبو البشر مطر بن يسار (١٣)
مولى بنى كيسان، قال أبو العرب: سكن تونس، وكان فقيها، سمع معنا من أصحاب سحنون وغيرهم، وتوفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة.
محمد بن أحمد بن يونس أبو البشر
السوسي، نزيلها، قال أبو العرب: سمع معنا من أحمد بن يزيد، ويحيى بن عمر، وأحمد بن معتب، وجماعة من شيوخنا، وكان حسن الضبط [¬٣]، روى عنه أبو بكر الزويلي [¬٤].
قال أبو جعفر القصري [¬٥]: هو كان يقرأ لنا على يحيى بن عمر.
وقال غيره [¬٦]: كان أبو البشر من الخاشعين العاملين المجتهدين، طويل السجود، بين عينيه كركبة العنز (١٤) - بنور ساطع في وجهه، سكن سوسة وتونس [¬٧]،
стр. 1684
وتوفى في سوسة، وكان خروجه من القيروان ونزوله تونس - فيما حكى عنه - هربا من الرئاسة، ورغبة في الخمول.
قال: وذلك أن أهل القيروان، لما اشتهر فيهم بالعلم [¬١]، رفعوا قدره وأكبروه، وأهل تونس بخلاف [¬٢] ذلك.
قال أبو عثمان بن جرير: كلمته يوما في أن يقرأ لي، فقال لي: ويحك! أدلك على أحمد بن عبد الرحمان، فهو أكثر كتبا مني.
وكان ربما سمع عامل سوسة يضرب أحدا، فيخرج رأسه من طاقه وينتهره حتى يتركه، وكان مجاورا له.
وكان كثيرا ما يخرج إلى السوق وقت عمارته، فيذكر الله في مواضع منه، ويخرج إلى أهل الضر والبلاء فيسليهم [¬٣]، ويهون عليهم، ويرغبهم فيما لهم عند الله. فلا ينصرف [¬٤] عنهم إلا وقد هان عليهم ما يقاسونه، لما يرجون من ثواب الله، توفى سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.
محمد بن عبد الرحيم بن علي بن عبد ربه أبو عبد الله
ابن أخي عبد الرحيم بن عبد ربه الزاهد، صاحب سحنون.
كان من الصالحين العلماء الثقات الحفاظ.
سكن ساحل أفريقية، وخلف عمه بتلك الجهة، ولازم الرباط.
سمع من أبيه، وعيسى بن مسكين، وأبي زكرياء الأموي.
وأخذ عنه أبو إسحاق الجبنياني الزاهد، وعمر بن مثنى صاحبه، وغيرهما.
توفى بقصر زياد، سنة ست وأربعين (١٥).
стр. 1685
علاء [¬١] بن محمد
تدميري [¬٢] الأصل، أبو سهل [¬٣]، وينبؤ بالقصد له [¬٤]. (١٦)، سكن مدينة بونة.
سمع بافريقية من لقمان بن يوسف، وأبى البشر بن يسار، وابن اللباد، وبمصر من جعفر بن عبد السلام البزار، وغيرهم [¬٥].
وكان رجلا صالحا، فاضلا، فقيه البلد (١٧) كثير الكتب، حسن التقييد.
توفي ببونة آخر سنة سبع وأربعين [¬٦] (١٨).
أبو عبد الله محمد [¬٧] بن صامت
تونسي، أبو العباس.
قال ابن حارث: كانت له عناية محمودة بالحديث والفقه والرجال، أخذ عن أبي جعفر بن نصر. ولقمان بن يوسف، وغيرهم.
قال غيره: ولي حكم تونس.
وتوفى سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة.