← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

ماذا تريك حوادث الأزمان … وصروفها وطوارق الحدثان ومنها [¬١]: وأشد ما ألقى وأنضج للحشى … عدم الوفاء وجفوة الاخوان هذا أبو العباس واحد عصره … وفقيهه والفائق الأقران أنفت أنفت به أخلاقه عن وصلنا … وسلامنا في السر والإعلان إني أتيتك شاكرا وممجدا [¬٢] … أشكو إليك حوادث الأزمان فكتب إليه أبو العباس الإبياني: أبا الفضل دهرك فيه [¬٣] انقلاب … يريك العجائب بعد العجاب فكن حلس [¬٤] بيتك مستوحشا … من الناس والأهل حتى الإياب وتوفى سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة، وقال [¬٥] المالكي: سنة إحدى وستين، وهو ابن مائة سنة غير أربعة أشهر. تميم بن خيران [¬٦] بن تميم السرتي [¬٧] أبو محمد (١١) سمع من أبي عياش وجبلة، وحماس، وموسى القطان، وابن بسطام، وغيرهم. قال ابن أبي دليم: وكان يتكلم في العلم كلاما صالحا، وعنى بالوثائق [¬٨] والمناظرة عليها. وعليه كان يعتمد أهل القيروان في وقته.

стр. 1682

قال أبو بكر المالكي: كان فقيها، له علم بأخبار أفريقية، عالم بالوثائق، يقال إنه كتب لرجل وثيقة، فقال له: يا هذا، احتفظ بها، فإني ما أبقيت لك فيها وجها إلا تكلمت لك عليه، وأنا أضمن [¬١] لك جميع دركها، إلا شيئين: شاهد زور، وقاضيا مرتشيا. وكان عالما بأخبار أفريقية وأنساب أهلها، (أنيس المجلس) [¬٢]، يقال [¬٣] إنه صام ثلاثين سنة، وعليه كان يعتمد أهل القيروان في وقته، توفي [¬٤] سنة ست وأربعين وثلاثمائة، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل [¬٥] اثنتين وثمانين [¬٦]. *** أبو يوسف بن مسلم بن يزيد بن ربيعة الحضرمي قال أبو القاسم اللبيدى [¬٧]: كان من أهل العلم والفهم والعبادة والورع، قد لقى [¬٨] جماعة من أصحاب سحنون، ولقى بمصر أصحاب الحارث بن مسكين، ولقى بمكة ابن الجارود، وابن المنذر، والبغوي، وغيرهم. أخذ عنه [¬٩] الجبنياني، وهو مسرة بن مسلم وأكبر منه، ويعرف بسكر ديك [¬١٠]. وهم أهل بيت قرآن وعلم وعبادة: أبو يوسف، ويزيد، ومسرة، وأحمد، كلهم ممن سمع العلم، وتعبد [¬١١]، وكان أكثر منفعتهم بأبي عاصم المتعبد، الذي انتفع به الجبنياني، وكان كل واحد منهم يقوم بربع القرآن.

стр. 1683

ليث بن محمد بن صفوان أبو الحارث قال اللبيدي [¬١]: كان من الفقهاء، وكان منقطعا للعبادة [¬٢]، وكان من أصحاب عيسى بن مسكين، وكان منزويا عن الناس، متبتلا، يسكن قصر زياد، فإذا كثر عليه الناس هرب، وعنه أخذ عمر (١٢) بن مثنى. أبو البشر مطر بن يسار (١٣) مولى بنى كيسان، قال أبو العرب: سكن تونس، وكان فقيها، سمع معنا من أصحاب سحنون وغيرهم، وتوفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة. محمد بن أحمد بن يونس أبو البشر السوسي، نزيلها، قال أبو العرب: سمع معنا من أحمد بن يزيد، ويحيى بن عمر، وأحمد بن معتب، وجماعة من شيوخنا، وكان حسن الضبط [¬٣]، روى عنه أبو بكر الزويلي [¬٤]. قال أبو جعفر القصري [¬٥]: هو كان يقرأ لنا على يحيى بن عمر. وقال غيره [¬٦]: كان أبو البشر من الخاشعين العاملين المجتهدين، طويل السجود، بين عينيه كركبة العنز (١٤) - بنور ساطع في وجهه، سكن سوسة وتونس [¬٧]،

стр. 1684

وتوفى في سوسة، وكان خروجه من القيروان ونزوله تونس - فيما حكى عنه - هربا من الرئاسة، ورغبة في الخمول. قال: وذلك أن أهل القيروان، لما اشتهر فيهم بالعلم [¬١]، رفعوا قدره وأكبروه، وأهل تونس بخلاف [¬٢] ذلك. قال أبو عثمان بن جرير: كلمته يوما في أن يقرأ لي، فقال لي: ويحك! أدلك على أحمد بن عبد الرحمان، فهو أكثر كتبا مني. وكان ربما سمع عامل سوسة يضرب أحدا، فيخرج رأسه من طاقه وينتهره حتى يتركه، وكان مجاورا له. وكان كثيرا ما يخرج إلى السوق وقت عمارته، فيذكر الله في مواضع منه، ويخرج إلى أهل الضر والبلاء فيسليهم [¬٣]، ويهون عليهم، ويرغبهم فيما لهم عند الله. فلا ينصرف [¬٤] عنهم إلا وقد هان عليهم ما يقاسونه، لما يرجون من ثواب الله، توفى سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. محمد بن عبد الرحيم بن علي بن عبد ربه أبو عبد الله ابن أخي عبد الرحيم بن عبد ربه الزاهد، صاحب سحنون. كان من الصالحين العلماء الثقات الحفاظ. سكن ساحل أفريقية، وخلف عمه بتلك الجهة، ولازم الرباط. سمع من أبيه، وعيسى بن مسكين، وأبي زكرياء الأموي. وأخذ عنه أبو إسحاق الجبنياني الزاهد، وعمر بن مثنى صاحبه، وغيرهما. توفى بقصر زياد، سنة ست وأربعين (١٥).

стр. 1685

علاء [¬١] بن محمد تدميري [¬٢] الأصل، أبو سهل [¬٣]، وينبؤ بالقصد له [¬٤]. (١٦)، سكن مدينة بونة. سمع بافريقية من لقمان بن يوسف، وأبى البشر بن يسار، وابن اللباد، وبمصر من جعفر بن عبد السلام البزار، وغيرهم [¬٥]. وكان رجلا صالحا، فاضلا، فقيه البلد (١٧) كثير الكتب، حسن التقييد. توفي ببونة آخر سنة سبع وأربعين [¬٦] (١٨). أبو عبد الله محمد [¬٧] بن صامت تونسي، أبو العباس. قال ابن حارث: كانت له عناية محمودة بالحديث والفقه والرجال، أخذ عن أبي جعفر بن نصر. ولقمان بن يوسف، وغيرهم. قال غيره: ولي حكم تونس. وتوفى سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة.

стр. 1686

أبو حبيب [¬١] نصر الرومي [¬٢] التونسي مولاهم [¬٣] قال ابن حارث: كان يتكلم في الفقه كلاما صالحا، ودرس ببلده تونس، وأخذ عنه الناس، وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب. وكان أصله مملوكا، فأبق [¬٤] إلى مصر، وجلس في حلق أهل العلم [¬٥]، ولازم حلقة ابن عبد الحكم حتى انتفع بها، (وكان يستعير الكتب، ويجعل [¬٦] (١٩) لمن يقرأها عليه، فحفظ علما كثيرا وتفقه) [¬٧] ورجع إلى مولاه، وأعلمه خبره [¬٨] فأعتقه، ثم انصرف [¬٩] إلى مصر. وتمادى على العلم، إلى أن صار من أهله، ثم انصرف إلى القيروان، وجالس الفقهاء بها حتى صار واحدا [¬١٠] منهم، وجالس كثيرا حماس بن مروان وسكن تونس، فكان [¬١١] معظما بها. وحدث بغريب أبي عبيد عن علي بن عبد العزيز، وبغير ذلك. وأثنى [¬١٢] عليه ابن حارث وغيره. توفي سنة اثنين (٢٠) وثلاثين وثلاثمائة.

стр. 1687

عبد الله بن سعيد اللجام [¬١] أبو محمد حكى المالكي [¬٢] عن أبي عبد الله الخراط أنه كان رجلا صالحا، من طلبة العلم، والعناية به، حسن التقييد [¬٣]. سمع من محمد بن أبي زاهر، وأبى جعفر القصري، وعبد الله بن محمد بن زرقون، وغيرهم. قال أبو بكر المالكي: وكان يحسن الفقه والحديث، وسمع على الائمة، وكتب بخطه كثيرا، وسلك مسلك ربيع القطان، [وكان موالفا له، وذكر عنه كرامات وإجابة. وحكى عن ربيع القطان] [¬٤] عن بعضهم أنه كان يفتقده، فدخل عليه ليلة، فوجد مصباحه قد انطفأ. (قال): (٢١) فأخذت [¬٥] الفتيلة لأوقدها، فجئت فوجدت سراجه، يزهر، فقلت: ما هذا؟ فتبسم وقال: على [¬٦] غيظك يا من لا يقول بالكرامات! فقلت: دخل عليك أحد؟ قال: لا، والله ما أوقده إلا مولاي. وكان يقول الشعر في معاني الزهد. توفي سنة احدى وثلاثين وثلاثمائة، مولده سنة سبعين ومائتين.

стр. 1688

يوسف بن عبد الله القفصي التميمي من أنفسهم [¬١]، (٢٢) قال بعض المؤرخين: كان من أعلم [¬٢] أهل زمانه وأفقههم، مع أدب بارع، وعقل رصين، وزهد في كل ما يتنافس فيه من الدنيا، نظارا في الفقه، عالما [¬٣] باختلاف العلماء، والحديث، واللغة [¬٤]، يقول جيد الشعر. روى عن مالك القفصي وغيره. وكان أهل بلده مجمعين على فضله وعلمه. وله كتاب نصر فيه أبا عبيد بن سلام على ابن قتيبة. توفي سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمائة. أبو القاسم عبد الرحمان بن تمام القطان قال أبو بكر المالكي: كان من أهل الفضل، والدين، والورع، والعبادة. والتنسك، والعلم، والعناية، والسماع، والضبط سمع من جماعة من أصحاب سحنون. وكان من أقران أبى العرب، وأبي بكر بن اللباد. وسمع منه ربيع القطان وغيره. توفي سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة. محمد بن عمرو [¬٥] الملاح أبو عبد الله قال الخراط: كان رجلا صالحا، ثقة، فقيها، حسن الاتباع لأهل المدينة ولامامهم [¬٦] مالك.

стр. 1689

سمع ابن بسيل، وموسى القطان، وسعيد بن حكمون، وأبا الغصن، وابن بسطام، وغيرهم. وكان لا يحدث إلا بما سمع، ويميز الاجازة من السماع، ولم يكن يحسن تقييد الكتب. توفى [¬١] سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. محمد بن ابراهيم بن أبي صبيح قال أبو عبد الله الخراط: كان من أهل الجزيرة رجلا فاضلا [¬٢]، فقيه البلد، له رحلة قديمة، سمع فيها من يونس الصدفي، ومحمد بن عبد الحكم وسمع من أصحاب سحنون، حدث عنه حبيب الجزري. ولاه حماس قضاء صقلية، فقيل أنه حمل إليها من افريقيا حتى الملح تورعا، وترك النظر بينهم، حتى وقفه [¬٣] زيادة الله فسجنه، وسجن أيضا في أيام المشارقة. توفي بسوسة، سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. موسى بن أحمد الغرابلي السوسي أبو عبد الله [¬٤] كان رجلا صالحا، فقيهًا ثقة، ذا ورع وسكينة، مصفر اللون، طويل اللحية، سمع من أبي الغصن، ومحمد بن بسطام، ويحيى بن عمر، وعيسى بن مسكين [¬٥]. توفى بسوسة سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة.

стр. 1690

أبو ميسرة أحمد بن نزار (٢٣) يكنى أبا جعفر، من الفقهاء العباد المتبتلين الخائفين الورعين. روى عن حمديس القطان، وأحمد بن أبي سليمان، وفرات بن محمد، وسعيد بن اسحاق، وموسى القطان، وابن حكمون، ومحمد بن عبادة، وأبي الغصن. حدث عنه اللبيدى، وأبو الحسن بن الخلاف، ومحمد بن ادريس الناظور، وابن أبي زيد، والحسن بن سعيد الخراط، وأحمد بن سفيان الداوردى. قال أبو محمد بن هبة الله، كان أبو ميسرة من متعبدي شيوخ القيروان، المشهورين بالعبادة منهم. قال أبو عبد الله الخراط: كان رجلا صالحا، ثقة، مأمونا، خيرا، فقيهًا، حسن الاتباع، لا يخالف في فتواه ابن القاسم، مجانبا لاهل الاهواء، كثير الصلاة والذكر، عرض عليه قضاء افريقية فامتنع، وكانت كتبه بغير خطه، قليل الضبط لضعف بصره، وكان علماء وقته، أبو بكر بن اللباد وغيره [¬١] يعظمونه. وذكر أنه كانت له ختمة كل ليلة في محرابه. وكان قد عمي آخر عمره، فلم يعرف بذلك أحد، حتى اجتمع شيوخ القيروان للخروج مع ابي يزيد على بنى عبيد فأعلم بعذره، حينئذ علم عماه، وأخرج ابنه معهم، وسمع وهو يقول: اللهم ادخلني في شفاعة أسود رمى فيهم بحجر. وقيل: انه [¬٢] لم يعرف أنه أعمى حتى اعتذر بذلك إذ طلب للقضاء [¬٣].

стр. 1691

جمل من كراماته وبراهينه واجابته وحكم من كلامه ذكر ان اسماعيل العبيدى وجه في [¬١] ابى ميسرة، ليوليه قضاء افريقية بعد فتنة ابى يزيد، فأتاه الرسول وقال له: مولاي يقرئك السلام، ويقول لك: لا بد أن تلي القضاء. فقال: كيف يلي القضاء رجل أعمى يبول تحته؟ قال: وما علم [¬٢] أحد أنه أعمى الا ذلك اليوم. فقال: منذ كم عميت؟ فقال: منذ ثماني [¬٣] عشرة سنة. ثم قال [¬٤]: اللهم انك تعلم انى انقطعت اليك، وانا ابن ثماني [¬٥] عشرة سنة، فلا تمكنهم منى. فما جاء العصر الا وقد توفى، فغسل وكفن، وخرج به، فوجد اليه اسماعيل كفنا وطيبا في الاطباق، فوافقه الرسول على النعش، فجعل عليه الكفن من فوق. وذكر عنه [¬٦] انه بينما [¬٧] هو يتهجد ليلة من الليالى ويبكي ويدعو، إذا بنور عظيم خرج له من حائط المحراب، ووجه [¬٨] كأنه البدر، فقال له: تمل من وجهى يا أبا ميسرة، فانى ربك الأعلى. فبصق في وجهه وقال له: اذهب يا ملعون، فعليك لعنة الله. قال الاجدابي [¬٩]: اشتهى أبو ميسرة مدة طويلة فقوسا، فلما غلبته شهوته، أمر رجلا فاشتراه له، فأكل منه عند افطاره، وجلس ساعة ثم بصق، فوقع بصاقه في لحيته، فقال: ما هذا الا لذنب فعلته.

стр. 1692

ثم بحث عن الفقوس وأصله، فإذا به [¬١] من أرض السلطان، فتقيأه، وحلف أن لا [¬٢] ياكل فقوسا أبدا. قال غيره: وكان بجوار أبى ميسرة أسود ينقب ويسرق، ولا يبالى ما يصنع، فقال له الجيران: ارحل عنا. فشتمهم، فأتوا [¬٣] أبا ميسرة وسألوه الدعاء عليه، فقال: اللهم انه عبد من عبيدك، ونحن نخافه لانه لا يخافك، فاصلحه، فإن لم [¬٤] يسبق في علمك اصلاحه، فخذه بعلمك [¬٥]، وأزل عنه حلمك، وفاجئه بسطواتك ونقمك. فلما أصبح، أخرجه الشرط فضربوا عنقه. وحمل مرة خبزه إلى الفرن، فخرج من الفرن خبز للبيع، وإذا بسائل يسأل فلم يعطه أصحاب الخبز شيئا، فاشترى منها خبرة [¬٦] ودفعها أبو ميسرة إلى السائل، فلما انصرف إلى مسجده [¬٧] وقت الصلاة، وجد الخبزة فيه. وقال رجل لابي ميسرة: ادع الله ان يكفيني [¬٨] الهم كله. فقال [¬٩]: أما مادمت في الدنيا، فلا بد لك فيها [¬١٠] من الهم. وشكا اليه بعض اخوانه، بعد عهده به، فقال له [¬١١]: يا أخى انما فائدة الاجتماع الدعاء، فاذا ذكرتنى دعوت لى، واذا ذكرتك دعوت لك، فكأنا التقينا، وان لم [¬١٢] نلتق.

стр. 1693

وقال له رجل: فلانة تقرئك السلام. فقال: لا يبلغ الرجال عن النساء السلام. بقية أخباره ووفاته قال أبو بكر بن سفيان: دخلت عليه [¬١] فسألته عن حاله [¬٢]، وكنت لم التح، وكان ضعيف البصر، فقال معك أحد؟ فقلت [¬٣]: لا. فقال لي: اخرج، فإذا جاء أصحابك دخلت معهم. قالوا: وأتت إليه إمرأة تسأله عن شيء، فقال: ارفعي صوتك، وقال [¬٤]: خفت ان تمرض كلامها، وجاز في بعض طريقه إلى جبانة [¬٥]، فإذا برجل [¬٦] قد أمكنته امرأة من نفسها، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله! وقصد اليهما، ففر الرجل، وقصدت المرأة أبا ميسرة، فتعلقت [¬٧] به، وقالت: معشر [¬٨] المسلمين! هذا راودني عن نفسي. وأبو ميسرة ساكت، فلما رأت [¬٩] حاله تركته، وقالت: لا تغير المنكر الا ومعك غيرك. فانصرف وهو يقول: " (رحت) [¬١٠] بين مصدق ومكذب -" يكررها. وكان يقول: لا تكثروا (من) [¬١١] الروايات فيدخل في فتياكم [¬١٢] الدمامات!

стр. 1694

قال [¬١] أبو الحسن بن الخلاف [¬٢]: كان سبب التزام أبى ميسرة الدار، وشغله بالعلم والعبادة، انه قال: رمتني والدتي عند رجل من الرهادنة - ومعه صبيان، فكان يدفع إليهم سلع الناس يبيعونها، ولا يعطيه هو شيئا، فسأل بعض جيرانه (عن سبب ذلك) [¬٣]، فقال: لأنك تستقصي، وهؤلاء يبيعون ذلك منه من تحت يده فينفعونه [¬٤]. فتركته وجلست في البركة فباعوا رأسا، فشرطوا به عيوبا، فلم يقبلها المشتري، فلما كان آخر النهار، باعوا ذلك من آخر - ولم يبينوا، فقلت لهم: غدوة [¬٥] ذكرتم فيه عيوبا؟ فقال بعضهم لبعض: من أين جئتم لنا بهذا؟ فتركت [¬٦] البركة، وكنت في باب الغنم، فجاءني يوما صاحب الموضع فقال لي: اقرأ ما على فلان، فقلت كذا. فقال لي: فإن قال لك: إنما كذا؟ فقلت: أقول: بل [¬٧] عليك كذا. قال: فإن قال: امراته [¬٨] طالق، ما عندي الا كذا، ما تقول له؟ [¬٩] قلت: أقول: ما عندك [¬١٠] إلا كذا. وأراد أن أحلف له بمثل ما حلف، فقال: دع الدفتر من يدك. فلزمت الدار.

стр. 1695

فبلغ أبو ميسرة في [¬١] العبادة مبلغا عظيما. وكان كثير التهجد، والتلاوة، وقيام الليل، وصيام النهار، متواضعا، تأكل خادمه معه على مائدة واحدة [¬٢]. وكان إذا أكل جعل مائدته في السقيفة وراء الباب، فإذا أتى سائل، فتح الباب وأعطاه، لئلا يقيم الخادم، وهم يأكلون دونها. ولما ولى حماس، منع الناس من النداء في الأسواق، الا من ثبتت عدالته، الا أبا ميسرة لثقته. وكان أبو بو ميسرة مهاجرا لحماس، بسبب مسألة الايمان، لا يسلم عليه [¬٣]، ولا يرد عليه¬ السلام، وكان يقول: تركت السلام عليه [¬٤] لمن هو خير مني، حمديس أمرنى بذلك، والا فرجل حماس في الأرض خير من كذا وكذا من أبي ميسرة. وجرى بينه بسببها [¬٥] وبين ابي الفضل الممسى أيضا [¬٦] مهاجرة [¬٧] عظيمة، ذكرناها في خبره. وكان أبو محمد يتعصب للممسى ويثنى عليه، ويقول: ما كان أبو ميسرة ممن يتخذ أماما في دين الله. واحتج القابسى بمسألة من هذا الباب، فقال له أبو محمد بن أبي زيد، لو سمعك [¬٨] أبو ميسرة! فقال أبو الحسن [¬٩]: إنما حكيت [¬١٠] قول غيرى. وتوفي ﵀ سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.

стр. 1696

عبد الله بن اسماعيل البرقي أبو محمد [¬١] (٢٤) قال ابن حارث: كان من أهل الفقه والأدب، له مناظرة حسنة، وحفظ جيد. من أصحاب [¬٢] أحمد بن نصر، غلب عليه آخرا الورع والزهد، ومات مرابطا بسوسة [¬٣] من رعدة قاصفة سمعها وقد أغفى، فزهقت لها نفسه، وكان اشرب قلبه الخوف. قال [بعضهم: قلت له يوما - ورأيته يبكي - وقد ذهب بصره - إلى كم هذا البكاء؟ فقال: انما خلقت عيناي] [¬٤] للبكاء، ولساني لتعظيم الله وتحميده، والصلاة على نبيه ﵇، وبدنى للتراب والبلى، وقلبى للخوف والرجاء، ولم أخلق للعب واللهو [¬٥]، وإنما خلقت للعمل الصالح. وكان يختم القرآن في كل يوم ختمة، وينظر في المصحف، وبشر بالجنة في منامه. وتوفى سنة سبع عشرة وثلاثمائة وفيما [¬٦] حكاه المالكي سنة عشر (٢٥)، ولم يدرك أعمار طبقته (٢٦). أبو على تميم بن أحمد كان يعرف بابن الشامة، كان حامل علم كثير، مائلا إلى الحجة والانتصار لمذهب مالك ﵁. توفي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة.

стр. 1697

أبو بكر عتيق بن أبي صبيح الجزيرى [¬١] كان فقيها، مفتى أهل الجزيرة بافريقية. كان صاحبا لأبي العباس الأبياني في قراءته [¬٢]، ممن طلب معه، فبلغ أمره بني عبيد، فرفعوه مع ابنه محمد، وطلبوهما بالدخول في دعوتهم، [ويليا قضاء صقلية، فأبيا، فعذبوهما شديدا وفرقوا بينهما، ويقولون لكل واحد عن الآخر: أنه دخل في دعوتهم] [¬٣]، فيقول لهم كل واحد عن الآخر: دعه يفعل ما أحب، لن يغني عني من الله شيئا. أبو على الحسن بن نصر السوسي مولى امرأة من أهل قصطيلية، ومنها أصله، ثم انتقل إلى سوسة. سمع بافريقية من المغامي، ويحيى بن عمر، وخالد بن نصر، وأحمد بن يزيد، وزيد بن خالد، وأحمد بن ملول [¬٤]، وعبد الرحمان الوزنة، وزيدان بن اسماعيل، وأحمد بن أبي سليمان، وأبي الغصن، وغيرهم. وعزم على الرحلة إلى محمد بن عبد الحكم. فبلغته وفاته، فقال: ما اغتممت لشيء مثل غمي لذلك. وسمع من علي بن عبد العزيز، وهشام بن عمر، وأبي بكر بن المنذر، والوليد بن عمر، وابن بشير، وابن جناح. أخذ [¬٥] عنه عمرون [¬٦] بن محمد، وأحمد بن سلمون، وغيرهما.

стр. 1698

ذكر فضائله [¬١] وثناء الجلة عليه وشمائله قال الخراط: كان شيخا صالحا. فاضلا، ثقة [¬٢]، ورعا، زاهدا، فقيها، عدلا في أحكامه، صارما في الحق. لا يهاب سلطانا. مشهورا بالعلم. صحيح الكتب. قال أبو عبد الله الخراط: وكان مع ذلك كثير الاجتهاد في العبادة، مواظبا على قيام الليل وصيام النهار. وتلاوة كتاب الله - تعالى، كثير الخشوع والتواضع. وكان أبو الفضل الممسي يشرف قدر الحسن بن نصر، [ويرفع من حاله على من هو أعلى منه ذكرا. ولا يعجبه من العلماء إلا العاملون الورعون المجتهدون. ويقول: إنما في نواحي إفريقية أربعة - يرفعهم أبو الفضل على من سواهم: سحنون بن أحمد بن ملول بقصطيلية، والحسن بن نصر] [¬٣] بسوسة، وحمود بن سهلون بالساحل، وقمود [¬٤] بقابس. قال الزويلي [¬٥]: كان طويل الصلاة، لا تذكر الدنيا في مجلسه. أقام فوق أربعين سنة إذا دخل شهر رمضان لم يكلم أحدا من الناس. لا أهلا [¬٦] ولا ولدا. فإن أراد حاجة كتب بها، وكان زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة. حكي عن زوجته - وكانت امرأة صالحة - أنه كان يختم في رمضان في كل [¬٧] ليلة ختمة، حتى كانت رجلاه تتورم من القيام وتنفطر [¬٨] بالماء الأصفر، وكان إذا جاء الليل وحضر وقت القيام، أقام جميع من عنده في بيته [¬٩] إلى بيوتهم، وأخرج

стр. 1699

عنه السراج، فإذا هدأ أهل الدار، سمعت قراءته إلى الصبح، فيصليه بوضوء قيامه في مسجده، ثم يدخل داره، فلا يزال في تسبيح وذكر - إلى طلوع الشمس، فيدخل إليه الناس فيقرأون [¬١] عليه إلى ارتفاع النهار، فيركع للضحى [¬٢]، ويضطجع إلى الهاجرة، هذا دأبه، وكان يتورع أن يقبل من أحد شيئا. وحكى أن ابنه محمدا قال له [¬٣] في سنة غلا فيها بسوسة السعر [¬٤]، اشتر يا أبت طعاما، فإني أرى السعر قد غلا. فقال لي: أدع بحسان [¬٥] خادمه، فقال لها اكتالي ما عندنا من القمح. فقالت له: ثمانين. فقال لها: امضي به إلى السوق لفلان يبيعه [¬٦]. ثم قال لابنه: يا محمد! لست من المتوكلين على الله، وأنت قليل اليقين، كأن القمح إذا كان عند أبيك ينجيك من قضاء الله عليك، من توكل على الله كفاه [¬٧]. وكان يلبس جبة صوف، فإذا اتسخ صدرها رده إلى ظهره، وأخذ ظهره [¬٨] إلى صدره، ويجعل على رأسه مربعة زوجته [¬٩]، وهي خرقة لطيفة، وكان يلبس فروا وقلنسوة منه. ولما وصل إسماعيل إلى سوسة، وجه جوهرا فتاه إليه بالليل [¬١٠] ليأتيه به، فجاءه

стр. 1700

وهو في ورده، فخرج ابنه إليه ورجع إلى الشيخ. فأعلمه [¬١] بمكان جوهر، فلم يلتفت إليه حتى قضى ورده، وقد اعتذر ابنه إليه، فقال: لا أبرح حتى أراه، وجوهر في كل هذا [¬٢] واقف على الباب. وقد فرق (من ذلك) [¬٣] كل من بالجهة [¬٤]. فلما أكمل، انتهر ابنه، وقال له: أكون بين يدي الله وتقول: جوهر بالباب! وقام يخرج إليه، فجاءه ابنه بقميص ومنديله [¬٥]، وكان عليه فرو مقلوب، فقال له: البس هذا يراهم عليك. فقال له: ما أقل حياءك! أكون بين يدي الله تعالى في هذه الحال. وأتهيب لجوهر! فخرج إلى جوهر [¬٦]، واعتذر إليه [¬٧] بأعذار، حتى قال له جوهر: أنا اجتمع بمولاي، وأعتذر له عنك. فمضى، فرجع [¬٨] إليه في الحين [¬٩]، وأخبره بقبوله عذره، ومشقة عدم اجتماعه به عليه، وأنه يقرئه السلام، ويسأله الدعاء. فقال: قل له: [¬١٠] أصلحك الله [¬١١] للمسلمين، وأصلح جميع قضاتك [¬١٢]. قال: وجاءه [¬١٣] جوهر بمال كثير من عند إسماعيل، ليفرقه على الفقراء. فلم يقبله، ورجع به جوهر. سيرته [¬١٤] في أحكامه كان قد ولي أحكام سوسة لحماس بن مروان أيام زيادة الله. وعرض عليه

стр. 1701

بنو عبيد قضاءها، ورفع إلى القيروان فامتنع، ولم يلبث إلا يسيرا حتى مات، فذكر أنه دعا على نفسه. ولم يأخذ إذ كان حاكما لحماس أجرا ولا صلة، وسار في ولايته بالعدل. وكان فقيها [¬١] صليبا، مغيرا للمناكير، لا يهاب [¬٢] في إقامة الحد سلطانا ولا غيره، وكان يتسمى بالحاكم [¬٣]. وكان إذا وردت عليه الكتب من السلطان في أمر يحدث، جميع أصحابه إلى نفسه، وقرأ عليهم الكتاب واستشارهم، فإن اتفقوا على شيء خاطب به، وإن اختلفوا [¬٤]، قال لكل واحد اكتب ما رأيت بخطك. ثم ينظر فيما كتبوه، فيكتب بما يختار منه. وأسقط شهادة رجل كان ينزل من حانوته، فينصرف [¬٥] متزرا بمئزر عاري البدن، وقال له: أسقطت مروءتك وهمتك [¬٦]. وكان يأمر من يمشى على [¬٧] شاطئ البحر والمواضع الخالية، فإن وجدوا رجلا مع غلام حدث، أتوا بهما إليه، فإن لم تقم بينة على أنه ابنه أو أخوه، وإلا عاقبه. وكان يجلس أيام مواسم الرباط، بحيث [¬٨] يشرف [¬٩] لاطلاع مثل هذا.

стр. 1702

وبلغه أن رجلا جاء لابنة له [¬١] بمزهر لطيف تلعب به، فمزقه وزجره [¬٢]. وكان لا يضمن صاحب الحمام بسوسة ما تلف عنده، وإلزامه الثمن على مشهور قول مالك، فكثر مشتكوه [¬٣]، فحكم عليه بالضمان لما حدث به يحيى بن عمر عن الحارث، عن ابن وهب، عن مالك، في تضمين صاحب الحمام. قال: فما شكي إليه به [¬٤] بعد. وكتب إليه حماس - في أمر نظر فيه الحسن بن نصر - أن يلتزم فيه الرفق والتؤدة [¬٥] والمداراة، فكتب إليه الحسن بالتشديد في إقامته، وكان عنوان الكتاب: من الحاكم بن نصر. فلما رأى حماس الكتاب رمى به وقال: من الحاكم، من الحاكم! - وكأنه عز عليه ذلك. وكان حماس لا يكتب من القاضي إلا في الأحكام. ثم نظر في الكتاب، ورأى فيه من صرامته في الحق ما أعجبه، وكان فيه: قد أنفذت الحق - كما يجب، وما [¬٦] كان لله فلا يدارى [¬٧] فيه. فسكن عنه ماكان به، ثم قال: نعم يا أبا علي! من الحاكم، وإن شئت فاكتب: "من القاضي" فإنك أهل لذلك.

стр. 1703

وفاته توفى ﵀[¬١] فيما حكاه [¬٢] أبو بكر المالكي في صفر - سنة إحدى وأربعين - وقد جاوز التسعين [¬٣]، وخرج الناس من القيروان وغيرها إلى جنازته بسوسة. قال ابنه: قال لي أبي ليلة من الليالي - في مرضه الذي توفى فيه: يا بني، اربط لي حبلا في السقف، لعلي أقدر أصلي قائما، ففعلت، وحملناه حتى وقف، وغلب ولم يستطع القيام، فبكى وقال: واحزناه! حيل بيني وبين طاعة ربي! فذكرت له الصلاة جالسا. فقال: يا بني! العمر قصير، والعمل قليل، وإنما أردت أن أعمل أكثر مما عملت. ولما طال به المرض، قال لزوجته: قد توليت منى خيرا فاصبري، فما أشك أن أجلي قد قرب، فإني سمعت هاتفا من هذا الطاق يقول: أحسن غدا صلاة الظهر، يفرج الله [¬٤] عنك. فمات ذلك الوقت - رحمه الله تعالى. [¬٥] أبو الحسن الكانشي (٢٧) هو حسن بن محمد بن حسن الخولاني، قال أبو عبد الله الخراط، وأبو

стр. 1704

بكر المالكي - وبعضهم يزيد على بعض -: كان رجلا صالحا، فاضلا، فقيها، مشهورا بالعلم، متعبدا، مجتهدا، ورعا، خائفا، رقيق القلب، كثير النياحة والبكاء، سمحا، كثير المعروف، باع ضياعه كلها وتصدق بها، وكان صارما في مذهبه، مجانبا لأهل الأهواء ومن يخالف مذهب أهل المدينة. وكان أبو العباس الإبياني - إذا ذكره - يقول: ذلك [¬١] العالم حقا. قال أبو بكر بن خلف: كان من العالمين بالله وبأمره [¬٢]، سكن المنستير، سمع من عيسى بن مسكين، ويحيى بن عمر، (وأحمد بن يزيد) [¬٣]، وأبى اسحاق ابن شعبان. وكان يحسن العربية، والنحو، واللغة، وشعر العرب، واعتماده في روايته على عيسى بن مسكين، وكان اجتمع [¬٤] على فضله الموالف والمخالف. سمع منه أبو الحسن القابسي، وأبو القاسم بن شبلون، وأبو الحسن اللواتي، وأبو علي القمودي، وأبو عبد الله بن نظيف، وجماعة الناس [¬٥]، ورحل إليه من الآفاق. ذكر فضائله وزهده والثناء عليه قال أبو عبد الله الخراط: كان [¬٦] تورع عن الحرث في أرض الحمى، لكفايته من غيرها. قال أبو بكر بن خلف: أخبرت أنه كان لا يهدأ ولا ينام الليل أجمع، يقرأ [¬٧] ويبكي، ذا خوف وإشفاق.

стр. 1705

حكى الشيخ أبو الحسن القابسي، أن بعض سكان القصر الذي كان يسكن فيه الكانشي، قام فسمعه يقرأ في "سبحان"، فلما كان آخر الليل وجده قد ختم، ثم أخذ في النياحة والبكاء، ثم قال: أتراك بعد الدرس للقرآن تحرقني … يا ليت قد أدرجت قبل الذنب في كفني ثم عاد إلى النياحة والبكاء إلى أن طلع الفجر [¬١]، ثم أقبل يقول: وعزتك وجلالك، ما عصيتك استخفافا بحقك، ولا جحودا لربوبيتك، لكنى حضرني جهلي، وغاب عني [¬٢] حلمي، واستفزني عدوي، وإني عليها يا إلهي لنادم. قال القابسي: ما رأيت أخير من أبى الحسن [¬٣]، وكان أكثر [¬٤] ما يقطع ليله بتلاوة القرآن والنياحة والبكاء، ولقد غلب عليه الحزن حتى صار ضحكه كالبكاء وكان قد ورث من أبيه مالا وضيعة وتبرا [¬٥]. (خرج) من جميع ذلك، وتصدق به، فقيل له في ذلك، فقال: حضرت معه وأنا صبي - وحوله شيوخ المنزل، فكتبوا أسماءهم في شقاف لضيافة الأعوان، وأخذ أبي شقفة، وقال للأعوان: خذ اسم فلان، وضيافتكم اليوم عليه. فلم تطب نفسي أن آكل من ميراثه حبة. وكان يقول: إذا تكلم على مسألة من العلم: لو أدركني عيسى بن مسكين. ما رضي مني بالسجن حتى يقيدني. وسأله رجل عن مسألة من الفقه [¬٦]، فقال: امض بها إلى الفقهاء فسلهم [¬٧].

стр. 1706

فلما خرج الرجل، قال: ردوه، والله الذي لا إله إلا هو لولا آية (٢٨) في كتاب [¬١] الله ما أجبتك، ثم أجابه. وكان إذا أعجبه شيء من أحوال بعض من يصحبه، قال: والله لأسرنك [¬٢] في نفسك! فيقول له [¬٣]: بماذا؟ فيقول [¬٤]: بحسن الثناء عليك. فقيل له: فأين الحديث: "احثوا التراب في وجوه المداحين". فقال: قد قال ابن عباس [¬٥]: إنما ذلك إذا مدح الرجل في وجهه بما ليس فيه، وإلا فواجب مدح الرجل في وجهه بما يجرى من حسن أفعاله. وأتاه رجل ممن يلوذ بالسلطان، فلما رآه لف رأسه في تازيرة، واضطجع إلى الأرض، فوقف عند رأسه، فسلم عليه، فلم يرد عليه¬ السلام [¬٦]، فقال: أيها الشيخ! والله الذي لا إله إلا هو، ما أعتقد إلا ما تعتقد، وما دخلت في هذه الدعوة. فأزال عن بعض [¬٧] وجهه وقال: الآن رق لك قلبي بعض رقة [¬٨]. ويذكر أنه كان يضرب الطوب بيده ويعده لقبره، فكان يسأل فيه (فيعطيه) [¬٩]، فكثر عليه هذا [¬١٠]، فضرب طوبا، وبنى منه في بيته كالمذود.

стр. 1707

وكان يقيم بيته بالتبن وينام فيه، فأتاه بنو أبي الحسين، فلما أخبر بهم، دخل المذود وتغطى بعباءته، فدخل القوم، فسلموا وسألوا عنه [¬١]، فأشار لهم خادمه إلى أنه راقد، فقال: سبحان الله! تكذب؟ ففطن القوم لكراهته [¬٢] لقاءهم، فتقدموا إليه وقالوا له: والله ما نحن إلا على الإسلام والسنة، وما تقربنا من السلطان إلا لندفع [¬٣] عن أنفسنا الظلم. فكشف عن وجهه وقال: الآن لان لكم [¬٤] قلبي - ودعا لهم. وذكر أنه أخرج كتبه يوما بحضرة الناس - وجلس وسطها [¬٥]، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني إنما [¬٦] جمعتها ليؤتى إلى هذا الوجه القبيح في مسألة، فأحرقني بالنار. ولما مات لم يوجد له إلا دينار ونصف كفن به [¬٧]. ولم يكن في بيته حصير، فقيل له في ذلك: قال: أنا اليوم في البيت، وغدا في القبر. وجرده [¬٨] العرب في طريق الحج، فأعروه، فدفع إليه جمال معلف جمل، فاستتر به، فلما اشتد عليه الحر، رفع صوته [¬٩] وقال [¬١٠]:

стр. 1708

أحببت نجواهم ثم بلوتهم … فأكثرت بلواهم لكي يتضرعوا وإذا دعوك رفعت نحو دعائهم … حجبا لغير [¬١] دعائهم لا ترفع براهينه وفراسته قال أبو محمد الصدفي: صلينا يوما بقصر داود صلاة العصر مع أبي الحسن [¬٢]، فلما سلم الإمام من الصلاة، قال الشيخ: وحق هذه القبلة ما طابت نفسي على هذه الصلاة، وأنا أعيدها. فأعادها، وكان الإمام - يومئذ - رجلًا صالحا، فلما خرج الناس سألنا، فإذا الإمام قد تخلف وقدموا غيره، وإذا المتقدم من أصحاب الشيعي. وكان لبعض أصحابه [¬٣] ولد يقرأ عليه، ثم انقبض عنه الشيخ وقطعه، فقيل له في ذلك، فقال: رأيت عليه خشوع النفاق. فلما رجع الشاب إلى القيروان، ندب إلى حكومة بلده، فلم يوله النعمان حتى ادخله الدعوة. وكان يقول لشاب يختلف إليه، كم تلح؟ والله لا أفلحت أبدا، [ولا أفتيت بمسألة أبدا] [¬٤]، فكان كما قال. وأتى إليه رجلان من طلبة العلم بالقيروان [¬٥]، كان [¬٦] وعدهم السماع، فاختفى الشيخ منهم.

стр. 1709

قال الحاكي: فعجبت من خلفه لهم، وكان قد سألني أن لا أدلهم عليه، فما سارت إلا أيام [¬١] حتى تشرق أحدهما [¬٢]، واعتزل الآخر. قال بعضهم [¬٣]: اجتمعت عندي دراهم، فقلت: أرفعها فأنا نائم، إذ رأيت أبا الحسن فقال [¬٤] لي: يا خلف! أبت الحكمة أن تنطق على لسان من يأكل حتى يشبع، ومن يحب الدراهم. فزرته، فحدثني ساعة [¬٥]، ثم قال لي: يا خلف أبت الحكمة - نص ما قاله في النوم، فعجبت من ذلك وسأله رجل عن كرامات الأولياء فقال: صحاح. فكرر عليه، فقال: صحاح، حتى إن الرجل يدخل يده في القلة فيخرج منها حوتا. وقال آخر: كانت لي امرأة، فأقعدت، فسألتني أن أسأل لها الكانشي في الدعاء، فأتيته فلم أجده، فطلبته فلقيت أبا أحمد الطرابلسي المتعبد فسألته عنه، فأشار لي إلى أنه تحت جرف على البحر يصلي [¬٦]، ثم سألني فأخبرته بخبر المرأة، فقال لي: فرج الله عنها، وأتاها بالفرج [¬٧] من حيث لا تدري ولا تظن. فسرت إلى الكانشي فوجدته يصلي - وذلك ضحوة، فطول الصلاة إلى الظهر، فحاذيته وقلت له [¬٨]: حانت صلاة الظهر. فأوجز، فلما سلم قال لي: الأمر الذي جئت فيه قضي في ذمام الاطرابلسي.

стр. 1710

فقلت: وما هو؟. قال: خبر المرأة، ولقيت الاطرابلسي فدعا لها. قلت: نعم. قال [¬١]: قد عوفيت في ذمام الاطرابلسي. فجئت زوجتي فوجدتها قائمة تصلي، فعجبت من الأمر، ثم لقيته فسألته عن هذا الأمر. فقال لي [¬٢]: هو نور يجعله الله في القلوب، فينطق من يشاء بما يشاء. ذكر جوده وكرمه [¬٣] قال أبو بكر: كانت لأبي الحسن [¬٤] رباع نفيسة بكانش وغيرها، باعها كلها وتصدق بثمنها على الفقراء. قال القابسي: كان له خمس سوان (باعها [¬٥] واحدة، واحدة، وما باع منها واحدة بأقل من خمسين دينارا ومائة [¬٦]، وأنفقها على المساكين، وكان) [¬٧] يعطي منها الخمسة والعشرة، والخمسة عشر، وأقل ما كان يعطي دينار (٢٩)، ويقول: يا أخي يجيء رجل إلى آخر يسأله ما يسد به حاله، فيعطيه قيراطا! أعوذ بالله من دناءة الأمور.

стр. 1711

قال: وكانت بقيت له سانية، فمنعه من ذلك ابن أخيه، فأمر بعض أصحابه فكتب إلى النعمان، يا نعمان! أنا حسن بن محمد الخولاني، لي سانية، وقد منعني ابن أخي من بيعها، ومنع المشترين من تقليبها، وحجته في ذلك أني إذا مت لم يجد ما يرث، وهذا ليس هو له [¬١]، وإني أولى بمتاعي من ولدي وغيره لو كانوا، فادفع [¬٢] عني، أو نحو هذا. ووجه به إليه، فأخذ أصحابه الكتاب وزادوا في أوله: "بسم الله الرحمن الرحيم"، وأسقطوا يانعمان، فلما وصل إليه نظر في الأمر، فباعها أبو الحسن، وتصدق بثمنها. وذكر بعضهم قال: كنا نسمع عليه - ومعنا أبو القاسم بن شبلون - فأتاه رجل، فسأله عن حاله وعن دابته، فأخبره بموت [¬٣] دابته، فتوجع وقال: من حضرته منكم نية فليعطه، فهو أهل لذلك [¬٤]. فدفع إليه ابن شبلون قطاعا. فلما نهض الرجل للقيام، قال له أبو الحسن: أرني ما أعطاك، فإذا دراهم يسيرة، فقال [¬٥]: ردها عليه. وقام فأتى بخمسة دنانير، فدفعها إليه وقال: اشتر بها دابة تعول بها على بناتك. [ثم قال لابن شبلون: لو أخذ منك [¬٦] هذه القطاع فتح على نفسه بابا من السؤال] [¬٧]. واتاه بعض أصحابه يودعه [¬٨]- وهو يريد الحج، وهو جالس بين الناس، فأعطاه

стр. 1712

أبو الحسن مفتاح بيته وقال له ادخل البيت، وخذ [¬١] الدوخلة المعلقة، ففيها خبز وتين يابس. قال: ففعل، وأصاب مع ذلك فيها [¬٢] صرة بها تسعة [¬٣] دنانير، فأتى بها [إليه فأخبره، فقال: اسكت لئلا تسمع. ثم قال له [¬٤] سرا: تراني لم أعلم ما فيها؟ استعن بها في سفرك] [¬٥]. وأخبار أبي الحسن في هذا وغيره [¬٦] كثيرة. ومن حكم [¬٧] كلامه ومناجاته، أرني من قصده فخيبه، أرني من توكل عليه فأضاعه، أرني من أطاعه فأضاعه، إذن [¬٨] لا تراه أبدا. وكان يقول: هانوا عليك فعصوك، ولو أحببتهم لحميتهم. وكان ينشد: يارب كن لي وليا … بالصنع حتى أطيعك لئن ذممت صنيعي … لقد حمدت صنيعك إن كنت أعصيك إني … أحب فيك مطيعك ذكر وفاته توفى ﵀ سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، وهو ابن تسع وتسعين وقيل ابن مائة وثماني سنين، ودفن بالمنستير، وأوصى أن يكفن في ثلاثة أثواب يدرج فيها إدراجا.

стр. 1713

وسمع وهو [¬١] يقرأ عند خروج نفسه: "إن المتقين في جنات ونهر (٣٠) " - الآية. وسمع في نزعه يقول: لا يا عدو الله، حتى يردوا الرداء. فقيل له: ما هذا؟. قال: إبليس عند رأسي يقول: نجوت [¬٢] مني. عمر بن عبد الله بن يزيد [¬٣]، المعروف بابن الإمام الصدفي أبو حفص قال المالكي: كان ممن طلب العلم وتفقه، وسمع من أحمد بن أبي سليمان وغيره [¬٤]، ثم اعتزل الناس، ولزم العبادة والتبتل وقيام الليل، وكانت له في كل ليلة ختمة، ثم زاد فهمه، فكان لا يكاد يبلغ النصف حتى يصبح. قال أبو الحسن الزعفراني: كنت إذا رأيت أبا حفص، علمت أنه من أهل الليل. قال أبو علي الوراق، كان أبو حفص فقيها، من أهل العلم والورع، لا ينام إلا مغلوبا، لم يكن في وقته مثله، فلما دخل بنو عبيد فر فسكن المنستير، ولم يتخذ فيه بيتا مدة، وإنما كان يرفع كساءه عند رجل من سكان القصر، ولما اشتهر أمره، كان إذا تكاثر الناس بالقصر في الموسم [¬٥]، خرج إلى سوسة، وكانت له بها زوجة فيقيم بها، ويلبس ثيابا حسانا، ويتزيا بزي التجار، ويتعمم [¬٦]، ويمشي بين الناس - يخفي بذلك نفسه، فلا يعرفه أحد بذلك الزي [¬٧]، فيطلبه الناس تبركا

стр. 1714

بدعائه فلا يجدونه - وهو بينهم بسوسة، ولا يعرفون أنه ذاك، فإذا انقضت أيام الموسم، رجع إلى زيه ومكانه. وكان مجاب الدعوة، وأري ليلة القدر. قال: وظهر لي إبليس، فقال لي: كم يالله يالله [¬١]: وكم هذا الجد والاجتهاد؟ فقلت له [¬٢]: اتراك يا عدو الله ناجيا من عذاب الله - ان عذبت أنا؟ فانخنس [¬٣] عني [¬٤]. قال المالكي: كان ممن حفظ العلم وعني به ثم تركه، وقال: إنما تركته لله، لأن أهله أدخلوا فيه ما ليس منه [¬٥]. توفي ﵀ سنة خمسين وثلاثمائة. ويقال [¬٦]: اثنين وخمسين، وقيل سنة سبع وأربعين. وذكر أنه لما احتضر، دعا بشراب، فأتي به فقال [¬٧]: قد سقيت، وشفيت وأرويت. ثم أوما بيده إلى السلام، فقلنا: رأيت الملائكة؟. قال: رأيت. وجعل يومئ بيده حتى فاضت [¬٨] نفسه. قال بعضهم لما حضرته الوفاة قال: قد بشرت. قلت: بماذا؟

стр. 1715

قال: أما تقرأ "يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان" - الآية (٣١). سحنون بن أحمد بن ملول التنوخي صليبة، تقدم (٣٢) ذكر أبيه من أهل قصطيلية وعلمائها. سمع من أبيه. حدث عنه أبو محمد بن أبي زيد (٣٣) وأبو محمد بن أبي هاشم، وجماعة. وكان أبو الفضل الممسي يقول: إنما في نواحي إفريقية أربعة رجال: أحدهم سحنون هذا بقصطيلية - ويذكر [¬١] من فضله وورعه. قال أبو بكر المالكي: كان شيخا صالحا، خيرا، فاضلا، فقيها، ورعا، مشهورا، وكان صعبا في الإجازة. توفي سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة - بتوزر. مولده سنة ثلاث وأربعين ومائتين. عبد الله بن حمود السلمي المعروف بابن الحقنة [¬٢] السوسي، قال أبو بكر المالكي: كان رجلا صالحا، فاضلا [¬٣]، فقيها، واسع الرواية، سمع من جماعة من الفقهاء والمحدثين، عالما بالوثائق والفقه، سمع (من) [¬٤] عيسى بن مسكين كثيرا، وهو آخر من سمع منه موتا من الفقهاء، وسمع من أخيه محمد، وسعيد بن إسحاق، وفرات بن محمد العنبري، وحماس بن مروان، وكان

стр. 1716

فقيه البلد [¬١]، حافظا للمسائل، مشهورا بذلك، وكان فقهاء أهل سوسة إذا ورد عليهم أحد [¬٢] من حفاظ القيروان، قدموه [¬٣] لمذاكرته [¬٤]، لكنه كان قليل الضبط لكتبه، يؤثر عنه تصحيف قبيح. حدث عنه عمرون بن محمد، وأبو الحسن اللواتي، وإبراهيم بن أحمد [¬٥] الساحلي [¬٦]. قال أبو القاسم بن محمد الفقيه، كان عبد الله بن حمود فقيها حافظا، وكان يفتى في كفارة اليمين بمد ونصف من قمح [¬٧]، وثلاثة أمداد من شعير [¬٨] لكل مسكين - على رواية ابن وهب، فذكر ذلك لأبي محمد بن أبي زيد فاستكثره [¬٩]. قال عبد الله: وسألت [¬١٠] عيسى بن مسكين سماع كتب ابن الماجشون، فحلف أن لا يسمعنيها، فقلت: وأنا لا أزال من هنا حتى أسمعها. فلما رأى عزمي [¬١١]، أخرج طعاما فكفر به عن يمينه وأسمعنيها. وكان عيسى يرويها عن ابن المواز، عن عبد الملك. وتولى أحباس سوسة، فصرفها في مواضعها، ولم يتلبس منها بشيء، وانكسر عليه من جملة الكراء مال، فأدى ذلك من ماله، ولم يضطر المساكين إلى الغرم - رأفة منه بهم. وكان صاحب تاريخ وعلم بالخبر.

стр. 1717

وتوفى [¬١] سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وهو ابن تسعين سنة، وهو حاد الذهن، ورثاه بعضهم برثاء (منه) [¬٢]: وكان يؤرخ علم القرون … فها هو اليوم قد أرخاه أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد السبائي (٣٤) قال أبو عبد الله الخراط؛ كان من أولياء الله المعدودين، الذين ينزل بدعائهم المطر، وتظهر [¬٣] عليهم البراهين. قال أبو عبد الله الأحدابي: كان أبو إسحاق من العلم بالله وأمره في خطة ما انتهى إليها [¬٤] أحد من أهل وقته، حتى لقد كان من بالقيروان من أهل العلم والدين، إنما ينظرون إليه إذا نزلت الحوادث المعضلات، فإن أغلق بابه فعلوا مثله، وإن فتح فعلوا مثله، وإن تكلم تكلموا بمثله، لتقدمه عندهم، ومكانه من العقل والعلم والمعرفة بصحبة الوقت، وكيف تلقى [¬٥] الحوادث. صحب أبا جعفر أحمد بن نصر، وأبا البشر مطر بن يسار وأبا جعفر القصري، وغيرهم من أهل العلم، وأخذ عنهم علما كثيرا، وصحب جماعة من المتعبدين، وكان شديد الأخذ على نفسه، شديد الورع، وكان أحد من عقد الخروج على بني عبيد [¬٦].

стр. 1718

قال: وبلغني عن بعض العلماء أنه كان يقول: بالقيروان رجلان، يدعى كل واحد منهما باسم صاحبه، وهما: أبو الحسن الدباغ، وأبو إسحاق السبائي، يقال للدباغ عالم، وأولى أن يسمى عابدا [¬١]، والسبائي يسمى عابدا، وأولى أن يسمى عالما، لأنه كان يدري العلم ويعرفه، ويتذاكر العلماء بحضرته وفي مجلسه، وهم أبو محمد بن أبي زيد، وهو الملقى عليهم، وأبو القاسم بن شبلون، والقابسي، وسعيد بن إبراهيم، وغيرهم، وكل من يعرف مسألة كان يحضر مجلسه، فإذا تنازعوا، فصل بينهم بأمر يرجعون إليه كلهم فيه، ويستشيرونه في جميع أمورهم، فكان موفقا في كل ما يشير عليهم فيه [¬٢]. وكان أبو محمد بن أبي زيد يقول: ما هذا الذي نحن فيه إلا من بركته ودعائه. قال أبو الحسن [¬٣]، ما انتفعت [¬٤] إلا بدعائه، فإنه قال لي: أعلى الله قدرك في الدنيا والآخرة. وكان أبو جعفر أحمد بن نصر الفقيه يقول: لا تعارضوا أبا إسحاق (فإنه لو وزن إيمانه بإيمان أهل المغرب لرجحهم [¬٥]. وسأل رجل أبا محمد بن أبي زيد فقال له، هل تعلم أحدا في أقطار الأرض يشبه أبا إسحاق؟) [¬٦] قال: أما في إيمانه فما علمته - يعنى في وقته.

стр. 1719

قال القابسي: وصلت وفاة السبائي إلى مصر، في تسعة عشر يوما، لجلالته من قلوب [¬١] الناس، وكان لموته بمصر وجبة في قلوب أهل العلم. وكان النعالي بمصر يقول: إذا أكربني أمر، فذكرت أن السبائي يدعو لي، تفرج عني. قال المالكي: كان رجلا صالحا، فاضلا، مشهورا بالعبادة والاجتهاد، كثير الورع، وقافا عن الشبهات، رقيق القلب، غزير الدمعة، متواضعا، مجاب الدعوة، حسن الأخلاق حميد الأدب، طلق الوجه، مباينا [¬٢] لأهل البدع، شديد الغلظة عليهم، قليل المداراة لهم. قال ابن سعدون: كان من المتعبدين المتقدمين في العبادة، موصوفا بالعقل والعلم [¬٣]، وكان مما شغل به نفسه ذكر فضل الصحابة والثناء عليهم، لانتشار أمر المشارقة، فما كان أحد يذكر الصحابة إلا في داره وكان يقول، رأيت عمر بن الخطاب في المنام فأمنني. ذكر بدايته وعبادته وشمائله قال: وكان أبو إسحاق في ابتداء أمره ولزومه للعبادة، كثير الانزواء عن الناس وكان مروان [¬٤] بن نصرون [¬٥] الزاهد مشهورا، فكان الاختلاف إليه - إلى أن مات، فانكشف أبو إسحاق. قال بعضهم: كان يخلو في مسجد أبي الحكم عشرين سنة، يخلو فيها للعبادة قبل أن يعرف، ولزم الدار [¬٦] من سنة ثلاثين [¬٧] وثلاثمائة.

стр. 1720

قال الخراط، فما [¬١] علمت أنه خرج من باب داره متصرفا من أيام أبي يزيد حتى توفى. ولما أخبر بموت مروان، استرجع، وقال: كشفني! وكان يقول: لو علمت أن الأمر ينتهى إلى هذا - يعنى لما انخرق عليه من أمر الناس - ما كان إلا الأمر الأول - يعنى البعد منهم. وكان يقول: إذا كان هكذا، فمتى يعمل الإنسان؟ ويقول: هذا أمر قد نزل - يعنى اختلاف الناس إليه - لا يزيله إلا الموت. قال: فلما اشتد أمر بني عبيد، وفتح دعاتهم أبوابهم، ودعوا [¬٢] إلى كفرهم، قال أبو إسحاق لأصحابه: افتحوا باب داري نأخذ في ذمهم، والتحذير منهم. وكان في ابتداء [¬٣] أمره وانفراده، إنما [¬٤] يقتات بعمل القصارة، يشترى أبدانا [¬٥] فيقصرها على بئر في داره. قال -: وكان الرزق أبطأ علي مرة، فقالت لي نفسي: تعرض للزرق. فخرجت فسمعت معلما يقرى صبيانا هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. فانتبهت لذلك، ورجعت إلى بيتي فجلست [¬٦]، فدخل علي بعد ذلك رجل من إخواني، فدفع إلي دينارا سلفا، فأخذته ومضيت، واشتريت أبدانا، وكنت اقصرها في داري، فأربح في البدن قيراطا ونحوه، فقام لي من ذلك [¬٧] معاش.
следующие страницы →