فقيه البلد [¬١]، حافظا للمسائل، مشهورا بذلك، وكان فقهاء أهل سوسة إذا ورد عليهم أحد [¬٢] من حفاظ القيروان، قدموه [¬٣] لمذاكرته [¬٤]، لكنه كان قليل الضبط لكتبه، يؤثر عنه تصحيف قبيح.
حدث عنه عمرون بن محمد، وأبو الحسن اللواتي، وإبراهيم بن أحمد [¬٥] الساحلي [¬٦].
قال أبو القاسم بن محمد الفقيه، كان عبد الله بن حمود فقيها حافظا، وكان يفتى في كفارة اليمين بمد ونصف من قمح [¬٧]، وثلاثة أمداد من شعير [¬٨] لكل مسكين - على رواية ابن وهب، فذكر ذلك لأبي محمد بن أبي زيد فاستكثره [¬٩].
قال عبد الله: وسألت [¬١٠] عيسى بن مسكين سماع كتب ابن الماجشون، فحلف أن لا يسمعنيها، فقلت: وأنا لا أزال من هنا حتى أسمعها. فلما رأى عزمي [¬١١]، أخرج طعاما فكفر به عن يمينه وأسمعنيها. وكان عيسى يرويها عن ابن المواز، عن عبد الملك.
وتولى أحباس سوسة، فصرفها في مواضعها، ولم يتلبس منها بشيء، وانكسر عليه من جملة الكراء مال، فأدى ذلك من ماله، ولم يضطر المساكين إلى الغرم - رأفة منه بهم. وكان صاحب تاريخ وعلم بالخبر.
стр. 1717
وتوفى [¬١] سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وهو ابن تسعين سنة، وهو حاد الذهن، ورثاه بعضهم برثاء (منه) [¬٢]:
وكان يؤرخ علم القرون … فها هو اليوم قد أرخاه
أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد السبائي (٣٤)
قال أبو عبد الله الخراط؛ كان من أولياء الله المعدودين، الذين ينزل بدعائهم المطر، وتظهر [¬٣] عليهم البراهين.
قال أبو عبد الله الأحدابي: كان أبو إسحاق من العلم بالله وأمره في خطة ما انتهى إليها [¬٤] أحد من أهل وقته، حتى لقد كان من بالقيروان من أهل العلم والدين، إنما ينظرون إليه إذا نزلت الحوادث المعضلات، فإن أغلق بابه فعلوا مثله، وإن فتح فعلوا مثله، وإن تكلم تكلموا بمثله، لتقدمه عندهم، ومكانه من العقل والعلم والمعرفة بصحبة الوقت، وكيف تلقى [¬٥] الحوادث.
صحب أبا جعفر أحمد بن نصر، وأبا البشر مطر بن يسار وأبا جعفر القصري، وغيرهم من أهل العلم، وأخذ عنهم علما كثيرا، وصحب جماعة من المتعبدين، وكان شديد الأخذ على نفسه، شديد الورع، وكان أحد من عقد الخروج على بني عبيد [¬٦].
стр. 1718
قال: وبلغني عن بعض العلماء أنه كان يقول: بالقيروان رجلان، يدعى كل واحد منهما باسم صاحبه، وهما: أبو الحسن الدباغ، وأبو إسحاق السبائي، يقال للدباغ عالم، وأولى أن يسمى عابدا [¬١]، والسبائي يسمى عابدا، وأولى أن يسمى عالما، لأنه كان يدري العلم ويعرفه، ويتذاكر العلماء بحضرته وفي مجلسه، وهم أبو محمد بن أبي زيد، وهو الملقى عليهم، وأبو القاسم بن شبلون، والقابسي، وسعيد بن إبراهيم، وغيرهم، وكل من يعرف مسألة كان يحضر مجلسه، فإذا تنازعوا، فصل بينهم بأمر يرجعون إليه كلهم فيه، ويستشيرونه في جميع أمورهم، فكان موفقا في كل ما يشير عليهم فيه [¬٢].
وكان أبو محمد بن أبي زيد يقول: ما هذا الذي نحن فيه إلا من بركته ودعائه.
قال أبو الحسن [¬٣]، ما انتفعت [¬٤] إلا بدعائه، فإنه قال لي: أعلى الله قدرك في الدنيا والآخرة.
وكان أبو جعفر أحمد بن نصر الفقيه يقول: لا تعارضوا أبا إسحاق (فإنه لو وزن إيمانه بإيمان أهل المغرب لرجحهم [¬٥].
وسأل رجل أبا محمد بن أبي زيد فقال له، هل تعلم أحدا في أقطار الأرض يشبه أبا إسحاق؟) [¬٦]
قال: أما في إيمانه فما علمته - يعنى في وقته.
стр. 1719
قال القابسي: وصلت وفاة السبائي إلى مصر، في تسعة عشر يوما، لجلالته من قلوب [¬١] الناس، وكان لموته بمصر وجبة في قلوب أهل العلم.
وكان النعالي بمصر يقول: إذا أكربني أمر، فذكرت أن السبائي يدعو لي، تفرج عني.
قال المالكي: كان رجلا صالحا، فاضلا، مشهورا بالعبادة والاجتهاد، كثير الورع، وقافا عن الشبهات، رقيق القلب، غزير الدمعة، متواضعا، مجاب الدعوة، حسن الأخلاق حميد الأدب، طلق الوجه، مباينا [¬٢] لأهل البدع، شديد الغلظة عليهم، قليل المداراة لهم.
قال ابن سعدون: كان من المتعبدين المتقدمين في العبادة، موصوفا بالعقل والعلم [¬٣]، وكان مما شغل به نفسه ذكر فضل الصحابة والثناء عليهم، لانتشار أمر المشارقة، فما كان أحد يذكر الصحابة إلا في داره وكان يقول، رأيت عمر بن الخطاب في المنام فأمنني.
ذكر بدايته وعبادته وشمائله
قال: وكان أبو إسحاق في ابتداء أمره ولزومه للعبادة، كثير الانزواء عن الناس وكان مروان [¬٤] بن نصرون [¬٥] الزاهد مشهورا، فكان الاختلاف إليه - إلى أن مات، فانكشف أبو إسحاق.
قال بعضهم: كان يخلو في مسجد أبي الحكم عشرين سنة، يخلو فيها للعبادة قبل أن يعرف، ولزم الدار [¬٦] من سنة ثلاثين [¬٧] وثلاثمائة.
стр. 1720
قال الخراط، فما [¬١] علمت أنه خرج من باب داره متصرفا من أيام أبي يزيد حتى توفى.
ولما أخبر بموت مروان، استرجع، وقال: كشفني!
وكان يقول: لو علمت أن الأمر ينتهى إلى هذا - يعنى لما انخرق عليه من أمر الناس - ما كان إلا الأمر الأول - يعنى البعد منهم.
وكان يقول: إذا كان هكذا، فمتى يعمل الإنسان؟
ويقول: هذا أمر قد نزل - يعنى اختلاف الناس إليه - لا يزيله إلا الموت.
قال: فلما اشتد أمر بني عبيد، وفتح دعاتهم أبوابهم، ودعوا [¬٢] إلى كفرهم، قال أبو إسحاق لأصحابه: افتحوا باب داري نأخذ في ذمهم، والتحذير منهم.
وكان في ابتداء [¬٣] أمره وانفراده، إنما [¬٤] يقتات بعمل القصارة، يشترى أبدانا [¬٥] فيقصرها على بئر في داره.
قال -: وكان الرزق أبطأ علي مرة، فقالت لي نفسي: تعرض للزرق.
فخرجت فسمعت معلما يقرى صبيانا هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. فانتبهت لذلك، ورجعت إلى بيتي فجلست [¬٦]، فدخل علي بعد ذلك رجل من إخواني، فدفع إلي دينارا سلفا، فأخذته ومضيت، واشتريت أبدانا، وكنت اقصرها في داري، فأربح في البدن قيراطا ونحوه، فقام لي من ذلك [¬٧] معاش.
стр. 1721
وكان إذا دخل في الصلاة، لم يكن قلبه إلا فيها، فربما يدخل إليه من يدخل من أصحابه فلا يعلم بدخولهم لشغله بصلاته.
وكان إذا أراد أن يتوضأ، يتلو [¬١] قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ " - الآية.
ثم يقول: نعم يا رب، ويكرر ذلك، ثم يغسل أعضاء تحت خوف عظيم ووله، حتى يفرغ من وضوئه.
قال خادمه [¬٢] أبو سعيد القلال: قال لي الشيخ: أفل كسائي [¬٣]، فلم أجد فيه غير برغوث واحد ميت، فذكرت ذلك له، فقال: ما مكناهم.
قال ابن سعدون، وكان خبز السبائي السميذ، فقيل له في ذلك، فقال: والله لو قدرت على الجوهر، وعلمت أنه يزيد في عقلي، لسحقته وأكلته، فإني لا أجد نفسي تصلح إلا إذا أكلت طيبا.
ذكر ورعه وحمايته من الشبهات وبراهينه في ذلك
كان أبو إسحاق لا يأكل إلا ما علم طيبه وطيب أصله، وتصرف الموارثة [¬٤] فيه، وانتقال أملاكه على ما يجب، وإن أهله كانوا يزكونه.
وذكر ابن الأجدابي، أنه كلف شيخا معروفا بالثقة أن يشتري له قميصا، فاشترى له قميصا بسبعة [¬٥] دراهم، وأتاه به، فلما لبسه أبو إسحاق، وجده على جسده كالشوك، فنزعه [¬٦] إلى أن جاء الشيخ، فقال: يا أخي! من أين هذا القميص؟ وأخبره بشأنه [¬٧].
стр. 1722
فقال له: يبدل - إن شاء الله.
فبحث عن بائعه منه - وكان ثقة، فقال له: باعته مني [¬١] إمرأة.
فجعلوا عليها العيون فسألوها، فقالت: أخذته من دار أبي العباس الضيف.
فانكشف الأمر، وحمى الله أبا إسحاق.
قال أبو عبد الله بن هبة الله: ذبح لأبي إسحاق كبش في عيد الأضحى، فشوى له من زيادة كبده، فدخل البيت ليأكل، فخرج وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله!
فقال له خادمه: ما لك؟
قال: لما مضغت لقمة أحسست كأن الشوك في حلقي، فما قصة هذه الشاة؟
فقال له خادمه: والله ما جئت بها إلا ممن أرسلتني إليه.
فقال له [¬٢]: فهل جرى عليك في الطريق شيء؟ فقال له: لا، الاذود غنم فرت الشاة إليه منى ودخلت في الذود، فأخرج الراعي منها شاة فقال لي [¬٣] هذه شاتك.
فاستقصى على [¬٤] ذلك، فإذا بها [¬٥] قد تبدلت بغيرها.
قال أبو سعيد القلال: كان عندي زوج حمام، فأفرخوا أفراخا، فسمن منهم [¬٦] زوج حتى كان كالزبدة، ومضيت بهما إلى أبي إسحاق، فقلبهما، ثم قال: خذهما يا أبا سعيد ما [¬٧] طابت نفسي عليهما.
стр. 1723
قال: فجئت بهما إلى الدار، وسألت زوجتي [¬١] ما كانت تطعمهما؟
فقالت: حب الزبيب الذي يطرحه [¬٢] النباذون.
قال: وكلف بعض أصحابه شراء زيت [¬٣] فالتمسه [¬٤] أياما، ثم جاءه برجل معه راوية زيت، فسأله أبو إسحاق عن أصله، فقال: ميراث من أبي.
قال: ومن أين صارت لأبيك؟ قال: ورثه من أبيه.
قال: ومن أين صارت لأبيه [¬٥]؟
فلم يجبه [¬٦]؟ ثم قال لصاحب الزيت: المعصرة التي عصرت فيها، يعصر أهل القرية فيها؟
قال: نعم [¬٧].
قال: وفيها الطيب وغير الطيب!
قال: نعم.
قال: يا أخي لا سبيل إلى أخذه.
فانصرف الرجل.
قال: ودفع إلى رجل دينارين ليشتري له بهما قمحا طيبا من أصل طيب، فبحث واشتراه [¬٨] له وجاءه به، فأمر زوجته بخبز خبزة منه [¬٩]، ففعلت، وجاءت [¬١٠] بها إليه، فلما رآها قال لها: أزيليها عني، وادعي [¬١١] بفلان [¬١٢] يخرج هذا القمح عني.
стр. 1724
فجاء فأخذ القمح والخبزة، وسأل أهل الموضع عن أصل القمح، فلم يجد إلا خيرا، فقال له شيخ: إن أردت أن تعرف أصول بني فلان، فامض إلى منزل كذا، فاسأل فلانا - شيخا معمرا من أهل العلم - يخبرك بذلك.
فمضى إليه فسأله، فأخبره أن أحدهم ورثت [¬١] ماله كله ابنته - على مذهب الشيعة.
قال أبو سعيد خادمه: وجهني أبو إسحاق أشترى له فقوسا، فاشتريته ممن أثق به [¬٢] وأوصلته إليه [¬٣]، ثمّ قلت في نفسي: قلدني - ولم أسال بائعه من أين هو.
فجئته [¬٤] من الغد وخرجت له عن ذلك [¬٥]، فتبسم وقال [¬٦]: لو كان فيه شيء ما جاز.
قال القابسي، لما وقعت [¬٧] الهزيمة في عسكر أبي يزيد وهرب الناس، جاء رجل بحمار إلى أبى إسحاق فقال له: اركب - أصلحك الله.
(فسأله عنه، فقال له: هذا وقته؟ أنت ترى السيف في إثرنا، اركب أصلحك الله) [¬٨].
فقال له: لا سبيل إلى الركوب عليه حتى تخبرني بأصله.
فمضى [¬٩] وتركه، وسلم الله أبا إسحاق.
قال بعضهم: دخلت عليه يوما، فرأيت في بيته حصيرا مع الحائط، ليس
стр. 1725
لها غير مسمارين في الطرفين، فأخذت مسامير وأتيت لأسمر وسطها، فقال لي لا تفعل فليس الحائط لنا.
قال القابسي: أتاه رجل يوما ببطيخ - وكان يحبه، فقال له: هذا جئت به إليك [¬١] من البحيرة التي كان أبي يهدي إليك منها.
فقال له: كم ثمنه؟
فقال: وكم عسى ثمنه؟ [¬٢]
فقال: إن كنت تأخذ ثمنه وإلا فامض.
فأخذ ثمنه، فقال له: خذ بطيخك، وإياك أن تعود.
فدهش الرجل - وأخذ [¬٣] البطيخ والثمن، فكشف [¬٤] عنه، فإذا به قد اشتراه من السوق.
وكان لا يقبل من أحد شيئا إلا بثمن، ويكافيء بضعف ثمنه.
وكان يشتهي الماء البارد، فسأل عما يبرده، فقالوا له: الزقاق الشركية.
فقال له ابن أبي زيد: عندي منها واحد، فأتاه به فقال: كم ثمنه؟
فغضب أبو محمد وقال: والله ما كانت إلا مرمية في المخزن، تقول [¬٥]، ايش ثمنها؟ فرد [¬٦] عليه [¬٧] الشيخ، فقال أبو محمد، شيخ مبارك، كلما قلنا قربنا منه، لم نزدد إلا بعدا.
وكان يقول: ثلاثا [¬٨] اعتذر منهن [¬٩]: غسلي الدم في مجلس أحمد بن نصر، إذ [¬١٠]
стр. 1726
كنت أحضر [¬١] على أبي الفضل الممسي، فانفجرت [¬٢] منخاري دما، فقمت وغسلتهما ولم أشاور أحمد بن نصر في ذلك الماء.
ودخولي حمام الجزارين، ولم أعلم أن ربعه حبس على قصر الحديد، فوجهت بعد ذلك قيراطا يشترى به زيت يوقد في القصر.
وشربي من الفسطاط [¬٣] وقد فني زادي، فأقمت ثلاثا اشرب منه، مالي غذاء سواه، فأنكرت نفسي.
قال أبو عبد الله الخراط، فحسبك من افتقد من نفسه في عمره مثل هذه الثلاث [¬٤].
وكان يقول: اتجر بالعلم، وكل والبس بالورع.
ذكر كراماته وإجابة دعواته [¬٥] وفراسته
ذكر أبو محمد بن أبي زيد، أن أبا إسحاق كان مستجابا، رأينا إجابته [¬٦] في كل شيء، من ذلك أنه كانت لي ابنة أصابها في عينها شيء [¬٧] انتهى بها إلى أمر عظيم، فعالجتها [¬٨] بكل علاج فلم ينجع [¬٩]، فذكرت لأبي إسحاق أن يدعو لها، وقلت له: إني كرهت عرضها على الطبيب وكشفها [¬١٠] عليه.
فقال لي: ابعث بها إلى أرقها [¬١١].
ثمّ رجع فقال: من ههنا أرقيها.
стр. 1727
فلم يزل يرقيها [¬١] حتى أفاقت - لثلاث، فكأنه ما كان بها شيء.
وكانت عندي [¬٢] طفلة، استرخى وركها، فمضت بها امرأتي [¬٣] إليه، فرقاها فأتت [¬٤] صحيحة.
وذكر أنه كان يرقي الناس الذين يأتون إليه جملة، ويجد كل إنسان منهم يد نفسه [¬٥] على وجهه، فدخل فيهم رجل مشرقي غطى [¬٦] وجهه، فلما رقاهم وخرجوا. أعلم بذلك أبو إسحاق، فقال: الليلة يعمى.
فسئل عنه فقيل: ما مرت عليه ليلة أشد من تلك الليلة.
قال ابن شبلون، وكانت رقيته بـ "الحمد لله" و "قل هو الله أحد" والمعوذتين، كل ذلك سبعا، ثم يقول في آخر دعوته: ببغضي في بني عبيد وذريتهم [¬٧]، وحبي في نبيك وأصحابه وأهل بيته، اشف كل من رقيته، فيشفى.
ذكر [¬٨] أن إسماعيل المشرقي صاحب القيروان، اشتكت له ابنته [¬٩] عينها، وأعيا الأطباء أمرها، فقيل لها: لو رقاها السبائي!
فأرسلها مع عجوز متنكرة - لئلا تعرف، فرقاها أياما فبرئت، فسألها إسماعيل بماذا [¬١٠] رقاها، فأخبرته بما تقدم.
قال القابسي، كنت عنده، فكثر دخول الناس عليه، فقلت في نفسي: كيف يجد الشيخ قلبه عند كثرة دخولهم؟
قال: فحول وجهه إلي وقال: يا أبا الحسن: ما أرى دخول من يدخل، إلا كدخولهم إلى المسجد، يصلون ويخرجون.
стр. 1728
ثم عاودت في نفسي فقلت [¬١]: هل يجد في نفسه لكثرة إقبالهم عليه شيئا؟
فحول وجهه إلي وقال: لي: يا أبا الحسن، كان ذلك مرة، فما عاد.
قال بعضهم: كنا إذا دخلنا عليه [¬٢]، اعتقدنا التوبة، مخافة أن ينطقه الله (فينا) [¬٣] بشيء.
وقال أبو إسحاق: مشيت إلى ابن أبي المهزول، فعلمني اسم الله الأعظم، ثم أنسيته، ولعل ذلك خير لي.
قال: ودخلت علقة في فم صبي بدوي، فبذل أبوه للطبيب ابن البراء في إخراجها فعاناها فما قدر، فلما أعياه، قال له: هذه استطاعتي، فامض بابنك إلى السبائي لعله يدعو لك فيفرج عنك.
فسار [¬٤] إليه وأخبره بقصته - والناس وراءه، ثم حرك [¬٥] شفته، وقال للفتى: تقدم، وقرأ على فمه [¬٦]، وأومأ بيده إلى العلقة، فسقطت من فيه.
قال القابسي: قال لي النعالي بمصر: لقد يطرقني ما يمنعني النوم، إما لهم أو وجع فاسهر. حتى إذا كان آخر الليل ألقيت علي الراحة ونمت وذهب عني ما أجد، وهو الوقت الذي كان يقوم فيه أبو إسحاق [¬٧]، وذلك [¬٨] أنه كان أرسل إليه، [وعقد على نفسه أن يدعو لي ويذكرني، فإذا جاء وقت ذكره] [¬٩] استقبلت إلى حال الراحة.
وذكر له بعض أصحابه [¬١٠] أنه مر بموضع كذا، فإذا بشيخ لم ير أجمل منه
стр. 1729
لحية، يزمر بزق، فقال له أبو إسحاق: ايه! [¬١] لعلك قالت لك نفسك أنك خير منه! أنه مسلم، ما بينك وبينه إلا أن يتوب، إياك أن تحدثك نفسك أنك خير منه، والله ما أرى لي فضلا على أهل الكبائر من المسلمين، فإذا رأيتم أهل البلاء، فاحمدوا الله على العافية.
فذكر [¬٢] أن الرجل رئي بعد ذلك قد تاب وحج وحسن حاله.
قال محمد بن إدريس: خرجت أريد الحانوت، فلقيت أبا العباس بن غانم [¬٣]، فقال لي، وأنتم هنا؟ والله لا سكنتم هذا الدرب [¬٤] معي، فاعملوا على الانتقال، لأنكم من حزب السبائي.
وهددني وخوفني، فجئت إلى السبائي فأخبرته وبكيت [¬٥]، فقال لي: ليس عليك منه شيء، إنما هو كلب ينبح، اللهم عاجله ولا تمهله.
فلما خرجت من عنده وقربت من داري، إذا به قد أتي [¬٦] به ميتا من الحمام [¬٧].
قال: وكان رجل من الجند يؤذيه، قال بعضهم: فسمعت منه يوما وقد رآني خارجا من عنده فيه شتما، فوصلت إلى الدار وتوضأت [¬٨] فسمعت بكاء، فقلت: ما هذا؟
فقيل لي: مات ذلك الرجل - الآن.
ودخل إليه رجل من حاشية السلطان، فتجهمه [¬٩] الشيخ - فخرج من عنده، فلقي بعض أصحابه، فقال له قصته معه، ثم قال له: قل له سوف ترى.
стр. 1730
فخاف الرجل على أبي إسحاق [وأعلمه فقال: ليس ثم إلا خير، قل له سوف ترى أنت] [¬١].
قال الحاكي: فخرجت من عنده إلى داري، فبعد [¬٢] ساعة خرجت، فإذا الناس يقولون: مات فلان.
فجئت إلى الشيخ فأخبرته، فقال: قد كفينا ما نحذر - والحمد لله.
ونقل إليه مقال إسماعيل في خطبته، إن حسينا - يعنى الأعمى السباب الشيعي - جاء بنقطة من قلة، وهذه القلة بين أظهركم - يعنى نفسه.
فقال أبو إسحاق: عجب! نقطة من قلة أحرقت [¬٣] المشرق والمغرب! اللهم اكسر القلة. فمات إسماعيل بعد ذلك بأيام.
قال خادمه أبو سعيد: كنت ليلة عنده، فحبسني بحديثه [¬٤] إلى أن ضرب البوق، وكانت علامة أن لا يمشي أحد، إلا من خرج لفساد، فمن وجد بعد ذلك ضربت عنقه، فلما فرغ من حديثه، سلمت لأخرج، فقالت لي زوجه [¬٥]: قد ضرب البوق.
فقال لي الشيخ: اجلس، فقلت الوالدة تظن أني أصبت، فقال، اصبر يأخي، فوقفني بين يديه، وقرأ علي وأقبل يشير عن جهاتي، وسمعته آخرا يقرأ "يس" ثم دعا وقال لي: حفظك الله من بين يديك، وخلفك، و (عن) يمينك [¬٦]، وشمالك، وفوقك، وتحتك.
стр. 1731
فخرجت، فمررت بمسالح وكلاب وعساسة في غير موضع، فما نبح علي كلب، ولا كلمني أحد، حتى وصلت داري.
قال: وكان لبعضهم غلام أصيب ببصره، فسأل الشيخ له في الدعاء، فقال: امضوا، يكن [¬١] خير [¬٢]- إن شاء الله.
فلما كان [¬٣] تلك الليلة، أبصر الغلام.
قال أبو محمد: ووقعت له هرة في البئر، فدخلنا (عليه) [¬٤]، فوجدناه واقفا وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله!
فسألناه (فما) أخبرنا [¬٥] حتى ضرب الباب، فدخل إنسان مجرد [¬٦] بمئزر [¬٧] في وسطه فسلم، وقال له: لك [¬٨] حاجة؟
فأخبره، فنزل في البئر وأخرجها [¬٩] وذهب.
فقلت له: من هذا؟
قال: لا أدري؟
قلت: أرسلت فيه؟
قال: لا.
قالوا: وأخذ الحاشد رجلا فقيرا فحبسه وقيده، فمضى ابنه إلى أبي إسحاق فأخبره، فقال له: غدا يخرج أبوك - إن شاء الله.
стр. 1732
قال: فإني [¬١] في الليل إذ سمعت صائحا يقول: يخرج فلان وتحل قيوده، فحلت قيودي، ومضي بي إلى الحاشد، فقال لي [¬٢]: امض لا سبيل عليك.
فقلت له [¬٣]: سألتك بالله ما السبب؟
قال: جاءني الليلة فارس بيده حربة، وقال: قم فأخرج فلانا وإلا نحرتك بها.
قال القابسي: كنت عند أبي إسحاق السبائي، إذ أتاه رجل مذعور، فقال له [¬٤]: إن السلطان أمر بنهب طعامي وعبيدي وماشيتي، وقد خرج رسوله لذلك.
فقال له الشيخ: كفاك الله.
فخرج الرجل [¬٥] من عنده، فإذا بقوم من أهل المنزل، فسألهم فقالوا، لما وصل رسول السلطان لمنزلك وفتح المطمر، أتاه آت فنهاه أن يتعرض [¬٦] شيئا.
قال: واختلف رجلان أيهما أفضل، مروان الزاهد أو [¬٧] السبائي؟
فدخلا عليه، فوجداه في الصلاة، فلما أكملها، حول وجهه وقال: ما بال قوم قعدوا بلا شغل، فلان أفضل من فلان، أما لهم في أنفسهم شغل؟
قال أبو سعيد خادمه: اشتريت سلعة، وأشركت فيها الشيخ فربحت فيها ربحا، فحالت نفسي وأدركتني رغبة، فقلت [¬٨]: قد كان الشيخ مستغنيا عنها، وأنا ذو عيال.
стр. 1733
ثم حملت إليه حصته [¬١]، فلما رآني، تبسم وقال: الناس يحولون [¬٢] عن إخوانهم، ويتغيرون فيما ابتدأوه من الجميل: امض بها.
فأخذني أمر، وقلت: لا أفعل.
ثم قلت له: هذا أمر ما علمه إلا الله.
فقال (لي) [¬٣]: للناس رؤيا ومنامات.
ودخل عليه في جملة الناس رجل لا يعرفه من المشارقة، فلما دخل وسلم، رفع الشيخ رأسه - وقد احمر وجهه، وقام شعره - وقال: الشيطان في داري ثلاث مرات، ففر المشرقي.
وقال السبائي: نمت بين أبواب بيتي، إذ سمعت حسا دخل من الباب، فضربت (الأرض) [¬٤] بكفي - وعينى مغلقة، وأنا يقظان، فذهب ناحية الجبانة وأنا اسمعه يقول: ما تدع [¬٥] أحدا يقربك لا نائما ولا يقظان [¬٦].
ذكر شمائله مع الناس، وتجمله معهم [¬٧] وتواضعه، وغلظته على أئمة الجور وأهل البدع وبني عبيد
حكى الأجدابي قال: كان الشيخ أبو إسحاق متجملا لمن يدخل عليه.
قال أبو علي حسان [¬٨]: لجأت إليه مرة، فلم أزل من عنده من غدوة إلى الظهر، ما قال لي شيئا، ولا قام ولا ركع، ولا بال، وكذا كانت عادته مع من يدخل عليه.
стр. 1734
قال أبو سعيد القلال خادمه: كان يقول لي [¬١]: لا تقض لي حاجة إلا بنية.
قال حسان: وكان لا يتمالك [¬٢]، عهدي به ضحك مرة [¬٣] ضحكا عظيما، ما استطاع [¬٤] أن يتجمل، وبحضرته قوم غرباء، فرأيت بعض من حضر [¬٥] استحيا [¬٦]، فما استعذر هو من ذلك.
وقصده رجل زائر [¬٧] من سجلماسة، فلما عرف الشيخ بذلك، قال: أنا أقوم إليه، فتلقاه وسلم عليه، ووقف معه ساعة، ثم دخل كئيبا، فجثا على ركبتيه، وجعل يضرب بإحدى يديه على الأخرى ويسترجع، فسئل، فقال: رجل جاء من سجلماسة [¬٨] إلى زيارتي! وما قدري أن أزار من سجلماسة؟ والله الذي لا إله إلا هو ما استحق إلا من يجلسني في الزقاق، ويقول لكل من جاز [¬٩]: الطم!
وكان قد سأل الله أن ينسي الشيعي اسمه، فكان عبد الله بن هاشم يقول: كنت إذا اجتمعت معه يقول لي: ذلك الذي يسكن (عند) [¬١٠] باب الريح.
فأقول له: السبائي؟
فيقول: نعم.
وقال معد يوما، رجل في بيت من قصب بقصر [¬١١] الفحص يشتمنا، ما قدرنا عليه بشيء!
стр. 1735
فقال له [¬١] بعض عبيده: من هو نقطع رأسه؟
فقال له معد: اسكت يا عبد السوء.
فقال له موسى اليهودي: إنك لن تقدر عليه.
ولما هزم إسماعيل أبا يزيد، ووصل [¬٢] إلى القيروان [¬٣]، وجه في شيوخها [¬٤]، فوجه في مروان [¬٥]، وابن سعدون الخطيب - وكان يشتمهم على المنبر - فدخلا [¬٦] عليه، فأما مروان فلم يسلم عليه لا وقت دخوله ولا وقت خروجه، وجعل كلما كلمه لا يزيده [¬٧] على ما شاء الله، حسبنا الله ونعم الوكيل!
ثم وجه في أبي إسحاق السبائي، فامتنع من المجيء إليه، فخرج إسماعيل إلى جهة الساحل فوقف [¬٨] عنده، ووجه رجلا فيه، فقال له: لا بد من خروجه إلي.
فوصل إليه الرجل وأعلمه وشدد عليه، فقال: لا سبيل إلى ذلك.
فقال: لا بد [¬٩].
فقال: ولا بد؟
قال: نعم.
قال: فاصبر حتى أتوضأ وأصلي ركعتين.
فقال له [¬١٠]: يطول عليه الأمر، وأنت بطيء الوضوء.
قال: لا بد.
стр. 1736
فخرج الرجل، ووقف على الباب [¬١]، وتوضأ أبو إسحاق، وركع وسجد [¬٢]، ثم تقلد [¬٣] سيفه وأخذ رمحه، ولبس فاتخه وخرج، فلما حصل على [¬٤] باب الدار، ثار ثروة شديدة، فقال له الرجل: ما هذا؟ [¬٥]
قال: عاهدت الله أن لا ألقاه إلا على هذه [¬٦] الحال، ولا سبيل إلى نكث ذلك.
فبكى الرجل ومن حضر، وقال له [¬٧]: لا سبيل إلى مسيرك بهذه الحال.
فرجع ومضى الرجل، فوجد إسماعيل ينتظره، فقال له، وجهتني إلى رجل مصاب في عقله.
فمضى إسماعيل، وكفي شره.
قال أبو إسحاق، كنا بمناخ: أنا والممسى، وربيع القطان [¬٨]، ومروان، وأبو العرب، وجماعة، إذ خرج علينا أبو يزيد فقال: بايعوني، فإن النبي ﷺ لم يخرج إلى غزاة ولا بعث، حتى يجدد البيعة في أعناق أصحابه.
فسكتوا بأسرهم، فقال أبو إسحاق، نعم، نبايعك على كتاب الله، وسنة رسول الله، ومذهب مالك.
قال [¬٩]: فإن لم؟
فقلت: فأنت رجل من أهل القبلة، توحد الله، خرجت لجهاد أعداء الله، فخرجنا ننصرك عليهم.
стр. 1737
فوثب أبو يزيد قائما [¬١] وقال: لا بأس إذا قالوا.
وذكره معد يوما فقال، أعد لنا السلاح. وتربص بنا الدوائر، وكفرنا، وشتمنا، وعلم الناس الجرأة علينا، حتى تتأكد [¬٢] عند الكبير، ويشيب عليها [¬٣] الصغير.
وأعان قوم عليه في المجلس، وتكلم قوم له، فأعلم بذلك، فزاد أبو إسحاق حينئذ في السلاح، وأصلح ما كان عنده منه [¬٤].
قالوا [¬٥]: واستأذن عليه يوما صاحب الحرس. فهرب كل من كان معه، ومنهم ابن أبي زيد ولم يبق [¬٦] معه غير القابسي، فقال الشيخ من هذا؟
قال [¬٧]: أنا فلان.
فقال: [ادخل يا شيطان، ما تريد يا شيطان؟ اخرج يا شيطان] [¬٨]، فما كلمه يومئذ إلا بشيطان.
فلما خرج رجع من هرب، فقال لهم: ما هذا حق الصحبة، تهربون وتتركونني، ولامهم على فعلهم.
وكان لا يدخل إلى أبي إسحاق أحد من حاشية القوم ولا قضاتهم، لا ابن هاشم ولا غيره، إلا ابن صدور [¬٩]، لأنه كان يشتم بني عبيد عنده.
قال بعضهم: كنا يوما عنده، إذ دخل صقلبي عليه [¬١٠] كسوة ورائحة، فسأل عن الشيخ، فلم يجبه أحد، [فقال الشيخ: مالك؟
стр. 1738
قال: جؤذر توجعه عيناه. يقول لك: ادع لي] [¬١].
فقال الشيخ: تكفرون، ثم ترسلون [¬٢] إلينا ندعو لكم.
فانصرف الصقلبي.
ذكر وفاته ﵀ [¬٣]
توفي الشيخ أبو إسحاق لثمان بقين من رجب سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
مولده سنة سبعين ومائتين.
قال القابسي: لما احتضر أبو إسحاق، رأى من حضر نورا دخل من باب البيت، فدار في البيت حتى أتى وجهه، ثم زال عن وجهه ومر على صدره ثم إلى رجليه، ثم خرج من البيت فقبض الشيخ.
ولما قبض، بادر الشيوخ الذين حضروه: ابن أبي زيد وابن شبلون، وغيرهم، إلى غسله وكفنه، مخافة أن يوجه إليهم معد كفنا - على عادتهم.
فجاء ابن أبي هاشم بالكفن، وهم قد فرغوا منه، فجعل من فوق، فلما خرج به [¬٤] إلى الجبانة قطعوه قطعة، قطعة، وسلم منها [¬٥].
ولما رأى معد اجتماع الناس لجنازته، وجه عسلوج الدنهاجي [¬٦] يهدن الناس - وكان والي القيروان، فكان الناس يلقونه ويقولون له النبي: وصاحبيه؟
فيقول لهم: نعم.
ويقولون له: معاوية خالك وخال المومنين!
فيقول: نعم - خوفا منهم، ومعد تحت قلق إلى أن دفن.
стр. 1739
قال ابن التبان: لما توفي، رجعت إلى الدار، فلما تحينت وقت غسله، خرجت لحضوره، فإذا بشيخ قد [¬١] لقيني، فسألني عن مسيري، فأخبرته، فقال لي: قد صلي عليه، وكما جئت.
فغمنى ذلك وقلت: أمضي لأكمل أجري.
فوصلت إلى داره، فإذا به لم يغسل، فعلمت أنه إبليس أراد أن يفوتني ذلك.
محمد بن مسرور العسال أبو عبد الله (٣٥)
كان شيخا صالحا [¬٢] فاضلا من أهل العلم، سمع بافريقية من عبد الجبار [¬٣]، وسهل الغبرياني [¬٤]، وعبد الرحمان الوزنة [¬٥]، ويحيى بن عمر، وابن معتب، والمغامي، وغير واحد.
ورحل فسمع بمصر من مقدام [¬٦] بن داود، وعلي بن عبد العزيز، وأجازه يونس الصدفي.
وكان يقوم الليل كله هو وكل من في داره.
ولقد ذكر أنهم باعوا خادما سوداء، فرجعت إليهم وقالت: بعتموني من اليهود!
فقالوا [¬٧] لها: أنهم مسلمون.
стр. 1740
قالت [¬١]: فإنهم لا يقومون الليل!
وهو والد الفقيه أبي حفص العسال.
وكانوا ثلاثة إخوة [¬٢]: أبو عبد الله هذا، وأبو حفص عمر، سمع محمد بن عبد الحكم، ويونس بن عبد الأعلى، ومات قديما. وأبو سليمان: كان نبيلا ثقة، سمى حمامة المسجد لملازمته، وكان يميل إلى الحديث. وكان أبو عبد الله هذا كثير الصلاة والتلاوة، يختم كل ليلة ختمة، وكان بينه وبين عبد الله بن مسرور بن الحجام، المتقدم ذكره - قبل هذا - مباعدة بسبب العلم، فكانت وفاتهما في يوم واحد - سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
وابنه أبو حفص عمر [¬٣] بن محمد بن مسرور العسال (٣٦)
قال أبو بكر المالكي، كان رجلا صالحا خيرا، فاضلا فقيه البلد، ثقة، جيد الحفظ، مفتى أهل زمانه، ذا سمت وصيانة، وورع وديانة، لم يغمص عليه في [¬٤] حداثته ولا كبره شيء.
سمع من أبيه، وأبى بكر بن اللباد، وبمصر من بكر بن العلاء.
وكان أبو إسحاق السبائي يقول: ما يطيب على قلبي [فتيا أحد مثل فتوى أبي حفص] [¬٥]، لانه يشوب فتياه [¬٦] بورع وخوف وشدة مراقبة، وإشفاق وحذر، وكان لا يقوم لأحد إذا دخل عليه إلا له.
стр. 1741
وكان أبو القاسم عبد الحق بن شبلون يقول: أبو حفص افقه من أبي سعيد ابن أخي هشام.
وكان أبو جعفر الأجدابى يقول: أبو سعيد أحفظ وأفقه.
قال بعضهم: قلت لأبي إسحاق السبائي: يدخل إليك [¬١] العلماء فلا تقوم لأحد منهم إلا لأبي حفص.
فقال لي: أبو حفص عالم عامل.
وكان يقول: إذا أردت أن ترى العالم العامل فعليك بأبي حفص ..
قال أبو بكر: وكان قد جمع الله فيه خصال الخير كلها، وكان الفقهاء [¬٢] والمتعبدون يعظمونه ويفضلونه، وكانت له همة عالية، ومحضر عظيم، ولكنه [¬٣] لم يطل عمره، وتوفى في حياة أبيه.
قال: ودخل يوما على أبي إسحاق، فقام إليه وتلقاه وصافحه، وقال له: ما الذي أتى بك؟
فقال: نعتني نفسي، وأظن أجلى قرب، فأردت أن أجدد عهدا بك، فقال له أبو إسحاق: جمع الله شمل المسلمين بك، وأبقاك لهم.
وتوفى شابا وأبوه حي، فذكر القابسي: أنه دخل إلى أبي عبد الله - وابنه أبو حفص في النزع - وهو جالس في يده جزء من القرآن، وفي المجلس أبو سعيد بن أخى هشام، وابن التبان، وابن أبي زيد، والشيخ على حاله، يقرأ جزاه، ثم يحول وجهه إليهم ويقول: كيف رأيتم أبا حفص؟
فتقول [¬٤] الجماعة: خير إن شاء الله.
стр. 1742
إلى أن مات، فوجموا [¬١] وسكتوا، فحول الشيخ إليهم وجهه [¬٢] وقال: مات أبو حفص؟ قلنا [¬٣]: نعم، أصلحك الله وجبر مصابك [¬٤].
فثنى الجزء على إبهامه، ثم حول وجهه وهو في مكانه وقال: رحمك الله يا بني، فلقد [¬٥] كنت صواما (قواما): حافظا لكتاب الله، عالما بسنة رسوله الله [¬٦]: ولقد طمعت أن أكون في صحيفتك، فالحمد لله الذي جعلك في صحيفتي.
ثم قال: خذوا في شأنه، وأقبل على مصحفه.
قال ابن شبلون: لما مات وغسل وكفن - وأبو عبد الله أبوه حاضر، وأبو سعيد ابن أخى هشام، وأبو الأزهر بن معتب، وأبو محمد بن أبي زيد، وأبو محمد بن التبان، وغيرهم من أهل العلم، قال الغاسل لأبيه: ما أعظمها من مصيبة!
فقال له [¬٧]: لا تفعل، ثواب الله تعالى أعظم وخير منه.
ولقيه المهدي فقال: عظم المصاب [¬٨] بأبي حفص، فقال: ثواب الله أعظم [¬٩].
ثم قال أبوه: رحمك الله أبا حفص [¬١٠]، لقد [¬١١] كنت مباركا علينا في دنيانا - وأخرانا، أما دنيانا، فكان قوتنا يجرى على يديك، وأما أخرانا، فكنت أقول لعلي أكون في صحيفتك، فقد صرت في صحيفتي.
وعزاه فيه السبائي، فقال له: يا أبا عبد الله أنت كنت تريد أبا حفص للدنيا، وأنا كنت أريده للآخرة، فأنا أحق بالتعزية منك.
стр. 1743
وكانت وفاته في شعبان [¬١]، سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، [وصلى عليه أبوه وهو ابن نحو أربعين سنة] [¬٢].
أحمد بن أبي رزين الخياط
سمع من يحيى بن عمر، وأحمد بن أبي سليمان، وأبي عمران الحداد [¬٣]، وأبي زيد التوزرى، ومالك القفصي.
وسمع [¬٤] منه أبو محمد بن هاشم بن الحجام.
قال المالكي [¬٥]: كان قبلة فقه وعلم بالحديث، وفضل وصلاح.
توفى سنة إحدى وعشرين [¬٦] وثلاثمائة.
قمود [¬٧] بن مسلم القابسي
ذكره المالكي، قال: وكان الممسى يفضله ويذكر من فضله [¬٨]، وأن السلطان أراد أن يوليه شيئًا، فتبرأ له [¬٩] من نعمته، وقبضت منه ولم يل له شيئا.
يروى عن يحيى بن عمر.
стр. 1744
ومن أقصى المغرب:
دراس بن إسماعيل (٣٧)
كنيته أبو ميمونة، من أهل مدينة فاس.
سمع من شيوخ بلده، وبإفريقية من أبي بكر بن اللباد، وغيره، وبالأندلس من شيوخها. وله رحلة، حج فيها، وسمع من علي بن أبي مطر - بالاسكندرية - كتاب ابن المواز، وحدث به بالقيروان، سمعه منه أبو محمد بن أبي زيد، وأبو الحسن القابسي، وغيرهما [¬١]. ودخل أيضا الأندلس مجاهدا وطالبا [¬٢]، فتردد بها في الثغر، فسمع عنه أبو الفرج عبدوس [¬٣] (٣٨)، وخلف بن أبي جعفر، وغير واحد.
وأراه رحل [¬٤] لبلدنا (٣٩)، فقد حدث عنه أقوام من كبارهم، كأبي عبد الله محمد بن علي بن الشيخ، وأخيه حسن بن علي، وعمر بن ميمون بن بكر القيسي، وحمود [¬٥] بن غالب الهمداني، وغيرهم.
قال أبو بكر المالكي: كان أبو ميمونة من الحفاظ المعدودين، والأئمة المبرزين، من أهل الفضل والدين، ولما طرأ إلى القيروان، اطلع الناس من حفظه
стр. 1745
على أمر عظيم، حتى كان يقال: ليس في وقته أحفظ منه، وكان نزوله عند ابن أبي زيد، وظهر تقصيره [¬١] بعلماء [¬٢] القيروان، وشفوفه على كثير منهم (٤٠).
[قال القاضي أبو الوليد بن الفرضى: كان أبو ميمونة فقيها، حافظا للرأي على مذهب مالك (٤١).
قال أبو عبد الله بن عتاب: كان يعرف بأبي ميمونة المحدث] [¬٣].
قال أبو الوليد [¬٤] الباجي: كان شيخا صالحا.
وذكر بعضهم أنه دفع دينارا لمن يشتري له طعاما، فأتاه فقال له: اشتريت واجتهدت، فوصف له كيف اكتال الطعام والزرع [¬٥]، فقال له: رد علي رأس مالي [¬٦]، ولا حاجة لي به.
وذكر المالكي: أنه كان أنه كان من [¬٧] أحفظ أهل زمانه بمذهب مالك وأصحابه.
وذكر عن بعض أصحاب أبي بكر بن اللباد، قال: كنت يوما جالسا في مجلس أبى بكر بن اللباد - وأبو ميمونة يقرأ عليه الموطأ، فتواقفا [¬٨] في حديث، فخالفه فيه شيخنا، وقال أبو ميمونة: كتابي هذا قرأته بالأندلس وبفاس.
стр. 1746
فأمر أبو بكر بإخراج موطأ ابن وهب وكتب كثيرة، حتى تقرر [¬١] عندهم حقيقة الحرف الذي اختلفوا [¬٢] فيه.
فلما نظر أبو بكر إلى الكتب والرزم قد حلت ضاق، وقال لأبي ميمونة: يا هذا! فيك استقصاء، وما أظنك تريد (إلا) [¬٣] أن تكون ديكا في بلدك!
فقال أبو ميمونة: أكرمك الله، لو شئت أن أكون ديكا في غير بلدى كنت [¬٤].
فقال له أبو بكر: قم عنا، ولا تغش لي مجلسا [¬٥]، قم يا هذا - واستحثه [¬٦]: فأخذ أبو ميمونة كتابه ومحبرته، ووقف وقال: اللهم إنك تشهد.
قال الحاكى: فخرجت في أثره، ومشيت معه حتى أبعدنا - وهو يسترجع، فقلت له: اجلس على هذا الدكان - حتى ارجع إلى الشيخ وأعود إليك.
فرجعت وجلست بين يدي الشيخ، وقلت: اصلحك الله! أنت شيخنا وأمامنا، وهذا رجل إنما قصد إليك، فترى إذا سألك الله لم طردته أتقول له: لأنه قال: لو شئت أن [¬٧] أكون ديكا في غير بلدى كنت؟ [¬٨] ما فعلت أصلحك الله وقلت مقبول منك ومسموع، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون - وكررها!
ثم قال: يا أخي! رد الرجل، ويدع المعاتبة.
فسرت إليه فرجع معي، فسلم على الشيخ، وجعل بعد ذلك [¬٩] يختلف إليه ويحضر السماع: والشيخ غير منبسط له، فشكا ذلك إلى بعض أصحابه، فقالوا له: زوجه [¬١٠] شابة، فلو أهديت إليها، عطفته عليك وأصلحت لك جانبه.
стр. 1747
فقال: والله لا أخذت العلم عن [¬١] طريق الرشوة أبدا، ومعنى هذا والشيخ قد انتشرت إمامته، وحل في قلوب الناس بالمحل الذى علمتم؟ وما قسا قلبه علي إلا لأمر تقدم لي عوقبت عليه، ولكن والله لا أصلحت إلا ما بيني وبين الله، وسينتهى الأمر إلى ما شاء الله.
قال: فما طالت مدة حتى كان إذا دخل أبو ميمونة [¬٢] إلى أبي بكر، يقول له [¬٣] يا أبا ميمونة: أشركنا في صالح دعائك.
وذكر ابن التبان أن رجلا رأى سنة ثمان (٤٢) وخمسين في المنام بالرمادة وكان منصرفا من الحج -السماء والأرض يبكيان، فسأل عن ذلك، فقيل: على أبي ميمونة دراس بن اسماعيل، ولم يكونوا عرفوا بموته [¬٤]، فإذا به قد مات.
وتوفى بفاس بلده -سنة سبع وخمسين وثلاثمائة- فيما قاله ابن الفرضي (٤٣).
وفي تاريخ الأفارقة، سنة ثمان وخمسين (٤٤).
وقبره عند باب الجيزيين [¬٥] (٤٥)، وله بفاس مسجد يعرف به (٤٦).
стр. 1748
جبر الله [¬١] بن القاسم الفاسي (٤٧)
من مشاهير فقهائها ومتقدميهم [¬٢]، سمع منه عيسى بن سعادة الفاسي.
ومن أهل الأندلس:
محمد بن خالد بن وهب بن خالد بن داود بن جعفر المعروف بابن الصغير [¬٣] التميمي (٤٨)
مولاهم أبو بكر، قرطبي، من بيت علم وجلالة.
سمع من أبيه، وابن وضاح، وأبي صالح، وسعيد بن خمير [¬٤]، وابراهيم بن قاسم بن هلال، ومطرف بن قيس، وغيرهم.
قال ابن أبى دليم: وكان ذا بصر بالفقه وحفظ له، واعتماده على ترجيح قول ابن الماجشون، وشوور، وسمع منه، وولى قضاء أكشونبة [¬٥] (٤٩).
قال ابن حارث: كانت [¬٦] له عناية بالرأي والفتيا والوثائق.
стр. 1749
وكان يشاور في الأحكام، وسمع منه الناس.
توفي بعد ثلاثين وثلاثمائة، وقيل سنة سبع وعشرين، وقيل تسع وعشرين في صفر.
محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة (٥٠)
أبو عبد الله، يلقب بالبرجون [¬١]، ابن أخى الشيخ ابن لبابة.
جل سماعه من عمه محمد بن عمر بن لبابة، وسمع من غيره.
ورحل [¬٢] فسمع بالقيروان من حماس بن مروان.
وكان من أحفظ أهل زمانه للمذهب، عالما بعقد الشروط بصيرا بعللها، وله اختيارات في الفتوى والفقه، خارجة عن المذهب، وله في الفقه كتب مؤلفة، منها المنتخبة، وكتاب الوثائق، وأثنى ابن حزم الفارسي [¬٣] (٥١) على كتابه المنتخبة (٥٢). وانه ليس لاصحابه مثلها، وهى على مقاصد الشرح لمسائل المدونة.
قال بعضهم: ولم يكن له علم بالحديث وكان ينحرف عنه.
قال القاضي: أما قلة علمه -بالحديث فظاهر، وأما انحرافه عنه فلا، بل يميل إليه في تواليفه، وإذ اعتمد على نظره في مسألة، أو ضعف فيها قول المدنيين، كثيرا ما يقول: إلا أن يأتى بذلك أثر صحيح [¬٤]، ولي قضاء البيرة،
стр. 1750
والشورى بقرطبة، ثم رفع عليه أهل البيرة فعزل عنها، وعزل بعد هذا عن الشورى لأشياء نقمت عليه.
وكان القاضي الحبيب بن زياد قد سجل بسخطته [¬١].
قال ابن عفيف: رفع الى الناصر لدين الله -عن ابن لبابة هذا- أشياء قبيحة، فأمر بإسقاط منزلته من الشورى والعدالة، والزامه [¬٢] بيته، ومنعه أن يفتي أحدا، فأقام على ذلك وقتا، ثم ان الناصر احتاج إلى شراء مجشر من أحباس المرضى بقرطبة -عدوة النهر، فتشكى [¬٣] الى القاضي ابن بقي أمره وضرورته إليه، لمقابلته منزهه [¬٤]، وتأذيه برؤيتهم، أو أن تطلعه [¬٥] من عاليه.
فقال له ابن بقي: لا حيلة عندي فيه، وهو أولى بحفظ حرمة الحبس.
فقال له: تكلم [¬٦] مع الفقهاء فيه، وعرفهم رغبتي وما أبذله من أضعاف القيمة فيه، فلعلهم يجدون [¬٧] في ذلك رخصة، فتكلم ابن بقي معهم، فلم يجعلوا إليه سبيلا.
فغضب الناصر عليهم، وأمر الوزراء بالتوجيه فيهم إلى القصر، وتوبيخهم، ففعلوا. فلما وصلوا الى بيت الوزارة بالقصر، انبرى لهم [¬٨] رجل حديد من الوزراء، فأفحش في خطابهم، وقال لهم [¬٩]: يقول لكم أمير المومنين: يا مشيخة السوء، يا مستحلي [¬١٠] أموال الناس، يا اكلى أموال اليتامى ظلما، يا شهداء الزور، يا أخذى الرشي، وملقنى الخصوم، وملحقى الشرور، وملبسى الأمور، وملتمسى الروايات
стр. 1751
لا تباع الشهوات؛ تبالكم ولآرائكم [¬١]: فهو أعزه الله -واقف على فسوقكم قديما، وخونكم حديثا [¬٢]، مغض عنه [¬٣]، صابر عليه، ثم احتاج إلى دقة نظركم في حاجة مرة في دهره [¬٤]، فلم يسع نظركم للتحمل له [¬٥]، ما كان هذا ظنه بكم والله ليقارضنكم من يومه، وليكشفن ستوركم، وليناصحن الإسلام فيكم، وكلاما في مثل هذا.
فبدر شيخ منهم ضعيف المنة، إلى الاعتراف، واللياذ بالعفو، وقال: نتوب إلى الله مما قاله أمير المومنين، ونسأله الاقالة.
فرد عليه كبيرهم محمد بن ابراهيم بن حيونة -وكان ذامنة، فقال: هم نتوب [¬٦] يا شيخ السوء؟ نحن براء إلى الله من متابك [¬٧].
ثم أقبل على الوزير المخاطب لهم، فقال: يا وزير! بئس المبلغ أنت، وكل ما ذكرته عن أمير المومنين -مما نسبته الينا، فهى صفتكم- معاشر خدمته، أنتم الذين [تأكلون أموال الناس بالباطل، وتستحلون] [¬٨] ظلمهم بالإخافة، وتتحيفون معايشهم بالرشا والمصانعة، وتبغون [¬٩] في الأرض بغير الحق، أما [¬١٠] نحن فليست [¬١١] هذه صفاتنا -ولا كرامة، ولا يقوله [¬١٢] لنا الا متهم في دينه، فنحن أعلام الهدى، وسرج الظلمة، بنا يتحصن الاسلام، ويفرق بين الحلال والحرام، وتنفذ الأحكام، وبنا تقام الفرائض، وتثبت الحقوق، وتحصن الدماء، وتستحل الفروج؛ فهلا -اذ عتب علينا أمير المومنين [¬١٣] بشيء لاذنب فيه لنا، وقال بالغيظ بعض ما قاله؛- تأنيت
стр. 1752
با بلاغنا رسالته بأهون من افحاشك، وعرضت لنا بانكاره، ففهمنا عنك، وأجبناك عنه بما يجب؛ فكنت تزين على السلطان، ولا تفشي، سره، وتستحينا قليلا، فلا تستقبلنا [¬١] بما استقبلتنا به؛ فنحن نعلم أن أمير المومنين -أيده الله- لا يتمادى على هذا [¬٢] الرأى فينا، وأنه سيراجع بصيرته في تعزيزنا، فلو كنا عنده على الحالة التي وصفتها عنه -ونعوذ بالله من ذلك- لبطل عليه كل ما صنعه وعقده، وحله من أول خلافته إلى هذا الوقت، فما ثبت له كتاب حرب ولا سلم، ولا بيع ولا شراء، ولا صدقة ولا حبس، ولا هبة؛ ولا عتق ولا غير ذلك إلا بشهادتنا، هذا ما عندنا والسلام.
ثم قام هو وأصحابه منصرفين، فلم يبعدوا إلى باب القصر الأول إلا والرسل خلفهم، يصرفونهم [¬٣] إلى مواضعهم [¬٤] من بيت الوزارة، فتلقوهم بالاعظام والاعتذار مما كان من صاحبهم المخاطب لهم، وقالوا [¬٥] لهم: أمير المومنين يعتذر إليكم من موجدته: ويعلمكم بندمه على ما فرط، وأنه مستبصر في اعذاركم وقد أمر لكل واحد منكم بصلة وكسوة، علامة لرضاه عنكم؛ فدعوا له واثنوا عليه، وانصرفوا أعزة، وبقي في صدر الخليفة من هذا الحبس حزة [¬٦].
وبلغ ابن لبابة هذا الخبر على وجهه، فرفع إلى الناصر أنه [¬٧] يغض من [¬٨] أصحابه الفقهاء، ويقول: إنهم حجروا عليه واسعا، ولو كان حاضرهم [¬٩] لما سلف،
стр. 1753
لأفتاه بجواز المعاوضة وتقلدها، وناظر أصحابه فيها [¬١]: فوقع الأمر بنفس الناصر، وأمر بإعادة محمد بن لبابة (هذا) [¬٢] إلى عادته [¬٣] من الشورى، ثم أمر القاضي بإعادة المشورة [¬٤] في هذه المسألة، فاجتمع القاضي والفقهاء للنظر في الجامع، وجاء ابن لبابة آخرهم، وعرفهم القاضي ابن بقي بالمسألة التى جمعهم لها [¬٥]، وغبطة المعاوضة فيها، فقال جميعهم بقولهم الأول من منع جواز احالة الحبس عن وجهه -وابن لبابة ساكت، فقال له القاضي: ما تقول أنت يا أبا عبد الله؟
قال: أما قول إمامنا مالك بن أنس، فالذى قاله أصحابنا الفقهاء، وأما أهل العراق فانهم لا يجيزون الحبس أصلا، وهم علماء أعلام يهتدى بهم أكثر الأمة، وإذا [¬٦] بأمير المومنين من حاجة الى هذا المجشر ما به، فما [¬٧] ينبغي أن يرد عنه، وله في المسألة [¬٨] فسحة، وأنا أقول فيه بقول العراقيين [¬٩]، وأتقلد ذلك رأيا.
فقال له الفقهاء: سبحان الله! نترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا، ومضوا عليه [¬١٠] واعتقدناه بعدهم، وأفتينا به، لا نحيد عنه بوجه [¬١١]، وهو رأي أمير المومنين ورأي الأئمة آبائه؟
فقال لهم محمد بن يحيى: ناشدتكم الله العظيم، ألم تنزل بأحدكم [¬١٢] مسألة [¬١٣] بلغت بكم أن أخذتم فيها بقول غير مالك في خاصة أنفسكم، وأرخصتم لأنفسكم في ذلك.؟
стр. 1754
قالوا: بلى؟
قال: فأمير المومنين أولى بذلك، فخذوا به مأخذكم، وتعلقوا بقول من يوافقه من العلماء، فكلهم قدوة.
فسكتوا، فقال للقاضي: أنه إلى أمير المومنين بفتياى.
فكتب القاضي إلى أمير المومنين بصورة المجلس، وبقى مع أصحابه بمكانهم، إلى [¬١] أن أتى [¬٢] الجواب [¬٣] بأن يؤخذ له بفتوى محمد بن يحيى بن لبابة، وينفذ ذلك، ويعوض المرضى من هذا المجشر بأملاكه بمنية [¬٤] عجب، وكانت [¬٥] عظيمة القدر جدا، تزيد أضعافا على المجشر.
ثم جاء صاحب رسائل من عند أمير المومنين بكتاب منه لمحمد بن لبابة [¬٦]، بولاية خطة الوثائق، لكي يكون هو المتولى عقد هذه المعاوضة، فهنيء بذلك. وأمضى القاضى الحكم بفتواه، وأشهد عليه وانصرفوا.
فلم يزل محمد يتقلد خطة الوثائق والشورى من هذا الوقت إلى أن مات، ومنزلته من السلطان لطيفة [¬٧].
قال القاضي: ذاكرت بعض مشايخنا مرة بهذا [¬٨] الخبر -إذ أفضت مذاكرتي له إلى [¬٩] تسجيل الحبيب بسخطته، فقال: ينبغي أن يضاف هذا الخبر الذي حل
стр. 1755
سجل السخطة إلى سجل السخطة [¬١]، فهو أولى وأشبه [¬٢] في السخطة مما تضمنه، أو كما قال.
إلا أن ابن عفيف ذكر أنه مات ﵀ على [¬٣] حال معتدلة غفر الله لنا وله.
قال ابن مفرج: كان [¬٤] هذا التسجيل سببا لا قلاعه عما نسب إليه إلى توبة نصوح، رجع [¬٥] بها إلى احسن أحوال أهل العلم فلزم بيته مدة دائبا على دراسة العلم ومطالعته، حتى برع وكمل، ثم حج ولقى جماعة من أهل العلم وانصرف- وقد اعتدلت حاله، فاقيلت عشرته.
وكان سبب موته، أنه تخاصم عند القاضى ابن ابي عيسى مع صاحب الشرطة ابن عاصم في حمام، وتنازعا الخصومة يوما والمجادلة، حتى اضطرب جسم محمد، وضربه فالج صرعه، فحمل إلى داره في نعش، وكان سبب منيته عاجلا، فتوفى ليلة الاثنين، لست خلون من ذى الحجة، سنة ثلاثين وثلاثمائة، وقيل توفى [¬٦] في ذى القعدة من السنة فسمع خصمه وهو خارج من المسجد الذى فلج فيه -وهو متهلل شامت يقول: الحمد لله رب العالمين، اسبق عدوك ولو بيوم.
أحمد بن محمد بن عمر بن لبابة (٥٣)
أبو عمر، ابن شيخ الفقهاء وابن عم هذا المتقدم، قرطبى.
سمع من أبيه، وأحمد بن خالد، وغيرهما.