← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

لا تباع الشهوات؛ تبالكم ولآرائكم [¬١]: فهو أعزه الله -واقف على فسوقكم قديما، وخونكم حديثا [¬٢]، مغض عنه [¬٣]، صابر عليه، ثم احتاج إلى دقة نظركم في حاجة مرة في دهره [¬٤]، فلم يسع نظركم للتحمل له [¬٥]، ما كان هذا ظنه بكم والله ليقارضنكم من يومه، وليكشفن ستوركم، وليناصحن الإسلام فيكم، وكلاما في مثل هذا. فبدر شيخ منهم ضعيف المنة، إلى الاعتراف، واللياذ بالعفو، وقال: نتوب إلى الله مما قاله أمير المومنين، ونسأله الاقالة. فرد عليه كبيرهم محمد بن ابراهيم بن حيونة -وكان ذامنة، فقال: هم نتوب [¬٦] يا شيخ السوء؟ نحن براء إلى الله من متابك [¬٧]. ثم أقبل على الوزير المخاطب لهم، فقال: يا وزير! بئس المبلغ أنت، وكل ما ذكرته عن أمير المومنين -مما نسبته الينا، فهى صفتكم- معاشر خدمته، أنتم الذين [تأكلون أموال الناس بالباطل، وتستحلون] [¬٨] ظلمهم بالإخافة، وتتحيفون معايشهم بالرشا والمصانعة، وتبغون [¬٩] في الأرض بغير الحق، أما [¬١٠] نحن فليست [¬١١] هذه صفاتنا -ولا كرامة، ولا يقوله [¬١٢] لنا الا متهم في دينه، فنحن أعلام الهدى، وسرج الظلمة، بنا يتحصن الاسلام، ويفرق بين الحلال والحرام، وتنفذ الأحكام، وبنا تقام الفرائض، وتثبت الحقوق، وتحصن الدماء، وتستحل الفروج؛ فهلا -اذ عتب علينا أمير المومنين [¬١٣] بشيء لاذنب فيه لنا، وقال بالغيظ بعض ما قاله؛- تأنيت

стр. 1752

با بلاغنا رسالته بأهون من افحاشك، وعرضت لنا بانكاره، ففهمنا عنك، وأجبناك عنه بما يجب؛ فكنت تزين على السلطان، ولا تفشي، سره، وتستحينا قليلا، فلا تستقبلنا [¬١] بما استقبلتنا به؛ فنحن نعلم أن أمير المومنين -أيده الله- لا يتمادى على هذا [¬٢] الرأى فينا، وأنه سيراجع بصيرته في تعزيزنا، فلو كنا عنده على الحالة التي وصفتها عنه -ونعوذ بالله من ذلك- لبطل عليه كل ما صنعه وعقده، وحله من أول خلافته إلى هذا الوقت، فما ثبت له كتاب حرب ولا سلم، ولا بيع ولا شراء، ولا صدقة ولا حبس، ولا هبة؛ ولا عتق ولا غير ذلك إلا بشهادتنا، هذا ما عندنا والسلام. ثم قام هو وأصحابه منصرفين، فلم يبعدوا إلى باب القصر الأول إلا والرسل خلفهم، يصرفونهم [¬٣] إلى مواضعهم [¬٤] من بيت الوزارة، فتلقوهم بالاعظام والاعتذار مما كان من صاحبهم المخاطب لهم، وقالوا [¬٥] لهم: أمير المومنين يعتذر إليكم من موجدته: ويعلمكم بندمه على ما فرط، وأنه مستبصر في اعذاركم وقد أمر لكل واحد منكم بصلة وكسوة، علامة لرضاه عنكم؛ فدعوا له واثنوا عليه، وانصرفوا أعزة، وبقي في صدر الخليفة من هذا الحبس حزة [¬٦]. وبلغ ابن لبابة هذا الخبر على وجهه، فرفع إلى الناصر أنه [¬٧] يغض من [¬٨] أصحابه الفقهاء، ويقول: إنهم حجروا عليه واسعا، ولو كان حاضرهم [¬٩] لما سلف،

стр. 1753

لأفتاه بجواز المعاوضة وتقلدها، وناظر أصحابه فيها [¬١]: فوقع الأمر بنفس الناصر، وأمر بإعادة محمد بن لبابة (هذا) [¬٢] إلى عادته [¬٣] من الشورى، ثم أمر القاضي بإعادة المشورة [¬٤] في هذه المسألة، فاجتمع القاضي والفقهاء للنظر في الجامع، وجاء ابن لبابة آخرهم، وعرفهم القاضي ابن بقي بالمسألة التى جمعهم لها [¬٥]، وغبطة المعاوضة فيها، فقال جميعهم بقولهم الأول من منع جواز احالة الحبس عن وجهه -وابن لبابة ساكت، فقال له القاضي: ما تقول أنت يا أبا عبد الله؟ قال: أما قول إمامنا مالك بن أنس، فالذى قاله أصحابنا الفقهاء، وأما أهل العراق فانهم لا يجيزون الحبس أصلا، وهم علماء أعلام يهتدى بهم أكثر الأمة، وإذا [¬٦] بأمير المومنين من حاجة الى هذا المجشر ما به، فما [¬٧] ينبغي أن يرد عنه، وله في المسألة [¬٨] فسحة، وأنا أقول فيه بقول العراقيين [¬٩]، وأتقلد ذلك رأيا. فقال له الفقهاء: سبحان الله! نترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا، ومضوا عليه [¬١٠] واعتقدناه بعدهم، وأفتينا به، لا نحيد عنه بوجه [¬١١]، وهو رأي أمير المومنين ورأي الأئمة آبائه؟ فقال لهم محمد بن يحيى: ناشدتكم الله العظيم، ألم تنزل بأحدكم [¬١٢] مسألة [¬١٣] بلغت بكم أن أخذتم فيها بقول غير مالك في خاصة أنفسكم، وأرخصتم لأنفسكم في ذلك.؟

стр. 1754

قالوا: بلى؟ قال: فأمير المومنين أولى بذلك، فخذوا به مأخذكم، وتعلقوا بقول من يوافقه من العلماء، فكلهم قدوة. فسكتوا، فقال للقاضي: أنه إلى أمير المومنين بفتياى. فكتب القاضي إلى أمير المومنين بصورة المجلس، وبقى مع أصحابه بمكانهم، إلى [¬١] أن أتى [¬٢] الجواب [¬٣] بأن يؤخذ له بفتوى محمد بن يحيى بن لبابة، وينفذ ذلك، ويعوض المرضى من هذا المجشر بأملاكه بمنية [¬٤] عجب، وكانت [¬٥] عظيمة القدر جدا، تزيد أضعافا على المجشر. ثم جاء صاحب رسائل من عند أمير المومنين بكتاب منه لمحمد بن لبابة [¬٦]، بولاية خطة الوثائق، لكي يكون هو المتولى عقد هذه المعاوضة، فهنيء بذلك. وأمضى القاضى الحكم بفتواه، وأشهد عليه وانصرفوا. فلم يزل محمد يتقلد خطة الوثائق والشورى من هذا الوقت إلى أن مات، ومنزلته من السلطان لطيفة [¬٧]. قال القاضي: ذاكرت بعض مشايخنا مرة بهذا [¬٨] الخبر -إذ أفضت مذاكرتي له إلى [¬٩] تسجيل الحبيب بسخطته، فقال: ينبغي أن يضاف هذا الخبر الذي حل

стр. 1755

سجل السخطة إلى سجل السخطة [¬١]، فهو أولى وأشبه [¬٢] في السخطة مما تضمنه، أو كما قال. إلا أن ابن عفيف ذكر أنه مات ﵀ على [¬٣] حال معتدلة غفر الله لنا وله. قال ابن مفرج: كان [¬٤] هذا التسجيل سببا لا قلاعه عما نسب إليه إلى توبة نصوح، رجع [¬٥] بها إلى احسن أحوال أهل العلم فلزم بيته مدة دائبا على دراسة العلم ومطالعته، حتى برع وكمل، ثم حج ولقى جماعة من أهل العلم وانصرف- وقد اعتدلت حاله، فاقيلت عشرته. وكان سبب موته، أنه تخاصم عند القاضى ابن ابي عيسى مع صاحب الشرطة ابن عاصم في حمام، وتنازعا الخصومة يوما والمجادلة، حتى اضطرب جسم محمد، وضربه فالج صرعه، فحمل إلى داره في نعش، وكان سبب منيته عاجلا، فتوفى ليلة الاثنين، لست خلون من ذى الحجة، سنة ثلاثين وثلاثمائة، وقيل توفى [¬٦] في ذى القعدة من السنة فسمع خصمه وهو خارج من المسجد الذى فلج فيه -وهو متهلل شامت يقول: الحمد لله رب العالمين، اسبق عدوك ولو بيوم. أحمد بن محمد بن عمر بن لبابة (٥٣) أبو عمر، ابن شيخ الفقهاء وابن عم هذا المتقدم، قرطبى. سمع من أبيه، وأحمد بن خالد، وغيرهما.

стр. 1756

وكان حافظا للرأى، مقدما فيه جيد القريحة، وشاوروه أحمد بن بقى القاضي. قال ابن حارث: لم يكن بقرطبة في وقته اكمل منه علما، ولا اظهر فقها، وكان محببا في الناس لجميل خصاله، [عاقلا، حصيفا، فقيها] [¬١]، عالما، حسن المعاشرة، أديبا، وأراد قاضي قرطبة تقديمه للشورى، فاعترضه ابن أيمن، وقال له [¬٢]: ان اردت ذلك، فقدم أولادنا لذلك، فكف القاضى عنه. وتوفى -حدثا- منصرفه من الغزو، ودفن بقلعة رباح: منتصف صفر، سنة خمس وعشرين، بعد وفاة ابيه بنحو عشر سنين [¬٣]. أحمد بن عبادة بن علكدة بن نوح (٥٤) ابن اليسع، بن شعيب، بن الجهم، بن عبادة بن علكدة، الرعيني، أبو عمر قرطبي. سمع الخشني، وابن وضاح، وأبا صالح، و به تفقه. ورحل فسمع ابن [¬٤] المنذر، والعقيلي وابن الأعرابي، وغيرهم، بالقيروان، والشام، والحجاز، وكان منقبضا. سمع منه أحمد بن عون الله [¬٥]. ولى الصلاة، وقلد الشورى، فلم يتقلدها - فيما قاله ابن أبي دليم.

стр. 1757

قال أحمد بن عبادة، كنت يوما ماشيا مع محمد بن سلمة القاضي، فلقينا انسانا في رأسه غرارة فيها شيء مستور، وبيده كبر، فأمر القاضي بكسر الكبر، ولم يشك أن الغرارة مملوءة أكبارا، فقال: أنزلوا الغرارة وانظروا ما فيها. قال أحمد: فقلت له، ما عليك أن تفتش أمتعة الناس وخباياهم، وإنما عليك أن تغير ما ظهر من المنكر. فأمسك [¬١] عما أمر به من تفتيش الغرارة. قال: ثم لقينا محمد بن عمر بن لبابة. فسأله عن ذلك، فقال [¬٢] مثل ما قلت له، فعطف علي فقال: لقد انتفعنا بصحبتك اليوم يارعيني. وتوفى في رجب - سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة. أحمد بن عبد الله بن فطيس (٥٥) أبو القاسم، قرطبى. سمع ابن وضاح، وأيوب بن سليمان، وطاهر بن عبد العزيز. واعتنى بالمسائل والمذهب، وشوور في الأحكام، وكان ذا [¬٣] بصر في الفقه والشروط، وذا سمت وهدي، وسجل عليه القاضى أحمد بن زياد بسقوط نسبه من بنى فطيس. توفي بعد ابن عبادة بيسير (٥٦).

стр. 1758

عبد الله [¬١] بن ادريس بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن خالد [¬٢] ابن عبد الله بن حسين بن جعفر بن أسلم مولى أبان بن عمرو، مولى عثمان، قرطبي، كنيته أبو عثمان، وبيته [¬٣] نبيه بقرطبة. أدرك ابن وضاح ولم يسمع منه، وسمع من عبيد الله [¬٤] (بن يحيى)، ويحيى ابن عبد العزيز، ومحمد بن عمر بن لبابة، [(والقاضي اسلم ابن عمه [¬٥]، وأحمد بن خالد، وابن أيمن)] [¬٦]، وغيرهم. وكان حافظا للمسائل والحديث، كثير الدراسة لكتب الفقه، معنيا [¬٧] بالآثار والسنن، عالما بها، بصيرا بالاقضية، مقدما في الشورى، وحدث وسمع منه، وكان متواضعا سمتا، ذا معرفة بالخبر والنوادر [¬٨]. روى [¬٩] عنه ابن عابد [¬١٠] وغيره. ولم يزل على طريقة مستقيمة الى أن مات سنة أربع وأربعين، (٥٧) وسنه ست وسبعون سنة [¬١١].

стр. 1759

محمد بن عبد الله (٥٨) بن يحيى بن يحيى بن يحيى (٥٩) -ثلاثة [¬١] المعروف بابن أبي عيسى. القاضي [¬٢]، أبو عبد الله، قرطبي، من بيت بني يحيى بن يحيى بن أبي عيسى منتهى النباهة والرياسة في العلم بها [¬٣]. سمع من عم أبيه عبيد الله، ومن محمد بن لبابة، وأحمد بن خالد، وغيرهم. ورحل سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة، فحج، وسمع من ابن المنذر، والعقيلي [¬٤]، وابن الأعرابي، وأبي جعفر الديبلى، وغيرهم. وبمصر من ابن زيان، ومحمد بن الصباح الباهلي، وبإفريقية من محمد بن اللباد، وأحمد بن زياد [¬٥]، والبجلي، وإسحاق بن نعمان، وجماعة كثيرة. وكانت رحلته [¬٦] هو ومحمد [¬٧] بن ميسرة الجبلى [¬٨]، وأحمد بن حزم الصدفي، وأحمد بن عبادة الرعيني، في وقت واحد. ويقال: إنه، اجتمع هو وأحمد بن حزم ومحمد بن ميسرة في قفولهم، فقال بعضهم لبعض: ترى ما نكون [¬٩] في بلدنا - إذا رجعنا؟

стр. 1760

فقال ابن أبى عيسى لفرط [¬١] زكنه [¬٢]: أنا أقول لكم: أما أنا فقاض أو كاتب قاض. وأما أنت يا أبا عمرو، فلا تنفك من ((نا)) و ((أنا)) [¬٣]- بقية عمرك. وأما أنت يا أبا عبد الله، فأراك تثير بالأندلس فتنة تبقى آخر الدهر. أو كما قال، فصدقت فراسته في ثلاثتهم كما ذكر. قال ابن الفرضي، وكان حافظا للرأي، معتنيا [¬٤] بالآثار، جامعا للسنن، متصرفا في علم الادب [¬٥] والاعراب ومعاني الشعر، شاعرا مطبوعا. وشاوره أحمد بن بقى، ثم استقضاه الناصر ببجانة وطليطلة وجيان، وصرفه في غير امانة، فاستضلع بما استكفى، وكان آخر ما ولاه قضاء البيرة، وقلده مع القضاء امانة الكور، والنظر على عمالها، فكانوا لا يقدمون ولا يؤخرون إلا عن أمره، ولا يظلم أحد في جانب من جوانب الكور إلا نصره وقام [¬٦] معه، ثم نقله عنها، فولاه قضاء الجماعة بقرطبة في ذي الحجة سنة ست وعشرين وثلاثمائة، وأقر محمد بن أيمن على الصلاة إلى أن ضعف ابن أيمن فاستعفى فأعفاه، وجمعهما لابن أبي عيسى، فتولاهما إلى أن مات. قال ابن حارث في كتاب القضاة، ولم يزل محمد بن أبي عيسى [¬٧] في حداثة سنه مشهور الفضل، ظاهر السؤدد، طالبا للعلم، مجمع على تفضيله، ولقد جالسته غير ما مرة فرأيته محمود التصرف جميل المذهب، كريم الأخلاق.

стр. 1761

ثم ولى قضاء الجماعة [¬١] فما رأينا ولا سمعنا [¬٢] أحدا من عقلاء اخوانه ومنصفى معارفه، يذم حالا منه، ولا يشكو تغيرا ولا نبوة، بل يصفونه بغير ذلك، بما [¬٣] هو أشبه بأهل الكمال والمروءة (٦٠). وذكره ابن عبد الرؤوف في طبقاته فقال: كان فقيها، عالما، سنيا، من بيت علم وفقه وسنة وروايات [¬٤] واسعة، وكان يتصرف في علم الأدب تصرف اتقان، وله رسوخ في افانينه، من عربية، ولغة، وخبر، ومثل، وله لسان ذرب، وبيان حسن [¬٥]؛ وكان محببا في العامة، مقربا لذى [¬٦] الخاصة ومن الخليفة، مؤتمنا على أسراره، حتى لقد بواه فراش كرامة [¬٧] مع وزرائه، مدنيا لمكانه من غير أن يوقع عليه اسم الوزارة. فكان يحضرهم ممدا برأيه عند استدعائه، وكان ممن قال الشعر بطبع حسن، وتصرف في [¬٨] ضروبه. وله إلى ذلك الشأو البعيد في الخطابة، لم يكن عليه في الكلام مؤونة. قال الحسن بن محمد بن مفرج في كتاب الانتخاب: لم يكن في قضاة الأندلس أكثر شعرا منه، حتى لقد ذكره ابن عبد الرؤوف الكاتب [¬٩] في كتاب طبقات [¬١٠] الشعراء بالأندلس.

стр. 1762

قال ابن حارث: وكان الناصر لدين الله لا يخليه من تصريفه [¬١] في مهماته، واخراجه في السفارات إلى كبار [¬٢] الأمراء، والامانات إلى الثغور والأطراف للاشراف عليها، والاعلام بمصالحها، والبنيان لحصونها [¬٣]، وترتيب مغازيها، وإدخال جيوشها إلى بلد الحرب [¬٤]، وربما اقامه في ذلك مقام أصحاب السيوف من قواد جيوشه، فيغنى غناهم بحسن تدبيره، وكان راضه على ركوب الخيل وملابسة الحرب، وهو الذي تولى له بنيان مدينة سالم بالثغر الأوسط مع غالب غلامه، وخرج في أول سرية خرجت منها إلى بلد الحرب، ومنحت الظفر، فاستسعد [¬٥] بذلك [¬٦]. وكان يستخلف على قضائه في غيبته [¬٧] قاسم بن محمد، صاحب الوثائق، وربما استخلف عبد الرحمان بن علي. ذكر سيرته في قضائه قال ابن حارث: والتزم [¬٨] ابن أبي عيسى في قضائه الصرامة في تنفيذ الحقوق، وإقامة الحدود، والكشف عن أحوال الشهود، والصدع بالحق في السر والجهر، ولم يداهن ذا قدر، ولا اغضى [¬٩] لأحد من أصحاب السلطان عن هنة [¬١٠]، حتى تحاموا جانبه [¬١١]، فلم يكونوا يطمعون فيه.

стр. 1763

وله في التقصي عن إخراج الحقوق من أكابر الناس ذى الحرمة [¬١] أخبار كثيرة، ولقد لقى مرة وصيفا معه آلة لهو، فأمر بكسرها [¬٢]، فقيل له: انه لفلان - وسمى له رجل عظيم، فلم يثنه ذلك عن كسرها [¬٣] (٦١). قال [¬٤]: وكان مذهبه أحسن المذاهب، بسط الحق، وأحيا العدل، ونصر المظلوم، وقمع الظالم، ولم يطمع شريف في حيفه، ولا يئس وضيع من عدله، ولم يكن الضعفاء قط أقوى قلوبا ولا ألسنة منهم في أيامه، مع لطافة بره، وكثرة بشره، ولم تغيره خطته عن حاله، حتى لقد أغرق في ابتغاء الأجر، ومجانبة الكبر [¬٥]، بأن كان يحضر مسجد الجامع عقب شعبان من كل عام مع السدنة والقوام -لخدمته من كنسه، وصقل مصاحبيه، تنويها المدخل الشهر، فيشاركهم في كل ذلك، مشمرا عن ساعده. وذكر الحسن بن مفرج، ان رجلا [¬٦] من أصحاب ابن أبي عيسى أتاه في الليل، فذكر له أن فقيهين مشهورين يصبحانه [¬٧]-في قصة سماها له- بشهادة مدخولة نصح له [فيها وحذره من قبولها] [¬٨]، فلما جلس من الغد [¬٩]، أتاه احدهما، فأعرض القاضي عنه وبسر [¬١٠] في وجهه [¬١١]، لعله يقوم فيكفى شأنه، فتمادى، فلما رأى عزمه على

стр. 1764

التصميم في الشهادة، تناول القاضي سحاءة بين يديه، فكتب فيها من حيث لم يره الآخر، ثم طواها وألقاها في حجره، فلما تصفحها الآخر إذا فيها (مكتوب) [¬١]: أتتني عنك أخبار … لها في القلب آثار فدع ما قد أتيت له … ففيه العار والنار فلم يكد يقرأها حتى قام - منطلقا، ولقي صاحبه فقال له، النجاء فقد شعر بنا [¬٢] (٦٢)! وقال القاسم بن محمد -كاتبه أيام قضائه بالبيرة: ركبنا مع القاضي في موكب حافل من وجوه البلد، إذ عرض لنا فتى متأدب، يتمايل سكرا، فلما رأى القاضي، أراد الفرار، فخانته رجلاه، فاستند إلى الحائط وأطرق، فلما قرب منه القاضي رفع رأسه وأنشأ يقول: ألا أيها القاضي الذي عم عدله … فأضحى به في العالمين فريدا قرأت كتاب الله ألفين مرة … فلم أر فيه للشراب حدودا فإن شئت أن تجلد (٦٣) فدونك منكبا … صبورا على ريب الزمان جليدا وإن شئت أن تعفو (٦٤) تكن لك منة … تروح بها في العالمين حميدا وإن أنت تختار [¬٣] الحدود فإن لي … لسانا على هجو الرجال حديدا فلما سمع القاضي شعره أعرض عنه، ولم يأمر [¬٤] باستنكاهه [¬٥]، ومضى لشأنه كأن لم يره.

стр. 1765

ذكر [¬١] نتف [¬٢] من أخباره، وطرف من أشعاره من أحسن شعره [¬٣]-وأمر [¬٤] أن يكتب على جوانب سرير نومه [¬٥]، ليكثر النظر إليه [¬٦]- قوله: لا يغرنك يا محمد ليل … بت فيه على فراش وثير ناعم البال مطمئنا فلا بـ … ـد من النعش بعد هذا السرير وتذكر بني أبيك أبي عيسى … ذوي الجاه والعديد [¬٧] الكثير كم فتى منهم وكهلا وشيخا … ألحدته كفاك وسط الحفير وتفكر في بغت [¬٨] موت أبي بكر … ففي ذاك أعظم التفكير قدم الزاد للمعاد ولا تنـ … ـس إذا ما بطشت بطش القدير واتق الله واغتنم هذا الأيام واعمل لهول يوم النشور قرب الموت منك مر الليالي … وأرى النقص منك وضح القتير (٦٥) ومن شعره في تقلقله [¬٩] في تلك السفارات: ألفتني الهموم مذ [¬١٠] كنت طفلا … لم ترعني [¬١١]-وقد علاني القتير كلما قلت سالمتني الليالي … وصفا العيش شابه [¬١٢] التكدير

стр. 1766

فنوى تستجد في كل يوم … وهموم تطرا ودهر يجور وفلاة تحتازنى عن فلاة … وصبا تستحثني ودبور فوق [¬١] خرقاء [¬٢] حامل لم تكن في … بطن [¬٣] أنثى ولا علتها الذكور زوجتي أيم وابني يتيم … في حياتي ومنزلي مهجور خلط الدهر لي سرورا بهم … فهو يوما موت [¬٤] ويوما نشور كل ذا أنعم من الله عندي … فأنا حامد عليها شكور حسبي الله خالق الخلق فاللـ … ـه على كشف ما عراني قدير وله الحمد كم تفضل بالنعـ … ـمى [¬٥] ولكنني [¬٦] كنود كفور وله في رفيقين له من البرابرة، يسميان عنجوسا ويعقوب، أرسلهما معه بعض أمراء العلويين بالعدوة: تضمن عسكرنا آبده [¬٧] (٦٦) … بغيضين [¬٨] (٦٧) في قبة واحده فهذا له [¬٩] صفو ما في المزاد … وذاك له انف [¬١٠] المائده

стр. 1767

فقد مر يعقوب [¬١]، مرت به … -إذا شط - قسورة (٦٨) لابده وعنجوس مستوطن لا يريم … كما أرست الهضبة [¬٢] الخالده [¬٣] يحسن إلى طيبات الطعام … حنين الرضيع إلى الوالده ويأكل في سبعة من معى (٦٩) … ولا يشتكي معدة فاسده وأركان لقمته ستة … كأن له أصبعا زائده وله أيضا: لا تلمني على البكا والعويل … ذكرتني نخيل فاس نخيلي وانسكاب الامواه [¬٤] من خلل الصخر … دموع الأحباب يوم الرحيل فعلت زفرتي وطال انتحابي … وبدت لوعتي وهاج غليلي وبنفسي نائي المحل قريب … من فؤاد صب وجسم نحيل حال بيني وبينها البحر والقفـ … ـر ووخذ [¬٥] السرى (٧٠) ونص الذميل [¬٦] يا قليل الانصاف في الحب مهلا … ان وجدي عليك (٧١) غير قليل

стр. 1768

ومن نوادر أخباره ما ذكره ابن عفيف [¬١] في كتاب الاحتفال، قال: جاءت إلى القاضي ابن أبي عيسى من باديته دجاج، وعلى بابه السفيه المعتوه المعروف با بن شمس الضحى، وكان في ولاية القضاة من صغره إلى أن مات، وكان مملولا. وكان من شأنه مواظبة ديار [¬٢] القضاة شاكيا بأوصيائه، فلما رأى الدجاج قال: ياقاض! أعطني دجاجة منهن، لا بد والله أن تعطيني. وكان لا يقدر على رده احد، وإلا جاء [¬٣] من حمقه بالعجب العجاب، فأمر فأعطى دجاجة منها، فمضى بها فاخرا بعطية القاضي، إلى أن اجتاز بدرب أبى زيد - قرب الجامع، فإذا برجل [¬٤] من بني أبي زيد متفقه، هناك جالس بباب داره، فقال للمعتوه: من أين لك هذه؟ قال: اعطانيها الساعة القاضي. فأمكنت الزيدي النادرة [¬٥]، وأخذها من يده وجسها [¬٦]، وقال له: خدعك القاضي، أعطاكها مقريلة [¬٧]- أي مهزولة بلغة عجم الأندلس، فانصرف عاجلا وقل له: أنها مقريلة وكان القاضي يلقب مقريلة [¬٧]- فأبدلها لي بسمينة [¬٨]. فهاج حمق المعتوه، ومضى على أدراجه إلى القاضي - وهو في جماعة، فقال له [¬٩]: يا قاض! هذه الدجاجة التي أعطيتني مقريلة [¬١٠]، فأبدلها لي بسمينة [¬١١].

стр. 1769

فعرف أنه دسيس للتعريض به [¬١]، فقال: هاتها حتى اراها، فجسها فقال: صدقت: من أين علمت ذلك؟ [¬٢] قال: قاله لي ذلك الفقيه الذي بموضع كذا، فسأله عن صفته، فوصفه، فاستدل على الرجل فعرفه، وإذا [¬٣] به يلقب ديك [¬٤] البادية. فبانت [¬٥] له المقارضة، فبدل له الدجاجة وقال له: اذهب إلى ذلك الرجل، وسله أن يعطيك الديك الذي سيق إليه [¬٦] أمس من البادية، يأتيك منه نسل جيد. فانطلق المعتوه إلى ذلك الرجل الزيدي، فأصابه في جماعة، فاراه الدجاجة وقال له اعطني أنت ديك البادية الذي اتاك، يكون زوجا لها [¬٧]. فعلم ما أراد، فتغير وانتهر المعتوه، فازداد تعلقا به، وجعل يبكي ويلطم وجهه ويحلف أن لا يزول إلا بديك. فاضطر إلى [¬٨] أن اخرج له ديك داره الذي [¬٩] يوقظه للصلاة، فداء من حمقه. فأخذه وانطلق، وجعل الزيدي يقول: عمرى! لقد انتصف [¬١٠] مني ابن أبي عيسي. ثم سار إليه واعتذر له، فقال له القاضي [¬١١]: واحدة بواحدة [¬١٢] والباديء أظلم.

стр. 1770

وذكر القاضي يونس [¬١] بن مغيث، عن أبيه، أنه شاهد القاضي ابن أبي عيسى في دار بعض بني حدير، وقد خرجوا لحضور جنازة بمقابر قريش هناك، وجارية للحديري تغنيهم: طابت بطيب لثاتك [¬٢] (٧٢) الأقداح … وزها [¬٣] بحمرة خدك التفاح وإذا الربيع [¬٤] تنسمت أرواحه … طابت بطيب نسيمك الأرواح وإذا الحنادس البست ظلماتها [¬٥] … فضياء وجهك في الدجى مصباح قال: فكتبها القاضي ببطن كفه، ثم خرجوا للصلاة على الجنازة [¬٦]، ولقد [¬٧] رأيته كبر للصلاة وهي ببطن كفه مكتوبة [¬٨] (٧٣). وأخبار ابن أبي عيسى وأشعاره كثيرة (٧٤). وتوفى ابن أبي عيسى ﵀ في آخر خرجة أخرجه الناصر إلى الثغر سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، بمقربة [¬٩] من طليطلة، وبها دفن منسلخ صفر، وسنه [¬١٠] أربع وخمسون سنة. مولده نصف ذي الحجة، سنة أربع وثمانين ومائيتن.

стр. 1771

أبو عيسى يحيى بن عبد الله (٧٥) أخوه، غلبت عليه الرواية، سمع من عم أبيه عبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، وأسلم بن عبد العزيز، وأحمد بن خالد، وببجانة من علي بن الحسن المزى، وسعيد بن فحلون، وسمع من محمد بن عيسى القلاس [¬١]، وعمر إلى أن كان آخر من حدث عن عبيد الله [¬٢]، ورحل إليه الناس من جميع الأندلس لرواية الموطأ. وحديث الليث، وسماع ابن القاسم، وعشرة يحيى بن يحيى، وتفسير عبد الرحمان ابن زيد بن أسلم ومشاهد ابن هشام، ونتف من حديث الشيوخ. قال ابن عفيف: سمعنا منه الموطأ - في أزيد من خمسمائة تلميذ. وقد حكى الطبني [¬٣] أن أبا الحسن الدارقطني هم بالرحلة إلى الأندلس للسماع منه. وسمع منه هشام المؤيد - في حياة أبيه الحكم، وسمع منه عالم عظيم، وآخر من حدث عنه بالاندلس القاضي يونس بقرطبة، وأبو عمر بن أحمد بن يوسف بإشبيلية، وولى القضاء ببجانة والبيرة، وأحكام الرد (٧٦) بقرطبة - إذ كان أخوه قاضي الجماعة. وكان سماع أبي عيسى من عمه عبيد الله وهو صغير، فكان بعض الناس يغمص روايته عنه لذلك.

стр. 1772

قال ابن عتاب [¬١]: قال محمد بن حارث - وذكره في كتاب القضاة - فقال: فاق من تقدمه عفة، وعدلا، وفضلا وحياء [¬٢]، وانقباضا. ورامه الناصر عند ما ولاه قضاء البيرة، أن يصرف إليه امانة كورها - حسبما كانت بيد أخيه قبله، فأبى، وألح عليه الناصر، فاستعفى من ذلك، فأعفاه من الأمانة. وتفرد بالقضاء والنظر في الأحباس وتفريقها [¬٣]، فأدنى الضعيف، وتثبت في الحكم، وتحفظ من شهود زمانه، وتواضع في أمره، وتعفف، فلم [¬٤] يقبل لأحد تحفة ولا هدية. قال محمد بن يحيى: كان أبو عيسى جليل القدر، عالي الدرجة في الحديث، حمد الناس أحكامه وجميع أحواله، وكان من سراة الناس، حسن المركب والملبس، والهيئة والصورة والأخلاق [¬٥]، كريما، يطعم الطلبة إذا تم مجلس مناظرته من ثمار بستانه، وينشطهم للأكل، فإن فضل شيء دفعه إلى الغرباء، يحملونه إلى منازلهم وقال لهم: تستعينون به في ادامكم [¬٦]. وكان أبو عيسى لا يرى القنوت في الصلاة، ولا يقنت في مسجده البتة. ويحتج بالحديث الذي رواه عن عبيد الله بن يحيى، عن أبيه، عن الليث، عن يحيى بن سعيد عن ابن شهاب: إنما قنت رسول الله ﷺ أربعين يوما [¬٧]، يدعو لقوم، ويدعو على آخرين، ثم أتاه جبريل ﵇ فقال

стр. 1773

له: يا محمد! ان الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا، وإنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذابا، "ليس لك من الأمر شيء" (٧٧) - الآية. قال يحيى بن سعيد: فمنذ سمعت هذا الحديث من محمد بن شهاب لم أقنت. وقال الليث: ومنذ سمعت الحديث من يحيى بن سعيد لم أقنت. وقال يحيى بن يحيى: ومنذ سمعت هذا الحديث من الليث لم أقنت. وقال عبيد الله [¬١] بن يحيى [¬٢]: ومنذ سمعت هذا الحديث من أبي يحيى لم أقنت. وقال أبو عيسى [¬٣]: ومنذ سمعت هذا الحديث من عم أبي عبيد الله [¬٤] لم أقنت ولا قنت في مساجدنا [¬٥]. وعمر [¬٦]، وتوفي أبو عيسى صدر رجب، سنة سبع [¬٧] وستين وثلاثمائة، وسنه خمس وثمانون. محمد بن أحمد (اللؤلؤي) ويقال أحمد بن عبد الله بن أحمد، الأموي، هذا قول ابن الفرضي وغيره،

стр. 1774

(٧٨) والأول قول ابن عفيف (٧٩) المعروف باللؤلؤي - صناعة أبيه، قرطبي، كنيته أبو بكر. سمع من أبي صالح، وطاهر بن عبد العزيز. قال [¬١] ابن أبي دليم: كان [¬٢] أفقه أهل زمانه بعد موت ابن أيمن، وله بصر باللغة والشعر والوثائق. قال الرازي: كان قد برع في علم السنن، وتقدم في الفتيا، وأخذ من جميع العلوم الإسلامية بنصيب وافر [¬٣]، وكان من أهل الحس الصادق، والقياس العجيب، والرأي المصيب. قال ابن الفرضي: كان إماما في الفقه على مذهب مالك مقدما في الفتيا [¬٤]. لم يزل مشاورا من أيام أحمد بن بقى، إلى أن توفى، وقد حدث (٨٠). قال إسماعيل بن إسحاق: كان اللؤلؤي من أحفظ أهل زمانه لمذهب مالك، ولم تكن له رحلة. قال ابن حارث [¬٥]: كان صدر المفتين. وأدراهم وأفقههم في تلك المعاني. قال ابن عفيف: كان مقدما في الشورى. أفقه [¬٦] أهل عصره. وأبصرهم بالفتيا، وعليه كان مدار طلاب العلم في زمانه، وعليه تفقه محمد بن زرب القاضي.

стр. 1775

وكان أخفش (٨١) العينين، ضعيف البصر، وأفرط عليه آخره عمره، حتى كان لا يستبين الكتاب في أيام المناظرة، فكان ابن زرب يلقى عنه [¬١]، ويمسك الكتاب [¬٢]. وذكره [¬٣] محمد بن عبد الرؤوف الكاتب في كتابه فقال: كان فقيها حافظا، متفننا في العلوم، غزير العلم، كثير الرواية، جيد القياس، صحيح الفطنة، عالما بالاختلاف، حافظا للغه، بصيرا بالغريب والعربية [¬٤]، شاعرا، حسن القريض، متصرفا في أساليبه، راوية [¬٥] له، مميزا به، رغب عن الشعر، ونكب عنه إلى التبحر في علم الفقه وعلم السنة [¬٦]، وأكثر شعره في الزهد والوعظ والمكاتبات، وذكره في طبقات شعراء الأندلس. وسئل خالد بن سعيد يوما عن مسألة عويصة، فقال للسائل: عليك بأبي بكر اللؤلؤي، فإليه تأتي هذه الاحمال الكبار، وأنا إنما [¬٧] تأتيني المخيلات [¬٨]، وتبسم. وكانت فيه دعابة يستعملها، حتى إن شواطر النساء كن يكتبن إليه مسائل من المجون، يتعرضن بها إليه [¬٩] فيجيبهن، ويتخلص ويندر فيهن. أتته امرأة بسؤال فيه: ما تقول - يرحمك الله - في إمرأة وعدت ثم أخلفت، ما يجب عليها؟

стр. 1776

فكتب أسفل كتابها: أساءت حين وعدت، وأحسنت حين أخلفت. وكتب في بعض أيام الشتاء إلى محمد بن مسرة، وكان من وجوه تلاميذه، يستدعيه إلى المذاكرة (٨٢):: هلم ان اليوم يوم دجن (٨٣) إلى محل كالضمير [¬١] المكنى [¬٢] ساكنه كطائر في وكن (٨٤) لعلنا نحكم أدنى فن في مجلس مرفرف ذى كن (٨٥) فأنت عند الظن أمشى منى وأنت في سنك دون سنى (٨٦)

стр. 1777

وكتب إلى تلميذه أبى بكر بن زرب، شعرا أوله [¬١]: كتمت تباريحي فصرح عن سري … سوانح نمت عن غرامي وما تدري أتتني بصفو الود منك [¬٢] صحيفة … تخبر عن ود وتنطق عن بر كأن نثير اللفظ في جنباتها … لقائط در أو جمان [¬٣] من التبر تضمنها [¬٤] من جوهر الشعر حكمة … بها سحرت من كان ينفث بالحر إذا نشدت يزهى بها كل سامع … ومنشدها يبدى صدودا من الكبر يطول لها لفظ البكي [¬٥] (٨٧) بلاغة … ويقصر بالراوي لها طائل العمر الا حبذا أرض يكون محمد … بها وبنفسي حيث كان أبو بكر فوالله لو أستطيع محض (٨٨) مودة … لا حللته قلبي وأسكنته صدري (٨٩) وللؤلؤي [¬٦]﵀: اني وإن كنت القريض أقوله … يوما فليس على القريض معولى علمي الكتاب وسنة مأثورة … وتفنني في أضرب وتحولي فإذا ذكرت ذوى العلوم وجدتني … في السبق قدام الرعيل الأول أشفي العمى ببيان قول فاصل [¬٧] … يجلو ويكشف كل أمر مشكل والجمع يعلم أنني لما أقل … ان انصفوا في ذاك - ما لم أفعل [¬٨]

стр. 1778

واللؤلؤي كان المنوه [¬١] بابن زرب - أولا [¬٢]، والمسبب له المال - في حكاية طويلة في كتب تواريخ الأندلسيين، فعد [¬٣] في دهاة الفقهاء. وكان اللؤلؤي - آخر عمره [¬٤] لا يفتي بالتدمية، ولا يقول بها، لقصة غريبة جرت له مع بعض جيرانه بالبادية، وذلك [¬٥] أن جارا له ذا دهاء [¬٦]، كان له حقل أرض مداخل لحقل اللؤلؤي، يكرم عليه، ويود لو جمعه لحقله، فلا يزال اللؤلؤي يسأل صاحبه أن يبيعه منه [¬٧]، أو يعاوضه به بكل حيلة، فلا يجيبه، إلى أن اعتل صاحب الحقل، فعاده اللؤلؤي، فأظهر الرجل من السرور بعيادته، والشكر له ما أطمعه في قضاء حاجته، فكلمه في ذلك، ورغب إليه في تصييره له، فأظهر له الاسعاف بذلك، وقال له: أحضر من شئت من الفقهاء أشهدهم على بيعي منك إياه، إلى أن استبل [¬٨] (٩٠) (فتبلغ ما تحبه، فسر بذلك) [¬٩]، فقال له فاجيء بما يحضرني من الثمن، فقال الرجل: سبحان الله يا فقيه؟ على مثلها من الحال أقبض مالا؟ لو كان عندي مال لأودعتكه، وكنت أصون له [¬١٠] من ذريتي. فسر بقوله، وطمع فيه، وانطلق فجاء بعدة من الفقهاء أصحابه، فأدخلهم عليه، فإذا به قد أظهر [¬١١] انهداد قوته، وضعف منطقه، فدنا الفقيه منه فقال: أبا فلان [¬١٢]، أشهد الفقهاء - حفظهم الله - على بيعك مني.

стр. 1779

قال [¬١]: أشهدكم أن الفقيه اللؤلؤي هذا قاتلي [¬٢]، قاصدا متعمدا لقتلي، وأنه المأخوذ بدمي، فإن حدث بي حادث الموت، أستقيد لي منه، فإن دمي [¬٣] في عنقه، وأنتم رهناء بالصدق عني. فدهش اللؤلؤي والقوم، وأقبل على الرجل يستثبته، ويذكر ما جرى بينهما. ويخوفه الله، وسلك أصحابه الفقهاء في ذلك سبيله، فلا يرجع عن ذلك ويقول: ما أشهدتكم إلا على ما كان إلي منه [¬٤]، ولقد تناولني بيده بعد لسانه، والله سائلكم - إن كتمتموها. فلما لم يجدوا فيه حيلة، خرجوا عنه، فسألهم اللؤلؤي أن يتوقفوا [¬٥] قليلا حتى يخلو به، ففعلوا، وانفرد به [¬٦]، فطفق يعذله ويقول له: إلى هنا انتهت [¬٧] بك الحال حتى تعصي الله في، وتدمي علي بغير الحق؟ فقال له: وهل قلت إلا ما فعلت؟ دخلت علي وأنا أحسبك عائدا مشفقا. فسررت بذلك، فإذا [¬٨] بك باغي فرصة، فلما مستني في سويداء قلبي، وأعدت علي من حديث هذا الحقل ما تعلم كرهي [¬٩] له، فزعتني [¬١٠] وأتيت علي، فخرجت إلى ما تراه، فهل أردت إلا قتلي؟ فاعتذر إليه [¬١١] اللؤلؤي وقال: أنا تائب [¬١٢] لله - تعالى - من ذلك، فاتق الله في، وراجع عقلك، فما أدري ما يؤول إليه حالك.

стр. 1780

وجد في الرغبة إليه في حل ما عقده من التدمية عليه، فبعد لأي ما، أجابه لذلك [¬١]، وقال [¬٢]: أما - وقد صرت إلى هذا - فاحلف لي بالأيمان، أنك لا تلتمس هذا الحقل في حياتي، ولا بعد مماتي، ولا تسعى في ملكه [¬٣] بوجه، وتحرمه على نفسك، وتدفعه عنك - ولو صار إليك بميراث، ولا تهم [¬٤] لي - مع ذلك بمساءة، ولا مقارضة على فعلى، ولا تحقد [¬٥] ذلك على ذريتي - بعدي. فحلف له على ذلك، وتوثق منه، وآذن للفقهاء (عند ذلك في الدخول) [¬٦]، فلما دخلوا، أشهدهم أنه قد [¬٧] عفا عنه لله - تعالى - وأسقط عنه تبعة دمه. فقال له اللؤلؤي: إنما أريد أن تكذب نفسك، وتعود إلى الحق. فقال له: هذا هو الحق، فإن أقنعك عفوي عنك، وإلا فأنا [¬٨] على ما عقدته عليك، وأما تكذيبي لنفسي، فما [¬٩] أقول به، إذ أنت قاتلي. فرضي منه [¬١٠] بذلك، وتوثق من الاشهاد عليه وصار حديثهما عجبا، واعتقد بعد [¬١١] أن لا يفتي بامضاء تدمية. وتوفى اللؤلؤي - سنة [¬١٢] خمسين وثلاثمائة، وقيل سنة إحدى وخمسين.

стр. 1781

محمد بن فضيل بن هذيل الحداد (٩١) أبو عبد الله، سمع من محمد بن عمر بن لبابة، وصحبه، وتفقه عنده وكان حافظا للمسائل والمذهب، متكلما [¬١] فيه عالما بالراي والشروط/ كثير الدراية [¬٢] والمناظرة. وكان يتجر في سوق الحديد، ويفتى أهل السوق بقرطبة. واستشهد قديما في غزوة الخندق سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. وقال ابن أبي دليم: فقد. محمد بن عبد الله بن عبد البر (٩٢) ابن عبد الأعلى، بن سالم، بن غيلان، بن أبي مرزوق [¬٣] التجيبي، المعروف بالكشكيناني [¬٤] (٩٣)، أبو عبد الله، قرطبي. سمع من محمد بن لبابة، وأسلم بن عبد العزيز، وأحمد بن خالد وكتب لأسلم - أيام قضائه.

стр. 1782

وله رحلة لقي فيها محمد بن النفاخ [¬١]، وأبا مسلم بن أحمد بن صالح، ومحمد ابن زيان، وجماعة. وكانت له بالأندلس وجاهة عند الخاصة والعامة - في العلم والزهد، وسمع الناس منه كثيرا، وشوور في الأحكام. وكانت له منزلة من الحكم المستنصر، ومحل لطيف، ولقد عتب الحكم عليه [¬٢] في شيء فأقسم أن لا يطأ عتبة مجلسه سنة، ثم لم يتصبر عنه، فجعل يستحضره، وينصب له كرسيا خارج المجلس يجلس عليه، إلى أن كملت السنة، وعاد لعادته. ويقال إنه لما حج، دعا في محراب زكرياء في البيت المقدس لله - تعالى - أن يهب له حظوة من سلطانه، وظهرت استجابته. حدث عنه محمد بن أحمد بن يحيى، وغيره. ورحل ثانية آخر عمره، وسمع [¬٣] ابن الأعرابي. وحج ومات بطرابلس سنة إحدى وأربعين وثلثمائة - فيما ظنه ابن الفرضي (٩٤). وكان له ابن يسمى [¬٤] أحمد، ويكنى بأبي عثمان وسمع بقرطبة، ورحل فلقي ابن الأعرابي وسمع منه ومن سواه، وكتب عنه. توفى سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.

стр. 1783

أحمد بن دحيم (٩٥) ابن خليل، بن عبد الجبار، بن حرب [¬١]، بن أبي حرب، قرطبي، أبو عمر. سمع من عبيد الله، والاعناقي، وسعيد بن خمير [¬٢]، وطاهر بن عبد العزيز، وأبي صالح، وأحمد بن خالد، وابن لبابة، وغيرهم. ورحل سنة خمس عشرة (٩٦) فسمع بمكة من الديبلي [¬٣]، والعقيلي، وابن الأعرابي، وببغداد من إبراهيم بن حماد، والبغوي، وابن مخلد العطار، وابن صاعد، وبحران بن أبي عروبة، وعن جماعة من الآفاق [¬٤]، وسمع منه [¬٥] عبد الله بن الوليد المعيطى، وابن السليم القاضي وغيرهما. قال ابن الفرضي، وكان معتنيا [¬٦] بالآثار، جامعا للسنن، ثقة (٩٧). قال ابن حارث: كان من أهل الحفظ والرواية. والخير والصلاح، والورع مشهورا بالعلم، تقيا. قال في موضع آخر: كان من أهل العلم والفقه، حافظا لمذهب مالك. وسمع منه الحكم المستنصر جل ما عنده. قال ابن أبي دليم: وحمل بالعراق كتب القاضي إسماعيل [¬٧]، فزاد فقهه،

стр. 1784

وولي الشورى والصلاة [¬١]، ثم قضاء طليطلة، ثم قضاء البيرة وبجانة، فلم يزل قاضيا إلى أن توفي في طاعون سنة ثمان وثلاثين (٩٨). مولده سنة ثمان وسبعين ومائتين. أحمد بن محمد [¬٢] بن عبد البر (٩٩) ابن يحيى، أبو عبد الملك، قرطبي، من موالي بني أمية، صاحب تاريخ الفقهاء والقضاة. قال ابن عفيف: كان ممن طلب العلم كثيرا، وبحث عنه، وقيد آثار العلماء، ولا أعلم له رحلة، أخذ عن شيوخ الأندلس بقرطبة وغيرها، وعول على محمد بن لبابة، وقاسم بن محمد، وعبيد الله بن يحيى، ومالك بن علي، وأصبغ بن مالك، ومحمد بن أيمن، وقاسم بن أصبغ، وابن الزراد، وابن زياد، وأحمد بن خالد وصحبه، وروى عن غيرهم فاتسع في الرواية والدراية، وكان بصيرا بالحديث، حافظا للرأي، عالي الرواية. وسمع [¬٣] أبو عبد الملك أيضا من أسلم القاضي، وابن أبي تمام، وألف في فقهاء قرطبة تاريخا مشهورا. قال ابن الفرضي: كان بصيرا [¬٤] بالحديث، فقيها نبيلا، متصرفا في فنون العلم، وغلب عليه الحديث.

стр. 1785

قال ابن عفيف، وكانت له شارة حسنة، وسمت نبيل، وتكلم فيه الحسن بن مفرج، فاستدل على ما ذكره بكثرة تتبعه لمثالب الأئمة في كتابه. ذكر محنته (١٠٠) كان أبو عبد الملك هذا منقطعا إلى المؤيد عبد الله بن أمير المومنين الناصر لدين الله، لا يكاد يفارقه، وله ألف تاريخ الفقهاء والقضاة [¬١]، فلما سعى إلى الناصر بابنه عبد الله وانه يريد [¬٢] القيام عليه في وقت قد اقترب، وحقق ذلك عنده، أرسل في الليل من قبض على [¬٣] ولده فألفى عنده تلك الليلة هذا الفقيه بائتا، فشملته المحنة. وقال الناصر، أنا أعلم أنه الذي زين لهذا العاق ذلك، ليكون قاضي الجماعة. ويأبى الله ذلك. فسجنه، وعزم على أن يعاقبه يوم عيد الأضحى، الذي قرر عنده أن التدبير كان فيه عليه، فأصبح ابن عبد البر في ذلك اليوم ميتا في السجن، فأسلم إلى أهله، وذلك سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، ومات في ذلك اليوم محمد بن عبد الله ابن أبي دليم، فقدما جميعا فصلى [¬٤] عليهما ابن أبي عيسى، وعاتبه الناصر لصلاته عليه، فاعتذر له أنه لم يعرف ما كان [¬٥]، وانما صلى على ابن ابى دليم، وضمت اليه جنازة أخرى لا أدريها.

стр. 1786

اسماعيل بن عمر بن ناصح المخزومي (١٠١) مولاهم، قرطبي، أبو القاسم. قال ابن الفرضى وغيره: كان فقيها في المسائل على مذهب مالك وأصحابه، حافظا للشروط، (١٠٢) يقظا (١٠٣). صحب محمد بن عمر بن لبابة، وأبا صالح، والقاضي أسلم، ونظراءهم من أهل العلم، ورحل حاجا، وشوور في الأحكام. وكان مشاركا في علم الاعراب ورواية الشعر وقرضه، وتوفى سنة ثمان وثلاثين (١٠٤). عبد الله بن محمد بن يوسف (١٠٥) الازدى (١٠٦) المعروف بالقرى [¬١]، أبو محمد، قرطبى. سمع الاعناقي، وابن خمير، وسعد بن معاذ، وعبيد الله، وأحمد بن خالد وغيرهم، وكان رجلا فاضلا. عابدا زاهدا، منقبضا، معتنيا بالحديث مع تفقهه ودراسته [¬٢]، وغلب عليه الزهد والانقطاع. سمع منه خالد بن سعيد، وأبو محمد الباجي، وابن عبد البر، ووثقه الباجي. قال ابن الفرضى [¬٣]: توفى ﵀ بعد غزاة وخشمة (١٠٧). قال ابن ابى دليم: توفى سنة سبع وعشرين.

стр. 1787

أحمد بن يحيى بن زكريا: (١٠٨) يعرف بابن الشامة، أبو عمر، من [¬١] بيت نبيه بقرطبة. سمع من ابن وضاح صغيرا، ولم يحدث عنه، وسمع من عبيد الله، وأبي صالح، وابن لبابة، والأعناقى، وأحمد بن خالد، وأخيه، وغيرهم. وكان حافظا زاهدا منقطعا ناسكا متبتلا، وحدث، وله حظ من الفقه توفى نصف شعبان، سنة ثلاث وأربعين (١٠٩). وابنه عبد الله، حدث، ولم يكن عنده علم. أحمد بن محمد [¬٢] بن مسرور (١١٠) أبو القاسم، تقدم نسبه عند ذكر أبيه، قرطبي. سمع صغيرا من أبيه، ومن ابن وضاح، وسمع [¬٣] من أبي صالح، ومحمد بن عمر بن لبابة، وعني بالرأي، وشوور، وكان ذا سمت وهدي، ونالته زمانة وانقبض. وكان أحمد بن مطرف وخالد بن سعيد يثنيان عليه. قال ابن صالح: كان شيخا صالحا، وسمع من ابن وضاح صغيرا، وحدث، وسمع منه أبو عثمان سعيد بن أحمد، وقال: حضنى على السماع منه أحمد بن مطرف. وتوفى سنة خمس وأربعين، وقيل أربع وأربعين [¬٤] (١١١)

стр. 1788

وكان [¬١] له ابنان: محمد: قال في كتاب ابن مفرج القيسى: كان ذا علم ورواية، روى عن أبيه وأخيه، ورحل وتوفي سنة سبعين [¬٢] وثلاثمائة. والآخر، مسرور [¬٣] بن أحمد، أبو تمام [¬٤]: سمع من جده، وابن خالد، وغيرهما. ورحل فسمع من ابن الأعرابي وغيره، حدث [¬٥] عنه أخوه محمد، وقد [¬٦] تقدمت وفاته. أحمد بن يوسف الطبلاطي (١١٢) قرطبي، أبو القاسم. سمع من عبيد الله، وابن لبابة، وأبي صالح، وكان حافظا [للمذهب، معتنيا به، متفننا، صاحب وثائق، توفي في غزاة [¬٧] سبع وعشرين، بدار الحرب] [¬٨]. [أحمد بن محمد بن عبد الملك بن أيمن (١١٣) قرطبي، يكنى أبا بكر. سمع من أبيه، وأحمد بن خالد، وابن لبابة، وابن أبي تمام، وقاسم بن أصبغ، وغيرهم، وكان فقيها، حافظا] [¬٩] للرأي، بصيرا بالأحكام، مشاورا فيها، مع بصر بالإعراب، وحفظ للغة، وذكاء [¬١٠]. وكان شاعرا متقدما، وأديبا ظريفا. توفى آخر ذي القعدة سنة سبع وأربعين (١١٤).

стр. 1789

فرج بن سلمة بن زهير (١١٥) ابن مالك بن سرحان بن زهير بن مالك بن أبى الأملح البلوي، قرطبي المولد، وأصله [¬١] من باجة، وانتقل إلى فحص البلوط، وكنيته أبو سعيد. سمع من ابن لبابة وجالسه، وتفقه منه، وسمع من القاضي أسلم، وأحمد بن خالد، ومحمد بن أيمن، وأبان بن محمد، وأحمد بن بقي، وابن أبي تمام، وابن وليد، وقاسم بن أصبغ، وغيرهم. ورحل فسمع بالقيروان من ابن اللباد، وغيره. وكان حافظا للرأي على مذهب مالك، غلب عليه التفقه والمناظرة، وكان عاقدا للشروط، مشاورا في الأحكام، واستقضي بوادى الحجارة وولي صلاتها، ثم قضاء رية، وله في الوثائق تأليف حسن. توفى سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. مولده سنة ثمان وثمانين (١١٦). إسحاق بن إبراهيم بن مسرة (١١٧) أبو إبراهيم، التجيبي مولاهم. قال الرازي في كتاب أعيان الموالي بالأندلس [¬٢]: إنه مولى بني هلال، التجيبي، من من أهل طليطلة.

стр. 1790

قال ابن عفيف، كان طليطلي الأصل، وسكن قرطبة لطلب العلم، ثم استوطنها، وكان أولا يتجر في سوق الكتان [¬١] في دكان له. سمع ببلده من وسيم، وعثمان بن يونس، ووهب بن عيسى، وابن أبي تمام [¬٢]. وبقرطبة من ابن أبي الوليد [¬٣]، وابن لبابة، واسلم وابن خالد، وابن أيمن، ومحمد بن قاسم، وقاسم بن أصبغ، وغيرهم. وكان أكثر أخذه عن ابن لبابة، وابن خالد، وبهما تفقه. ذكر فضائله وعلمه قال الرازي وغيره: كان خيرا فاضلا، دينا ورعا، مجتهدا عابدا. قال ابن عفيف: كان من أهل العلم، والفهم، والفضل، والدين المتين، والزهد، والتقشف، والبعد من السلطان، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقدم للشورى على يد القاضي ابن أبي عيسى، دل عليه ولي العهد الحكم - في عدة ارتيدوا [¬٤] (١١٨) لها، فكملت عدتهم إذ ذاك ستة عشر مشاورا. قال القاضي أبو الوليد بن الفرضي: كان حافظا للفقه على مذهب مالك وأصحابه، متقدما فيه، صدرا في الفتيا، وكان يناظر عليه في الفقه، وقد حدث، وسمع منه جماعة، وكان وقورا مهيبا، ولم يكن له بالحديث كبير علم (١١٩). قال مؤرخ الطليطليين - وذكره -: كان أبو إبراهيم زاهدا، عابدا، عالما، لم يكن في عصره أكثر منه خيرا [¬٥]، ولا أكمل ورعا [¬٦]، من المشاهير في الجمع، والعلم،
следующие страницы →