بثمانَ عشرة، وشُعبة بسَبْع عشرة [¬١].
قال القاضي [¬٢] الإمام أبو الفَضل ﵁:
وأبو حنيفة بثلاثين سنة، وهَمّام [¬٣] (١) بأكثر من ذلك، وأغرب من هذا [¬٤] الزُّهريّ، توفى قبلَ مالكٍ بخمس وخمسين سنة.
قال أبو الحسَن الدَّارُقطني:
لا نعلم [¬٥] أحدًا تقدَّم أو تأخَّر اجتمَع له ما اجتمع لمالك، وذلك أنه روى عنه رجُلَان حديثًا واحدًا بينَ وفاتَيْهما [¬٦] نحوٌ من مئة وثلاثين سنةً: مُحمد بن شهاب الزُهري شيخه، تُوفى سنةَ خمسٍ وعشرين ومائة، وأبو حُذَافةَ السَّهْمي، توفى بعد الخمسين ومائتَين، رَويا عنه جميعًا حديث الفُرَيْعَة (٢) بِنتِ مالِك في سُكْنَى المعْتَدَّة (٣).
باب تحريه في العلم والفتيا والحديث وورعه فيه وإنصافه
قال عبد الرّحْمان العمَري: قال لي مَالك: رُبَّما وردَت عليّ المسألةُ تمنعني من الطَّعام والشَّراب والنَّوم، (*) فقلتُ له [¬٧]: يا أبا عَبد الله! والله [¬٨] ما كلامك عند الناس إلا نَقْش [¬٩] في حجر، ما تقولُ شيئًا إلا تلقَّوْهُ منك.
стр. 212
قال: فمَن أحقُّ أن يكون كذَا [¬١] إلا من كان هَكذا؟ فرأيتُ في النَّوم قائلًا يقول: مالكٌ مَعصومٌ.
قال ابن القَاسم:
سمعتُ مالكًا يقولُ: إني لأُفكّر في مسألةٍ منذُ بضعَ عَشْرَةَ سنَة، فما اتَّفَق لي فيها رأيٌ إلى الآن.
وقال ابن مَهدي:
سَمِعت مالكًا يقُول: رُبّما ورَدَت عليَّ المسألة فأَسهَرُ فيها عامَّةَ لَيْلَتي [¬٢].
قال ابن عَبد الحكم:
كان مَالِكٌ إذا سُئل عَنِ المسْألة قالَ للسائل: انصَرِف حتى أنظرَ فيها.
فينصَرِف ويتردد فيها، فقلْنا لَه في ذلك، فبكَى وقالَ: إني أَخَافُ أن يَكون لِي من المسَائل يومٌ وأَيُّ [¬٣] يوم.
[قال قراد [¬٤]:
كان مالكٌ إِذا جلَس يُنكّس رأَسَه، ويُحرّك شفتَيه بذكر الله، ولم يَلتَفت يمينًا ولا شمالا، فإذا سُئل عن مسألةٍ تغَيّر لونُه، وكانَ أحمَر، بصفْرةٍ [¬٥]، فيصفَرُّ وينكّس رأسَه ويُحرّكُ شفَتَيه ثم يقول: ما شاء اللهُ لا حولَ ولا قُوة إلا بالله، فربما سئل عن خمسِين مسألةً فلا يُجيب مِنها في وَاحِدَةٍ] [¬٦].
وقال بعضُهم:
لكأَنما مالكٌ، والله، إِذا سُئل عن مَسألةٍ واقفٌ بينَ الجَنَّة والنَّار.
стр. 213
وكان يَقول:
مَن أحبَّ أنْ يجيبَ عن مسألةٍ فلْيَعْرض نَفسَه قبلَ أن يجيبَ على الجَنَّة والنار، وكيفَ يكونُ خَلاصُه في الآخرة، ثم يجيب.
وقال:
ما شئٌ أشَدُّ عليَّ من أَن [¬١] أُسأَل عن مَسألةٍ من الحلال والحَرام؛ لأن هذا هو القَطْعُ في حكْمِ الله، ولَقد أَدْركتُ أَهلَ العِلم والفِقْهِ ببَلدِنا وإِنَّ أَحدَهم إِذا سُئِل عن مسألةٍ كأنَّ الموتَ أَشرَف عليه [¬٢]، ورأيتْ أهل زَماننا هذا يَشْتَهُون [¬٣] الكلامَ فيه، والفُتيا؛ ولو وقفوا على مَا يَصِيرون إليه غَدًا لقَلَّلوا من هذا، وإنّ عُمر بن الخطاب، وعَلِّيًا، وعَلْقَمة: خيارَ الصحابة، كانَت تَرِدُ [¬٤] عليهم المَسائل، وهُم خير القرون الذين بعث فيهم [¬٥] النَّبيُّ ﷺ وكانوا يَجْمَعون أصحابَ النبي ﷺ : ويسألون، ثم حِينئذ يُفْتون فيها، وأهلُ زَمانِنا هَذا قد صَار فَخْرهم الفتْيَا، فبِقَدر ذلك يُفْتَح لهم من العِلم، قَال: ولم يَكن من أَمْر النَّاسِ، ولا مَن [¬٦] مضَى مِن سَلَفِنا [¬٧] الذين يُقْتَدَى [¬٨] بهِم، ومُعَوَّلُ [¬٩] الإسلام عَليهم، أن يَقولُوا هذا حلال وهذا حَرام، ولكن يَقولُون [¬١٠]: أنا أكْرَه كذا، وأرى كذا [¬١١]، وأمَّا حَلال
стр. 214
وحرَام فَهَذَا الافْتَراءُ [¬١] عَلَى الله، أما سمعتُهم [¬٢] قَوْلَ الله تَعَالى: "قُلْ أَرَأَيْتُم مَا أَنزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وحلالًا (١)، الآية؛ لأن الحلالَ ما أَحلَّه الله ورَسُولُه، والحرامَ ما حَرَّماه.
قال مُوسَى بن دَاود:
ما رأيتُ أحدًا من العُلماء أكثَر أن يَقُول: لا أحسِن، مِن مالك، ورُبَّما سمِعتُه يَقُول: ليسَ هَذا ببلَدنا.
قال مَروان بن محمد:
كنتُ أرى مالكًا يَقول للرَّجل يَسأله: اذهَب حَتَّى أَنظُر في أمرك.
فقلتُ: إِن الفِقْه مِن بَالِه، وما رَفعَه الله إلا بالتَّقْوَى [¬٣].
قال سُحنون: قال مالِك يومًا: اليومَ لي عِشرون سَنَة أَتفكّر في هَذه المسْألة.
قال ابن مهدي (٢): سألَ رجُلٌ مالكًا عن مَسْألة، وذَكَر أَنَّه أرْسِل فيهَا مِن مَسيرة ستَّةِ أشهُرٍ من المغرب، فقال له: أخبر الذي أَرْسَلك أنه لا عِلْم لِي بهَا، قال: ومَن يَعلمُها؟ قال: مَن عَلَّمَه الله [¬٤].
وسَأله رجل عن مسألةٍ استَوْدَعه إياها أهلُ المغرب، فقال: ما أدري، ما ابتُلِينا بهذه المسألة في بَلَدنا، ولا سَمِعْنا أحدًا مِن أشياخنا تكَلَّم فيها، ولكِن تَعُود.
стр. 215
فلما كان من الغَدِ جاءه، وقد حَمَل ثِقَلَه على بَغْلةٍ يقُودها [¬١]، فقال: مَسْألتي؟
فقال: مَا أدرِي ما هِيَ؟
فقال الرجل: يَا أبا عبد الله! تركتُ خَلْفي من يقول: ليس على وجه الأرض أَعلمُ منك. فقال مالكً غيرَ مُسْتَوْحِش: إِذا رجعتَ فأَخبِرهم أني لا أُحْسِن.
وسأله آخَرُ فلم يُجِبْه، فقال له [¬٢]: يا أبا، فقال له: يا أبا عبد الله أَجنى!
فقال: وَيْحك! أَتريد أن تَجْعَلَنى حُجَّةً بينَك وبين الله؟ فأَحتاج أَنا أولًا أن أَنظر كيف خلاصي ثم أُخلّصك.
قال ابن أبي حازم (١): قال مَالك: إِذا سَأَلك إِنسانٌ عن مسألةٍ، فابدَأ بنَفْسِك فأحْرِزها [¬٣].
قال الهَيْثَم بن جَمِيل (٢): شَهِدت مالكًا سُئِل [¬٤] عن ثمانٍ وأربعين: مسألةً، فَقال في اثنَتيْن [¬٥] وثلاثين مِنها: لا أدرِي.
وقال خَالِد بن خِدَاش [¬٦] (٣): قدِمتُ من العِراق على مالك بأربعين مسأَلةً، فَما أجابَنى منها إِلا في خَمْسٍ.
стр. 216
وقال مالك (١): كان ابن [¬١] عَجْلان يَقُول: إذا أخطأ العالمُ (*) لا أدرِي أُصِيبَتْ مقاتلُه، وقد رُوِى هَذا الكلام عن ابن عَبّاسٍ، ﵄ (٢).
وقال مَالكٌ: سَمِعتُ ابنَ هُرمز (٣) يقول: ينبغي أن يُوَرِّثَ العالِمُ جُلَساءه قولَ لا أدرِي، [حَتَّى يَكون ذلك أَصلًا في أَيديهم يَفْزَعون إِليه: فإِذا سُئِل أَحَدُهم عَمَّا لا يَدرِي، قال: لا أدرِي] [¬٢].
قال ابن وهب:
كان مالكٌ يقول فِي أكثر ما يُسأل عنه: لا أَدري. قال عمَر بن يزيد [¬٣]: فقلْتُ لمالكٍ في ذلك، فقال: يَرْجع أهلُ الشّامِ إلى شَامِهم، وأهْلُ العِرَاقِ إِلى عِرَاقِهم، وأهلُ مِصْرَ إِلى مِصْرهِم، ثم لَعلى أرْجِع عَمَّا أفْتيتَهُم بهِ، قَال: فأخبرت بذلك اللَّيث، فبكى وقال: مَالِكٌ وَاللهِ أقْوَى من اللَّيث، أوْ نحوَ هَذا.
وقال مَعْن بنُ عيسَى:
سَمِعت مالكًا يقول: إِنّما أنا بَشَر أُخطِئ، وأُصِيب، فانْظُروا في رَأْيى؛ فكُلّ ما وَافَق الكِتاب والسُّنّة فخُذوا بِه، وكلُّ ما لَم يوافِق الكِتاب
стр. 217
والسنة فاتركوه.
قال ابن أبي أُوَيس: سئل مَالكٌ مَرةً عن نَيِّفٍ وعشْرين مَسْألة، فما أجاب منها إلّا في واحدة. وربما سُئلَ [¬١] عن مِائة مَسْألة، فيُجِيب منها في خَمْسٍ أو عَشْرٍ، ويَقُول في البَاقِي: لا أدْرِي.
قال أبو مُصْعَب:
قال لنا الْمُغِيرَةُ: تَعَالَوا نجتمعُ ونَسْتَذكرُ كلَّ ما بَقِي عَلَيْنَا مِمَّا نُريد أن نَسْأل عَنْهُ مالكًا، فمَكَثنا نجْمَعُ ذلك، وكتبناه في قُنْدَاق [¬٢] (١)، ووَجَّه به المُغيرةُ إليه، وسأله الجواب، فأجابه في بعضٍ [¬٣]، وكتَب في الكثيرِ منهُ: لا أدري.
فقال المغيرة: يا قوم! [¬٤] لا واللهِ، ما رفَع اللهُ هذا [¬٥] الرجلَ إِلّا بالتقْوَى، مَن كَان منكم يُسأل عن هَذا فيرْضَى أن يقُول: لا أدري؟
قال ابن وهب:
سألتُ مالكًا في ثلاثين ألف مسألة، نوازل في عُمرُه، فقال في ثُلثُها، أو في شَطْرها، أو ما شاء الله منها: لا أَحسِن ولا أَدرِي.
وقال: لو مَلأ رجلٌ صحيفتَه مِن قول مالكٍ: لا أَدرِي لفَعلَ قبلَ أن يُجيبَ في مسأَلة.
قال مُصعَب:
وجّهنى أبى بمسألةٍ، ومعى صَاحبُها، إلى مَالك، فقصَّها عليه فقال: ما
стр. 218
أحسن فيها جوابًا، اسألوا [¬١] أهل العلم
قال ابن أبي حَسّان: سُئلَ مالك عن اثنين وعشرين مسألة بحَضرَتي [¬٢] فَما أجاب إلا في اثَنَتين [¬٣]، بعد أن أكثر من قول [¬٤]: لا حول ولا قوة إلا بالله العلّى العظيم [¬٥].
وكان الرجل يسألُه عن المسألَة فيقول: العِلمُ أوسع من هذا.
وقال بعضهم له [¬٦]: إذا قلَت أنت يا أبا عبد الله: لا أدري، فمَن يدري؟ قال: ويحَك! ما عرفتني [¬٧]! ومن أنا؟ [¬٨] وأيُّ شيء مَنزلتي [¬٩] حتى أدرِيَ ما لا تدرون؟ ثم أخذ يحَتَجّ بحديث ابن عمَر، وقال: هذا ابن عُمَر يقول: لا أدري، فمن أنا؟ وإنما أهلَكَ الناسَ العُجب وطَلبُ الرياسَة، وهَذا يَضْمَحِلَّ عن قليل.
وقال مَرَّةً أُخْرَى: قد ابتُلي عمر بن الخَطّاب بهذه الأشياء فلم يُجِب فيها. وقال ابن الزُّبير: لا أدري، وابْنُ عُمَر: لا أَدْري.
وقال مصعب: سُئِل مالك عن مسألةٍ فقال: لا أدري، فقال له السائلُ إنها مسألة [¬١٠] خفيفة سهلة، وإنما أردت أن أعلم بها الأمير، وكان السائل ذا قدر، فغضب مالكٌ وقال: مسألة خفيفة سهلة؟! ليس في العلم شيءٌ خفيفٌ؛
стр. 219
أما سَمِعت قول الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾، (١)؟ فالعلم كلُّه ثَقيل [¬١]، وبخاصّةٍ ما يُسأل عنه يوم القيامة.
قال بعضُهم: ما سممت قطُّ أكثر قولًا من مالكٍ "لا حول ولا قوة إلا بالله"، ولو نشاء أن ننصرف بألواحِنا مملوءةً بقولِه: لا أدري "إن نظُنّ إلا ظنًّا ومَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ"، (٢)، الآية [¬٢] لَفَعَلْنا.
وقال له ابن القاسم (٣):
ليس بعد أهل المدينة أعلمُ بالبيوع من أهل مصر، فقال مالك: ومن أين علُموها؟ قال: منك، قال مالك: ما أعلمها [¬٣] أنا، فكيف يعلمونها بي؟
قال مُفَضّل بن فَضالة: ما يُعَدُّ مالك [¬٤] إلا مثل نَقّاد [¬٥] بيت المال.
وقال ابن أبي حاتم:
قات لابن معين: مالكٌ قلّ حديثُه، فقال، بكثرة [¬٦] تَميزه.
وسُئِل مالكٌ عن الأحاديث يُقَدَّم فيها ويُؤخَّر، والمعنَى [¬٧] واحِد، فقال: أما ما كان من لفظ النبي، ﷺ ، فلا ينبغي للمرء [¬٨] أن يقوله إلَّا كما جاءَ، وأما لفظُ غَيره، فإذا كان المعنى واحدًا فلا بأس به،
стр. 220
قيل له [¬١]: فحديث النبي ﷺ تزاد [¬٢] فيه الواو والألف، والمعنى واحد؟ قال: أرجو أن يكون خفيفا. وروى عنه ابن عُفَير [نحوه.
قال القطان: لما مات مالكٌ رحمه الله تعالى، خرجت كتبه، فأُصِيَب فيها] [¬٣] قُنْداق عن ابن عمر، ليس في "الموطاء" منه شيءٌ إلا حديثين.
قال ابن وهب:
قال مالك: سَمِعت من ابن شِهاب أحاديث كثيرةً ما حدّثت بها قطُّ، ولا أحدّثُ بها. قال الفَرويّ: فقُلت له: لِم؟ قال: ليسَ علَيها العمل.
قال عتيق بن يَعْقُوب.
قال لي مالك: أخذت من ابن شهاب عشرة [¬٤] قناديق، في بُطونها وظهورِها، إنّ مِنها أشياء ما حدَّثت بها منذُ أخذتُها بالمدينة.
وقال رَجُل لمالك:
إن الثّورِيّ حدثنا عنك في [¬٥] كذا، فقال: إني لأُحَدِّثُ [¬٦] في كذا وكذا وكذا حديثًا ما أظهَرتُها بالمدينة.
قال ابن مالك:
لما دفَنّا مالكًا دخل منزله، فأخرجنا كتُبه، فإذا هي سبعُ قناديِق من حديث ابن شِهاب، ظهورها وبطونها ملأي، وعندَه قناديق، أو صناديق، من حديث [¬٧] أهل المدينة، فجعل الناسُ يقرأون، ويدعون، ويقولون: رحمك الله
стр. 221
يا أبا عبد الله! لقد جالَسناك الدَّهر الطويل، فما رأيناكَ ذاكرت بشيءٍ مما قرأناه.
وفي رواية عن ابنه ضِدُّ هذا؛ وإنّا ما [¬١] وجدنا له إلّا كِتابا واحِدًا فيه لابن شهاب أحاديثُ قد خَطَّ على بعضها.
وعن إسحاق [¬٢] بن بابين [¬٣] (١): وجدنا في تَركة مالكٍ صندوقين مُقفَلين [¬٤] فيهما كتبٌ، فجعل أبي يقرؤها ويبكي، ويقول: رحمك الله، إن كنت تُريد بِعلمك إلّا [¬٥] وجه [¬٦] الله، لقد جالستُه [¬٧] الدهرَ الطويل، فما [¬٨] سَمِعتُه [¬٩] يُحِدّث بشيءٍ مما قرأت.
وذكر عَتيق بن يعقوب: أنّه دخل مَنزِلَ مالكٍ بعد موته مع ابنِه [¬١٠]، ففتح صناديق مملوءةً كُتُبا، فقرأَها، فذكر نحوَه، ثم فتح صندوقا آخر فأخرج منه اثنَي عشر ألفَ حديث للزُّهيري، وفتَح آخر فأخرَج منه سَبْعَ فَنَادِق ظُهورُها وبُطونها من حديث أهل المَدينة، فما رأيتُ فيها [¬١١] شيئًا مما ذاكَر بِه أصحابه في حياته.
قال أحمد بن صالح:
стр. 222
نظرتُ في أُصولِ مالك، فوجدتُها شبيهًا [¬١] باثنَيْ عشر ألف حديث قال بعضُهُم: وهو حديث أَهْلِ المدينة في ذلك الوقت، فلم يُحدِّث مالكٌ إلا بثُلُثها أو رُبِعها. قال [¬٢]: وأخرجَ إلى ابن أبي أويس سَماعُ مالكٍ من الزُّهرى، فإذا نحو ثلاثِمائة [¬٣] وخَمسين حَديثا، وأخرج إليّ كتب مالك في قَراطيس غيرِ كِتاب ابن شهاب، فقدَّرتُ ذلك بنحو من عشرة آلاف حديث.
قال الشافعي:
قيل لمالك: عند ابن عُيينة أحاديث ليست عندك؟ فقال: إذا [¬٤] أحدّث الناسَ بكل ما سمعتُ إنى إذن أَحْمَق [¬٥]. وفي رواية: إني أريد أن أضِلَّهم إذن، ولقد خَرَجَتْ مني أحاديث لوددت أني ضُربت بكُل حديثٍ منها سوطًا ولم أحدِّث بها، وإن كنتُ أفزع الناس من السِّياط، وفي روايةٍ أخرى قال: ودِدت أني ضُربت بكل مسألةٍ تكلمت فيها سَوطا.
قال الدَّراورديّ [¬٦]:
قلت له [¬٧] حَدّثَني بحديث المِلْطَاء [¬٨] (١) قال: لا، قلت له: إن سُفيان
стр. 223
يرويه عنك. قال: صَدق، ولو كنت حدَّثت أحدًا لحدثتك به [¬١]، إن العَمل ببِلَدنا [ليس عليه، وليس صَاحبُه بذَاك] [¬٢].
وكان إذا قيل له:
ليس هذا الحديثُ عند غيرك تركَه، وإن قِيل له: هذا مما يحتجّ به أهلُ البِدَع تركه.
وقيل له: إن فُلانًا يحدّثنا بغَرائب، فقال: من الغَريب نَفِرّ [¬٣].
قال أبو مُصعَب:
قيل لمالك: لم لا تُحدِّث عن أهل العِراق؟ قال: لأنّي رأيتُهم إذا جاءُونا يأخذون الحديثَ عن غير ثِقة، فقُلت: إنهم كذلك في بلادهم.
وقال: عندي أحاديثُ لو ضُرب رأسى بالسَّوط ما أخرَجتها أبدًا.
قال ابن عيينة:
كان مالكٌ لا يُبَلّغ من الحَديث إلا صحيحًا، ولا يُحدث إلا عن ثِقة.
قال الشافعي:
كان مالك إذا شَكَّ في (*) الحديث طرحه كلَّه.
قال مَعن:
سمعت مالكًا يقول: إنما أنا بَشرٌ أخطِيء وأُصيب، [فانظروا رأيي. فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكلُّ ما لم يوافق الكتاب والسنة] [¬٤] فاتركوه.
стр. 224
[وقال في سماع ابن القاسم وابن وهب وأشهَب، والمعنى مُتَقارب: ليسَ كُلٌّ ما قال الرجلُ، وإن كان فاضلًا، يُتّبع ويُجعَل سنّة، ويُذهب به إلى الأمصار؛ قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (١)﴾، الآية.
وقال أشهب: سُئل مالِك عن مسألةٍ فأجاب فيها، ثم قال مكانه: لا أدري، إن نظن إلّا ظنًّا [¬١]، إنما هو الرأيُ، وأنا أخطئُ، وأرجِع] [¬٢]، وكلُّ ما أقول يُكتَب.
قال أشهب:
ورآني أكتُب جوابَه في مسألةٍ فقال: لا تكتبها، فإنّي لا أدري أأثُبتُ عليها أم لا؟
قال ابن وهب:
وسمعتُه يقول فيما يسأل عنه من أمر القضاء: هذا من مَتاع السلطان، وسمعتُه يَعيبُ كثرة الجَواب من العالمِ حتّى يُسأَل، يعنى الرَّجُل الذي يَجْلِس لهذا [¬٣]، وإنما يصنعه مُعَلَّم الكتاب، وكان الرَّجلُ يَجلس، فإذا سُئل العالِم عن شَيْءٍ سَمعِه.
وسمعتُه عندَ ما يُكثَر عليه بالسُّؤال يَكُفُّ ويَقُول: حَسْبكُم! من أكثر أخطأ، وكان يعيب كثرة ذلك ويقول: يتكَلَّم كأنّه جَمل مُغْتَلِم يقول: هو كذا، هو كذا، يَهْدِر في كلِّ شيء.
стр. 225
وسأله رَجُلٌ عِراقِيٌّ عَن رَجُل وطيء دجاجة ميّتةً فأخرجت منها بيضة، فأُفْقِسَت البَيضة عنده عن فرخ، أيَأكلُه؟ فقال مالك: سَل عما يكون، ودع ما لا يكون.
وسَأله آخر عن نحو هذا فلم يُجبه، فقال له: لم لا تُجِبيني يا أبا عبد الله؟ فقال له: لو سَألَت عَما تَنتَفع به لأجبتُك.
قال ابن المعذَّل:
قبل لمالِك: إن قُريشًا تقولُ إنك لا تَذكر في مجلسك آباءها وفضائلها.
فقال مالِكٌ: إنما نَتكلم فيما نَرْجُو بركتَه.
قال ابن القاسم:
كان مالكٌ لا يَكاد يُجيب، وكان أصحابُه يحتالون أن يجيءَ رجلٌ بالمسألة التي يُحبُّون [¬١] أن يعلَموها كأنها مسألةُ بلوى، فيُجب فيها.
وقال مالك لابن وهب:
اتَّق هذا الإكثار [¬٢]، وهذا السَّماع الذي لا يسَتقيم أن يُحدَّثَ به، فقال له: إنما أسمعُه لأعرِفه، لا لأحَدّث به فقال له: ما سمع إنسانٌ شيئًا إلّا تحدَّث به، وعَلى ذلك القدر [¬٣] سمعتُ من ابن شهاب أشياءَ ما تحدثت بها، وأرجو أن لا أفعل ما عِشتُ.
وروى البياضى عنه أنه قال:
لقد نَدِمتُ أن لا أكون طرحتُ أكثر مما طرحتُ من الحديث.
стр. 226
وقال له القاسم [¬١] بن مَبرور [¬٢] (١): أرأيتَ يا أبا عبد الله أحاديث تُّحدِّث بها [¬٣]، عنك [¬٤]، ليس عليها رأيك، لأي شيء أقررتها؟ فقال: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما فعلت، ولكنها انتشرت عند الناس، فإن سألني عنها أحدٌ ولم أحدّثه [¬٥] بها، وهى عندَ غَيره اتَّخَذنى غَرَضًا [¬٦].
قال بِشر بن عمر: سألتُ مالكًا مرةّ عن رجل فقال: لو كان ثِقةً لرأيتَه في كتُبي (٢).
وسأله رجلٌ عن مَسألةٍ أَعْيَا أهل المدينة الجوابُ فيها، فَرَدّه ثم عاد، فرده ثلاثًا، فكأَنه تَهَاوَن بعلم مالكٍ، فأتاه آتٍ في نومه يقول له: أنت المتهاون بعلم مالك؟ ائته فاسْأَله، فلو كانت مسألتك أدَقّ من الشَّعر، وأصلَب من الصَّخر، لوُفِّق فيها باستعانته "بما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
قال أشهب:
رأيتُ في النَّوم قائلًا يقول: لقد لَزِم مالك كلمةً عند فَتواه لو ورَدت عليه الجبال لقَلَعَتها [¬٧]، وذلك قوله: "مَا شَاءَ الله لا قوة إلا بالله". (٣)
стр. 227
قال القَعْنَبِيّ:
دخلتُ على مالكٍ فوجدتُه باكيًا، فسألته عن ذلك فقال: ومن أحقُّ بالبكَاء منّى، لا أتكلَّم بكَلِمةٍ إلا كُتِبت بالأقلام، وحُملت إلى الآفاق.
وقال: وما تَكلمتُ برأيي إلا في ثلاث مَسَائل.
* * *
تم الجزء الأول من كتاب "ترتيب المدارك وتقريب المسالك"
والحمد لله على ذلك
стр. 228
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
وبعد، فبأمر من حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم أمير المؤمنين الحسن الثاني نصره الله، تقدم وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى المطبعة الجزء الثاني من كتاب "ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" لمفخرة المغرب واحد رجال تاريخه العلماء الاعلام، القاضي عياض السبتي، دفين مراكش، والمتوفى سنة ٥٤٤ هجرية، ﵀ رحمة واسعة، وجازاه أحسن الجزاء عن هذ االعمل الضخم الجليل، الذي نرجو - قد توجهت همة جلالة الملك الحسن الثاني إلى إخراجه كاملا إن شاء الله - أن يجعل الله ﵎ ذلك سبيلا إلى تعميم الانتفاع به، وتيسير الاطلاع عليه والاستفادة منه، أنه سميع مجيب الدعوات.
***
وكانت وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، قد طبعت في السنة الماضية الجزء الأول من هذا الكتاب بعد أن عارضه بأصوله وعلق حواشيه وقدم له الأستاذ السيد محمد بن تاويت الطنجي.
ثم عهد إلي بإخراج الجزء الثاني وإعداده للطبع، على أن تليه بقية الأجزاء الأخرى إن شاء الله.
وها قد تم إعداد الجزء الثاني بعون الله ﵎ وحسن توفيقه.
فما هي الأصول التي اعتمدنا عليها في إخراج هذا الجزء؟
وما هو المنهج الذي اتبعناه في تحقيقه ومعارضته بأصوله وتعليق حواشيه؟
***
أما الأصول التي اعتمدنا عليها فأربعة:
أولها: النسخة الخطية المحفوظة بالخزانة الملكية العامرة تحت رقم ٣٣٥، وهي نسخة جيدة كما سبق أن وصفها الأستاذ محمد بن تاويت الطنجي في المقدمة
стр. 229
التي صدر بها الجزء الأول من هذا الكتاب، ونشير إلى إلى هذه النسخة في الهوامش بحرف: أ.
ثانيها: النسخة المصورة المحفوظة بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم ٢٦٣٣ د ونشير إليها في الهوامش بحرف: ك.
ثالثها، النسخة المصورة المحفوظة بالخزانة العامة بالرباط، تحت رقم ٢٦٣٥ د ونشير إليها في الهوامش بحرف: ط.
رابعها: النسخة المصورة المحفوظة بالخزانة العامة بالرباط تحت ٣٤٠٢ د ونشير إليها في الهوامش بحرف: م.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه النسخة الأخيرة، لم يتأت للخزانة العامة تصويرها عن نسخة بإحدى خزائن مدريد إلا في الآونة الأخيرة، وهي تقع في سبعة أجزاء، مجموعة في ستة مجلدات متوسطة الحجم، إذ أن الجزأين الأول والثاني منها يضمهما مجلد واحد، مع النص في آخر كل جزء على نهايته، وعلى الجزء الذي يليه إلى أن تتم الأجزاء سبعة كاملة.
***
والواقع أننا استفدنا استفادة كبيرة من نسخة أخرى خطية محفوظة بالخزانة الملكية العامرة تحت رقم ٣٢٤٣ ولكننا لم نشر إليها في الهوامش، لأننا اعتبرناها مع النسخة الخطية الأخرى المحفوظة بالخزانة الملكية العامرة تحت رقم ٣٣٥ والتي أشرنا إليها آنها، وذكرنا أننا نشير إليها في الهوامش بحرف أ، اعتبرناهما معا بمثابة نسخة واحدة، فهما فيما - يتعلق بالنص - صورتان طبق الأصل من بعضهما، لا تختلفان في أي شيء شيء، سواء كان إشارة في الهامش، أو بياضا أو غير ذلك، حتى الكلمة الغير المنقوطة، أو المشار الي أنها مشكوك فيها من طرف الناسخ، نجدها فيهما معا بنفس الشكل والصورة، مما يتأكد معه أن واحدة منهما منقولة عن الأخرى، أو أنهما معا منقولة منقولتان عن نسخة واحدة.
ونذكر بهذا الصدد أن نسخة الخزانة الملكية العامرة رقم ٣٢٤٣ التي لم نشر إليها في الهوامش، تحمل تاريخ الفراغ من نسخها الذي هو ٢٧ صفر سنة ١٢٤٧ هجرية، واسم ناسخها الذي هو أحمد بن محمد الرفاعي الحسني الرباطي رحمة الله عليه، وهي مكتوبة على ورق جيد، وبخط مغربي جميل، ومداد ملون، ثم أنها مصونة، لم يتطرق إليها البلى، ولم تعث فيها الأرضة.
***
لقد ذكرنا فيما سبق أن نسخة الخزانة العامة المصورة عن نسخة مدريد تقع في سبعة أجزاء، مع النص في آخر كل جزء على نهايته وعلى الجزء الذي يليه إلى أن تتم الأجزاء سبعة كاملة، وتتميما للفائدة نسجل فيما يلى بداية ونهاية كل جزء من أجزاء الكتاب حسب التقس الوارد في هذه النسخة:
стр. 230
(١) يبدأ الجزء الأول بخطبة الكتاب، وينتهي بباب في إجماع الناس عليه "على الإمام مالك" واقتداء الأكابر به … الخ.
(٢) ويبدأ الجزء الثاني بباب صفة مجلس مالك للعلم .. وينتهي بذكر أسماء من حملوا الفقه والأثر عن الإمام مالك، مرتبة على حروف المعجم.
(٣) ويبدأ الجزء الثالث ببداية الطبقات، وينتهي بترجمة يحيى بن يحيى الليثي.
(٤) ويبدأ الجزء الرابع بالطبقة الذين انتهى إليهم فقه مالك، والتزموا مذهبه ممن لم يره ولم يسمع منه، وينتهي عند ترجمة ابن طالب القاضي: عبد الله بن طالب بن سفيان بن سالم بن عقال بن خفاجة التميمي، أبي العباس القيرواني.
(٥) ويبدأ الجزء الخامس بترجمة عيسى بن مسكين بن جريح بن محمد الإفريقي، وينتهي بترجمة أبي عبد الله الفهري التطيلي.
(٦) ويبدأ الجزء السادس بترجمة أبي مروان عبد الملك بن محمد بن عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحمن المدني، المعروف بالمرواني، وينتهي بترجمة محمد بن عيسى بن عيسى بن أبي سعد بن سيد الدار بن يوسف التميمي.
(٧) ويبدأ الجزء السابع بترجمة أبي القاسم سليمان بن علي بن سليمان الجباني الحجازي، وينتهي بترجمة أبي عبد الله فتوح بن موسى بن عبد الواحد البنتي. وتلك هي نهاية الكتاب.
***
أما المنهج الذي اتبعناه في تحقيق هذا الجزء الثاني من كتاب "ترتيب المدارك" ومعارضته بأصوله وتعليق حواشيه، فذلك ما نشرحه فيما يلي:
بدأنا من ذلك بالحصول على نسخة كاملة لهذا الجزء وطبق الأصل، من النسخة الخطية المحفوظة بالخزانة الملكية العامرة تحت رقم ٣٣٥ وهي التي نشير إليها في الهوامش بحرف "أ" كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
وقد اعتبرنا هذه النسخة أصلا أوليا، لذلك التزمنا الإشارة إلى أرقام صفحاتها، فالأرقام التي يجدها القارئ بين قوسين عن يمين المتن، يشير كل منها إلى بداية الصفحة التي تحمل نفس الرقم في هذه النسخة، حتى يسهل الرجوع إليها على من أراد ذلك.
ثم عمدنا إلى معارضة هذه النسخة التي حصلنا عليها بنسخ الخزانة العامة الثلاث التي سبقت الإشارة إليها.
وكانت الغاية من هذه المقابلة - كما هو الشأن دائما في تحقيق النصوص - معرفة الزيادة أو النقص الذي يمكن أن يكون في نسخة بالنسبة للنسخ الأخرى، ومعرفة مواطن الخلاف بين النسخ، والاجتهاد للخروج بنص أقرب ما يمكن أن يكون إلى الكمال، أي أقرب ما يمكن أن يكون إلى لفظ المؤلف نفسه، حسبما توحي به الملابسات، وما يوحي به المقام، في كل موطن من مواطن الخلاف بين النسخ.
стр. 231
ولحسن الحظ، فإن النسخ التي بين أيدينا لا تزيد عن بعضها أو تنقص إلا في مواطن قليلة جدا، نذكر منها سقوط نحو مائة سطر من نسخة ك، وذلك من قول المؤلف: "قال نعم، قال أن أبا عبد الله يقول … " إلى قوله: "فقام الرشيد وقمنا معه" وذلك من باب "أخبار مالك ﵀ مع العلماء ومناظرته معهم" وقد نبهنا على ذلك في الهامش بطبيعة الحال، وذكرنا أننا مضطرون من أجل ذلك إلى الاقتصار على النسخ الأخرى في مقابلة نحو المائة سطر هذه الساقطة من نسخة ك.
وفيما عدا ذلك، فإن اختلاف النسخ عن بعضها من حيث الزيادة أو النقص، لا يتعدى في الغالب كلمة واحدة أو كلمتين، أو عددا قليلا من الاعلام في الثبت الذي سطره القاضي عياض ﵀ في نهاية هذا الجزء، والذي أتى فيه بأسماء الرواة عن مالك للفقه والأثر، وتاريخ وفاة البعض منهم، تاركا الترجمة للفقهاء منهم إلى الأجزاء الأخرى من الكتاب.
وبما أننا اعتبرنا نسخة الخزانة الملكية التي ترمز إليها بحرف "أ" اصلا أوليا، فإننا درجنا على أن نثبت بين خطين مائلين وفى صلب المتن نفسه، كل زيادة في النسخ الأخرى بالنسبة لهذه النسخة، مع الإشارة إلى ذلك في الهامش، أما ما كان ثابتا في هذه النسخة وساقطا من غيرها، فإننا نتركه على حاله، ونشير إليه في الهامش بين خطين مائلين، وكل ذلك لا يتعدى كلمة هنا وكلمة هناك، إلا ما كان من نحو المائة سطر السالفة الذكر، وإلا ما كان من بعض الأعلام في القائمة الطويلة التي ختم بها القاضي عياض ﵀ هذا الجزء، ذاكرا فيها أسماء الرواة عن مالك للفقه والأثر.
ولزيادة الإيضاح نقول: أن كل ما يجده القارئ بين خطين مائلين في صلب المتن، فإنه ساقط من نسخة (أ) ثابت في غيرها، وما يجده بين خطين مائلين في الهامش، فهو ثابت فيها ساقط من غيرها، وكل ذلك تتكفل الهوامش بتوضيحه في أماكنه.
***
هذا، ومن المعهود دائما في التحقيق، أن يجد المحقق نفسه أمام اختلافات في المتن نفسه، قد نقل وقد تكثر، بين الأصول الخطية التي يرجع إليها.
والمنهجية تقتضيه أن يقف عند كل موطن من هذا القبيل، ليجتهد ما وسعه الاجتهاد في ترجيح إحدى الروايات وإثباتها في صلب المتن، مع الإشارة الي الروايات الأخرى في الهامش، إلا أن من المحققين من يلتزم ذلك التزاما متزمتا إلى حد كبير، فيثقل هوامشه نتيجة لذلك بكثير من التعليقات التي لا غنى فيها ولا فائدة منها.
وقد عمدنا بخصوص هذه النقطة إلى أسلوب وسط، وهو ألا نشير في الهوامش إلى الاختلاف بين النسخ التي رجعنا إليها، وهو لا يتعدى في الغالب لفظة واحدة أو لفظتين، إلا عندما يكون هنالك ما يدعو إلى ذلك، كان يكون الاختلاف في رسم علم من الأعلام، أو عندما يكون للاختلاف تأثير في المعنى من قريب أو من بعيد، ولا حاجة بنا هنا لضرب الأمثلة على ذلك، فإنها مبسوطة في الكتاب، ويوسع القارئ أن يطلع عليها إذا شاء.
стр. 232
وهو اجتهاد قد لا يرضي بعض المنهجيين المتشددين، ولكنه من غير شك ييسر القراءة، ويسهل الاطلاع، ويمهد سبيل الاستفادة، وتلك غاية ينبغي أن توضع في درجة مهمة من الاعتبار.
***
على أن الهوامش تشتمل على أشياء أخرى غير ذلك:
فقد التزمنا أمام الآيات القرآنية الكريمة، الواردة في هذا الجزء أن نشير إلى أماكنها من المصحف الكريم، بذكر اسم السورة ورقم الآية.
والتزمنا أيضا شرح بعض الكلمات التي بدا لنا أنها في حاجة إلى شرح، ككلمة (الساجة) التي هي ضرب من الملاحف، أو الطيلسان الواسع المدور، وككلمة "احتوشناه" بمعنى أحطنا به، وككلمة "الحجلة" بمعنى الستر الذي يضرب العروس في جوف البيت، وهكذا وهكذا.
***
وقد دأب بعض المحققين على أن يقفوا عند الأعلام التي ترد في صلب المتن الذي يتولون تحقيقه، فيشيرون إليها في الهوامش، ذاكرين طرفا من ترجمتها، أو مقتصرين على ذكر مصادر هذه الترجمة.
وليس ذلك من اللازم الحتمي في التحقيق، ولكنه من الكماليات التي تضفي أهمية على عمل المحقق، كما أنها قد تكون نافعة بالنسبة للقراء المتخصصين، أو الراغبين في التوسع.
والواقع أننا وجدنا أنفسنا في هذا الجزء من كتاب "ترتيب المدارك" أمام عدد هائل من الأعلام، قد يصل إلى نحو الألفي علم أن لم يتجاوزها.
فقد ذكر القاضي عياض ﵀ في هذا الجزء نحو ألف ومائة وسبعة وعشرين رجلا من الذين رووا الفقه والأثر عن مالك ﵁.
وذكر نحو المائة رجل ممن اعتنوا بالكلام على رجال الموطأ وحديثه والتصنيف في ذلك.
وذكر أزيد من ستين رجلا ممن رووا الموطأ للامام مالك.
يضاف إلى كل هؤلاء رواة أخبار مالك واقواله، وهم كثيرون جدا، وقد مر ذكر أكثرهم في الجزء الأول.
ويضاف إليهم الذين قالوا شعرا في الإمام مالك في حياته أو بعد مماته.
ويضاف إليهم الذين قالوا شعرا في الموطأ.
ويضاف إليهم العلماء الذين خالفوا مالكا أو ناظروه أو ما إلى ذلك.
ويضاف إليهم الخلفاء والحكام والولاة الذين كان له معهم أخبار أو كان له اتصال بهم.
стр. 233
ويضاف إليهم أيضا الذين رووا عنه كتبه الأخرى غير الموطأ، بأسانيدهم المتصلة إليه.
ولا شك أن الوقوف عند هؤلاء جميعا، وعند غيرهم كثير ممن لم نذكره، سيطول جدا، ويخرج بنا عن الغاية المتوخاة من تهيئة هذا الجزء من الكتاب للطبع، وإخراجه للناس ليقرأوه ويستفيدوا منه، على أن تتبعه على الأثر بقية الأجزاء إن شاء الله.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإننا لم نقصد في الدرجة الأولى إلى أكثر من تقديم كتاب "ترتيب المدارك " نفسه، لا إلى تأليف كتاب آخر أو كتب أخرى على هوامشه، وإذا قدر لنا انجاز ذلك إلى نهايته، فنحن خليقون بأن نحمد الله على ما هدانا إليه لنا سبيله.
لكل ذلك لم نقف إلا عند عدد يسير نسبيا من الأعلام.
فنحن نقف عند العلم عندما نجد اختلافا في رسمه بين النسخ التي بين أيدينا، ومثال ذلك. أن نجد في نسخة مثلا "قال محمد بن خالد بن عنمة" وفي نسخة أخرى "قال محمد بن خالد بن حثمة" وفى نسخة أخرى" قال محمد بن خالد بن عمه" فإن الاجتهاد الشخصي في مثل هذه الحالة لترجيح الوارد في إحدى النسخ عما ورد في النسخ الأخرى لا يغني، ولابد من الرجوع إلى المصادر للتأكد من رسم العلم أولا، والمعرفة ما يجب معرفته عن صاحبه ثانيا.
ونعود إلى (الخلاصة) لصفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي، وإلى "تقريب التهذيب" لابن حجر، فتخرج منهما بأنه محمد بن خالد بن عثمة، بضم العين وسكون الثاء المثلثة، وأن عثمة هذه أمه، وأنه قد روى عن الإمام مالك .. الخ.
ونحن نقف عند العلم - فيما عدا الحالة السابقة مثلا - إذا كان فهم المتن نفسه، أي متن "ترتيب المدارك" يتوقف على معرفة شيء عن صاحب العلم.
ومثال ذلك أن يروي لنا القاضي عياض في اقتضاب كبير، أنه "لما خرج محمد بن الحسن لزم مالك بيته، فلم يخرج منه حتى قتل محمد".
فإن فهم هذا الكلام نفسه، كلام القاضي عياض، يتوقف على معرفة من هو محمد بن الحسن هذا.
ونعود إلى المصادر فنجد أنه محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الذي كان يلقب بالنفس الزكية، والذي خرج على المنصور بالمدينة سنة ١٤٥ وقتل وهو ابن خمس وأربعين سنة.
ومثال ذلك أيضا، أن يروي لنا القاضي عياض عن الإمام مالك قوله: "كنت آتي محمد بن المنكدر، وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله عن حديث إلا بكى حتى نرحمه، ولقد كنت آتي جعفر بن محمد، وكان كثير المزاح والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي ﷺ ، اخضر واصفر".
стр. 234
فإن فهم هذا النص في حد ذاته، يتوقف على معرفة من هو محمد بن المنكدر، ومن هو جعفر بن محمد، المذكوران فيه.
ونعود إلى "تذكرة الحفاظ" للذهبي، فنخرج منها بأن الأول هو محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير التيمي، وأنه كان من شيوخ الإمام مالك، وأنه توفي سنة ١٣٠ هـ.
ونعود إلى "وفيات الأعيان" فنجد فيها ترجمة ضافية لجعفر بن محمد، يهمنا منها أنه جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأنه كان أيضا من شيوخ الإمام مالك ﵁، وأنه توفي سنة ١٤٨ هـ.
ولا نرى موجبا للاسترسال في ذكر أمثلة للأعلام التي وقفنا عندها، ورجعنا في شأنها إلى المصادر، ونبهنا عليها في الهوامش، فالمهم أننا دأبنا على إلا نقف عند العلم إلا إذا بدا لنا ما يستلزم ذلك من مثل الحالات السابقة.
***
وأخيرا فإن قسم التأليف والترجمة والنشر بوزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، يرجو - وهو يقدم هذا الجزء من كتاب" ترتيب المدارك" للمطبعة، على أن تتبعه بقية الأجزاء الأخرى قريبا إن شاء الله - أن يكون بذلك عند حسن ظن أمير المؤمنين جلالة الملك المعظم الحسن الثاني نصره الله، الذي ما فتيء جلالته يبدي مزيدا من الاهتمام بهذا القسم وبأعماله، خدمة للإسلام والثقافة الإسلامية العربية، وعملا على إحياء التراث المغربي، وإبراز مساهمة العبقرية المغربية في خدمة الثقافة الإنسانية عموما، والثقافة العربية الإسلامية على وجه الخصوص.
كما نرجو أن ينال هذا العمل رضى جميع المواطنين، ورضى جميع القراء في العالم العربي والإسلامي، وفى كل مكان، وأن يحقق الله به النفع، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم.
***
ولا يفوت قسم التأليف والترجمة والنشر، أن يشكر لحضرة معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد الحاج أحمد بركاش، عنايته الخاصة التي يوليها لهذا القسم، وحرصه الشديد على أن تسير أعماله في تقدم مستمر، مستجيبا بذلك للرغبة المولوية الشريفة، وممتثلا لتوجيهات صاحب الجلالة الحسن الثاني، وتعليماته السديدة الموفقة.
***
وأراني بصورة خاصة مدينا بالشكر للسادة القائمين على الخزانة الملكية العامرة، وللسيد مدير الخزانة العامة بالرباط، والسيد رئيس قسم المخطوطات بها، لما لقيته منهم جميعا ومن مساعديهم من تشجيع وعون، كان لهما أعظم الأثر في نجاح هذا العمل وإنجازه في مدة وجيزة.
والحمد لله أولا وأخيرا، ومنه نستمد العون والتوفيق، له الحمد وله الشكر، وهو على كل شيء قدير.
الرباط. - ١٤ جمادى الأولى ١٣٨٦ الموافق ٣١ غشت ١٩٦٦
عبد القادر الصحراوي
стр. 235
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي الكريم
* باب صفة مجلس مالك للعلم، ونشره له، وصيانته إياه، وتوقيره لحديث النبي ﷺ
قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض: قال الواقدى وغيره (١):
كان مالك يجلس على ضجاع ونمارق مطروحة في منزله يمنة ويسرة لمن يأتى من قريش والأنصار والناس، وكان مجلسه مجلس وقار وحلم، وكان رجلا مهيبا نبيلا ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط، ولا رفع صوت، إذا سئل عن شيء فأجاب سائله، لم يقل له: من أين رأيت هذا؟
وكان الغرباء يسألونه عن الحديث والحديثين، فيجيبهم الفينة بعد الفينة (٢)، وربما أذن لبعضهم فقرأ عليه. وكان له كاتب قد نسخ له كتبه، يقال له حبيب، يقرأ للجماعة، فليس أحد ممن حضر يدنو منه، ولا ينظر في كتابه، ولا يستفهمه، هيبة له وإجلالا؟
وكان حبيب إذا أخطأ فتح عليه مالك، وكان ذلك قليلا، ولم يكن يقرأ كتبه (٣) على أحد.
وكان كالسلطان له حاجب يأذن عليه، فإذا اجتمع الناس ببابه، أمر آذنه فدعاهم (٤)، يخص أولا أصحابه، فإذا فرغ من يخص، أذن للعامة،
стр. 236
وهذا هو المشهور من سماع أصحاب مالك أنهم كانوا يقرأون عليه، وسيأتي من أخباره ما يعضد هذا كثيرا، إلا أن يحيى بن بكير ذكر أنه سمع الموطأ من مالك أربع عشرة مرة، وزعم أن أكثرها بقراءة مالك، وبعضها بالقراءة عليه.
وعوتب مالك في تقديمه الإذن لأصحابه، فقال: أصحابي وجيران رسول الله ﷺ .
***
قال إسماعيل بن حماد: أتيت مالكا فرأيته جالسا في صدر بيته، وأصحابه بجنبتي البيت.
وقال أبو مصعب وابن الضحاك ومطرف والهديرى وعبد الملك وابن مسلمة وغير واحد من أصحابه: كان جلساء مالك كأن على رؤوسهم الطير سمتا وأدبا.
وقال ابن حبيب: كان مالك إذا جلس جلسة لم يتحول عنها حتى يقوم.
***
قال مطرف: وكان مالك إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا: المسائل، خرج إليهم فأفتاهم، وإن قالوا: الحديث: قال لهم: اجلسوا، ودخل مغتسله فاغتسل وتطيب، ولبس ثيابا جددا، ولبس ساجة (٥)، وتعمم، ووضع على رأسه طويلة (٦)، وتلقى
стр. 237
إليه المنصة، فيخرج إليهم وقد لبس وتطيب وعليه الخشوع، ويوضع عود، فلا يزال يبخر حتى يفرغ من حديث رسول الله ﷺ .
***
قال يحيى: كنا نجتمع على بابه فإذا توافينا صرخ الآذن (٧): ليدخل أهل المدينة! ثم يؤذن (٨) لغيرهم، فيدخل عليه، فيسلم، ويسكت، ونسكت ساعة، فإذا رأى منا ازدحاما قال: توقروا، فإنه عون لكم، وليعرف صغيركم حق كبيركم.
ومن رواية أخرى: كان إذنه لنا رفع ستر في أسطوانه (٩)، فندخل عليه عليه، وهو قاعد قد ميل رأسه، حتى إذا أخذ الناس مجالسهم رفع رأسه فقال: السلام عليكم. فحسب أنما كان يفعل ذلك، لئلا يقرب بعض الناس على بعض من العلوية أو العثمانية أو غيرهم، فيعتقد عليه ذلك، كان يدعهم حتى يأخذوا مجالسهم، وكان بعضهم يعرف حق بعض، فإذا قدم الحاج جعل بوابا على بابه، فيأذن أولا لأهل المدينة، فإذا دخلوا قال للبواب: تنح.
قال ابن قعنب: ما رأيت قط أشد وقارا من مجلس مالك، لكأن الطير على رؤوسهم.
***
قال ابن أبي أويس: كان مالك إذا جلس للحديث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدث. فقيل له في ذلك. فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ ، *ولا أحدث به إلا على طهارة، متمكنا.
وكان يكره أن يحدث في طريق قائما أو مستعجلا، وقال: أحب أن أفهم حديث رسول الله ﷺ .
стр. 238
قال ابن المنذر: كان مالك لا يوسع لأحد في حلقته، ولا يرفعه، يدع أحدهم يجلس حيث انتهى به المجلس.
قال مطرف وإسماعيل: قال ابن أبي أويس: كان مالك إذا جلس للحديث قال:
ليلنى منكم أولو الأحلام والنهى.
قال إسماعيل: فربما قعد القعنبي عن يمينه.
قال: ولم يكن يجلس مالك على المنصة إلا إذا حدث عن رسول الله ﷺ .
قال أبو مصعب: كان مالك لا يحدث إلا على وضوء إجلالا منه لحديث رسول الله ﷺ .
قال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا سئل عن الحديث تهيأ وتوضأ، ولبس ثيابه، فقيل له في ذلك، فقال: إنه حديث رسول الله ﷺ .
***
قال الله بن المبارك: كنت عند مالك وهو يحدثنا، فلدغته عقرب ست عشرة مرة، ومالك يتغير لونه، ويصبر (١٠)، ولا يقطع حديث رسول الله ﷺ .
فلما فرغ من المجلس، وتفرق الناس، قلت يا أبا عبد الله! لقد رأيت منك اليوم عجبا. قال: إنما صبرت إجلالا لحديث رسول الله ﷺ .
وقال يحيى بن يحيى الأندلسي: كنت جالسا عند مالك، فوقعت على رأسه وزغتان فمرتا على قلنسوته، ثم دنتا إلى عنقه حتى دخلتا من تحت طوقه، حتى خرجتا من تحت ثيابه، وما نفضهما، ولا حل حبوته.
***
стр. 239
قال مصعب الزبيرى: كان حبيب يقرأ على مالك، وأنا على يمينه وأخى عن شماله، وهو أقرب إلى مالك، وكان أسن منى (١١).
وكان حبيب يقرأ لنا في كل عشية من ورقتين، إلى ورقتين ونصف، لا يبلغ ثلاثا، والناس ناحية، لا يدنون ولا ينظرون، فإذا خرجنا جاءنا الناس، فعارضوا كتبهم بكتبنا.
قال: وجئنا يوما إلى أبينا بالعرصة لنقيم عنده ونصير بالعشى إلى مالك، فأصابنا سماء (١٢) يوما، فلم نأته تلك العشية، فلم ينتظرنا، وعرض عليه الناس، فأتيناه من الغد، فقلنا يا أبا عبد الله! أصابتنا أمس سماء شغلتنا عن حضور العرض، فاردده علينا. قال:
- لا. من طلب هذا الأمر صبر عليه.
قال جعفر بن إبراهيم (١٣): كلم صديق لأبي مالكا أن أسمع منه، فأذن، فكنت أختلف إليه وأنا مدل بنسبى من الرسول ﵊، وموضعى، فأتخطى الناس إلى وساد مالك، فلا يتزحزح عنها، ويريني أنه لم يرنى احتقارا لي، فشكوت ذلك إلى أبى وغيره، فبعثوا إليه ليسألوه إكرامى وأثرتى، فقال الرسول:
- ما هو عندنا وغيره إلا سواء، إنما هي - عافاك الله - مجالس العلم، السابق إليها أحق بها، فكنت أتى وقد أحدق المجلس، فما يوسع لي، فأستدنى حيث وجدت.
***
قال ابن وهب: كنا إذا جلسنا إلى مالك، فإنما يتساءل الناس بينهم، فإذا اختلفوا وأرادوا أن يرفعوه إلى مالك، فإنما يضم إليه رجل واحد بخفض الصوت مع الإجلال والهيبة، فيقول:
стр. 240
- ما تقول أصلحك الله في كذا وكذا؟
فإن كان الرافع المصيب، قال له: وفقك الله. وإن كان الآخر، قالها له، فأيهم ناداه بالتوفيق علم أنه المصيب.
***
قال عبد الرزاق: بينا نحن في المسجد الحرام، فقيل لنا: هذا مالك، فلقيناه داخلا من باب بنى هاشم، وعليه رداء وقميص صنعاني، فطاف بالبيت وخرج ناحية الصفا، فصلى ركعتين ثم احتبى، فلما فرغ احتوشناه (١٤) كما يصنع أصحاب الحديث. فلما جلسنا قام من بيننا كالمغضب، فجئنا مشايخنا، فقالوا: أي شيء كتبتم عن مالك؟ فأخبرناهم بالذي فعل، فقالوا: الذي فعلتم لا يحتمله مالك، فلما كان من الغد، جئنا واحدا واحدا، وعلينا السكينة، فحدثنا، وقال: الذي فعلتم أمس فعل السفهاء.
***
قال خالد بن نزار: سألت مالكا عن شيء - وكان متكئا - فقال:
"حدثني يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب"
ثم استوى جالسا وتخلل (١٥) بكساء وقال: أستغفر الله! فقلت له في ذلك، فقال:
- أن العلم أجل من ذلك، ما حدثت عن رسول الله ﷺ وأنا متكئ.
***
قال ابن بكير: قام رجل إلى مالك فقال له: أعرض؟ قال: نعم، فقال: أحدثكم ابن شهاب عن سالم؟ فقال له مالك: أنت ثقيل، يقوم
стр. 241
غير هذا. فقام آخر فقال: حدثكم ابن شهاب (١٦)، بلا استفهام، فقال مالك: أحسنت، مثل هذا فليعرض.
ودخل بقية بن الوليد (١٧) على مالك، فقال الناس: اليوم ننتفع بأبي محمد، يسأل مالكا مسائل نكتبها عنه، فسأله عن ست مسائل، فأجابه فيها كلها، وسأله بعد ذلك عن مسألة، فقال له مالك: أكثرت، خذوا بيد الشيخ، فجاء نفسان، فأخذا بضبعه فأخرجاه.
قال ابن المنذر: كان لمالك حلقة يجالسه فيها فقهاء المدينة، ولم يكن يوسع لاحد ولا يرفعه، يدع أحدهم يجلس حيث انتهى به المجلس.
***
حكى الزبير عن عمه مصعب وغير واحد: أن هارون لما حج أتى مالكا فاستأذن عليه، فحجبه (١٨)، ثم أذن له، وفى رواية بعضهم: ثم خرج إليه، فلما دخل عليه قال: يا أبا عبد الله! ما حملك على أن أبطأت وقد علمت مكانى؟ وفى رواية: حبستنا ببابك. قال: والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت، وعلمت أنك لا تأتى إلا لحديث رسول الله ﷺ فأحببت أن أتأهب له. فقال: قد علمت أن الله ما رفعك باطلا، وأخذ بيده ومضى إلى قبر النبي ﷺ فقال: أخبرني عن مكان أبي بكر وعمر من النبي ﷺ ؟ فقال: كان محلهما منه في حياته كمحلهما منه بعد وفاته.
***
قال هاشم بن عيسى: لما قدم هارون المدينة دعا مالكا، فقال له مالك: منكم خرج هذا العلم، وأنتم أولى الناس بإعظامه، ومن إعظامكم له ألا تدعوا حملته إلى أبوابكم. قال قد فعلت يا أبا عبد الله.
стр. 242
قال بعضهم: حج المهدى فدخل المدينة، فسار إليه مالك، فأظهر من بره وإعظامه، وأمر ابنيه موسى وهارون أن يسمعا منه كتبه (١٩)، فبعثوا إليه فلم يصل إليهم، فأعلموا المهدى فبعث إليه:
- لم لم تأتهم؟
فقال: يا أمير المؤمنين! العلم أهل أن يوقر ويؤتى.
قال: صدق، سيروا إليه.
فلما حضروه قالوا: اقرأ علينا.
قال: إن هذا البلد إنما يقرأ فيه على العالم كما يقرأ الغلام على المعلم، فإذا أخطأ أفتاه.
فانصرفوا عنه وأعلموا المهدى، فبعث إليه فقال:
- امتنعت أن تسير إليهم فساروا إليك، فامتنعت أن تقرأ عليهم.
قال: يا أمير المؤمنين! سمعت ابن شهاب يقول: جمعنا هذا العلم من رجال في الروضة، وهم سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، وعروة، والقاسم، وسالم، وخارجة، وسليمان، ونافع، ثم نقل عنهم ابن هرمز، وأبو الزناد، وربيعة، والأنصارى، وبحر العلم ابن شهاب، وكان هؤلاء يقرأ عليهم ولا يقرأون.
قال المهدى: اذهبوا فاقرأوا، ففى هؤلاء قدوة.
فكان مؤدبهم يقرأ لهم.
وفى رواية ابن نافع في هذا الحديث: لما دخل مالك على هارون رفع مجلسه، وقال لابنيه: قوما فاجلسا بين يدى عمكما.
فقامًا فجلسا بين يدى مالك، فقال: حدثهما.
فتغير وجه مالك، ثم التفت إلى هارون فقال:
стр. 243
- أن الله رفعك وجعلك في موضعك الذي أنت فيه للعلم، فلا تكن أول من يضع عز العلم فيضع الله عزك.
والتفت هارون إلى ابنيه وقال لهما: قوما، فإذا مضى عمكما فأتيا منزله فاسمعا منه.
فلما انصرف مالك ركبا إليه، ونزلا، ودقا الباب، فلم يفتح لهما، فجلسا على الباب والريح تضرب وجوههما بتراب العقيق (٢٠)، فلما أيسا انصرفا.
قال بعضهم: قدم الرشيد المدينة ومالك عليل، فبعث إليه أن يأتيه ليسأله عن مسألة.
فقال: أنا عليل.
فقال: لابد من لقائك.
ووجه إليه محفة وحمله على أيدى الخدم، فلما دخل قام إليه الفضل بن الربيع فسأله عن مسألة، فقال له مالك:
يا وغد! إليك حملت (٢١)؟ لأخبرن أمير المؤمنين.
فأكب عليه الفضل يقبله ويستعطفه، فلما دخل إلى هارون سأله عما أراد.
وقال مطرف وابن نافع وغيرهما - وبعضهم يزيد على بعض -: لما قدم هارون المدينة وجه إلى مالك، البرمكي، وقال له: قل له:
احمل لي الكتاب الذي صنفته (٢٢) حتى أسمعه منك، فوجد من ذلك مالك، واغتم، وقال للبرمكى:
стр. 244
أقرئه السلام، وقل له: العلم يزار ولا يزور، أن العلم يؤتى ولا يأتي.
فرجع البرمكى إلى هارون فأخبره بذلك فغضب، وأشار عامة أصحاب مالك عليه أن يأتى هارون.
وقال البرمكي للرشيد: يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك فخالفك! اعزم عليه حتى يأتيك.
فإذا بمالك قد دخل عليه، فسلم، وليس معه كتاب، فقال له هارون في ذلك، فقال مالك:
يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى بعث إلينا محمدا ﷺ ، وأمر بطاعته واتباع سنته، وأن نرعاه حيا وميتا، وقد جعلك في هذا الموضع لعلمك، فلا تكن أنت من وضع العلم فيضعك الله (٢٣) الله الله! لقد رأيت من ليس هو في حسبك ولا نسبك من الموالى وغيرهم يعز هذا العلم ويجله ويوقر حملته، فأنت أحرى أن تجل علم ابن عمك.
ولم يزل يعدد عليه حتى بكى، ثم قال له:
حدثني الزهرى، وذكر حديث زيد بن ثابت: "كنت أكتب بين يدى رسول الله ﷺ "لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله" وابن أم مكتوم عند النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! قد أنزل الله تعالى في فضل الجهاد ما أنزل، وأنا رجل ضرير، فهل لي من رخصة؟ فقال رسول الله ﷺ (٢٤): ما أدرى. قال زيد: وقلمي رطب لم يجف حتى غشى النبي ﷺ الوحى، عليه وسلم الوحى، ووقع فخذه على فخذى فكادت تندق من ثقل الوحى، ثم خلى عنه فقال: اكتب يا زيد "غير أولى الضرر".
стр. 245
فيا أمير المؤمنين! هذا حرف واحد بعث به جبريل والملائكة من مسيرة خمسين ألف عام حتى أنزل على نبيه، أفلا ينبغي لي أن أجله وأعزه؟
قال: فقال هارون: قم بنا إلى منزلك.
فأتى هارون منزل مالك، فدخل مالك واغتسل ولبس ثيابا جددا وتطيب ووضع مجامير فيها عود وجلس، فقال: هات.
فقال هارون: تقرأ على.
فقال: ما قرأت على أحد منذ زمان.
قال: فأخرج عنى الناس حتى أقرأه عليك.
فقال مالك: إن العلم إذا منع من العامة لأجل الخاصة لم تنتفع به الخاصة.
قال: فأمر بعض أصحابك يقرأه، فأمر المغيرة فقرأه له على مالك.
وفي رواية أن الذي قرأه له: معن.
قال: فكان هارون قد استند إلى جنب مالك، فلما بدأ يقرأ قال: يا أمير المؤمنين، من تواضع لله رفعه الله.
وفي رواية أبي مصعب: من إجلال الله إجلال ذى الشيبة المسلم، فقام فقعد بين يديه، فلما فرغ عاد إلى مكانه.
قال مالك: لما كان بعد مدة قال لي الرشيد: تواضعنا لعلمك فانتفعنا به، وتواضع لنا علم سفيان بن عيينه (٢٥) فلم ننتفع به، وكان يأتيهم فيحدثهم.
стр. 246
قالوا: وكان رجل قرشى ينتقص مالكا ويقول: بأي شيء هو أكبر منا؟ فلما قدم هارون وجلس الناس، قالوا له:
هذا هارون، ومالك يدخل، وأنت تدخل فافعل ما يفعل، وأرسلوا معه من ينظر ثم، فتقدم مالك وسلم فقال:
السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، عمك مالك بن أنس أين يجلس؟
قال: هاهنا يجلس.
وأقبل الرجل خلفه فقبل يد هارون.
فقال هارون لمالك: أن رأيت أن تأتى ولدك فتحدثهم، يعنى أبناء هارون.
قال: فما رد عليه مالك شيئا حتى خلا من عنده، فتحول إليه فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تكون أول من أجرى على يديك ذل العلم.
قال: وما ذاك؟
قال: أدركت أهل العلم يؤتون ولا يأتون.
فقال له: أصبت، بل يأتونك.
وخرج مالك فقال هارون:
هذا الذي تلومونني فيه، ما رأيت رجلا أعقل منه، قلت له آنفا، فلم يرد على شيئا كراهية أن يخرج منه (٢٦) شيء في ذلك الجمع، فلما خلوت خرج لي عما في نفسه، مروا له بكذا وكذا جائزة.
فكانوا بعد يقولون للقرشى: كيف ترى؟ فيقول: ذلك رجل معصوم.
قال مطرف: دخل مالك على هارون في بعض حجاته (٢٧)، فقال له هارون: أريد أن تأتينى تقرأ على كتبك (٢٨).
стр. 247
فقال مالك: العلم يؤتى ولا يأتى.
قال: فأرسل إلى من نسخها (٢٩).
قال: نعم.
قال ابن مهدي: مشيت مع مالك يوما إلى العقيق من المسجد، فسألته عن حديث، فانتهرنى، وفي رواية فالتفت إلى وقال لي:
كنت في عينى أجل من هذا، تسألني عن حديث رسول الله ﷺ ونحن نمشي؟
فقلت إنا لله، ما أراني إلا وقد سقطت من عينه، فلما قعد في مجلسه بعدت منه، فقال: ادن ها هنا فدنوت (٣٠)، فقال:
قد ظننت أنا أدبناك (٣١)، تسألنى عن حديث رسول الله ﷺ وأنا أمشى؟ سل عما تريد ها هنا.
قال ابن مهدى: وسألوا مالكا بالموسم وهو قائم فلم يحدثهم.
قال أبو مصعب: وسأله جرير بن عبد الحميد (٣٢) القاضي عن حديث وهو قائم فأمر بحبسه، فقيل له: انه قاض، فقال: القاضي أحق أن يؤدب، احبسوه. فحبس إلى الغد.
قال عبد الله بن صالح: كان مالك والليث لا يمسان الحديث إلا وهما طاهران.
стр. 248
وقال القروى (٣٣): كان مالك إذا جلس معنا كأنه واحد منا، ينبسط معنا في الحديث، وهو أشد تواضعا منا له، فإذا أخذ في الحديث تهيينا كلامه كأنه ما عرفنا ولا عرفناه.
ولما حج هاشم بن جريح، وهو حدث، أتى مالك بن أنس، وقد رحل الناس، بورقتين من حديثه فقال له:
اقرأ هذه الأحاديث فقد مضى الناس.
فقال مالك: ينتظر أحدكم حتى إذا رحل الناس، جاء فقال: اقرأ لي فقد رحل الناس.
فالتفت هاشم إلى مالك فقال: أصلحك الله! إن تكن حاجة أو أمر تأمر به انتهيت إلى طاعتك، ووقفت عند أمرك، وفرحت بذلك في نادي قومي، وسدت به على عشيرتي. استودعك الله، فإن طاعتك فرض، وقولك حكم، أستودعك الله.
فلما ولى قال مالك: مثل هذا طلب العلم العلم، ردوه. فبعث في طلبه فأتى به فقرأ له ثم انصرف.
قال القروى: (٣٤): لما كثر الناس على مالك قيل له:
لو جعلت مستمليا يسمع الناس؟
قال: قال الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبئ" (٣٥) وحرمته حيا وميتا سواء.
قال ابن مهدى: ما أدركت أحدا إلا يخاف هذا الحديث إلا مالكا وحماد بن زيد (٣٦)، فانهما كانا يجعلانه من أعمال البر. وكان مالك يقول: لا ينبغي لأحد عنده علم أن يترك التعليم.
стр. 249
قال مطرف: وحضرت مالكا يأتيه الرجل بالدفتر فيسأله أن يجيزه له فيفعل.
وروى ابن وهب عنه، أنه رآه مرة فعله، ومرة كرهه، وأجاز المناولة (٣٧).
وقد كتب ليحيى بن سعيد الأنصاري (٣٨) مائة حديث لابن شهاب، فقيل له، أقرأها عليك؟ قال: كان أفقه من ذلك.
قال مصعب: وسأله المهدى أن يسمع منه كتبه، فقال له: هذا شيء يطول عليك (٣٩)، ولكن أكتبها لك، وأصححها، وأبعث بها إليك.
وكان أكثر أمره أن يقرأ عليه ولا يقرأ.
قال مطرف: صحبت مالكا تسع عشرة سنة، فما رأيته قرأ على أحد كتاب (٤٠) الموطأ، وسمعته يأبى أشد الاباء على من يقول: لا يجزئ العرض.
وزعم ابن بكير أنه سمع الموطأ من مالك بقراءة نفسه غير مرة.
وقال لمالك غير واحد: أرأيت ما قرأته عليك، أنقول فيه: حدثنا وأخبرنا؟
قال: نعم، ألست فرغت لكم نفسى وأقمت سقطه وزلله؟
قيل له: فيجوز لمن حضر أن يقول ذلك؟
قال: نعم؟
وفى سماع ابن وهب: سأل رجل مالكا عن الكتاب يعرض عليك، ثم ينقلب به صاحبه فيبيت عنده، أيجوز أن أحدثه؟
стр. 250
قال: نعم.
وقال مالك، في سماع ابن القاسم وابن وهب وغيرهما: العرض أعجب إلى من السماع وأثبت، إذا كان الذي يقرأ يتثبت.
واستعدى عليه رجل خراساني، قاضى المدينة، فقال:
جئت من خراسان، ونحن لا نرى العرض، وأبي مالك أن يقرأ علينا (٤١) تحكم القاضي على مالك أن يقرأ له.
فقيل له: أصاب الحق؟
قال: نعم.
قال الحارث بن مسكين: كلم بعض الهاشميين مالكا في أيام الموسم أن يعرض عليه، فأبى، وقال:
هي أيام الحج (٤٢)، فإذا انقضت، فإن شئت عرضت بعد.
فغضب وقال: قد أرادك هارون أمير المؤمنين على هذا فأجبته.
قال له مالك: قد أرادني فما فعلت.
قال القطان: قراءة ابن مهدى على مالك كالحديث، لأنه كان يقول: سمعت فلانا يقول: سمعت فلانا يقول.
قال ابن المدني (٤٣): قلت ليحيى: كان مالك يملى عليك؟
قال: كنت أكتب بين يديه.
قال مصعب: كان مالك يرى الرجل يكتب عنده فلا ينهاه، ولكن لا يرد عليه ولا يراجعه.