أبو بكر بن علوية الأبهرى (٢٣٧)
أخذ عنه أبو سعيد القزويني، وتفقه به مع الصالحي [¬١]، ونقل من كلامه كثيرا في كتبه وله كتاب في مسائل الخلاف، وكان من الفقهاء النظار المحققين، وجلة أئمة المالكية [¬٢].
قال أبو بو سعيد القزويني: ذكر شيخنا أبو بكر بن علوية مسألة النكاح بلفظ الهبة، فقال: لم ينص [¬٣] على هذه المسألة مالك، وقال [¬٤]: وذكر ابن المواز عن ابن القاسم أنه سئل عنه فقال قال مالك في البيع: إذا قال وهبت منك بثمن كذا أنه بمنزلة بعتك، فكذلك النكاح مع ذكر الصداق. وقال [¬٥] القزويني: فقلت له: فهو قال: بعتكها أو أجرتكها أو ملكتكها أو أبحتها [¬٦]، أو أحللتها، أو خذها إليك.
أو ما أشبه ذلك [¬٧]. قال: (٢٣٨) ليس فيه نص، والذي قال به أصحابنا. يوجب أن يكون الباب واحدا، ويجوز ويقع [¬٨] به العقد متى ذكر الصداق [¬٩]، ولا يحتاج في زوجتك وأنكحتك [¬١٠] إلى ذكر الصداق، لأنهما مختصان بهذا العقد، وغيرهما موضوعان لغيره، فلا يفهم منهما العقد إلا بذكر الصداق.
стр. 1857
أبو الحسن بن أم شيبان، قاضي القضاة (٢٣٩)
هو محمد بن صالح بن محمد بن صالح بن علي بن يحيى بن عبيد الله الله بن محمد بن عبيد الله بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب؛ وجده يحيى هو المعروف بابن أم شيبان، يروى عن السعدى [¬١]، وإبراهيم بن حماد؛ حدث عنه أبو عبد الله الحكم، وأبو العباس أحمد بن محمد الكرخي [¬٢]، ومحمد بن حميد الخراز [¬٣]. وأبو القاسم الوهراني [¬٤]، ولى قضاء الكوفة - ومنها أصله - سبع سنين سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وولى [¬٥] قضاء القضاة بغداد [¬٦] ذكره [¬٧] صاحب الكتاب الحكمي في هذه الطبقة. قال: وعنده كان يجتمع المالكية أصحاب أبى بكر الأبهرى ببغداد للنظر، قال الفرغاني، وكان دعى لقضاء بغداد بعد ابن أبي الشوارب أيام معز الدولة، فاستعفى وامتنع، وقال: لا حاجة لى بقضاء بغداد، إذ صار بالقبالات، وأبوه صالح يكني بابي عيسى، حدث عن عبد الله بن الخراساني، حدث عنه القاضي الصيمري (٢٤٠).
стр. 1858
أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن سليمان [¬١]، بن سعيد البصرى
من المالكية بها، وكان حاكمها، يروى عن ابن البكير [¬٢]، وعن أبيه عن إسماعيل [¬٣]، سمع منه عبد الله بن محمد بن ربيع الاندلسي، وأبو القاسم الجبلي، وأبو محمد العيسى [¬٤]، هو غير الأول، ومتقدم على طبقته شيئا والله أعلم.
أبو الحسن على بن ميسرة
القاضي، ذكره صاحب الكتاب الحكمى، وابن حارث في طبقة الأبهرى من العراقيين وممن لم يسمع من إسماعيل، وذكر أنه ولى قضاء انطاكية وله كتاب في إجماع أهل المدينة.
قال القاضي الإمام المؤلف ﵁ وأرى أن أبا عبيد الجبيرى [¬٥] لقيه، وذكر ابن بطال في شرحه عن أبي عبيد هذا [¬٦]، قال: سئل أبو الحسن بن ميسرة القاضي البغدادى عن رجل كان له على نصرانى دين فأفلس ولا مال له سوى وقف أوقفه على مساكين أهل ملته قبل استحداثه الدين [¬٧]، هل ينقض وقفه ويقتضى منه المسلم [¬٨] الدين؟ فأجاب [¬٩] بقوله: أهل الكتاب أملاكهم غير مستقرة، وإنما لهم شبهة [¬١٠] ملك على ما في أيديهم، فإذا اختاروا رفع ايديهم عن الشبهة، ارتفعت، ولم يعترض عليهم في نقض ما عقدوه مما لو كان في شرعنا لم ينقض،
стр. 1859
لأنهم على ذلك صولحوا [¬١]، ولما جاز إقرارهم على غير دين الحق إذا أعطوا الجزية، وجب أن لا يتعرض عليهم في نقض وقف ولا غيره مما يتعلق بحق الله تعالى.
أبو الحسن عمر بن محمد بن أحمد المالكي
أراه ولد [¬٢] القاضي أبى عبد الله التسترى، حدث عنه الدارقطني، يروى عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل الدولابي، والحسن [¬٣] بن مبارك الطوسى، وخلف بن محمد الدامهريزي، و محمد بن عبيد الله [¬٤] العمرى، وهشام بن علي السيرافي واللؤلؤي والتميمي.
أبو عبد الله بن مجاهد المتكلم (٢٤١)
قال أبو بكر الخطيب في تاريخه: محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي المتكلم، أبو عبد الله، صاحب أبى الحسن الأشعري، ثم من أهل البصرة، وسكن بغداد؛ وعليه درس القاضي أبو بكر الباقلاني الكلام، وله كتب حسان [¬٥] في الأصول، ذكر لنا غير واحد من شيوخنا، أنه كان حسن السرو [¬٦]، حسن الزي [¬٧]، جميل الطريقة، وكان البرقانى يثنى عليه ثناء حسنا، وأدركه ببغداد فيما أحسب، وكان ابن مجاهد هذا مالكى المذهب، إماما فيه، مقدما غلب عليه علم الكلام والأصول، أخذ عن القاضي التسترى، وله كتاب في أصول الفقه على مذهب مالك، ورسالته المشهورة في الاعتقادات على مذهب أهل السنة التي كتب
стр. 1860
بها إلى أهل الباب والأبواب [¬١]، وكتاب تهدية المستبصر، ومعونة المستنصر، وتواليف آخر غير هذا [¬٢]. وسمع الصحيح للبخارى من أبي زيد المروزي، ورأيت سماعه في كتاب الأصيلي بخطه، واستجاز الشيخ أبا محمد بن أبي زيد في كتابه المختصر والنوادر.
قال القاضي الإمام المؤلف ﵁: ورأيت له في ذلك رسالة [¬٣] يقول فيها: وقد وقع إلينا من تصنيفه - أيده الله - قطع من المختصر، وجدناه قد أحسن في نظمه، وألطف في جمع [¬٤] معانيه، وكشف ما كانت النفوس تتوق إليه، وكفى مئونة الرحلة وطلب المصنفات، بالكلام السهل، والمعاني البينة التي تدل على حسن العناية، وكثرة المعرفة، والحرص على منافع الراغبين في العلم، والمتعلقين به [¬٥]، فأحسن الله - أيها الشيخ - جزاءك، وأجزل ثوابك، ثم ذكر له بعد أنه بلغه تصنيفه النوادر: ثم قال: وما يتصل بنا من فضل الشيخ - أيده الله - قد نشطنى إلى تعريف ما بنا من الحاجة، إلى هذين الكتابين، وتطلعي وتطلع من قبلى من الطالبين لهما، والشيخ - أيده الله - يتفضل في ذلك بما هو أهله، ويمين علي بذلك، فإنى إليه وجماعة من قبلي من إخوانه، والراغبين في مذهب الإمام ﵁ يتطلعون إليه، فإن رأى الشيخ - أيده الله - أن يتفضل بإنفاذهما بعد عرضهما بحضرته، وأجازتهما لى ولغيرى من أصحابنا ممن آثر ذلك وأحبه؛ ثم سأله الدعاء له، وأرخ كتابه بسنة ثمان وستين (٢٤٢) فجاوبه [¬٦] أبو محمد بجواب
стр. 1861
حسن، منه: وعندنا من أخبار الشيخ الطيبة، ما تعم مسرته [¬١] من نصرته في هذا المذهب وذبه عنه، ومحاماته عليه - حماه الله مكروهه برحمته [¬٢]، وشكر فيه ابتداء مخاطبته [¬٣]، وسروره بذلك، ومودته له، وإجازة كتبه له [¬٤] ولمن رغب ذلك، وأنه قد وجه إليه بعض النوادر، إذا لم يكمل تبييضها، وأن الوقت لم يتسع [¬٥] لكتب نسخه من المختصر ولا من النوادر، وأن شابين ممن عنى وفهم، توجها من مكة للقاء الشيخ - يعنى ابن مجاهد، ولقاء الأبهرى وهما محمد بن خالد [¬٦]، وإسماعيل بن عزرة، ومعهما [¬٧] المختصر صحيحا مقابلا، ووعده أن يوجه إليه ما رغبه من الكتابين، وسأله الدعاء، كما سأله ﵏[¬٨].
وحكى ابن مجاهد أن رجلا جاء إلى سهل التسترى فقال له [¬٩]: بلغني أنك تمشي على الماء، فادع الله [¬١٠] لي، فقال: لا أدعو لك حتى تذهب إلى فلان الملاح فتسأله عن خبرى يوم كذا، فمضى وسأله فقال [¬١١]: إنه صعد هناك [¬١٢] يتوضأ [¬١٣] للصلاة على النهر [¬١٤]، فزهق فغرق، واضطرب بثيابه، فتراميت عليه فأخرجته - وقد كاد يهلك. وعلقناه فسال منه ماء كثير [¬١٥]. فرجع الرجل إلى سهل فأخبره، فقال له سهل أما بعد هذا، فأنا أدعو لك [¬١٦]، فدعا له؛ وهذا من سهل فضل كثير، وتواضع واعتراف.
стр. 1862
وذكر الخطيب أن ابن مجاهد كان ينشد لبعضهم:
أيها المغتدي ليطلب علما … كل علم عبد العلم الكلام
تطلب الفقه كي تصحح حكما … ثم أغفلت منزل الأحكام
وحدث عنه القاضي أبو بكر بن الطيب [¬١]، وأبو بكر بن عزرة [¬٢]، وأبو القاسم بن عبد المومن [¬٣] المكي [¬٤] المتكلم (٢٤٣)
أبو العلاء عبد العزيز بن محمد [¬٥] البصرى
أحد فقهاء المالكية، كان بالبصرة، ذكره أبو محمد بن الوليد [¬٦]، وله كتاب في إثبات القياس، وكتاب في مسائل الخلاف، روى عنه أبو عمر بن سعدي، وقال أبو القاسم الهمدانى: جالست بالبصرة أبا العلاء المالكي، وذاكرته، وعليه مع ابن عطية كانت تدور الفتيا [¬٧] على مذهب مالك بالبصرة.
أبو العلاء القاضي [¬٨] الحسن بن محمد بن العباس البغدادي
ذكره ابن الحارث في علماء المالكية، قال: ورأيت [¬٩] له اختصار الكتاب المبسوط سماه "المقتضب من المبسوط"، ورأيت أنا له كتابا في الفروق، ويعرف بابن البصرى، ويحتمل أنه [¬١٠] الذي لقي الهمدانى لا الأول والله أعلم [¬١١].
стр. 1863
علي بن محمد بن إبراهيم بن خشنام (٢٤٤)
بصرى، تقدم ذكر أبيه (٢٤٥) في أئمة الماليكة، وكبار أصحاب إسماعيل، وذكر هذا أبو عمرو المقرئ في كتابه، وذكر أنه مالكي، ويكنى بأبي الحسن، قال: وكان خيرا فاضلا، من مياسير البصرة، وتصدق بماله، وغلب عليه الزهد. وروى القراءة عن أبي العباس المعدل، روى عنه ابن غلبون، قال: وتوفى [¬١] بالبصرة سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وخرج بجنازته بعد الزوال، فلم يصل إلى مدفنه إلا بعد المغرب من كثرة من شهده [¬٢] حتى ضج الناس بذلك.
أبو عبد الله محمد [¬٣] بن عطية البصرى
أحد فقهائها، قال الهمداني: جالسته وذاكرته بها، وعليه وعلى أبي العلاء كانت تدور الفتيا [¬٤] على مذهب مالك، ﵀ بالبصرة في وقتهما.
أبو إسحاق الطبرى
ذكره أيضا الوهراني في جلساء الأبهرى، قال: وكان من أصحابنا، ومن أهل العلم والحديث وحفاظه، وكان الأبهرى يتذاكر معه فيه.
أحمد بن محمد بن عمر الدهان البصري
من أئمة المالكية بالمشرق، وله كتاب في نقض كتاب الشافعي في رده على مالك ستة أجزاء - وقفت عليه.
قال ابن حارث: وله غير ذلك من التواليف [¬٥]، روى عن ابن شاهين عن
стр. 1864
مصعب الزبيري.
وممن ذكر [¬١] في أئمة مالكية أهل المشرق والمتأخرين [¬٢]، ولا أتحقق طبقته.
أبو عبد الله الواسطى
وقد ألف مسائل الخلاف، وشرح [¬٣] مختصر أبي المصعب الزهري.
أبو على الدهان
مذكور في مالكية أهل المشرق، وله أيضا مسائل الخلاف، ولا أعرف أهو [¬٤] الأول أو غيره.
محمد [¬٥] بن جعفر البصري
المعروف بالخفاف، له مسائل الخلاف، وشرح مختصر ابن عبد الحكم الكبير.
قال ابن حارث: وهو ديوان كبير أبان فيه، قال أبو بكر الأبهرى: ولم يشرح المختصر الكبير أحد إلا الخفاف، وضعف فقهه الأبهري، وقال: لم يكن يعرف.
أبو حاتم الرازي
ذكره في أئمة المالكية، القاضي أبو الوليد الباجي [¬٦] في فروقه [¬٧]، ولم يذكر طبقته ولا اسمه.
стр. 1865
أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عمرو [¬١] بن رجاء
البصرى المالكي [¬٢]، فقيه نظار محقق، له كتاب في أصول الربا [¬٣] وتعليله على مذهب مالك، أجاد فيه، ولا أتحقق طبقته.
أحمد بن محمد بن جامع البصرى
قال ابن حارث: رأيت له كتابا في الوصايا، ذكر أنه اقتضبه من المبسوط، وسماه بذلك، وعده في فقهاء العراقيين المتأخرين، روى عنه عبد الوهاب بن الحسن، [وذكره ابن حارث في هذه الطبقات] [¬٤].
القاضي [¬٥] أبو عبد الله المالكي البصرى
الملقب بفلفل، حكى عنه أبو جعفر الأبهري، والقاضي أبو محمد بن نصر في تصانيفهما.
ومن أهل مصر:
أبو بكر النعالي (٢٤٦)
وهو محمد بن سليمان، كذا سماه القاضي الله الحذاء [¬٦]، وقال أبو إسحاق الشيرازي محمد بن إسماعيل، وسماه أبو محمد بن الوليد محمد بن بكر
стр. 1866
ابن الفضل [¬١]، وكذا قال عبد الغني بن سعيد الحافظ: محمد بن بكر بن الفضل [¬٢]، نسب إلى عمل النعال [¬٣]، يعرف أيضا بالصراري [¬٤]. قال عبد الغني: نسب إلى النعال الصرار، أخذ [¬٥] عن أبي إسحاق بن شعبان، وأبي بكر بن رمضان [¬٦]، وبكر بن العلاء القشيري، ومحمد بن زيان، وسعيد بن هاشم بن مزيد، ومأمون، وغيرهم. روى عنه أبو بكر بن عبد الرحمان القروى، وعبد الغنى بن سعيد الحافظ المصري، وأبو بكر بن عقال الصقلي، وأبو عبد الله بن الحذاء الأندلسي، والناس [¬٧]. واليه كانت الرحلة والإمامة بمصر، وجالسه لقابسي، وعظم شأنه، [وأثنى عليه] [¬٨]، وحكى عنه. قال ابن الحذاء: كان فقيه عصره، وكان التكلم عنده مصر في العلم والمسائل وما رأيت رجلا أتم مرؤة منه، ولا أعف ولا أكمل ولا أمتع، وكان أسخى الناس، [ذكر لي أنه لم يجتمع عنده مال [¬٩] يزكي عليه.
قال غيره: وكان مباينا لبنى عبيد. قال القابسي: كانت حلقته] [¬١٠] في الجامع تدور على سبعة عشر عمودا لكثرة من يحضرها.
قال ابن الحذاء [¬١١]: وتوفى في الثمانين (٢٤٧) وثلاثمائة، وكان أبوه أبو القاسم ممن حدث بمصر أيضا عن المقدام [¬١٢] بن داود، حدث عنه عبد الغنى وغيره.
стр. 1867
أبو القاسم الجوهري (٢٤٨)
هو عبد الرحمان بن عبد الله بن محمد الغافقي الجوهري، فقيه، كثير الحديث عن الشيوخ بالفسطاط [¬١]، وكبار فقهاء المالكية، وشيوخ السنة.
سمع من ابن شعبان، ومؤمل بن يحيى، وأبي القاسم العثماني، والحسن بن رشيق، وأحمد بن محمد الإمام، وأبي الطاهر القاضي، وأبي علي المطرز، وعبد الصمد بن محمد النيسابوري، وحمزة بن محمد الكناني، وغيرهم. روى عنه أبو بكر بن عبد الرحمان، وأبو محمد الأجدابي من القرويين، ومن المصريين ابنه، وأبو الحسن بن فهر، وأبو العباس بن يعيش [¬٢] المغربي، وأبو علي المراني، وأبو بكر بن عقال الصقلي؛ ومن الأندلسيين [¬٣] خلف الجعفري، وأبو محمد بن الوليد، وابن الحذاء، وأبو عمر الطلمنكي. قال أبو عبد الله محمد بن الحذاء القاضي، كان فقيها ورعا، منقبضا خيرا، من جلة الفقهاء. قال أبو عمر الطلمنكي، وكان لزم بيته لا يخرج منه. قال الباجي: لا بأس به، وألف كتاب مسند الموطأ، وكتاب مسند ما ليس فيه الموطأ. قال ابن الحذاء: وتوفي فيما أحسب سنة خمس (٢٤٩) وثمانين وثلاثمائة.
علي بن محمد بن إبراهيم بن هارون الحضرمي
من أصحاب القشيري، يروي عنه وعن أبي عمر الكندي، وأبي بكر بن الأصبغ [¬٤]. روى عنه ابنه أبو القاسم، وسنذكره [¬٥].
стр. 1868
الحسن [¬١] بن عبد الله بن حسين الأفطس [¬٢]
يعرف [¬٣] في المالكية بمصر [¬٤] في هذه الطبقة، يروى عن أبي الحسن القرافي الصوفي.
حسن [¬٥] بن وليد بن نصر (٢٥٠)
يعرف بابن العريف، يكنى بأبي بكر، أصله من قرطبة، وخرج إلى المشرق، (٢٥١) وسكن مصر، ورأس بها، وحلق بجامعها. قال ابن الفرضي: وكان فقيها، عالما بالمسائل، حافظا للرأي، نحويا متقدما.
توفي بمصر سنة سبع وستين وثلاثمائة (٢٥٢)، وهو أخو أبي القاسم بن العريف النحوي القرطبي (٢٥٣).
عبد الوهاب بن الحسن بن علي بن داود بن سليمان بن خلف مصري مالكي
أخذ عن الحسن [¬٦] بن أبي مطر، والذهلي، والحراب، وأبى محمد الزهري، وأحمد بن جامع، وأبي منصور الماوردي [¬٧]، وابن بهداد، وحمزة الكناني، والصموت، وأبي الورد، وابن أبي الأصبغ، وغيرهم، وسمع [¬٨] منه أبو الحسن الحوفي، وعبد الله بن إسحاق بن حزم.
стр. 1869
أبو بكر محمد بن أبي يزيد
واسمه خالد بن خالد بن يزيد المصري الأزدي ثم العتكي [¬١]، من فقهاء مصر وجلتها، والتحليق بجامعها، وهو الذي خلف أبا إسحاق بن شعبان في حلقته بعد وفاته، وهو والد أبي القاسم عبد الرحمان بن أبي يزيد، الفقيه الداخل إلى الأندلس، وسنذكره بعد.
محمد بن نظيف (٢٥٤)
كنيته أبو عبد الله البزار.
قال أبو بكر المالكي: كان من العلماء الراسخين، والفقهاء [¬٢] البارعين، والأئمة المعدودين، والعلماء المجتهدين؛ تخلى عن الدنيا وانقطع إلى الله ، وخرج إلى مصر [¬٣] عند ظهور سب السلف بإفريقية [¬٤]، وعندما اشتهرت إمامته هرب من الرئاسة والفتنة، وكان من أصحاب أبي بكر بن اللباد، ونظراء أبي محمد بن أبي زيد، وسمع بمصر من محمد بن أحمد بن خروف، وكان أبو محمد بن أبي زيد يقول: لو [¬٥] كان أبو عبد الله مقيما بالقيروان، لم يسعني أن أجلس هذا المجلس، لأنه أولى به مني في حفظه وفهمه، وفقهه [¬٦] ودينه وورعه، وكان يعد في أعلى طبقة أصحاب أبي بكر، وكانوا جعلوا لأصحاب أبي بكر أشباها من أصحاب مالك، فشبهوا محمدا هذا بابن القاسم، وأبا محمد بن أبي زيد بأشهب، وابن أخي هشام بابن نافع، وابن التبان بابن بكير. وذكره أبو الطيب ابن بنت [¬٧]
стр. 1870
خلدون في بعض كتبه فقال: كان إماما فاضلا، ولما نزل مصر، لازم بها أبا إسحاق بن شعبان، وأبا الذكر، وبعدهم النعالى، وغيرهم، مداومة على طلب العلم حتى أتته منيته؛ وقد سمع منه الناس بمصر وحدث عنه، وكان يحضر مجلس السبائي بالقيروان قبل خروجه [¬١]، فغاب عنه مرة فسأله أبو إسحاق عن ذلك، فقال: اغتيب بمجلسك رجل مسلم، فقال له أبو إسحاق: أنا تائب من ذلك، وذكر أنه جاء يوما لحضور بيع كتب - وفي المجلس جماعة من العلماء والصالحين، فلما رأوه، قاموا كلهم على أرجلهم تعظيما له، وكانت له هيبة لم تكن لأحد في وقته، فأعظم فعلهم في نفسه السكاكي [¬٢]، وعزم على اختباره، فألقى عليه مسألة من معاني القرآن، ففجر منه [¬٣] بحرا، فقال في نفسه: لو قام هؤلاء على رؤسهم [¬٤] لكان قليلا.
وتوفى ﵀ سنة خمس وخمسين وثلاثمائة بمصر، وكان له إخوة صالحون: أبو علي حسن، من أهل العلم والرواية والفضل، وعبيد الله من أهل العبادة والاجتهاد والتلاوة، رافق أبا الحسن القابسي في طريق الحج من القلزم، قال [¬٥]: فكانت له كل يوم ختمة وربع.
علي بن أحمد بن إسماعيل البغدادي
سكن مصر، وكان ينتحل مذهب مالك بن أنس ويقول بالاعتزال، وكان داعية في ذلك، وكتب إلى فقهاء القيروان رسالة معروفة يدعوهم فيها إلى الاعتزال والقول بالقدر والمخلوق، وغير ذلك من مذاهبهم، ويقول لهم إن هذا [¬٦] لهو مذهب
стр. 1871
مالك ﵀ ويذم لهم طريقة متكلمي أهل السنة، ومذهب الأشعري ويبدعه، فجاوبه [¬١] فقهاء القيروان بالإنكار عليه [¬٢]، وجاوبه أبو محمد بن أبي زيد ﵀ عن كتابه برسالة معروفة، ظهر فيها علمه وقوته في الكلام، والرد [¬٣] على أهل الأهواء، ونفى عن مالك وأصحابه جميع ما نسب إليه [¬٤]، وجعل يحتج على نقض قوله في القدر من كلام مالك البديع في رسالته في القدر إلى ابن وهب.
قال الإمام القاضي أبو الفضل المؤلف [¬٥]﵁ وهذا الرجل غير معروف في المالكية ولا معدود فيهم، وإنما تستر [¬٦] بمذهب مالك لتنفق [¬٧] بدعته عند العامة، فذكرناه لننبه [¬٨] عليه، لا لنستكثر بمثله - أبعد الله مثله.
عبد العزيز بن علي المقرئ
المالكي المصري، من أصحاب أبي الذكر الفقيه بها.
وممن [¬٩] عني بالفقه وعلم القرآن وغلب عليه، وكان من المتصدرين للاقراء للقرآن، وكان يقرئ في جامع عمرو، قال: كنا نختلف إلى أبي الذكر المالكي - وهو [¬١٠] عنده - ويجالسنا في ذلك كل يوم من بعد صلاة الصبح - إلى الزوال، ومن الظهر إلى العصر، فجلس إلينا مرة شاب، فكان يجيب في المسائل أحسن جواب، وجعل يختلف إلى الحلقة زمانا وعلى وجهه أثر صفرة، وكان من أحسن الناس وجها، وعليها ديبقتان وطيلسان ونعل شراكها أسود، وكان لا يلبسها بشراك أسود
стр. 1872
إلا الشطار، فكنا [¬١] نعجب من ذلك، فلما دخل الشتاء وغير الناس زيهم لم يغير الشاب زيه، فقال لنا الشيخ: أظنه مقلا، ويجب تفقد حاله فبادر الناس وجمعوا [¬٢] له [¬٣] مائة مثقال، وعقدها الشيخ في خرقة حمراء، وقال لأحد أصحابه: ارصد الشاب، فإذا قام من الحلقة تدفعها إليه وتقول له جمعها الشيخ من وجه طيب، فلما خرج الشاب من الجامع، تبعه رسول الشيخ حتى أتى القرافة، فدعي الصلاة على جنازة، فتقدم عليها [¬٤]، فلما سلم أخذ الرسول بطرف ردائه، فانفتل إليه، فأدى إليه رسالة الشيخ وسلامه، ودفع إليه الصرة؛ فقال له: وما هي؟ قال: دنانير، قال: وما أصنع بها؟ [¬٥] قال تصرفها في مصالحك، وتجعلها حيث شئت من أهلك وأصدقائك، فقال الشاب ما لي أهل يحتاجون إليها ولا صديق، فألح عليه الرسول وهو يمشي معه حتى قربا من المقطب، فلما خشي فواته قبض عليه، فقال الشاب: يا هذا، أما علمت أن لله عبادا لو سألوه [¬٦] أن يجعل [¬٧] لهم الحصى دنانير لفعل - وحرك شفتيه، قال الرسول: فنظرت إلى الصحراء دنانير وتركت يدي منه، وحثوت بيدي جميعا في الأرض حرصا على الدنيا، فوقع في يدي دينار أطلس بلا كتابة، وتعلق الفتى بالجبل وفاتني، وانصرفت حيران [¬٨]، فلما بصر بي الشيخ، قال لأصحابه، أرى الصرة سقطت منه، فحكيت له الحكاية، وأريته الدينار فقبله، ووضعه على عينه، وفعل الناس كفعله، ثم كان عند الشيخ، حتى مات وأدرج في أكفانه.
стр. 1873
أبو العباس أحمد بن سهل بن المبارك
المعروف بالعطار، بصري الأصل، سكن الإسكندرية.
قال فيه عبدوس بن محمد: فقيه، وقال ابن معاوية: كان فقيها حاذقا، يذهب مذهب مالك، فكان [¬١] ابنه عبد الله بن محمد حافظا للحديث والفقه، صالحا من الصالحين، سمع من أبي العباس [¬٢] الناس الكثير، وسمع هو من أحمد بن مراد الجهني، وعلي بن يزيد [¬٣]، ومحمد بن زيان، وأبي العباس البغوي، وأبي الطاهر ابن مهدي - قاضي أخميم وغيرهم؛ حدث عنه من أهل الأندلس عبدوس بن محمد، وأبو الحسن الحجاري [¬٤].
ومن أهل إفريقية:
أبو سعيد خلف بن عمر (٢٥٥)
كذا قال الرقيق، وقال المالكي: عثمان بن عمر، قال أبو عبد الله الخواص: عثمان بن خلف المعروف بابن أخي هشام الربعي الحناط [¬٥]، من أهل القيروان، تفقه بابن [¬٦] نصر، وسمع منه ومن أبي القاسم الطوري [¬٧]، وأحمد بن عبد الرحمان البصري [¬٨]، وأبي بكر بن اللباد [¬٩]، وغيرهم، وعنده تفقه أكثر القرويين.
ذكر مكانه من العلم والثناء عليه
قرأت في التعليق المنسوب إلى أبي عمران الفقيه - وذكره [¬١٠] فقال: كان شيخ
стр. 1874
الفقهاء، وإمام أهل زمانه في الفقه.
وقال الرقيق [¬١] في تاريخه نحوه، وقال: كان إمام أهل زمانه في الفقه والورع [¬٢]، ولم يكن عنده رياء ولا تصنع، وكان يجتمع هو وأبو الأزهر بن معتب، وأبو محمد بن أبي زيد، وابن شلبون [¬٣]، وابن التبان، والقابسي [¬٤]، وجماعة - ذكرناهم [¬٥] ونذكرهم - للتفقه في جامع القيروان عندما ظهر أمر أبي يزيد على بني عبيد، أخذ عنه جماعة ممن ذكرنا، وخلف بن تميم الهواري، وعتيق بن إبراهيم الأنصاري [¬٦].
قال المالكي: كان يعرف بمعلم [¬٧] الفقهاء، لم يكن في وقته أحفظ منه. اختلط علم الحلال والحرام بلحمه ودمه، وما اختلف الناس فيه واتفقوا عليه؛ عالما بنوازل الأحكام، حافظا بارعا، فراجا للكروب [¬٨]، مع تواضع ورقة قلب، وسرعة دمعة وخالص نية، سأل عبد الله صاحب القيروان أبا محمد بن أبي زيد من أحفظ أصحابكم؟ فقال له أبو سعيد؛ قال: فمن أحفظهم بخلاف الناس؟ قال أبو سعيد، وذكر مرة حفظه وقوة نفسه فقال: لو شاء أن يخطئ دحمان بن معافى فعل، وقال أبو القاسم [¬٩] ابن شبلون [¬١٠]: ما أخذ على أبي سعيد مسألة خطأ قط. قال أبو محمد الأجدابي [¬١١]: كان أبو سعيد من أهل التوفيق [¬١٢]، ويعرف طريق الصوفية ويجيدها. قال [¬١٣]: وكان أبو سعيد إذا قال أجمعت الأمة، لم يوجد خلاف لقوله،
стр. 1875
ولما لف في أكفانه. قال أبو محمد بن أبي زيد: أن أبا سعيد ليس يلقى الله بمثل درة من رياء.
ولما ورد دراس بن إسماعيل أبو ميمونة القيروان، وعجب الناس [¬١] من حفظه، بلغ أبا سعيد تقصيره بعلماء القيروان، وإضافته قلة الحفظ إليهم، فقال لأصحابه: اعملوا على أن تجمعوا بيني وبينه، لئلا يقول: دخلت القيروان ولم أر بها عالما، فما زالوا به حتى أتوا به إلى أبي سعيد في مسجده، فسلم عليه، فألقى أبو ميمونة عليه نحوا من أربعين مسألة من المستخرجة والواضحة، فأجابه عنها أبو سعيد، ثم ألقى عليه أبو سعيد عشر مسائل من ديوان أحمد بن سحنون، فأخطأ فيها أبو ميمونة [¬٢] كلها، فعطف عليه أبو سعيد وقال له: لا تغفل عن الدراسة، فإني أراك فهما [¬٣]، فإن واظبت كنت شيئا، فلما قام أبو ميمونة يخرج، لم يعرف الباب من الحيرة.
وناظره بعض العراقيين فقال لهم [¬٤]: أنتم تقولون: من سب عائشة قتل، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٢٥٦) الآية، والرسول إنما جلد أصحاب عائشة، فلم تأخذوا بالقرآن ولا بالسنة، فقال له أبو سعيد: قال الله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (٢٥٧). فضرب قبل البراءة بها في القرآن، وبعد القرآن من سبها، فقد رد القرآن، ومن رد حرفا منه، فقد كفر بإجماع.
وذكر أنه كان يمشي مع أحد طلبته في فحوص صبرة، فحضرتهم الصلاة،
стр. 1876
فأراد الشيخ الصلاة، فقال الشاب: اصبر حتى نخرج أراضي هذه المدينة السوء، فقال له أبو سعيد: هذا جهل منك، أي ضرر على الأرض من صلاتنا، ولو لزم ترك الصلاة في الفحوص المغصوبة، وجب للمصلى أن يستأمر أربابها [¬١] إذا كانت غير مغصوبة، قال أبو بكر بن عبد الرحمان: وهو كما قال، لقوله ﵇: جعلت لي الأرض مسجدا [¬٢] (٢٥٨). وأن الصلاة في أرض المسلمين بغير إذنهم جائزة بلا خلاف، وإنما هذا فيما لم يجزه الغصاب [¬٣] ببناء وحوز، وبقيت على حالها بيد الغاصب كما كانت قبل.
بقية أخباره ونوادره [¬٤]
وكان أولا يبيع الحنطة، ثم رجع يكتب الوثائق ويأخذ عليها الأجر لقلة ذات يده، وكان يقول: من دار الناس مات شهيدا. وسئل عن الكرامات فقال: ما ينكرها إلا صاحب بدعة، وصحح انقلاب الأعيان فيها.
قال أبو محمد بن أبي زيد: وكان بين أبي سعيد وأخيه مشاجرة في ربع، فرفعه إلى النعمان قاضي القيروان للشيعة، فأخبر القاضي بمكانه، فأمر بإدخاله ومن معه وقال له [¬٥]: ههنا جواري، قال: جئت مخاصما، قال: بجواري ولو خاصمك أهل القيروان، فذكر له خبر أخيه، فهم النعمان بضربه وسجنه؛ فقال له:
стр. 1877
لم أرد هذا، أريد أن تأخذ على يده وتزجره، ففعل (٢٥٩)
قال بعض أصحابه، قام عنا أبو سعيد مرة، ثم أتانا يضحك، فسألناه فقال، صيح بي لامرأة من القرابة صرعت، فلما دخلت قال لى الجان [¬١]: ولم لم تسلم؟ والله - أصلحك الله - إنى نفتقدك كل ليلة، ونزور العلماء، ولقد كنت عندك البارحة جالس تحته الميزاب - وأنت تأكل التمر ولقد رميتني بنواة تحب آتيك الليلة؟ فقلت له: لا يا مشئوم. وكان أبو سعيد قبل ينكر مثل هذا [¬٢] إلى أن صرع إنسان بجانبه [¬٣]، فقال له الجان على لسان المصروع: أنت تنكر هذا يا أبا سعيد، فأنا [¬٤] أخبرك إن أردت بما في بيتك [¬٥] وما جرى لك مع خادمك البارحة؟ فقال له أبو سعيد: اسكت يا مشئوم فصار يصدق بالأمر من حينئذ.
قال بعضهم: لقيت أبا سعيد يوما، فسلمت عليه وقلت له: أصلحك الله كثيرا ما أذكرك، فقال لي: وأنا ما أذكرك لأني لا أنساك.
وفاته رحمة الله عليه [¬٦]
قال، وتوفى ليلة الجمعة لسبع خلون من صفر، سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وقال الرقيق والمالكي [¬٧]، سنة ثلاث وسبعين، وصلى عليه ابن الكوفي القاضي [¬٨]. وحضر الصلاة عبد الله بن زيرى الصنهاجي أمير افريقية المعروف
стр. 1878
ببلقين وجميع عسكره، وأهل القيروان كافة وجميع أهل المدينتين [¬١] (٢٦٠) من الموافق والمخالف [¬٢]، مولده سنة سبع وتسعين ومائتين ورثى بمراث كثيرة منها قول ابن خاقان النحوي من قصيدة:
فقل للواله [¬٣] الحراء أديلى … مصونك انه حسن القبيح
وقل للمسعدين أبو سعيد … فبكوا [¬٤] رزء مصرعه ونوحوا
فقد هلكت بمهلكه علوم … وفضل ليس يبلغة المديح
وقال ابن مازن أيضا يرثيه من قصيدة:
لقد فجع الورى شرقا وغربا … ببحر بحور العلم طام
لمن قد كان من علم ودين … عن الإسلام في الدنية يحامي
رأى الدنيا بعين النقص لما … رأى ما دام ليس عندي دوام
وابصر كل ما فيها حطام … فصان النفس عن جميع الحطام
أبو محمد عبد الله بن أبي زيد (٢٦١)
واسم أبي زيد عبد الرحمان. كذا قال الأمير ابن ماكولا والقاضي ابن الحذاء، وهو نفزي النسب، سكن القيروان.
ذكر مكانته من العلم وثناء الجلة عليه
وكان أبو محمد إمام المالكية في وقته وقدوتهم، وجامع مذهب مالك
стр. 1879
وشارح أقواله، وكان واسع العلم، كثير الحفظ والرواية كتبه تشهد له بذلك، فصيح القلم ذا بيان ومعرفة بما يقوله، ذا با عن مذهب مالك، قائما بالحجة عليه بصيرا بالرد على أهل الأهواء. يقول الشعر ويجيده، ويجمع إلى ذلك صلاحا تاما، وورعا وعفة، وحاز رئاسة الدين والدنيا، وإليه كانت الرحلة إلى الأقطار، ونجب أصحابه، وكثر الآخذون عنه، وهو الذي لخص المذهب، وضم نشره، [¬١] وذب عنه، وملأت البلاد تواليفه، عارض كثير من الناس أكثرها فلم يبلغوا مداه، مع فضل السبق وصعوبة المبدأ، وعرف قدره الأكابر.
قال الشيرازي: وكان يعرف بمالك الصغير (٢٦٢) وذكره أبو الحسن القابسي، فقال إمام موثوق به [¬٢] في درايته وروايته. وقال أبو الحسن علي بن عبد الله القطان، ما قلدت أبا محمد بن أبي زيد حتى رأيت السبائي يقلده.
وذكره أبو بكر بن الطيب (٢٦٣) في كتابه فعظم قدره وشيخه، وكذلك هو وغيره من أهل المشرق، واستجازه ابن مجاهد البغدادي وغيره من أصحابه البغداديين.
قال أبو عبد الله الميورقى: اجتمع فيه العلم والورع والفضل والعقل، شهرته تغنى عن ذكره.
قال الداودي، وكان سريع الانقياد والرجوع [¬٣] إلى الحق، تفقه بفقهاء بلده. وسمع من شيوخه، وعول على أبي بكر بن اللباد وأبي الفضل الممسى، وأخذ
стр. 1880
أيضا عن محمد بن مسرور العسال، وعبد الله بن مسرور بن الحجام، والقطان، والأبياني، وزياد بن موسى، وسعدون الخولاني وأبى العرب وأبي أحمد بن أبي سعيد [¬١]، وحبيب مولى ابن أبي سليمان في آخرين، ورحل فحج، وسمع من ابن الأعرابي، وإبراهيم بن محمد بن المنذر وأبي علي بن أبي هلال، وأحمد بن إبراهيم بن حماد القاضي، وسمع أيضا من الحسن بن بدر، ومحمد بن الفتح والحسن بن نصر السوسي، ودراس بن إسماعيل، وعثمان بن سعيد الغرابلي، وحبيب بن أبي حبيب الجزري، وغيرهم واستجاز ابن شعبان، والأبهري. والمروزي، وسمع منه خلق كثير وتفقه عنده جلة، فمن أصحابه القرويين: أبو بكر بن عبد الرحمان، وأبو القاسم البراذعي، واللبيدي، وابناء [¬٢] الاجدابي وأبو عبد الله [¬٣] الخواص، وأبو محمد المكي المقرئ.
ومن أهل الأندلس، أبو بكر بن موهب المقبرى [¬٤]، وابن عابد، وأبو عبد الله بن الحذاء، وأبو مروان القنازعي.
ومن أهل سبتة أبو عبد الرحمان بن العجوز، وأبو محمد بن غالب، وخلف بن ناصر.
ومن أهل المغرب، أبو علي [¬٥] بن أمدكتوا السجلماسي.
ذكر تواليفه
له كتاب النوادر والزيادات على المدونة مشهور، أزيد من مائة جزء، وكتاب مختصر المدونة، مشهور، وعلى كتابيه هذين المعول بالمغرب [¬٦] في التفقه وكتاب
стр. 1881
تهذيب العتبية [¬١]، وكتاب الاقتداء بأهل المدينة، وكتاب الذب عن مذهب مالك، وكتاب الرسالة - مشهور وكتاب التنبيه على القول في أولاد المرتدين ومسألة الحبس على ولد الأعيان، وكتاب تفسير أوقات الصلوات، وكتاب الثقة بالله والتوكل على الله وكتاب المعرفة واليقين، وكتاب المضمون من الرزق، وكتاب المناسك، ورسالة فيمن تأخذه عند قراءة القرآن والذكر حركة، وكتاب رد السائل، وكتاب حماية عرض المومن، وكتاب البيان عن إعجاز القرآن، وكتاب الوساوس [¬٢]، ورسالة إعطاء القرابة من الزكاة، ورسالة النهي عن الجدال، ورسالة في الرد عن القدرية ومناقضة رسالة البغدادي المعتزلى، وكتاب الاستظهار في الرد على الفكرية، وكتاب كشف التلبيس في مثله، ورسالة الموعظة والنصيحة، ورسالة طالب [¬٣] العلم، وكتاب فضل قيام رمضان، ورسالة الموعظة الحسنة لأهل الصدق، ورسالة إلى أهل سجلماسة في تلاوة القرآن، ورسالة في أصول التوحيد وجملة تواليفه كلها مفيدة بديعة غزيرة العلم.
وذكر أنه دخل يوما [¬٤] على أبى سعيد ابن أخي هشام يزوره، فوجد مجلسه محتفلا، فقال له، بلغني [¬٥] أنك ألفت كتبا، فقال له: نعم أصلحك الله، فقال له. اسمع مسألة، فقال له أبو محمد اذكر أصلحك الله [¬٦]، فإن أصبت اخبرتنا، وإن أخطأت علمتنا، فسكت أبو سعيد [¬٧] ولم يعاوده.
стр. 1882
بقية أخباره
كان أبو محمد ﵀ من أهل الصلاح والورع والفضل، وذكر أنه ﵀ قام ذات ليلة للوضوء، فصب الماء من القلة في الإناء فانهرق، ثم صبه ثانية فانهرق، ثم جرى له ذلك ثالثة [¬١] فاستراب. وقال تتمردون علينا، فسمع من يقول له - ولا يراه -[¬٢] أن الصبي بال فرش على القلة فكرهنا وضؤك منها.
ولما ألف كتبه على الفكرية، ونقض كتاب [¬٣] عبد الرحمان الصقلي بتأليفه الكشف، وكتاب الاستظهار ورد كثيرا مما نقلوه من خرق العادات على ما قرره في كتابه شنعت [¬٤] المتصوفة. وكثير من أصحاب الحديث عليه ذلك، وأشاعوا أنه نفى الكرامات، وهو ﵁ لم يفعل، بل من طالع كتابه عرف مقصده، فرد عليه جماعة من أهل الأندلس ومن أهل المشرق، وألفوا عليه تواليف معروفة ككتاب أبي الحسن بن جهضم الهمداني وكتاب أبى بكر الباقلاني، وأبي عبد الرحمان [¬٥] بن شق الليل، وأبى الليل، وأبى عمر الطلمنكي في آخرين. وكان أرشدهم [¬٦] في ذلك وأعرفهم بغرضه ومقداره، إمام وقته القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني فإنه بين مقصوده.
قال الطلمنكي: كانت تلك من أبي محمد بادرة لها أسباب، أوجبها التنافر [¬٧] الذي يقع بين العلماء عندنا رجوعه عنها، ولم يرد [¬٨] في ظاهر أمره إلا تحصين
стр. 1883
النبوءة، فأدى الأمر [¬١] إلى أن جهل [¬٢] الكرامات باعتلاله لها، وإلا فهو أجل من أن ينكرها إنكار إبطال لها وإنما أنكرها فيما بلغنا عن طبقات عندهم محتالين [¬٣] لأكل أموال الناس مخادعين للجهال، وقد روى منها وأملى كثيرا.
قال الأجدابي، كنت جالسا عند أبي محمد وعنده أبو القاسم عبد الرحمان بن عبد المومن المتكلم، فسألهما إنسان عن الخضر - صلوات الله عليه - هل يقال أنه باق في الدنيا مع هذه القرون، لم يمت [¬٤] لقيام الساعة، وهل يرد هذا لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (٢٦٤) - فأجابا معا أن ذلك ممكن جائز، وأن يبقى الخضر إلى النفخ في الصور، فإن [¬٥] الخلود إنما هو اتصال بقائه ببقاء الآخرة، وإن البقاء إلى النفخة [¬٦] ليس بخلود، ألا ترى أن إبليس - لعنه الله - ليس [¬٧] خالدا - وإن كان من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم.
ويذكر أن أبا محمد كتب (٢٦٥) إلى أبي بكر الأبهري:
تأبى قلوب قلوب (٢٦٦) قوم … وما لها عندها (٢٦٧) نصيب
стр. 1884
وتصطفى أنفس نفوسا … وما لها عندها (٢٦٨) نصي
ذاك إلا لمضمرات … أضمرها (٢٦٩) الشاهد الرقيب
قال أبو القاسم اللبيدي: اجتمع عيسى بن ثابت العابد بالشيخ أبي محمد، فجرى بينهما بكاء عظيم وذكر، فلما أراد فراقه قال له عيسى: أحب [¬١] أن تكتب اسمي في البساط الذي تحتك، فإذا رأيته دعوت لي، فبكى أبو محمد وقال له: قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢٧٠))) فهبني دعوت لك، فأين العمل الصالح يرفعه.
وفاته ﵀ -[¬٢]
وتوفى أبو محمد بن أبي زيد [¬٣] سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ورثاه كثير من أدباء القيروان بمراثى [¬٤] مشجية، منها [¬٥] قول ابن [¬٦] الخواص الكفيف.
هذا لعبد الله أول مصرع … ترزي به الدنيا وآخر مصرع
كادت تميد الأرض خاشعة الربا [¬٧] … وتمور أفلاك النجوم [¬٨] الطلع
عجبا لا يدري [¬٩] الحاملون لنعشه … كيف استطاعة [¬١٠] حمل بحر منزع
علما وحلما [¬١١] كاملا وبراعة … وتقى وحسن سكينة وتورع
стр. 1885
غصت [¬١] فجاج الأرض سعيا حوله … من راغب في سعيه متبرع [¬٢]
يبكونه ولكل باك منهم … ذل الأسير وحرقة المتوجع
وقال أبو علي بن سفيان من قصيدة:
غصت فجاج الأرض حتى ما ترى … أرض ولا علم ولا بطحاء
ما زلت تقدم جمعهم هديا لهم … في موكب حفت به النجباء
وذكر أن أبا محمد [¬٣] رئ في مجلسه تحت فكرة وكآبة، فسئل عن سبب هذا [¬٤]، فقال: رأيت باب داري سقط، وقد قال فيه الكرماني إنه يدل على موت صاحب الدار [¬٥]، فقيل له الكرماني مالك في علمه؟ [فقال نعم هو في علمه مثل مالك في علمه] [¬٦] فلم يقم إلا يسيرا حتى مات [¬٧]﵀.
أبو إسحاق الجبنياني [¬٨] (٢٧١)
أحد أئمة المسلمين وأبدال أولياء الله الصالحين.
وقد جمع الفقيه أبو القاسم اللبيدي، وأبو بكر المالكي من أخباره خباره وسيره ما ذكرنا ههنا عيونها [¬٩]، هو إبراهيم بن أحمد بن علي بن مسلم [¬١٠] البكري من بكر بن
стр. 1886
وائل، وكان [¬١] سلفه من أهل الخطط بالقيروان ولهم مسجد يعرف بمسجد ابن سالم [¬٢] بها وجده على من أصحاب سحنون، تقدم ذكره في طبقته (٢٧٢)، وولى بنو الأغلب أبا بكر أحمد بن علي والد الشيخ أبي إسحاق خراج إفريقية فتورط معهم، وكان من أهل الأدب والفهم، ثم ارتفع إلى حد الوزارة، إلى أن زالت دولة بني الأغلب فنكب فيمن نكب، ولم يبق له إلا بقية ربع بسوسة، فلزم الخير والحج [¬٣] إلى أن مات.
ذكر بداية أبي إسحاق [¬٤]
كان أبوه - وهو في حاله - قد أخذ له معلمين، أحدهما للقرآن، والآخر للعربية والشعر - وهو في رفاهة من العيش.
قال أبو القاسم فلقد حدثني من رأى أبا إسحاق في تلك الأيام - وحوله خمسة عشرة صقلبيا موكلين بحفظه، وكان والده ينزل بقرية جبنيانة [¬٥]، وكانت من جملة أملاكهم، فيقيم بها الشهور أكثر أيام النزهة، ومعه ابنه أبو إسحاق يوجهه إلى شيخ معلم بجبنيانة، يقال له ابن عاصم يقيم عنده ويتبرك به ويتعلم منه، ويختلف إليه بكرة وعشيا وكان ابن عاصم قد شهر بالعبادة، وإجابة الدعاء، وكانوا يتبركون بدعائه قد نفع الله به خلقا كثيرا، فكان يفعل هذا في كل سنة إلى أن بلغ أبو إسحاق الحلم، فدخل قلبه من الخير وما يسمع من ابن عاصم، ويرى من فضله - ما أزعجه عما كان فيه فانخلع من الدنيا وليس عباءة وهرب، فطلب فلم يوجد [¬٦]، فكان [¬٧] يستأجر نفسه بما يرد عليه [¬٨] مما [¬٩] يقيم به رمقه قال:
стр. 1887
ولقد بقي في تلك الحال يومين لم يطعم ولم يجد من يستأجره، فإذا برجل يقول: من يحمل هذا المجذوم إلى موضع كذا بثمن درهم، فحمله وأخذ الثمن، فاقتات به؛ ووفق مع زهده إلى طلب العلم، فكان لا يسمع في تصرفاته وسياحته بعالم، إلا أتاه وسمع منه وكتب عنه، ولا برجل صالح إلا قصده وانتفع به، وأبوه في هذا قاعد [¬١] مع بني الأغلب في حاله، فلقد ذكر أن أبا إسحاق وجد مرة [¬٢] يعجن طينا بمدينة سوسة بأجرة، فقيل له إن أباك كثير الاجتهاد في طلبك، فقال: قولوا له أتظن [¬٣] أنه يخرج من ظهرك من يطلب الحلال؟ وحج سنة أربع عشرة وثلاثمائة.
ذكر محله من العلم
قال أبو القاسم اللبيدي [¬٤]: وكان أبو إسحاق قد سمع العلماء، وله من عيسى بن مسكين إجازة، وكتب عن أبي بكر بن اللباد.
قال اللبيدي: وكان ابن اللباد به معجبا [¬٥]، وكانت [¬٦] أكثر دراسته بالساحل على أبي علي حمود بن سهلون صاحب ابن عبدوس، وأخذ أيضًا عن محمد بن عبد الرحمان [¬٧] بن علي بن عبد ربه، وأبي يوسف بن مسلم، وجماعة سواهم؛ وكان يقول: لقد أدركت [¬٨] هذا الساحل وما منه قرية إلا بها رجل من أهل العلم والقرآن، أو رجل صالح يزار.
стр. 1888
وقال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق حسن الضبط في نقله وتصحيحه للكتب [¬١]، إذا سمع من عالم لم يكتب اسمه في كتاب [¬٢]، وكان ممن سمع واستكتب؛ وكان حافظا إذا حفظ شيئا قلما ينساه، وكان درس محل الفقه دواوين، وكتب بيده كتبا كثيرة، وكان من أعلم الناس باختلاف العلماء، عالما بعبارة الرؤيا ولا يفتى فيها، ويعرف حظا من اللغة والعربية، حسن القراءة للقرآن يحسن تفسيره وإعرابه وناسخه ومنسوخه، لم يترك حظه من دراسة العلم بالليل إلا عند ضعفه قبل موته بقليل، وكان لما ضعف بصره عن قراءة الليل، يجعل ابنه أبا الطاهر يقرأ عليه.
قال أبو القاسم: وكان لا يفتى إلا أن يسمع من يتكلم بما لا يجوز فيرد عليه، أو يرى [¬٣] من يخطئ في صلاته فيرد عليه، ولقد وقف على مسائل أفتى فيها جلة العلماء، فقال لهم: عاودوا المفتي [¬٤]، فما أراه أجاب إلا عن شغل قلب [¬٥]، فعاودوه، فأجاب [¬٦] بخلاف الجواب الأول؛ وكان يقرأ، فلما ضعف، جعل ابنه يقرأ عليه، فإذا حضر أحد من العامة، قطع القراءة حذرا عليهم أن يسمعوا ما لا يفهمون، إلا أن يكون كتاب فقه؛ وكان أبو الحسن القابسي يقول: الجبنياني إمام يقتدى به؛ وكان أبو محمد بن أبي زيد يعظم من شأنه ويقول: طريق أبي إسحاق خالية لا يسلكها أحد في الوقت، ويقول: لئن لم يكن أمر أويس القرني صحيحا، فالجبنياني أويس هذه الأمة؛ ويقول: لو فاخرتنا [¬٧] بنو إسرائيل بعبادها، لفاخرناهم بالجبنياني؛ ويقول: من محبتي فيه وكثرة [¬٨] ذكرى له، أني أراه في المنام، ولقد
стр. 1889
قوى قلبي، أنه يدعو لي، وأنه رأى جامع مختصر المدونة الذي ألفته فأعجبه؛ وكان أبو محمد بن التبان يثني عليه، وكان مسرة بن مسلم [¬١] إذا ذكره يبكي بكاء عظيما ويقول: كان - والله - مقدما علينا في صغره وفي كبره.
قال أحمد بن حبيب: قال أبو القاسم اللبيدي: وكان من أهل العلم، قال لي أبو إسحاق: أتدرسون في هذا الوقت العلم؟ قال: نعم، قال: فتجتمعون للمذاكرة، قلت: نعم، قال: لقد كنا نجتمع، ولقد ألقينا المدونة في شهر ندرس [¬٢] النهار ونلقى الليل، فما علمت أنا نمنا ذلك الشهر؛ ثم قال لي [¬٣]: وإنما يقوى على السهر بأكل اللحم، ثم قال لي: أي كتاب في أيديكم تدرسونه، فقلت: العتق الأول، فألقى علي من أوله، وسرد المسائل حتى كأن الكتاب في يده؛ قال: وكان ينزع بالقرآن والسنة، وكان العلماء والفصحاء بين يديه كالغلمان بين يدي المعلم من هيبته.
ذكر زهده في الدنيا وسيرته في نفسه [¬٤] وولده وأهله
قال أبو الحسن القابسي: لما رأيت هديه وسمته وصلاته وحاله، رأيت شبيه السلف الصالح؛ وكان يقول: وقف أبو إسحاق على أقل عيش في الدنيا، وقال: أروني منزلة دونها أنزل إليها.
قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق من أشد الناس تضييقا [¬٥] على نفسه ثم على أهله، وكان يأكل البقل البري والجراد إذا وجده، ويطحن قوته بيده شعيرا ثم يجعله بنخالته دقيقا في قدر مع ما وجد [¬٦] من بقل بري أو غيره، حتى انه ربما رمى
стр. 1890
منه بشيء لكلب أو هر [¬١] فلا يأكله، وربما عوتب في ذلك فيقول: الرقاد مع الكلاب على المزابل، وأكل خبز الشعير بنخالته [¬٢]، كثير لمن يرجو [¬٣] في الآخرة شيئا، وكان قوته الذي يأكله من الشعير يتولاه له رجل من إخوانه يحرثه في أرض حلال، وزريعة حلال ببقر [¬٤] حلال، فإذا أصاب فيما زرع أكثر من القوت، تصدق به، وقوته من الزيت من عند رجال صالحين، وكان لباسه أولا صوفا من موضع يعرف أصله، فلما تغيرت الأمور - يعني بالفتن - كان يلبس خرق المزابل، يجمعها فيغسلها [¬٥]، ويبطن بعضها على بعض، فيجعل منها شيئا في وسطه [¬٦]، وشيئا على ظهره، ويخيطها بمسلة من عظم غزال، وكان يتوطأ الرمل، وفي الشتاء، يأخذ قفاف المعاصر [¬٧] الملقاة على المزابل فيجعلها [¬٨] تحته، ويكسو بنيه [¬٩] كل واحد جبة صوف ولفافة على رأسه، فإذا بلغ أحدهم، اسقط النفقة عنه والكسوة، وقال له: لا أتقلد لك [¬١٠]، وكان وطاؤهم حصيرا خلقا قديما، وعند رؤوسهم الطوب، ومائدتهم جلد أضحية، ولقد مكث قبل موته نحوا من سبع سنين، لم يأكل خبزا، إنما يلقى الدقيق في القدر مع ما فيها، وكان إذا مشى أسرع حتى لا يكاد يدركه إلا من يجري.
قال بعضهم: لقيته يوما مهموما، فسألته: ما بالك؟ قال: ولم لا أكون مهموما والمنكر في داري؟ والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم: قلت:
стр. 1891
المنكر؟ قال: أي والله - المنكر، قلت: ما هو - رحمك الله؟ قال: قشور قرع ملقاة على بابي، رماها أهلي، يمشون عليها وفيها قوت، أيموت أحد جوعا وهو يجد قشور قرع [¬١]؟ ثم جمعها فطبخها لقوته، قال: وكان عند أبي إسحاق في شبيبته [¬٢] زيت حصل له من التعليم، فمرت على الناس شدة، فقيل له: تبيع هذا الزيت بالدين؟ فقال: نعم، لكني لا أعامل من له ذمة، إنما أعامل الفقراء، ومن لا ذمة له، فباعه منهم، فلما وجب البيع، قال: لي عليكم أن لا يأتيني أحد بشيء مما عليه حتى أقتضيه منه؛ فلما زالت الشدة وأيسر [¬٣] بعضهم، أتاه بالثمن، فقال له: ما هكذا بيني وبينكم، ثم ترك جميع ذلك لهم. وختم عليه صبى، فأتاه بدينار، قال له شيخ من أصحابه: أعطني هذا الدينار أعمل لك فيه، ففعل، قال: فلم أزل أتجر به [¬٤] سنين [¬٥] كثيرة حتى حصل به من الزيت ما يساوي ستين دينارا، وغلا الزيت، فأخبرته بذلك، فحمد الله وأثنى عليه، وقال لي: إذا أتتك رقعتي بخطي، فاعمل على ما فيها؛ فكانت رقعته تأتيني بيد فقير فيها: بسم الله الرحمان الرحيم، جبر الله - يا أخي - قلبك، وغفر ذنبك، تدفع إلى موصل رقعتي كذا وكذا، والسلام عليك [¬٦]، وصلى الله على محمد وعلى آله [¬٧] وسلم. وهكذا كانت كتبه، ثم صلى على جنازة فقال لي: بقي من ذلك الزيت شيء؟ قلت: لا، إلا شيء من عكر ففرقه، وانصرف منه بنصف قفيز [¬٨] لا غير ذلك. ورغب إليه رجل من الصالحين في حصار أبي يزيد واشتداد الحال في دينار يقبله منه قرضا، إذ [¬٩] علم أنه لا
стр. 1892
يقبله على غير ذلك، فأبى وقال: أنا في غنى عنه، عندى قفيز زيت وخمسة أثمان شعير؛ فقيل له: ما [¬١] يغنى عنك هذا القدر - وأنت في خمسة من العيال، وفتنة وغلاء؛ فقال: الاشتغال بهذا من الفضول. قال ابنه أبو الطاهر: وكنا إذا بقينا بلا شيء نقتاته، كنت أسمعه في الليل يقول -:
مالي تلاد ولا استظرفت [¬٢] من نشب … وما أؤمل غير الله من أحد
إن القنوع بحمد الله يمنعني … من التعرض للمنانة النكد
إني لأكرم وجهي أن أعرضه … عند السؤال لغير الواحد الصمد
فذكر ذلك لأبي الحسن القابسي، فقال مثل الجبنياني، يقول هذا ويصدق فيه.
ذكر ورعه وخوفه وعبادته واستصغاره نفسه
ذكر أنه في [¬٣] أول أمره، استأجر نفسه عند رجل بجهة سوسة، يرعى له بقرا؛ فأتاه يوما بفأس، فقال له: اقطع خشبة من هذه الشجرة، فقال له أبو إسحاق: ليست لك إنما هي لأخيك؛ فقال له: صرت لي ضدا، إنما عليك أن تسمع ما آمرك به فتعمله؛ فقال له: بل علي أن أتقي الله، فانصرف عنه، فلحقه بأجرته؛ فقال له: من أين تدفعها لي، أنت لم ترع عن قطع شجرة أخيك في غيبته، فمن أين تدفع لي؟ وذهب ولم يأخذ منه شيئا.
وقال أبو بكر السيوطي: صحبته قديما، فكنا ربما استأجرنا أنفسنا في جمع الزيتون، فإذا دفعت إلينا أجرتنا يحط منها ويقول: نخشى أنا لم نوف، فكيف نستوفي؟
стр. 1893
وحضر طعام رجل من أصحابه فلم يأكل [¬١] منه، فعتب فيه؛ فقال: رأيته يأكل طعام من لا يتحرى في كسبه، فلما رأيته ترك حلاله وأكل ذلك، أوجب عندى التنزه عن طعامه.
ولما رحل إلى القيروان ليسمع من أبي بكر بن اللباد، جاء بجرادق [¬٢] من شعير، فكان يفطر كل ليلة على واحد [¬٣]، ويشرب من بئر روطة، فلما فرغت [¬٤] جرادقه، انصرف ولم يشتر بها شيئا يؤكل؛ ولما جاءت فتنة أبي يزيد، واختلطت أملاك الناس في الغنم، ترك شراء الرق، فلم يكن يكتب فيه.
قال بعض أصحابه: سرت معه يوما وأنا أسوق دابة، فأخذت عودا من الطريق أصرفها [¬٥] به، فقال لي: أهو لك؟ قلت: لا، قال: ألقه، قلت: إنه عود ملقى؛ فقال: كان أصحابنا يرعون عن أخذ الحجر من غير أرضهم، قلت له: ان مالكا سئل في [¬٦] الحبل والعصا وما لا بال له، فقال له [¬٧]: صدقت، ولم يقل مالك أخذه خير من تركه؛ وأقل ما يتقى من ذلك، أنها تصير عادة لما هو أكثر منه.
قال [¬٨] بعض أصحابه: رأيت في المنام رجلا مشهورا بالفسوق، يرجم بحجارة من السماء، فذكرت ذلك لأبي إسحاق، فأقبل علي وهو مذعور، فقال له [¬٩]: سألتك بالله أنا هو - يكررها عليه حتى حلف له بالله أنه ما هو إلا فلان؛ فقال: والله ما أعلم أحدا أحق بذلك مني.
قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق ظاهر الحزن، كثير الدمعة، يسرد الصيام؛
стр. 1894
قال ابنه أبو الطاهر: أنه ما رآه مفطرا قط، قال: وقال لي أبي: أن إنسانا أقام في آية سنة لم يتجاوزها - وهي قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾. فقلت له: أنت هو، فسكت، فعلمت أنه هو.
وكان إذا دخل في الصلاة، لو سقط البيت الذي هو فيه، ما التفت، إقبالا على صلاته، واشتغالا بمناجاة ربه. ولقد اجتمع [¬١] أولاده ليلة لزيارة أمهم، وجاءوا بلحم فطبخته لهم في ركن البيت، وتعشوا والشيخ في الركن الآخر يصلي، فبعد مدة قال لامهم: ما لكم لم [¬٢] تعملوا عشاء - لشدة إقباله على صلاته.
وحكى بعضهم أنه جاء يوما فسلم عليه وقبل في عنقه، قال: فرد يده وصفع نفسه؛ فبكيت بكاء عظيما، فقال لي: ما يبكيك، قلت: لأن هذا كان يسألني، فقال: عنقى بالصفع أولى منه بالقبلة.
وقيل له: لم اخترت سكنى [¬٣] جبنيانة على غيرها؟ قال: أردت أن يخمل الله ذكرى فيها، لأني رأيتها من أقل القرى ذكرا.
قال أبو القاسم: ولقد رأيته يوما وعظ، فبكى وأبكى، ثم [¬٤] اتصل البكاء بخارج الدار، فصارت كأنها مناحة، فلما رأى ذلك خاف الفتنة على نفسه، فنظر إلى نعل ملقاة بحذائه، فقال لمن حوله: سألتكم بالله، إلا خذوا هذه النعل، فاصفعوا بها [¬٥] قفا [¬٦] هذا الشيخ السوء، الذي يأمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر ولا ينتهى عنه.
стр. 1895
ونبت في ساقه نبت، فقيل له داوه بخثا البقر سخنا [¬١] مع الزيت حتى يطيب، فسأل عن بقرة [¬٢] أصلية، فقيل له: عند علي بن عيشون، فقال: انه قد [¬٣] مات وترك ورثة فيهم أطفال.
وسمع - رحمة الله عليه - كلبا ينبح، فقال لأصحابه: هذا الكلب - والله - أنصح لأهله مني لنفسي [¬٤]، لأنه يحرس لأهله ويدفع عنهم [¬٥]، وهم يجيعونه ويضربونه، وأنا [¬٦] قد من الله علي بالإسلام، وحضنى على ما فيه نجاتي، فقصرت ولم أنصح نفسي.
قال أبو عبد الله محمد بن مالك الطوسي: انتسخت من أبي إسحاق كتابا فيه رقائق وحكايات، فقلت لولده عبد الرحمان: عسى تلطف به حتى نسمعه منه، فجئناه، فقلنا - أصلحك الله - نحب أن نقابل هذا الكتاب بين يديك، فقال: افعلا، فلما أخذنا لنقابل، قلت له [¬٧]- أصلحك الله: على من قرأته أو عمن رويته، فأخذ الكتاب من يدي، فقال [¬٨]: انصرف، فقلت: لو ترك العلماء الرواية، لذهب العلم وانقطع الأثر، وأنت تعلم ما جاء فيمن كتم علماء؛ فقال لي - وهو يبكي -: أليس في الحديث: يحمل هذا العلم من كان خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فقلت: نعم، فقال: شيخ جبنيانة، ليس بعدل حتى تقبل شهادته على النبي ﷺ ، فانصرفت عنه.
ولما ورد أبو حامد الخراساني إفريقية، وصل إلى الجبنياني، فسلم عليه وقال: جئتك من خراسان زائرا، فقال له الشيخ: إن صدقت، فأنت أحمق، وإن قبلت [¬٩] أنا [¬١٠]