المنكر؟ قال: أي والله - المنكر، قلت: ما هو - رحمك الله؟ قال: قشور قرع ملقاة على بابي، رماها أهلي، يمشون عليها وفيها قوت، أيموت أحد جوعا وهو يجد قشور قرع [¬١]؟ ثم جمعها فطبخها لقوته، قال: وكان عند أبي إسحاق في شبيبته [¬٢] زيت حصل له من التعليم، فمرت على الناس شدة، فقيل له: تبيع هذا الزيت بالدين؟ فقال: نعم، لكني لا أعامل من له ذمة، إنما أعامل الفقراء، ومن لا ذمة له، فباعه منهم، فلما وجب البيع، قال: لي عليكم أن لا يأتيني أحد بشيء مما عليه حتى أقتضيه منه؛ فلما زالت الشدة وأيسر [¬٣] بعضهم، أتاه بالثمن، فقال له: ما هكذا بيني وبينكم، ثم ترك جميع ذلك لهم. وختم عليه صبى، فأتاه بدينار، قال له شيخ من أصحابه: أعطني هذا الدينار أعمل لك فيه، ففعل، قال: فلم أزل أتجر به [¬٤] سنين [¬٥] كثيرة حتى حصل به من الزيت ما يساوي ستين دينارا، وغلا الزيت، فأخبرته بذلك، فحمد الله وأثنى عليه، وقال لي: إذا أتتك رقعتي بخطي، فاعمل على ما فيها؛ فكانت رقعته تأتيني بيد فقير فيها: بسم الله الرحمان الرحيم، جبر الله - يا أخي - قلبك، وغفر ذنبك، تدفع إلى موصل رقعتي كذا وكذا، والسلام عليك [¬٦]، وصلى الله على محمد وعلى آله [¬٧] وسلم. وهكذا كانت كتبه، ثم صلى على جنازة فقال لي: بقي من ذلك الزيت شيء؟ قلت: لا، إلا شيء من عكر ففرقه، وانصرف منه بنصف قفيز [¬٨] لا غير ذلك. ورغب إليه رجل من الصالحين في حصار أبي يزيد واشتداد الحال في دينار يقبله منه قرضا، إذ [¬٩] علم أنه لا
стр. 1892
يقبله على غير ذلك، فأبى وقال: أنا في غنى عنه، عندى قفيز زيت وخمسة أثمان شعير؛ فقيل له: ما [¬١] يغنى عنك هذا القدر - وأنت في خمسة من العيال، وفتنة وغلاء؛ فقال: الاشتغال بهذا من الفضول. قال ابنه أبو الطاهر: وكنا إذا بقينا بلا شيء نقتاته، كنت أسمعه في الليل يقول -:
مالي تلاد ولا استظرفت [¬٢] من نشب … وما أؤمل غير الله من أحد
إن القنوع بحمد الله يمنعني … من التعرض للمنانة النكد
إني لأكرم وجهي أن أعرضه … عند السؤال لغير الواحد الصمد
فذكر ذلك لأبي الحسن القابسي، فقال مثل الجبنياني، يقول هذا ويصدق فيه.
ذكر ورعه وخوفه وعبادته واستصغاره نفسه
ذكر أنه في [¬٣] أول أمره، استأجر نفسه عند رجل بجهة سوسة، يرعى له بقرا؛ فأتاه يوما بفأس، فقال له: اقطع خشبة من هذه الشجرة، فقال له أبو إسحاق: ليست لك إنما هي لأخيك؛ فقال له: صرت لي ضدا، إنما عليك أن تسمع ما آمرك به فتعمله؛ فقال له: بل علي أن أتقي الله، فانصرف عنه، فلحقه بأجرته؛ فقال له: من أين تدفعها لي، أنت لم ترع عن قطع شجرة أخيك في غيبته، فمن أين تدفع لي؟ وذهب ولم يأخذ منه شيئا.
وقال أبو بكر السيوطي: صحبته قديما، فكنا ربما استأجرنا أنفسنا في جمع الزيتون، فإذا دفعت إلينا أجرتنا يحط منها ويقول: نخشى أنا لم نوف، فكيف نستوفي؟
стр. 1893
وحضر طعام رجل من أصحابه فلم يأكل [¬١] منه، فعتب فيه؛ فقال: رأيته يأكل طعام من لا يتحرى في كسبه، فلما رأيته ترك حلاله وأكل ذلك، أوجب عندى التنزه عن طعامه.
ولما رحل إلى القيروان ليسمع من أبي بكر بن اللباد، جاء بجرادق [¬٢] من شعير، فكان يفطر كل ليلة على واحد [¬٣]، ويشرب من بئر روطة، فلما فرغت [¬٤] جرادقه، انصرف ولم يشتر بها شيئا يؤكل؛ ولما جاءت فتنة أبي يزيد، واختلطت أملاك الناس في الغنم، ترك شراء الرق، فلم يكن يكتب فيه.
قال بعض أصحابه: سرت معه يوما وأنا أسوق دابة، فأخذت عودا من الطريق أصرفها [¬٥] به، فقال لي: أهو لك؟ قلت: لا، قال: ألقه، قلت: إنه عود ملقى؛ فقال: كان أصحابنا يرعون عن أخذ الحجر من غير أرضهم، قلت له: ان مالكا سئل في [¬٦] الحبل والعصا وما لا بال له، فقال له [¬٧]: صدقت، ولم يقل مالك أخذه خير من تركه؛ وأقل ما يتقى من ذلك، أنها تصير عادة لما هو أكثر منه.
قال [¬٨] بعض أصحابه: رأيت في المنام رجلا مشهورا بالفسوق، يرجم بحجارة من السماء، فذكرت ذلك لأبي إسحاق، فأقبل علي وهو مذعور، فقال له [¬٩]: سألتك بالله أنا هو - يكررها عليه حتى حلف له بالله أنه ما هو إلا فلان؛ فقال: والله ما أعلم أحدا أحق بذلك مني.
قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق ظاهر الحزن، كثير الدمعة، يسرد الصيام؛
стр. 1894
قال ابنه أبو الطاهر: أنه ما رآه مفطرا قط، قال: وقال لي أبي: أن إنسانا أقام في آية سنة لم يتجاوزها - وهي قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾. فقلت له: أنت هو، فسكت، فعلمت أنه هو.
وكان إذا دخل في الصلاة، لو سقط البيت الذي هو فيه، ما التفت، إقبالا على صلاته، واشتغالا بمناجاة ربه. ولقد اجتمع [¬١] أولاده ليلة لزيارة أمهم، وجاءوا بلحم فطبخته لهم في ركن البيت، وتعشوا والشيخ في الركن الآخر يصلي، فبعد مدة قال لامهم: ما لكم لم [¬٢] تعملوا عشاء - لشدة إقباله على صلاته.
وحكى بعضهم أنه جاء يوما فسلم عليه وقبل في عنقه، قال: فرد يده وصفع نفسه؛ فبكيت بكاء عظيما، فقال لي: ما يبكيك، قلت: لأن هذا كان يسألني، فقال: عنقى بالصفع أولى منه بالقبلة.
وقيل له: لم اخترت سكنى [¬٣] جبنيانة على غيرها؟ قال: أردت أن يخمل الله ذكرى فيها، لأني رأيتها من أقل القرى ذكرا.
قال أبو القاسم: ولقد رأيته يوما وعظ، فبكى وأبكى، ثم [¬٤] اتصل البكاء بخارج الدار، فصارت كأنها مناحة، فلما رأى ذلك خاف الفتنة على نفسه، فنظر إلى نعل ملقاة بحذائه، فقال لمن حوله: سألتكم بالله، إلا خذوا هذه النعل، فاصفعوا بها [¬٥] قفا [¬٦] هذا الشيخ السوء، الذي يأمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر ولا ينتهى عنه.
стр. 1895
ونبت في ساقه نبت، فقيل له داوه بخثا البقر سخنا [¬١] مع الزيت حتى يطيب، فسأل عن بقرة [¬٢] أصلية، فقيل له: عند علي بن عيشون، فقال: انه قد [¬٣] مات وترك ورثة فيهم أطفال.
وسمع - رحمة الله عليه - كلبا ينبح، فقال لأصحابه: هذا الكلب - والله - أنصح لأهله مني لنفسي [¬٤]، لأنه يحرس لأهله ويدفع عنهم [¬٥]، وهم يجيعونه ويضربونه، وأنا [¬٦] قد من الله علي بالإسلام، وحضنى على ما فيه نجاتي، فقصرت ولم أنصح نفسي.
قال أبو عبد الله محمد بن مالك الطوسي: انتسخت من أبي إسحاق كتابا فيه رقائق وحكايات، فقلت لولده عبد الرحمان: عسى تلطف به حتى نسمعه منه، فجئناه، فقلنا - أصلحك الله - نحب أن نقابل هذا الكتاب بين يديك، فقال: افعلا، فلما أخذنا لنقابل، قلت له [¬٧]- أصلحك الله: على من قرأته أو عمن رويته، فأخذ الكتاب من يدي، فقال [¬٨]: انصرف، فقلت: لو ترك العلماء الرواية، لذهب العلم وانقطع الأثر، وأنت تعلم ما جاء فيمن كتم علماء؛ فقال لي - وهو يبكي -: أليس في الحديث: يحمل هذا العلم من كان خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فقلت: نعم، فقال: شيخ جبنيانة، ليس بعدل حتى تقبل شهادته على النبي ﷺ ، فانصرفت عنه.
ولما ورد أبو حامد الخراساني إفريقية، وصل إلى الجبنياني، فسلم عليه وقال: جئتك من خراسان زائرا، فقال له الشيخ: إن صدقت، فأنت أحمق، وإن قبلت [¬٩] أنا [¬١٠]
стр. 1896
هذا، فأنا أحمق منك، كيف تترك العراق ومن [¬١] بها من العلماء، ثم حرم الله وحرم رسوله ﷺ ، والشام، ومصر، وتأتي إلى المغرب إلى شيخ جبنيانة [¬٢] تقول له [¬٣] هذا؟ فبكى أبو حامد وقال له: لو لم تكن هكذا لم آتك. وكان أبو حامد هذا يقول: رأيت بالمغرب أربعة ما رأيت مثلهم: علي بن محمد بن مسرور الدباغ، فلم أر أكثر حياء منه، وأبا إسحاق السبائي، فلم أر أعقل منه؛ وأبا الحسن الكاشي فلم أر أظهر حزنا منه، وأبا إسحاق الجبنياني، فلم أر أزهد منه.
وكان أبو إسحاق [¬٤] إذا رأى اجتماع الناس عليه [¬٥] يقول: كانت أمي - رحمها الله - خادما - وثمنها [¬٦] كذا وكذا، ويذكر ثمنا نزرا؛ وكانت صلاته ﵀ صلاة العلماء تامة موجزة، وكان مع سعة علمه يأخذ بالجد والاجتهاد، وما يخرجه من الخلاف.
ونسى يوما الإقامة من بعض الصلوات، فلما سلم قال لمن خلفه: تراني [¬٧]، أنسيت الإقامة ولا تلزمكم عندي إعادة، وأنا أعيد صلاتي لأخرج من اختلاف العلماء، فاحتاط لنفسه ﵁، لأن عطاء بن أبي رباح، والأوزاعي، وغيرهما يريان الإعادة على من نسيها.
ذكر آياته وإجاباته [¬٨] وفضائله وهيبته وتوكله [¬٩]
قال: وكان العلماء بالقيروان وغيرها والفضلاء يقصدونه ويزورونه، ويتبركون برؤيته، ويسألونه الدعاء لهم؛ وكان أبو محمد بن أبي زيد يقول:
стр. 1897
قوى قلبى إذ بلغني أنه يدعو لي، وكان أبو الحسن القابسي وغيره يقصده. قال أبو الحسن: لما سافرت إليه أول سفرة وقربنا من جبنيانة، دخل في قلبي منه رعبة [¬١] وهيبة عظيمة، وقلت لأصحابي: أخشى أن يجرى على لسان هذا الشيخ من أحوالنا شيء يظهره الله للناس، أو كلاما هذا معناه، فوجدناه غائبا ليصلى على جنازة، فلما جاء وقت الصلاة وأذن، ما ملكت نفسي عند سماع أذانه، حتى جلست إلى الأرض، وسمعت أذانا ما سمعت مثله، ثم دخلنا المسجد فلا أحد يتكلم إلا أن يسلم سلاما خفيفا، فلما صلى انصرف، فسلمنا عليه، فكان منه إقبال عظيم ودعاء [¬٢]، وكان قبل دخولنا جبنيانة تكلم معنا بعض أصحابنا - فقال: أنا رجل من العرب [¬٣]، وخطب إلي ابنتي رجلان صالحان من الموالي، فإن زوجتهما لم تطب نفسي، وإن رددتهما - خشيت أن لا أجد [¬٤] مثلهما، فكان أول شيء سمعنا من الشيخ أن [¬٥] قال: كان لسحنون بن سعيد صاحب من العرب [¬٦] خطب ابنته رجل من الموالي، فشاور سحنونا [¬٧] فقال له: زوج من له دين ومرؤة - ولو انفلقت عنه بعرة، ثم حول الجبنياني رأسه قبل صاحبنا، فقال: هكذا قال سحنون، فقلت له: قد أفتيت في مسألتك على لسان الجبنياني.
وكان أبو إسحاق قد سأل الله أن يبين له أهل البدع والمحدثين في الدين، فكان ربما لقيه قوم فيسلم على بعضهم، ويتفرس في آخرين فراسة سوء، فيقف من [¬٨] السلام عليهم، فيكشف عنهم، فيوجدون على ضلالة؛ وله في هذا الباب أخبار
стр. 1898
مأثورة [¬١] كثيرة، ولقد أتاه حسين بن رشيق - وزير السلطان، وابن القديم، فلما قربا من مسكنه، قال أحدهما للآخر: أصابك مثل ما أصابني؟ قال له: وما هو؟ قال إن عنان فرسي سقط [¬٢] من يدى من الرهب [¬٣]، فقال له الآخر: أصابني أشد من ذلك، فانصرفا ولم يجسرا على لقائه.
وكان رجل من أهل السنة بقريته [¬٤] مشارقة ومعتزلة، ليس فيهم سني غيره؛ وعلى قريتهم كتامى [¬٥] يقال له أبو دكرك من الفراعنة، فقال جيرانه لا بي دكرك: نكتب عليه محضرا أنه يسب السلطان، وتأخذ أنت ماله وتقتله، فإذا سألك السلطان عن قتله، أخرجت المحضر؛ فأمر باعتقال [¬٦] دار الرجل لينزل عليها بالليل، فتحيل حتى خرج من الدار ووصل إلى أبى إسحاق، وقد ذهل عقله، فسلم سلاما محتملا [¬٧]، فقال له: ما بالك؟ فقال: أبو دكرك [¬٨] جرى [¬٩] علي منه كذا وكذا، فقال أبو إسحاق: من أبو دكرك؟ دكرك الله به الأرض! ثمّ قال لمن حوله: إن صاحبكم مضطر، فاقصدوا فيه [¬١٠] باب الملك الجبار، وأقبل على الدعاء - ومن حضر يؤمن، ثم قال تكفي مؤنته - إن شاء الله تعالى، فكان في [¬١١] دعائه: اللهم دكرك الأرض بأبى دكرك، فلما كان الغد، أتانا السنى، فعرفنا [¬١٢] أن أبا دكرك قتله عبيد
стр. 1899
والى البلد وأخفوه، فاجتهد [¬١] في طلب جسده، وبذل السلطان عليه مالا، فما وجد له أثر [¬٢]، دكرك الله به الأرض، وسلم السنى.
قال التستري [¬٣]: ووصل إلينا حمى الترجمان، وطلب من أهل موضعنا خمرا، فقالوا له: ما بهذا البلد أحد يشربها، لانا [¬٤] بجوار هذا العابد - يعنون أبا إسحاق، فقال: من العابد؟ أنا أخرج قلبه على رمحي، ما يعرف هو غير مولاه - يعني السلطان، فمضى أهل القرية يبكون [¬٥] إلى أبي إسحاق فعرفوه، وقالوا [¬٦]: إنا خائفون على أنفسنا وحريمنا، وقد تركوا معه أحدهم يلاطفه، فوجدوا أبا إسحاق مستقبل [¬٧] القبلة، فدعا بدعاء عظيم، ثم قال: تكفوا [¬٨] مؤنته - إن شاء الله لا يدخل إليكم أبدا؛ قال أبو القاسم: فرجعوا ورجعت معهم، فوجدناه قد شد على خيله متوجها إلى الجبل، فسقط في [¬٩] جرف، وسقط عليه فرسه فمات. قال أبو إسحاق: ورأينا منه ما [¬١٠] يضيق بوسعه الكتاب.
ومر به صاحب خبر السلطان وهو يؤذن، فقال له: يا منافق، كم تصد عن دعوة مولانا، فلما قضى الشيخ أذانه، قال: أذلك الله يا فاسق - على يد من أعززت [¬١١] به، فنقم عليه السلطان شيئا، وضربه [¬١٢] خمسمائة سوط وصلبه حيا، فكان يقول: دواء مجرب من أحب أن يضرب خمسمائة سوط ويصلب حيا، فليسب الجبنياني.
стр. 1900
قال أحد أولاده: خرجنا عند الغروب من سفاقس مع الشيخ، فأظلم علينا الليل فلقينا السلابة - وقد شهروا حديدهم، فلما قربوا من الشيخ، قال: لا إله إلا الله، ينبغى للخلق أن يستحيوا من الله، فهربت [¬١] السلابة، ثم تمادينا نمشي في الظلمة، وإذا [¬٢] بشعلة [¬٣] نار مرة [¬٤] عن يميننا، ومرة عن شمالنا، حتى حاذينا منزل مروان العابد، فقال الشيخ: أنا ارجع إلى معبد مروان، وتمادوا أنتم، ثم حول وجهه إلى الشعلة فقال: يا فاسق، يا لعين، قد عرفناك واتقيناك. اخسأ فعليك لعنة الله، فطفئت الشمعة.
قال بعض أصحابه العباد: نبت لي [¬٥] نبت [¬٦] في أصل العجز [¬٧] لم [¬٨] أقدر أن أصلي معه قائما [¬٩] ولا جالسا إلا مضطجعا، فحملت حتى وصلت إليه وأخبرته [¬١٠]، وقلت: قيل لي: تكتوى [¬١١] بالنار فخفت من النار، فبكى، فقال: أي والله، ينبغي لك أن تخاف من النار، ثم قال لي: اجعل يدك على المكان، ففعلت، وجعل يدعو ثم قال لي: قم فقد شفاك الله، فوالله لقد ركبت الدابة فما مسكها أحد كأني ما مسني شيء قط!
قال عمر بن مثنى: كل من أدركت بهذا الساحل من عالم أو عابد يستتر وينزوى بدينه خوفا من فتنة [¬١٢] بني عبيد إلا أبا إسحاق، فإنه وثق [¬١٣] بالله فلم يسلمه، ومسك الله به قلوب المؤمنين، وأعز به الدين، وهيبه في أعين المارقين.
وحضر أبو إسحاق جنازة بنت أحد [¬١٤] أصحابه فصلى عليها، وانصرف كل من
стр. 1901
بالسوق [¬١] إلى الصلاة عليها خلفه، فرفع الأمر إلى سلطان الشيعة معد، وقيل له: انك تطاع [¬٢] فأمر بالبرد فخرجوا فيه، فسمع وزراؤه بذلك، فأتوه حفاة مشاة يقولون: إنا نخشى الهلاك، ما ظنك برجل مجاب الدعوة، منقطع عن الدنيا؛ فرد البرد، وأرسل شيخا من كتامة [¬٣] في زي ناسك ليختبر له أحواله، فاختفى الشيخ الكتامي [¬٤] خلف حصير في المسجد حتى جاء أبو إسحاق فأذن للمغرب، وأقام [¬٥] وصلى؛ فخرج الكتامي من وراء الحصير، فقال [¬٦] له: يا منافق على مولانا لا تؤذن حي على خير العمل، ولا تقرأ بسم الله الرحمان الرحيم، ولا تسلم على ناحيتين، ما لمولانا عدو مثلك؛ فدعا عليه فقال: اللهم اجعله آية للعالمين، فطارت عيناه جميعا، فأخرج من المسجد ينادي وهو يقول: الموت الموت مع هذا الشيخ لا تقربوه، وانصرف إلى معد، فارتاع وقال لوزرائه: كيف ترون لو بدرتنا فيه بادرة، وكان لما صلى على هذه الجنازة، وقف به [¬٧] رجل، فقال: يا أبا إسحاق، الوقت لا يحتمل، فقال له: انا لم نبلغ درجة الصديقين حتى نقتل على الحق، فقال له: يا أبا إسحاق، عندى دعاء الخليل حين ألقي في النار، ودعاء يونس حين التقمه الحوت، فقال له الشيخ: يا مسكين، إن كنت تدعو بدعاء الأنبياء، وتفعل فعل الفراعنة فمن تخادع؟
وصلى مرة على جنازة امرأة، فجيء بجنازة كتامي كبير - ومعه خلق منهم، فقالوا: الصلاة على هذا الشهيد، فلم يرد عليهم، فلما فرغ من دفن المرأة انصرف وتركهم وقوفا بتابوتهم، فافترق أصحابه ومن معه من حوله - خوفا أن يضعوا فيهم أيديهم، فلما ذهبوا بجنازتهم، أدركنا الشيخ، فقلنا له: الوقت كما علمت، وهؤلاء
стр. 1902
أصحاب السلطان، فأولى [¬١] بك أن لا تخرج إلى الصلاة على الجنائز، فلما أكثرنا عليه، قال: كأنكم خفتم علي منهم، قلنا [¬٢]: نعم، قال: اللهم إن كنت أخافهم دونك [¬٣]، فسلطهم علي، فأمنا حينئذ ومشينا معه.
وجاء إليه مرة حسون [¬٤] صاحب الأسطول في عسكر عظيم وصقالبة، فلما سلم الشيخ من الصلاة، مضى إليه حسون ومن معه وعامل البلد [¬٥] ليسلموا عليه، فحول إليهم وجهه - وهو مغضب، وقال لهم: خير ما لكم عندي ما أعرف [¬٦] فلانا، ما في الدارين غير الله هو الضار النافع.
وأتاه يوما حاكم سفاقس وكان تشرق وابن حجاج من أصاحب [¬٧] السلطان. فجلسا بين يديه إلى جانب مزبلة وجلس بينهما شيخ ضعيف العقل، فأقبل يثنى عليهما، فقال أبو إسحاق جاء في الحديث: احثوا التراب في وجوه المداحين. وجاء في الحديث: إذا مدح الفاسق، غضب الله ، ولا سبيل إلى التخلف عما أمر به النبي ﷺ ، فحثا بيديه في وجه الشيخ الضعيف العقل ثلاث حثيات، فامتلأت لحية الحاكم وصاحبه وانصرفا.
وكان في أصحاب أبي إسحاق رجل مؤدب يزوره كل جمعة فسرقت دابته، فطلبها فلم يجدها، قال فأتيت أبا إسحاق وأنا أبكي فعرفته، فقال: يا ضعيف
стр. 1903
القلب على دابة تبكي [¬١]؟ فقلت: والله ما بكيت إلا لوجهين: أحدهما انقطاعي عن زيارتك، إذ لا أقدر على المشي [¬٢]؛ والآخر عياذي [¬٣] بها على بنات [¬٤] لي، فدعا لي دعاء كثيرا - ونحن نؤمن على دعائه ونبكي - وذلك نصف النهار، فانصرفت، فلما كان بعد ذلك بليلتين أو ثلاث قرع علي الباب، وقيل لي: أخرج خذ دابتك، فخرجت فإذا بدابتي مع ثلاثة رجال، فسألوني أن أجعلهم في حل، وقالوا: إنا ما قصدنا دارك، ولكن غلطنا؛ فقلت لهم: لا بد أن تخبروني بقصتكم، فقالوا: ذهبنا بدابتك، فنحن في الشعراء نصف النهار، فإذا بصوت [¬٥] يقول إلي أين تذهبون يا فسقة بدابة الجبنياني، فنظرنا فلم نر شيئا، ثم مشينا، فسمعنا الصوت ثانية، فألقي في قلوبنا الرعب، فرجعنا حتى أتينا الليلة دار الجبنياني، فقرعنا عليه الباب فخرج [¬٦]، فقلنا له: خذ حمارتك واستغفر لنا، فقد فعلنا فيك مالا يحل، فقال: أنتم يا مساكين ابتليتم بهذه الدابة؟ قلنا نعم، وأخبرناه بخبرنا [¬٧]، فقال: أنتم على طهارة؟ قلنا: لا، فأخرج إلينا [¬٨] قلة وقدحا وحبلا، فاستقينا من بئر واغتسلنا، ثم أتينا فصلينا وراءه ركعتين، وسأل الله لنا في التوبة، ثم قال: وصلوا الدابة إلى صاحبها، فجئناك بها.
وكان أبو إسحاق: قلما تغير على أحد فيفلح، قال لإنسان لاحه في شيء أنكره عليه، ما أرى هذه اللحية تفلح، فلم يلبث أن تشرق. وأنكر على آخر الجهر في صلاة نافلة النهار، وقال له: يا هذا، إن مالكا استحب فيها الأسرار، سيما في المسجد لما يخلط على الناس، فقال الرجل: قد جهر في مسجد رسول الله - صلى
стр. 1904
الله عليه وسلم - عمر بن عبد العزيز، فقال له أبو إسحاق: كان ذلك بالليل، وقد عاب عليه ذلك سعيد بن المسيب. فقال له الرجل: فقول سعيد حجة، فقال له الشيخ: يا متعوس [¬١]، إمام دار الهجرة وشيخ التابعين، تقول هذا فيه، ما أراك تفلح [¬٢]، لا والله ما أراك تموت على الإسلام، فمات [¬٣] معتزليا بعد ذلك.
وقال له أبو سعيد [¬٤] بن أبي عباس: سألتك بالله يا أبا إسحاق، أجبني عما أسألك عنه، فقال: له: ما هذا يا أبا سعيد، إن سألتني عما أعلم أجبتك، فقال له: هل اجتمعت بالخضرام لا؟ فسكت مفكرا ثم رفع رأسه فقال: أعوذ بالله أن أدعي ما ليس لي بحق، يمر بي هاهنا أقوام فيسلمون [¬٥] علي بالليل، لا أدري أجن هم أم إنس؟ قال اللبيدي: أخبرت الشيخ أبا الحسن بهذه الحكاية، فقال: هذا جواب عالم لم ينكر ولا أقر، وهي [¬٦] جيدة.
وقيل لزوجته: هل رأيت من أمره شيئا تخبرين به؟ فسكتت وأبت من القول فلما مات، سئلت فقالت: إني في ليلة ظلماء حتى رأيت نورا غشى الحجرة وموضع الشيخ واسمع الحديث، فرعبت، وأقام ذلك مدة، فأحس بي اني يقظانة، فقال لي: احذري أن تذكري ما رأيت ما دمت حيا.
ذكر جمل من حكمه وفصول في كلامه في العلم حسان
قال أبو القاسم: كان الجبنياني حكيم القول، إذا رؤي ذكر الله من هيبته، قد جف جلده على عظمه، وأسود لونه، كثير الصمت، قليل الكلام، فإذا نطق نطق
стр. 1905
بالحكمة، قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق: قلما يترك ثلاث كلمات كن الخير كله: اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، من ورع لم يتسع. وكثيرا ما يقول: خمسة تعاونوا على هلاك ابن آدم المسكين: مؤمن يحسده، وكافر يرصده، وشيطان مارد، ودنيا حاضرة، ونفس [¬١] أمارة بالسوء، فكيف [¬٢] بالخلاص؟ وكان يقول: أقرب شيء ما عند الله، وأبعد شيء ما عند الناس. وكان يقول: إذا رأيت الشاب قذرا في شبيبته، فإذا كبر يكون شيخ سوء. ويقول: إذا رأتك زوجتك وولدك وخادمك تعصي الله، كان أول من يذلك هم. وقيل له يوما: ما أقل من يأكل حلالًا [¬٣]؟ فقال: ما أقل من يكسب حلالا والدار يكون فيها من الأهلين العشرة وأكثر [¬٤]. يتقلب لهم [¬٥] المسكين الساعي عليهم، فيأكلونها وهم لا يعلمون من أين هي حلا، ويكسبها المسكين حراما وحلالا.
قال أبو الحسن القابسي: لما خرجنا [¬٦] عنه، هربت من يد صبي دابة كان يمسكها لنا، فقلت: أعطوها لصبي لا يقوم بها فضاعت، فقال لي أبو إسحاق قد اغتبته، فقلت له: وصفته بحاله وقلة مقدرته، وفي السنة ما يبيح ذلك؛ فقال: وأين هو؟ قلت: قوله ﵇ للتي شاورته في النكاح، أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له. فقال لي: ليس في هذا حجة، لأن المستشار مؤتمن، وأيضا، فإنما [¬٧] شاورته لتنكح، فرأيه [¬٨] يدخلها في النكاح أو
стр. 1906
يصرفها عنه، وليست مسألتك [¬١] كذلك. بل [¬٢] في السنة ما يمنعك من ذلك، وذلك أن النبي ﷺ دخل عليه [¬٣] في مرضه طبيبان وكانا نصرانيين، فلما خرجا قال: لولا أن تكون غيبة لأخبرتكم أيهما أطب، قال أبو الحسن [¬٤]: ولم أكن أعرف [¬٥] أنهما نصرانيان قبل ذلك، قال: فهذا رسول الله ﷺ كره [¬٦] في نصرانيين أن يخبر أيهما أطب، فكيف بمسلم؟ ثمّ قال لي: أرأيت هذا الصبي لو سمعك؟ أليس كان توجعه نفسه، وأيما كان أحب اليك وتجد ذلك في صحيفتك أو لا تجده؟ فقلت له: صدقت.
وسئل يوما عن المزارع [¬٧] التي على الطرقات تمر عليها الدواب، فتغلب على أكل ما دنا منها، فقال: أرأيتم لو قيل لكم انها إن أكلته هلكت ما كنتم تصنعون؟ قلنا: نحتفظ منها ولو لم نجد إلا أرديتنا، لربطناها على أفواهها [¬٨]، قال: فكذلك تصنعون بها إذا مررتم.
قال [¬٩] بعض أصحابه: لما حججت أتيت معي بحصيات من حصى [¬١٠] المسجد الحرام، فقلت: لأبي إسحاق: إني أتيت معي [¬١١] بحصيات من حصى [¬١٢] المسجد الحرام، أتحب [¬١٣] أن أعطيك منهن شيئا تسبح بهن [¬١٤]، فقال لي: يا أحمق، ارم بهن، فعلى أقل من هذا عبدت الحجارة. فعرفت القابسي بهذا فأعجبه فقه أبي إسحاق. وقال أبو الحسن: قال مالك فيمن يخرج بشيء من حصى [¬١٥] المسجد في نعليه انه
стр. 1907
إن كان قريبا من المسجد ردها وإن بعد رمى بها [¬١].
قال محمد بن سهلون: قلت لأبي إسحاق: ما تقول في يزيد بن معاوية؟ فسكت عني ثم قال لي [¬٢]: إن أهل السنة لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب دون الشرك، ولكن ليس على المرء أن يحب من يكره [¬٣] كما يحب من يحبه. فذكر قوله للقابسي، فأعجب به وقال: لو سئل [¬٤] عن هذه المسألة أبو الحسن [¬٥] الأشعري، ما أراه كان يجيب [¬٦] فيها بأكثر من هذا، لا والله ما على الإنسان ذلك.
وكان ﵀ يمكن أوقات الصلوات [¬٧]، فكلم في ذلك، وقيل له: لعله يجتمع إليك أهل القرى التي حولك ليدركوا صلاة الجماعة، فقال: ليس كذلك، لكن هؤلاء القوم - يعني بني عبيد - كادوا الدين، وتسللوا إلى هدمه. لأنهم لو قالوا للناس: لا تعبدوا الله لم يقبلوا منهم، ولو قالوا لهم: اتركوا الصلاة لم يقبلوا منهم، فتحيلوا كي [¬٨] يبطلوا صلاة العباد، فجعلوا يؤذنون قبل الوقت، وجعلوا صلاة الظهر تقارن الزوال، وربما وقعت قبله، وتقع [¬٩] صلاة العصر وقت صلاة الظهر طمعا [¬١٠] إذا ما انطاع [¬١١] الناس لهم في وضع [¬١٢] الصلاة في غير وقتها ولو بساعة، أن ينطاعوا لهم في الترك، وكانت قبلتهم [¬١٣] بذلك تخفى على عوام الناس، فأردت أن أمكن الظهر والعصر من غير أن أخرج عن الوقت المحمود إلى الوقت المذموم حين تكون
стр. 1908
صلاتي الظهر [¬١] في وقت [¬٢] صلاتهم العصر، فتعلم [¬٣] العامة أن فعلهم ضلال، وكان أبو الحسن يمكن الأوقات. قال اللبيدي: فكلمته في ذلك، فقال لي: كيف رأيت [¬٤] الجبنياني يصنع؟ قلت: كفعلك، وحكيت له الحكاية، فقال لي: حسبك بهذا الجبنياني إمام يقتدى به، وما يروى من كلام أبي إسحاق ومقاماته أكثر مما ذكرناه، وأوسع مما أوردناه، وفي هذا كفاية لمن نور الله قلبه، وهداه لمن أراد رشده.
ذكر سيرته في التعليم
وكان ﵀ يعلم القرآن ويشترط إذ كان أولاده أصاغر [¬٥]، ثم علم ولم يشترط، ثم ترك، وكان في تعليمه يتحفظ كثيرا، ويقول ﵁ رحم الله محمد بن سحنون لو علم لرفق بالمعلمين [¬٦]- يريد لأنه شدد عليهم في كتابه. وكل من تعلم على يد أبي إسحاق انتفع به إلا القليل، وكان يقول: لا تعلموا أولادكم إلا عند رجل حسن الدين، يدين الصبي على دين معلمه، فلقد عرفت أن [¬٧] معلما كان يخفي القول بخلق القرآن ففطن له، فلما علم أنه يطرد، وقف بين يدي مكتبه وقال لصبيانه: ما تقولون في القرآن؟ فقالوا [¬٨]: لا علم لنا، فقال: هو مخلوق، ولا تزولوا [¬٩] عن هذا القول لو قتلتم، ثم هرب فماتوا كلهم على هذا الاعتقاد، قال: وبلغني عن معلم عفيف رئ وهو يدعو حول الكعبة ويقول: اللهم أيما
стр. 1909
غلام علمته فاجعله من [¬١] عبادك الصالحين. فبلغني أنه خرج على يديه نحو من تسعين بين [¬٢] عالم وصالح، وكان يتعلم عنده جماعة من أولاد الكتاميين، ولا يأخذ منهم شيئا. ولا يعلمهم يكتبون، وإنما يعلمهم القرآن والسنة، ويقول: ليس يضرون المسلمين إلا بالأقلام. فإذا خاطبه آباؤهم [أن يعلمهم يكتبون] [¬٣]، يقول: لم يصلحوا [¬٤] بعد لذلك حتى يصلحوا، فخرج كل كتامى علمه على الإسلام [¬٥] والسنة، وكان يعلم اليتامى والفقراء لله ، وكان صبيان الكتاب [¬٦] إذا أتوه [¬٧] بجراد وفراخ طير - وهم غير [¬٨] بلغ، يعطونه إياه ويقولون: صدناه. لم يقبله منهم، فإذا قالوا له: وجهه إليك آباؤنا، قبله لأن عطيتهم لا تجوز.
وفاته وذكر تركته [¬٩]
قال اللبيدي: توفي أبو إسحاق ﵀ يوم الأحد السابع من محرم [¬١٠] (سنة) [¬١١] تسع وستين وثلاثمائة، ودفن يوم الاثنين بعده بشرقي جبنيانة - وسنه تسعون سنة، ووجد بعد موته في رقعة تحت حصيره مكتوب بخطه: رجل وقف به [¬١٢] هاتف فقال له: حسن [¬١٣] عملك، فقد دنا أجلك، فقال لي ولده عبد الرحمان: إنه كان إذا [¬١٤] كان قصر في العمل، أخرج الرقعة فنظر فيها ورجع إلى جده. وصلى عليه ابنه أبو الطاهر، واجتمع عليه خلق كثير، خرجوا به غدوة الاثنين، فما وصلوا إلى
стр. 1910
الصلاة عليه إلا بعد الزوال، وما وجد له [¬١] في الدنيا قليل ولا كثير [¬٢]، إلا امداد شعير في قلة مكسورة، والحجرة التي كان يسكنها كانت لابنه.
ذكر بنيه
كان عنده من الولد [¬٣] سبعة: أبو بكر، وأبو الطاهر، أحمد، وأبو عبد الله محمد، وأبو الحسن علي [¬٤]، وأبو زيد عبد الرحمان، وأبو محمد عبد الله، وأبو علي [¬٥]. فأما أبو علي، فمات قبل أن يحتلم، ثم مات عبد الله - وهو دون الثلاثين [¬٦]، وكان أشد من الشيخ اجتهادا في العبادة قتله القرآن، كلما مر بآية وعد أو وعيد، بكى حتى أذاب الحزن فؤاده فمات! قال أبو القاسم اللبيدي: فحضرت موته والشيخ يلقنه حتى مات فأغمضه، ثم استرجع على المصيبة ودعا له: ثم قال لوالدة عبد الله وهي زوجة الشيخ وكانت قريبا منه في الفضل والعبادة: احمدي الله واشكريه [¬٧]، فقد مات عبد الله على الإسلام، وجعل في صحيفتك، فإن كان عندك طيب، فتطيبي وتجملي لنعم الله، وأخرج مئزرا عنده تجمل به، وركع ثم جلس للناس - والبشر ظاهر عليه، وتوفى أبو الحسن أيضًا [¬٨] في حياة أبيه، وتوفى عبد الرحمان بعد وفاة أبيه [¬٩] بثلاث سنين، وكان من الفقهاء العباد، يختم في كل ليلة ختمة. وأما أبو الطاهر، فكان من أهل القرآن وكتب الحديث، ولقى ابن الورد [¬١٠] وغيره، وكان أبو بكر وأبو عبد الله من أهل القرآن ويعلمانه ﵏ أجمعين.
стр. 1911
أبو محمد عبد الله بن إسحاق المعروف بابن التبان (٢٧٣)
الفقيه الإمام، كان من العلماء الراسخين، والفقهاء المبرزين، ضربت إليه أكباد الإبل من الأمصار، لعلمه بالذب عن مذهب أهل الحجاز ومصر ومذهب مالك، وكان من أحفظ الناس بالقرآن والتفنن في علومه والتكلم [¬١] على أصول التوحيد، مع فصاحة اللسان، وكان مستجاب الدعاء، رقيق القلب، غزير الدمعة. وكان من الحفاظ، وكان يميل إلى الرقة وحكايات الصالحين، عالما باللغة والنحو والحساب والنجوم، وذكره أبو الحسن القابسي بعد موته [¬٢] فقال: - رحمك الله - يا أبا محمد، فلقد كنت تغار على المذهب، وتذب عن الشريعة. وكان ﵀ من أشد الناس عداوة لبني عبيد، كريم الأخلاق، حلو المنظر، وقرأت في تعليق أبي عمران الفقيه: ذكر أنه [¬٣] كان فصيح اللسان، حافظا للقرآن، بعيدا من الرياء [¬٤] والتصنع. وقال [¬٥] أبو إسحاق الكاتب مثله، قال: وكان عالما بالاحتجاج لمذهبه، فقال بعضهم: كان أبو محمد من أرق أهل زمانه طبعا، وأحلاهم إشارة، وألطفهم عبارة [¬٦]؛ سمع منه أبو القاسم المنستيري، ومحمد بن إدريس بن الناظور، وأبو محمد بن يوسف الحجي [¬٧] (٢٧٤)، وأبو عبد الله الخراط، وابن اللبيدي.
стр. 1912
ذكر ابتداء طلبه العلم [¬١]
ذكر أنه قال: كنت أول ابتدائي أدرس الليل كله، فكانت أمي تنهاني عن القراءة بالليل، فكنت آخذ المصباح وأجعله تحت الجفنة، وأتعمد النوم، فإذا رقدت، أخرجت المصباح وأقبلت على الدرس [¬٢]. وكان كثير الدرس. ذكر أنه درس كتابا (٢٧٥) ألف مرة؛ إلى أن قال لي أبي يوما [¬٣]: يا بني ما يكون منك لا تعرف صنعة، واشتغلت بالعلم [¬٤] ولا شيء عندك؛ فلما كان ليلة، سمعته يقول لوالدتي: اليوم عرفت بابني، وذلك أني حضرت إملاكا (٢٧٦) في مسجد - سماه، فوجدته ممتلئا بالناس - ولم أجد مجلسا، فقام لي رجل من موضعه وأجلسني فيه، فسأله إنسان عني، فقال له: اسكت، هذا والد الشيخ أبي محمد. وقال آخر: خرج والد أبي محمد التبان يوما من مسجد السبت، فزلق في طين، فبادر رجل وأخذ بيده، وقال لصاحبه: هذا والد الشيخ أبي محمد الفقيه؛ قال: فرجع وحرض ابنه على طلب العلم، والتزم القيام بشأنه من يومئذ.
ذكر إجابته وفضائله
ذكر أن أبا محمد التبان كان يقرأ لإخوانه ميعادا من الرقائق، فقطعه أياما؛ فعاتبوه في ذلك، فاعتذر، فضيقوا عليه، فقال: إذا كان غد [¬٥] (٢٧٧)، تأتوني - إن شاء الله، فأتوه من الغد وبين يديه شيء مغطى، فقال لهم: اكشفوه فوجدوا طبقين
стр. 1913
صغيرين، أحدهما مملوء دنانير، والآخر دراهم؛ فقال لهم: هذا منعني، لأن من ملك من الدنيا هذا، يقبح عليه أن يزهد الناس فيها، فيدخل فيمن ذمه الله تعالى بقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ (٢٧٨) - الآية.
ولما جرت له المسألة التي تكلم فيها في الإيمان، وخالفه فيها أبو محمد بن أبي زيد، والقابسي، والسبائي، والجماعة، وجرت بينه وبين بعضهم وحشة [¬١] بسببها، جعل موعد الإلقاء، وألقى عليهم كتاب الوضوء؛ فخالفوه في مسألة، فقال لهم [¬٢]: اسمعوا ما أقول، درست هذا الكتاب ألف مرة؛ فأبوا إلا مخالفته، فقام بهم إلى داره، وأخرج الكتاب، وأراهم المسألة - كما قال، ثم دعا على نفسه وقال: اللهم لا تقض [¬٣] علي أن ألقى عليهم [¬٤] بعد هذا شيئا، اللهم اقبضني إليك وأرحني منهم؛ فما أقام إلا يسيرا - حتى مات - (٢٧٩) رحمة الله عليه.
وقال أبو عبد الله محمد بن التمار: خرجت مع أبي محمد إلى سوسة، ومعه جارية له - راكبة على زاملة [¬٥]- (٢٨٠) وهو على سرج، فإذا مشى قليلا، مضى إليها وقال لها: تحب [¬٦] أن تركب السرج؛ فتقول: نعم، فينزل لها [¬٧] ويرجع على الزاملة؛ ثم يمشي قليلا فيقول لها: ترجع على الزاملة، فتقول له [¬٨]: نعم، فيردها
стр. 1914
عليها [¬١]، فعل ذلك نحو أربع مرات؛ فلما وصلنا [¬٢] سوسة، دخلت عليه فقلت له: غلبت على عقلك جارية، وساعدتها تنزل لها من دابة إلى دابة - والناس يرونك، فغضب ورفع بصره إلى السماء وقال: اللهم بحق الحافين حول عرشك، وبحق الذين إذا نظرت إليهم سكن غضبك، إلا ابتليته بما ابتليتني به؛ قال: فابتلي أبو عبد الله في جارية باعها وتبعتها نفسه، وبلغ من ذلك أمرا عظيما، فكان [¬٣] يقول: دعوة الشيخ!
قال الأجدابي: رأى أبو محمد بن التبان رب العزة في النوم، فقال له: يا عبدي، تكون بالمغرب فتن كقطع الليل المظلم، لا ينجو منها إلا سوسة والمنستير وما والاهما، فكان [¬٤] إذا حدث بالقيروان أمر، فر ابن التبان إلى سوسة والمنستير حتى ينجلي الأمر. وحكى اللبيدي أن أبا محمد حكى يوما في المنستير كراهة مالك بن أنس [¬٥] الاجتماع على قراءة القرآن، وأن ذلك بدعة؛ فقال له رجل: كيف تقول إن قراءة القرآن بدعة؟ فقال: لم أقل هذا، فخرج الرجل وصاح: إن ابن التبان قال: قراءة القرآن بدعة، فزحف [¬٦] الناس من كل جهة منكرين لهذا [¬٧]، وأتوا حجرته، فجعل يرفق بهم ويلين لهم؛ قال: فمنهم من يفهم، ومنهم [¬٨] من لا يفهم، ثم حول أبو محمد وجهه للذي شنع عليه وقال له: أفجعت قلبي، أفجع الله قلبك، أفجعك الله بنفسك وولدك ومالك. قال اللبيدي: فأجيبت
стр. 1915
دعوة الشيخ فيه: تهوس ولده، فكان من جملة المجانين، وذهب ماله وابتلي بداء البطن، فكان منها موته (٢٨١).
وذكر أنه سار مرة لزيارة أبي إسحاق الجبنياني، فلما قرب منه، هابه وقال أخشى أن يجري الله على لسانه في أمري شيئا يعز علي، فأكون ممن عادى وليا من أولياء الله ، فوجه إليه بالسلام وانصرف.
ذكر أخباره مع بني عبيد وحسن مقامه في الدين
كان أبو محمد شديد البغض لهم، والتشهير عليهم [¬١]، قال بعض أصحابه: كنت معه يوما بالمنستير يوم عاشوراء، وفيه تلك السنة من الناس عالم حزر فيهم سبعون ألفا، فلما رأى جمعهم بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: والله ما أخشى عليهم من الذنوب، لأن مولاهم كريم، وإنما أخشى أن يشكوا في كفر بني عبيد، فيدخلوا النار.
قال ابن إدريس: كنت معه فجرى ذكر صلاة الجمعة مع خطباء بني عبيد، فقال: خلف، قال: لا، فقال لهم: فبنو عبيد أشر من هؤلاء؛ وكان الخطباء يدعون لهم [¬٢]، وكان كثيرا ما يقول: اللهم العنهم، ما أقام أمرهم وما صرفه [¬٣]، وعلق اللعنة عليهم كتعليق القلائد، في أعناق الولائد [¬٤].
وكان عبد الله المعروف بالمختال - صاحب القيروان - شدد في طلب أهل العلم ليشرقهم (٢٨٢)، فطلب الشيخ أبا سعيد بن أخي [¬٥] هشام، وأبا محمد بن
стр. 1916
التبان، وأبا القاسم بن شبلون، وأبا محمد بن أبي زيد، وأبا الحسن القابسي، فاجتمعوا في مسجد (٢٨٣) ابن اللجام واتفقوا على الفرار؛ فقال لهم ابن التبان: أنا أمضي إليه وأكفيكم مئونة الاجتماع به، ويكون كل واحد منكم في داره؛ ويقال [¬١]: إنهم أرادوا السير إلى عبد الله، فقال لهم: أنا أمضي إليه أبيع روحي من الله دونكم، لأنكم إن أتى عليكم، وقع على الإسلام وهن، ويقال: أنه قال لعبد الله لما دخل عليه: جئتك من [¬٢] قوم إيمانهم مثل الجبال، أقلهم يقينا أنا، فحدث [¬٣] بعض من حضر، قال: كنت مع عبد الله وقد احتفل مجلسه بأصحابه وفيهم الداعيان: أبو طالب وأبو عبد الله، وقد وجه في ابن التبان، فإذا به (داخل) [¬٤]- وعيناه تتوقدان كأنهما [¬٥] عينا شجاع (٢٨٤)، فدخل وسلم؛ فقال له: أبطأت عنا يا أبا محمد، فقال: في شغلك كنت [¬٦]، كتابا ألفته في فضائل أهل البيت، الساعة أتاني به المجلد وأخرجه من كمه ودفعه إليه؛ فقال له: يا أبا محمد، ناظر هؤلاء الدعاة، قال: بماذا؟ قال [¬٧]: في فضائل أهل البيت، فقال لهما: ما تحفظان في ذلك؟ فقال له [¬٨] أبو طالب: أنا أحفظ حديثان - ولحن؛ ثم سأل الآخر، فقال له [¬٩]: وأنا أحفظ حديثان؛ فقال له: فهذان [¬١٠] الحديثان اللذان تحفظ أنت [¬١١]، هما الحديثان
стр. 1917
اللذان يحفظ هذا؛ قال: نعم، قال له [¬١]: هما يحفظان حديثان -ونطق [¬٢] بلحنهما، وأنا أحفظ في ذلك تسعين حديثا، فالأولى بهما الرجوع إلي. ثم قال عبد الله: يا أبا محمد، من أفضل: أبو بكر او علي؟ قال: ليس هذا موضعه، قال: لا بد، فقال: أبو بكر أفضل من علي. فقال عبد الله: يكون أبو بكر أفضل من خمسة جبريل ﵇[¬٣] سادسهم (٢٨٥)، فقال له [¬٤] أبو محمد: يكون [¬٥] على أفضل من اثنين الله ثالثهم (٢٨٦)، إني أقول لك ما بين اللوحين، وأنت تأتيني بأخبار الآحاد؟! فضاق عبد الله وقال: فمن أفضل: عائشة أو فاطمة؟ فقال له: هذا أحد من سؤالك أولا: قال: لا بد. قال: عائشة وسائر أزواج النبي ﷺ أفضل من فاطمة. فقال: من أين؟ فقال له: قال الله تعالى: "يا نساء النبي لستن كأحد من النساء (٢٨٧) " - فيقال: إن بعض الدعاة قال له في هذه المسألة: ايهما أفضل امرأة أبوها محمد رسول الله، وأمها خديجة الكبرى، وزوجها على بن أبي طالب ابن عم رسول الله - ﷺ ، وولدها الحسن والحسين- سيدا شباب أهل الجنة؛ أو امرأة أمها أم رومان، وأبوه الله بن أبي بن أبي قحافة؟ فقال له أبو محمد: أيهما أفضل عندك، امراة إذا طلقها زوجها أو مات تزوجت عشرين زوجا، أو امرأة إذا مات عنها زوجها أو طلقها لم تحل لمسلم، فسكت (٢٨٨).
стр. 1918
فيحكى أن عبد الله قال له: يا أبا محمد، أنت شيخ المدنيين، وممن يتزين به، ادخل العهد وخذ البيعة؛ فعطف عليه أبو محمد، وقال له: شيخ له ستون سنة يعرف حلال الله وحرامه، ويرد على اثنتين وسبعين فرقة، يقال له هذا، لو نشرت بين اثنين [¬١]، ما فارقت مذهب مالك؛ فلم يعارضه، وقال لمن حوله: امضوا معه، فخرجوا ومعهم سيوف مصلتة، فمر بجماعة من الناس ممن أحضر لأخذ الدعوة، فوقف عليهم وقال لهم: تثبتوا، ليس [¬٢] بينكم وبين الله إلا الإسلام، فان فارقتموه هلكتم. فترك عبد الله (طلب) [¬٣] بقية الشيوخ بعد ذلك المجلس (٢٨٩).
ذكر مذهبه في الإيمان
قال الداودي: كان ابن التبان إذا سئل عن غيره هل هو مومن عند الله أو يسكت [¬٤]؟ فكان يقول: هو مومن عند الله، وقال بقوله جماعة من علماء القيروان، وخالفه أبو محمد بن أبي زيد، وأنكر عليه ذلك وقال: إنما نقول: إن كانت سريرتك مثل علانيتك، فأنت مومن عند الله. وقال بمثل [¬٥] مقالته أكثر علماء القيروان، ووقع بين الطائفتين في ذلك تهاجر وتقاطع. قال الداودي: فكلمت [¬٦] ابن التبان في ذلك وقلت له: كيف تقطع على غيبه؟ فقال: فان [¬٧] كانت سريرته مثل
стр. 1919
علانيته، كان كذلك؛ يقال [¬١]: هو مومن في حكم الله، مثل قوله [¬٢]-تعالى: "فان علمتموهن مومنات فلا ترجعوهن إلى الكفار (٢٩٠) ". فقال: إنما قولي متعلق بقوله كقول داود: "لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه (٢٩١) " - ولم يكن الملك ظلمه. حدث قوله لابن أبي زيد، فقال: ليس كذا كان يقول. قال الداودي وكان ابن التبان إنما ذهب إلى أن أبا محمد ليس هذا أراد، فقلت: كذلك يقول، [فقال: إذا والله ليرجعن -وقال كلمة بشيعة- لا احب ذكرها] [¬٣].
ذكر حكم من كلامه وبقية أخباره ووفاته
قال أبو محمد لبعض من يتعلم منه [¬٤]: خذ من النحو ودع، وخذ من الشعر وأقل، وخذ من العلم وأكثر؛ فما أكثر أحد من النحو الا حمقه [¬٥]، ولا من الشعر إلا أرذله. ولا من العلم الا شرفه. ويذكر عنه أنه كان [¬٦] كثيرا ما ينشدهم [¬٧].
قد غاب عنك ثقيل كل قبيلة … ممن [¬٨] يشوب حديثه بمراء
فالآن طاب لك الحديـ … ـث وإنما طيب الحديث بخفة الجلساء
وكان ﵀ يسمع التعبير ويرق لهذه المعاني، سأله ابن الخراط يوما وقد وجد عنده معبرا، فقال له: أليس التعبير بدعة؟ قال: والاجتماع على
стр. 1920
القاء المسائل بدعة، فبلغ كلامه السبائي، فشق عليه (٢٩٢)، قال اللبيدي، قال ابن التبان يوما، لا شيء أفضل من العلم، قال الجبنيانى، العمل به أفضل فقال: صدق، العلم اذا لم يعمل به صاحبه فهو وبال عليه واذا عمل به كان حجة له، ونورا يوم القيامة.
وتوفى ﵀ يوم الاثنين (٢٩٣) لاثنتي عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وصلى عليه القاضى محمد بن عبد الله بن هاشم، وخرج الناس لجنازته من ثلث الليل حتى ضاقت بهم الشوارع، وفاضوا في الصحراء غدوة الثلاثاء (٢٩٤).
مولده سنة احدى عشرة وثلاثمائة، ومما رثى به، قول بعضهم،
لقد أظلم الله البلاد بأسرها … لموت ابن اسحاق الفقيه المهذب
أبو اسحاق إبراهيم بن عبد الله الزبيدي -المعروف بالقلاني (٢٩٥)
كان رجلا فاضلا فقيها، عالما بالكلام والرد على المخالفين، له في ذلك تواليف حسنة، وله كتاب في الامامة والرد على الرافضة، سمع من فرات بن محمد، وحماس بن مروان، والمغامى، ومحمد بن عبادة والسوسى [¬١] وخلق كثير. وروى عنه ابراهيم بن سعيد [¬٢] وأبو جعفر الداودي [¬٣] وغيره [¬٤]، وامتحن على يدي أبي
стр. 1921
القاسم بن عبيد الله الرافضي، ضربه سبعمائة سوط، وحبسه في دار البحر أربعة أشهر بسبب تأليفه كتاب الامامة. وقيل: بسبب كتاب الامامة الذي ألفه ابن سحنون.
توفي ﵀ سنة تسع وخمسين وقيل سنة احدى [¬١] وستين وثلاثمائة.
أبو الحسن علي بن محمد بن مسرور الدباغ (٢٩٦)
كان من أهل العلم والورع والتعبد، والصيانة والإخبات والسلامة والحياء. ثقة، حسن التقييد، سمع من أحمد من أبي سليمان [¬٢] وعول عليه ومن محمد بن بسطام. وعمر بن يوسف، ومحمد بن بسيل، وعبد الرحمان الوزنة، وغيرهم (٢٩٧) وسمع أيضا في رحلته من محمد بن زيان، ومحمد بن رمضان، وبعد هذا من عبد الله بن أبي هاشم، وأبي بكر بن نادر، وأبي بكر بن اللباد، واجتمع بأبي الحسن الدينوري: سمع منه أبو الحسن القابسي، وأبو عبد الرحمان بن محمد الربعي، وأبو جعفر الداودي، وعبد الرحمان بن محمد الربعي، ومكي بن يوسف. وأحمد بن حاتم الزيات، وخلف بن أبي فراس، وعمرون المقرئ، ومحمد بن علون، وعتيق بن ابراهيم الأنصاري. وعالم كثير.
ذكر ثناء العلماء عليه
كان عبد الله بن أبي هاشم يثني عليه ويأمر بالسماع منه، قال الربعي: كان ثقة مأمونا، لم أر اعقل منه ولا أكثر حياء، اجتمع له مع العلم -الورع
стр. 1922
والعبادة، والتواضع، سريع الرجعة، رفيق بالطالب. أخذ الناس عنه من سنة ثلاثين وثلاثمائة إلى سنة ست وخمسين [¬١]، ثم منع السماع ورعا لما (٢٩٨) دخله من السن. وكان الجبنياني يحبه وثني عليه ويعظمه، وقال الجبنياني للقابسي، أو [¬٢] ليس عندكم أبو الحسن الدباغ؟ وددت لو ان وسادتى عتبة باب [¬٣] أبي الحسن الدباغ! [قال القابسي، ما رأيت أكثر حياء من ابى الحسن الدباغ!] [¬٤] ما يكلمه أحد إلا احمر لونه! ولقد كان أحيى من الأبكار. وقدم رجل من أهل [¬٥] المشرق، فسمع الناس يقولون: أبو الحسن الدباغ الفقيه، وابو إسحاق السبائي العابد، فقال لهم. بل العابد أبو الحسن والعالم التحرير أبو اسحاق. قال أبو اسحاق، (٢٩٩) كان يخيل إلى أن صاحب الشمال لا يكتب على أبي الحسن لطهارة قلبه، وعفة بطنه. وكان من أهل التحقيق في معاني الولايات.
ذكر أخباره وفضائله
كان أبو الحسن قد رزق مالا حلالا، فأقام نفسه فيه مقام الفقراء وأسوتهم [¬٦].
وكان يصرف في كل شهر أربعة دنانير: اثنين لصداقته واثنين لنفقته.
قال ابن الحلاف [¬٧]: كان أصابه آخر عمره بلغم منعه القيام على قدميه [¬٨] فكان يحمل لحاجته أو يزحف. فإذا جاءت الصلاة أخذ بيده فاستوى قائما وصلى أتم
стр. 1923
الصلاة دون إمساك فإذا فرغ منها، عاد إلى حاله وقال غيره، بت عنده ليلة فسمعت حس ماء يقطر. فظننت أن آنية انكسرت، فقمت لأنظر ذلك. فإذا به [¬١] قائم يصلي ويبكي. وإذا الذي سمعت دموعه تقطر على الحصير، وكان بينه وبين السبائي صحبة فلما أخبر بموت السبائي بكى بكاء [¬٢] كثيرا [وقال، واكشفتاه، اليوم انكشفت! [¬٣]] [¬٤]
وكان أيام بني عبيد لا يؤذن الا على سنة الأذان، ولا يقول: حي على خير العمل، فحماه الله منهم، ولقد أذن مرة. فخاطبته نفسه بقولها، وانه إن لم يقلها قتل (٣٠٠) فقالها فلما فرغ، إذا بأسود (٣٠١) ناصب حربته بين كتفيه - إن لم يقلها طعنه بها، فعافاه، الله وكان يقول للناس، تمادوا على الأذان على سنته في أنفسكم، فاذا فرغتم فقولوا، حى على خير العمل، فائما أراد بنو عبيد خلاء المساجد، ففعلكم [¬٥] هذا -وأنتم معذورون، خير من خلاء المساجد، وكان [¬٦] يوم الجمعة يغتسل ويلبس ثيابه، ويتطيب ويخرج حتى يصل الى الجامع، ويرفع عينيه الى السماء ويقول: "اللهم اشهد، ويرجع الى داره، وكان يقول: كنت في المكتب فانصرفت، فاذا بهرة خارجة من قناة رميتها، فلا ادرى اصبتها أم لا، فانا اذكرها الى الآن.
ولما توفي السبائي وخرج أبو الحسن للصلاة عليه، ازدحم الناس عليه
стр. 1924
يسئلونه الدعاء ويسلمون عليه حتى كاد أن يموت لكثرة ازدحامهم، فألزم نفسه أن لا يخرج من داره فلزمها حتى مات ﵀.
فصول من كلامه في الرقة والعلم:
قال بعضهم: سمعته يقول: إن طال عمرك، فجعت بأحبابك وان قصر. فجعت بنفسك.
قال عتيق بن ابراهيم، لما وقعت مسألة الإيمان واختلف فيها الفقهاء، قلت لا بي الحسن انشر مذهبك في ذلك نتبعك فقال إنا إذا وقفنا بين يدي الله لم يسألنا عن هذه المسألة: ايش أنتم مومنون عندي ولا عندكم، إن كنتم عقلاء. فاسكتوا عنها.
قال أبو الحسن الدباغ: لما نهبت تونس، سرت [¬١] الى عبد الرحمان الوزنة - صاحب سحنون، فقلت له: ما ترى فى البيع والشراء من أهل الأسواق؟ فقال لي: اقصد أهل العفاف، قال أبو الحسن: وبلغني أنه لما دخلت غنائم تونس القيروان. سأل رجل البهلول وشقران عن ذلك، فقالا له اشتر من أوسط أهل السوق ودع المعروفين بالشر ومن لا يرجع عن هذه الغنائم. قال عبد الرحمان بن محمد: فسألت أبا الحسن عن ذلك، فقال: اقصد أهل العفاف، فليس باعة اليوم [¬٢] كأهل ذلك الزمان، ثم قال من متع بعباءة وأكل الشعير في هذا الوقت. فقد طاب عيشه وتخلص، ومن كان مثلنا غرق. لانا لا نستبد من البيع والشراء في الأسواق [¬٣]. قال: وسألته "هل تقطع لغيرك بالايمان عند الله، فقال [¬٤]: لا. الا أني أقول له: إن كان
стр. 1925
ظاهرك وباطنك واحدا فأنت مومن وكان ينهى عن الكلام [¬١] فيها ويقول، ما لنا في الكلام في شيء. إن أصبنا فيه لم نؤجر، وان أخطأنا فيه أثمنا (٣٠٢)، ويقول لابي الحسن الزيات، ذهبت الى العراق، فأتيتنا بهذه البدعة، وهو الذى كان جاء بها وألقاها بالقيروان.
وفاته:
وتوفي [¬٢]﵀ منتصف (٣٠٣) رمضان من سنة [¬٣] تسع وخمسين وثلاثمائة، وعهد أن لا يعلم الناس بموته، فلما خرج بجنازته، لم يكن يصل [¬٤] الى قبره بعد صلاة المغرب إلا بجهد كبير وولد سنة احدى وسبعين ومائتين.
عبد العزيز بن رشيق - مولى الرخمة [¬٥]:
قال ابن الناظور عن [¬٦] بعض شيوخه: كان شابا من أهل العلم، من حفاظ المسائل جميل الأحوال، وكان يحضر حلقة الشيخ أبي اسحاق السبائي ثم قطعه، لان أبا اسحاق اعجب يوما برقة فهمه وحفظه ومناظرته وحسن هيئة [¬٧]، فسأل عنه، فأخبر به. فقال له: إن كنت قبضت من ميراث أبيك شيئا، فتصدق به، وإلا [¬٨]، فلا تدخل علي.
стр. 1926
أبو القاسم بن شبلون (٣٠٤)
واسمه عبد الخالق بن خلف [¬١] قال الشيرازي، تفقه بابن أخي هاشم، وكان الاعتماد عليه بالقيروان في الفتوى [¬٢] والتدريس، وبعد أبي محمد بن أبي زيد. سمع من ابن مسرور [¬٣] الحجاج، وألف كتاب المقصد -أربعين جزءا. وكان يفتي في اللازمة بطلقة واحدة.
وتوفي سنة إحدى وتسعين (٣٠٥) وبخط ابي عمران في ربيع الأول سنة تسعين وثلاثمائة.
أبو الأزهر عبد الوارث بن حسن بن أحمد بن معتب ابن أبي الأزهر عبد الوارث بن الحسن [¬٤] الأزدي (٣٠٦)
تقدم ذكر [¬٥] جده (٣٠٧) وأبي جده (٣٠٨) في أصحاب سحنون، وكان بيت بني معتب بيت علم بالقيروان، وكان حسن أبو أبي الأزهر [¬٦] هذا من أهل الفهم واللسان الجيد، والعقل والوجاهة. (كان) [¬٧] رجلا صالحا خيرا فاضلا. قال ابن حارث،
стр. 1927
درس أبو الأزهر وحفظ واختلف معنا [¬١] الى الشيوخ، وكانت له قريحة حسنة، وفهم جيد في الفقه وعناية بالوثائق.
قال المالكي: كان أبو الأزهر من الائمة الراسخين، ذا فقه بارع، وعلم بالأصول، مجود للوثائق (٣٠٩) والاحكام وعلم القضاء، منور الوجه، جميل الشيبه متواضعا.
قال أبو محمد بن أبي زيد: ما بافريقية أفقه من أبي الأزهر، انما قطع به قلة دنياه، صحب أبا بكر بن اللباد، وأبا عبد الله بن مسرور، وأبا محمد بن أبي هاشم، ولم يكن له دنيا. كان عيشه من الوثائق، وأراد عبد الله بن هاشم القاضي استكتابه، فاستشار أبا محمد بن ابي زيد، فكسر عليه، (٣١٠) فبلغ ذلك أبا الأزهر، فجلس بالقرب من درب السكة. فإذا خرجت مسألة من عند ابن أبي زيد. كتب تحتها الجواب خطأ، ونبه على ذلك فضاق من ذلك ابن أبي زيد. ووجه اليه يعتذر له وقال: إنما فعلت ذلك إجلالا لقدرك، إذ أنت من شيوخنا، قال: فترك ذلك.
قال أبو الحسن القابسي، اختلف أصحابنا فيمن صلى بامرأته المكتوبة. هل يصلى تلك الصلاة في جماعة؟ فقال أبو سعيد بن اخي هشام وغيره: لا يفعل، وجعلوا صلاته مع زوجته جماعة، وقال أبو الأزهر، لا بأس بذلك.
وأتى أبو الأزهر لإشهاد إملاك لرجل مشهور بالقيروان - وقد حضره أبو سعيد، وابن التبان، وابن ابى زيد، وغيرهم وامتلأت الدار، فلم يجد اين يجلس.
стр. 1928
ولم يفسح له، فجلس على الماجل [¬١]، وقرأ الوثيقة أبو محمد بن الشقيقى الحبقي [¬٢]. فسمع أبو الأزهر فيها ما لا يجوز. فقال: كسرتم فعل ذلك في موضع آخر، فقال له ابن الشقيقي، غيظك على هؤلاء ترده علي، أنا قلت لك: أقعد على الماجل؟ [¬٣]
قال ابن حارث: وأبو الأزهر هذا - حافظ فقيه- موثق، لزم بيته لما حدث من غلظ الزمان. وقد ذكرنا أنه كان ممن يتحلق بجامع القيروان أيام أبي يزيد مع ابن أخى هاشم وابن أبي زيد وغيرهم.
وتوفى سنة إحدى أو اثنتين وسبعين (٣١١) وثلاثمائة ويقال سنة ثمان وسبعين [¬٤] (٣١٢).
حباشة بن حسن اليحصبي (٣١٣)
قال ابن الفرضي: سمع بالقيروان من زياد بن عبد الرحمان بن زياد، وإبراهيم بن عبد الله القلانسي ونظرائهما، ثم قدم الأندلس. فصحب أبا عبد الله محمد بن أحمد الخراز القروى، وسمع منه ومن أبى بكر بن الأحمر، وتردد في الثغور مرابطا، ثم رحل إلى المشرق حاجا فسمع من أبي زيد المروزى وغيره. وانصرف إلى الأندلس فلزم العبادة ودراسة العلم والجهاد، إلى أن توفي بها، وكان
стр. 1929
فقيها في المسائل، حافظا للاختلاف، عالما بالسنن والآثار، وسمع أيضا من ابن عون الله، ومحمد بن أحمد بن يحيى، وغيرهم، وقال [¬١]: أدركت بالقيروان ستة عشر رجلا. كلهم يقول: حدثني سحنون، ودعي إلى أن تجرى له جراية من عند خليفة الأندلس هشام، ويوسع له، ويجلس للفتوى، فلم يجب إلى ذلك. وكان يتكرر على أشبيلية.
وتوفي بقرطبة ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة، خلت من جمادى الآخرة سنة أربع وسبعين وثلاثمائة.
محمد بن حارث بن أسد الخشني أبو عبد الله (٣١٤)
تفقه بالقيروان على أحمد بن نصر، وأحمد بن زياد، وأحمد بن يوسف (٣١٥). وابن اللباد، والممسي، وسمع من غيره واحد من شيوخ أفريقية، وقدم الأندلس - حدثا - سنة اثنتي عشرة [¬٢]، فسمع من ابن أيمن، وقاسم بن أصبغ، وأحمد ابن عبادة، ومحمد بن يحيى بن لبابة، وأحمد بن زياد [¬٣]، والحسن بن سعد. وغيرهم من القرطبيين. واستوطن بعد هذا قرطبة، وقد دخل بلدنا سبتة قبل العشرين وثلاثمائة، فحبسه أهلها عندهم وتفقه عليه قوم منهم.
وذكر ابن فرج الجياني - في تاريخه (أنه) حقق قبلة جامعهم إذ ذاك، فوجد
стр. 1930
فيها تغريبا، فامتثلوا رأيه وشرقوها، ثم دخل الأندلس. وتردد في كور الثغور. واستقر آخرا بقرطبة.
قال ابن عفيف: وكان حافظا للفقه، متقدما فيه.
قال ابن أيوب [¬١]، كان ابن حارث نبيلا ذكيا، فقيها، فطنا، متفننا، عالما بالفتيا. حسن القياس [¬٢] في المسائل؛ وولاه الحكم المواريث ببجانة [¬٣] (٣١٦)، وولي الشورى بقرطبة. وتمكن من ولي عهدها الحكم، وألف له تواليف حسنة. منها كتابه في الاتفاق والاختلاف في مذهب مالك. وكتابه في المحاضر [¬٤]. [وكتاب رأي مالك الذي خالفه فيه أصحابه - كبير] [¬٥]، وكتاب الفتيا. وكتاب في تاريخ [¬٦] علماء الأندلس. وتاريخ قضاة الأندلس. وتاريخ الأفريقيين. وكتاب التعريف. وكتاب المولد والوفاة. وكتاب النسب. وكتاب الرواة عن مالك. وكتاب طبقات الفقهاء المالكية [¬٧]. وكتاب الاقتباس. وغير ذلك.
قال ابن الفرضي، بلغني أنه ألف له مائة ديوان [¬٨]. وكان عالما بالأخبار وأسماء الرجال، وكان حكيما يعمل الأدهان. ويتصرف في الأعمال اللطيفة، شاعرا بليغا. إلا أنه يلحن. وكان يتعاطى صنعة الكيمياء (٣١٧). وآلت به الحال بعد