أبو القاسم بن شبلون (٣٠٤)
واسمه عبد الخالق بن خلف [¬١] قال الشيرازي، تفقه بابن أخي هاشم، وكان الاعتماد عليه بالقيروان في الفتوى [¬٢] والتدريس، وبعد أبي محمد بن أبي زيد. سمع من ابن مسرور [¬٣] الحجاج، وألف كتاب المقصد -أربعين جزءا. وكان يفتي في اللازمة بطلقة واحدة.
وتوفي سنة إحدى وتسعين (٣٠٥) وبخط ابي عمران في ربيع الأول سنة تسعين وثلاثمائة.
أبو الأزهر عبد الوارث بن حسن بن أحمد بن معتب ابن أبي الأزهر عبد الوارث بن الحسن [¬٤] الأزدي (٣٠٦)
تقدم ذكر [¬٥] جده (٣٠٧) وأبي جده (٣٠٨) في أصحاب سحنون، وكان بيت بني معتب بيت علم بالقيروان، وكان حسن أبو أبي الأزهر [¬٦] هذا من أهل الفهم واللسان الجيد، والعقل والوجاهة. (كان) [¬٧] رجلا صالحا خيرا فاضلا. قال ابن حارث،
стр. 1927
درس أبو الأزهر وحفظ واختلف معنا [¬١] الى الشيوخ، وكانت له قريحة حسنة، وفهم جيد في الفقه وعناية بالوثائق.
قال المالكي: كان أبو الأزهر من الائمة الراسخين، ذا فقه بارع، وعلم بالأصول، مجود للوثائق (٣٠٩) والاحكام وعلم القضاء، منور الوجه، جميل الشيبه متواضعا.
قال أبو محمد بن أبي زيد: ما بافريقية أفقه من أبي الأزهر، انما قطع به قلة دنياه، صحب أبا بكر بن اللباد، وأبا عبد الله بن مسرور، وأبا محمد بن أبي هاشم، ولم يكن له دنيا. كان عيشه من الوثائق، وأراد عبد الله بن هاشم القاضي استكتابه، فاستشار أبا محمد بن ابي زيد، فكسر عليه، (٣١٠) فبلغ ذلك أبا الأزهر، فجلس بالقرب من درب السكة. فإذا خرجت مسألة من عند ابن أبي زيد. كتب تحتها الجواب خطأ، ونبه على ذلك فضاق من ذلك ابن أبي زيد. ووجه اليه يعتذر له وقال: إنما فعلت ذلك إجلالا لقدرك، إذ أنت من شيوخنا، قال: فترك ذلك.
قال أبو الحسن القابسي، اختلف أصحابنا فيمن صلى بامرأته المكتوبة. هل يصلى تلك الصلاة في جماعة؟ فقال أبو سعيد بن اخي هشام وغيره: لا يفعل، وجعلوا صلاته مع زوجته جماعة، وقال أبو الأزهر، لا بأس بذلك.
وأتى أبو الأزهر لإشهاد إملاك لرجل مشهور بالقيروان - وقد حضره أبو سعيد، وابن التبان، وابن ابى زيد، وغيرهم وامتلأت الدار، فلم يجد اين يجلس.
стр. 1928
ولم يفسح له، فجلس على الماجل [¬١]، وقرأ الوثيقة أبو محمد بن الشقيقى الحبقي [¬٢]. فسمع أبو الأزهر فيها ما لا يجوز. فقال: كسرتم فعل ذلك في موضع آخر، فقال له ابن الشقيقي، غيظك على هؤلاء ترده علي، أنا قلت لك: أقعد على الماجل؟ [¬٣]
قال ابن حارث: وأبو الأزهر هذا - حافظ فقيه- موثق، لزم بيته لما حدث من غلظ الزمان. وقد ذكرنا أنه كان ممن يتحلق بجامع القيروان أيام أبي يزيد مع ابن أخى هاشم وابن أبي زيد وغيرهم.
وتوفى سنة إحدى أو اثنتين وسبعين (٣١١) وثلاثمائة ويقال سنة ثمان وسبعين [¬٤] (٣١٢).
حباشة بن حسن اليحصبي (٣١٣)
قال ابن الفرضي: سمع بالقيروان من زياد بن عبد الرحمان بن زياد، وإبراهيم بن عبد الله القلانسي ونظرائهما، ثم قدم الأندلس. فصحب أبا عبد الله محمد بن أحمد الخراز القروى، وسمع منه ومن أبى بكر بن الأحمر، وتردد في الثغور مرابطا، ثم رحل إلى المشرق حاجا فسمع من أبي زيد المروزى وغيره. وانصرف إلى الأندلس فلزم العبادة ودراسة العلم والجهاد، إلى أن توفي بها، وكان
стр. 1929
فقيها في المسائل، حافظا للاختلاف، عالما بالسنن والآثار، وسمع أيضا من ابن عون الله، ومحمد بن أحمد بن يحيى، وغيرهم، وقال [¬١]: أدركت بالقيروان ستة عشر رجلا. كلهم يقول: حدثني سحنون، ودعي إلى أن تجرى له جراية من عند خليفة الأندلس هشام، ويوسع له، ويجلس للفتوى، فلم يجب إلى ذلك. وكان يتكرر على أشبيلية.
وتوفي بقرطبة ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة، خلت من جمادى الآخرة سنة أربع وسبعين وثلاثمائة.
محمد بن حارث بن أسد الخشني أبو عبد الله (٣١٤)
تفقه بالقيروان على أحمد بن نصر، وأحمد بن زياد، وأحمد بن يوسف (٣١٥). وابن اللباد، والممسي، وسمع من غيره واحد من شيوخ أفريقية، وقدم الأندلس - حدثا - سنة اثنتي عشرة [¬٢]، فسمع من ابن أيمن، وقاسم بن أصبغ، وأحمد ابن عبادة، ومحمد بن يحيى بن لبابة، وأحمد بن زياد [¬٣]، والحسن بن سعد. وغيرهم من القرطبيين. واستوطن بعد هذا قرطبة، وقد دخل بلدنا سبتة قبل العشرين وثلاثمائة، فحبسه أهلها عندهم وتفقه عليه قوم منهم.
وذكر ابن فرج الجياني - في تاريخه (أنه) حقق قبلة جامعهم إذ ذاك، فوجد
стр. 1930
فيها تغريبا، فامتثلوا رأيه وشرقوها، ثم دخل الأندلس. وتردد في كور الثغور. واستقر آخرا بقرطبة.
قال ابن عفيف: وكان حافظا للفقه، متقدما فيه.
قال ابن أيوب [¬١]، كان ابن حارث نبيلا ذكيا، فقيها، فطنا، متفننا، عالما بالفتيا. حسن القياس [¬٢] في المسائل؛ وولاه الحكم المواريث ببجانة [¬٣] (٣١٦)، وولي الشورى بقرطبة. وتمكن من ولي عهدها الحكم، وألف له تواليف حسنة. منها كتابه في الاتفاق والاختلاف في مذهب مالك. وكتابه في المحاضر [¬٤]. [وكتاب رأي مالك الذي خالفه فيه أصحابه - كبير] [¬٥]، وكتاب الفتيا. وكتاب في تاريخ [¬٦] علماء الأندلس. وتاريخ قضاة الأندلس. وتاريخ الأفريقيين. وكتاب التعريف. وكتاب المولد والوفاة. وكتاب النسب. وكتاب الرواة عن مالك. وكتاب طبقات الفقهاء المالكية [¬٧]. وكتاب الاقتباس. وغير ذلك.
قال ابن الفرضي، بلغني أنه ألف له مائة ديوان [¬٨]. وكان عالما بالأخبار وأسماء الرجال، وكان حكيما يعمل الأدهان. ويتصرف في الأعمال اللطيفة، شاعرا بليغا. إلا أنه يلحن. وكان يتعاطى صنعة الكيمياء (٣١٧). وآلت به الحال بعد
стр. 1931
موت الحكم (٣١٨) وتقصير أمر ابن أبي عامر لصنائع الحكم - إلى الجلوس في جانوت لبيع الأدهان (٣١٩) حدث عنه أبو بكر بن حوبيل وغيره [¬١].
قال أحمد بن عبادة: رأيت ابن حارث في مجلس أحمد بن نصر - يعنى في وقت طلبه بالقيروان - وهو شعلة يتوقد في المناظرة.
وتوفى بقرطبة - لثلاث عشرة خلت من صفر سنة [¬٢] إحدى وستين وثلاثمائة - فيما قاله ابن الفرضي (٣٢٠). وقال ابن عفيف، سنة أربع وستين.
تميم (بن محمد) [¬٣] بن أحمد بن تميم التميمي (٣٢١)
ولد أبي العرب، يكنى بأبي العباس، وسماه بعضهم تماما، والأول هو المعروف. أدرك صغار رجال سحنون، وعيسى بن سليمان، والمغامي، وابن أبى زاهر، ومحمد بن بسطام، وحماس بن مروان، وفرات، ومحمد بن عمر، وسمع من أبيه، والقطان، ونفيس السوسي؛ وسمع منه أبو محمد الأجدابي، والوليد بن محمد الأندلسي، وأبو القاسم الوهراني [¬٤]، وغيرهم. وكان يحفظ المسائل ويتكلم فيها. وكان من أهل الورع والاجتهاد والانقباض. قرئ عليه بالقيروان وسمع منه.
стр. 1932
قال المالكي، كان رجلا صالحا، فاضلا متفننا ناسكا، كثير الأخذ على لسانه. أغلب أحواله الورع والسخاء والمروءة. أجمع الناس على فضله.
قال أبو عبد الله الخواص، كان إذا أراد أن يطبن [¬١] سقوفه، حفر أصل داره من أجل قبالة السلطان على التراب. وكان يطعم من أتاه ويخرج لهم ما عنده ويقول من أراد أن يأكل أو يحمل. فليفعل، وكان إذا دعاه أحد إلى وليمة، حمل كسرة من خبز وشيئا من تين من ربعه. فإذا أكل الناس الطعام. أكل هو معهم مما حمل.
قال بعضهم، كنت مع أبي العباس يوما جالسا على باب داره. إذ وثب وقال لأصحابه، قوموا فادخلوا فدخلوا [¬٢]، وأغلق الباب ولا يدرون ما السبب؟ فأقبل ينظر من شق الباب، ثم فتح الباب، وقال لهم: اخرجوا، فسألوه ما السبب؟ فقال: رأيت رجلا من أصحابنا سكرانا فلم أرد أن تروه، فقالوا له، من هو؟ فقال، أنا سترته منكم ثم أخبركم به!
قال الأجدابي: ولقد صحبته كثيرا، فما رأيته ضاحكا قط.
قال الوليد بن مخلد: حدثنا تميم بن محمد الزاهد، ولم أر أعبد منه.
وقال (أبو) القاسم الوهراني - فيما وجدته معلقا عنه في أخبار رحلته وشيوخه وكان أبو العباس تميم بن محمد [¬٣]- والله - خيرا فاضلا، ورعا زاهدا. متقشفا، من أهل العلم والصيانة، لزمته أربعة أعوام للسماع منه.
وأخوه أحمد يكنى بأبي جعفر، دخل الأندلس، واستوطن قرطبة، وحدث عن أبيه وعبد الله بن محمد الرعيني. وأبي القصر السوسي، وكان يضعف. تكلم فيه أخوه وقال: أنه لم يسمع كتب أبيه، وكان هو [¬٤] يدعى سماعها.
стр. 1933
وتوفى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
مسرة بن مسلم بن ربيعة الحضرمي (٣٢٢)
من أهل العلم والزهد التام بساحل القيروان هو وأخوته [¬١]، وقد تقدم ذكرهم عند ذكر [¬٢] أخيهم الأكبر أبي يوسف في الطبقة قبل هذا، ويكنى مسرة هذا بأبي بكر. قال اللبيدى: كان من أهل [¬٣] بيت قرآن وعلم وعبادة، وتفقه مرة مع حمود بن سهلون، وكان صديقا لأبي إسحاق الجبنياني، (وسمع من مسرة اللبيدي، وعطية ابن مسلم السفاقسي. وولد أبي إسحاق الجبنياني) [¬٤] وعالم كثير، ورحل إليه الناس من الأقطار.
قال اللبيدى: ولم يترك مسرة من اجتهاده في العبادة شيئا، وكان من النواحين على أنفسهم حتى تستقر الدموع في موضع سجوده. ويسقط من قامته فيتهشم [¬٥] وجهه، وكان أبو إسحاق يوثقه في العلم ويأمر ولده وغيره بالسماع منه.
قال المالكي: كان رجلا صالحا. فاضلا ناسكا. مجتهدا. طويل الصلاة، وكان بساما. سهلا بجلسائه، ذا حزن وبكاء إذا خلا. سمع من محمد بن عمر. ورحل سنة ثلاثمائة مع أخيه. فسمع من النسائي [¬٦]، ومحمد بن ريان [¬٧]، وأبي محمد بن
стр. 1934
الجارود [¬١]، ومأمون، وأبي الطاهر بن مهدي القاضي. ومحمد بن رمضان. وابن الاعرابي. والديبلي [¬٢]. وأبي عبد الله بن الربيع الجيزى [¬٣]. وأبي القاسم البغوي.
ذكر عبادته وزهده وأخباره
قال اللبيدى، أقام مسرة ست عشرة سنة في دكان في زاوية البيت. لا ينزل إلا لحاجة الإنسان، ويتلو ويبكي. ويتكلم بالحاجة إشارة، وكان في ابتداء أمره يختتم ختمة بالنهار. وأخرى بالليل. أقام على ذلك أربعين سنة، ثم ضعف. فكان يختم ختمة سائر ليله ونهاره، ولقد رأيته يوما يقرأ ويبكى. وأن دموعه تجري على [¬٤] الأرض. وكان من الخائفين. وكان يتسمع [¬٥] التعبير. وربما حرك منه فيبكي. ويقيم أياما لا ينتفع به.
قال مسرة، كنت في شبيبتي أورق فغلا الرق، فوقف بي هاتفا فقال:
أبا بكر [¬٦] إذا غلت الرقوق … يرخصها لك العلام الرفيق [¬٧]
ولما - احتضر ﵀ ابتدأ القرآن. فانتهى في "طه" إلى قوله - تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (٣٢٣) - ففاضت نفسه.
قال اللبيدي: رأيت أبا إسحاق الجبنياني: ومسرة جالسين في جنازة، وعلى مسرة جبة صوف. فقال له الجبنياني: من اين لك هذه يا أبا بكر. قال: من سوق المسلمين، فقال له أبو إسحاق: سبحان الله تشترى من السوق، وفيه تخليط
стр. 1935
وأنت يقتدى بك، فقال له مسرة، فمن [¬١] اين هذه الدراعة التي عليك وعليه مرقعة بخرق المزابل. فقال: له [¬٢] أصلها منذ ثلاثين سنة، عملتها لى أختى بموضع كذا كشفت عن أصله، فقال مرة موضع السراف أنت يا أبا إسحاق ورجل مجنون - يعني لتضييقه على نفسه وتتبعه غاية الأمور التي ليست لها غاية. فقال له أبو إسحاق، صدقت. كذلك [¬٣] كان معلمى يقول لى: إنك مجنون. ثم أقيمت الصلاة فقدم مسرة أبا إسحاق ثم أتى بالجنازة - فقدمه أيضا - وكان الميت ابن أخي مسرة. فلما فرغا. جرى بينهما حديث ودعاء، وتوادعا. وتصافحا. وكان كل واحد منهما يجل قدر صاحبه ويعرف له [¬٤] فضله. قال اللبيدي: فما علمت أنهما اجتمعا بعد ذلك اليوم مات أبو إسحاق. ومات مسرة بعده بنحو ثمان سنين. قال: وكنت عنده قبل موته بثلاث سنين حتى جاءه رجل فقال: رأيت البارحة أبا إسحاق في المنام واقفا. فصاح ثلاث صيحات، يا مسرة. يا مسرة. يا مسرة. فبكى مرة فقال، أما ثلاث ساعات فقد ذهبت وأراني أموت إلى ثلاثة أيام. أو ثلاثة أشهر [¬٥]. أو ثلاث سنين. فورخنا الرؤيا. فمات لثلاث سنين ﵀.
وتوفي [¬٦]﵀ سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة [¬٧] (٣٢٤).
стр. 1936
[إبراهيم بن يزيد المكني (٣٢٥)
بتشديد الكاف وفتحها [¬١] من مكنة [¬٢]، ذكره المالكي وقال فيه فقيه حافظ، عابد مجتهد، كان يسكن المنستير، ثم بلغه أن صديقا له توفي وترك بنتا بسفاقس، فقال: كفالة بنت صديق أولى بي، فترك المنستير وكفلها ورباها.
محمد بن حكمون] [¬٣] الربعي الزيات أبو الحكم
سمع من ابن مسرور العسال وغيره، ورحل إلى المشرق، وهو الذي جاء بمسألة الإيمان، فألقاها إلى علماء القيروان، ووقع فيها من الخلاف بين ابن أبي زيد وابن التبان ما شهر.
[علي بن أحمد المعافري
أراه من أهل الساحل.
قال المالكي: كان فقيها حافظا [¬٤]، توفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.
أحمد بن عبد الله المهدي] [¬٥] أبو جعفر
قيرواني - من أصحاب أبي بكر بن اللباد [¬٦]، من أهل العناية بالعلم، وكان في الدراسة والمطالعة (آية) [¬٧]، لا يكاد يسقط الكتاب من يده حتى عند طعامه.
стр. 1937
أبو عبد الله محمد بن خليفة السوسي
من فقهاء هذه الطبقة، وكان أبوه خطيبا لبني عبيد بالقيروان، ورأيت أيضًا عبد الله بن محمد بن خليفة السوسي مذكورا في فقهاء الطبقة التي بعد هذه، فلعله ابنه.
ورأيت أيضًا أبا عبد الله محمد بن خليفة السوسي من الفقهاء، يروى عن الدويلي من الطبقة بعد هذه.
عمرون بن محمد بن عمرون السوسي أبو حفص
من فقهاء هذه الطبقة وفضلائها، يروى عن الابياني [¬١]، وابن الحقنة [¬٢]، والحسن بن نصر - وبهما تفقه. وروى أيضًا [¬٣] عن محمد بن يزيد بن عاصم، وطال عمره. روى عنه أبو القاسم اللبيدي.
قال المالكي: كان عمرون بن محمد طيب المكسب، متوقفا عن الشبهات.
وتوفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة - وهو ابن مائة سنة وأربع سنين.
أبو الحسن [¬٤] بن الخصيب (٣٢٦)
هو علي بن أحمد بن زكرياء بن الخصيب، ويعرف بابن زكرون، اطرابلسي.
قال المالكي: كان رجلا صالحا متعبدا ناسكا، ذا فضل وعبادة، وعقل وصون، وبشارة جميلة، منور الوجه، له في الفقه والفرائض والشروط والرقائق
стр. 1938
مصنفات كثيرة، وله في الحديث والرجال تواليف، وكان كريم الأخلاق، بارا بمن قصده.
قال أبو عبد الله الأجدابي: صحب ربيعا القطان، وشق معه القفار، وسلك معه الشامات. وله سماع وسند عال. وسمع [¬١] من أبي عبد الله الجيزى، وابن المنذر، وابن رمضان، وابن شعبان، وابن الأعرابي، وابن الجارود، وصحب أبا علي بن الكاتب الزاهد المصرى، وجماعة من النساك. وروى عنه [¬٢] أبو الحسن القابسي، وأبو الحسن بن المنمر الطرابلسي، وأبو القاسم بن نمر [¬٣]، وأبو علي الحسن بن المثنى - قاضي اطرابلس، وأبو الحسن الحصائدي القاضي. ومن الأندلسيين عبدوس بن محمد الطليطلي، وغيرهم [¬٤]. وبه انتفع أهل طرابلس وكانوا يعظمونه.
قال أبو الحسن بن المنمر: كان [¬٥] أبو الحسن بن زكرون من الورعين في مطعمه ومشربه وملبسه ومكسبه [¬٦] ولفظه، تعلم الناس منه الفقه والحديث والورع.
قال غيره: أقام أربعين سنة لم يضحك ولم يتكلم في أحد بغيبة، ولا يسمى أحدا بلقب، وأقام خمسين سنة لم يحلف بالله. قيل له لما احتضر: لم تذكر كفارة، قال ما أعلم علي يمينا أكفرها. وكانت بينه وبين ربيع مراسلات.
توفي سنة سبعين وثلاثمائة.
стр. 1939
ومن أقصى المغرب:
فمن أهل بلدنا:
أبو زيد عبد الرحيم بن مسعود الكتامي
يعرف بابن أبي غافر - بغين معجمة وفاء.
كذا وجدته [¬١] مقيدا بخط أبي إسحاق بن يربوع، وهو أحد من أخذ عنه، سمع وتفقه، ورحل فسمع من رجال المصريين، ولقي أئمة المالكيين: بكر بن العلاء القشيري، وسمع منه أحكامه، وأبا الحسن علي بن جعفر التلياني [¬٢] القاضي، وأبا حفص عمر بن حفص الاسكندراني، وعن هذين حمل [¬٣] كتاب محمد بن المواز عن ابن أبي مطر. وسمع منه الناس، أخذ عنه عبد الله بن غالب، وعبد الرحيم بن العجوز، وإبراهيم بن يربوع، وقاسم بن عيسى بن علاء، وغازي بن سعيد، وعيسى بن محمد بن عفان، وغيرهم من مشيخة بلدنا.
وتوفي بعد التسعين (٣٢٧).
عيسى بن علاء بن نذير [¬٤] بن أيمن (٣٢٨)
من أهل سبتة، يكنى بأبي الأصبغ.
стр. 1940
سمع بقرطبة من أحمد بن خالد، ومحمد بن عبد الملك، وقاسم بن أصبغ، ومحمد بن عيسى بن رفاعة، وغيرهم [¬١].
وكان [¬٢] طلبه بقرطبة من سنة سبع عشرة إلى سنة أربع وعشرين، وولى الصلاة والقضاء بسبتة.
قال [¬٣] القاضي أبو الوليد: (بن الفرضي): وكان فقيها عالما، ومحدثا ضابطا. كتب عنه.
وتوفى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة - وهو ابن ست وثمانين سنة (٣٢٩).
وسمع منه من أهل بلدنا: ابنه قاسم، وخلف بن قاصر، وغالب بن تمام - جد بني غالب، وقاسم بن مخلد - المعروف بابن علاء قومه، ومحمد بن علي بن الشيخ.
عيسى بن سعادة الفاسي أبو موسى [¬٤] (٣٣٠)
من فقهاء بلده، ومشاهير المغرب.
أخذ ببلده عن جبر الله [¬٥] (٣٣١) بن قاسم، وطلب بالقيروان ومصر والأندلس، وكان صاحب أبي الحسن القابسي عند الشيوخ.
стр. 1941
سمع من أبي الحسن بن الإمام [¬١]، والدباغ، والابياني، وصحب الأصيلي أيضًا عند الابياني وحمزة بن محمد الحافظ وغيرهما.
وأخذ بالأندلس عن أبي إبراهيم، وابن الخراز.
قال المالكي: ورحل سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، فسمع من حمزة وغيره، وحفظ الحديث وفاق [¬٢] فيه غيره، وكان في الحفظ عجبا، أبله في أمر دنياه!
وتوفى بمصر [¬٣] سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، ولما مات، تنازعه الفقهاء والمحدثون، كلهم يدعيه ويقول إنه أحق بالصلاة عليه. ورأيت في تعاليق أبي عمران أن أبا محمد بن أبي زيد حمل عنه عن ابن الجزار، عن ابن لبابة مسألة كراهية استنشاق الصائم للبخور الذي ذكر في مختصره، وهو الذي أخبره بذلك عنه حين قال في كتابه: أخبرت [¬٤] عن ابن لبابة، وقد صرح به أبو محمد أيضًا فقال: حدثني عيسى بن سعادة عن جبر الله بن القاسم، أنه حكى عن أصبغ في المسافر ترفع امرأته أمرها إلى السلطان أنه لم يترك لها نفقة، أنه يطلقها عليه. وقال القابسي -: وذكر مسألة - قال: كذا قال في هذه المسألة عيسى بن سعادة الذي لم يتكلم [¬٥] قط في مسألة حتى يتقنها.
قال القابسي: لما أتينا حمزة بن محمد أنا وعيسى بن سعادة، والأصيلي، وافقناه نازلا من درج مسجد، فقال: من هؤلاء؟ فقيل له: قوم مغاربة فوقف، فسلمنا عليه، ثم رجع فقعد، فنظر في وجوهنا وقال: ما أرى إلا خيرا، حدثونا عن
стр. 1942
محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن قيس الملائي [¬١]، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: احذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله. وتلا (٣٣٢) ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (٣٣٣).
موسى بن يحيى الصديني (٣٣٤)
من أهل فاس، كنيته أبو هارون كبير فقهاء بلده، وشيخهم الشهير في وقته وبعده. قال القاضي أبو الوليد بن الفرضي: كان فقيها حافظا للمسائل [¬٢]، عالما بالرأي، وله رحلة إلى المشرق، ولقي فيها أبا جعفر الأسواني المالكي وغيره، ودخل الأندلس، وتردد بالثغر، وكتب عنه هناك.
حدث عنه أبو الفرج عبدوس وغيره.
وتوفى بفاس يوم الجمعة يوم عرفة (٣٣٥) سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وهو ابن سبع وسبعين سنة (٣٣٦).
قال القاضي أبو الفضل ﵁ وسمع أيضًا من ابن عبدون [¬٣] القزويني، وابنه أحمد أيضًا، كان فقيها. وتوفى سنة ثمان وأربعمائة، ثم بقي [¬٤] سؤدد العلم في بيته إلى الآن.
стр. 1943
ومن أهل الأندلس:
القاضي أبو بكر بن السليم (٣٣٧)
هو محمد بن إسحاق بن منذر بن إبراهيم بن محمد بن السليم بن أبي عكرمة، واسمه جعفر، وهو الداخل إلى الأندلس مع ابن يزيد بن عبد الله مولى سليمان بن عبد الملك، قيل: عبد الله جده رومي.
وقال ابن مفرج في انتخابه: أنه لخمي. من أشرف عرب شذونة، تولى [¬١] سلفه لبني أمية، وإليهم تنسب المدينة المعروفة ببني السليم من كورة شذونة، نزلوها عند فتحهم الأندلس، وهو قرطبي، سمع بها من أحمد بن خالد صغيرا، وسمع من محمد بن أيمن، ومحمد بن قاسم، وعبد الله بن يونس، وقاسم بن أصبغ، وأبي عمر بن دحيم، وسعيد بن جابر، وغيرهم. ورحل سنة اثنين وثلاثين، فسمع بمكة من ابن الأعرابي، وبالمدينة من المرواني القاضي، وبمصر من الزبيدي، وعبد الله بن جعفر البغدادي، وأبي جعفر النحاس، وابن بهزاذ [¬٢] أخي ابن أبي مطر، و (أبي العباس) السكري، ومحمد بن أيوب البرقي وجماعة، وانصرف إلى الأندلس، فأقبل على الزهد والعبادة ودراسة العلم.
قال ابن الفرضي: كان حافظا للفقه، بصيرا بالاختلاف، عالما بالحديث، ضابطا لما رواه متصرفا في علم النحو واللغة، حسن الخطابة والبلاغة، لين
стр. 1944
الكلمة، متواضعا، وكان مع ذلك ذا غور ونكراء [¬١]، حدث وسمع منه كثيرا. وبخط الحكم أمير المؤمنين - وذكره فقال -: هو فقيه بمذهب مالك حافظه، مقدم، من أهل المعرفة بالحديث والرجال، له حظ من الأدب، لم يل القضاء بقرطبة أفقه منه ولا أعلم، إلا منذر بن سعيد، لكنه أرسخ في علم أهل المدينة من منذر.
قال ابن مفرج: كان ابن السليم راسخا في العلم مجتهدا في طلبه، عالما بالحديث والفقه.
قال غيره: جمع إلى الرواية الواسعة جودة استنباط الفقه والفتيا، والحذق في الفرائض [¬٢] والحساب، والتصرف في البلاغة والشعر، والافتنان في العلوم.
وذكره [¬٣] الحميدي أبو عبد الله في تاريخه: (٣٣٨) قال كان مع هيبته ورياسته - حسن العشرة، كريم النفس. وكان جماعة من كبراء العلماء بالأندلس (ممن) [¬٤] أدركوه قاضيا - كابن زرب، وأبى العباس الروقي - يقطعون على أنه لم يكن قط في قضاة الأندلس منذ دخلها الإسلام إلى وقته (قاض) [¬٥] أعلم منه. قال أبو محمد الباجي: ما رأيت في المحدثين مثله.
وله كتاب الوصل [¬٦] لما ليس في الموطأ، واختصار كتاب المدونة، وكتاب المروزي في الاختلاف، وكتاب الخمس في الحديث.
стр. 1945
ذكر زهده وورعه [¬١] وفضله
وكان مع علمه من أهل الزهد والتقشف والبر، طال هربه من السلطان إلى أن انشبه المقدار، فنال رياسة الدين والدنيا بالأندلس، فما استحال عن هديه ولا غرته الدنيا بوجه.
قال ابن مفرج: وكان قد بلغ [¬٢] به التقشف وطلبه الحلال، كان يصيد السمك بنهر قرطبة ويبيع صيده، فيأخذ من ثمنه ما يقتات به [¬٣] ويتصدق بفضله.
ذكر ولايته وسيرته
قال ابن حيان: كان أول معرفته بالحكم المستنصر - وهو إذ ذاك ولى عهد أبيه الناصر - إنه طلب رجلا عالما زاهدا، يحج عن والدته بعد موتها بخمسمائة دينار دراهم، كانت أعدتها لذلك [¬٤] من طيب مالها، فذكر له ابن السليم هذا، فأمر بإحضاره - والحكم خلف ستر، وأمر أن يكلم في القصة، فرغب [¬٥] إليه في ذلك فانزوى وحلف أن لا يفعل أبدا، فعلق بقلب الحكم، ولم يزل يجتذبه بكل حيلة حتى اقتنصه من طريق محبته في العلم، فاستخدمه في المقابلة لدواوين بيت حكمته الذي [¬٦] حوى من كتب العلم ما لم يحوِ بيت ملك، فداخله من حينئذ وصحبه، فنوه الحكم باسمه وقدمه إلى الشورى، فلما ولى الحكم الخلافة بعد موت أبيه، قدمه إلى المظالم والشرطة، - إلى أن توفى قاضيه منذر بن سعيد، فولاه
стр. 1946
مكانه قضاء الجماعة [¬١]، وذلك سنة ست وخمسين، وجمع له معها الخطبة والصلاة سنة ثمان وخمسين، فحمد الناس سيرته، وكان من سيرته التواني في الأحكام، والتثبط في القضاء، فربما لامه في ذلك من لم يعرف غرضه، فلم [¬٢] ينقم عليه بشيء سوى ذلك، فلما مات، اتفقت الألسنة بالثناء عليه.
قال الرازي: وفي [¬٣] ليلة الاثنين لإحدى [¬٤] عشر ليلة بقيت من رمضان سنة خمس وستين وثلاثمائة، أمر القاضي ابن السليم أئمة الفرض بالجامع أن يصلوا الوتر ثلاثا، لا يفصلون بينها بتسليم -[¬٥] كما كان يفعل قبل، وذلك أن بقي بن مخلد كان يأخذ به، فاتبعه عليه بعض الأندلسيين، وهو مذهب أهل العراق.
قال الفقيه القاضي [¬٦] الإمام المؤلف أبو الفضل عياض ﵁: وقال ابن الحذاء في كتاب الخطب والخطباء: كان ابن السليم قد اقتطع من مقاصير النساء بجامع قرطبة [¬٧] موضعا اتخذه لمصلاه يوم الجمعة يبكر للرواح فيه، فلا يزال فيه بين [¬٨] صلاة وذكر، حتى ينذره المؤذن بالوقت فيقوم نحو المقصورة.
وحضر مرة جنازة رجل ترك ابنا رجلا، فلما وضع النعش، تقدم الابن فصلى من غير إذن، فلما فرغ من شأن الميت وانفض الناس، أمر القاضي بحمل الولد إلى الحبس، فأقبل يقول: ما ذنبي، فقال: جهلك إذ تقدمت بمحضري ولم تستأذني، ولا رعيت حق الخليفة، إذ الصلاة له وأنا خليفته، فليس لأحد أن يتقدم
стр. 1947
إلا بإذننا، فلم تفعل ولا بد من تأديبك لأشرد بك (٣٣٩) مثلك من خلفك، فمضوا به [¬١] إلى السجن فلما وصل القاضي إلى داره، أمر بإطلاقه وقال: فيما [¬٢] فعلناه به أدب له.
قال المؤلف ﵁: قد مر في أخبار سحنون مثل هذا.
قال ابن مسعود لوى القاضي (٣٤٠) ابن السليم الوزير أبا زيد بن حديد بإنفاذ تسجيل له فاستبطأه [¬٣] أبو زيد، وكتب إليه معاتبا بشعر، وأوله.
إليك بك الشكوى لعلك موصلي … وإن كنت قد ضيقت سبل توصلي
عتب عليه فيه وشكا [¬٤] من مطله له ثم قال:
إذا لم يكن منك الجميل فإنني … رضيت بأن أعتاض حسن التنصل
لأجعل دون الصبر للوصل علقة … عسى وصلنا يبقى لنا بالتحيل
فأجابه القاضي بقوله:
أتاني [¬٥] قريض كالجمان المفصل … بديع معانيه لطيف التوصل
حباني به ندب كريم معظم … فأهلا به من ماجد متفضل
خلا أن فيه بعض عتب لممحض … يلام لتقصير وليس بمؤتل
وما عاق عن إنفاذ ما قد رغبته … سوى خطأ في العقد غير محصل
وغاب اللذان أخطئا في نظامه … فلم ينكمل منه مراد مؤمل
стр. 1948
وآبا وقد طال انتظاري علاج … فأكملت ما قد كان غير مكمل
وهذا أبو بكر فأعدل شاهد … يقول مقالي لا محالة فاعدل
ورفقا بخل غير جلد لعاتب … على أنه جلد لدى كل معضل
وهي أكبر من هذا.
بقية أخباره
حدث أبو القاسم أحمد بن يوسف معلم الخليفة هشام قال: لما انصرفت من الحج، صيرني ولي العهد الحكم لمقابلة كتبه وأجرى لي لذلك رزقا فأتاني ابن السليم - وهو يومئذ معتزل عن السلطان، على غاية من التقشف، فقعد [¬١] عندي، وأقبل يعذلني ويقول لي، يا أبا القاسم بعد طلب العلم، وتقييد الحديث، والرحلة فيه ركبت إلى هؤلاء القوم، واستهوتك دنياهم! فقلت: وما الذي وليت لهم؟ انما هي كتب علم لمثلها كان سعيي، أصححها لهم بأجرة. فقال لي: لا تقل هذا، فقد اعتقلتك حبالهم فلن تفلتها، ومن هذا يرقونك إلى غيره، ولا يمكنك خلافهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون - على عظيم المصاب بك! ثم مد يده إلى كمه فأخرج منه حجرين [¬٢]، وقال لي: خذهما فاضرب بهما صدرك، ونح على نفسك، سلام عليك. فخرج عني وتركني أبكي على نفسي، فما مضت علي إلا أيام، حتى صار إلى منزلتي، ثم ارتقى منها إلى الشورى، ثم إلى المظالم، ثم إلى قضاء الجماعة، فانتهى الغاية، فأردت، مقارضته فأمرت جارا لى من الصخارين يحمل إليه [¬٣] حجرين ضخمين، وبعثت معه غلاما لى بعد صلاة العتمة حتى أنزلهما بباب القاضي ابن السليم وأسندهما إلى مصراعه، فلما قام القاضي لصلاة الفجر، وفتح بابه سحرا
стр. 1949
ألفى الحجرين مسندين إليه، فبقى مفكرا، ومضى [¬١] إلى المسجد مشغول البال، إلى أن دخلت عليه، غدوة فما هو إلا أن رآني، اهتدى إلى وجه القصة، فقر بني وقال لي: أنت صاحبهما؟ فقلت له: هما الحجران اللذان دفعت إلي، رفعتهما عندي حتى كبرا، وصرفتهما لك - إذ كبرت، حالك،! فبكى وقال: هو حقك والبادى أظلم، فإنا لله وإنا إليه راجعون [¬٢] على عظيم منشبنا وخسران صفقتنا.
قال ابن الهندي: كان ابن السليم شديد المحبة لبنيه والإشفاق عليهم وكان يوصي [¬٣] مؤدبهم أن لا يضربهم، فقال له مؤدبهم يوما: كيف يتعلمون بلا ضرب، فقال له: الرحمان علم القرآن، أوصى مؤدبي أبي [¬٤] أن لا يضربني، فما ضربني قط غير مرة واحدة، فلذلك لم أتعلم.
قال ابن الهندي، قال لي [¬٥] ابن السليم: رأيت ثلاث رؤى، استدللت من اثنين منها على أني ألي القضاء، وبالأخرى [¬٦] على أني ألي الصلاة، قلت له: كم كان بين رؤياك الأولى وولايتك القضاء؟ قال، ثلاثون سنة.
ودخل ابن السليم يوما على الخليفة الحكم - وهو ينظر في كتاب فيه من صعاب مسائل الفرائض، فألقى عليه منها أول مسألة، فأجابه كأنه يقرأها معه في الكتاب - إلى أن أتى على آخرها، فأعجب به وقال: أنت من الراسخين في العلم!
وكان ابن السليم حسن الخلق حليما، حضر يوما مسجدا بأطراف قرطبة لانتظار جنازة، فحان [¬٧] وقت العصر. فلم يؤذن هناك، فقال لرجل من العامة: يا هذا
стр. 1950
أخرج فأذن فإذا به جاهل، فتغير لقوله وقال له: لم تر في المجلس أنحس مني. فتبسم القاضي واستغفر الله وخرج فأذن، ورجع فصلى بالناس، ثم قال للرجل، قد أنحس منك، فلا تعد إلى مثل قولك، ولكن [¬١] قل: لا أحسن تاب الله علينا وعليك.
حكى القاضي يونس بن مغيث، أن القاضي ابن السليم خرج يوما، فأصابه مطر اضطره إلى أن دخل بدا بته في اصطوان دار رجل يعرف بالسبائي (٣٤١) من أهل المشرق - ساكنا بقرطبة، فوافقه فيه ورحب به، وسأله النزول عنده، فنزل وأدخله منزله، وتفاوضا، ثم قال له عندي جارية بديعة [¬٢] لم يسمع بأطيب [¬٣] من صوتها، فإن أحببت [¬٤] أسمعتك عشرا من كتاب الله وأبياتا، فقال: نعم فأمرها فقرأت، ثم أنشدت، فاستحسن ذلك ابن السليم، وأخرج دنانير كانت في كمه [¬٥]. فجعلها تحت الفراش الذي كان عليه من حيث لم يره فلما ارتفع المطر ركب وودعه وقال: قد تركت شيئا هو للجارية، وأقسم لسيدها ليفعلن، وكانت عشرين مثقالا ذهبا.
قال القاضي ابن مفرج: لما قدم المستنصر ابن السليم قاضيه إلى الصلاة والخطبة، وكان ذلك ليلة الفطر، كتب إلى جماعة من ثقات إخوانه يسألهم أن يصبحوا إليه، فأتيناه فقال، أريد أن تحفوا بي وتشهدوا خطبتي لتصدقونى عن
стр. 1951
نفسي، وما يتعقب علي، ففعلنا فخطب [¬١] وأبلغ، إلا أنه هز [¬٢] وأكثر الاهتزاز، فلما انصرفنا، سألنا فأثنينا [¬٣]، فقال أحمد بن نصر صاحب الشرطة والسوق: يا سبحان الله! [¬٤] سألكم فقولوا الحق؛ فقال له: قل أنت يا أبا عمر، قال: نعم، قعدنا ننتظر خطيبا [¬٥]، فإذا بهدهد يرفع رأسه ويضعه لكل كلمة! وليس هذا من سمة الخطباء، فأقصر عنه، ورتل كلامك، وزن جسمك، فشكره القاضي وتفقد نفسه، فلحق بالخطباء المقدمين [¬٦].
ذكر وفاته
قال ابن حيان: ولم [¬٧] يزل ابن السليم على القضاء بقية أيام الحكم، فلما ولي ابنه هشام أبقاه، إلا أنه كان نمى بينه وبين قيم دولته ابن أبي عامر شنآن، يقال إن سببه كلمات بدرت [¬٨] من ابن السليم في حين خلافة هشام - إذ كان صغيرا ابن إحدى عشرة سنة، منها أن سرير الحكم لما قدم للصلاة، قالوا لجعفر بن عثمان خاصته من يصلي على أمير المؤمنين؟ فقال: ومن؟ الا ولي عهده أمير المؤمنين [¬٩]، فتقدم هشام فصلى، فسمع بعض أكابر الخدم القاضي يهمهم [¬١٠] ويقول [¬١١]: وما تغني صلاة أمير المؤمنين عنه أو نحو هذا؟ ثم برز القاضي عن الصف، فصار متقدما للناس خلف هشام مؤديا إليهم بتكبيره، فيقال انه نوى التقدم بالصلاة
стр. 1952
عليه. وروى عنه أنه قال: لو لا أني نويت عقد الصلاة بمقامى [¬١] هذا، لدفن بغير صلاة، وليست بأشد عقوباته، يريد لتقديمه على الأمة صبيا لم يدرك الحلم، فنميت هذه الكلمات إلى ابن أبي عامر فمقته وكان صادعا بالحق، لا تأخذه في الله [¬٢] لومة لائم، فثقل مكانه عليه، ولم يزل ابن أبي عامر يسعى في توهين أمره، ويتعرض أحكامه، وينقض قضاياه؛ وفطن هو لذلك، فخفف وطأته، ودارى [¬٣] سلطانه [¬٤] شهورا - إلى أن وقع في العلة التي توفي منها فمات ﵀ وذلك يوم الاثنين لخمس أو ست بقين من جمادى الأولى [¬٥] سنة سبع وستين وثلاثمائة، - مستورا لم يمسسه سوء، وسنه خمس وستون، مولده سنة اثنين وثلاثمائة، فلما نعي إلى ابن أبي عامر، قال: هل سمعتم بالذي عاش ما شاء، ومات حين شاء، فقد رأيناه [¬٦]، وهو هذا!
أخوه منذر بن إسحاق أبو الحكم، كان أسن من أخيه، وكان مشاورا بقرطبة.
وابنه أبو الوليد عبد الله بن محمد كان سليمان المستعين قدمه للشورى في الفتنة تنويها بمكانه، ولم يكن لذلك أهلا، وتوفي سنة اثنتين [¬٧] وأربعمائة.
стр. 1953
عبيد الله [¬١] بن الوليد
ابن محمد بن يوسف بن عبد الله بن عبد العزيز بن عمرو بن عثمان، بن محمد بن خالد بن عقبة بن أبي معيط، واسمه أبان بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، قرطبى دخل الأندلس صغيرا مع أبيه، وأصله من برقة، يكنى أبا مروان يعرف بالمعيطي، وسمع بقرطبة من قاسم بن أصبغ، والحسن بن سعد، وأحمد بن عبادة، وأحمد بن أبي دليم، وأحمد [¬٢] بن دحيم، وابن الأحمر.
قال ابن الفرضى: كان عالما بالفتيا، بصيرا في المسائل والشروط، مشاورا في الأحكام، حافظا للخبر والشعر طيب النفس والخلق. حدث وسمع منه جماعة أنا منهم.
قال غيره: وعليه وعلى ابن أبي دليم انتهت رئاسة الفتوى أيام الحكم.
مولده سنة اثنين وثلاثمائة، وتوفى لعشر بقين من محرم عام ثمان وسبعين.
سليمان بن أيوب بن سليمان بن البلكاشي [¬٣] القوطي (٣٤٢)
قرطبي، نبيه البيت بها، تقدم ذكر أوليتهم عند ذكر أبيه (٣٤٣)، يكنى بأبي أيوب، سمع من أبيه، وابن لبابة، وابن أبي الوليد، وابن أبي تمام وأسلم [¬٤].
стр. 1954
وهو آخر من حدث عنه، وسمع من ابن خالد، وابن أيمن، وعثمان بن أبي زيد، وابن الأغبس، ومحمد بن أحمد الشبلي [¬١]، وعبد بن يونس، ومحمد بن قاسم، وقاسم بن أصبغ، وأحمد بن بقى. وكان من أهل العلم والنظر، بصيرا بالاختلاف، حافظا للمذاهب. مائلا إلى الحجة، كان محمد [¬٢] بن يحيى بن الخراز ومحمد بن أبي دليم يثنيان عليه.
قال [¬٣] ابن الفرضى: وهما بعثانى للأخذ عنه، وكان زاهدا، خاشعا متواضعا، كثير البكاء، حدث وسمع منه كثيرا (٣٤٣).
قال ابن عفيف، وكان من أهل العلم واليقظة والرواية، روى عنه ابن عفيف وابن الفرضي، وغير واحد
وتوفي سنة سبع وسبعين (٣٤٤).
وابنه أحمد كان يكنى بأبي عمرو، سمع من قاسم، وابن أبي دليم، وغيرهم، ورحل حاجا وكان صالحا [¬٤] ومشاركا في فنون العلم مع سلامة وأمانة. توفى سنة ثمان وثمانين (٣٤٥).
стр. 1955
عبد الملك بن هذيل (٣٤٦)
ابن عبد الملك بن هذيل بن إسماعيل بن نويرة بن جميل بن نويرة بن ملك بن نويرة التميمي، قرطبي أبو مروان.
سمع من أحمد بن خالد وابن أيمن، وابن أصبغ وغيرهم.
ورحل فحج، وسمع من أحمد بن رشيدين بمصر، ومن ابن الأعرابي بمكة. ومن ابن اللباد بالقيروان وانصرف إلى الأندلس، فالتزم العزلة والانقباض، وكان يلبس خلق الثياب، فسمته [¬١] العامة بالخلقي، لذلك قال ابن عفيف، كان واحد عصره في التقشف والزهد والفضل، من الراسخين في علم الفقه والحفظ له [¬٢]، والمعرفة بالحديث، واختلاف العلماء، صحب الصالحين فأخذ سيرتهم ورفض الدنيا، ولزم منزله وهجر الناس وأقبل على صلاته وعلمه حتى أتاه اليقين، وكان يذهب في الماء مذهب العراقيين [¬٣].
قال ابن الفرضى، كان لا يسند حديثا. فإذا سئل عن سند حديث قال: يا ابن أخي، إنما هي بتر، فكان من الناس من يحمل ذلك على الانقباض، ومنهم من يحمله محملا قبيحا. قال: وقد سمعت محمد بن أحمد بن يحيى يسيء فيه القول، وينسبه إلى الضعف.
توفي [¬٤] سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، ورثاه أخوه أبو بكر.
стр. 1956
وأخوه هذا: أبو بكر يحيى بن هذيل الشاعر
سمع مع أخيه من رجال [¬١] الأندلسيين، [ومن أسلم، وابن القوطية، وابن لبابة، وغيرهم] [¬٢]. وغلبت عليه صناعة الشعر، فكان شاعرا في وقته - غير مدافع، وطال عمره فسمع منه.
قال ابن مفرج، وكان عالما، دينا. نزيها، فصيحا، حافظا للفقه، راوية للحديث والخبر، ظاهر الشارة من ملبس ومركب، حسن الحديث، ذا عفة وتقى، كثير التلاوة للقرآن، وكان القاضي ابن زرب يفضله ويزكيه [¬٣]، ويرد إليه المتخاصمين من جيرانه كثيرا ليصلح بينهم، سمع منه ابن الفرضى وغيره، وكان الرؤساء يقدمونه ويبرونه، وعمي آخر عمره، فدعي إلى أن يقدح عينيه، فأبى من ذلك وقال: أبعد ما أوجب الله لي الجنة. أدعها واستأنف العمل؟ والله لا أفعل [¬٤]. ولأجعلن بقية عمرى [¬٥] شكرا لله! وكان يكثر تلاوة القرآن بالنهار والتهجد بالليل. وكان وضع على باب مستراحه مسمارا يمسه بيده ويضع فيه خاتمه عند دخوله حتى لا يناله شيء، إذ كان فيه منقوش: "يحيى بفضل الله يحيى". وقرأ عليه قارئ محسن [¬٦] سورة، فبكى وانتحب، ثم شهق وغشي عليه حتى ظن أنه مات، ثم أفاق وبقي مهيضا أياما.
стр. 1957
وكان بينه وبين الفقيه أبي عبد الله بن أبي زمنين مهاداة أشعار في الذكرى [¬١] حسنة، منها مقصورة لابن أبي زمنين أولها.
تذكر أخي مثواك في منزل الهلكى … رهينا به لا تستجيب إذا تدعى [¬٢]
- وهى طويلة، أجابه عنها ابن هذيل بأخرى أولها:
أخى غاية قصوى ومن لي [¬٣] بالقصوى … وقد بلدت [¬٤] خيلي وعن مثلها تعيى
وكان قال الشعر في المكتب فكان معلمه يعجب منه إلى أن دخل عليه [¬٥] يوما رجل من حكماء وقته، فأخبره بخبره، فقال له: أرنيه فقال: لا، ولكن تفرسه في صبياني فقال: إن كان فهو ذلك فقال له المعلم: صدقت، فمن أين تفرسته؟ فقال: أما تراه ضئيلا أسمر معرقا أقنى على خلقة العرب ثم قال له: أجز:
لست من الشعر ولا صوغه
فقال ابن هذيل سريعا:
فدع مقال الشعر لا تبغه
فصفق بيديه الرجل وحوقل وقال: أحسنت ما شئت - على البديهة [¬٦] وصعوبة القافية!
ومن أخباره: أن الناصر كان أنذر الخطباء والشعراء لحضور خيل الحلبة في المهرجان قال ابن هذيل، فجاءني الأمر بذلك عشي [¬٧] نهارها [¬٨]، فخلوت بقية يومى
стр. 1958
وهزيع من ليلتي، فلم أنظم كلمة فآويت إلى فراشي آسيا [¬١]، فأخذتني عينى فكنت أرى شخصا في المنام يقول لي: ترقد يا أبا بكر ولم يفتح عليك؟ ثم يقول:
مشاهد يلزمنا حضورها … للخيل حتى تنقضى أمورها
فهببت سريعا - وقد توقد خاطري، وافتتحت بهذا الابتداء، وانثالت علي القوافي، فجئته بأرجوزة حسنة، غدوت بها أول منشد.
وتوفي [¬٢]﵀ سنة إحدى وسبعين [¬٣] وثلاثمائة عن عمر -[¬٤] فيما قاله ابن عفيف وقال ابن الفرضي توفى سنة تسع وثمانين (٣٤٧).
عبد الله بن عبد الرحمان الزجالي (٣٤٨)
من بيت نبيه بقرطبة في أصحاب السلطان. يكنى بأبي بكر.
كان خيرا فاضلا، حالما، ظاهرا، عالما، كثير الخير والمعروف طويل الصلاة.
يقال ان قدميه تفطرتا [¬٥] صديدا من طول قيامه.
قال ابن الفرضي: سمعت محمد بن يحيى [¬٦] بن عبد العزيز [يقول - وقد خرج من عنده وقد أتاه عائدا] [¬٧]-: ما أعرف أحدا يصلح للقضاء غيره.
وقال سليمان بن أيوب: كان أولى بالقضاء من ابن أبي عيسى، ومنذر، وغيرهما، ثم قال: هذا الذكر يغار له الناس واستوزره الحكم تنويها بمكانه فلم
стр. 1959
تستهوه الدنيا [¬١] بحال، ومات وهو يخطط بالوزارة في جمادى (٣٤٩) الأولى سنة خمس وسبعين وثلاثمائة.
أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عيسى [¬٢] بن مزاحم (٣٥٠).
مولى عمر بن عبد العزيز يعرف بابن القوطية.
قال ابن حارث: هو من الموالى البربر، ينتسب [¬٣] إلى أم جد أبيه إبراهيم. ابنة (٣٥١) ولد ملك [¬٤] الأندلس قبل دخول الإسلام، وفدت بعد دخول الأندلس على هشام بن عبد الملك بالشام متظلمة، فتزوجها هناك عيسى بن مزاحم، وقدم الأندلس بها، فنسب بنوها إليها (وهم) [¬٥] من اشبيلية [¬٦] وسكن أبو بكر قرطبة، وقد ولي أبوه قضاء اشبيلية للناصر، وكان أبو بكر ممن طلب الفقه والحديث والأدب، فسمع بإشبيلية من ابن القون [¬٧]، وحسن الزبيدي، وابن جابر (وعلي بن) أبي شيبة. وسيد أبيه الزاهد وبقرطبة من طاهر وابن أبي الوليد، ومحمد بن مغيث، وابن لبابة، وابن أبي تمام، وأسلم القاضي وابن أيمن، وابن (الاغبس) [¬٨]، وابن يونس، وقاسم بن أصبغ، ونظائرهم.
стр. 1960
قال ابن عفيف: كان جليلا من أعلم أهل زمانه باللغة والعربية حافظا للفقه والخبر [¬١] والنثر [¬٢] والشعر.
قال ابن الحذاء: وله في الحديث قدم ثابت، ورواية واسعة، وهو على ذلك من أهل النسك والعبادة.
وقال [¬٣] ابن عبد الرؤوف في طبقاته: كان أبو بكر عالما من علماء الأندلس. فقيهًا من فقهائهم، صدرا في أدبائهم، حافظا للغة والعربية، بصيرا بالغريب والنادر والشاهد والمثل، عالما بالخبر والأثر، جيد الشعر صحيح الألفاظ واضح المعاني، إلا أنه تركه ورفضه - مؤثرا ما هو أولى منه فهو إمام أئمة الدين، تام العناية بالفقه والسنة، مع مرؤة ظاهرة، وتمام خلقة وسمت، وحسن بيان.
قال ابن الفرضى: كان عالما بالنحو، حافظا للعربية. مقدما فيها على أهل لا يشق غباره، وله في ذلك تصانيف حسنة ككتاب تصاريف الأفعال عصره، وكتاب المقصور والممدود، وشرح رسالة أدب الكتاب، وغير ذلك، وكان حافظا لأخبار الأندلس وسير أمرائها، وأحوال رجالها، وله تصنيف في تاريخها - حسن.
قال ابن الفرضي: ولم يكن بالضابط لروايته في الحديث والفقه ولا له أصول يرجع إليها، وما سمع من ذلك يحمل على المعنى وكثيرا ما كان [¬٤] يقرأ عليه ما لا رواية له [¬٥] فيه على سبيل التصحيح، وطال عمره حتى سمع منه طبقة بعد طبقة من الشيوخ والكهول ممن ولي القضاء والشورى والخطط من أبناء الملوك وغيرهم، وسمعت منه.
стр. 1961
قال ابن الفرضي، وكانت فيه غفلة وسلامة وتقشف في ملبسه وورع، وذكر أنه كان يدلس في حديثه وحكي أن الحكم سأل أبا علي البغدادي: من أنبل من رأيت في بلدنا في اللغة؟ فقال: ابن القوطية.
وذكر أبو بكر بن هذيل أنه لقيه بسفح جبل قرطبة صادرا عن ضيعته. فسلم عليه وبدأه ابن هذيل فأنشده على البديهة - مداعبا:
من أين أقبلت يا من لا شبيه له … ومن هو الشمس والدنيا له فلك
قال: فابتسم وأجابني [¬١]- بديها:
من منزل يعجب النساك خلوته … وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا
قال: فقبلت يده - إذ كان شيخي، ودعوت له.
وتوفى أبو بكر بن القوطية سنة سبع وستين وثلاثمائة.
إسماعيل بن إسحاق بن إبراهيم القيسي (٣٥٢)
ثم النصري - بالنون - رفع نسبه ابن الفرضي إلى قيس عيلان بن نصر، يكنى بأبي [¬٢] القاسم، ويعرف بابن الطحان، قرطبى. كان من أهل الفقه والحديث، مشهورا بالخبر، غلب عليه الحديث، وله في المدونة اختصار معروف.
قال ابن الفرضى: كان عالما بالآثار والسنن حافظا للحديث [¬٣] ورجاله وأخبارهم، حسن الحكاية، كثير الفائدة مورودا من الناس. سمع من قاسم بن أصبغ
стр. 1962
وابن الخشني والرعيني، وابن دحيم وابن أبي دليم، وابن الأحمر، وابن مطرف، وأحمد بن حزم وخالد بن سعد، وحسان بن عبد الله الاستجي، وغيرهم. وكان أكثر وقته في تصنيف الحديث والتواريخ، وخرج في غير نوع من المصنفات، سمعت [¬١] منه وأكثر أصحابنا، وانتفع به أهل الكور لصبره على المواظبة على الجلوس، وكان يعقد الشروط، ويفتي [¬٢]، وكان فتياه بما ظهر له من الحديث.
وتوفي سنة أربع وثمانين (٣٥٣) مولده سنة خمس وثلاثمائة.
أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمان التنسي [¬٣] (٣٥٤)
من ساكني الزهراء.
سمع وهبا، وأبا علي القالي، وكان يفتى في جامع الزهراء وحدث.
توفي سنة سبع وثمانين (٣٥٥).
عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري (٣٥٦)
أبو محمد قرطبي.
قال شيخنا أبو على حسين [¬٤] بن محمد الغساني الحافظ، هو والد شيخنا أبي عمر بن عبد البر من فقهاء قرطبة، تفقه على أبي إبراهيم التجيبى ولازمه وسمع
стр. 1963
من أحمد بن مطرف، وأحمد بن حزم، وأحمد بن دحيم وابن الأحمر، ومحمد بن أحمد بن قاسم بن هلال، وغيرهم، مات سنة ثمانين وثلاثمائة. مولده سنة ثلاثين وثلاثمائة، وكان أبوه محمد من العباد المنقطعين المعروفين بالتهجد المبرزين فيه، من أصحاب ابن مجاهد الألبيري، توفى قبل ابنه بسبعة أشهر (٣٥٧).
محمد بن أحمد بن خالد بن يزيد (٣٥٨) بن الحباب (٣٥٩)
تقدم ذكر أبيه (٣٦٠)، قرطبى، يكنى أبا بكر، سمع من أبيه.
قال ابن الفرضى [¬١]، ولا أعلمه روى عن غيره.
قال أبو الوليد الباجي فيه، فقيه.
وقال ابن الفرضى: كان قليل العلم روى عنه القاضي يونس.
توفي سنة اثنين (٣٦١) وستين. وله كتاب فضل العلم [¬٢].
أبو عبد الله محمد وأبو محمد عبد الله (٣٦٢)
ابنا أبان بن عيسى بن محمد [¬٣] بن عبد الرحيم بن دينار، من جلة [¬٤] فقهاء قرطبة.
стр. 1964
سمعا أباهما عيسى ووهب بن مسرة، وأحمد بن مطرف وند بهما الحكم إلى اختصار الكتب المبسوطة، تأليف يحيى بن إسحاق بن يحيى بن يحيى، فاختصراها وقرباها واختصر اختصارهما بعد هذا - شيخنا قاضى الجماعة أبو الوليد بن رشد.
وتوفى عبد الله منهما في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، مولده في جمادى الآخرة من سنة ست وعشرين وثلاثمائة.
يحيى بن هلال بن زكرياء بن سليمان بن فطر (٣٦٣)
قرطبي، يكنى بأبي زكرياء.
سمع من عمه يحيى بن فطر، وأحمد بن خالد، وابن أيمن، وعثمان بن عبد الرحمان، ومحمد بن قاسم، ومحمد بن سحنون، وقاسم بن أصبغ، ومحمد بن حكم، ومحمد بن أبي دليم، والدينوري وسمع ببجاية من ابن فحلون.
كان [¬١] فقيهًا محدثا [¬٢] حافظا للمسائل المالكية، بصيرا بالعقود، مقصودا في السماع، دؤوبا [¬٣] عليه لم ير في المحدثين أصبر منه على المواظبة، لذلك كان يجلس كل يوم لاستماع [¬٤] المدونة من الظهر إلى الليل فيستوعب قراءتها كل شهرين تمادى [¬٥] على ذلك عمره، وسمع منه الواضحة وغيرها، وسمع منه جماعة من الأندلس وغيرهم، وممن سمع منه، الفقيه أبو على الحداد وابن عمرون.
стр. 1965
وتوفي سنة سبع (٣٦٤) وستين وثلاثمائة على ما قاله ابن عفيف وابن الفرضي. وقال محمد بن يحيى: بل توفى سنة ست قبلها، وسنه أزيد من خمس وسبعين.
عبد الله بن محمد الصابوني (٣٦٥)
المعروف بابن بركة، قرطبي، يكنى بابي محمد، مولى لبنى هارون [¬١] لآل الأحمر، ويقال لفهر (٣٦٦) وغلب عليه اسم أمه (٣٦٧).
سمع ابن الأحمر وابن حزم وابن مطرف وتفقه.
قال ابن مفرج، كان من أهل الحفظ للفقه والحذق، ولى الشورى أيام ابن زرب، وكان عالما بالوثائق.
وقال ابن الفرضى: كان قليل العلم، ولم يزل مشاورا إلى أن مات (٣٦٨).
قال غيره: وكان حسن الثناء في الناس والإصلاح بينهم حتى كان الحكام يوجهون إليه المتشاكين من الخصوم لحسن وساطته [¬٢]. [وكان له دكانان يصنع فيهما خدمه الصابون ومنه عيشه] [¬٣].
توفي سنة ثمان (٣٦٩)، ويقال ثلاث وسبعين.