في دعة الله، فخرجت؛ فدخلنا [¬١] بلاد الروم حتى وصلنا إلى ملك بالقسطنطينية (١)، وأخبر الملك بقدومنا، فأرسل [¬٢] إلينا [¬٣] من يلقانا، وقال: لا تدخلوا على الملك بعمائمكم حتى تنزعوها؛ إلا أن تكون منادل لطاف، وحتى تنزعوا أخفافكم؛ فقلت لا أفعل ولا أدخل، إلا على ما أنا عليه من الزي واللباس؛ فإن رضيتم، وإلا فخذوا الكتب تقرؤونها [¬٤] ويرسل بجوابها وأعود بها؛ فأخبر بذلك الملك، فقال: أريد معرفة سبب هذا وامتناعه مما مضى عليه رسمي مع الرسل؛ فسئل القاضي عن ذلك، فقال: أنا رجل من علماء المسلمين، وما تحبونه منا ذل وصغار، والله - تعالى - قد رفعنا بالإسلام، وأعزنا بنبينا محمد ﵇؛ وأيضًا، فإن من شأن الملوك إذا بعثوا رسلهم إلى ملك آخر، أن [¬٥] يرفع أقدارهم لا إذلالهم، لا سيما [¬٦] إذا [¬٧] كان الرسول من أهل العلم؛ ووضع قدره، انهدام [¬٨] جاهه عند الله وعند المسلمين؛ فعرف الترجمان الملك بذلك، فقال: دعوه يدخل ومن معه كما [¬٩] يشتهون.
стр. 2032
قال القاضي: فدخلت عليه بنفيس [¬١] ثيابي، وعمامتي، وطيلساني؛ فلما وقع بصره علي، أدناني ورفعني فوق الكل؛ وابتدأني عن شأن كسوتي [¬٢]، فقلت بهذا الزي [¬٣] ندخل على ملكنا الأعظم، الذي هو تحت يدي أمير المؤمنين؛ وأدخل بها على سلطاننا الأكرم، الذي أمرنا الله ورسوله بطاعته، فما ينكرون [¬٤] علي هذا؛ وأنا رجل من علماء المسلمين؛ فإن دخلت عليك بغير هيئتي، ورجعت إلى حكمك، أهنت العلم ونفسي، وذهب عند المسلمين جاهي؛ فقال لترجمانه: قل له [¬٥] قد قبلنا عذرك، ورفعنا منزلتك، وليس محلك عندنا مثل [¬٦] محل سائر الرسل؛ وإنما محلك عندنا محل الأبرار الأخيار، وقد أخبرنا صاحبكم في كتبه أنك لسان المسلمين والمناظر عنهم؛ وأنا أشتهي أن أعرف ذلك وأسمعه منك - كما ذكروه عنك. فقلت [¬٧]: إذا أذن الملك، فقال: انزلوا حيث أعددت لكم، ويكون بعد هذا الاجتماع؛ قال القاضي: فنهضنا [¬٨] إلى موضع أعد لنا. وذكر أبو بكر البغدادي الحافظ، أن القاضي لما بلغ مدينة الطاغية، وعرف به ومحله من العلم، فكر [¬٩] الطاغية في أمره، وعلم أنه لا يكبره [¬١٠] إذا دخل عليه كما جرى رسم الرعية أن تقبل الأرض بين يدي ملوكها
стр. 2033
فرأى أن يضع سريره وراء باب لطيف، لا يمكن أن يدخل أحد منه [¬١] إلا راكعًا، ليدخل القاضي منه على تلك الحال، فيكون عوضًا من تكبيره [¬٢] بين يديه؛ فلما جلس عليه، أمر بإدخال القاضي من ذلك [¬٣] الباب؛ فلما رآه القاضي، تفكر وأدار ظهره، وحتى رأسه راكعًا [¬٤]، ودخل من الباب يمشي إلى خلفه مستقبلا الملك [¬٥] بدبره، حتى صار بين يديه؛ ثم رفع رأسه، ونصب ظهره، ثم أدار وجهه إلى الملك حينئذ؛ فعجب من فطنته، ووقعت له الهيبة في [¬٦] قلبه. قال غيره: قال القاضي: فلما كان يوم الأحد، بعث الملك في طلبي، وقال: من شأن الرسول حضور المائدة، فنحب [¬٧] أن تجيب إلى طعامنا، ولا تنقض كل [¬٨] رسومنا؛ فقلت لرسوله: أنا من علماء المسلمين، ولست كالرسل من سائر [¬٩] الجند وغيرهم، الذين لا يعرفون ما يجب في هذه المواطن عليهم [¬١٠]، والملك يعلم أن العلماء لا يعذرون [¬١١] أن يدخلوا [¬١٢] في هذه الأشياء وهم يعلمون؛ وأخشى أن يكون على مائدته من لحوم الخنازير، وما حرمه الله ورسوله على المسلمين؛ فذهب الترجمان وعاد إلي وقال: يقول لك الملك: ليس على مائدتي ولا في شيء من طعامي شيء
стр. 2034
تكرهه؛ وقد استحسنت ما أتيت به، وما أنت عندنا كسائر الرسل، بل أعظم؛ وما كرهت من لحوم الخنازير، إنما هو خارج (عن) [¬١] حضرتي، بيني وبينه حجاب؛ فمضيت [¬٢] على كل حال، وجلست، وقدم الطعام ومددت يدي، وأوهمت الأكل - ولم آكل منه شيئًا، على أني [¬٣] لم أر على مائدته ما يكره؛ فلما فرغ من الطعام، بخر المجلس وعطر؛ ثم قال: هذا الذي تدعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟ قلت: هو صحيح عندنا، وانشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأى الناس ذلك، وإنما رآه الحاضرون [¬٤] ومن اتفق نظره إليه [¬٥] في تلك الحال؛ فقال الملك: وكيف ولم [¬٦] يره جميع الناس؟ قلت [¬٧]: لأن الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره. فقال: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة وقرابة، لأي شيء لم تعرفه الروم وغيرها من سائر الناس، وإنما رأيتموه أنتم خاصة؛ فقلت: فهذه المائدة بينكم وبينها نسبة، وأنتم رأيتموها دون اليهود، والمجوس، والبراهمة، وأهل الإلحاد، وخاصة يونان جيرانكم؛ فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن، وأنتم رأيتموها دون غيركم؛ فتحير الملك وقال في كلامه [¬٨]: سبحان الله! وأمر بإحضار فلان القسيس ليكلمني، وقال: نحن لا نطيقه؛ لأن صاحبه قال: ما في مملكتي مثله، ولا للمسلمين في عصره مثله؛ فلم أشعر إذ
стр. 2035
جاءوا برجل كالذئب، أشقر الشعر مسبله؛ فقعد وحكيت له المسألة، فقال: الذي قاله المسلم لازم، هو الحق، لا أعرف له جواباً إلا ما ذكره؛ فقلت له: أتقول إن الكسوف إذا كان، يراه جميع أهل الأرض، أم يراه أهل الإقليم الذي في محاذاته؛ قال: لا يراه إلا من كان في محاذاته. قلت: فما أنكرت من انشقاق القمر إذا كان في ناحية، لا يراه [¬١] إلا أهل تلك الناحية. ومن تأهب للنظر له؛ فأما من أعرض عنه - إن [¬٢] كان في الأمكنة التي [¬٣] لا يرى القمر منها، فلا يراه؛ فقال [¬٤]: هو كما قلت، ما يدفعك عنه دافع، وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوه؛ فأما الطعن في غير هذا الوجه، فليس بصحيح؛ فقال الملك: وكيف [¬٥] يطعن في النقلة؟ فقال النصراني: شبه هذا من الآيات إذا صح، وجب أن ينقله الجم الغفير إلى الجم الغفير، حتى يتصل بنا العلم به؛ ولو كان كذلك، أوقع عندنا [¬٦] العلم الضروري به؛ فلما لم يقع لنا العلم الضروري به [¬٧]، دل أن الخبر مفتعل باطل، فالتفت الملك إلي وقال الجواب؟ قلت: يلزمه في نزول المائدة، ما لزمني [¬٨] في انشقاق القمر، ويقال له: لو كان نزول المائدة صحيحاً، لوجب أن ينقله العدد الكثير، فلا يبقى يهودي ولا
стр. 2036
نصراني ولا ثنوي، إلا وهو يعلم [¬١] هذا بالضرورة؛ ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة، دل أن الخبر كذب، فبهت النصراني والملك، ومن ضمه المجلس، وانفصل المجلس على هذا!
قال القاضي: ثم سألني الملك في مجلس ثان فقال [¬٢]: ما تقولون في المسيح عيسى بن مريم ﵇؟ قلت: روح الله، وكلمته، وعبده، ونبيه، ورسوله؛ "كمثل آدم، خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون (١) ". وتلوت عليه النص، فقال: يا مسلم، تقولون المسيح عبد؟ فقلت نعم، كذا نقول، وبه ندين؛ قال: ولا تقولون إنه ابن الله؟ قلت: معاذ الله! "ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من (٢) إله" - الآيتان، إنكم لتقولون قولا عظيماً. فإذا جعلتم المسيح ابن الله. فمن كان أبوه وأخوه وجده وعمه وخاله؟ وعددت عليه الأقارب، فتحير وقال: يا مسلم، العبد يخلق، ويحيى، ويبرئ الأكمه والأبرص؟ قلت: لا يقدر على ذلك، وإنما ذلك كله من فعل الله - تعالى قال: وكيف يكون المسيح عبدا لله، وخلقاً من خلقه؟ وقد أتى بهذه الآيات، وفعل ذلك كله؟ قلت: معاذ الله! ما أحيا المسيح الموتى، ولا أبرأ الأكمه والأبرص؛ فتحير وقل صبره، وقال: يا مسلم، تنكر هذا مع اشتهاره في الخلق، وأخذ الناس له بالقبول؟ فقلت: ما قال أحد من أهل الفقه والمعرفة إن الأنبياء يفعلون المعجزات من ذاتهم، وإنما هو شيء يفعله الله - تعالى - على أيديهم - تصديقاً لهم، يجري مجرى الشهادة.
стр. 2037
قال: قد حضر عندي جماعة من أولاد نبيكم، والمشهورين فيكم، وقال: إن ذلك في كتابكم [¬١]؛ قلت: أيها الملك، في كتابنا أن ذلك كله كان بإذن الله تعالى، وتلوت عليه منصوص القرآن في المسيح بإذني، بإذني؛ وقلت: إنما فعل المسيح [¬٢] كله بإذن الله [¬٣] وحده، لا شريك له، لا من ذات المسيح؛ ولو كان المسيح يحيى الموتى ويبرئ الاكمه والأبرص من ذاته وقوته، لجاز أن يقال إن موسى فلق البحر، وأخرج يده بيضاء من غير سوء من ذاته؛ وليست معجزات الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من أفعالهم دون إرادة الخالق؛ فلما لم يجز هذا، لم يجز أن تسند المعجزات التي ظهرت على يد المسيح؛ فقال الملك: وسائر الأنبياء كلهم من آدم إلى من بعده، كانوا يتضرعون للمسيح حتى يفعل ما يطلبون؛ قلت: إنه في لسان اليهود عظيم، لا يقدرون أن يقولوا إن المسيح كان يتضرع إلى موسى؛ وكل صاحب نبي يقول أن المسيح كان يتضرع إلى نُبَيْهٍ، فلا فرق في الموضعين في الدعوة
قال القاضي [¬٤]: ثم تكلمنا في مجلس ثالث، فقلت له: لم [¬٥] اتحد اللاهوت بالناسوت؟ قال: أراد أن ينجي الناس من الهلاك. قلت له: هل دري بأنه يقتل ويصلب ويفعل به كذا، ولم يؤمن به اليهود؛ فإن قلت إنه لم يدر ما أراد اليهود به، بطل أن
стр. 2038
يكون إلها، وإذا بطل أن يكون إلها، بطل أن يكون ابنا؛ وإن قلت إنه درى، ودخل في هذا الأمر على بصيرة، فليس بحكيم؛ لأن الحكمة تمنع من التعرض للبلاء، فبهت! وكان آخر مجلس كان لي معه.
وذكر ابن حيان عمن حدثه، أن الطاغية، وعد القاضي أبا بكر الاجتماع معه في محفل من محافل النصرانية ليوم سماه؛ فحضر أبو بكر وقد [¬١] احتفل المجلس [¬٢] وبولغ في زينته، فأدناه الملك وألطف سؤاله، وأجلسه على كرسي دون سريره بقليل، والملك في أبهته وخاصته؛ عليه التاج والدرية [¬٣]، ورجال مملكته على مراتبهم؛ جاء البطرك قيم [¬٤] ديانتهم وقد أوعد الملك إليه في التيقظ وقال له: أن فناخسرو ملك الفرس الذي سمعت بدهائه وكرامته، ولا ينفذ [¬٥] إلا من يشبهه [¬٦] في رحلته وحيلته؛ فتحفظ منه وأحضر [¬٧] ذهنك، فلعلك تتعلق منه بسقطة، أو تعثر منه على زلة تقضي بفضلنا [¬٨] عليه [¬٩]؛ فجاء البطرك آخر الناس، حوله أتباعه يتلون الأناجيل [¬١٠]، ويبخرون بعود رطب [¬١١] وميعة مريم، في زي حسن؛ فلما توسط المجلس، قام الملك ورجاله تعظيماً له. فقضوا [¬١٢] حقه، ومسحوا أطرافه؛ وأجلسه الملك إلى جنبه؛
стр. 2039
وأقبل على القاضي أبي بكر فقال: يا فقيه، البطرك قيم الديانة، وولي النحلة؛ فسلم القاضي عليه أحفل سلام، وسأله أحفل سؤال وقال له: كيف الأهل والولد؟ فعظم قوله هذا عليه وعلى جميعهم، وتغيروا له، وصلبوا على وجوههم، وأنكروا قول أبي بكر عليه؛ فقال: يا هؤلاء، تستعظمون لهذا الإنسان اتخاذ الصاحبة والولد، و تربون [¬١] به عن ذلك، ولا تستعظمونه [¬٢] لربكم عز وجهه. فتضيفون ذلك إليه، سوأة [¬٣] لهذا الرأى؛ ما أبين غلطه! فسقط في أيديهم، فلم [¬٤] يردوا جواباً؛ وتداخلتهم [¬٥] له هيبة عظيمة، وانكسروا؛ ثم قال الملك للبطرك: ما ترى في أمر هذا الشيطان؟ قال: تقضي حاجته، وتلاطف صاحبه، وتبعث بالهدايا إليه [¬٦]، وتخرج هذا العراقي عن بلدك من يومك - إن قدرت، والا لم آمن الفتنة [¬٧] به على النصرانية؛ ففعل الملك ذلك، وأحسن جواب عضد الدولة وهداياه، وعجل تسريحه، وبعث معه عدة من أسارى المسلمين والمصاحف، ووكل بالقاضي من جنده من يحفظه حتى يصل إلى مأمنه؛ قال غيره: وكان سير القاضي إلى ملك الروم سنة نيف وثمانين وثلاثمائة.
стр. 2040
فهرسة كتب القاضي أبي بكر ابن الطيب
نقلتها من خط شيخي أبي علي الصدفي: كتاب الإبانة عن إبطال مذهب أهل الكفر والضلالة، كتاب الاستشهاد، كتاب الكفار المتأولين وحكم الدار، التعديل والتجريح [¬١]، التمهيد، شرح اللمع، الامانة الكبيرة، الامانة الصغيرة [¬٢]، شرح أدب الجدل، الأصول الكبير في الفقه، الأصول الصغير، مسائل من الأصول [¬٣]، أمالي اجماع أهل المدينة، فضل الجهاد، المسائل، المجالسيات المشهورة، كتاب على المتناسخين، كتاب الحدود على أبي طاهر محمد بن عبد الله بن القاسم، كتاب على المعتزلة فيما اشتبه [¬٤] عليهم من تأويل القرآن، كتاب المقدمات في أصول الديانات في أن المعدوم ليس بشيء، نصرة العباس وامامة نبيه في المعجزات، وهو جواب أهل استيجاب، المسائل القسطنطينية [¬٥]، الهداية - وهو كتاب كبير، جواب أهل فلسطين، البغداديات، النيسابوريات، الجرجانيات، مسائل سأل عنها ابن عبد المومن، الأصبهانيات، التقريب والارشاد في أصول الفقه - كتاب كبير، (نقد النقد على الهمذاني كتاب كبير) [¬٦]، المقنع في أصول الفقه، الانتصار للقرآن، دقائق الكلام، الكرامات، نقض الفنون للحافظ، تصرف العباد والفرق بين الخلق والاكتساب، الأحكام
стр. 2041
والعلل، كتاب الدماء التي جرت بين الصحابة. ومما لم أجد [¬١] بخط الشيخ مما وقفت عليه، كتاب البيان عن فرائض الدين وشرائع الإسلام، ووصف ما يلزم من جرت عليه الاقلام، من معرفة الأحكام، مختصر التقريب، والارشاد الاصغر، وله الأوسط - ولم أره، وكتاب مناقب الأئمة، وكتاب التبصرة، وكتاب رسالة الحرة، وكتاب رسالة الامير، وكتاب كشف الأسرار في الرد [¬٢] على الباطنية [¬٣]، وكتاب اعجاز القرآن، وكتاب في إمامة بني العباس.
القاضي أبو الحسن بن القصار (١)
اسمه علي بن عمر بن أحمد، الإمام البغدادي.
قال أبو إسحاق الشيرازي: تفقه بالأبهري، وله كتاب في مسائل الخلاف، لا أعرف للمالكيين كتاباً في الخلاف أحسن منه؛ وكان أصوليًا، نظارًا، وولي قضاء بغداد.
قال أبو ذر: وهو [¬٤] أفقه من رأيت من المالكيين، وكان ثقة، قليل الحديث، يروي عن أبي الحسن علي بن المفضل [¬٥]
стр. 2042
السامري، وعليه تفقه ابن نصر، وأخذ عنه ابن عمروس، وأبو ذر الهروي.
توفي فيما قيل سنة ثمان (١) وتسعين وثلاثمائة.
قال القاضي عبد الوهاب: تذاكرت مع أبي حامد الاسفرائني الشافعي في أهل العلم [¬١]، وجرى ذكر أبي الحسن ابن القصار، وكتابه في الحجة لمذهب مالك؛ فقال لي [¬٢]: ما ترك صاحبكم لقائل ما يقول.
أبو علي إسماعيل بن الحسن [¬٣] بن علي بن عتاس
بناء باثنتين من فوق، من فقهاء بغداد المالكيين.
روي عنه أبو ذر، وذكره في معجمه وقال: لقيته ببغداد، وقرأت عليه، وكان لا بأس به، وذكر أنه فقيه مالكي؛ وقال في موضع آخر: أخبرني أنه درس على الأبهري قبل [¬٤] ابن القصار، وحدث أبو علي عن الحسين بن يحيى عياش - بياء باثنتين من أسفل.
стр. 2043
أبو سعيد الأبهري
واسمه عبد الرحمان بن أحمد بن يزيد بن عبد السلام.
قال أبو ذر فيه: الفقيه المالكي، سمعت منه بأبهر، وكان شيخاً صالحاً لا بأس به، يروي عن أبي بكر عبد الله بن طاهر بن حاتم الطائي الأبهري.
أبو جعفر الأبهري [¬١] (١)
هو محمد بن عبد الله، ويعرف بالأبهري الصغير، وبالوتلي، وبابن الخصاص؛ تفقه بأبي بكر الأبهري، ورحل إلى مصر، وتفقه عليه خلق كثير، قاله الشيرازي (٢).
وسمع من أبي زيد المروزي، ورأيت سماعه في أصل الاصيلي بخطه، روى عنه.
وله كتاب في مسائل الخلاف كبير نحو مائتي جزء، وكتاب تعليق المختصر الكبير مثله، وكتاب في الرد على ابن علية فيما أنكره على مالك؛ وتوفي في حياة أبي بكر الأبهري، ووجدت [¬٢] في مختصر التعليق [¬٣] أن وفاته سنة خمس وستين وثلاثمائة.
стр. 2044
أبو جعفر محمد بن عبد المنعم بن عيسى بن محمد ابن عيسى بن أبي حماد الأسدي
كان بأبهر، قال أبو بكر بن عتيق السمنطاري [¬١] في فهرسته: لقيته بأبهر، وكان مالكياً، مشهوراً هنالك بالعلم والحديث، ومكارم الأخلاق، وأنَّه روي كتاب أبي بكر الأبهري عنه، وسمع من ابن لؤلؤ البغدادي، وأنَّه سمع منه أبو القاسم الابياني، والمالكي، روى عنه أبو ذر.
أبو سعيد القزويني (١)
هو أحمد بن محمد بن زيد، تفقه بالأبهري، وهو من كبار أصحابه، وتفقه أيضاً على أبي بكر بن علوية الأبهري، [وكثيرًا ما يفرق بينهما في كتابه فيقول في أبي صالح الأبهري] [¬٢]: قال لي أبو بكر الصالحي؛ وقد ظن القاضي أبو الوليد أن الصالحي غير الأبهري، فقال الصالحي مجهول. وقال أيضاً في القزويني: مجهول، ولا جهالة بمثله، ولكنه أخبر عن حاله عنده أن لم يكن عنده منه علم، فرب رجل معروف عند واحد، مجهول [¬٣] عند آخر؛ ولكن هذه اللفظة في صناعة علم الاثر - أعني لفظة
стр. 2045
مجهول)، إنما توقع على من لم يعرف أحد من أهل الصنعة له حالا، وأما أن يسمع واحد منهم برجل لم يسمع قبل به، ولا علم عنده منه، فلا ينبغي أن يطلق عليه حكمه عنده وحده من الجهالة بأمره، إذ ذلك لا يؤثر حتى يبحث عليه ويتعرف حاله من أئمة أهل العلم بالباب؛ فان لم يعرفوه، فحينئذ.
قال الشيرازي: وصنف في المذهب والخلاف، وكان زاهدًا، عالمًا بالحديث (١)؛ وقد سمع من أبي زيد المروزي، ورأيت أنا ذلك بخط الأصيلي في كتابه؛ وسمع أيضًا من أبي الحسن الدارقطني، وأبي الحسن الزقاق [¬١] العدل بالأهواز، وأبي ملك القطيعي، وجعفر بن عبد الله بن يعقوب بالري، وأبي يعقوب اسحاق بن الحسين [¬٢] بن سفيان، وعلي بن أحمد السكري المقرئ؛ وله كتاب المعتمد في الخلاف نحو مائة جزء، وهو من أهذب كتب المالكية، وله كتاب الإلحاق في مسائل الخلاف.
وتوفي في نيف وتسعين وثلاثمائة.
القاضي أبو بكر بن أبي موسى [¬٣] الهاشمي (٢)
واسمه أحمد بن محمد [¬٤] بن أبي موسى عيسى بن أحمد
стр. 2046
ابن موسي بن محمد بن ابراهيم بن عبد الله بن سعيد بن العباس بن عبد المطلب.
سمع إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، ومحمد بن حمدويه المروزي، وأحمد بن محمد بن اسماعيل [¬١] الأدمي، وأحمد بن علي الجرجاني، والقاضي المحاملي [¬٢]، والحسن بن يحيى بن عباس القطان، وغيرهم. حدث عنه العتيقي، وعبيد الله بن عبد العزيز البردعي [¬٣]، والقاضي التنوخي، ومحمد بن طلحة الكناني، وغيرهم.
قال الخطيب أبو بكر: وكان ثقة، مأمونًا، كتب الناس عنه بانتخاب الدارقطني، وكان مالكي المذهب، وتقلد قضاء المدائن، وسر من رأى، ونصيبين، وديار ربيعة، وغيرها [¬٤]، وخطابة جامع المنصور؛ ولد [¬٥] سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وتوفي في محرم سبعين [¬٦] وثلاثمائة.
أبو عبد الله محمد بن عبد الله (١)
من أصحاب الأبهري، وله عنه تعليق في شرح مختصر ابن عبد الحكم، ذكره الشيرازي في العراقيين، وقال: هو [¬٧] مشهور (بالقيروان) [¬٨].
стр. 2047
أبو القاسم بن الجلاب [¬١] (١)
واسمه عبيد الله بن الحسن، ويقال ابن الحسين بن الحسن. وقال أبو إسحاق الشيرازي: اسمه عبد الرحمان بن عبيد الله (٢)، والأول الصواب [¬٢]-إن شاء الله-. بصري، تفقه بالأبهري؛ أخذ عنه القاضي أبو محمد بن نصر، والطائي، وابن أخته المسدد ابن أحمد، وله كتاب في مسائل الخلاف، وكتاب التفريع في المذهب المشهور.
قال أبو القاسم الهمداني: كان من أحفظ أصحاب الأبهري وأنبلهم، وتوفي فيما قيل قديمًا منصرفه من الحج في صفر سنة ثمان وتسعين [¬٣] وثلاثمائة.
أبو تمام علي بن محمد بن أحمد البصري (٣)
من أصحاب الأبهري أيضًا، وكان جيد النظر، حسن الكلام، حاذقًا بالأصول، وله كتاب مختصر في الخلاف، سماه نكت الأدلة، وكتاب آخر في الخلاف كبير، وكتاب في أصول الفقه.
стр. 2048
أبو بكر بن خواز منداد (١)
ويقال: خويز [¬١] منداد، كذا كناه أبو إسحاق الشيرازي، وسماه محمد بن أحمد [¬٢] بن عبد الله (٢)؛ ورأيت على كتبه تكنيته بأبي عبد الله، وفي نسبته محمد بن أحمد بن علي بن إسحاق. وقال الشيرازي [¬٣]: تفقه أيضًا بالأبهري (٣)، وسمع الحديث، فروى [¬٤] عن ابن داسة [¬٥]، وأبي الحسن التمار، وأبي الحسن المصيصي، وأبي اسحاق الهجيمي [¬٦]، وأبي العباس الأصم؛ وله كتاب كبير في الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وفي أحكام القرآن؛ وعنده شواذ عن مالك، وله اختيارات وتأويلات على المذهب، خالف فيها المذهب [¬٧] في الفقه والأصول، ولم [¬٨] يعرج عليها حذاق المذهب؛ كقوله -في بعض ما خالفه فيه من الأصول-[¬٩]: إن العبيد لا يدخلون في خطاب الأحرار، وإن خبر الواحد يوجب العلم، وفي
стр. 2049
بعض مسائل الفقه حكايته عن المذهب أن التيمم يرفع الحدث، وأنه لا يعتق على الرجل سوى [¬١] الآباء والأبناء؛ ولم يكن بالجيد النظر، ولا بالقوي الفقه؛ وقد تكلم فيه أبو الوليد الباجي، قال: إني لم أسمع له في علماء العراق بذكر، وكان يجانب الكلام جملة، وينافر أهله حتى تعدى ذلك الى منافرته المتكلمين من أهل السنة، وحكم على الكل بأنهم من أهل الأهواء الذين قال مالك في مناكحتهم وشهادتهم، وإمامتهم [¬٢] وعبادتهم وجنائزهم ما قال.
الحسين بن [¬٣] علي بن الحسين
من ساكني البصرة، أبو عبد الله، من أصحاب الأبهري. ذكره أبو عمرو المقرئ في طبقاته، وقال: انتحل مذهب مالك، وسمع من الأبهري، وأخذ القراءة عن أبي بكر الشدائي [¬٤]، وفارس بن أحمد وأبي القاسم الجائفي [¬٥]، وكان شيخًا صالحًا ثقة، توفي بمصر في حدود الأربعمائة.
ومن هذه الطبقة ممن ذكره أبو ذر في شيوخه، وذكر أنه في المالكية:
стр. 2050
أحمد بن اسحاق بن إبراهيم الصفار المقرئ البصري
يروي عن عبد الكريم بن الرواس، وأبي يوسف الخلال؛ قال فيه أبو ذر: شيخ ثقة مأمون.
أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن القاسم بن الصلت
يعرف بالمجبر -بجيم وباء بواحدة مشددة [¬١] مكسورة، بغدادي. قال أبو ذر: لا بأس به- فيما يحدث من أصوله، سمع أبا بكر بن البهلول، وإسماعيل الصفار، وإبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي؛ حدث عنه أبو ذر، وأبو عمران الفاسي، والقاضي أبو محمد بن نصر، وإبراهيم بن عبد الصمد.
إدريس بن علي بن إسحاق بن يعقوب: أبو القاسم المؤدب
سمع أبا حامد الحضرمي، وأبا علي بن إسماعيل الوراق، بغدادي، حدث عنه أبو ذر.
стр. 2051
أبو عبد الله الحناطي (١)
سماه القاضي أبو الوليد الباجي في أئمة الفقهاء المالكيين، ولم يزد على هذا؛ وذكر أبو اسحاق الشيرازي في أئمة الشافعية: أبو عبد الله الحناطي الطبرسي [¬١]، من أئمة طهرستان، وقدم بغداد في أيام الشيخ أبي حامد الاسفرايني الشافعي - (٢) فالله أعلم.
أبو الحسن بن أحمد بن سعيد
أراه عراقيا.
قال أبو الوليد الباجي: شيخ فقيه، مالكي، روى عنه أبو الحسين العتيقي [¬٢]، يروى عن أحمد بن الحسن الجبار الصوفي.
أبو الحسين بن محمد بن علي المالكي
يروي عنه القاضي عبد الوهاب، سمع ابن مخلد.
стр. 2052
أحمد بن عيسى بن عبد الله بن عبد الوهاب السعدي البغدادي
من بيت جلالة وتقدم وقضاء ببغداد، قرأت في معجم الرازي، أنه كان مالكي المذهب، ودرس ابنه القاضي أبو الفضل محمد ابن أحمد - على القاضي أبي حامد الاسفرايني، فذهب إلى مذهبه؛ وكان ابنه جليلا، محدثا؛ سمع ابن بطة [¬١] ونظراءه، ونزل مصر فسمع بها وحدث؛ سمع منه شيخه عبد الغني بن سعيد الحافظ، فمن دونه.
الوليد (١) (بن أبي) بكر بن مخلد النحوي أبو العباس (٢)
أصله أندلسي من سرقسطة، وسكن المشرق، وغلب عليه الحديث؛ ذكره أبو القاسم الطرابلسي فقال فيه: مالكي، نحوي، أندلسي؛ سكن المشرق [¬٢]، وكان من أهل الحديث، وألف كتاب الوجازة في صحة القول بالإجازة؛ روى عنه أبو ذر الهروي كتابه هذا، وحمزة بن محمد بن طاهر [¬٣]، وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد، وأبو الحسن [¬٤] بن الكناش؛ يروي عن علي بن زكرياء الهاشمي.
стр. 2053
أبو عبد الله بن دوست [¬١] (١)
واسمه أحمد بن محمد بن يوسف بن محمد [¬٢] بن دوست البزاز البغدادي.
حدث عن أبي جعفر الطبري [¬٣]، وأبى عبد الله بن عياش [¬٤] القطان، وأبي عبد الله بن الحليمي [¬٥]، وعمر بن الحسن الأشاني [¬٦]، وإسماعيل بن محمد [¬٧] الصفار، وأبى الحسن المصري، وغيرهم.
قال الخطيب، كتب عنه الأزهري، والحسن الخلال، وحمزة ابن محمد الدقاق، وهبة الله الطبري، وعامة أصحابنا؛ وسمعت منه جزءًا واحدًا، وكان مكثرًا من الحديث، عارفا به حافظا له، مكث مدة يملي في جامع المنصور بعد وفاة الملخص [¬٨]، ثم انقطع ولزم بيته.
قال حمزة بن محمد: مكث ابن دوست سبع عشرة سنة يملي الحديث، وكان إذا سئل عن شيء، أملى من حفظه في معنى ما سئل عنه.
стр. 2054
قال عيسى بن أحمد بن عمر الهمداني: وكان ابن دوست فهيما بالحديث، عارفا بالفقه على مذهب مالك؛ وكان عنده عن الصغار وحده ملء صندوق، وكان يذاكر [¬١] بحضرة الدارقطني، ويتكلم في [¬٢] علم الحديث، فتكلم فيه الدارقطني؛ لذلك قال حمزة ابن محمد: قلت لخالي أبى عبد الله بن دوست: لم تملي من حفظك ولا تملي من كتابك؟ فقال لي: انظر فيما أمليته، فإن كان فيه خلل لم أمل من حفظي، وإن كان جميعه صوابا، فما الحكمة في الكتاب؟ أو كما قال.
وحكى الخطيب أنه مكث سنة بعد موت ابن حبانة، يملي [¬٣] من حفظه في حياة الملخص، وابن شاهين، ثم تكلم فيه ابن أبي الفوارس.
قال عيسى الهمداني: كان ابن أبي الفوارس ينكر علينا مضينا له، وسماعنا منه، ثم جاء بعد ذلك وسمع منه.
قال الأزهري: هو ضعيف، رأيت كتبه كلها طرية، وقال: إن كتبه كلها طرية، وقال: إن كتبه غرقت فاستدرك نسخها.
قال البرقاني: كان يسرد الحديث من حفظه، وتكلموا فيه، وكان يكتب الأجزاء ويتربها ليري أنها عتيقة [¬٤].
توفي في رمضان سنة وأربعمائة.
стр. 2055
أبو الحسن بن فارس (١)
هو أحمد بن فارس بن زكرياء اللغوي الرازي، أحد رجال خراسان وعلمائها، وأئمة أدبائها؛ غلب عليه علم اللغة ولسان العرب، فشهر به؛ وكان اماما في ذلك، وقد حدث.
روى عن علي بن مهرويه [¬١]، وأبي الحسن علي بن إبراهيم الحداد، وروى عنه أبو ذر الهروى. والقاضي أبو زرعة روح بن محمد الرازي [¬٢]، وأبو العباس الغضبان، والقاضي أبو عبد الله الديباجي، وغيرهم، ومحمد بن الحسين النيسابوري؛ وذكر أبو ذر أنه كان مالكيًا [¬٣]، قال [¬٤]؛ ولم أحمد حاله؛ وذكره القاضي أبو الوليد الباجي فقال: كان فقيها مالكيا، وحقق لي ذلك بعض من ذاكرته من شيوخنا المغاربة الرحالين؛ وحكى لي بعض من لقيته من أهل المشرق أنه شافعي المذهب، واحتج بشرحه لألفاظ مختصر المزني الذي سماه حلية الفقهاء؛ وله من التأليف غيره: كتاب قس فقيه العرب، وكتاب مجمل اللغة المشهور، المعترف بتفضيله على سائر المؤلفات في هذا الباب، وكتاب الإتباع والمزاوجة - في جزء، وكان أديبًا، كاتبًا، شاعرًا، مجيدًا في ذلك؛ وقد ذكره
стр. 2056
أبو منصور الثعالبي في يتيمته في جملة شعراء أهل الجبل وكتابه، وحكى أنه [¬١] ألف للصاحب ابن [¬٢] عباد كتابًا سماه كتاب المجد، ووجهه إليه؛ فقال الصاحب: هو ذو المجد حيث جاد، ثم قبله ووصله عليه: وله رسالة مشهورة حسنة طويلة. كتب بها إلى بعض الكتاب في شأن كتاب الحماسة، ذكرها الثعالبي؛ ومما أنشد له الثعالبي قوله:
يا ليت لي ألف دينار مؤبرة [¬٣] … وأن حظى منها فلس فلاس [¬٤]
قالوا: فما تشتهيها [¬٥] قلت يخدمني … (لها) ومن أجلها الحمقى من الناس (١)
محمد بن عبد الله البصري
من أصحاب الابهري، (سمع عنه كتبه ولازمه؛ قال الهمداني) [¬٦]: وكان فقيرًا متقنعًا، منقبضًا، متنسكا، لم يكن له بيت، انما كان يأوى المساجد، ويودع كتبه عند إخوانه، وكانت له كتب كثيرة،
стр. 2057
وكل ما يقع له يبتاع به كتابًا [¬١]؛ وكان الناس يعرفونه بالشهرة بالعبادة والزهد، وطلب العلم، وكان الأبهري يحبه ويجله، وتوفي بهمذان.
ومن أهل الشام:
عبد الباقي بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز (١)
دمشقي، يكنى أبا الحسن من أصحاب الابهري.
سمع منه ببغداد، وكتب عنه كتبه في شرح المذهب، وكان اماما في علم القرآن، وغلب ذلك عليه.
قال أبو عمرو الداني في طبقاته: إن أصله خراساني، وولد بدمشق؛ قال: وكان [¬٢] خيرًا، فاضلًا، ثقة، مأمونًا، اماما في القراءة، عالما بالعربية، بصيرًا بالمعاني؛ أخذ عن جماعة من أهل العراق والحجاز والشام ومصر، وكان يقول: قرأت كل قراءة في مصرها؛ قال: وسمعت عبد الرحمان بن عبد الله يقول: كان عبد الباقي يسمع معنا ببغداد على الأبهري، وكتب عنه [¬٣] كتبه في الشرح؛ ثم قدم مصر، فقامت له بها رئاسة عظيمة - وكنا لا نظنه، إذ كان
стр. 2058
معنا بالعراق هناك؛ وكان سبب خروجه إلى مصر، شيء وقع بينه وبين شيوخ بلده دمشق، فتعصب له قوم، وعليه آخرون؛ وذلك في جامع دمشق، حتى تطاول بعضهم إلى بعض، فخرج إلى الاسكندرية. قال أبو عمرو توفي بعد سنة ثمانين وثلاثمائة.
أبو الحسن علي بن الحسين بن بندار الانطاكي (١)
قاضي أذنة، (٢) وسكن مصر، يروى عن .. (٣) ويروي عنه أبو الحسن بن أبي الكرام، وأبو حفص بن سعد المالكيان.
ومن أهل مصر:
أبو عبد الله بن الوشا
واسمه محمد بن أحمد (بن محمد) [¬١] بن عبيد بن موسى، أخذ عن ابن شعبان [¬٢]، والقشيري، وابن أبي الحديد، وسمع منه
стр. 2059
أبو عمران الفاسي، وأبو محمد الشنتجالي، وأبو محمد بن غالب السبتي - الفقيه، وكان عالمًا بالحديث، واسع الرواية، نبيها [¬١]، رحل إليه الناس وسمعوا منه.
قال محمد بن سعدون في كتابه: وكان شديد المباينة لبني عبيد، وهو الذي حبس مع السباع فلم تضره ولا عدت عليه.
توفي بمصر سنة سبع وتسعين وثلاثمائة - فيما ذكره أبو الحسن بن محمد الجياني الحافظ.
الحسن بن عمر بن الحسن بن أبي إسحاق الغافقي.
حدث عنه أبو ذر بالاسكندرية [¬٢]، وذكره فقال: الفقيه المالكي، يعرف بأبي على بن الصباح، وكان يفهم ولا [¬٣] بأس به، حدثني عنه عثمان بن محمد السمرقندي.
رجاء بن عيسى بن محمد الانصناني
بثلاث نونات وصاد مهملة، ويقال الانصناوي بالوار، وأنصنا: قرية بمصر، أبو العباس المصري المالكي.
стр. 2060
أخذ عن القاضي الذهلي، ومؤمل بن يحيى، وحمزة الحافظ، وأبي العباس الرازي، وأبى العباس بن أبي تمام، وابن رشيق، وغيرهم؛ وحدث عن مؤمل بن يحيى المصري، عن حمديس، عن محمد بن عبد الحكم: أفضل ما أجر المرء نفسه [¬١]، أعمال البر. حدث [¬٢] عنه أبو ذر الحافظ قال: وكان ثقة مأمونًا، لقيته بالبصرة. قال الخطيب أبو بكر: وقدم بغداد فحدث بها، وسمع منه أبو عبد الله بن بكير، وعبيد الله بن عثمان الصيرفي، والعتيقي.
قال عبد الله الصوري: كان فقيها مالكيًا، مرضيًا، ثقة في الحديث، متحريا في الرواية، مقبول الشهادة، مولده سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
قال الحمال [¬٣]: توفي سنة سبع (عشرة) [¬٤] وأربعمائة. وقال الصوري: توفي بمصر ما بين سنة خمس (وست) [¬٥] عشرة وأربعمائة.
أبو القاسم بن يحيى بن علي بن محمد إبراهيم الحضرمي
فقيه مالكي، يروى عن ابيه وابي [¬٦] جعفر الاسواني [¬٧]، والحسن ابن رشيق، والحسين بن عبد الله القرشي، وعبد الله بن محمد المفسر؛ روى عنه أبو محمد بن الوليد، وأبو إسحاق الحبال [¬٨].
стр. 2061
أبو مطر على بن عبد الله بن الحسن بن علي بن عبد الرحمان المعافري
الاسكندراني، من بيت علم وقضاء، وتقدم في مذهب مالك؛ قال أبو ذر: كان مالكيا، شيخا ثقة، قرأت عليه في منزله بالاسكندرية، حدث عن عبد الرحمان بن عمرو بن عثمان العلاف، (وقد) [¬١] تقدم ذكر بيته (١).
محمد بن عبد الله بن عتاب: أبو عبد الله
يعرف بابن المعري، من أهل الاسكندرية، روي عنه أبو ذر بها، وذكره فقال: كان فقيهًا مالكيًا، من خيار المسلمين، ثقة، مأمونًا؛ وكان بنو عبيد ضربوه وآذوه على السنة، وأحرقوا كتبه، فحدث عن ابن الاعرابي.
محمد بن أحمد بن العباس أبو الحسن الاخميمي [¬٢] (٢)
ذكره أبو ذر فقال: شيخ صالح ثقة مالكي، قرأت عليه بمصر، ولقد قال لي عبد الغني بن سعيد: رأيت له عن ابن زيان، مثل هذا - يعني رزمة كبيرة.
стр. 2062
الحسن بن عمر بن إبراهيم أبو محمد [¬١] بن أبي زكرياء العروضي
ذكره أبو ذر وقال: قرأت عليه بمكة، وكان لا بأس به؛ حدث عن أبي القاسم بكار بن أحمد السلمى [¬٢] المرداسي [¬٣].
أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد (١)
ابن أبي يزيد خالد بن خالد بن يزيد المصري الازدي، يعرف بالصواف، دخل الاندلس تاجرا آخر (٢) الدولة العامرية، وفارًا [¬٤] من مصر، لشيء وقع له مع أميرها؛ سمع القاضي أبا طاهر الذهلي، وأبا سعيد بن يونس الصوفي [¬٥]، وحمزة الحافظ، وابن أبي الموت، وأبا محمد الفرغاني، وابن الورد [¬٦]، وابن رشيق، وابن السكن، وأبا عمرو السمرقندي [¬٧]، وغيرهم؛ حدث عنه بالاندلس أبو عمر بن الحذاء، وابن الحصار، والقاسم بن المأموني السبتي. قال ابن حيان: كان منقطع القرين في سروه [¬٨] وعلمه [¬٩]، وكان فقيها
стр. 2063
مالكيًا، متكلمًا، نسابة، اديبًا، ذا قوة في علم الاعتقاد [¬١]، وتحقق في علم النسب؛ له قطع من الشعر مطبوعة، وقع الاجماع أنه لم يصل إلى الاندلس من بلده مثله، ولم يكن بالراسخ في الفقه، كان مشاركًا فيه.
قال أبو عمر بن الحذاء: كان حافظًا للحديث، حسن الشعر.
قال الحصار: استوطن قرطبة أعوامًا كثيرة إلى زمن الفتنه، فخرج عن الاندلس إلى مصر، فتوفى بها. وقال ابن حيان: خرج من الاندلس إلى افريقية، ثم جاء إلى الاندلس فمات بها سنة عشر وأربعمائة.
ومن أهل إفريقية:
أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري (١)
المعروف بابن القابسي، سمع من رجال إفريقية: ابي العباس الابياني، وأبى الحسن بن مسرور الدباغ، وأبي عبد الله بن مسرور العسال، وأبى محمد بن مسرور الحجام، ودراس بن إسماعيل الفاسي، والسدري؛ ورحل فحج وسمع بمصر ومكة من حمزة بن محمد الكناني، وأبي الحسن التلباني، وابن ابى الشريف، وأبي زيد المروزي، وأبى الحسن ابن حيوية النيسابوري، وأبى
стр. 2064
الحسن بن أبي هلال، وأبي الحسن بن شعبان الطحان، وأبي الحسن بن هاشم، وأبي الطاهر محمد بن عبد الغني، وأبي الحسن الاسيوطي، وأبي بكر أحمد بن عبد الله بن عبد المومن، وأبي أحمد بن المفسر، وأبي الفتح بن برهز [¬١]، وأبي إسحاق عبد الحميد ابن أحمد بن عيسى؛ وكتب إليه أبو بكر بن خلاد، وكان واسع الرواية، عالمًا بالحديث وعلله ورجاله، فقيها، اصوليًا، متكلمًا، مؤلفا مجيدا؛ وكان من الصالحين المتقين، الزاهدين الخائفين؛ وكان أعمى لا يرى شيئا، وهو مع ذلك من أصح الناس كتبًا، وأجودهم ضبطًا وتقييدًا، يضبط كتبه بين يديه ثقات أصحابه؛ والذي ضبط له في البخاري في سماعه على أبي زيد (١) بمكة أبو محمد الاصيلي بخط يده، وكان يزور الشيخ الزاهد أبا اسحاق الجبنياني فدعا له.
قال أبو الحسن: قلت له - يعني عند رجوعه أول ما زاره: أذكر لك اسمى، فمتى ذكرتني دعوت لي؛ فقال: بل أدعو لك في جماعة المسلمين، فقلت: بل تخصني؛ قال: أرأيت من أودع وديعة فضيعها، أليس يضمن كالمتعدي [¬٢]؟ فقلت [¬٣]: بلى، قال: فما دعا الانسان إلى شيء إن ضيعه ضمنه؛ قلت: لا عليك أن أعرفك باسمي، فان نشطت إلى الدعاء [¬٤] دعوت، والا تركت؛ فلما رآني كئيبًا - إذ لم يقبل مسألتي، قال لي: ما اسمك؟ قلت:
стр. 2065
علي، فقال لي: ابشر يا علي، أعلى الله قدرك في الدنيا والآخرة؛ فلما ضمت دابة أبي الحسن، أخذ الجبنياني بركابه، وكانت عادته لمن فيه قابلية علم أو خير.
قال الشيرازي: وجلس مجلس ابن شبلون بعد وفاته، وكان أبو سعيد بن أخى هشام يعظم الشيخ أبا الحسن ويقول: أبو الحسن لا يحاسب علي مكيال ولا ميزان، وان كان لا يدخل الجنة إلا مثل أبي الحسن، فما يدخلها منا أحد!
وذكر ابن سعدون أن أبا الحسن لما جلس [¬١] للناس وعزم عليه في الفتوى، تأبى وسد بابه دون الناس؛ فقال لهم أبو القاسم بن شبلون: اكسروا عليه بابه، لانه قد وجب عليه فرض الفتياء هو أعلم من بقي من القيروان [¬٢]؛ فلما رأى ذلك، خرج اليهم ينشد:
لعمر أبيك ما نسب المعلى … إلى كرم وفي الدنيا كريم
[ولكن البلاد إذا اقشعرت … وصوح نبتها رعي الهشيم] [¬٣]
قال حاتم الطرابلسي صاحبه: كان أبو الحسن فقيهًا عالمًا، محدثًا، ورعًا، متقللًا من الدنيا، لم أر أحدًا ممن يشار إليه بالقيروان بعلم، إلا وقد جالسه وأخذ عنه؛ يعترف الجميع بحقه، ولا ينكر فضله.
وقال محمد بن عمار الميورقي في رسالته - وذكره، فقال: متأخر في زمانه، متقدم في شأنه: العلم [¬٤] والعمل والرواية
стр. 2066
والدراية، من ذوي الاجتهاد في العباد والزهاد، مجاب الدعوة، له مناقب يضيق عنها الكتب [¬١]؛ عالمًا بالاصول، والفروع، والحديث، وغير ذلك من الدقائق [¬٢]؛ وذكره أبو عبد الله ابن أبي صفرة [¬٣] فقال: كان فقيه الصدر.
قال أبو الحسن: لما رحلت إلى الإبياني أنا، وأبو محمد الاصيلي، وعيسى - يعني ابن سعادة الفاسي، كنا نسمع عليه، فاذا كان بعد العصر ذاكرنا في المشكل؛ فتذاكرنا يومًا وطال الذكر، فخصني بأن قال لي: يا أبا الحسن، لتضربن اليك آباط الابل من أقصى المغرب، فقلت له [¬٤] ببركتك - ان شاء الله، ولما نرجوه من النفع بك؛ ثم جرى لي منه ذلك يوما آخر، ثم ذاكرني يومًا ثالثًا، فاستحسن فهمي له، فقال لي مثل ذلك؛ فقلت له: ببركتك - إن شاء الله، فقال لي: والله لتضربن إليك آباط الابل من أقصى المغرب.
وعليه تفقه أبو عمران الفاسي، وأبو القاسم اللبيدي، وغيرهما؛ وروى عنه أبو بكر عتيق السوسي، وأبو القاسم ابن النساري [¬٥]، وابن سمحان، وابن أبي طالب العابد، والحوي [¬٦]، وأبو عمر [¬٧] بن العتاب، وابن محرز [¬٨]، وابن سفيان، وأبو محمد اللوتي [¬٩]،
стр. 2067
وأبو حفص العطار، وأبو عبد الله الخواص، وأبو عبد الله المالكي، ومكي الفارسي، وابن الاجدابي؛ وروى عنه من الاندلسيين، المهلب ابن أبي صفرة، وحاتم بن محمد الطرابلسي، وأبو عمرو المقرئ.
ذكر تواليفه
لابي الحسن توالف بديعة مفيدة، ككتابه الممهد في الفقه وأحكام الديانة، وكتابه المنقذ من شبه التأويل، وكتابه المنبه للفطن عن فوائل الفتن، والرسالة المفصلة لاحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين [¬١]، وكتاب الاعتقادات، وكتاب مناسك الحج، وكتاب الذكر والدعاء، ورسالة كشف المقالة في التوبة، وكتاب ملخص الموطأ، وكتاب رتب العلم وأحوال أهله، وكتاب أحمية الحصون، والرسالة الناصرة في الرد على الفكرية، وكتاب حسن الظن بالله، ورسالة تزكية الشهود وتجريحهم، ورسالة في الورع.
ذكر فضائله وخوفه وبقية أخباره
كان أبو الحسن من الخائفين الورعين، المشتهرين بإجابة الدعوة، سلك في كثير من أموره مسلك شيوخه من صلحاء فقهاء [¬٢] القيروان، المتقللين من الدنيا، الباكين، المعروفين بإجابة الدعاء، وظهور البراهين.
стр. 2068
قال بعض أصحابه: كان أبو الحسن إذا دخل محرابه، وانفتحت عيناه واحمرت، ولجأ إلى الله، ورأينا ذلك منه، انتظرنا إجابة دعائه [¬١]؛ وكانت الى ثلاثة أيام.
وكان بالمهدية نصراني ابن أخ، الخاصة باديس بن حبوس - صاحب القيروان، افتض هذا النصراني صبية شريفة، فلما سمعت [¬٢] بذلك العامة، رجعوا إليه فقتلوه؛ وبلغ ذلك باديس فعظم عليه أمر ذلك [¬٣]، وأرسل قائدًا بعسكر إلى المهدية، فقال لهم: اقتلوا من هو قد السيف [¬٤] الى من فوق؛ وبلغ ذلك أبا الحسن، فدخل المحراب وأقبل على الدعاء في كشف هذا؛ فلما وصل القائد إلى قصر مسور قرب المهدية، بات [¬٥] فيه، فقام بالليل وهو سكران يمشي على السطح، فمشى في الهواء وسقط على رأسه، وانتثر دماغه، وجاءت البرد الى بادس بذلك، وأعلم بدعاء الشيخ أبي الحسن؛ فرعب لذلك، وقال لابن أبى العرب وكبراء رجاله: تمشون للشيخ، فلما ضربوا عليه وأعلم بهم؛ قال لهم: تمضون إلى الجامع حتى ياتيكم العلماء، ولم يدخلهم داره: ووجه إلى اصحابه: أبي بكر بن عبد الرحمان، وأبي عمران الفاسي، وأبي القاسم بن الكاتب، وأبي محمد اللوبي [¬٦]، وأبي عمرو بن العتاب [¬٧]،
стр. 2069
والخواص، وابن سفيان، وأبي عبد الله المالكي، ومكي القرشي، وابني الاحدابي، والربعي، وابن سمحان، وغيرهم؛ وأملى عليهم رسالة فيها: بسم الله الرحمان الرحيم، بالله أستعين، وعليه أتوكل، الغوث، الغوث، الغوث، بما حل بالمسلمين من الافتيات عليهم ثم ينادي بمثل هذا. وفي فصل منها: كيف يحل لمن يعتقد [¬١] الاسلام أن يقوم في كافر اغتصب صبية من سلالة المصطفى ﵇، ولو انطبقت السماوات والارض من أجل هذا الفعل، كان قليلًا؛ وهي رسالة طويلة وقال لاصحابه: اذا وصلتم الى الجامع، فليقرأها واحد منكم على المنبر ممن له صوت، ففعلوا ذلك، فجعل القواد يقول بعضهم لبعض: والله، ما السلطان الا هذا الشيخ.
ذكر اللبيدي أنه رآه قد اجتمع مع عيسى بن ثابت العابد يومًا، فتذاكرا وبكيًا حتى تساقط كل واحد منهما على ظهره؛ وذكر أن رجلًا من أصحاب أبي الحسن غره القمر ليلة، فبكر، فأخذه الحرس بالقيروان، فاستغاث به، وأعلمهم أنه ضيف أبي الحسن ومن أصحابه؛ فلم يلتفتوا إليه، وحملوه الى السجن، وأودعوه الحديد، واطلع رجل من غرفة على ذلك؛ فلما أصبح، أعلم أبا الحسن بحال صاحبه؛ فقال له: اذهب فأخرجه من السجن، وثق بالله، أو كما قال؛ فذهب الرجل، فدخل السجن حتى وصل إلى الرجل دون أن يعترضه [¬٢] أحد، فوجد الرجل في ثقل الحديد، فلم يقدر الرجل [¬٣] على الخروج في حديده، فرجع الرجل
стр. 2070
إلى أبي الحسن، فأخبره؛ فقال له: اذهب بحداد يحل عنه؛ فأخذ الرجل معه حدادًا حتى حل عنه حديده في السجن، وخرج ثلاثتهم - وحرس السجن ينظرون إليهم، فلا ينكرون عليهم شيئًا مما صنعوه، أو كأنهم لا يرونهم، أو كأنهم ألقي عليهم النسيان، فلم يعرف من جهة الحرس من القصة خبر.
قال أبو عمرو المقرئ فى طبقات القراء - وذكره، فقال: أخذ عن ابن بدهن [¬١] وأقرأ القرآن بالقيروان دهرًا، ثم قطع القراءة لما بلغه أن بعض أصحابه استقرأه الوالي فقرأ عليه؛ ودرس أبو الحسن [¬٢] الفقه والحديث، إلى أن رأس فيهما، فبرع وصار إمام عصره، وفاضل دهره.
وذكر أن أبا الحسن سأل أصحابه يومًا في رمضان عما كان إفطارهم عليه ليلة يومهم، فأخبره كل واحد منهم بما كان على قدر وسعه؛ فقال أبو القاسم البراذعي: أفطرت على ثريدة خروف بأطراف سلق وحمص، وبعد ذلك اسفنجة؛ فقال له أبو الحسن، والله يا خلف، لاصلحت أبدًا، ما اجتمع هذا من حلال قط.
ولم يكن أبو الحسن، قابسيًا، وإنما كان له عم يشد عمامته شد القابسيين، فسمي بذلك، وهو قيرواني الأصل.
وتوفي أبو الحسن بالقيروان سنة ثلاث وأربعمائة، ودفن بباب تونس - وقد بلغ الثمانين أو نحوها بيسير؛ مولده في رجب