والدراية، من ذوي الاجتهاد في العباد والزهاد، مجاب الدعوة، له مناقب يضيق عنها الكتب [¬١]؛ عالمًا بالاصول، والفروع، والحديث، وغير ذلك من الدقائق [¬٢]؛ وذكره أبو عبد الله ابن أبي صفرة [¬٣] فقال: كان فقيه الصدر.
قال أبو الحسن: لما رحلت إلى الإبياني أنا، وأبو محمد الاصيلي، وعيسى - يعني ابن سعادة الفاسي، كنا نسمع عليه، فاذا كان بعد العصر ذاكرنا في المشكل؛ فتذاكرنا يومًا وطال الذكر، فخصني بأن قال لي: يا أبا الحسن، لتضربن اليك آباط الابل من أقصى المغرب، فقلت له [¬٤] ببركتك - ان شاء الله، ولما نرجوه من النفع بك؛ ثم جرى لي منه ذلك يوما آخر، ثم ذاكرني يومًا ثالثًا، فاستحسن فهمي له، فقال لي مثل ذلك؛ فقلت له: ببركتك - إن شاء الله، فقال لي: والله لتضربن إليك آباط الابل من أقصى المغرب.
وعليه تفقه أبو عمران الفاسي، وأبو القاسم اللبيدي، وغيرهما؛ وروى عنه أبو بكر عتيق السوسي، وأبو القاسم ابن النساري [¬٥]، وابن سمحان، وابن أبي طالب العابد، والحوي [¬٦]، وأبو عمر [¬٧] بن العتاب، وابن محرز [¬٨]، وابن سفيان، وأبو محمد اللوتي [¬٩]،
стр. 2067
وأبو حفص العطار، وأبو عبد الله الخواص، وأبو عبد الله المالكي، ومكي الفارسي، وابن الاجدابي؛ وروى عنه من الاندلسيين، المهلب ابن أبي صفرة، وحاتم بن محمد الطرابلسي، وأبو عمرو المقرئ.
ذكر تواليفه
لابي الحسن توالف بديعة مفيدة، ككتابه الممهد في الفقه وأحكام الديانة، وكتابه المنقذ من شبه التأويل، وكتابه المنبه للفطن عن فوائل الفتن، والرسالة المفصلة لاحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين [¬١]، وكتاب الاعتقادات، وكتاب مناسك الحج، وكتاب الذكر والدعاء، ورسالة كشف المقالة في التوبة، وكتاب ملخص الموطأ، وكتاب رتب العلم وأحوال أهله، وكتاب أحمية الحصون، والرسالة الناصرة في الرد على الفكرية، وكتاب حسن الظن بالله، ورسالة تزكية الشهود وتجريحهم، ورسالة في الورع.
ذكر فضائله وخوفه وبقية أخباره
كان أبو الحسن من الخائفين الورعين، المشتهرين بإجابة الدعوة، سلك في كثير من أموره مسلك شيوخه من صلحاء فقهاء [¬٢] القيروان، المتقللين من الدنيا، الباكين، المعروفين بإجابة الدعاء، وظهور البراهين.
стр. 2068
قال بعض أصحابه: كان أبو الحسن إذا دخل محرابه، وانفتحت عيناه واحمرت، ولجأ إلى الله، ورأينا ذلك منه، انتظرنا إجابة دعائه [¬١]؛ وكانت الى ثلاثة أيام.
وكان بالمهدية نصراني ابن أخ، الخاصة باديس بن حبوس - صاحب القيروان، افتض هذا النصراني صبية شريفة، فلما سمعت [¬٢] بذلك العامة، رجعوا إليه فقتلوه؛ وبلغ ذلك باديس فعظم عليه أمر ذلك [¬٣]، وأرسل قائدًا بعسكر إلى المهدية، فقال لهم: اقتلوا من هو قد السيف [¬٤] الى من فوق؛ وبلغ ذلك أبا الحسن، فدخل المحراب وأقبل على الدعاء في كشف هذا؛ فلما وصل القائد إلى قصر مسور قرب المهدية، بات [¬٥] فيه، فقام بالليل وهو سكران يمشي على السطح، فمشى في الهواء وسقط على رأسه، وانتثر دماغه، وجاءت البرد الى بادس بذلك، وأعلم بدعاء الشيخ أبي الحسن؛ فرعب لذلك، وقال لابن أبى العرب وكبراء رجاله: تمشون للشيخ، فلما ضربوا عليه وأعلم بهم؛ قال لهم: تمضون إلى الجامع حتى ياتيكم العلماء، ولم يدخلهم داره: ووجه إلى اصحابه: أبي بكر بن عبد الرحمان، وأبي عمران الفاسي، وأبي القاسم بن الكاتب، وأبي محمد اللوبي [¬٦]، وأبي عمرو بن العتاب [¬٧]،
стр. 2069
والخواص، وابن سفيان، وأبي عبد الله المالكي، ومكي القرشي، وابني الاحدابي، والربعي، وابن سمحان، وغيرهم؛ وأملى عليهم رسالة فيها: بسم الله الرحمان الرحيم، بالله أستعين، وعليه أتوكل، الغوث، الغوث، الغوث، بما حل بالمسلمين من الافتيات عليهم ثم ينادي بمثل هذا. وفي فصل منها: كيف يحل لمن يعتقد [¬١] الاسلام أن يقوم في كافر اغتصب صبية من سلالة المصطفى ﵇، ولو انطبقت السماوات والارض من أجل هذا الفعل، كان قليلًا؛ وهي رسالة طويلة وقال لاصحابه: اذا وصلتم الى الجامع، فليقرأها واحد منكم على المنبر ممن له صوت، ففعلوا ذلك، فجعل القواد يقول بعضهم لبعض: والله، ما السلطان الا هذا الشيخ.
ذكر اللبيدي أنه رآه قد اجتمع مع عيسى بن ثابت العابد يومًا، فتذاكرا وبكيًا حتى تساقط كل واحد منهما على ظهره؛ وذكر أن رجلًا من أصحاب أبي الحسن غره القمر ليلة، فبكر، فأخذه الحرس بالقيروان، فاستغاث به، وأعلمهم أنه ضيف أبي الحسن ومن أصحابه؛ فلم يلتفتوا إليه، وحملوه الى السجن، وأودعوه الحديد، واطلع رجل من غرفة على ذلك؛ فلما أصبح، أعلم أبا الحسن بحال صاحبه؛ فقال له: اذهب فأخرجه من السجن، وثق بالله، أو كما قال؛ فذهب الرجل، فدخل السجن حتى وصل إلى الرجل دون أن يعترضه [¬٢] أحد، فوجد الرجل في ثقل الحديد، فلم يقدر الرجل [¬٣] على الخروج في حديده، فرجع الرجل
стр. 2070
إلى أبي الحسن، فأخبره؛ فقال له: اذهب بحداد يحل عنه؛ فأخذ الرجل معه حدادًا حتى حل عنه حديده في السجن، وخرج ثلاثتهم - وحرس السجن ينظرون إليهم، فلا ينكرون عليهم شيئًا مما صنعوه، أو كأنهم لا يرونهم، أو كأنهم ألقي عليهم النسيان، فلم يعرف من جهة الحرس من القصة خبر.
قال أبو عمرو المقرئ فى طبقات القراء - وذكره، فقال: أخذ عن ابن بدهن [¬١] وأقرأ القرآن بالقيروان دهرًا، ثم قطع القراءة لما بلغه أن بعض أصحابه استقرأه الوالي فقرأ عليه؛ ودرس أبو الحسن [¬٢] الفقه والحديث، إلى أن رأس فيهما، فبرع وصار إمام عصره، وفاضل دهره.
وذكر أن أبا الحسن سأل أصحابه يومًا في رمضان عما كان إفطارهم عليه ليلة يومهم، فأخبره كل واحد منهم بما كان على قدر وسعه؛ فقال أبو القاسم البراذعي: أفطرت على ثريدة خروف بأطراف سلق وحمص، وبعد ذلك اسفنجة؛ فقال له أبو الحسن، والله يا خلف، لاصلحت أبدًا، ما اجتمع هذا من حلال قط.
ولم يكن أبو الحسن، قابسيًا، وإنما كان له عم يشد عمامته شد القابسيين، فسمي بذلك، وهو قيرواني الأصل.
وتوفي أبو الحسن بالقيروان سنة ثلاث وأربعمائة، ودفن بباب تونس - وقد بلغ الثمانين أو نحوها بيسير؛ مولده في رجب
стр. 2071
لست ليال مضين منه سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وكانت رحلته الى المشرق سنة اثنين وخمسين.
أبو عبد الله الحسين بن أبي العباس
عبد الله بن عبد الرحمان الاجدابي (١)
مشهور في فقهاء القيروان، من أصحاب أبي محمد بن أبي زيد، وأبي الحسن القابسي؛ وكان واسع الرواية، سمع من شيخه؛ ومن هبة الله بن أبي عقبة [¬١]، وأبي القاسم بن خيران [¬٢]، وتميم بن أبي العرب، وأبي الله عبد بن الناظور، وأبي محمد البادسي، وغيرهم من أهل افريقية؛ ورحل فلقي بمصر والحجاز الناس، فسمع من أحمد بن أبي يعلى الحمادي [¬٣]، وأبي حفص ابن عراك، وأبي بكر الادفوري [¬٤]، وأبي القاسم القسطي [¬٥]، والقاضي أبي نصر النيسابوري، وأبي الحسن بن زريق، وأبي زرعة الجرجاني؛ وسمع أيضًا من عيسى بن حنيف، وابن اسماعيل المهري [¬٦] المقرئ، وأبي زكرياء بن عائذ [¬٧] الاندلسي، وأبي القاسم
стр. 2072
عبد الرحمان بن خالد الأزدي، وتميم بن أبي العرب؛ وسمع منه أبو محمد عبد الحق، وابن سعدون، وأبو محمد بن سبعين [¬١]، وغيرهم؛ وألف مناقب ربيع القطان، والممسي [¬٢]، والسبائي، وابن نصرون.
وأخوه أبو محمد الحسن
مشهور بالعلم والتقدم في الفهم، وكثرة الرواية بافريقية والمشرق، ومقدم بلده، سمع، وسمع منه.
وأخوه أبو الحسن علي
حدث عن تميم بن أبي العرب، وأبي القاسم بن خيروان [¬٣]، حدث عنه ابن سعدون.
أبو عمر أحمد بن سعدي (١)
واسمه أحمد بن محمد، أصله أندلسي اشبيلي، ونزل المهدية، وعليه دارت الفتيا [¬٤] بها، وكان فقيهًا، شيخًا صالحًا، وله رحلة دخل فيها العراق، ولزم أبا بكر الأبهري، وحمل عنه
стр. 2073
كتبه [¬١]، وتفقه عليه [¬٢]؛ وسمع من جماعة بمصر، والعراق؛ ولقى أيضًا من المالكية أحمد بن ابي يعلى [¬٣] الحمادي، وأبى القاسم الجوهري، وابن الوشا، وأبا اسحاق التمار، وأبا بكر الباقلاني؛ وسمع القاضي أبا الفضل الهاشمي، وابن غلبون، والخرمي [¬٤]؛ حدث عنه حاتم الطرابلسي، وأبو محمد بن الوليد، وأبو القاسم بن محرز [¬٥]، وتوفي (١) بالمهدية.
أبو الحسن علي بن أحمد اللواتي
سوسي، كان فقيه بلده في وقته، أخذ عن أبي العباس الابياني، وابن مسرور الدباغ؛ سمع منه أبو عمران الفاسي.
أبو موسى عيسى القمودي [¬٦]
فقيه مالكي، من أصحاب الابياني.
أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي الأسدي (٢)
من أئمة المالكية بالمغرب، والمتسعين في العلم، المجيدين للتأليف؛ أصله من المسيلة، وقيل من بسكرة، كان بأطرابلس،
стр. 2074
وبها أملى كتابه في شرح الموطأ، ثم انتقل الى تلمسان؛ وكان فقيهًا، فاضلًا، عالمًا، متفننًا، مؤلفًا مجيدًا؛ له حظ من اللسان، (والحديث) [¬١]، والنظر؛ أخذ عنه أبو عبد الله البوني، وعليه تفقه؛ وألف كتاب النامي (١) في شرح الموطأ، والواعي في الفقه، والنصيحة في شرح البخاري، والايضاح في الرد على الفكرية، وكتاب الاصول، وكتاب البيان، وكتاب الاموال، وغير ذلك [¬٢]؛ وبلغني أنه كان ينكر على معاصره من علماء القيروان سكناهم في مملكة بني عبيد، وبقاءهم بين أظهرهم؛ وأنه كتب إليهم مرة بذلك، فأجابوه: اسكت لا شيخ لك؛ أرى لأن درسه كان وحده، ولم يتفقه في أكثر علمه عند إمام مشهور، وإنما وصل إلى ما وصل بإدراكه، ويشيرون أنه لو كان له شيخ يفقهه حقيقة الفقه [¬٣]، لعلم أن بقاءهم مع من هناك من عامة المسلمين، تثبيت [¬٤] لهم على الاسلام، وبقية صالحة للايمان وانه لو خرج العلماء من [¬٥] افريقية، لما بقي فيها من العامة آلاف الآلاف [¬٦]، فرجحوا خير الشرين - والله أعلم.
стр. 2075
حمل عنه أبو عبد الله البوني، وأبو بكر بن الشيخ أبي محمد بن أبي زيد، وأبو علي بن الوفاء [¬١] من أهل بلدنا، وغيرهم.
قال حاتم الطرابلسي: وتوفي بتلمسان سنة اثنتين [¬٢] وأربعمائة، وقبره عند باب العقبة، ولم يسمع منه حاتم [¬٣]- وكان حيًا إذ كان حاتم بالقيروان؛ وقرأت في بعض التواريخ أن وفاته سنة إحدى وعشرة، والأول أصح.
أبو موسى بن قيناس [¬٤]
من كبراء فقهاء إفريقية ونبهائها، والمقدمين [¬٥] بها؛ وله كلام كثير، وتفسير لمسائل المدونة مسطرة، وقد سمع من البوني.
أبو علي بن خلدون (١)
من فقهاء إفريقية وعلمائها وصلحائها، من أصحاب أبي الحسن القابسي؛ كان رأسًا [¬٦] بإفريقية، جليل القدر في فقهائها، مطاعًا؛ وكانت العامة تتبعه، وكان شديدًا على أهل البدع
стр. 2076
والروافض، مغريًا بهم، يستند منه أهل السنة إلى ملجأ ووزر [¬١]، حتى نظم [¬٢] ذلك شاعر الرافضة المعروف بالتاخجوري [¬٣] في قطعة له - وهي قوله:
عيني من التغميض ممنوعة … ومهجتي بالنار ملذوعة [¬٤]
من حب ظبي حسن وجهه … طرفة [¬٥] بالمسك مصنوعة
لي كبد من فرط اعراضه … إلا تكن ذابت فمصوعة
كأنما ذكرى الهوى عنده … ذكر ابن خلدون لدى الشيعة
ذكر الشيخ أبو عمران قال: نزلت بالقيروان مسألة الملاعنة إذا نكلت، ثم أرادت الرجوع إلى اللعان، فاختلفنا فيها: فأفتى فيها أبو علي بن خلدون وغيره، أن لها ذلك، كما لها الرجوع بالإقرار المحض، وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمان؛ وذهب أبو القاسم بن الكاتب إلى أن الرجم قد وجب عليها، وليس لها الرجوع بعد النكول؛ لأن الزوج لما حقق عليها ما رماها به بالشهادات الأربع، صارت تلك الشهادة كأربعة شهداء على معاينة الزنى، فعليها هي أن تأتي بما [¬٦] يقابل ذلك، ويكافئ شهادته [¬٧]؛ فإن نكلت فكأنها صدقت شهاداته، بخلاف مجرد الإقرار، وبه قال أبو عمران؛ ولابن الكاتب في ذلك تأليف طويل، نصر فيه فتياه، وبين وجه قوله.
стр. 2077
خبر قتله
ولما قتلت الرافضة سنة سبع وأربعمائة، وكان ابتداء ذلك يوم الجمعة منتصف محرم مفتتحها [¬١]، وهو يوم كان وصول المعز بن باديس إلى القيروان بعد موت أبيه، واستفتاح ولايته؛ فقتلت العامة الرافضة أبرح [¬٢] قتل بالقيروان، وحرقوهم وانتهبوا أموالهم، وهدموا دورهم، وقتلوا نساءهم وصبيانهم، وجروهم بالأرجل، وكانت صيحة من الله سلطها عليهم؛ ويقال إن عامل القيروان منصور بن رشيق كان يمشي كأنه يسكن الناس - وهو يشير على العامة، وانفتق الأمر، فلم يقدر السلطان على ضبطه؛ وولى عاملا آخر، فتعذر عليه سده، وخرج الأمر عن القيروان إلى المهدية، وسائر بلادهم، فقتلوا حيث وجدوا، وأحرقوا بالنار، فلم يترك منهم أحد يمر بإفريقية [¬٣] وأعمالها، إلا من اختفى؛ ولجأت الرافضة إلى مساجد المهدية، فقتلوا فيها أبرح قتل، وهدموا دار الامارة المنصورة، وتعدت العامة ذلك إلى جماعة من أهل السنة من غيرهم؛ فلقد حكي أن العامة جاءت تتعلق برجل منهم اتهموه برأيهم، فمروا به على شيخ من العامة؛ فسألهم عن تعلقهم به، فقالوا: نسير به إلى الفقيه أبي علي بن خلدون، فنأخذ فيه بما [¬٤] يأمرنا به [¬٥]؛ فقال لهم [¬٦] الشيخ العامي: لا، اقتلوه الآن، فإن كان رافضيًا، أصبتم، وإن كان سنيًا، عجلتم بروحه إلى الجنة
стр. 2078
من الآن، أو كما قال؛ وحكي أنه رأى آخر يتبع واحدًا منهم ليقتله، فقيل [¬١] له: ما تصنع؟ فقال: زنديق يفضل علي بن الخطاب على عمه ابن أبي طالب، أو كما قال بلفظه العامي، فانتقم الله منهم على أيدي العامة المسلمين، وقتلوهم كل مقتل؛ فرعب المعز منهم، وأراد كسر شوكتهم، فدبر قتل زعيم السنة وشيخ هذه الدعوة؛ فلما كان يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال من السنة، أتى عامل القيروان ومعه خيل ورجل، فتقدم إلى مسجد أبي علي بعد صلاة العصر وهو جالس، وعنده [¬٢] جماعة؛ فطلع بعض رجالته إلى المسجد، فقتلوا أبا محمد بن العوف [¬٣] جليسه - وهم يظنونه أبا علي، إذ احتقرت أعينهم أبا علي، لكونه مناطًا [¬٤]، فلم يظنوه صاحب المجلس؛ وخرجوا، فلما عرفوا أنه ليس اياه، رجعوا فقتلوا أبا علي، وتعاوروه بسكاكينهم؛ وجردوا جماعة في المسجد، فحمل إلى داره وبه حشاشة [¬٥]؛ وتوفي [¬٦] في ليلته، فارتجت [¬٧] المدينة، وثارت الصيحة من نواحي القيروان؛ فمال أهل المنصورية من الرجالة والعبيد، فنهبوا جميع ما في حوانيتها حتى لم يدعوا حانوتًا؛ وألقيت النار في كبار الأسواق، ونهبت أموال التجار - وكانوا آمنين، وأموالهم بحوانيتهم؛ فذهل الناس، وخرجوا وشغلوهم بأنفسهم عن ذكر أبي علي وخبره؛
стр. 2079
فطاح بهذه السبيل، وأراد عامل الملك [¬١] استرضاء الناس، فجاء برجلين وقال: انهما اللذان قتلاه، فقتلهما ودفن أبو علي بالليل؛ وفي ذلك يقول الحضرمي [¬٢] أبو إسحاق الأديب من رثاء فيه:
دفنوا صبحهم بليل وجاءوا … حين لا صبح يطلبون الصباحا
ومن رثاء ابن الوراق فيه:
مضرج بدم الإسلام مهجته … من بين أحشاء دين الله ينتزع
والمرائي فيه كثيرة، منها لابن حربون [¬٣] قصيدة جيدة، وأولها:
جفوني ألا تدري الدمع فاسجم … ونفسي ألا تلتظى فتضرم
فلا وجد إلا أن تفيضي من الأسى … ولا دمع إلا أن يكون مع الدم
وقال ابن زنجي من قصيدة:
لولا الحياء وأن أجيء بفعلة … تقضي علي بها [¬٤] سيوف ملام
وأكون متبعًا لأشنع سنة … قد سنها قبلي أبو تمام
البست لبس الثاكلات … وجئت في سود الشباب كأنني من حام
أبو حفص عمر [¬٥] بن مثنى
كان أبوه من جملة [¬٦] أصحاب عيسى بن مسكين، مات وتركه [¬٧] صغيرًا، فرباه الشيخ أبو الحارث ليث بن محمد الفقيه.
стр. 2080
قال اللبيدي: وكان عمر [¬١] من العلماء بالقراءة، يجود [¬٢] رواية ورش، مقدمًا في الاعراب، والناسخ والمنسوخ [¬٣]، والخاص والعام، والتفسير [¬٤] والغريب، والحساب والفرائض؛ ودرس الفقه، وسمعت [¬٥] أبا محمد الصوفي [¬٦] يقول: ما رأيت في خارج إفريقية أعلم منه: وكان قد لزم السكنى بعد مسرة [¬٧] بن مسلم بقصر ابن زياد، يؤم فيه، ويطلب عليه الناس، منقطعًا في العبادة، ما رأيته ضاحكًا قط، ولا [¬٨] كان يتبسم، ولا يتكلم فيما لا يعنيه؛ إنما كان يجلس لقراءة القرآن، ومذاكرة العلم، أو ينزوي للصلاة والذكر؛ وكان من أعلم الناس بالوثائق، والبلاغة في الترسل [¬٩]؛ وصحب أيضًا حمدون بن مجاهد، ومحمد بن عبد الرحيم بن علي [¬١٠] بن عبد ربه؛ وكان خاصة بأبي إسحاق [¬١١] الجبنياني، ينشط إليه ما لا ينشط إلى غيره.
стр. 2081
ومن أهل أقصى المغرب:
أحمد بن خلوف المسيلي (١)
أبو جعفر، يعرف بالخياط، من أهل العدوة، دخل الأندلس فاستوطنها.
قال ابن الفرضي: كان فقيها، عالمًا بالمسائل، حافظًا لها، حسن التكلم في الفقه على مذهب مالك؛ وكان ورعًا زاهدًا فاضلا، دخل الأندلس وسكن الثغر أعوامًا كثيرة، وكان منسوبًا إلى البأس والنجدة.
وتوفي بقرطبة في جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين (٢).
عبد الله بن الزويزي بن أيمن [¬١]
قاضي أصيلا، من بلاد المغرب؛ مشهور الاسم [¬٢]، بعيد الصيت في الفتيا والذكر بالعلم، وبه يضرب المثل إلى الآن بالمغرب [¬٣]، يقولون: لا أفعل كذا - ولو [¬٤] أفتاك به (ابن) [¬٥] الزويزي، وله مع بني [¬٦] عامر غزوات بثغور الأندلس
стр. 2082
أبو سعيد خلف بن مسعود الرعيني (١)
يعرف بابن أمينة [¬١] من أهل المغرب. ودخل الأندلس فنزل مالقة.
قال ابن حيان: كان من أهل الرواية والعلم، وذا لسان وعارضة؛ وقدم قرطبة سنة ثلاث وتسعين (٢)، فحمل عنه بها علم كثير؛ وكانت له من ابن ذكوان - قاضي الجماعة - خاصة، ورأس على فقهاء مالقة، فحسده بعضهم وطلبوه، فحماه ابن ذكوان: فلما ثارت الفتنة بقرطبة، وقاموا على البرابر أول قيام المهدي، اتصلت الثورة بالأندلس، فأغرى العامة به بعض أعدائه، فشدخوه بالحجارة؛ وقيل إنه لما أرادوا قتله، سألهم أن يمهلوه حتى يصلي ركعتين، فأمهلوه، ثم أضجعوه وذبحوه [¬٢]، وطافوا برأسه، وذلك آخر سنة أربعمائة؛ وقد نقل [¬٣] الشعبي عنه في نوازله في مسألة.
أبو بكر محمد بن عيسى (٣)
ويعرف بابن زوبع، من أهل سبتة. وقال ابن حيان: ابن زوبعة (كان) [¬٤] من أهل العلم والأدب، وأجل قضاة سبتة،
стр. 2083
وكان يخطط بالشرطة العليا، وقضاء سبتة وطنجة وأصيلا والمغرب، كذا رأيت السجلات تنعقد عليه؛ يقال [¬١] إن أصله من البصرة [¬٢]، وله رحلة إلى الأندلس؛ ويقال إنه دخل العراق وحج، ولقي علماء البلاد، ورجع إلى قرطبة، واختص بابن ذكوان، وهو كان المنوه به، لما وجد عنده من العلم، والمسبب إثراءه [¬٣] باسلاف مال من مال الأحباس بإشبيلة في زيت باسمه، فعاد عليه منه عائد كان أصل ماله فيما ذكر؛ وكان حسن السيرة [¬٤] في قضائه، وأيامه مشهورة، لعلو مكانه؛ وسعة علمه، وبعد صيته.
قال لي بعض الشيوخ: وكان متفننًا في علمه، نظارًا، صاحب حجة وجدل، عالمًا بالحديث.
قال ابن حيان: وكانت له منزلة عالية عند سلطان الأندلس، متمكن الأسباب لديه، وهو آخر قضاة بني أمية بسبتة.
قال [¬٥] أبو مروان بن حيان: وكان من وجوه أصحاب ابن ذكوان، وله في العلم والفقه والصرامة درجة سامية، وقدم صدق، أدته إلى المنية؛ قال: وقلده المظفر قضاء سبتة بلده وعمله، بارشاد ابن ذكوان، وذلك عند اختياره لخطة القضاء أهلها، فحمدت ولايته، واتصلت إلى أن قامت الفتنة، وسما قاسم بن حمود إلى الخلاف على بني مروان بسبتة، فكان من قاضيها [¬٦] هذا (عنه) [¬٧] بعض التأخر، فأغرى به العامة، فقتلوه [¬٨]
стр. 2084
ورعب الناس بقتله، فلم يختلفوا عليه، وخبره مشهور في الجزالة؛ وما قاله ابن حيان من إغرائه به العامة غير صحيح، فقد كان أجل في قلوبها من ذلك، وإنما قتله [¬١] رجال بني حمود، والصحيح أن الآمر بقتله علي بن حمود: أخو القاسم، وذلك بعد الأربعمائة، وقد بسطنا أخباره في ذكر قضاة سبتة من تاريخنا [¬٢].
أبو مروان عبد الملك الكوري
من أصحاب أبي محمد بن أبي زيد، من فقهاء فاس ومعظميها بعدوة الأندلس منها، وبه تفقه عثمان بن مالك، وغيره من الفاسيين.
وتوفي في سبع [¬٣] وأربعمائة.
يحيى بن تمام
من فقهاء سبتة في هذا الحين، قال أبو بكر الحسين بن مفرج القيسي: كان من فقهائها، مشهورًا بالعلم بها، وهو صاحب مسألة الشفعة في الصدقة، وقد ذكرناها في أخبار أبي عمر بن المكوي ﵀.
стр. 2085
ومن أهل الأندلس:
القاضي أبو بكر محمد بن يبقى بن محمد بن زرب بن يزيد بن مسلمة (١)
قرطبي، كان أبوه يبقى أحد قراء القرآن للناصر؛ قال ابن الفرضي: سمع من قاسم ابن أصبغ، ومحمد بن عبد الله ابن (أبي) دليم، وطبقتهما؛ وعني بالرأي، فتقدم فيه؛ وكان تفقهه [¬١] عند اللؤلؤي، وأبي إبراهيم، واللؤلؤي هو المنوه به؛ وكان ابن زرب [¬٢] من أحفظ أهل زمانه لمسائل مذهب مالك، وأفقههم [¬٣] به؛ وعليه كان مدار طلبته [¬٤] في المناظرة، وكان من [¬٥] الفقه جل علمه، ولم يكن [¬٦] له رحلة ولا رواية؛ كان القاضي ابن السليم يقول له: لو رآك عبد الرحمان بن القاسم، لعجب منك يا أبا بكر؟ وشوور في الأحكام أيام ابن السليم قبل أبي عمر بن المكوي سنة ستين، فلما مات، ولي مكانه قضاء الجماعة سنة سبع وستين [¬٧] إلى أن مات.
стр. 2086
قال غير واحد: وكان [¬١] ابن زرب مع علمه عاملا [¬٢] مجتهدًا، ورعًا عفيفًا، كثير الصلاة والتلاوة، بصيرًا بالعربية والحساب؛ حسن الخطابة، قريب الدمعة، بهي المنظر، دقيق التفقه، مستبصرًا في المسائل، حافظًا للأصول، حاذقا بالفتوى [¬٣]، كثير الاقتداء، متثبتًا في أحكامه، وإليه كانت الخطبة والصلاة؛ وألف كتاب الخصال المشهور في الفقه على مذهب مالك، عارض به [¬٤] كتاب [¬٥] الخصال لابن كاوس الحنفي، فجاء غاية في الإنقان؛ (وله كتاب في الرد على ابن مسرة [¬٦]، وكان آخر حاله قد فر إلى العمل، وجد في القيام) [¬٧]، وأكثر الاستغفار، حتى قيل إنه كان يختم (القرآن) كل ليلة، ويقال إن سبب ذلك، حضوره المجلس الذي عقده ابن أبي عامر لعبد الملك بن منذر البلوطي وأصحابه، ونفذ الأمر بصلبه؛ وأخذ القاضي والحضور بمشاهدة ذلك؛ وذلك لتهمتهم في القيام على هشام الخليفة، وإقرار عبد الملك بذلك على نفسه؛ ويقال إن القاضي كان ينزع عندما استفتي بالآية ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١). وقيل نزع بها غيره، وان القاضي بكت ابن منذر لإقراره على نفسه [¬٨]، حتى زجره ابن أبي عامر، وقال له: تريد أن تشككه في
стр. 2087
نفسه - يا قاض، هو أعلم بما أقر به على نفسه، فرخص القاضي، ونفذ قتل ابن منذر وصلبه.
سيرته:
قال ابن حيان: سمعت المشيخة يقولون: إنه لما ولي القضاء، احتبس خواص أصحابه المشاورين - وقد جاءوه بهنئونه. فأمر غلامه، فكشف عن مال عظيم صامت في صندوق له، وقال: يا أصحابنا، قد عرفتم [¬١] ما امتحن به من تولى القضاء قديمًا من سوء الظنة، وأخشى أن أطرق الناس على عرضي، وهذا حاصلي ورزقي؛ هذا من العين، وفي مخازني ما يفي بقيمته، وحظي من التجارة ما عرفتم؛ فإن فشا من مالي ما يناسب هذه الجملة، فلا لوم، وإن تباعد ذلك، فقد وجب مقتي؛ فسلوا الله تخليصي مما نشبت فيه، فدعوا له.
وكان ابن زرب لا يجلس للحكومة حتى يأكل، وكان موصوفًا بطيب الطعام، له منه ومن الحلوى والفاكهة وظيفة معلومة؛ وكان لا يواكل أحدًا، إذا قرب طعامه قرع عليه دون أن يستدعي أحدًا، فلما كان أحد الأيام، حضره المتطبب الترحلي، وكان يخف عليه، فقرع عليه؛ فقال: لا أريد، فقال له المتطبب: فما قولك لمن يريده؟ فقال: نعمى عين ومسرة، وعلي أن تأكل وحدك، فلا فضل في للأكل؛ فقال المتطبب: تكفاه، فضحك وأمر فتاه بإخراج المائدة، فقدمها - وعليه ثريدة صغيرة من
стр. 2088
درمك، مكللة [¬١] بلحم خروف، حسنة الصنيعة [¬٢]، ثم بعدها جنب خروف مشوي برغيف درمك؛ فقال [¬٣] هذا طعامي الذي يكثر على فيه لونان، وقت لا أزيد عليهما، ولا سرف في لونين؛ فقال له: أيها القاضي، أمن أصل تقوله؟ قال: نعم، ورفع فيها حديثا لبعض السلف - لم يذكره الراوي.
قال ابن الفرضي: وكان بعيد الحيف في أحكامه، وفيه سلامة (١).
قال غيره: كان كريم العناية، نفاعا لمن صحبه؛ وكان ابن أبي عامر يعظمه ويستحسنه، ويتحرك إليه إذا أتاه، ويجلسه معه في فراشه؛ لم يقبل له ابن زرب يدا قط عند أخذه أهل مملكته بذلك.
ولما بنى ابن أبي عامر جامع الزاهرة [¬٤]، واستشار الفقهاء في التجميع فيه، أفتى القاضي بمنع ذلك، وقال [¬٥] بقوله ابنا
стр. 2089
ذكوان. وابن المكوي، وابن وافد، وابن الفرج الطائي - في جماعة؛ وساعده ابن العطار على التجميع، فاستحيا خلاف ابن زرب، ولم يجمع فيه حتى مات، مجمع حينئذ؛ وأخبار ابن زرب وآدابه كثيرة.
وفاته
توفي ﵀ في رمضان سنة إحدى وثمانين، ومولده في رمضان سنة سبع عشرة وثلاثمائة؛ وتفاقده الناس، وأثنوا عليه حسنا؛ وأظهر ابن أبي عامر لموته غما شديدا، وكتب لورثته كتاب حفظ وعناية [¬١] انتفعوا به؛ وتفقدهم في حياته، واستدعى ابنه محمدا - وهو طفل ابن ثلاثة أعوام، فوصله بثلاثة آلاف دينار، وألطاف قيمتها ألف دينار.
وقال القاضي عريب [¬٢] بن محمد: رأيت ابن زرب بعد وفاته فسألته، فقال: ما وجدت شيئًا أضر من الاختلاف إلى أبواب الملوك.
وقال المقرئ الباغاني: سألته في النوم، فقال: ما وجدت شيئًا أنفع من قراءة القرآن! وكانت مدة ولايته في القضاء أربعة عشر عامًا.
стр. 2090
محمد بن عبيد (١) الله بن الوليد المعيطي أبو بكر (٢)
من أبناء الأشراف، وأعيان الفقهاء الأخيار؛ سمع من أبيه، ووهب، وابن الأحمر، وابن الخراز القروي، وابن سعيد [¬١] (٣)، والمنتجيلي، وأبي إبراهيم الطليطلي.
قال ابن الفرضي: وكان حافظا للفقه، عالما بمذهب مالك وأصحابه؛ قدم إلى المشرق - وهو ابن ثلاثين سنة، وكان ورعا زاهدا، وصار في آخر عمره متبتلا، منقطعا، معتزلا عن جميع الناس (٤).
قال غيره: وكان على بنت القاضي ابن السليم، اطرح الدنيا عندما تمت له، وصارت إليه رئاسة قرطبة بالعلم والشرف والقرب من الخليفة، وصهر قاضي الجماعة؛ فزهد في ذلك كله - في عنفوان شبابه، فلزم بيته واطرح السلطان والفتيا؛ وعهد ضيعته، وباع دابة ركوبه؛ ولزم غرفة باب داره - منفردا
стр. 2091
لعبادة ربه، ويأكل ما يصنع بيده، مثل بقل الفحص وما أشبهه؛ ولبس الصوف، وتوسد الأرض، واعتزل امرأته باختيارها المقام معه، وكان لا يجالس أحدا - ألبتة.
قال القاضي موسى: كان أبو بكر فقيها، قد عني بالحديث والمسائل، وكان ذا رئاسة في العلم والخبر، وشوور وعظم جاهه؛ ثم أوقع الله بنفسه حب الآخرة، والزهد في الدنيا، فزهد في الدنيا، ولزم العبادة إلى أن مات؛ وكان ابتداء تبتله عند انصرافه من دفن أبي بكر البيري الزاهد - صاحبه، وكان يجالسه وهو يسهل الطريق له إلى العبادة بتدريج حتى تم له مراده: فكان يصوم النهار، ويقوم الليل، - حتى مات؛ وكان يخدمه أيام نسكه أبو بكر القرشي الزاهد.
قال القاضي يونس الصفار: قعدت إلى المعيطي في تبتله مرة في الجامع، فوجدته على ما [¬١] عهدته من الانبساط إلي، وكان بيننا المرافقة في طلب العلم، فذاكرته بحديث نقله ابن أبي الدنيا، فيه: أن الشاب إذا صدق في توبته، عجلت منيته؛ فسر به، وسألني أن أرسل إليه بالكتاب الذي وجدته فيه؛ فما عاش بعد ذلك إلا نحو من شهرين ومات، وما رجع إلي الكتاب إلا بعد موته، وكان موته بعد انقباضه سبعة عشر شهرا.
стр. 2092
خبر تأليف كتاب الاستيعاب لقول مالك
كان سقط إلى الحكم أمير المؤمنين كتاب من رأي مالك، ابتدأه بعض أصحاب إسماعيل القاضي، وبوبه وقرره ديوانا جامعا لقول مالك خاصة؛ لا يشاركه فيه قول أحد من أصحابه، باختلاف الرواية عنه، وذكر من رواها؛ (مضى) [¬١] للمؤلف منه مقدار خمسة أجزاء أو نحوها، واخترمته المنية عن إتمامه [¬٢]؛ فلما راه الحكم، أعجبه بسطه [¬٣]، وحرص على إكمال الفائدة به؛ فذاكر به قاضيه ابن السليم، وسأله: هل عندك من يكمله على الرغبة؟ فقال له: نعم، بشرط إباحة أمير المؤمنين خزانة كتبه للبحث عن أقوال مالك - حيث كانت: من رواية المكيين، والمدنيين، والعراقيين، والمصريين، والقرويين، والأندلسيين، وغيرهم؛ فقال له الحكم: أفعل ذلك على ضنانتي بها، حرصا على إكمال الفائدة! فسمى له الفقيهين أبا بكر المعيطي القرشي - هذا، وأبا عمر بن المكوي؛ فمكنهما من الأسمعة وما جانسها، فاقتدرا منها على ما أراداه، وألفا كتاب الاستيعاب الكبير - في مائة جزء، بلغا فيه النهاية؛ وكان
стр. 2093
بين أيديهما وراق [¬١] مجيد [¬٢] لتبييض ما يسودانه؛ فكان ابن المكوي أو أو لا يقدم القرشي لنسبه، ويقدم اسمه عليه فيما يتكلمان فيه، فيقول: قال محمد وأحمد؛ حتى وقع بينهما شيء، فأنف أبو عمر من تقدم اسمه عليه. لسنه وعلمه؛ فجعل يقدم نفسه فيما يكتب ويملي، وعرضه الآخر بمثل ذلك؛ وأنكر الحكم اختلافهما في ذلك، وآثر تقديم القرشي لنسبه، وأمر قاضيه ابن السليم بإصلاح بينهما؛ وجمعهما على ما أمر به، فصلحت حالهما؛ فلما تم الكتاب، سر به؛ ووصل كل واحد منها بألف دينار، ومنديل كتب، وقدمهما إلى الشورى.
وفاته:
واخترم المعيطي قبل أقرانه، فكانت وفاته في ذي القعدة سنة سبع وستين وثلاثمائة، وأبوه عبد الله حي - وهو صلى عليه، وسنه نيف على أربعين سنة؛ مولده سنة تسع وعشرين في صفر منها.
وكان له ابن يسمى عبيد الله، ويكنى بأبي مروان [¬٣]؛ قال ابن حيان: كان حافظا عالما، ورعا فاضلا، عظيم الصدقة،
стр. 2094
من بيت علم، ورفعة، وعبادة؛ بشر بخير قبل موته، وشاوره سليمان المستعين في أيامه؛ وتوفي في ذي القعدة سنة إحدى وأربعمائة [¬١]، وسنه ثلاث وأربعون سنة؛ كذا قال بعضهم: حضرت موت أبي بكر المعيطي - وهو يغسل، إذ نظرت في قبلة حائط بيته مكتوبًا بخطه: من رجا شيئًا طلبه، ومن خاف شيئًا هرب منه؛ فقلت: أنت والله ذلك الطالب الهارب، فنفعك [¬٢] الله بذلك.
أبو عمر أحمد بن عبد الملك الاشبيلي (١)
المعروب بابن المكوي - مولى بني أمية، وسكن قرطبة؛ شيخ فقهاء الأندلسيين في وقته، وتفقه بأبي إبراهيم وصحبه؛ وكان أبو إبراهيم يتفرس فيه النجابة، فحرضه واعتنى به؛ وكان قد حبب إليه الدرس مدة عمره، لا يفتر عنه ليله ونهاره، وجعلت فيه لذته؛ وكان أول أمره ضعيف الحفظ، قليل العلم؛ فلم يزل أبو إبراهيم عليه بالدرب [¬٣] والتحريض على المطالعة،
стр. 2095
وإقامة الدرس، حتى فتح الله عليه؛ وكان أول طلبه مكرًا في معيشته، يتجر في سوق البزازين، لا يفارق في أثناء ذلك المطالعة في جلوسه وحركته؛ فلما شهر في الناس حذقه، واحتاجوا إلى فتواه؛ قلده الحكم الشورى برأي القاضي ابن السليم - سنة خمس وستين وثلاثمائة، فانهال عليه الناس، وشغل بهم؛ فانقطع تجره. وضعفت حاله؛ فأنهى القاضي ابن السليم أمره للحكم، فأخرج له ألف دينار؛ فلما رآها هالته، قال: كنت أرى القيامة قد قامت، وأني أساق إلى العرض؛ فكنت أسير وأجد في نفسي قوة، فإن أمري على دين الإسلام؛ فكنت أوقف بين يدي العرض، فأحاسب يسيرا؛ ثم يقال لي: اقعد، فأنت آمن: ثم يؤتي بصكوك كثيرة، فيقال لي: خذ كتابك، فأقبض يدي؛ ثم الثانية، فلا آخذه؛ ثم الثالثة، فكنت استيقظت [¬١] وبوادري ترجف من الفزع؛ فلم يهنأ بها عيش، فانقطع بعد هذه الرؤيا، ولم تبق في نفسه [¬٢] بقية إلى أن مات.
ذكر أن صديقا له قصده في عيد - زائرًا له، فأصابه داخل داره - وبابه [¬٣] مفتوح، فجلس ينتظره، وأبطأ عليه،
стр. 2096
فأوما [¬١] إليه فخرج - وهو ينظر في كتاب، فلم يشعر بصديقه حتى عثر فيه، لشغل باله بالكتاب؛ فتنبه حينئذ له [¬٢]، وسلم عليه، واعتذر له من احتباسه بشغله بمسألة عويصة لم يمكنه تركها، حتى فتحها [¬٣] الله؛ فقال له الرجل في أيام عيد، ووقت راحة مسنونة؟ فقال: إذا عملت بهذا هذه النفس [¬٤] [الضنة إلى هذه المعرفة، والله] [¬٥] ما لي لذة ولا راحة في غير النظر والقراءة.
قال ابن عنيف: إليه انتهت رئاسة الفقه بالأندلس، حتى صار في مثابة يحيى بن يحيى - في زمانه، واعتلى على جميع الفقهاء، ونفذت الأحكام برأيه [¬٦]، فحكم على الحكام، وبعد صيته بالأندلس، وحاز رئاسة أحاديثها مشهورة؛ وكان ﵀ من ذوى المتانة في دينه، والصلابة في رأيه، والبعد عن هوى نفسه؛ لا يداهن السلطان، ولا يدع صدعه [¬٧] بالحق، كان البعيد والقريب عنده في الحق سواء.
стр. 2097
ذكر مكانه من العلم
قال ابن مفرج: وكان أفقه أهل زمانه، وأنفقهم للرأي؛ وكان أحفظ الناس لمذهب مالك واختلاف أصحابه، لا يلحقه أحد من المتقدمين في عصره، ولا يقوم به أحد من طبقته؛ وكان متفننًا [¬١] في علوم الشريعة، وأطلب الناس لنجاة الناس عند مضايق الفتيا؛ وكان في الحفظ آية من آيات الله، أقر له أصحابه كلهم بذلك، وكانوا يقولون: أبو عمر المكوي أحفظ منا للعلم كثيرًا.
وسمع أبو محمد الشقاق الفقيه يوم دفنه يقول على قبره: رحمك الله يا أبا عمر، فلقد فضحت الفقهاء بقوة حفظك في حياتك، ولتفضحنهم بعد مماتك [¬٢]: أشهد أني ما رأيت أحدًا أحفظ للسنة [¬٣] كحفظك، ولا أعلم [¬٤] من وجوهها كعلمك.
وكان ابن زرب على تقدمه يعترف له بذلك، ولقد قال يومًا [¬٥] لأصحابه - بعد خروجه عنه، وثنائه عليه في وجهه -: يا أصحابنا الحق خير ما قيل، أبو عمر - والله - أحفظ منا كلنا؛ وقد كانت
стр. 2098
أعيتهم مسألة عويصة، سأله القاضي هل يذكرها؟ قال: نعم، في كتاب كذا من المبسوط، في باب كذا - آخر مسألة منه، أو كما قال؛ فطلب منه الكتاب، فإذا بها كما ذكر!
قال غيره: وعلى أبي عمر دارت الفتيا بالأندلس أجمع إلى أن هلك، وكان في ذريته [¬١] فيما جرى على يديه أحد العجائب، وكان ثقابًا [¬٢] في ذهنه وفطنته، لطيف الحيلة في الإصلاح بين الناس.
قال أحمد بن ليث: كان أبو عمر [¬٣] من أهل الحفظ والفهم الثاقب، مع الذكاء والفطنة، وحدة الذهن؛ حتى كان يشبه بإلياس بن معاوية ونظرائه، ظهر له من ذلك في فتاويه أمور عجيبة!
قال القاضي أبو الفضل ﵁: وعظم قدر أبي عمر بالأندلس كلها، وصار مفتيًا [¬٤] لجميع [¬٥] قضاتها وحكامها فيما اختلفوا فيه؛ ودعاه ابن أبي عامر إلى تقلد قضاء الجماعة مرتين، إحداهما عند وفاة ابن زرب، والأخرى عند عزل ابن برطال بعدها [¬٦]؛ فأبى من ذلك في المرتين أشد إباء، وأغلظ القسم أن
стр. 2099
لا يلي قضاء، ولا شيئًا من الأحكام أبدًا؛ وهو الذي أسند إليه الحكم تأليف كتاب الاستيعاب الذي قدمنا ذكره - مع أبي بكر المعيطي.
قال ابن حيان: وكان في أول حاله لم يأخذ نفسه بتثقيف علم اللسان، فذاعت [¬١] في فتاويه غرائب من لحنه، نفاها [¬٢] عليه أصحابه؛ ثم فطن لنفسه آخرًا، فأشاع ذكر مرض حبس نفسه فيه شهرًا كاملا [¬٣]، عاكفًا على كتاب سيبويه، فخرج مكتفيًا [¬٤] من علم النحو [¬٥] لقوة حفظه، وتقرب فهمه، فصلحت حالاته؛ وكان مما أعانه على سعة [¬٦] المطالعة، أنه تخير هو وقوم من الفقهاء صدر خلافة هشام أيام ابن أبي عامر، لامتحان خزانة العلم، وتفتيش ما يعرض فيها من الآفة، وردها إلى مواضعها - مرتبة إلى أشكالها؛ معهم من الفتيان طائفة يتولون ذلك بين أيديهم، فاستجاب أبو عمر لما كلف من ذلك - على بعده من الالتباس بعمل السلطان، لما رجاه في ذلك من المطالعة للغرائب التي جلبها الحكم؛ واقتدر منها على ما لم يقتدر عليه سواه،
стр. 2100
مما كان أبو عمر يتشوق إليه؛ فرغب أبو عمر إلى أصحابها أن يعفوه من مباشرة ما اشتغلوا به من التقليب، ويتركوه والمطالعة؛ فاستوسع في ذلك، وطالت مدة عملهم في ذلك، لكثرة هذه الكتب، ووفور خزائنها - حولا كاملا وفوقه؛ فحصل للشيخ من ذلك ما أمله؛ وكان عظيم التذكر، حسن التحفظ، بطيء النسيان؛ وكان يتكلم عنده يوم الاثنين في الموطأ وما شاكله، ويوم الثلاثاء في المدونة، والمستخرجة، وما جانسهما [¬١]؛ فكان النبلاء من أصحابه، كابن الشقاق، وابن دحون، وأمثالهم من الأكياس والحفاظ، يتظاهرون عليه لينشروا حفظه: فإذا جرت المسألة، وأمعن القول فيها أهل المجلس، ونقضوا وجوه الجواب، وانتهى [¬٢] القول فيها إلى أبي عمر وترجيحه؛ بدر كل من أولئك الحفاظ، إلى ما يقرب به من قولة شاذة، فينصت أبو عمر إلى كل ما يقوله كل منهم، حتى يستوفي كلامهم، ثم يرد على كل واحد فيما أغرب به، ويفصل له امكنته وينبه إلى قائله، ويذكر الإختيار من ذلك من قول الأصحاب، كأنما ينظر في صحيفة؛ ثم يحدد إثر ذلك هو اختياره، فيريهم العجب من كل فعله! [¬٣]
стр. 2101
فقر [¬١] من غرائب فتاويه ونزعاته ﵀ -.
كان أبو عمر لقوة حفظه، وكثرة دربته، لا يمطل بالفتاوي، ولا يطيل حبسها عند نفسه، بل يجيب لوقته أو يومه.
ومن نوادر ما أفتى به أبو عمر، فتواه في امرأة حرة بقرطبة، لها ابنة مملوكة صبية، باعها مولاها من رجل يخرجها عن قرطبة، فشكت أمها ذلك؛ فمنعه من إخراجها، وبيعها على مشتريها؛ وخالفه في ذلك القاضي ابن زرب، وغيره من الفقهاء، فأخذ فيها ابن أبي عامر بقول أبي عمر.
ومنها مسألة وقعت ببلدنا سبتة - وهي إذ ذاك من عمل صاحب الأندلس، وذلك أن الفقيه يحيى بن تمام من أهلها، اشترى حصة من حمام [¬٢] فيه شريك، وأشهد البائع لابن تمام في الظاهر أنه تصدق به عليه، ليقطع شفعة الشريك، فقام الشريك بشفعته، فأفتى الفقهاء بها إذ ذاك كلهم بقطع الشفعة، إذ لا شفعة في الصدقة؛ فقال الشفيع للقاضي: لا أرضى إلا بفتوى فقهاء الحضرة بقرطبة، فوقع إليهم السؤال على وجهه، وبدئ
стр. 2102
بالشيخ أبي عمر، فوقع أسفلها هذا من حيل الفجار، وأرى الشفعة واجبة؛ فلما رأى ابن تمام جوابه، قال: هذا عقاب لا يطار تحت جناحه! والحق خير ما قيل، هات مالي وخذ حمامك.
ومن غرائب فتاويه التي راغم فيها ابن أبي عامر، قصة عبد الملك بن منذر البلوطي - وكان يتولى الرد بقرطبة، وكان هو وأهل بيته من صنائع الحكم؛ فلما تغلب ابن أبي عامر على الأمر، واتخذ لنفسه صنائع، وحجر على هشام الخليفة؛ دوبت قلوب الناس عليه، فكانوا يتربصون به الدوائر، واجتمع جماعة من وجوه الناس على العبث [¬١] بهذا الخليفة المستضعف، والبطش بابن عامر وقتله، والقيام بغيره؛ وكان ابن منذر المتولي لكبر القصة، فوقع ابن أبي عامر على الخبر، وعلى كتاب بخط ابن منذر في القصة؛ وجمع الفقهاء، والقاضي ابن زرب للشورى في أمرهم - وقد أقر ابن منذر بالأمر على نفسه، وأن الكتاب خطه؛ فأفتى بعض الفقهاء فيهم بحكم المحاربة، لما سعوه من الفساد في الأرض؛ وتوقف آخرون، منهم: القاضي؛ وألح ابن أبي عامر على أبي عمر عمر بن المكوي، واضطره إلى القول فيها؛ فقال: ما أرى عليه شيئًا، هو رجل هم بمعصية فلم
стр. 2103
يفعلها، ولم يجرد سيفًا، ولا أخاف سبيلا؛ أنه ممن قال فيه ﵇: أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم؛ فخرج أمر السلطان بصلب ابن المنذر، فنفذ ذلك في الحين: وانقبض ابن المكوي في داره، وادعى مرضًا نحوا من شهرين، ولم يفت أحدًا، ولا خرج لمن أتاه؛ - إنكارًا لما جرى على صاحبهم ابن منذر، وإن لم يؤخذ فيه برأيه، وتوقعًا لشر ابن أبي عامر، إلى أن تقدم العهد، وخشى زيادة وحشة ابن أبي عامر، فعاد لحاله.
ومن غرائب ذكائه وتلطفه، أن بعض الحكام وجه إليه امرأة معها بنية تطلب فرضها من أبيها، والرجل ينكر أن تكون ابنته؛ فلم يزل به يعظه ويخوفه ويستلطفه، ولا نفعته [¬١] رقاه فيه ولا ألوته - وكانت عادته الصبر في مثل هذا، إلى أن أخذ أبو عمر الطفلة وكانت حسنة الصورة، عليها فروة جديدة؛ فأجلسها في حجره، وجعل يمسح عليها، ويثني على حسنها. ويترصد غفلة الرجل: - إلى أن رآه مطرقًا غافلا، وقال: حتى فروها مشاكل لها، أحسن في شرائه، أخلف الله له؛ ثم قال له - مستعجلا -: بكم بالله اشتريته؟ فقال من غير روية: بعشرة درهم، فقال أحسنت ما شئت؛ قم فافرض على بنتك، فأقل ما يلزمك كذا، فخجل الرجل وأذعن.
стр. 2104
ومثل ذلك قصة أخرى في رجلين رفعا إليه من العامة، أحدهما يدعي رق الآخر، وأنه أبق [¬١] منه منذ زمان، حتى علقه الآن - وهو بزي التجار؛ فأخذ الشيخ في إلطافهما ووعظهما. فلا يلقى منهما إلا إصرارًا؛ وتفرس في المدعي قوة أدته إلى طول عرضهما [¬٢]؛ فلعله يظفر ببغيته، فجعل يكلمهما معًا، ومنفردين في الرجوع إلى الحق فلا يغنيه؛ فكان فيما سأل عنه المدعي أن قال له: كيف كان اسمه عندك؟ فقال رزق، قال: فاكتم هذا - وكان قد تسمى بأحمد؛ وعاد إلى شأنه من مراوضتهما، إلى أن أظهر الضجر؛ وقال: اصرفهما يا غلام، وعرف الحكم أني ما أجد على المدعى عليه حجة، ولا شبهة توجب شيئًا غير ضامن يأخذه عليه، إلى أن يظهر غير هذا؛ فانطلقا عنه، وقد علت المدعي فترة أكسبت [¬٣] العبد [¬٤] طمعًا ألقاه في الغفلة، فلما ولوا [¬٥] ظهورهما، ناداه [¬٦] الفقيه: يا رزق، فلباه: نعم يا سيدي؛ فقال له: طال ما عنيتنا [¬٧] يا كذا، أطع مولاك؛ وقال لمولاه: قد بين عبدك فبهت العبد! وانقاد لسيده، فمضى معه.
стр. 2105
وفاته
وتوفي أبو عمر ﵀ أول انبعاث الفتنة البربرية بقرطبة في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعمائة منية الفجأة، ويقال: سبب موته ما جرى على أصحابه: زعماء قرطبة بني ذكوان عند تكبتهم، وتسييرهم عن الأندلس؛ وأعظم الناس ما جرى عليهم وذهلوا، لعظمهم في أنفسهم؛ فيقال إن موته كان بعد [¬١] تسييرهم عن الأندلس بيوم - والله أعلم، مولده سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
وذكر ابن أخيه أبو الأصبغ [¬٢] قال: كان عمي من أشد الناس رضى عن ابن المسيب، وأحرصهم على اقتفاء أثره وسيرته؛ لا يزال يذكره، ويحفظ أخباره، ويثني عليه؛ فلما احتضر، رأيناه يتبسم ويسلم [¬٣]، ويشير بأصبعه ويقول: انزل يا سيدي - رضي الله عنك - إلي، إلي؛ الساعة أقوم معك - بكلام خفي فسئل فقال: هذا سعيد بن المسيب معي جاءني، ثم لفظ ﵀