← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

فقر [¬١] من غرائب فتاويه ونزعاته ﵀ -. كان أبو عمر لقوة حفظه، وكثرة دربته، لا يمطل بالفتاوي، ولا يطيل حبسها عند نفسه، بل يجيب لوقته أو يومه. ومن نوادر ما أفتى به أبو عمر، فتواه في امرأة حرة بقرطبة، لها ابنة مملوكة صبية، باعها مولاها من رجل يخرجها عن قرطبة، فشكت أمها ذلك؛ فمنعه من إخراجها، وبيعها على مشتريها؛ وخالفه في ذلك القاضي ابن زرب، وغيره من الفقهاء، فأخذ فيها ابن أبي عامر بقول أبي عمر. ومنها مسألة وقعت ببلدنا سبتة - وهي إذ ذاك من عمل صاحب الأندلس، وذلك أن الفقيه يحيى بن تمام من أهلها، اشترى حصة من حمام [¬٢] فيه شريك، وأشهد البائع لابن تمام في الظاهر أنه تصدق به عليه، ليقطع شفعة الشريك، فقام الشريك بشفعته، فأفتى الفقهاء بها إذ ذاك كلهم بقطع الشفعة، إذ لا شفعة في الصدقة؛ فقال الشفيع للقاضي: لا أرضى إلا بفتوى فقهاء الحضرة بقرطبة، فوقع إليهم السؤال على وجهه، وبدئ

стр. 2102

بالشيخ أبي عمر، فوقع أسفلها هذا من حيل الفجار، وأرى الشفعة واجبة؛ فلما رأى ابن تمام جوابه، قال: هذا عقاب لا يطار تحت جناحه! والحق خير ما قيل، هات مالي وخذ حمامك. ومن غرائب فتاويه التي راغم فيها ابن أبي عامر، قصة عبد الملك بن منذر البلوطي - وكان يتولى الرد بقرطبة، وكان هو وأهل بيته من صنائع الحكم؛ فلما تغلب ابن أبي عامر على الأمر، واتخذ لنفسه صنائع، وحجر على هشام الخليفة؛ دوبت قلوب الناس عليه، فكانوا يتربصون به الدوائر، واجتمع جماعة من وجوه الناس على العبث [¬١] بهذا الخليفة المستضعف، والبطش بابن عامر وقتله، والقيام بغيره؛ وكان ابن منذر المتولي لكبر القصة، فوقع ابن أبي عامر على الخبر، وعلى كتاب بخط ابن منذر في القصة؛ وجمع الفقهاء، والقاضي ابن زرب للشورى في أمرهم - وقد أقر ابن منذر بالأمر على نفسه، وأن الكتاب خطه؛ فأفتى بعض الفقهاء فيهم بحكم المحاربة، لما سعوه من الفساد في الأرض؛ وتوقف آخرون، منهم: القاضي؛ وألح ابن أبي عامر على أبي عمر عمر بن المكوي، واضطره إلى القول فيها؛ فقال: ما أرى عليه شيئًا، هو رجل هم بمعصية فلم

стр. 2103

يفعلها، ولم يجرد سيفًا، ولا أخاف سبيلا؛ أنه ممن قال فيه ﵇: أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم؛ فخرج أمر السلطان بصلب ابن المنذر، فنفذ ذلك في الحين: وانقبض ابن المكوي في داره، وادعى مرضًا نحوا من شهرين، ولم يفت أحدًا، ولا خرج لمن أتاه؛ - إنكارًا لما جرى على صاحبهم ابن منذر، وإن لم يؤخذ فيه برأيه، وتوقعًا لشر ابن أبي عامر، إلى أن تقدم العهد، وخشى زيادة وحشة ابن أبي عامر، فعاد لحاله. ومن غرائب ذكائه وتلطفه، أن بعض الحكام وجه إليه امرأة معها بنية تطلب فرضها من أبيها، والرجل ينكر أن تكون ابنته؛ فلم يزل به يعظه ويخوفه ويستلطفه، ولا نفعته [¬١] رقاه فيه ولا ألوته - وكانت عادته الصبر في مثل هذا، إلى أن أخذ أبو عمر الطفلة وكانت حسنة الصورة، عليها فروة جديدة؛ فأجلسها في حجره، وجعل يمسح عليها، ويثني على حسنها. ويترصد غفلة الرجل: - إلى أن رآه مطرقًا غافلا، وقال: حتى فروها مشاكل لها، أحسن في شرائه، أخلف الله له؛ ثم قال له - مستعجلا -: بكم بالله اشتريته؟ فقال من غير روية: بعشرة درهم، فقال أحسنت ما شئت؛ قم فافرض على بنتك، فأقل ما يلزمك كذا، فخجل الرجل وأذعن.

стр. 2104

ومثل ذلك قصة أخرى في رجلين رفعا إليه من العامة، أحدهما يدعي رق الآخر، وأنه أبق [¬١] منه منذ زمان، حتى علقه الآن - وهو بزي التجار؛ فأخذ الشيخ في إلطافهما ووعظهما. فلا يلقى منهما إلا إصرارًا؛ وتفرس في المدعي قوة أدته إلى طول عرضهما [¬٢]؛ فلعله يظفر ببغيته، فجعل يكلمهما معًا، ومنفردين في الرجوع إلى الحق فلا يغنيه؛ فكان فيما سأل عنه المدعي أن قال له: كيف كان اسمه عندك؟ فقال رزق، قال: فاكتم هذا - وكان قد تسمى بأحمد؛ وعاد إلى شأنه من مراوضتهما، إلى أن أظهر الضجر؛ وقال: اصرفهما يا غلام، وعرف الحكم أني ما أجد على المدعى عليه حجة، ولا شبهة توجب شيئًا غير ضامن يأخذه عليه، إلى أن يظهر غير هذا؛ فانطلقا عنه، وقد علت المدعي فترة أكسبت [¬٣] العبد [¬٤] طمعًا ألقاه في الغفلة، فلما ولوا [¬٥] ظهورهما، ناداه [¬٦] الفقيه: يا رزق، فلباه: نعم يا سيدي؛ فقال له: طال ما عنيتنا [¬٧] يا كذا، أطع مولاك؛ وقال لمولاه: قد بين عبدك فبهت العبد! وانقاد لسيده، فمضى معه.

стр. 2105

وفاته وتوفي أبو عمر ﵀ أول انبعاث الفتنة البربرية بقرطبة في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعمائة منية الفجأة، ويقال: سبب موته ما جرى على أصحابه: زعماء قرطبة بني ذكوان عند تكبتهم، وتسييرهم عن الأندلس؛ وأعظم الناس ما جرى عليهم وذهلوا، لعظمهم في أنفسهم؛ فيقال إن موته كان بعد [¬١] تسييرهم عن الأندلس بيوم - والله أعلم، مولده سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. وذكر ابن أخيه أبو الأصبغ [¬٢] قال: كان عمي من أشد الناس رضى عن ابن المسيب، وأحرصهم على اقتفاء أثره وسيرته؛ لا يزال يذكره، ويحفظ أخباره، ويثني عليه؛ فلما احتضر، رأيناه يتبسم ويسلم [¬٣]، ويشير بأصبعه ويقول: انزل يا سيدي - رضي الله عنك - إلي، إلي؛ الساعة أقوم معك - بكلام خفي فسئل فقال: هذا سعيد بن المسيب معي جاءني، ثم لفظ ﵀

стр. 2106

وترك ابنًا اسمه عبد الله، ولي قضاء قرطبة أيام بني جهور بعد ولد ابن ذكوان؛ وكان صارمًا في حكومته، عفيفًا مستقيمًا، خلوا من المعرفة، أجلس معه أبو عمر بن القطان لفتواه وتسديد أحكامه، توفي سنة تسع وأربعين. أبو محمد الأصيلي (١) واسمه عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جعفر. قال ابن مفرج: أصله من كورة شذونة، وقال ابن الحذاء: من الجزيرة الخضراء؛ وكان جده من مسالمة أهل الذمة، ورحل به أبوه إلى أصيلا من بلاد العدوة، فسكنها، ونشأ أبو محمد بها، وطلب العلم بالآفاق؛ ويقال: بل ولد بأصيلا - فيما قاله ابن عائذ. قال ابن الفرضي: أخبرني أنه دخل قرطبة سنة اثنين وأربعين وثلاثمائة (٢).

стр. 2107

قال ابن الحذاء: وكان أبوه وراقًا للحكم. قال ابن عائذ: تفقه أبو محمد بقرطبة منذ صباه بشيخها اللؤلؤي، وأبي إبراهيم؛ وسمع ابن حزم، وابن المشاط، والقاضي ابن السليم، وابن الأحمر، وأبان بن عيسى بن دينار الأصغر، ونظرائهم؛ وأخذ عن وهب بن مسرة الحجاري بوادي الحجارة، وعن ابن فحلون ببجانة؛ ورحل إلى المشرق سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة. وقال ابن الفرضي: سنة إحدى وخمسين، فلقي شيوخ إفريقية، كأبي العباس الإبياني التونسي، وأبي العرب التميمي، وعلي بن مسرور، وعبد الله بن أبي زيد، وكتب عنه ابن أبي زيد عن شيوخه الأندلسيين؛ ولقي بمصر القاضي أبا الطاهر البغدادي، وابن رشيق، وحمزة الحافظ، وأبا إسحاق بن شعبان، ومحمد بن عبد الله بن زكرياء النيسابوري، وأبا أحمد بن المفسر، وغيرهم؛ وحج سنة ثلاث وخمسين، فلقي بمكة أبا زيد المروزي، سمع منه البخاري، وأبا بكر الآجري؛ وبالمدينة قاضيها أبا مروان المالكي، وسار إلى العراق، فلقي بها الأبهري رئيس المالكية، فأخذ عنه الأبهري أيضًا؛ وسمع من الدارقطني، وسمع

стр. 2108

منه الدارقطني أيضًا، وقد حدث عنه كثيرًا في كتابه في الرواة عن مالك؛ وسمع بها من أحمد بن يوسف بن خلاد، وأبي علي الصواف، وأبي بكر الشافعي، وغير واحد، واضطرب بالمشرق مدة طويلة. قال أبو عمر بن الحذاء: أقام بالمشرق نحو ثلاثة عشر عامًا أو أكثر، وسمع أيضًا ببغداد من أبي زيد عرضته الثانية في البخاري، وسمعه أيضًا من أبي أحمد الجرجاني؛ قال في كتاب ابن مفرج: وسمع به الحكم وهو بالمشرق مدة طويلة، فأقبل إلى الأندلس، فلما وصل إلى المريه، مات الحكم، فانعكس أمل الأصيلي، وبقي حائرًا هائما [¬١]؛ ثم نهض إلى قرطبة، ونشر بها علمه، فسار ذكره، وشرق بها فقهاء البلد؛ فبقى مدة مضاعًا، حتى هم بالإنصراف إلى المشرق؛ إلى أن عرف ابن أبي عامر مقداره، فنوه به، وأمر باجراء الرزق عليه باسم المقابلة؛ ثم ارتقت حاله إلى أكثر بتقليد الشورى، فنبه حاله. قال غيره: انصرف إلى الأندلس إثر موت الخليفة الحكم سنة ست وستين، فأقام بقرطبة وابن أبي عامر على غاية التعظيم له، وسمع منه عالم كثير وبه تفقه أبو عمران الفاسي، وغيره.

стр. 2109

جمل من ثناء الجلة [¬١] عليه، وذكر علمه وفضله، وشيء [¬٢] من فتاويه واختياراته قال أبو إسحاق الشيرازي: وممن انتهى إليه هذا الأمر من المالكية بالأندلس، أبو محمد الأصيلي، وانتهت إليه الرئاسة. قال ابن عفيف: رحل وتفقه، فاحتوى [¬٣] على علم عظيم، وقدم الأندلس ولا نظير له فيها في الفهم والنبل. قال غيره: كان من جلة العلماء، نسيج وحده، وصل الأمصار، ولقي الرجال، وتفنن في الرأي، ونقد الحديث وعلله، وألف كتبًا نفاعة. قال ابن الفرضي: كان عالما بالكلام، والنظر، منسوبًا إلى معرفة الحديث؛ وجمع كتابًا في اختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة، سماه "الدلائل"، وحفظت عليه أشياء - يعني فيما خالفه فيه أهل الحديث من العقود - فذكرها. قال ابن الحذاء - وذكره: لم ألق مثله في علمه بالحديث ومعانيه وعلله ورجاله.

стр. 2110

وقال ابن المهلب - وذكر مشيخته فقال: فأجلهم علمًا وفهمًا، وأثبتهم نقلا، وأصحهم ضبطًا، وأرفعهم حالا، وأعدلهم قولا، أبو محمد الأصيلي. وقال ابن حيان: كان أبو محمد في حفظ الحديث، ومعرفة الرجال، والإتقان للنقل، والبصر بالنقد، والحفظ للأصول، والحذق برأي أهل المدينة، والقيام بمذهب المالكية، والجدل فيه على أصول البغداديين، فردًا لا نظير له في زمانه؛ بلغني من غير وجه أنه وجد في كتب الدارقطني؛ حدثني أبو محمد الأصيلي - ولم أر مثله. قال غيره: كان الأصيلي من حفاظ رأي مالك، والتكلم على الأصول، وترك التقليد؛ من أعلم الناس في الحديث، وأبصرهم بعلله ورجاله، ويعض أصحابه عليه، ولا يرى أن من خلا من علمه - فقيها على حال. ولما ورد أبو يحيى بن الأشج من أهل المشرق، وكان قد روي كتاب البخاري، سئل إسماعه؟ فقال: لا يراني الله أحدث به - والأصيلي حي أبدًا، فلما مات الأصيلي أسعف.

стр. 2111

قال أبو الوليد: لما دخلت القيروان، أتيت أبا محمد بن أبي زيد، فقال لي [¬١]: حاجتك؟ قلت: الأخذ عنك؛ فقال لي: ألم يقدم عليكم الأصيلي؟ قلت: بلى؛ قال لي: تركت - والله - العلم وراءك، فكيف حاله مع أهل بلده؟ فأخبرته بظلمهم له، فقال: جهلوا ما أتى به. وأتيت القابسي، فجرى معه [¬٢] مثل ذلك، وقال مثل قوله؛ وأحضره ابن أبي عامر في جملة الفقهاء، فاستشارهم في أرض موقوفة على بعض كنائس أهل الذمة أراد شراءها، فمنعه جماعة الفقهاء منه [¬٣] غير الأصيلي وحده، فإنه أفتى فيه [¬٤] بجوازه، واحتج لذلك، فرجع ابن صاعد منهم [¬٥] إلى قوله. والأصيلي أيضًا أفتى ابن أبي عامر بجواز الصلاة في العمارية التي كان يلزم الركوب فيها في أسفاره، وأباحه ذلك في الفريضة دون النزول بالأرض، إذ كانت صلاته إيماء، للوهن [¬٦] الذي أصاب قدميه من علة النقرس؛ وهي إحدى روايتي ابن القاسم في المدونة التي هي أم المذهب، ومنع [¬٧] ذلك حتى يباشر الأرض أرجح.

стр. 2112

وكان يخطئ القول بنبوة مريم - أم عيسى ﵉، ويقول: هي صديقة؛ ويرد القول بإتيان النساء في أعجازهن - كراهة من غير تحريم، على أن الآثار في ذلك شديدة، وقد ورد في بعضها التحريم ولعنة فاعله؛ وكان ينكر الغلو في كرامات الأولياء، ويثبت منها ما صح سنده، أو كان بدعاء الصالحين. وقال المهلب: وكان يعمل بالمزارعة على الثلث والربع، ويرى بذلك ولا يقول بمنعها في المذهب، ويقول: هي ألين [¬١] مسائلنا وأضعفها؛ وحجته حديث معاملة النبي ﷺ أهل خيبر: أن النبي ﷺ عاملهم على أن يزرعوها (ويعملوها) [¬٢]، ولهم شرط ما يخرج منها؛ وما حكى عن عمر وجماعة أهل المدينة. وله كتاب الدلائل، ونوادر حديثه [¬٣]- خمسة [¬٤] أجزاء، والانتصار، ورسالة المواعد المنتجزة، ورسالة الرد على من استحل [¬٥] عن رسول الله ﷺ ، ورسالة الرد على ما شذ فيه الأندلسيون [¬٦]

стр. 2113

بقية أخباره وكانت بين الأصيلي وابن زرب القاضي وأصحابه مشاحنة، أثارتها النفاسة، وعلو كعب الأصيلي في العلم، وإزراؤه عليهم؛ فأراد ابن أبي عامر صلاح حالهم بتفريقهم، فقلد الأصيلي قضاء سرقسطة، فدارت بين الأصيلي وواليها بيد [¬١]: مولى ابن أبي عامر منافسة ومحاربة - لأشياء أنكرها عليه الأصيلي، وكان في خلق الأصيلي حرج وزعارة، فاستعفى من القضاء فعوفي؛ وقيل: بل حلف الوالي أن لا يلي معه، فصرفه ابن أبي عامر عن القضاء صرفًا جميلا، أراه حاجته إلى قربه بالحضرة؛ فأقام رأسًا في أهل الشورى بقرطبة، سيما بعد وفاة ابن زرب، فإنه استكملت رئاسته، حتى كان بالأندلس نظير ابن أبي زيد بالقيروان، وعلى هديه؛ إلا أنه كان فيه ضجر شديد يخرجه أوقات الغيظ إلى غير صفته. ذكر أن بعضهم هنأه بالشورى حين تقلدها، فقال لعن الله الشورى إن لم أرفعها، ولعنني إن رفعتني، أو نحو هذا؛ وأبلغ عن القاضي ابن زرب يومًا كلامًا عرض به، فساءه وحرك منه، وانبعث من ضجره ما شق جيبه غيظًا، وتمثل:

стр. 2114

لبستم ثياب الخز لما كفيتم … ومن قبل لا تدرون من فتح القرى وقوفًا بأطراف الفجاج وخيلنا … تساقى كؤوس الموت تذعر بالقنا فلما أكلتم فيئنا [¬١] بسلاحنا … تحدث مكفي بعيب الذي كفى ويحكى أنه ناظر ابن أبي زيد يومًا في مسألة فأحمر [¬٢] مزاجه، فقال له ابن أبي زيد: قال خلاف قولك فلان [¬٣]؛ فقال: لو قالها فلان ما صدقته، أو لكان [¬٤] خطئًا، أو نحو هذا من الكلام مما أسرف فيه، وغلا [¬٥] بفرط حرجه؛ فانتدب له [¬٦] البراذعي وتولاه، ووجد للمقال سبيلا، وأنكر عليه كل من حضر، ولكن تولى ذلك البراذعي لفرط [¬٧] عجرفته [¬٨] هو أيضًا؛ فخرج الأصيلي، وكان سبب مقاطعته مجلس ابن أبي زيد، فيقال ان ابن أبي زيد قال للبراذعي: لقد حرمتنا فوائد الشيخ بإسرافك في الرد عليه.

стр. 2115

ذكر [¬١] وفاته: توفي ﵀ يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة [¬٢]، (ومولده سنة أربع وعشرين، ويقال سنة اثنين قبلها) [¬٣]، وكان جمعه مشهودًا؛ وجهزه المظفر بن أبي عامر على عادته للنبهاء، أرسل لابنه أكفانًا له وحنوطًا من عنده، ورعاية من مكانه من أبيه المنصور؛ فتقبل ابنه كرامته، وجهز شيخه فيما كان أعده لنفسه، وكان أراد أن يدفن ليلا ولا يعلم بجنازته، فرده عن ذلك صهره ابن أبي صفرة، وأوصى أن يكفن في خمسة أثواب. وكان آخر ما سمع منه لما احتضر قوله: اللهم إنك قد [¬٤] وعدت بالجزاء عند كل مصيبة، ولا مصيبة علي أعظم من نفسي، فأحسن [¬٥] جزائي عنها يا أرحم الراحمين، ثم خفت؛ وكان قد أعد قبره لنفسه، يقف عليه ويتعظ به؛ وكان كثيرًا ما يتخوف [¬٦] من سنة أربعمائة وما يجري فيها من الفتن، فذكر يوما شأنها في مجلسه، ودعا الله أن يتوفاه قبلها وابنه محمدًا، وسأل من

стр. 2116

حضره التأمين، وأن ابنه محمدًا حاضر كاره [¬١]؛ ففعل من حضر ذلك، فأجيب دعاؤه [¬٢]، فتوفي عما قريب - كما ذكرنا، وتوفي ابنه بعده بأعوام؛ وجاءت [¬٣] سنة أربعمائة، فكان فيها من الفتن وخراب الأندلس ما كان. عيسى بن محمد بن عبد الرحمان (١) أبو الأصبغ يعرف بابن الحشا، وبابن المعلم؛ قرطبي، روى عن جماعة من الأندلسيين، ورحل إلى المشرق فلقي الناس، واتسعت معرفته. قال ابن عفيف: كان فقيهًا، من أهل الأدب والعلم، راسخًا في الرأي، بصيرًا بالوثائق، ورعًا منقبضًا، من خيار المسلمين؛ عامرًا للمسجد الجامع في تفقيه الناس وفتياهم، بصيرًا بالاختلاف، جميل اللقاء، إمامًا في مذهب مالك؛ ناظر الجلة في علم السنة، وعلا بغزارة علمه؛ وقدمه ابن زرب للشورى، فانتفع به، ودعي للقضاء مرتين فأبى، ولزم حاله إلى أن مات.

стр. 2117

قال ابن حيان: كان غزير العلم، معتنيًا بالأثر، حسن الأدب والفهم، كثير الحفظ، فصيحًا، عفيفًا، ورعًا، مجانبا السلطان. أداره المظفر والمهدي بعده على القضاء ببعض الكور فأبى، ولم يقدر فيه على شيء، واستهدف لحوقهما، فوقي شرهما؛ وعاتبه ابن ذكوان في ذلك، وكان الذي هدى ابن أبي عامر إلى مكانه، وقال له: ينتفع [¬١] الناس بك؛ فقال: بل مني، وجفاه حينًا؛ ومات ﵀ سنة اثنتين وأربعمائة، فقدم في موضعه [¬٢] للشورى ابن دحون. أحمد بن سعيد بن إبراهيم الهمداني (١) أبو عمر، المعروف بابن الهندي، قرطبي، أخذ عن أبي إبراهيم وطبقته، وسمع محمد بن أبي دليم.

стр. 2118

قال ابن حيان: كان واحدًا في علم الشروط، ولا نظير له، يعترف له بذلك فقهاء الأندلس طرا؛ وله فيها كتاب مفيد جامع، محتو على علم كثير، وفقه جم؛ وعليه اعتماد الحكام والمفتين، وأهل الشروط بالأندلس والمغرب. وقد اختصره جماعة منهم، اعتنى به القنازعي، وابن ذهل [¬١]، وابن عبد الواحد - مع ما أضاف إليه. ولم يكن بالمرضي في دينه، ولا بالمقبول قوله؛ عديم المرؤة، وذكر فيه أشياء منكرة؛ قال: وهو أحد [¬٢] من لاعن زوجته بالأندلس بعهد القاضي ابن السليم، وكان فكها [¬٣]، حسن الحديث. وتوفي في رمضان سنة تسع وتسعين وثلاثمائة - وهو ابن ثمانين سنة، لا أعلم من روى [¬٤] عنه غير أبي بكر بن أبي حمزة [¬٥] بن حاجب، لأنه [¬٦] روي عنه تأليفه.

стр. 2119

محمد بن أحمد بن عبيد (١) الله (٢) المعروف بابن العطار، أبو عبد الله، قرطبي. قال ابن حيان: كان هذا الرجل متفننًا في علوم الإسلام، ربانيًا في الفقه، لا نظير له؛ حاذقا بالشروط، وأملى فيها كتابًا، عليه معول أهل زماننا اليوم؛ وكان يفضل فقهاء وقته بمعرفته بالنحو واللسان، فكان لا يزال يزرى بأصحابه المفتين، ويعجب بما عنده؛ إلى أن تمالؤا عليه بالعداوة، وحملوا قاضيهم ابن زرب على إسقاطه، وقد استفسده بعد أن كان مقدمًا في أصحابه؛ وهو الذي رقاه إلى الشورى أول ولايته، فجرى له مع الفقهاء أخبار كثيرة. وذكره الفقيه أبو عبد الله بن عتاب فقال: ومحل أبي عبد الله في العلم [¬١] معروف، وهو به [¬٢] موصوف؛ ولقد كان فقيهًا موثقًا، لم يحفظ أنه أخذ عليها أجرًا. قال ابن حيان: فلم يزل ابن العطار مع خصاله منقوص الحظ [¬٣]، وكان قد بز [¬٤] فقهاء وقته، مع توافر عددهم أيام ضمهم

стр. 2120

مجلس ابن أبي عامر الذي عقده للمناظرة في موطأ مالك ﵀، فقصر أكثرهم عن شأوه في تدقيق معانيه وغريبه، حتى شرقوا به؛ ولطف أحمد بن ذكوان لمصاحبة [¬١] ابن أبي عامر عنه حتى قطعه، فاستحد إلى جماعتهم، وكان الذي يهيج أحقادهم عليه عجب فيه، وشكاسة في خلقه. وذكر [¬٢] بعضهم أنه حضر مجلس شورى في مسألة اختلف فيها ابن العطار والوتد، وأمسك سائرهم لياذا ابن العطار، إلى (أن خرجا إلى المهاترة، فقام عندها ابن المكوى، والأصيلي، وأصحابه [¬٣]- منصرفين عنهم؛ وزاد الأمر بينهم إلى) [¬٤] أن حذف ابن العطار الوتد بالدواة، فحلف الفقهاء أن لا يحضروا مع ابن العطار مجلس شورى، فكان الحكام يوجهون فيه - وحده - بعدهم. ذكر محنته قال ابن العطار: رأيت في النوم قبل محنتي، كأني أنظر في المرآة، فأرى في جبهتي سطرًا فيه مكتوب: انظر لنفسك أيها الإنسان … سينالك النقصان والشنآن

стр. 2121

وكنت أرى كأن نعشًا يحمل، وموضع الجنازة قلم لي كنت أكتب به عرفته، فكان يدفن في القبر، ويصلى عليه، فترحمت لذلك حتى جرت الحالة. وكان السبب في مطالبة ابن زرب له، ومساعدة أعدائه عليه (أن ابن العطار سبق بالفتح عليه يوم الجمعة في خطبته لوقوف عراه؛ فقال ابن زرب: وكفوا ألسنتكم عن الرفث، فلم يكد يقف، حتى قال له ابن العطار: وقبيح القول، وكانت معهودة من كلام ابن زرب؛) فنظره ابن زرب شزرًا وقال: وزور الكلام، وما عاد لذكر تلك اللفظة الأولى بعدها في خطبته، ومضى في خطبته، وقد توقد عليه غضبًا، شغله في الصلاة فأسقط من القراءة، ففتح عليه ابن العطار أيضًا؛ فكانت سبب تغيره عليه، وأنكر ذلك من فعله، وقال: هل سمعتم بخطيب فتح عليه كأن ذلك الكلام قرآن [¬١] لا يبدل، أو نحو هذا. وسعى ابن العطار في استصلاحه، فلم يقدر؛ واستمسك حاله مديدة بحسن رأي ابن أبي [¬٢] عامر فيه، إلى أن سقط عنه [¬٣]

стр. 2122

لقبه، فأسلمه لابن زرب وأصحابه، وكان ابن العطار قد رد على ابن أبي عامر قولا قاله، وذلك أنه حكى حكاية قال فيها: فلفعه [¬١] بعينيه، أي أصابه بالفاء، ففطن ابن العطار لخطئه، ولم يكن يصبر عليها لتنزهه؛ فاستطرد لذكر [¬٢] حكاية من ذلك المعنى: فلقعه بعينه على الصواب؛ فقطن ابن أبي عامر لمراده [¬٣]، وقال: لو علمنا سقوط الهيبة، لاشترطنا حسن المجالسة؛ يدخل من على الباب من أرباب اللغة، فإذا بصاعد قد مثل، فسأله أوَقد [¬٤] قد كان الأمر ألقى إليه؛ فقال: يقال بالقاف والفاء، والقاف أشهرهما [¬٥]؛ فأخذها ابن أبي عامر حجة، وأقبل على توبيخ ابن العطار وتبكيته، وأمر بإخراجه، ومكن منه أعداءه [¬٦]؛ فقاموا في ذلك، وحمل ابن زرب على كشف معايبه، والشاهد بما عندهم فيه؛ فأتوا من ذلك بما أراده، إلا قومًا [¬٧]؛ منهم: ابن المكوي، وابن صاعد، فأبوا ذلك وأنكروه، وسجل شهادتهم تلك - وقد حوت عظائم من الجرح، اقتضت إسقاطه عن الشورى والشهادة،

стр. 2123

وأمضى ذلك ابن أبي عامر عليه، وأوعد إليه بالانقباض عن الناس، وإغلاق بابه، فجرى عليه مكروه عظيم؛ ولم يزل ابن المكوي يذكر ما جرى عليه، ويتشنع ما شهد به عليه فيه حتى غمض ابن زرب بسببه؛ وقال: رفعه لغير الله، ووضعه لغير الله؛ وقال - حين دعي للشهادة (عليه) [¬١] ما أعلم فيه جرحة أشهد بها، مع أنه [¬٢] كان يؤذيني في مجالس الشورى بلسانه؛ ولما نفذ السجل عليه، كتب إلى المنصور بن أبي عامر: بالله والحاجب المنصور أعتصم … من حاسد وبنصر الله أنتقم الظلم فيما رويناه ونعلمه … يوم الحساب على أربابه ظلم والإفك والبغي معدولان عن رجل … له حشاشة دين أو له كرم هل من رأى عجبًا مثلي ومثلهم … بأن تعاوره الغربان والرخم وما لنا عندهم ذنب سوى حسد … نيرانه داخل الأحشاء تضطرم وهي طويلة، تشكى فيها للمنصور، ومدحه وتلطفه؛ فدس فيها الوتد (عدوه) [¬٣] بيتًا في ذم القاضي ابن زرب أحفظه؛ وكان يقول: لو كنت شاعرًا لأجبته، فأجابه: الوتد على لسانه في الروي والقافية - ناقضه [¬٤] فيه [¬٥] وأفحش له.

стр. 2124

ويقال إن ابن أبي عامر لم يهن عليه ما بلغ منه، ولكنه استحيا قاضيه ابن زرب، ولم يمكنه من الحمية؛ واستأذن للحج، فأذن له، فرحل وقضى فرضه؛ واجتمع في طريقه هذا بجماعة من علماء الأمصار، فاعترفوا بفضله، وذكر في كتابه، وجرت له معهم أثناء ذلك قصص من هناته [¬١]. فيحكي أنه سأل أبا محمد بن أبي زيد بالقيروان يومًا عن صلاة الناس بصلاة الامام على قعيقعان، وأبي قبيس؛ فأجابه بالجواب المنصوص في المسألة: أنه لا يجوز، فسأله من قال هذا؟ أو كيف قال؟ فاحتج بنص المسألة في المدونة وذكرها، فقال له: إنما وقعت مسألة المدونة إذا صلى المأموم هنالك بصلاة الإمام في الحرم، ولم أسألك عن هذا، وإنما سألتك عن مسألة إذا كان الإمام والمأموم جميعًا هنالك، وهذا ما لا يخالف فيه أحد ولا يمنعه؛ ففطن الشيخ لما أراد من تعنيته، وأضرب عن كلامه في المسألة، إذ لم يظن به هذا، وإنما أجابه على المسألة المعروفة؛ ثم انصرف - وقد مات ابن زرب، وقد كملت خصاله، ونقصت شكاسة خلقه، وكبر سنه، واعتدلت حاله؛ فلاطف ابن أبي

стр. 2125

عامر، فأنعشه [¬١] ورغب (فيه) [¬٢]؛ فحكي أنه قال يومًا لأهل مجلسه إثر خروج ابن العطار: إني لأستحيي من هذا الرجل، لوددت أن [¬٣] لو تهيأ صرفه لحاله، وإباحة المسلمين الانتفاع به؛ فقال له بعضهم: وما يمنع من ذلك - إذا أردته؟ قال: وكيف يحل سجل [¬٤] ابن زرب؟ فقال المتكلم: ليس يحل، وإنما يعارض بالشهادة لابن العطار باستقامة أحواله، وزيادته في الخير بعد التسجيل، وأنه أهل للفتوى؛ فأنفذ إلى ابن الشرفي صاحب الشرطة - النظر في القصة، فأظهرت وثيقة بصلاح ابن العطار، واعتدال طريقته، وصحة نزوعه عما نقم عليه، واقتدائه بالسلف؛ شهد فيها ثقاتهم وعلماؤهم، وقل من توقف عن الشهادة فيها؛ وثبتت عند ابن الشرفي، ورفعت إلى المنصور؛ فجمع أهل العلم، فرأوا إسقاط السخطة عنه، ورده إلى أفضل أحواله؛ فنفذ عهد المؤيد إلى القاضي ابن برطال بإعادته إلى حاله، واستقل من نكبته، ولزم القاضي وكبر عنده، ولولده ألف كتابه في الوثائق المعروف؛ وأفرده ابن أبي عامر بالفتوى في أمور الجباية بين العمال

стр. 2126

والرعية؛ وكان ممن أفتاه بالتجميع بجامع قصر الزاهرة، وخالف في ذلك أصحابه، والتزم الصلاة معه فيه بقية مدته، والجلوس فيه للاقراء؛ وأقصر ذلك من غلوائه، إلا قوارص يدسها في أصحابه خلال الفتوى بفضل [¬١] وزيادة أذية [¬٢]؛ وكان أنفرهم [¬٣] له أحمد بن ذكوان، وبخاصة لما ولي القضاء، فإنه غص منه غصًا [¬٤] شديدًا، وجعل ينكر صرفه إلى الفتوى بعد التسجيل؛ فجرت بينهما خطوب، وعلا شأن ابن ذكوان أيام عبد الملك المظفر، فازدادت غضاضة ابن العطار، ودب ابن العطار لمطالبة ابن ذكوان أيام المهدي، فأعجلته المنية قبل تمكنه من ذلك. فصل من نوادر ابن العطار وملحه سئل ابن العطار عن مسألة من السهو في الصلاة، فأفتى فيها بسجود السهو، فقال السائل: إن أصبغ بن الفرج الطائي لم ير علي سجودًا، فرد عليه ابن العطار: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (١).

стр. 2127

وبلغه أن ابن المكوي لم يشهد عليه حين دعي الناس للشهادة بجرحته، فقال: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ (١)، من قول الله تعالى، وكل إناء ينضح بما فيه من قول العرب، والأمور بيد الله لا شريك له في حكمه. ولما سمع ابن العطار أن ابن صاعد لم يشهد عليه، قال: هون عليك بأيسر الخطب … فالله فيما حاولوا حسبي فكان ابن صاعد [¬١] يقول: من عذيري من ابن العطار؟ ما وجدت في رضاه حيلة! ولما بلغه ما شهد به عليه، قال: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (٢). وذكر ابن صاعد يومًا لابن العطار، فاستنقص حفظه، فبلغ ابن صاعد؛ فقال: ما الذي أصنع معه؟ سالمته فلم أسلم! فقال ابن العطار: إن كان خالف الحق، فقد أثم؛ وإن كان خالف المبين، فقد ظلم.

стр. 2128

وجاءت جارية شاطرة ناشزة على زوجها، فقالت له: يا فقيه، الحب إذا سقط، كيف يلتقط؟ فقال لها: باللمم، يبرأ الألم؛ وفي التعليل، شفاء الغليل. وكان المنصور أمره بالمصير إليه في كل يوم ثلاثاء يذاكره ويحدثه، فحضر يومًا منها، وتعذر عليه الوصول لشغل المنصور، فكتب إليه: يا من حكى هديه لنا السلف … عبدك بالباب سائل يقف كل ثلاثاء يوم رؤيته … وهي العلا والفخار والشرف يدعو لك الله في البقاء … وفي التأييد والنصر [¬١] ثم ينصرف وكتب أبو بكر الزبيدي إلى ابن العطار: يا عليمًا بكل علم علي [¬٢] … ناظرًا فيه من عيان خفي [¬٣] هل تجوز الصلاة خلف إمام … ألكن أو تجوز خلف الخصي فأجابه ابن العطار: لا تجوز الصلاة خلف إمام … ألكن بالقرآن فدع [¬٤] غبي وتجوز الصلاة في الغب [¬٥] ما لم … يتصل منه ذاك خلف الخصي نسأل الله أن يوفق للحق … بفعل ومنظق مرضي

стр. 2129

وفاته توفي ابن العطار عقب ذي الحجة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وكان جمعه عظيمًا؛ وانتاب قبره طلاب العلم أيامًا، ختم قراؤهم [¬١] على قبره ختمات توزعوها، وذلك أمر لم يعهد قبل بالأندلس، [وصلى عليه القاضي أبو العباس بن ذكوان] [¬٢]. موسى الوتد (١) هو موسى بن أحمد، ويقال: محمد بن سعيد بن الحسن اليحصبي (٢)، قرطبي، يعرف بالوتد، ويكنى بأبي محمد. سمع من قاسم بن محمد، وأحمد بن مطرف، ومحمد بن يحيى بن عبد العزيز، ونظائرهم؛ وكان بصيرًا بالشروط، نبيلا فيها، حافظًا، يقظًا [¬٣]، حازمًا في أموره، حسن المعاملة من إخوانه؛ [¬٤] وله حظ من تعبير الرؤيا، كتب لمحمد بن برطال أيام قضائه،

стр. 2130

وقلد الشورى، وتصرف في رفع كتب المظالم، وأصحاب الحوائج إلى المنصور، ونوظر عليه في الفقه، وحدث. قال ابن الفرضي، وكان ينسب إليه تخليط كثير، عرف منه وشهر به (١). وتوفي في ربيع الأول سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. أصبغ بن الفرج بن فارس الطائي (٢) قرطبي، أحد أكابر [¬١] علماء قرطبة، وزعمائها، ومفتيها [¬٢]؛ قال ابن مفرج: كان فقيهًا، جليلا في الدولة العامرية، حافظًا بالمسائل، بصيرًا برأي مالك وأصحابه، عارفًا بالوثائق؛ ورحل فحج، ولقي الناس بالمشرق، وكان من أكرم الناس عناية، وأعلاهم همة؛ ولي قضاء بطليوس وثغورها، فحسنت سيرته؛ ثم لحقته من ابن أبي عامر غضاضة، بسبب مخالفته لهواه في الفتيا بالتجميع في الجامع الذي بناه في مدينته [¬٣] بطرف قرطبة الشرقي، المسماة بالزاهرة؛ فإنه استشار في التجميع فيه الفقهاء، فمنعه

стр. 2131

من ذلك أكثرهم، إذ لا يجمع في مصر واحد في جامعين، ومضى أكثرهم على ذلك؛ وأفتى ابن العطار - في قليل منهم - بجواز ذلك لاتساع البلد، وعجز كثير ممن يسكن هنالك عن الوصول إلى الجامع الأول، حتى قاسوا ما بين المسجدين على أبعد النظرين بينهما، فوجدوه نحو الفرسخ؛ فامتثل ابن أبي عامر رأي من أجازه؛ على أنه لم يجمع به حتى مات قاضيه ابن زرب، وذهب من يستحيا منه؛ ودعا ابن أبي عامر أصبغ هذا إلى تولي الصلاة والخطبة بأهله، وكان ممن لم يرد ذلك، فامتنع وقال: سبحان الله يا منصور! أنا لا أرى إقامة الجمعة [¬١] به، فكيف أقوم بها - والعوض [¬٢] مني كثير؟ فألزمه المنصور ذلك، وأظهر [¬٣] إكراهه عليه: فلج [¬٤] وامتنع، وأقسم على ذلك ولو ناله العقاب؛ فسخط عليه المنصور عندها، وعزله عن القضاء والفتيا، إلا أنه سلم من أذاه، وعاش بقية عمره مصونًا، إلى أن مضى بسبيله؛ وكان ممن سخط عليه المنصور لذلك أيضًا، أبو بكر بن واقد؛ فأسقطه عن الشورى والشهادة [¬٥]، وألزمه داره، واحتمل الباقين [¬٦]

стр. 2132

من ابني ذكوان، والأصيلي، وابن المكوي، وابن صاعد، وابن حي [¬١]، وابن الصفار، فلم يغير عليهم شيئًا؛ وجمع ابن العطار في هذا الجامع، وجلس للفتيا والتعليم والتفقيه، وانفرد بالفتيا بين العمال والرعية، وجعل قوم من رؤساء الفقهاء من سكان الربض الشرقي - جوار هذا الجامع - يشهدون الصلاة فيه [¬٢] ويعيدونها، (استلالا) [¬٣] لحقد ابن أبي عامر؛ منهم: الأصيلي، وابن صاعد، وابن الصفار، وابن حي؛ ولم يتصنع لذلك [¬٤] ابنا ذكوان - ثقة بمكانهما من ابن أبي عامر، فكان إذا احتاجهما [¬٥] دعاهما اثر الصلاة. وتوفي أصبغ بن الفرج [¬٦] سنة سبع وتسعين (١). عبد الرحمان بن محمد بن يحيى بن صاعد بن وثيق (٢) أبو المطرف يقال جده صاعد معتق بني عبيدة، قرطبي، سمع بها من ابن الأحمر، وابن عيسى، وابن الخراز، وغيرهم؛ ورحل إلى

стр. 2133

المشرق. فسمع من ابن أبي الطيب الجريري [¬١]، وابن رشيق، وابن جهضم، وغيرهم؛ وبالقيروان من ابن أبي زيد، والقابسي. قال ابن الفرضي: وعني بحفظ الرأي والفقه في المسائل، وقدم الشورى أيام ابن زرب؛ وكان حليمًا، أديبًا [¬٢]، نزها عن المطامع، وولي قضاء شذونة، ثم استعفى (١). قال ابن حيان: كان من أهل العلم والفقه والدماثة. قال ابن مفرج: كان فقيها، فاضلا، أديبًا، دينا، فهما، حافظًا، كريم الأخلاق، وحسن الصحبة؛ ذا أدب بارع، وجاه باذخ، كثير الصلاة والصدقة، والبكاء والخشية؛ كتب إليه بعض إخوانه: أيا عالمًا فاق الأنام بعلمه … وأربى عليهم بالنهى والفضائل فديتك هل يجري الطلاق لذاهل … فرد فأنت اليوم قطب المسائل

стр. 2134

فأجابه: إذا كان ذا فهم فطلق زوجه … فقد لزم التطليق يا خير سائل فإن كان معتوها ولا عقل عنده … يقينًا فلا يمضي طلاق لذاهل وتوفي سنة تسعين - وهو كهل ابن تسع وأربعين سنة. أبو العاصي أمية بن أحمد بن حمزة القرشي المرواني (١) قرطبي، كانت له من ابن أبي عامر خاصة، وكان يثقه؛ وشاوره ابن زرب في الأحكام، وكان من وجوه أصحابه؛ وولي الشرطة والأحكام، فجلس لذلك في الجامع؛ وكان شديدًا، سالما انتفع به. قال ابن حيان: كان حسن الحفظ للمسائل، من أعجب العجائب في التعفف [¬١] مع الغفلة؛ تولى لابن أبي عامر من وجوه الإنفاق في سبيل الأمانات: من بناء الجوامع، والحصون، وتفريق الصدقات ما لا إحصاء له؛ فما تعلق منه بمثقال ذرة، ولا ازداد كسبه درجة.

стр. 2135

قال ابن الفرضي: كان متأخرًا في علمه وعقله، ومن غريب غفلاته، أنه صرف إلى المنصور يومًا [¬١] درهمين - زعم من صدقة دفعها إليه يفرقها، وأنه لم يجد لمن يدفعها لعمومه أهل الحاجة، فاستضحك المنصور (١). محمد بن أحمد بن محمد بن قادم بن زيد (٢). قرطبي، مشهور، أبو عبد الله سمع من قاسم بن أصبغ، وغير واحد؛ ورحل وسع ببغداد أبا بكر الشافعي، وابن حمدان، والصواف [¬٢]. وأخذ من السيرافي؛ وسمع أيضًا بالبصرة من غير واحد، وبمصر من ابن الورد، وحمزة. وابن أبي التمام؛ وتفقه عند ابن شعبان، وكان ينتحل مذهب مالك؛ وكان شاعرًا محسنًا، أديبًا، حافظًا للخبر، وهذا كان الغالب عليه. قال ابن الفرضي: وكان مضعوفًا [¬٣]، غير ضابط لنفسه ولا للسانه؛ وذكر أنه كان ناصبيًا [¬٤]، وكتب عنه غير واحد؛ قال: وما كان أهلا لذلك؛ توفي سنة ثمان وثمانين (٣).

стр. 2136

أحمد بن محمد بن عبد الله بن هانئ العطار (١) المعروف بابن اللباد، قرطبي، يكنى بأبي عمر؛ سمع هو وأبوه من قاسم بن أصبغ، وكان أبوه أحد العدول، وكتب عنه. قال ابن الفرضي: وكان أحمد فقيها، وقد كتب عنه أيضًا؛ ومات - وأبوه حي، وتوفي أبوه سنة خمس وسبعين (٢). محمد بن وازع بن محمد الضرير (٣) يكنى أبا عبد الله، قرطبي له رحلة سمع فيها من القاضي المرواني بالمدينة، ومن الخزاعي بمكة، ومن الهجيمي بالبصرة. قال ابن الفرضي: وكان الهجيمي - يومئذ - ابن مائة سنة وأربع سنين، وبقي بعد سماعه منه عامًا؛ وسمع ببغداد من الأبهري أبي بكر [¬١]، وأخذ عنه كتبه؛ وسمع من غيره، وانصرف إلى الأندلس؛ وكف بصره، فقريء عليه بعض كتب الأبهري، وغير ذلك. قال ابن الحذاء: كان فقيهًا أديبًا حلوا؛ وهو أول من أدخل كتب الأبهري، وابن أبي زيد قرطبة؛ حدث عنه ابن الفرضي وغيره.

стр. 2137

قال القاضي أبو الفضل ﵀: الذي عرفته وذكره أئمة الصنعة، أن أبا إسحاق إبراهيم بن علي الهجيمي توفي - وهو ابن مائة سنة وثلاث سنين، وأنه لم يحدث حتى تمت له مائة سنة؛ وذلك أنه كان رأى في منامه تعمم ودور على رأسه مائة وثلاث دورات، فعبر له أنه يعيش هذا العدد من السنين، فلم يحدث حتى بلغ المائة؛ ثم حدث فأراد السامعون اختبار عقله - لعلو سنه، فقرأ عليه القاريء يوما: إن الجبان [¬١] حتفه من فوقه … كالكلب يحمي جلده بروقه فقال العجيمي: قل الثور يا ثور! فإن الكلب لا روق له؛ فسر الناس بثباته، وصحة عقله؛ وكان الهجيمي يروي عن القاضي إسماعيل كتبه، وعن غيره من الجلة ﵀. وتوفي ابن وازع سنة ثلاث وسبعين، وقيل أربع - وهو ابن ستين سنة. قاضي القضاة أبو العباس بن ذكوان (١) واسمه أحمد بن عبد الله بن هرثمة [¬٢] بن ذكوان بن عبد الله، بن عبدوس بن ذكوان الأموي.

стр. 2138

قال ابن الفرضي: أصلهم من جيان (١). قال ابن حيّان: أصلهم - فيما يقال - من برابرة فحص البلوط، ويتولون بني أمية؛ فلما انقرضت دولة بني أمية. انتموا في قيس عيلان [¬١] بن سليم؛ وكان أبوه أبو بكر عبد الله من أهل العلم، ولي خطة الرد بقرطبة - بعد صلب [¬٢] عبد الملك بن منذر - صاحب الرد، وله مكانة من المنصور، سمع قاسم بن أصبغ، وأحمد بن عبادة، ونظرائهم. قال ابن الفرضي: وكان عاقلا، أديبًا، عالما باللغة والنحو، حافظًا للمشاهد والأيام، ذا مروءة وافرة؛ وكانت وفاته سنة سبعين وثلاثمائة (٢). ونشأ ابنه هذا أبو العباس أكمل رجالات الأندلس وأتمهم عقلا، كان من جلة أصحاب ابن زرب، وهو قدمه للشورى؛ ثم ولاه ابن أبي عامر عند وفاة أبيه خطة الرد، ثم قضاء الجماعة عند عزل ابن برطال.

стр. 2139

قال ابن حيّان: وكان صارمًا في حكمه، محمود الطريقة، عاقلا، عالمًا بمذاهب المالكية [¬١]، ذا عفاف ونزاهة، وبراءة [¬٢] من الريبة، وبعد همة. وفرط هيبة؛ فلقد كان في هذا الباب في مرتبة الخليفة، ولم يقدر [¬٣] أحد ينقصه منها قلامة - على اختلاف الدول، وحلول الفتن؛ إلى أن فارق الحياة - وهو أعلى الناس محلا. وذكر أبو الخيار الشنتريني الداودي أبا العباس - وكان ما بينهما سيئا، فقال: أبو العباس وما أبو العباس؟ نظر في الفقه - على مذهب مالك، فأدرك طرفًا منه إلا أنه لم يستبحر في الحفظ، واكتسب بالدربة الحذق في الحكومة؛ وكان مع ذلك صليبًا، فهما، بعيدًا من المداراة [¬٤] حادبًا للناس إجلاله عن مذاكرته، فلاذوا من مناظرته بالتسليم والموافقة [¬٥]، وتحاموا سؤاله، إلا أن يبدأ من ذلك بشيء، وكان أكبر ما فيه عقله ورأيه. ولايته القضاء وخبره فيها مع العامرية وسيرته قد قدمنا أن الذي ولاه القضاء، المنصور بن أبي عامر، وكان من جملة أصحابه وخواصه؛ ومحله منه فوق محل الوزراء، يفاوضه في تدبير الملك وسائر شؤونه، لم يتخلف عنه في غزاة

стр. 2140

من غزواته، ولا فارقه في ظعن ولا إقامة؛ وكذلك كان حاله مع ولديه المظفر، والمأمون بعده قد تيمنوا برأيه، وعرفوا النجاح في مشورته؛ وكان له داخل القصر بيت خاص به، يأتيه آخر النهار فيجلس فيه - إلى أن يخرج إليه ابن أبي عامر، فيفاوضه في جميع ما يحتاج إليه، وربما بات عنده؛ وبحسبها كانت حاله معه [¬١] في أسفاره، وكان حاط هذه الحال عنده بالنزاهة وخفة [¬٢] الوطأة؛ حتى قيل إنه ما سأله قط - على مكانته منه - حاجة لنفسه ولا لغيره بتصريح، مع كثرة ما انقضت على يديه من حوائج الناس، بل كان يعرض ما يحتاج إليه عرضًا كالمنكر أو المستحسن [¬٣]، بطرد [¬٤] البحث عنها؛ وكانت الصلاة والخطبة أيامه لإبراهيم بن الشرقي الحاكم، إلى أن فلج فجمعت مع القضاء لابن ذكوان؛ ولم يزل على هذا إلى أن هلك المنصور وولي ابنه المظفر، فزاده أثرة، إلى أن فسد ما بين القاضي وبين وزير الدولة عيسى بن سعيد، بسبب فسخ شراء ضيعة اشتراها عيسى من ولد ابن السليم السفيه، قضى ابن ذكوان بردها إلى السفيه وفسخ بيعه؛ فالتحمت بينهما العداوة، وتحيل [¬٥] عيسى في طلب ابن ذكوان
следующие страницы →