← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

أحمد بن محمد بن عبد الله بن هانئ العطار (١) المعروف بابن اللباد، قرطبي، يكنى بأبي عمر؛ سمع هو وأبوه من قاسم بن أصبغ، وكان أبوه أحد العدول، وكتب عنه. قال ابن الفرضي: وكان أحمد فقيها، وقد كتب عنه أيضًا؛ ومات - وأبوه حي، وتوفي أبوه سنة خمس وسبعين (٢). محمد بن وازع بن محمد الضرير (٣) يكنى أبا عبد الله، قرطبي له رحلة سمع فيها من القاضي المرواني بالمدينة، ومن الخزاعي بمكة، ومن الهجيمي بالبصرة. قال ابن الفرضي: وكان الهجيمي - يومئذ - ابن مائة سنة وأربع سنين، وبقي بعد سماعه منه عامًا؛ وسمع ببغداد من الأبهري أبي بكر [¬١]، وأخذ عنه كتبه؛ وسمع من غيره، وانصرف إلى الأندلس؛ وكف بصره، فقريء عليه بعض كتب الأبهري، وغير ذلك. قال ابن الحذاء: كان فقيهًا أديبًا حلوا؛ وهو أول من أدخل كتب الأبهري، وابن أبي زيد قرطبة؛ حدث عنه ابن الفرضي وغيره.

стр. 2137

قال القاضي أبو الفضل ﵀: الذي عرفته وذكره أئمة الصنعة، أن أبا إسحاق إبراهيم بن علي الهجيمي توفي - وهو ابن مائة سنة وثلاث سنين، وأنه لم يحدث حتى تمت له مائة سنة؛ وذلك أنه كان رأى في منامه تعمم ودور على رأسه مائة وثلاث دورات، فعبر له أنه يعيش هذا العدد من السنين، فلم يحدث حتى بلغ المائة؛ ثم حدث فأراد السامعون اختبار عقله - لعلو سنه، فقرأ عليه القاريء يوما: إن الجبان [¬١] حتفه من فوقه … كالكلب يحمي جلده بروقه فقال العجيمي: قل الثور يا ثور! فإن الكلب لا روق له؛ فسر الناس بثباته، وصحة عقله؛ وكان الهجيمي يروي عن القاضي إسماعيل كتبه، وعن غيره من الجلة ﵀. وتوفي ابن وازع سنة ثلاث وسبعين، وقيل أربع - وهو ابن ستين سنة. قاضي القضاة أبو العباس بن ذكوان (١) واسمه أحمد بن عبد الله بن هرثمة [¬٢] بن ذكوان بن عبد الله، بن عبدوس بن ذكوان الأموي.

стр. 2138

قال ابن الفرضي: أصلهم من جيان (١). قال ابن حيّان: أصلهم - فيما يقال - من برابرة فحص البلوط، ويتولون بني أمية؛ فلما انقرضت دولة بني أمية. انتموا في قيس عيلان [¬١] بن سليم؛ وكان أبوه أبو بكر عبد الله من أهل العلم، ولي خطة الرد بقرطبة - بعد صلب [¬٢] عبد الملك بن منذر - صاحب الرد، وله مكانة من المنصور، سمع قاسم بن أصبغ، وأحمد بن عبادة، ونظرائهم. قال ابن الفرضي: وكان عاقلا، أديبًا، عالما باللغة والنحو، حافظًا للمشاهد والأيام، ذا مروءة وافرة؛ وكانت وفاته سنة سبعين وثلاثمائة (٢). ونشأ ابنه هذا أبو العباس أكمل رجالات الأندلس وأتمهم عقلا، كان من جلة أصحاب ابن زرب، وهو قدمه للشورى؛ ثم ولاه ابن أبي عامر عند وفاة أبيه خطة الرد، ثم قضاء الجماعة عند عزل ابن برطال.

стр. 2139

قال ابن حيّان: وكان صارمًا في حكمه، محمود الطريقة، عاقلا، عالمًا بمذاهب المالكية [¬١]، ذا عفاف ونزاهة، وبراءة [¬٢] من الريبة، وبعد همة. وفرط هيبة؛ فلقد كان في هذا الباب في مرتبة الخليفة، ولم يقدر [¬٣] أحد ينقصه منها قلامة - على اختلاف الدول، وحلول الفتن؛ إلى أن فارق الحياة - وهو أعلى الناس محلا. وذكر أبو الخيار الشنتريني الداودي أبا العباس - وكان ما بينهما سيئا، فقال: أبو العباس وما أبو العباس؟ نظر في الفقه - على مذهب مالك، فأدرك طرفًا منه إلا أنه لم يستبحر في الحفظ، واكتسب بالدربة الحذق في الحكومة؛ وكان مع ذلك صليبًا، فهما، بعيدًا من المداراة [¬٤] حادبًا للناس إجلاله عن مذاكرته، فلاذوا من مناظرته بالتسليم والموافقة [¬٥]، وتحاموا سؤاله، إلا أن يبدأ من ذلك بشيء، وكان أكبر ما فيه عقله ورأيه. ولايته القضاء وخبره فيها مع العامرية وسيرته قد قدمنا أن الذي ولاه القضاء، المنصور بن أبي عامر، وكان من جملة أصحابه وخواصه؛ ومحله منه فوق محل الوزراء، يفاوضه في تدبير الملك وسائر شؤونه، لم يتخلف عنه في غزاة

стр. 2140

من غزواته، ولا فارقه في ظعن ولا إقامة؛ وكذلك كان حاله مع ولديه المظفر، والمأمون بعده قد تيمنوا برأيه، وعرفوا النجاح في مشورته؛ وكان له داخل القصر بيت خاص به، يأتيه آخر النهار فيجلس فيه - إلى أن يخرج إليه ابن أبي عامر، فيفاوضه في جميع ما يحتاج إليه، وربما بات عنده؛ وبحسبها كانت حاله معه [¬١] في أسفاره، وكان حاط هذه الحال عنده بالنزاهة وخفة [¬٢] الوطأة؛ حتى قيل إنه ما سأله قط - على مكانته منه - حاجة لنفسه ولا لغيره بتصريح، مع كثرة ما انقضت على يديه من حوائج الناس، بل كان يعرض ما يحتاج إليه عرضًا كالمنكر أو المستحسن [¬٣]، بطرد [¬٤] البحث عنها؛ وكانت الصلاة والخطبة أيامه لإبراهيم بن الشرقي الحاكم، إلى أن فلج فجمعت مع القضاء لابن ذكوان؛ ولم يزل على هذا إلى أن هلك المنصور وولي ابنه المظفر، فزاده أثرة، إلى أن فسد ما بين القاضي وبين وزير الدولة عيسى بن سعيد، بسبب فسخ شراء ضيعة اشتراها عيسى من ولد ابن السليم السفيه، قضى ابن ذكوان بردها إلى السفيه وفسخ بيعه؛ فالتحمت بينهما العداوة، وتحيل [¬٥] عيسى في طلب ابن ذكوان

стр. 2141

وجوه الحيلة، إلى أن أوقع المظفر بخادمه الغالب على أمره طرفة، فسعي به عيسى، وكانت لابن ذكوان من طرفة هذا ألطف منزلة؛ ونسب عيسى طرفة وأصحابه إلى القدح في الملك، فقتل طرفة، ونكب أشباهه [¬١]، واشتملت التهمة على بني ذكوان خاصة؛ ووجد عيسى للمقال سبيلا، فصرف المظفر أبا العباس بن ذكوان عن القضاء والصلاة، وصرف آخاه أبا حاتم عن المظالم، وساء رأيه فيهما؛ وولى القضاء والصلاة لعبد الرحمان بن فطيس، فلم يقم على استقامته واستقلاله مقام ابن ذكوان لتبريزه، فحن [¬٢] القضاء إليه، وأسف الناس على فقده؛ وحسن رأي عبد الملك عما قريب فيهما، فصرف أبو العباس إلى خطبته بعد تسعة أشهر من عزله، بعد الزام ورغبة؛ فازداد رفعة، وسمت حاله عند المظفر، سيما عند اتهامه وزيره عيسى - عدو ابن ذكوان بالقدح في دولته، وبطش المظفر به، وقتله إياه؛ ففرغ مكانه لأبي العباس، واستراح منه؛ فلم يجر [¬٣] شيء من أمر المملكة، إلا عن مشورة ابن ذكوان، إلى أن هلك عبد الملك المظفر، وولي أخوه عبد الرحمان، فرفع منزلته جدا، وولاه الوزارة مجموعة

стр. 2142

إلى قضاء القضاة، ولم يجتمعا لاحد بالأندلس قبله [¬١]، ولا خطط بقضاء القضاة (بها) أيضًا أحد قبله؛ وإنما كانوا يتخططون بقضاء الجماعة، وانقرضت دولة بني عامر، بقيام المهدي بن عبد الجبار المرواني عليهم أول ملوك الفتنة، وكان أحقد الناس لابن ذكوان - لخاصته من العامرية، ناقمًا عليه أحكامًا أمضاها عليه في قضائه؛ فتوقف عنه لجلالته في قلوب الخاصة والعامة، والتماسًا للغرة [¬٢]؛ إلى أن عوجل المهدي، فمضى لسبيله، ووقي شره؛ إلا أنه أزال عنه اسم قضاء القضاة، واقتصر به على قضاء الجماعة؛ قال: وكان ابن ذكوان باسطا للحق، صلبيا فيه، لا تأخذه لومة لائم؛ وكان الناس والخصوم يلتزمون في مجلسه من الوقار وخفض [¬٣] الصوت الغاية، وكانوا يقربون إليه الأول، فالأول - بأسمائهم، قد قيد ذلك في جريدة، فمن ضاق عنه أول الوصول، دفعت إليه رقعة نوبته [¬٤]- للغد على الرسم القديم للقضاة.

стр. 2143

ومن نوادر الخبر، أن أبا محرز [¬١] أنس بن أحمد بن فرج الجياني الشاعر، خاصم عند أبي العباس وقتا، فجعل يرفع صوته ويستطيل، ويحسر عن ساعده؛ فخالف الرسم [¬٢]، فنهاه أبو العباس عن ذلك، وأمره بقبض ذراعه؛ فلما انقضى المجلس، ناوله أبو محرز [¬٣] رقعة لوقته فيها: أسأت أبا العباس تأديب فاتك … صعاليكها وقف على فتكات تؤنبني [¬٤] أن لاح مني ساعد … له ميسم [¬٥] من ظهر كل شوات ولست من الصنف الذي قيل فيهم … ولا تلك - إن انصفتني بصفاتي [¬٦] يخضبن [¬٧] أطراف البنان من التقى … ويخرجن شطر الليل معتجرات فلما قرأها ابن ذكوان، وجم [¬٨] وقال له: تكلم بكلتا يديك ورجليك، فلا حرج عليك.

стр. 2144

محنته ووفاته ولما قتل واضح الصقلبي (١) الحاجب - المهدي [¬١]، وبايع الناس لهشام المؤيد - خلافته الثانية، وقام واضح بأمره وحجابته [¬٢]، والبرابرة مع سليمان المستعين يفاتنون قرطبة، ويرومون دخول قرطبة؛ وكان هوى بني ذكوان - في جماعة الناس - إلى السلم [¬٣] وصلح البرابرة وصاحبهم [¬٤]، فيقال ان ابن ذكوان نصح لهشام في واضح، فبلغت واضحا؛ فسعى على بني ذكوان بعلة [¬٥] التهمة في الميل إلى البرابرة، وأن الناس تبع لما يشيرون به؛ فنفذ أمر هشام بإخراجهم من الأندلس [¬٦]، ونفيهم إلى العدوة؛ فأخرج أبو العباس، وأخوه أبو حاتم، وأخوهما الأديب عمر؛ وذلك سنة إحدى وأربعمائة [¬٧]، ووكل بهم من يجلونهم، فحملوا إلى المرية، وأجيزوا لحينهم البحر [¬٩] في حال شدة ارتجاجه، وعنف بهم، وسلبوا دوابهم

стр. 2145

وثيابهم؛ فكتبت سلامتهم، وخرجوا إلى وهران؛ وقامت لنكبتهم بقرطبة القيامة، وعظم على الخاصة والعامة ما جرى عليهم؛ ففزع [¬١] جماعة من الأعيان لاستهوال الحادث عليهم لفرط محبتهم، وجلالهم في القلوب، وأسرعت الإقالة لهم عما قريب؛ فلما قتل الجند واضحًا، حسن الرأي فيهم، وعادوا إلى وطنهم بالأندلس؛ إلا أنهم لم يعاودوا بعد العمل، ولا تقلدوا ولاية، مع تكرار الرغبة إليهما من جميع من خلف الفتنة؛ بل كانت جل الولايات من رأيهما، إلى أن مات أبو العباس سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. ثم تلاه أبو حاتم أخوه، فاعتد أهل قرطبة المصيبة بهما، كفاء ما عليهم من المحن، وذهب من يستحيي منهم، فاستوى الناس بعدهما؛ فكانت مدة عمل أبي العباس على القضاء في الكرتين سبعة أعوام ونصف؛ وترك ابنه أبا بكر، فجاء بعد منه خير خلف؛ وولي القضاء، وسيأتي ذكره بعد هذا في طبقته؛ ورثى ابن الحناط الضرير أبا العباس بقصيدة فريدة، أولها: عفاء على الأيام بعد ابن ذكوان … وسحقًا [¬٢] لدنيا غيرت كل إنسان سأبكي دمًا بعد الدموع بعبرة … تميز [¬٣] أحزاني وتعرب عن شاني

стр. 2146

وإن حياتي - اليوم - بعد وفاته … دليل بأن الغدر في كل إنسان أحقًا سراج العلم أخمده الردى … وهدم ركن الدين من بعد بنيان وغودر في دار البلى علم الهدى … مزعزع آساس مضعضع أركان فشقت عليه المكرمات جيوبها … وألقت رؤوس المجد عنها بتيجان وقال أبو عامر بن شهيد ﵀ أخرى، أولها: إذا لم تجد إلا الأسالك صاحبا … فلا تمنعن الدمع ينهل ساكبا هوت بأبي العباس شمس من التقى … وأمسى شهاب الحق في الغرب غاربًا أخوه: أبو حاتم محمد بن عبد الله - صاحب المظالم (١) كان من جلة القضاة والحكام بعهد العامرية، عمل فيها أعمالا جليلة بغير كورة؛ وتصرف في الإمامات، وولاه المظفر المظالم، فحمد في كل ذلك، وكان يخلف أخاه أبا العباس على قضاء الجماعة بقرطبة مدة مغيبه في المغازي مع السلطان، وتأيد مع أخيه على إعزاز الحق.

стр. 2147

قال ابن حيان: كان أبو حاتم أطلق من أخيه لسانًا، وله طبع في حسن الإيراد والامتناع. قال أبو الخيار الشنتريني - وذكره إثر ذكر أخيه - قال [¬١]-: وأما أبو حاتم، قتلوه [¬٢] في الصفة، ودونه في العلم؛ يختص بأدب وسط، وعلم بالخبر، وطيب بالمجلس؛ وله أوفر حظ من الدربة بالحكومة، وقد ذكرنا من أخباره، وذكر نكبته، في أخبار أخيه ما قدمناه. وتوفي أبو حاتم نصف شهر رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة، مولده سنة أربع وثلاثمائة، وترك ابنه حسنا أبا علي، فولي الحسبة بقرطبة في الفتنة، ثم أحكام القضاء؛ وكان ثقة عارفًا بالحكومة، ذا حزامة ونزاهة، عاطلا من عاطلا من العلم والأدب. قاضي القضاة: أبو بكر يحيى بن عبد الرحمان بن وافد اليحصبي (١) قرطبي، سمع بها من أبي عيسى؛ قال ابن حيان: كان أحد كمال القضاة بالأندلس: علمًا، وهديًا، ورجاحة، ودينًا؛ جامعًا لخلال الفضل، تقلد الشورى بعهد العامرية، فكان مبرزًا

стр. 2148

في أهلها؛ وتقلد الصلاة بالزهراء مدة، إلى أن استعفاها؛ وقد ذكرنا في أخبار أصبغ بن الفرج الطائي أنه كان ممن يرى التجميع بالزاهرة، وأبى من فتيا ابن أبي عامر بجوازه، حتى سخط عليه، كما فعل بأصبغ، وعزله عن الشورى - بعد. قال أبو الخيار الظاهري: كان ابن واقد مستبحرًا في مذهب المالكية، حاذقًا بخفظ المسائل والأجوبة من أكمل قضاة الأندلس؛ ولي القضاء والخطبة عند صرف ابن ذكوان، ونكبته في الفتنة، ولقب بقاضي القضاة. قال ابن حيان: وكان حاضر العلم في مجالسته، كثير الإفادة، فصيح اللهجة، وكان شاعرًا مطبوعًا. وقرأت في انتخاب ابن مفرج: أهدى الفقيه ابن وافد إلى الزبيدي في طبق وردًا بكيرًا، وكتب معه إليه: أهديت شبهك منظرًا … في العالمين ومخبرا فتقبلن نور [¬١] الذي يرجو … رضاك وبالحرا

стр. 2149

فأجابه الزبيدي: قد أتانا منك ما … جانس أخلاقك فوحا طبق الورد الذي … أهدى إلى الأرواح روحا فأنا دهري عليه … أعتني بالشكر مدحا لم تزل في العلم يا … يحيى على الأدواح دوحا محنته ومهلكته [¬١]: كان ابن وافد أحد الأشداء على البرابرة وخليفتهم المستعين (سليمان) [¬٢]، وأكثر الناس نفارًا منهم، ومن البيعة لصاحبهم، والصلح معهم على خلع هشام المؤيد - خليفة الرطبة؛ وقد حصلت قرطبة من ذلك في محنة، وشد البرابر عليها، فنالهم من كل جهة، وخربوا بناءها، وقطعوا مرافقها؛ حتى رضي الناس بالدخول تحت طاعتهم، وخلع هشام، ومصالحتهم على ذلك، وتقديم صاحبهم؛ وكان ابنا ذكوان ممن يرغب ذلك - في طائفة من الفقهاء والجلة، منهم ابن حومل، وابن الشقاق، وابن ذكوان؛ وكان ابن وافد شديد النفار والإباية من ذلك [¬٣]، مغريًا بهم العامة، محرمًا [¬٤]

стр. 2150

عليهم صلحهم، والإنابة إليهم [¬١]، معه على رأيه ابن الفخار في جماعة؛ فلما تغلب البرابر على قرطبة، وتم الصلح، وخلع هشام - وهم أحنق الناس على ابن وافد؛ فاستخفى وشد الطلب فيه، فعثر عليه عند امرأة، فحمل راجلا، مكشوف الرأس، مهانا، يقاد بعمامته في عنقه، والمنادي ينادي عليه: هذا جزاء قاضي النصارى، ومسبب الفتنة، وقائد الضلالة؛ وهو يقول - مجاوبًا كذبت، (بفيك الحجر) [¬٢]! بل - والله - ولي المومنين، وعدو المارقين؛ ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ (١)! والناس تتقطع قلوبهم لما نزل به، (فلقيه) [¬٣] في هذه [¬٤] الحال بعض أعدائه [¬٥]، فقال كيف رأيت - صنع الله بك؟ فقال: ما أنهم قضاءه [¬٦]، كان ذلك في الكتاب مسطورا؛ ولقيه بعض أصحابه، فقال: ترى أن أبلغ أمرك أبا العباس بن ذكوان - وكان مقبول القول عند البرابرة؟ فقال: لا حاجة لي في ذلك؛ فأدخل على المستعين سليمان بن الحكم في تلك الحال، فأكثر توبيخه، وأغرته به البرابرة، فأمر

стр. 2151

بصلبه، وشرع في ذلك، فاضطرب البلد له، ووردت عليه شفاعة أبيه الحكم، وشفاعة ابنى ذكوان، وابن حومل، وجماعة من الفقهاء والصالحين، الذين لا يري ردهم؛ - يرغبون إليه في شأنه، ويقبحون إليه ما أمر به فيه؛ فرفع عنه الصلب والمثلة، وأمر بضمه إلى المطبق وتثقيفه؛ وكان شديد الصبر في محبسه، كثير التبسم والحديث؛ متعاهدًا لصلاح نفسه وجسمه من الاغتسال والاستياك والاستحداد، حتى عذله بعض من جمعته وإياه المحنة ذلك المكان - على فعله؛ فقال له: وما لي لا ألهى عما لا بد لي منه، وأصل الراحة: - والله إني لأرجو لها الحور [¬١] غاديًا أو رائحًا، وسواكي طري، وجسمي نقي، أو نحو هذا؛ وكان السلطان يجرى وظيفة على من فيه، فكان ابن وافد لا يأكلها معهم؛ ولم يبعد ﵀ أن اعتل في محبسه فمات! فتكلم الناس أن حيلة وقعت عليه - فالله أعلم (بذلك) [¬٢]. فأخرج ميتًا في نعش -منتصف في ذي الحجة سنة أربع وأربعمائة، فوضعه الأعوان بالميضأة - موضع غسل المحاويج، فاحتمله قوم إلى دار صهره ابن الأغبس الفقيه، فسد الباب في وجه النعش، وتبرأ منه تقية؛ وسمع الزاهد حماد بن عمار بالقصة فبادره [¬٣]، وصار

стр. 2152

بنعشه إلى منزله، فقام بأمره؛ وكان من عجيب الاتفاق، أن ابن وافد كان أودع عند (هذا الرجل) الصالح [¬١] كفنه وحنوطه، وقارورة من ماء زمزم لجهازه؛ فتم مراده، وعدت من كراماته؛ وجاء بنعشه، فصلى عليه في طائفة من العامة عند باب الجامع؛ ثم ساروا به فواروه، وامتنع من يعرف ممن شهد الجامع من الصلاة عليه - تقية؛ وكانت مدة عمله للقضاء في الكرتين القصيرتين عشرين شهرًا. وولده [¬٢] الوزير ابن وافد الطبيب المشهور، المعترف [¬٣] بإمامته في عمله، وصحة نظره ومنفعته وله في هذا العلم تأليف مشهور منتفع به. أبو المطرف عبد الرحمان بن محمد بن عيسى بن فطيس (١) من مشاهير علماء القرطبيين وجلتهم وفضلائهم، وكان الغالب عليه الحديث، سمع ابن الأحمر، وأبا عيسى وطبقتهما؛ وبعدهم أبو عبد الله بن مهدي [¬٤]، حدث عنه حاتم الطرابلسي.

стр. 2153

قال أبو محمد بن حزم: كان قد ولي المظالم والقضاء بقرطبة، وكان واحد زمانه في جمع الحديث وروايته؛ ولم يكن بعد المستنصر - أجمع منه، ولا أعرف منه بما يجمع؛ ولم يكن بالأندلس من يملي الحديث من حفظه على رسم أهل المشرق - سواه، وكان أحد أئمة السنن. قال ابن حيان: كان ابن فطيس من بيوت [¬١] الشرف والوزارة، مقدمًا في كثرة العلم واتساع الرواية، مشهورًا بالزهد والفقه والصلابة؛ فقلد المظالم والأحكام لابن أبي عامر المنصور ومن بعده، فقام بها أحسن قيام، وولي قضاء الجماعة للمظفر عند صرف ابن ذكوان الأول تسعة أشهر، وغلب عليه الحديث والبصر به وأسماء الرواة. توفي سنة اثنتين وأربعمائة، مولده سنة أربعين وثلاثمائة. قال أبو عمر بن الحذاء: كان من أبناء الدنيا، فلما ولي القضاء، ترك زي الوزارة، ولزم أخصر زي الفقهاء؛ وكان عدلا،

стр. 2154

شديدًا في أحكامه، عالمًا بالحديث والتقييد؛ ذكر أنه لما ولي القضاء، دخل عليه ابن العطار مهنئا، وكان ابن ذكوان عدوه؛ فقال له [¬١]: الحمد لله الذي سلبهما [¬٢] كسرى وألبسهما سراقة، وصرفهما عن أهل الكفر والجهل، وجعلهما في أهل العلم والفضل، أو نحو هذا من الكلام؛ فلم تمر إلا مدة، حتى سئل ابن العطار؟ فقال: عدو عاقل، خير من صديق أحمق؛ ولما رضي المظفر عن ابن ذكوان، صرف ابن فطيس عن قضاء الجماعة، ورد إليها ابن ذكوان، وخطط بالوزارة - تنويهًا به. أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي زمنين المري (١) البيري، أصله من العدوة من نفزة، تفقه بقرطبة عند أبي أبي إبراهيم، وسمع منه، ومن وهب بن مسرة، وابن الجزار القروي، وابن المشاط، وأبان بن عيسى بن محمد، وأحمد بن حزم، وابن فحلون، وأبى الأحمر، وابن العطار - صاحب الوردة [¬٣]؛ وسمع منه ابنه [¬٤]، ومحمد بن قاسم بن هلال؛ تفقه به

стр. 2155

أهل بلده وغيرهم؛ وحدث عنه أبو زكريا القليعي، وأبو عمر ابن الحذاء، وحكم بن محمد، وهشام بن سوار، والقاضي يونس، وحسين بن غسان، وأبو عبد الله بن الحصار. قال ابن عفيف: كان من كبار المحدثين، والفقهاء الراسخين في العلم. قال ابن مفرج: كان من أجل أهل وقته - حفظًا للرأي، ومعرفة بالحديث، واختلاف العلماء، وافتنان في الأدب والأخبار، وقرض [¬١] الشعر؛ - إلى زهد وورع، واقتفاء لآثار السلف، وكثرة العمل والبكاء، والصدقة والمواساة بماله وجاهه [¬٢]، وبيان، ولهجة؛ ما رأيت قبله ولا بعده مثله! قدم قرطبة، فسمع منه بها الناس سنة ثمان وسبعين. قال الخولاني: كان رجلا زاهدًا، صالحًا، من أهل العلم؛ آخذًا [¬٣] في المسائل، قائمًا (بها) [¬٤]، متقشفًا، واعظًا؛ له أشعار حسان في الزهد والحكم، له رواية واسعة، وكان حسن التأليف، مليح التصنيف، مفيد الكتب في كل فن، ككتاب [¬٥]

стр. 2156

المغرب في اختصار المدونة، وشرح مشكلها، والتفقه في نكت منها، ليس في مختصراتها مثله باتفاق. قال ابن سهل: هو أفضل مختصرات المدونة، وأقربها ألفاظًا ومعاني لها؛ وكتاب [¬١]: المنتخب في الأحكام الذي ظهرت منفعته. وطار بالمشرق والمغرب ذكره؛ وكتاب المهذب في اختصار شرح ابن مزين للموطأ، وكتابه المشتمل في علم الوثائق، وكتاب مختصر تفسير ابن سلام للقرآن، وكتاب حياة القلوب في الرقائق والزهد، وكتاب أنس المريد في ليله، وكتاب آداب الإسلام، وكتاب أصول السنة، وكتاب قدوة الغازي، وكتاب منتخب الدعاء، وكتاب الواعظ [¬٢]، وكتاب النصائح المنظومة من شعره؛ وله شعر في المواعظ، والرقائق، والزهد، كثير جدًا حسن؛ فمنه (قوله) [¬٣]: أيها المرء إن دنياك بحر … طامح موجه فلا تأمننها وطريق النجاة فيها مبين … وهو أخذ الكفاف والقوت منها

стр. 2157

وقوله: خليلي إن الذي تعلمانه … زمان التصابي وانطلاق عنانه شديد الجوى جم الأسى محرق الحشا … فهل من مجير مخبر بأمانه وإني مجير عز من قد عصيته … فيا أسفى إن لم يعد بحنانه وقوله: وذي لوعة راحاته زفراته … إذا ما سطت في قلبه خطراته له في دجى الإظلام خلوة مخلص … تذكره فيها الجحيم هناته إذا ما تلا التنزيل [¬١] وانكشفت له … عجائبه زادت لها عبراته وإن لحظت عين اليقين سعادة … سقت خده [¬٢] من مائها لحظاته بنفسي ولي أنسه بمليكه … وفي ذكره إصباحه وبياته وتوفي بالبيرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، [ومولده آخر سنة أربع وعشرين وثلاثمائة] [¬٣]، وتخلف ابنًا من الصالحين اسمه أحمد [¬٤]

стр. 2158

أبو عمر أحمد بن يحيى [¬١] بن سعيد بن الحريري الطليطلي قال صاعد بن أحمد بن صاعد: من بيوت الشرف والعلم بطليطلة، بيت آل الحريري [¬٢]، وكان كبيرهم أبو عمر هذا، فقيهًا. ذا رئاسة جليلة في بلده، وذا مكانة من الفقه والعفاف والثروة، وتلاوة القرآن [¬٣]، وتلاه في حاله ولده بعده. أبو موسى بن أبي الحزم بن جوهر المرشاني من أهل إستجة، قال ابن حيان: كان فقيه بلده ووجهه، مشهور بالعفة والعلم، قتله البرابر ببلده سنة سبع وعشرين وأربعمائة. قال ابن عفيف: وهو من ذرية أبي موسى عبد الرحمان ابن موسى الهواري، راوية مالك بن أنس، وأخوه أبو الوكيل؛ سمع منهما الناس ببلدهما، وبقرطبة، وأبو عمر ولد أبي الوكيل منهما، حج وروى العلم.

стр. 2159

أبو بكر محمد بن موهب التجيبي المعروف بالقبري [¬١] (١) قرطبي، مشهور، وهو جد القاضي أبي الوليد لأمه، كان من العلماء الزهاد الفضلاء؛ أخذ ببلده عن أحمد بن ثابت، وابن قطن، وأحمد بن هلال، وأبي محمد الباجي، وغيرهم؛ ورحل إلى المشرق، فسمع من رجاله، وصحب أبا محمد بن أبي زيد، واختص به، وحمل عنه تواليفه، وغير ذلك؛ وكان القاضي ابن ذكوان يقدمه على فقهاء وقته، وعلى نفسه، ويرغب دعاءه؛ وكان الأصيلي يعرف حقه ويثني عليه، وغلب عليه الكلام [¬٢] والجدل على نصرة مذهب أهل السنة، والتأليف في ذلك؛ إلا أنه كان بخل بعلمه، وغلب عليه الكلام - عدم معرفته باللسان؛ وذكره الجياني أبو علي شيخنا، فقال: أحد الفضلاء العلماء، حدث عنه أبو بكر بن العرب [¬٣]، وإسماعيل بن حمزة السبتي.

стр. 2160

قال ابن حيان: وكان شديد الورع والزهد، مجتنبا للسلطان؛ اشترى يومًا تينًا، فلما عده عليه [¬١] بياعة، أقبل يثني عليه بأنه يشرب من ماء ناعورة السلطان، فترك التين عنده، ودفع إليه ثمنه؛ وقال لبياعه: أمسكه (علي) [¬٢] إلى أن أقضي حاجة فإن أبطأت عليك فتصدق به، ومضى لسبيله؛ فاستدعاه [¬٣] المستعين [¬٤] صاحب البرابرة، فأجابه بعد محاسبته [¬٥] لمن كان [¬٦] قبله، ودخل عليه بعد أن استعفاه من تقبيل يده الذي جرت به عادتهم، فأعفاه وزاده تكرمة؛ وله في العقائد تواليف كثيرة مفيدة، وله شرح رسالة شيخه أبي محمد بن أبي زيد. ذكر محنته: كان أبو بكر هذا لتعلقه [¬٧] بهذه العلوم [¬٨] النظرية الغريبة بالأندلس، مشنوءًا عند كثير من فقهاء قرطبة، لا سيما من لم

стр. 2161

يتعلق منهم من العلم بغير الفقه، ورواية الحديث، ولم يخض في شيء من النظر؛ وكان ابن عون الله شيخ المحدثين في طائفة من أصحابه، منهم أبو عمر الطلمنكي - تلميذه؛ قد أغروا به؛ فجرت بينه وبينهم قصص ومحاربات في مسألة الكرامات؛ فان ابن موهب كان يذهب فيها مذهب شيخه أبي محمد بن أبي زيد في إنكار الغلو فيها، وكان أولئك يجيزونها، ويسعون في رواية أشياء كثيرة منها؛ وكان يثبت نبوة النساء، ويقول بصحة نبوة مريم، وبإحالة بقاء الخضر أبد (الأبد) [¬١]، فجرت بينهم في هذه المسائل فتن، لا سيما عند موت ابن عون الله، تداركها ابن أبي عامر، فسير جماعة من الطائفتين عن الأندلس إلى العدوة؛ فيهم ابن القبري [¬٢]- هذا، مع طائفة من أضداده؛ وكان الأصيلي، وابن ذكوان - في طائفة من نحارير العلماء في حزب القبري، وجماعة من الفقهاء والمحدثين في الحزب الآخر؛ فخرج القبري إذ ذاك إلى العدوة، وبقي فيها مدة، أخذ

стр. 2162

عنه بها، وأراه أقام ببلدنا مدة؛ وبها أخذ عنه إسماعيل بن حمرة كتبه، وكتب الشيخ أبي محمد بن أبي زيد؛ ثم راجع الأندلس (خفية) [¬١] فورد قرطبة مستترا، فرمى بنفسه على الأصيلي، ففزع الأصيلي لذلك، لسطوة ابن أبي عامر، وأسلمه؛ فوبخه القبري وقال له: فعل ما بدالك، افعلى الله توكلي، أو نحو هذا؛ فأعلم الأصيلي ابن أبي عامر بالأمر، وأنه لم يعرف به حتى ورد عليه، ورفعه إليه [¬٢] فعفا عنه، ولزم قرطبة ممسكا لشأنه بقية دولتهم. وتوفي بقرطبة سنة ست وأربعمائة. أبو عثمان سعيد بن محسن الغاسل (١) من أصحاب ابن زرب، والمتفقهين عنده؛ قال ابن حيان: وقلد الشورى بقرطبة، وداخل السلطان، وعمل في القضاء، فلم يحمد؛ ولم يكن بالقوي في علمه، وكان يختص بغسل موتى أولى النباهة، توفي في ذي القعدة سنة إحدى وأربعمائة.

стр. 2163

أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحضرمي (١) المعروف بابن الشرقي. قال الخولاني: كان كثير [¬١] الصيانة، إماما في الرواية للعلم، قائمًا بذلك، قويا عليه، مجتهدا فيه: من النقاد، متسببا، على تقوى وسمت؛ ذكيا، نبيلا، حافظا، حسن الإيراد. قال ابن الفرضي: وأبوه أبو عبد الله من أهل الفضل والعبادة والعلم بالقرآن، سمع أبو إسحاق من أحمد بن سعيد بن حزم، وأبي إبراهيم التجيبي، وابن أبي العطاف، وابن الحرار [¬٢]. قال ابن حيان: كان من أحد [¬٣] رجالات قرطبة المعدودين في الجزالة والرجولة، مع جودة المعرفة، وغزارة العلم، ومتانة الخطابة، والسداد في الحكومة، مع الصلابة والنزاهة: ولي

стр. 2164

الشرطة والأحكام بقرطبة، والصلاة والخطبة بجامعها مع المواريث، وكان ابن أبي عامر يسترجحه ويباهي به؛ ويذكر عنه أنه قال: في أصحابي رجل بصير بدنياه، يصلح لكل خطة من مكاني في الحجابة، إلى مكان بوابي فلان، فمن بينهما من في منزلة؛ ويستقل بكل أمر، ويصلح لكل خطة؛ فإذا استفسر عنه، قال: هو الشرقي، وكان من ثقاته وخواصه؛ سمع منه عالم عظيم من الناس، وكان يتولى القراءة بنفسه [¬١]، فكان يكمل في ميعاده ما بين الظهر والعصر كل يوم اثنين وخميس - جزءًا، لدربته في القراءة. قال ابن حيان: ولم ينتقل (مع) [¬٢] ما ناله من حظوة عن عن سنن التواضع والاقتصاد، وله في التسخير [¬٣] أخبار عجيبة، منها: أنه ما ارتبط لنفسه دابة قط - خوفا لموتها، وإنما كان يمتطي دواب ابن أبي عامر ترتبط له بنوبة، ويكتري ما احتاج

стр. 2165

إليه؛ وأصابه فالج عطله قبل موته نحو ثلاثين شهرا، فكان لا ينطق بغير لا إله إلا الله، ولا يكتب غير بسم الله الرحمان الرحيم، لا يقدر على غير ذلك آية من آيات الله تعالى [¬١]، بعد إن كان فهما طربا. وتوفي في نصف شعبان سنة ست وتسعين (١). أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمان الكلاعي المعلم (٢) من أهل قرطبة، يعرف بابن الضحى، يكنى أبا عمر؛ وكان فقيها عالما بالمسائل، عاقدا للشروط؛ سمع من أبي عيسى، ومسلمة بن محمد، وشكور الطليطلي، وغيرهم؛ وكان يجتمع إليه في التفقه، ويقرأ عليه كان على وسنة، وقوام طريقة. توفي فجأة في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وكان الثناء عليه حسنا.

стр. 2166

أحمد بن سعيد بن محمد بن بشر (١) المعروف بابن الحصار، قرطبي، كنيته أبو العباس؛ وهو والد القاضي أبي المطرف بن بشر، مولى لابن فطيس؛ سمع من قاسم بن أصبغ، وابن أبي دليم، ومسلمة بن القاسم، وخالد بن سعيد، ومحمد بن عيسى وغيرهم؛ وكان كثير السماع، مشهورًا بطلب الحديث، ويعقد الشروط ويحدث؛ سمع منه كثير، روى عنه ابنه، وابن نبات. قال ابن حيان: كان فقيها، راوية. قال ابن الفرضي: ولم يكن بالضابط لكتبه. توفي في شعبان سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة، وهو ابن ست وسبعين، وكان أعور ﵀.

стр. 2167

أحمد بن عبد الله بن الحسن (١) قرطبي، أبو عمر سمع من قاسم [¬١] بن أصبغ، وغيره؛ واستقضى بكورة رية - إلى أن توفي؛ وكان [¬٢] مشاورا، وكتب عنه فيما قيل. توفي سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة. وهب بن بن محمد بن محمود بن إسماعيل بن عبد الله بن حي الأموي (٢) قرطبي أبو الحزم؛ سمع من قاسم بن أصبغ، ووهب بن مسرة، وغيرهما؛ وكان حافظا المرأي، شاوره ابن السليم - أيام قضائه، ولم يشاوره ابن زرب؛ وكان شيخا صالحا، كثير الصلاة والملازمة للجامع، يجتمع إليه فيه، ويستفتي، وقد حدث؛ توفي سنة إحدى وتسعين (٣).

стр. 2168

أبو المطرف عبد الرحمان بن محمد بن أحمد الرعيني (١) المعروف بابن المشاط، قرطبي؛ في كتاب ابن مفرج كان من أهل العلم والفهم، أديبا بصيرا بزمانه، ولي الشوري والوثائق السلطانية، وقضاء استجة، واشونة، وقدمونة؛ وجمع [¬١] ذلك له ابن أبي عامر، ثم صرفه، وولاه أحكام الشرق وقضاء جيان، تم قضاء بلنسية؛ وقلده التاريخ، فجمع كتابه الباهر، وكان حاملا لما قلده، ذا جاه ومنزلة؛ حسن المنطق والصوت، مليج الإيراد. قال ابن حيان: وتوفي في مجلس نظره أيام المظفر سنة ست وتسعين وثلاثمائة.

стр. 2169

أبو العباس الباغاني (١) واسمه أحمد بن علي بن أحمد المقرئ الحافظ. قال ابن حيان: كان ربانيا في علوم الإسلام، جم الرواية، شديد الحفظ، آية في ذلك، لم يخلف بعده أحدا [¬١] يفوقه [¬٢] في علوم القرآن، وهي كانت الغالبة عليه، وكان بحرا من بحار العلم؛ وله تأليف في أحكام القرآن، وكانت له خاصة من العامرية؛ وقدم للشوري إثر موت ابن المكوي، فلم يطل أمره؛ وكان أبو عبد الله بن عتاب يستحسن تأليفه في الاحكام، وقرأه عليه؛ وتوفي في ذي القعدة سنة إحدى وأربعمائة، وهي سنة موت ابن المكوي. وابنه أبو بكر: خلفه بجامع قرطبة للإقراء، وكان حسن التلاوة، ذا حظ من الفقه، وبصر بالشروط، طاهر الثوب.

стр. 2170

عبد الرحمان بن أحمد بن سعيد البكري (١) المعروف بابن عجب، أبو المطرف، قرطبي. قال ابن حيان: كان أحد الحفاظ للمسائل، المستبحرين في الرأي؛ وولي الشورى والأحباس لابن ذكوان، وكان أحد أصحابه، توفي سنة أربع وأربعمائة. أبو عبد الله الحسين (٢) بن حي بن عبد الملك بن حي التجيبي (٣) قرطبي، طلب العلم بالأندلس، ورحل فحج حججًا، وتردد في المشرق، فسمع الآجري؛ وانصرف إلى الأندلس، فقدمه ابن زرب للشوري، وتقلد القضاء لجهات والوثائق للعامرية. قال ابن حيان: ولم [¬١] يكن بالبارع في فقه، ولا بالمحمود في شيء من أمره؛ وكان مفرط القصر، ولذلك كان ابن

стр. 2171

المنتجيلي - ذو النوادر العجيبة - يسميه بالقصير كله، واستهواه حب الدنيا، فارتكس في الفتنة مع المهدي بن عبد الجبار، وكان أحد دعاته، فاستوزره عند ظهوره، وقلده المظالم، فأخلد إلى الأرض، وقد أودع هشاما المخلوع مدته. وكان محمد بن أبي عامر يتفرس فيه ويقول له: لن تموت إلا على فتنة. ولما انقرضت دولة المهدي، لجأ إلى الاستخفاء - والطلب عليه شديد - إلى أن وجد في بعض المقابر مسجى [¬١]، قد أخرج من موضع استخفائه ميتًا فوق نعش، على صدره رقعة فيها خبره؛ ورفع [¬٢] أمره إلى السلطان، فأمر بمعاناته ودفنه، وذلك في آخر سنة إحدى وأربعمائة. عبد الله بن عبد الرحمان بن عبد الله الزجالي (١) أبو بكر، من بيت نبيه بقرطبة، في أصحاب السلطان؛ كان خيرًا، فاضلا حليمًا، طاهرًا، عالمًا، دينًا، كثير الخير والمعروف، طويل الصلاة، يقال إن قدميه تفطرتا صديدًا من طول قيامه.

стр. 2172

قال ابن الفرضي: سمعت محمد بن يحيى بن عبد العزيز يقول - وقد خرج [¬١] من عنده وقد أتاه عائدًا -: ما أعرف أحدًا يصلح للقضاء غير هذا الرجل (١). وقال سليمان بن أيوب؛ كان أولى بالقضاء من ابن أبي عيسى، وغيره [¬٢]، ثم قال هذا الذكر يغار له الناس؛ واستوزره الحكم أمير المومنين تنويها بمكانه، فلم تستهوه الدنيا بحال. ومات وهو مخطط بالوزارة في جمادى الأولى سنة خمس وسبعين وثلاثمائة. عبد الله بن محمد الصابوني (٢) المعروف بابن بركة، قرطبي، يكنى بأبي محمد، مولي لبني مروان لآل الأحمر، ويقال مولى للفهريين، وغلب عليه

стр. 2173

اسم امه بركة: مولاة ابن القاسم [¬١]، سمع ابن الأحمر، وابن حزم، وابن مطرف، وتفقه. قال ابن مفرج: وكان من أهل الحفظ والحذق به، ولي الشورى أيام ابن زرب، وكان عالمًا بالوثائق. وقال ابن الفرضي: قليل العلم، ولم يزل مشاورًا إلى أن مات (١). قال غيره: وكان [¬٢] حسن التأني للناس، والإصلاح بينهم، حتى كان الحكام يوجهون إليه المتشاكسين من الخصوم - لحسن وساطته، وكان له دكاكين يضع فيها خدمته الصابون [¬٣]، ومنه عيشه. توفي سنة ثمان وسبعين ويقال ثلاث.

стр. 2174

أبو عبد الله محمد بن طاهر بن أبي الحسام (١) المعروف بالشهيد القيسي التدميري [¬١]، من بيوتات الشرف ببلده. قال ابن مفرج وغيره: كان [¬٢] من عظماء الأندلسيين [¬٣]، بعيد الصيت في الخير والصلاح والانقطاع إلى الله، طلب العلم ببلده ومن شيوخه؛ وبقرطبة من العائذي، وابن مفرج، وغيرهما؛ وتفقه وأخذ بحظ وافر من علم الرأي، ورسخ في علم السنة؛ وبالغ في صالح العمل، وحج وجاور في الحرمين ثمانية أعوام، فلقي هناك العلماء والصالحين، وسمع منهم؛ وصار إلى العراق للقاء أبي بكر الأبهري. فتفقه معه؛ ودخل واسط فلقي العلماء والنساك، واقتدى بآثارهم؛ ولبس الصوف، وأعرض عن شهواته؛ وكان عيشه - تلك المدة - من الوراقة، فإذا سئم منها، آجر نفسه في الخدمة، وكان أعظم علمه الورع والتشديد فيه؛ وله سؤالات في وجوه المكاسب. سألها عنه مصنفها، وجربت منه دعوات مستجابة.

стр. 2175

قال ابن الفرضي: وظهرت له بالمشرق إجابات وكرامات، وذكره هناك مشهور (١)؛ وانصرف إلى بلده مجيبًا لدعوة والده إذ كان في الحياة فلقيه، وتنكب مدينة مرسية، فنزل خارجًا منها في قرية بني طاهر، وكان لا يرى سكناها، ولا الصلاة في جامعها؛ واتخذ لنفسه خيمة من شعر البلد، واعتمر جنينة له هناك يقتات من تينها؛ ثم نزع إلى الجهاد فلازم الثغور، وحسن أثره في العدو وشهر بالبأس، إلى أن استشهد ﵀ سنة تسع وتسعين فيما قاله ابن مفرج؛ صحح ابن الفرضي أنها سنة ثمان (٢)، وله كتاب في الإجابات والكرامات أخذ عنه. عيسى بن (أبي) العلاء أبو الأصبغ (٣) تدميري، عني بالعلم، وسمع ابن عائذ، وغيره؛ ورحل إلى المشرق، وكان موصوفا بالفقه، مستفتى بموضعه، توفي سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة.
следующие страницы →