قالوا: وكان رجل قرشى ينتقص مالكا ويقول: بأي شيء هو أكبر منا؟ فلما قدم هارون وجلس الناس، قالوا له:
هذا هارون، ومالك يدخل، وأنت تدخل فافعل ما يفعل، وأرسلوا معه من ينظر ثم، فتقدم مالك وسلم فقال:
السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، عمك مالك بن أنس أين يجلس؟
قال: هاهنا يجلس.
وأقبل الرجل خلفه فقبل يد هارون.
فقال هارون لمالك: أن رأيت أن تأتى ولدك فتحدثهم، يعنى أبناء هارون.
قال: فما رد عليه مالك شيئا حتى خلا من عنده، فتحول إليه فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تكون أول من أجرى على يديك ذل العلم.
قال: وما ذاك؟
قال: أدركت أهل العلم يؤتون ولا يأتون.
فقال له: أصبت، بل يأتونك.
وخرج مالك فقال هارون:
هذا الذي تلومونني فيه، ما رأيت رجلا أعقل منه، قلت له آنفا، فلم يرد على شيئا كراهية أن يخرج منه (٢٦) شيء في ذلك الجمع، فلما خلوت خرج لي عما في نفسه، مروا له بكذا وكذا جائزة.
فكانوا بعد يقولون للقرشى: كيف ترى؟ فيقول: ذلك رجل معصوم.
قال مطرف: دخل مالك على هارون في بعض حجاته (٢٧)، فقال له هارون: أريد أن تأتينى تقرأ على كتبك (٢٨).
стр. 247
فقال مالك: العلم يؤتى ولا يأتى.
قال: فأرسل إلى من نسخها (٢٩).
قال: نعم.
قال ابن مهدي: مشيت مع مالك يوما إلى العقيق من المسجد، فسألته عن حديث، فانتهرنى، وفي رواية فالتفت إلى وقال لي:
كنت في عينى أجل من هذا، تسألني عن حديث رسول الله ﷺ ونحن نمشي؟
فقلت إنا لله، ما أراني إلا وقد سقطت من عينه، فلما قعد في مجلسه بعدت منه، فقال: ادن ها هنا فدنوت (٣٠)، فقال:
قد ظننت أنا أدبناك (٣١)، تسألنى عن حديث رسول الله ﷺ وأنا أمشى؟ سل عما تريد ها هنا.
قال ابن مهدى: وسألوا مالكا بالموسم وهو قائم فلم يحدثهم.
قال أبو مصعب: وسأله جرير بن عبد الحميد (٣٢) القاضي عن حديث وهو قائم فأمر بحبسه، فقيل له: انه قاض، فقال: القاضي أحق أن يؤدب، احبسوه. فحبس إلى الغد.
قال عبد الله بن صالح: كان مالك والليث لا يمسان الحديث إلا وهما طاهران.
стр. 248
وقال القروى (٣٣): كان مالك إذا جلس معنا كأنه واحد منا، ينبسط معنا في الحديث، وهو أشد تواضعا منا له، فإذا أخذ في الحديث تهيينا كلامه كأنه ما عرفنا ولا عرفناه.
ولما حج هاشم بن جريح، وهو حدث، أتى مالك بن أنس، وقد رحل الناس، بورقتين من حديثه فقال له:
اقرأ هذه الأحاديث فقد مضى الناس.
فقال مالك: ينتظر أحدكم حتى إذا رحل الناس، جاء فقال: اقرأ لي فقد رحل الناس.
فالتفت هاشم إلى مالك فقال: أصلحك الله! إن تكن حاجة أو أمر تأمر به انتهيت إلى طاعتك، ووقفت عند أمرك، وفرحت بذلك في نادي قومي، وسدت به على عشيرتي. استودعك الله، فإن طاعتك فرض، وقولك حكم، أستودعك الله.
فلما ولى قال مالك: مثل هذا طلب العلم العلم، ردوه. فبعث في طلبه فأتى به فقرأ له ثم انصرف.
قال القروى: (٣٤): لما كثر الناس على مالك قيل له:
لو جعلت مستمليا يسمع الناس؟
قال: قال الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبئ" (٣٥) وحرمته حيا وميتا سواء.
قال ابن مهدى: ما أدركت أحدا إلا يخاف هذا الحديث إلا مالكا وحماد بن زيد (٣٦)، فانهما كانا يجعلانه من أعمال البر. وكان مالك يقول: لا ينبغي لأحد عنده علم أن يترك التعليم.
стр. 249
قال مطرف: وحضرت مالكا يأتيه الرجل بالدفتر فيسأله أن يجيزه له فيفعل.
وروى ابن وهب عنه، أنه رآه مرة فعله، ومرة كرهه، وأجاز المناولة (٣٧).
وقد كتب ليحيى بن سعيد الأنصاري (٣٨) مائة حديث لابن شهاب، فقيل له، أقرأها عليك؟ قال: كان أفقه من ذلك.
قال مصعب: وسأله المهدى أن يسمع منه كتبه، فقال له: هذا شيء يطول عليك (٣٩)، ولكن أكتبها لك، وأصححها، وأبعث بها إليك.
وكان أكثر أمره أن يقرأ عليه ولا يقرأ.
قال مطرف: صحبت مالكا تسع عشرة سنة، فما رأيته قرأ على أحد كتاب (٤٠) الموطأ، وسمعته يأبى أشد الاباء على من يقول: لا يجزئ العرض.
وزعم ابن بكير أنه سمع الموطأ من مالك بقراءة نفسه غير مرة.
وقال لمالك غير واحد: أرأيت ما قرأته عليك، أنقول فيه: حدثنا وأخبرنا؟
قال: نعم، ألست فرغت لكم نفسى وأقمت سقطه وزلله؟
قيل له: فيجوز لمن حضر أن يقول ذلك؟
قال: نعم؟
وفى سماع ابن وهب: سأل رجل مالكا عن الكتاب يعرض عليك، ثم ينقلب به صاحبه فيبيت عنده، أيجوز أن أحدثه؟
стр. 250
قال: نعم.
وقال مالك، في سماع ابن القاسم وابن وهب وغيرهما: العرض أعجب إلى من السماع وأثبت، إذا كان الذي يقرأ يتثبت.
واستعدى عليه رجل خراساني، قاضى المدينة، فقال:
جئت من خراسان، ونحن لا نرى العرض، وأبي مالك أن يقرأ علينا (٤١) تحكم القاضي على مالك أن يقرأ له.
فقيل له: أصاب الحق؟
قال: نعم.
قال الحارث بن مسكين: كلم بعض الهاشميين مالكا في أيام الموسم أن يعرض عليه، فأبى، وقال:
هي أيام الحج (٤٢)، فإذا انقضت، فإن شئت عرضت بعد.
فغضب وقال: قد أرادك هارون أمير المؤمنين على هذا فأجبته.
قال له مالك: قد أرادني فما فعلت.
قال القطان: قراءة ابن مهدى على مالك كالحديث، لأنه كان يقول: سمعت فلانا يقول: سمعت فلانا يقول.
قال ابن المدني (٤٣): قلت ليحيى: كان مالك يملى عليك؟
قال: كنت أكتب بين يديه.
قال مصعب: كان مالك يرى الرجل يكتب عنده فلا ينهاه، ولكن لا يرد عليه ولا يراجعه.
стр. 251
وقال أشهب: عاب مالك الكتاب للعلم وقال: لم أدرك أحدا يفعله، إنما كانوا يحفظون.
قال القطان: دخلت المدينة سنة أربع وأربعين، ومالك أسود الرأس واللحية، والناس حوله سكوت لا يتكلم أحد هيئة له، ولا يفتى أحد في مجلس الرسول (٤٤) ﷺ غيره، فجلست بين يديه فسألته فحدثني، فراددته فراددني، ثم غمزني بعض أصحابه فسكتت.
قال معن: كان مالك يتقى في حديث رسول الله ﷺ الياء والتاء ونحوهما.
وروى عنه ابن عمير (٤٥) مثله.
ذكر ابن وهب قال: لما أتيت عبد العزيز بن الماجشون لا سمع منه قال لي:
إياك أن تعلم مالكا أنك تأتيني فلا يحدثك.
كأنه علم أنه يغمزه.
قال إسماعيل: قال حماد (٤٦) بن أبي حنيفة: أتيت مالكا فرأيته جالسا في صدر بيته، وأصحابه بجنبتي البيت، كل واحد منهم له مجلس، فقمت على باب البيت.
قال: من أنت؟
قلت: فلان، أسأل عن مسألة. قال: ادن، حتى أقعدني بين يدى فراشه، فلما رأى ذلك أصحابه قاموا جميعا من مجالسهم فخرجوا
стр. 252
من البيت، فقال لي: ما كان أبوك يقول في كذا؟ فأخبرته، فقال: وما كانت حجته؟ فأعلمته.
وجعل يسألني عن أشياء من مذهب أبي حنيفة وعن حجته، ثم قال: سل فسألته (٤٧) فأجابنى، فلما خرجت عاد أصحابه إلى مجالسهم.
قال الحسن بن الربيع البوارى (٤٨): كنت على باب مالك، فنادى مناديه: ليدخل أهل الحجاز، فما دخل الاهم، ثم نادى في أهل الشام، ثم في أهل العراق، فكنت آخر من دخل وفينا حماد بن أبي حنيفة فقال: السلام عليكم ورحمة الله.
قال: فأومأ إليه الناس بأيديهم أن اسكت، فقال: أفي الصلاة نحن فلا نتكلم؟
فسمعت مالكا يقول: أستخير (٤٩) الله، مرتين، ثم قال: أخبرنا نافع، فحدث بعشرين حديثا، ثم قال: أخرجوهم، فأخذتنا المقارع.
قال الشافعي: قرأت الموطأ على مالك، ولم يكن يقرأ عليه إلا من فهم العلم، وجالس أهله، وكنت قد سمعت من ابن عيينة والزنجي وغيرهم من المكيين، ولم يبلغ أحد في العلم مبلغ مالك، لحفظه وإتقانه وصيانته.
قال عبد الله بن مطيع: أتينا مالكا فحدثنا بأحاديث، فاستزدناه، فقال: حسب، فأخذتنا المقارع.
وسأل رجل مالكا عن مسألة فلم يجبه، فقال له: لم لم تجبني؟ فقال: لو سألت عما تنتفع به أجبتك.
стр. 253
قال الشافعي: استأذنت على مالك، وكنت أريد أن أسمع منه حديث السقيفة، فقلت: إن جعلته أولا خشيت أن يستطيله ولم يحدثني، وإن جعلته في آخر، خشيت ألا أبلغه، فجعلته بعد عشرة أحاديث، فأخذت أسأله، فلما مرت عشرة قال: حسبك. فلم أسمعه.
قال بشر بن آدم: سأل الأغضف مالكا عن مسألة، ثم عن أخرى فلم يجبه، فقال له: ولم؟ فقال مالك: يا غلام! خذ بيده فاذهب به إلى السجن، قال: إنى قاضى أمير المؤمنين، قال: ذلك أهون لك، قال: لا أعود، قال: خل سبيله.
قال إسماعيل ابن بنت السدى (٥٠): سألت مالكا عن حديث رسول الله ﷺ أنه رمل من الحجر إلى الحجر (٥١)، فقلت: إسناده؟ فقال: جروا برجله.
قال إسماعيل القواريرى: دخلت على مالك فسألته الحديث فحدثني أظنه (٥٢) باثني عشر حديثا، فاستزدته، وكان سودان قيام على رأسه، فإذا هم قد حملوني وأخرجوني من داره، فرموا بي في الطريق، أو نحو هذا.
قال ابن حارث: دخل ابن المبارك وأصحابه على مالك فقالوا يا أبا عبد الله! حدثنا، ولا تحدثنا إلا بحديث الزهري. فقال مالك: يؤخذ بأيديهم ويقاموا عنى. فقام القوم، فلما كان من الغد قال ابن المبارك لأصحابه: إن مالك بن أنس لا يضره أن لا تسمعوا منه شيئا، فعودوا إلى الرجل، فدخلوا عليه فلما أخذوا مجالسهم أعتبهم، وحدثهم من حديث الزهري كما أرادوا.
стр. 254
قال أبو مسهر (٥٣): كان مالك يسأل عن مسألة وثانية، فإذا سئل عن ثالثة قال: خذوا بيده فأخرجوه.
قال ابن مهدي: لما أراد يحيى بن أبي زائدة (٥٤) الحج، كلم عبد الله بن إدريس أن يكتب له كتابا إلى مالك يسمع منه، وكانت بينهما مودة، ففعل، وكان يسمع منه إذ جاءه يوما رجل فقال:
يا أبا عبد الله! ما تقول في رجل أوصى لعبده بمائة درهم؟
فقال مالك: الوصية جائزة.
فقال له يحيى: يا أبا عبد الله! يوصى بماله لما له؟
فنظر مالك إلى من عنده فقال: "ولتعرفنهم في لحن القول" (٥٥) لا تعد إلى.
стр. 255
باب ذكر ما كان رزقه مالك في العلم من نباهة القدر والهيبة والجد
قال القاضي ﵁: قال زياد بن يونس: ما رأيت قط عالما ولا عابدا ولا شاطرا ولا واليا أهيب من مالك مالك رحمه الله تعالى.
قال ابن الماجشون: دخلت على أمير المؤمنين المهدى، فما كان بيني وبينه إلا خادمه، فما هبته هيبتي مالكا.
وقال مثله الدراوردي:
قال سعيد بن أبي مريم: ما رأيت أشد هيبة من مالك، لقد كانت هيبته أشد من هيبة السلطان.
قال مصعب الزبيري: ما رأيت قط أهيب من مالك إلا الخليفة.
وقال سعيد بن أبى هند: ما هبت أحدا هيبتى عبد الرحمن بن معاوية * يريد ملك الأندلس، حتى حججت فدخلت على مالك فهبته هيبة شديدة صغرت هيبة ابن معاوية.
قال ابن أبي أويس وأبو مصعب: ما كان يتهيأ لأحد بالمدينة أن يقول: قال رسول الله ﷺ ، إلا حبسه مالك، فإذا سئل فيه قال: يصحح ما قال ثم يخرج.
قال إسماعيل: ولقد كان ابن كنانة وابن أبي حازم والدراوردي وغيرهم سمعوا مع مالك من مشايخ، وتركوا الحديث عنهم هيبة له حتى مات، ففشا ذلك فيهم.
стр. 256
قال الأصمعي: ما هبت عالما قط ما هبت مالكا، حتى لحن فذهبت هيبته من قلبى، فقلت له في ذلك، فقال: كيف لو رأيت ربيعة (٥٦)؟ كنا نقول له: كيف أصبحت؟ فيقول: بخيرا بخيرا.
قال ابن وهب: قدمت المدينة فسألني الناس أن أسأل لهم، مالكا عن الخنثى، وقد اجتمعوا إليه، وكنت أنا الذي أسأل لهم، فهبت أن أسأله، وهابه كل من في المجلس أن يسأله.
قال هشام بن عمار: دخلت المدينة فأتيت مالك بن أنس، فلما وقع بصرى عليه هبته حتى ضربت على خاصرتي.
قال الشافعي: ما هبت أحدا قط هيبتى مالك بن أنس حين نظرت إليه.
وقيل كان الثورى في مجلسه، فلما رأى إجلال الناس له، وإجلاله للعلم أنشد:
يأبى الجواب فلا يراجع هيبة … فالسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعز سلطان التقى … فهو المهيب وليس ذا سلطان
قال ابن حنبل: كان مالك مهيبا في مجلسه، لا يرد عليه إعظاما له.
- * -
قال الشافعي: كان محمد بن الحسن إذا حدث بالعراق عن مالك امتلأ منزله حتى يضيق بهم الموضع، وإذا حدثهم عن غيره من شيوخ الكوفة لم يمتلئ (٥٧) إلا اليسير، فكان يقول: ما أعلم أحدا أسوأ ثناء منكم على أصحابكم.
стр. 257
قال بكر بن الشرود (٥٨) وغيره، والمعنى متقارب: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة، ونحن نستزيده من حديثه، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذلك الطاق، فأتينا ربيعة فأنبهناه، وقلنا له: أنت ربيعة الذي يحدث عنك مالك؟ قال: نعم. قلنا له: كيف حظى بك مالك، ولم تحظ أنت بنفسك؟ فقال: أما علمتم أن مثقالا من دولة خير من حمل علم؟
قال ابن حارث: كان مالك يجل العلم الذي عنده إجلالا عظيما، ويصون نفسه عن جميع الوجوه التي تنقص وإن قلت، وكان مهيبا شديدا.
قال يحيى بن حسان: كتبت عن مالك يوما ثمانية أحاديث، فسررت بها سرورا كثيرا.
وقال بشر الحافي: حدثنا مالك، وأستغفر الله، أن من زينة الدنيا أن يقول الرجل: حدثنا مالك.
قال حبيب: رأيت مالكا منصرفا من عند المهدى، ما يمر بأحد إلا قام إليه وذكر الله، قال: فذكرت الحديث الذي جاء: إذا رؤوا ذكر الله.
قال غيره: كان مالك يسأل عن المغازي الضحاك بن عثمان، وابن كنانة، ثم يحدث عنهما في مجلسه، فيبتدئ الناس يكتبونها عنه، ويكتبها معهم الضحاك وابن كنانة، وأكثر ذلك إنما سمعه منهما.
قال القعنبي: ما أحسب بلغ مالك ما بلغ إلا بسريرة كانت بينه وبين الله تعالى، رأيته يقام بين يديه الرجل، كما يقام بين يدى الأمير.
قال إسماعيل بن يعقوب السهمى: كنت مع مالك بن أنس يوما جالسا عند بروز أهل الموسم، فجلس إليه رجل عراقي
стр. 258
فسأله عن مسألة، فأجاب، ثم سأله مرة أخرى فأجاب، ثم سأله فأبى أن يجيب، فقال له: قد أنفقت، وجئت هذا الوجه وأنا مسترشد، فأرشدني فقال: بلغني أن رسول * الله ﷺ قال: لا إيمان لمن لا حياء له. فقال العراقي: وأنا بلغني أن النبي ﷺ قال: إذا كثف وجه الرجل رق دينه، فوثب إليه جماعة من جلساء مالك فنزعوا عمامته وطرحوها في رقبته وخنقوه بها.
قال أشهب: عاد مالك محمد بن علي من علة، فصارت له بعيادة مالك وجهة في الناس.
قال عبد الله بن نافع الزبيرى: كنت أقرأ على نافع بن أبي نعيم بعد الصبح، فرفعت صوتي فزجرني وقال: أما ترى مالكا؟ وهو أول ما عرفت به مالكا.
وروى هذا أيضا عن ابن وهب.
قال يونس بن تميم: قدمت المدينة سنة ستين ومائة، فأتيت مالكا، فلما نظرت إليه هبته، فلم أتقدم إليه، ورأيت الناس يهابونه، فأقمت أتردد عشرة أيام، فشكوت ذلك لبعض أهل المدينة فقال لي: أعط كاتبه يسأل لك عما أحببت، وأما أنت فلا أحسب تتهيأ لك مساءلته، لأنه أهيب من ذلك في صدور الناس.
قال عبد الله العباسي: كان أهل المدينة إذا مات لهم ميت يقولون: امضوا بنا إلى مالك يعزينا.
قال مصعب: رأيت مالكا على ضجاع لا يقعد معه أحد، وقريش قعود فإذا جاءه رجل من بنى هاشم، ثنى رجله وأجلسه على ضجاعه، فيقبل عليه ولا يلتفت إلى أحد حتى يفرغ.
قال التسترى: وهذا في غير مجلس العلم.
وقد قيل إن المخزومي كان ممن يجلس معه على فراشه.
стр. 259
- * -
قال بعضهم: سعى ابن أبي الزناد (٥٩) بمالك إلى بعض أمراء المدينة، فأتاه مالك ليلا يسأله أن يكف عنه، فأدخله حجلته (٦٠)، فعجب الناس منه كيف ائتمنه على حرمه لما بينهما، ومضى إلى الوالي ورجع فقال: قد كفيته، ثم لم يعد مالك إلى كلامه حتى مات.
قال بعض الحسينيين (٦١): كنت مقيما عند أهلى أيام ابتنائى بها، فأتاني مالك وأنا مع أهلى في الحجلة، فاستأذن، فكرهت أن أحبسه (٦٢) بالباب إلى أن أباعد أهلى، فخرجت من الحجلة وأرخيت الستر على وجه زوجتى، وقعدت بين يدى الحجلة، وأذنت له فدخل وجلس ثم قال:
- إن هذا - يعنى الأمير - قد حبس غلامى، أخذه العسس فامض إليه حتى يطلقه. فهبت أن أخبره بموضع زوجتى، أو أراجعه، فتركته جالسا وخرجت إلى الأمير، فأطلق غلامه وجئت به، فلما رآني آخذا بيد الغلام، تلقاني وانتزع الغلام وخرج متوكئا عليه، والله ما قال لي: أحسن الله جزاءك.
стр. 260
باب اتباعه السنن وكراهيته المحدثات، وبعض ما روى عنه في عقائد أهل السنة والكلام في أهل الأهواء
قال الفقيه القاضي ﵁: كان مالك كثيرا ما يتمثل:
وخير أمور الدين ما كان سنة … وشر الأمور المحدثات البدائع
قال ابن حنبل: مالك أتبع من سفيان.
وقال ابن حنبل: إذا رأيت الرجل يبغض مالكا فاعلم أنه مبتدع.
قال أبو داود: أخشى عليه البدعة.
وقال ابن مهدي: إذا رأيت الحجازى يحب مالك بن أنس فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيت أحدا يتناوله، فاعلم أنه على خلاف.
قال إبراهيم بن يحيى بن بسام: ما سمعت أبا داود (٦٣) لعن أحدا قط إلا رجلين، أحدهما رجل ذكر له أنه لعن مالكا، والآخر بشر المريسي.
قال معن: انصرف مالك يوما إلى المسجد وهو متكئ على يدى، فلحقه رجل يقال له أبو طريدة (٦٤) يتهم بالإرجاء، فقال: يا أبا عبد الله! اسمع منى شيئا * أكلمك به وأحاجك وأخبرك برأيي.
فقال له: احذر أن أشهد عليك.
قال: والله ما أريد إلا الحق، اسمع فإن كان صوابا فقل: ايه (٦٥)، أو فتكلم.
قال: فإن غلبتنى؟ قال: اتبعني.
قال: فإن غلبتك؟ قال: أتبعك.
стр. 261
قال: فإن جاء رجل فكلمناه فغلبنا؟ قال اتبعناه.
فقال له مالك: يا أبا عبد الله! بعث الله محمدا بدين واحد، وأراك تنتقل، وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل.
وقال مالك: ليس الجدال في الدين بشيء.
وقال مالك: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب العبد.
وقال: إنه يقسى القلب ويورث الضغن.
قال الزهرى: رأيت مالكا، وقوم يتجادلون عنده، فقام ونفض رداءه وقال: إنما أنتم حرب.
قال الهيثم بن جميل: قيل لمالك: الرجل له علم بالسنة يجادل عنها؟ قال: لا، ولكن ليخبر بالسنة فإن قبل منه وإلا سكت.
قال أبو طالب المكى: كان مالك أبعد الناس من مذاهب المتكلمين، وأشدهم بغضا للعراقيين، وألزمهم لسنة السالفين من الصحابة والتابعين.
- * -
قال سفيان بن عيينة: سأل رجل مالكا فقال: "الرحمن على العرش استوى" (٦٦)، كيف استوى يا أبا عبد الله؟ فسكت مالك مليا حتى علاه الرحضاء (٦٧)، وما رأينا مالكا وجد من شيء وجده من مقالته، وجعل الناس ينظرون ما يأمر به، ثم سرى عنه فقال:
- الاستواء منه معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب، وإنى لأظنك ضالا، أخرجوه!
فناداه الرجل: يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله إلا هو، لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة والكوفة والعراق فلم أجد أحدا وفق لما وفقت له.
стр. 262
قال أبو مصعب: قدم علينا ابن مهدى (٦٨)، فصلى ووضع رداءه بين يدى الصف، فلما سلم الإمام رمقه الناس بأبصارهم، ورمقوا مالكا، وكان قد صلى خلف الإمام، فلما سلم قال: من ها هنا من الحرس؟ فجاء نفسان، فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه، فحبس، فقيل: أنه ابن مهدى. فوجه إليه وقال له:
- أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه، وقد قال النبي ﷺ : "من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"؟
فبكى ابن مهدى، وآلى على نفسه ألا يفعل ذلك أبدا في مسجد النبي ﷺ ولا في غيره.
وفى رواية ابن مهدى قال: فقلت للحرس: اذهبا بي إلى أبي عبد الله. قالا: إن شئت، فذهبا بي إليه، فقال: يا أبا عبد الرحمان، تصلى مستلبا (٦٩)؟
فقلت: يا أبا عبد الله إنه كان يوما حارا كما رأيت، فثقل ردائى على، فقال، الله ما أردت بذاك الطعن علي من مضى والخلاف عليهم؟
قلت: الله. فقال: خلياه.
قال سفيان بن عيينة: سألت مالكا عمن أحرم من المدينة وراء الميقات؟
فقال: هذا مخالف لله ولرسوله، أخشى عليه الفتنة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، أما سمعت قوله تعالى: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" (٧٠) وقد أمر النبي ﷺ أن يهل من المواقيت.
стр. 263
وسأل رجل مالكا عن شيء من علم الباطن، فغضب وقال:
- أن علم الباطن لا يعرفه إلا من عرف علم الظاهر، فمتى عرف علم الظاهر وعمل به فتح الله عليه علم الباطن، ولا يكون ذلك إلا مع فتح قلبه وتنويره.
ثم قال * للرجل: عليك بالبين المحض، وإياك وبنيات الطرق (٧١)، وعليك بما تعرف واترك ما لا تعرف.
قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول إذا جاءه بعض أهل الأهواء:
أما أنا فعلى بينة من ربى، وأما أنت فشاك، فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه.
ثم قرأ: "قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة" (٧٢) الآية.
قال مطرف: سمعت مالكا إذا ذكر عنده فلان من أهل الزيغ والأهواء يقول:
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد بعد هؤلاء تبديلها ولا النظر في شيء يخالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
وكان مالك إذا حدث بهذا ارتج سرورا.
وسأل رجل مالكا فقال: من أهل السنة يا أبا عبد الله؟
قال: الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمى ولا رافضي ولا قدرى.
стр. 264
قال ابن نافع وأشهب - وأحدهما يزيد على الآخر -: قلت: يا أبا عبد الله! "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" (٧٣) ينظرون إلى الله؟
قال: نعم، بأعينهم هاتين.
فقلت له: فإن قوما يقولون: لا ينظر إلى الله، أن "ناظرة" بمعنى منتظرة إلى الثواب.
قال: كذبوا، بل ينظر إلى الله، أما سمعت قول موسى ﵇: "رب أرنى أنظر إليك" (٧٤)؟ أفترى موسى سأل ربه محالا؟ فقال الله: "لن ترانى" في الدنيا، لأنها دار فناء، ولا ينظر ما يبقى بما يفنى، فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما يبقى إلى ما يبقى. وقال الله: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" (٧٥).
* * *
قال زهير بن عباد: قلت لمالك: ما قولك في صنفين عندنا، بالشام اختلفوا في الإيمان، فقالوا يزيد وينقص؟
قال: بئس ما قالوا.
قلت: قالوا إنا نخاف على أنفسنا النفاق.
قال: بئس ما قالوا.
قلت: فإن قالوا نحن مؤمنون إن شاء الله، قالت الأخرى الإيمان واحد، وإيمان أهل الأرض كإيمان أهل السماء؟
قال: لا تقولوا.
قلت: فإن قالوا: نحن مؤمنون حقا؟
قال: لا تقولوا.
قلت: فما ينبغى للطائفتين أن يقولوا؟
قال: يقولون: نحن مؤمنون ثم يكفون عما سوى ذلك من الكلام، فإن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس
стр. 265
حتى يقولوا لا إله إلا الله" الحديث. قال: "ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا" (٧٦).
قال زهير: فقلت له: فإن الطائفتين عادت بعضها بعضا.
فاسترجع وتعجب، قال لي: وقد أقام الناس يصلون إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم أمروا بالصلاة إلى البيت الحرام، فقال الله: "وما كان الله ليضيع إيمانكم" (٧٧) يعنى صلاتكم إلى بيت المقدس، وإنى لأذكر بهذه الآية قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان.
قال زهير: وقد كان دخل على مالك من سأله عن نحو هذا، فأمر به فأخرج، وكأنه يسخر بي.
* * *
قال غير واحد: سمعت مالكا يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض. قال: والله في السماء وعلمه في كل مكان.
قال ابن القاسم: كان مالك يقول: الإيمان يزيد، وتوقف عن النقصان، وقال: ذكر الله زيادته في غير موضع، فدع الكلام في نقصانه وكف عنه.
وقال مالك: أنا مؤمن والحمد لله.
وقان ابن أبي أويس: قال مالك: القرآن كلام الله، وكلام الله من الله، وليس في الله شيء مخلوق.
زاد غيره عنه: ومن قال: القرآن مخلوق، فهو كافر، والذي يقف أشد منه يستتاب، وإلا ضربت عنقه.
وفي رواية ابن نافع عنه: يجلد ويحبس من قال ذلك.
стр. 266
وفي رواية بشر بن بكر التنيسى (٧٨): يقتل * ولا تقبل توبته.
قال البركاني والتسترى من شيوخنا العراقيين: معنى الجوابين مختلف، يقتل المستبصر الداعية، ويضرب غيره.
* * *
وسئل عن حديث التنزل (٧٩)، فقال: ينزل أمره كل سحر، وأما هو فدائم لا يزول.
قال الوليد بن مسلم: سألت مالكا عن هذه الأحاديث، فقال: اقرأوها (٨٠) كما جاءت. فقيل له: أن ابن عجلان يحدث بها فقال: لم يكن من الفقهاء.
قال في رواية ابن القاسم وابن وهب: أنه كان لا يعرف هذه الأشياء، وكره مالك أن يحدث بها عوام الناس الذين لا يعرفون وجهه، ولا تبلغه عقولهم، فينكروه أو يضعوه في غير موضعه.
وجاء إلى مالك رجل قال له: ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ قال: زنديق فاقتلوه. فقال: يا أبا عبد الله! ليس هو كلامي إنما هو كلام سمعته. قال: لم أسمعه أنا إلا منك.
* * *
قال أشهب: كنا عند مالك إذ وقف عليه رجل من العلويين، وكانوا يغلبون على مجلسه، فناداه:
يا أبا عبد الله!
فأشرف له مالك، ولم يكن إذا ناداه أحد يجيبه أكثر من أن يشرف برأسه.
стр. 267
فقال له الطالبي: أنى أريد أن أجعلك حجة فيما بيني وبين الله، إذا قدمت عليه فسألني، قلت له: مالك قال لي.
فقال له: قل.
فقال: من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟
قال: أبو بكر.
قال العلوى: ثم من؟
قال مالك: ثم عمر.
قال العلوى: ثم من؟
قال: الخليفة المقتول ظلما، عثمان.
قال العلوى: والله لا أجالسك أبدا.
قال له مالك: فالخيار إليك.
قال عبد الرحمن بن قاسم عنه: ما أدركت أحدا إلا وهو يرى الكف بين عثمان وعلى، ولا شك في أبي بكر وعمر أنهما أفضل من غيرهما.
زاد ابن وهب عنه: وعلى هذا مضى الناس.
وفى رواية أبي مصعب: سئل مالك من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟
فقال مالك: أبو بكر.
قال: ثم من؟
قال: ثم عمر.
قيل: ثم من؟
قال: عثمان.
قيل: ثم من؟
стр. 268
قال: هنا وقف الناس، هؤلاء خيرة أصحاب رسول الله ﷺ ، أمر أبا بكر على الصلاة، واختار أبو بكر عمر، وجعلها عمر إلى ستة، فاختاروا عثمان، فوقف الناس هنا.
زاد في رواية: وليس من طلب الأمر كمن لم يطلبه.
وفى رواية ابن وهب: أفضل الناس أبو بكر وعمر، قلت: ثم من؟ فأمسك. قلت إنى امرؤ أقتدى بك في ديني. فقال: وعثمان.
زاد في رواية أبي مصعب: ثم استوى الناس.
وقال البزار: سألت أبا عاصم النبيل عن التقدمة في السلف، فقال: حمزة وجعفر. قلت: إنما نحن في العشرة. فسكت، ثم قال: كان مالك يقدم حمزة.
* * *
قال مصعب الزبيرى وابن نافع: دخل هارون المسجد فركع، ثم أتى قبر النبي ﷺ ، فسلم عليه، ثم أتى مجلس مالك فقال:
- السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
قال له مالك: وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
ثم قال لمالك: هل لمن سب أصحاب رسول الله ﷺ في الفيء حق؟
قال: لا، ولا كرامة ولا مسرة.
قال: من أين قلت ذلك؟
قال: قال الله: "ليغيظ بهم الكفار" (٨١) فمن عابهم فهو كافر، ولا حق لكافر في الفيء.
стр. 269
واحتج مرة أخرى في ذلك بقوله تعالى: "للفقراء المهاجرين" الثلاث آيات (٨٢). قال: فهم أصحاب رسول الله ﷺ الذين هاجروا معه، وأنصاره، والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، الآية. فمن عادى هؤلاء فلا حق له فيه.
* * *
قال إسحاق بن عيسى: رأيت رجلًا من أهل المغرب جاء مالك بن أنس فقال: أن الأهواء كثرت قبلنا، فجعلت على نفسي * إن أنا رأيتك أن آخذ بما تأمرنى به، فوصف له مالك شرائع الإسلام: الصلاة والزكاة والصوم والحج، ثم قال: خذ بها ولا تخاصم أحدا.
قال ابن وهب وغير واحد: سئل مالك عن أهل القدر: أنكف عن كلامهم؟
قال: نعم، إذا كان عارفا بما هو عليه. قال: ونأمره بالمعروف وننهاه عن المنكر وتخبرهم بخلافهم ولا نواصل القول (٨٣)، ولا يصلى عليهم ولا نشهد جنائزهم، ولا أرى أن يناكحوا.
زاد في رواية غيره: قال الله: "ولعبد مؤمن خير من مشرك" (٨٤).
قال في رواية أشهب: ولا يصلى خلفهم ولا يحمل عنهم الحديث، وإن وافيتموهم في ثغر فأخرجوهم منه.
قال ابن القاسم عنه: ولا يسلم عليهم ولا يعاد مرضاهم.
قال الواقدى عنه: ولا تجوز شهادة القدرى الذي يدعو، ولا الخارجى والرافضي. وقد روى عن مالك منع شهادته مجملا، وروى عنه: إذا كان داعية.
стр. 270
قال مصعب: سأل رجل مالكا فقال: الفواحش كتبه الله علينا؟
قال: نعم، قبل أن يخلقنا، ولابد لمن كتب الله عليه ذلك أن يعملها، ويصير إلى ما قدر عليه وكتب.
قال الكرابيسى (٨٥)، سمعت مالكا، وسئل عن القدرية من هم؟ قال: من قال: ما خلق المعاصى (٨٦).
وقال القاسم بن محمد: سألت مالكا عن القدرية من هم؟ فقال: سألت أبا سهيل كما سألتني فقال: هم الذين يقولون أن الاستطاعة إليهم، أن شاءوا أطاعوا وإن شاءوا عصوا.
* * *
قال الفروى: سمعت ابن أبي حنيفة يقول لمالك: أن لنا رأيا نعرضه عليك، فإن رأيته حسنا مضينا عليه وإن رأيته سيئا نكبنا عنه، قال: لا نكفر أحدا بذنب، المذنبون كلهم مسلمون.
قال: ما أرى بهذا بأسا.
فقال له داود بن أبي زنبر وإبراهيم بن حبيب وابن نافع الصائغ: يا أبا عبد الله، أن هذا ليسوق الكلام إلى أن يقول: دينى دين الملائكة وجبريل وميكائيل.
فقال: لا والله: الدين يزيد، قال الله "ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم" وقال إبراهيم: "رب أرنى كيف تحيي الموتى" الآية.
قد أثبت زيادة في دينه.
قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: أن المرجئة أخطأوا وقالوا قولا عظيما، قالوا: أن من أحرق الكعبة أو صنع كل شيء فهو مسلم.
فقيل لمالك: ما ترى فيهم؟
стр. 271
قال: قال الله تعالى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين" (٨٧).
قال ابن وهب: سمعت مالكا، وقيل له أن أهل الأهواء يحتجون علينا بحديث: "كل مولود يولد على الفطرة" الحديث، فقال: احتجوا عليهم بآخره: "الله أعلم بما كانوا عاملين".
قال ابن نافع: سمعت مالكا يقول: لو أن العبد ارتكب الكبائر كلها بعد أن لا يشرك بالله شيئا ثم نجا من هذه الأهواء، لرجوت أن يكون في أعلى جنات الفردوس، لأن كل كبيرة بين العبد وبين ربه هو منها على رجاء، وكل هوى ليس هو منه على رجاء إنما يهوى بصاحبه في نار جهنم.
قال مالك: أهل الأهواء كلهم كفار، وأسوأهم الروافض.
قيل: فالنواصب؟
قال: هم الروافض، رفضوا الحق ونصبوا له العداوة والبغضاء.
معناه أن الأربعة أهل الحق (٨٨)، فمن رفض واحدا منهم فقد ناصب الحق.
قال مطرف: رأيت مالكا يحتجم (٨٩) يوم الأربعاء ويوم السبت مذكرا لما روى في ذلك.
стр. 272
باب في ذكر عبادة مالك وورعه وخوفه وعزلته وإجابة دعائه
قال القاضي ﵁:
قال الزبير بن حبيب: كنت أرى مالكا إذا دخل الشهر أحيى أول ليلة منه، وكنت أظنه إنما يفعل ذلك ليفتتح به الشهر.
وقالت فاطمة بنت مالك: كان مالك يصلى كل ليلة * حزبه، فإذا كانت ليلة الجمعة أحياها كلها.
قال المغيرة: خرجت ليلة بعد أن هجع الناس هجعة، فمررت بمالك بن أنس، فإذا أنا به قائم يصلى، فلما فرغ من "الحمد لله" ابتدأ بـ "الهاكم التكاثر" حتى بلغ "ثم لتسألن يومئذ عن النعيم" فبكى بكاء طويلا، وجعل يرددها ويبكي، وشغلني ما سمعت منه ورأيت منه عن حاجتي التي خرجت إليها، فلم أزل قائما وهو يرددها ويبكى حتى طلع الفجر، فلما تبين له ركع، فصرت إلى منزلى، فتوضأت ثم أتيت المسجد، فإذا به في مجلسه والناس حوله، فلما أصبح نظرت فإذا أنا بوجهه قد علاه نور حسن.
قال محمد بن خالد بن عثمة (٩٠): كنت إذا رأيت وجه مالك، رأيت أعلام الآخرة في وجهه، فإذا تكلم علمت أن الحق يخرج من فيه.
стр. 273
قال أبو مصعب: كان مالك يطيل الركوع والسجود في ورده، وإذا وقف في الصلاة كأنه خشبة يابسة لا يتحرك منه شيء، فلما ضرب قيل له:
لو خففت من هذا قليلا؟
فقال: ما ينبغي لأحد يعمل لله عملا إلا حسنه، والله تعالى يقول "ليبلوكم أيكم أحسن عملا" (٩١).
قال ابن وهب: ما رأت عيني قط أورع من مالك بن أنس.
وذكر ابن القاسم، أن خادم مالك قالت له: أن لمالك اليوم بضعا وأربعين سنة قلما يصلى الصبح إلا بوضوء العتمة.
قال ابن المبارك: رأيت مالكا فرأيته من الخاشعين لله، وإنما رفعه الله بسريرة بينه وبينه، وذلك أنى كثيرا ما كنت أسمعه يقول:
من أحب أن تفتح له فرجة في قلبه، وينجو من غمرات الموت وأهوال يوم القيامة، فليكن عمله في السر أكثر منه في العلانية.
وروي نحوه عن مطرف.
قال ابن مهدي: ما رأيت أحدا الله في قلبه أهيب منه في قلب مالك بن أنس.
وفى رواية "أجل" مكان "أهيب".
قال ابن أبي أويس: كان مالك يأمر بالمعروف ويحث عليه.
* * *
وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي ﷺ عنده تغير لونه وانحنى، حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوما في ذلك، فقال:
стр. 274
- لو رأيتم، لما أنكرتم على ما ترون، كنت آتي محمد بن المنكدر (٩٢)، وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله عن حديث إلا بكى حتى نرحمه، ولقد كنت آتي جعفر بن محمد (٩٣) وكان كثير المزاح والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي ﷺ اخضر واصفر.
قال مالك: ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال، إما مصليا، وإما صائما، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته قط يحدث عن رسول الله ﷺ إلا على الطهارة، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء العباد الزهاد الذين يخشون الله، وما أتيته قط إلا ويخرج الوسادة من تحته ويجعلها تحتى، وأخذ يعدد فضائله وما رآه من فضائل غيره من أشياخه في باب طويل.
قال بعضهم: رأيت مالكا صامتا لا يتكلم ولا يلتفت يمينا ولا شمالا إلا أن يكلمه إنسان فيسمع منه ثم يجيبه بشيء يسير، فقيل له في ذلك، فقال:
وهل يكب الناس في نار جهنم إلا هذا - وأشار إلى لسانه - ولقد بلغني أن رجلا دخل على أبي بكر الصديق وهو يجبذ لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، فإذا قالها هو فكيف بنا إلا أن يتغمدنا الله برحمته.
وقال مالك: كنت كلما أجد في قلبى قسوة آتي محمد بن المنكدر، فأنظر إليه نظرة فأتعظ بنفسي أياما.
قال بشر بن عمر: كان مالك لا يضحك، فقيل له في ذلك، فقال: الضحك يدعو إلى السفه، وقد بلغنى أن * ضحك النبي ﷺ كان تبسما.
стр. 275
قال ابن وهب: كان في كم (٩٤) مالك منديل مطوى على أربع طاقات، فإذا سجد سجد عليه، فقيل له في ذلك، فقال: أفعله لئلا يؤثر الحصى في جبهتي فيظن الناس أنى أقوم الليل.
قال ابن وهب: وكان أكثر عبادة مالك في السر بالليل والنهار حيث لا يراه أحد.
قال أبو بكر الأويسى: كان مالك قد أدام النظر في المصحف قبل موته بسنين (٩٥)، وكان كثير القراءة طويل البكاء.
وقال ابن مهدي: سمعت مالكا يقول: لو علمت أن قلبي يصلح على كناسة لذهبت حتى أجلس عليها.
* * *
وقال مطرف: كان مالك يستعمل في نفسه ما لا يلتزمه الناس، ويقول: لا يكون العالم عالما حتى يكون كذلك، وحتى يحتاط لنفسه بما لو تركه لم يكن عليه فيه إثم.
قال الشافعي: رأيت بباب مالك كراعا من أفراس خراسان، ويقال: مصر، فقلت له: ما أحسنها! فقال: هي هبة منى إليك، فقلت: دع لنفسك منها دابة تركبها، فقال: أني أستحيى من الله أن أطأ تربة فيها نبى الله بحافر دابة.
قال أبو عمران الصدفى: دخلت على مالك وعلى ثياب الصوف، فقال: أخرجوه! فقلت لا تفعل يا أبا عبد الله إنما أتيتك لأنك من ورثة الأنبياء، فقال: دعوه، فسألته عن جوائز السلطان، فكرهها، فقلت له: فإنك تقبل. فقال: أتريد أن تبوء بإثمى وإثمك؟
قال التنيسي (٩٦): كنا عند مالك وأصحابه حوله، فقال رجل من أهل نصيبين:
стр. 276
عندنا قوم يقال لهم الصوفية، يأكلون كثيرا، ثم يأخذون في القصائد، ثم يقومون فيرقصون.
فقال مالك: أصبيان هم؟
قال: لا.
قال: أمجانين هم؟
قال: لا، هم قوم مشايخ، وغير ذلك، عقلاء.
فقال مالك: ما سمعت أن أحدا من أهل الإسلام يفعل هذا.
فقال له الرجل: بل يأكلون ثم يقومون ويرقصون دوائب (٩٧)، ويلطم بعضهم رأسه، وبعضهم وجهه.
فضحك مالك ثم قام فدخل منزله، فقال أصحاب مالك للرجل: لقد كنت يا هذا مشؤوما على صاحبنا، لقد جالسناه نيفا وثلاثين سنة ما رأيناه ضحك إلا في هذا اليوم.
قال يحيى بن الزبير: قال لي مالك: اعتزلت أنت وعبد الله بن عبد العزيز؟ قلت: نعم، قال: عجلتم، ليس هذا أوانه.
قال: ثم لقيت مالكا بعد عشرين سنة، فقال: هذا أوانه، ثم اعتزل ولزم بيته.
* * *
قال بعضهم: لم يشهد مالك الجماعة والجمعة سبع سنين (٩٨).
قال محمد بن عمر: لما خرج محمد بن الحسن (٩٩) لزم مالك بيته فلم يخرج منه حتى قتل محمد.
стр. 277
قال الواقدى ومصعب بن عبد الله: كان مالك يحضر المسجد، ويشهد الجمعة والجنائز، ويعود المرضى، ويجيب الدعوة، ويقضى الحقوق، زمانا، ثم ترك الجلوس في المسجد، وكان يصلى وينصرف، ثم ترك عيادة المرضى وشهود الجنائز، فكان يأتى أصحابها فيعزيهم، ثم ترك مجالسة الناس ومخالطتهم، والصلاة في مسجد النبي ﷺ حتى الجمعة، ولا يعزى أحدا، ولا يقضى له حقا، فكان يقال له في ذلك، فيقول: ما يتهيأ لكل أحد أن يذكر ما فيه.
وفى بعض الروايات: من الأعذار أعذار لا تذكر.
فاحتمل الناس له كل ذلك، وكانوا أرغب ما كانوا فيه وأشده (١٠٠) تعظيما له، حتى مات على ذلك.
قال عتيق بن يعقوب ومصعب: فلما حضرته الوفاة سئل عن تخلفه عن المسجد، قال عتيق بن يعقوب: وكان تخلفه عنه قبل موته بسنين (١٠١)، فقال:
- لولا أنى في آخر يوم من أيام الدنيا، وأوله من الآخرة ما أخبرتكم، سلس بولى * فكرهت أن آتي مسجد النبي ﷺ على غير طهارة استخفافا برسول الله ﷺ ، وكرهت أن أذكر علتى فأشكو ربى.
وفى طريق آخر أنه قال: حنيفة أن آتي (١٠٢) منكرا.
وفي رواية خلف بن محمد (١٠٣) عنه: إني ضعفت عن ذلك.
стр. 278
وقيل: بل كان اعتراه فتق من الضرب الذي كان ضرب، فكانت الريح تخرج منه، فقال: كرهت أن أوذى أهل مسجد (١٠٤) رسول الله ﷺ .
وقال يعقوب بن عبد الرحمن: كان مالك لا يتكلم عند طلوع الشمس ولا عند غروبها.
وقال ابن وهب: كان مالك لا يفتى ولا يتكلم حتى تطلع الشمس.
زاد مروان بن محمد (١٠٥) وسعيد بن الجهم: وكان يسبح ويذكر الله، فإذا طلعت الشمس، قال مروان: قام إلى حلقته وذاكر أصحابه، وقال الآخر: انفتل إلى حلقته وقال: السلام عليكم.
قال مطرف: لقد رأيته يوما وهو جالس في المسجد بعد الصبح يدعو، ووجهه يخضر ويصفر حتى طال الدعاء، فأتاه سائل عن مسألة فقطع عليه، فالتفت مغضبا فقال:
- يأتى أحدكم للرجل وهو في دعائه، وقد فتح الله عليه منه ما شاء أن يفتحه، مما يستيقن به الإجابة، فيقطع ذلك عليه، فلا يعود أبدا.
قال ابن أبي حازم: كان بين رجل من قريش وبين مالك كلام، فقال له مالك:
إن كنت تريد عيبى فسلط الله عليك من يخرجك من بيتك شر مخرج.
فلما صلى بنا إمامنا الصبح، جلس في محرابه فنام فيه، فرأى كأن عمر بن الخطاب ﵁ معه حرسى يقول له:
أخرج الحمار الضال من المسجد، ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها حلاله وحرامه وسنن نبيه وما يقرب إليه.
стр. 279
فانتبه الإمام لجلبة الناس على الرجل، وقد أخرج من المسجد، وأخذ، ووضع في عنقه حبل، وجيء به إلى دار السلطان، فأخبر الناس الإمام برؤياه، وأخبر الرجل بالقصة، فجعل يضرع لمالك ويقول:
- خلنى يا خير من يقول "حدثنا" (١٠٦) فاستغفر له مالك.
قال أبو مصعب: سمعت مالكا يقول: إني لأذكر وما في وجهى طاقة شعر، وما منا أحد يدخل المسجد إلا معتما إجلالا لرسول الله ﷺ .
قال بشر بن عمر: جئت مع مالك من منزله حتى دخل المسجد، فانتهى إلى حلقة (١٠٧) فوسع له في صدرها، فأبى وجلس حيث انتهى به المجلس، فقلت في نفسي هذا رجل منصف، كما لا يوسع لاحد في مجلسه، لا يقعد في صدور مجالس الناس.
قال الحارث بن مسكين: رحم الله مالكا، ما كان أصونه للعلم، وأصبره على الفقر ولزوم المدينة، أمر له بجوائز، ثلاثة آلاف دينار، فما استبدل منزلا غير المنزل الذي كان فيه، ولا استفاد منها غلة ولا ضيعة ولا تجارة.
قال ابن القاسم: كان لمالك ﵀ أربعمائة دينار يتجر له بها، فمنها كان قوام عيشه ومصلحته.
قال ابن أبي أويس: كان مالك قد أكثر النظر في المصحف قبل موته بسنين (١٠٨)، وكان كثير القراءة طويل البكاء.
стр. 280
باب شدة مالك في إقامة حدود الله تعالى
قال القاضي ﵁:
قال البهلول بن عبيدة: كنت عند مالك، فأتى برجل ملبب، فقالوا له: الأمير يقرئك السلام ويقول لك: هذا رجل خنق رجلا فقتله، فقال مالك: اخنقوه حتى يموت كما فعل به.
فذهبوا به، وركبت مالكا صفرة، وتشوف، حتى مر به رجل فأخبره * أنهم خنقوه، فرجع إلى وجهه، فقال له ابن كنانة في ذلك، فقال:
أظننتم أنى ندمت؟ لكني خفت أن يبطل حكم من أحكام الله تعالى.
* * *
قال عبد الجبار بن عمر: حضرت مالكا، وقد أحضره الوالي في جماعة من أهل العلم، فسألهم عن رجل عدا على أخيه حتى إذا أدركه دفعه في بئر وأخذ رداءه، وأبوا الغلامين حاضران، فقال جماعة من العلماء: الخيار للأبوين في العفو أو القصاص، فقال مالك: أرى أن تضرب عنقه الساعة، فقال الأبوان: أيقتل ابننا بالأمس ونفجع بالآخر اليوم؟ ونحن أولياء الدم، وقد عفونا!
فقال الموالى: يا أبا عبد الله! ليس ثم طالب غيرهم، وقد عفوا.
فقال مالك: والله الذي لا إله إلا هو، لا تكلمت في العلم أبدا أو تضرب عنقه.
وسكت، وكلم فلم يتكلم، فارتجت المدينة وصاح الناس: إذا سكت مالك فمن نسأل ومن يجيب؟ وكثر اللغط، وقالوا: لا أحد بمصر من الأمصار مثله، ولا يقوم مقامه في العلم والفضل.
стр. 281
فلما رأى الوالى عزمه على السكوت، قدم الغلام فضربت عنقه، فلما سقط رأسه التفت مالك إلى من حضر وقال:
إنما قتلته بالحرابة (١٠٩) حين أخذ ثوب أخيه، ولم أقتله قودا إذ عفا أبواه.
فانصرف الناس وقد طابت نفوسهم حين رأوه بر في يمينه، إذ كان يعلم أنه لا يحنث.
* * *
قال حفص بن غياث: كان مالك بن أنس يجلس عند الوالي، فيعرض عليه أهل السجن، فيقول: اقطع هذا، واضرب هذا مائة، وهذا مائتين، وأصلب هذا، كأنه أنزل عليه كتاب.
قال أشهب: دعا بعض الأمراء مالكا يستشيره في شيء فدخل عليه، وأشار بقطع قوم وقتل قوم، وخرج علينا وهو يتبسم ويقرأ: "ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب" (١١٠).
стр. 282
باب في حكمه ووصاياه وآدابه
قال الفقيه القاضي رضى الله تعالى عنه:
قال مالك ﵀: إنما التواضع في التقى والدين، لا في اللباس.
وقال: التواضع ترك الرياء والسمعة.
وقال: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس وقال زيد بن الحسن: سمعته يقول: الزهد في الدنيا طيب المكسب وقصر الأمل (١١١).
وقال: الدنيا (١١٢) صحة البدن وطيب النفس من النعيم.
وقال التواضع في التقى والدين وليس في اللباس.
وروى ابن المبارك عنه أنه قال: من أحب أن تفتح له فرجة في قلبه، فليكن عمله في السر أفضل منه في العلانية.
وقال: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب.
وقد روى هذا الكلام عن ابن مسعود.
وقال ابن وهب عنه: طلب العلم حسن لمن رزق خيره، وهو قسم من الله، ولكن انظر ما يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسى فالزمه.
وقال: العلم نفور (١١٣) لا يأنس إلا بقلب تقى خاشع.
стр. 283
وروى ابن عبد الحكم: سئل مالك عن طلب العلم، أفريضة هو؟ قال: لا، ولا يطلب ما لا ينتفع به، ولا يطلب الأغاليط والألغاز والإكثار.
وفي رواية أشهب: سئل مالك عن طلب العلم، أفريضة هو؟ قال: (١١٤) والله ما كل الناس عالم، وإن منهم من لا آمره بطلبه، ثم قال: أما على كل الناس، فلا.
قال ابن وهب: قال مالك: خير الأمور ما كان منها واضحا (١١٥) بينا أمره، وإن كنت في أمرين أنت منهما في شك، فخذ بالذي هو أوثق.
وقال لابن وهب: أد ما سمعت وحسبك، ولا تحمل لأحد على ظهرك، فإنه كان يقال: أخسر الناس من باع آخرته بدنياه، وأخسر منه من باع آخرته بدنيا غيره.
وقال: ينبغى للرجل إذا خول علما وصار رأسا يشار إليه * بالأصابع، أن يضع التراب على رأسه، ويمقت نفسه إذا خلا بها، ولا يفرح بالرياسة فإنه إذا اضطجع في قبره وتوسد التراب ساءه ذلك كله.
وقال لأبي مسهر (١١٦): لا تسأل عما لا تريد، فتنسى ما تريد، فإنه من اشترى ما لا يحتاج إليه، باع ما يحتاج إليه.
وقال: من إدالة العلم أن تجيب كل من سألك، ولا يكون إماما من حدث بكل ما سمع، ومن العلم أن ينطق به قبل أن يسأل عنه.
وقال: ان المسألة إذا سئل فيها الرجل فلم يجب واندفعت عنه، فإنما هي بلية (١١٧) صرفها الله عنه.
وقال: لا يصلح طلب العلم لمفلس ولا لغنى متكبر.
وقيل له: ما أفضل ما يصنع العبد؟ قال: طلب العلم.
стр. 284
وقال: لولا النسيان كان أكثر الناس علماء.
وقال: إنما أهلك الناس تأويل ما لا يعلمون.
وقيل له: العالم يخطئ؟ قال: الذي دل عليه من الخير أكثر، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟ ولو لم يأمر بالمعروف إلا من ليس فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف.
وقال: من شأن ابن آدم أن لا يعلم، ثم يعلم، أما سمعت قول الله تعالى: "إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا" (١١٨).
وقال: إنما الحكمة مسحة ملك على قلب العبد.
وقال أيضا: الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد.
وقال أيضا: يقع لقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.
وقال أيضا: الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع له.
وقال في سماع ابن وهب وابن القاسم: الحكمة طاعة الله، والاتباع لها، والفقه في الدين، والعمل به.
وقال الفروى: سمعته يقول: إذا لم يكن للإنسان في نفسه خير، لم يكن للناس فيه خير.
وقال ابن وهب: سمعته يقول: لا خير في شيء من الدنيا وإن كثر، بفساد دين الرجل أو مروءته.
وقال: تعلموا العلم قبل العمل.
وقال: نقاء الثوب وحسن الهمة وإظهار المروءة (١١٩) جزء من بضع وأربعين جزءا من النبوة.
стр. 285
وقال لبعض بنى أخيه: إذا تعلمت علما من طاعة الله، فلير عليك أثره، ولير فيك سمته، وتعلم لذلك العلم الذي تعلمته السكينة والحلم والوقار.
وقال: حقا (١٢٠) على من طلب العلم أن يكون فيه وقار وسكينة (١٢١) وخشية، وأن يكون متبعا لآثار من مضى، وينبغي لأهل العلم أن يجلوا أنفسهم عن المزاح، وخاصة (١٢٢) إذا ذكروا العلم.
وقال: أدب الله القرآن، وأدب رسوله السنة، وأدب الصالحين الفقه.
وقال: لا يستكمل الرجل الإيمان حتى يخزن لسانه.
وقال لبعض أصحابه: لا تكثر الشخوص من بيتك إلا لأمر لابد لك منه، ولا تجلس في مجلس لا تستفيد فيه علما.
وقال سفيان: دخلت على مالك فقلت له: إن العلم كثير، فقال العلم شجرة أصلها بمكة، وأغصانها بالمدينة وأوراقها بالعراق، وثمرها بخراسان، فقال: اكتب يا غلام! فهذا من طرائف مالك.
قال الزبيرى: قلت لمالك: إن من الناس من آمرهم فيطيعونني، ومنهم من أن أمرتهم أتأذى منهم (١٢٣)، الشعراء يهجونني والمسلطون (١٢٤) يضربونني ويحبسونني، فكيف أصنع؟
قال: إن خفت وظننت أنهم لا يطيعونك، فدع، وأنكر بقلبك، ولك في ذلك سعة، ومن لم تخش منه فأمره وانهه، وخاصة إذا أردت به وجه الله ﵎، فانك إذا كنت كذلك، لم تر من الله إلا خيرا، وبخاصة إذا كان فيك شيء من لين، ألا ترى