قال القاضي أبو عمر بن حسين: قدم علينا الفقيه الشهرزوري من المشرق، وكان من كبار الفقهاء المالكيين، ومن المحسنين فيهم؛ وحكي عنه أن بعض العراقيين سأله عن قوله تعالى لمحمد نبيه ﵇: "فلا تكونن من الجاهلين" (١). وعن قوله لنوح ﵇: "إني أعظك أن تكون من الجاهلين (٢) ". - فإن ظاهر الكلام (أنه) [¬١] أغلظ في حق نبينا ﵇، فأجابه بعض علمائهم: إن هذا مما يدل على أن محمدًا ﷺ أقرب إلى الله [¬٢] وأحب، ولا تكون [¬٣] شدة التأنيب إلا للمحبوب القريب، وأنشد قول حبيب:
لا تصيب الصديق قارعة التأ … نيب إلا من الصديق الرغيب
стр. 2207
قال القاضي أبو عمر: فلو قيل في هذا: إنه رفق بنوح في عظته للسن والشيخ، وأنه كان مصابًا بلبنه وقومه، وما لقي من أهوال الغرق وضيق السفينة، كان وجها.
قال القاضي أبو الفضل؛ ولو عكس السؤال، لكان باللفظ أليق: وذلك أن قوله "أعظك أن تكون من الجاهلين". أشد من قوله، "فلا تكونن من الجاهلين". لأن في الآيتين النهي، ثم في قوله "أعظك"، الزجر والتحذير؛ والصحيح أن الآيتين بمعنى واحد، وليس في واحد منهما إثبات جهل لواحد منهما، ولا نهي عنه؛ إذ كانا منزهين من صفات الجهال [¬١]، واتباع مقاصدهم؛ بل المراد بالآيتين جميعا (١).
قال القاضي أبو الفضل ﵁:
ومن أهل مصر:
стр. 2208
أبو الحسن علي بن الحسن بن محمد بن العباس بن فهر البزار [¬١] الفهري (١)
فقيه مالكي، محدث مصري، ألف في فضائل مالك اثني عشر جزءًا، سمع الحسن بن رشيق، وأبا الحسن بن زريق [¬٢]، وأبا الطاهر الديبلي، وأبا القاسم الجوهري، وأبا سعيد السجدي [¬٣]، وأبا علي المطرز، وأبا أحمد بن المفسر [¬٤]، وأحمد بن فراس، وأبا مسلم [¬٥] بن الكاتب؛ سمع منه الدلائي، والملهب بن أبي صفرة، وأبو الوليد، وغلبت عليه الرواية.
قال القاضي أبو الوليد الباجي: يعرض من الكلام لما لم يكن من شأنه، فأنكر ذلك عليه أبو عمران الفاسي.
قال الملعب: لقيته بمصر، وبمكة، ولم ألق مثله.
стр. 2209
أبو محمد بن الوليد بن سعد بن بكر الأنصاري (١)
أندلسي، أصله من قرمونة، سمع بالأندلس من ابن الطحان الحافظ، وابن ثابت، وأبي جعفر بن عون، وأبي الحسين بن السماك، ورحل فسمع بإفريقية ومصر والحجاز، من أبي محمد بن أبي زيد، والقابسي، والأجذابي، وأبي العباس بن بندار الرازي، وأبي عمر بن سعدي، والحسن بن فراس، وأبي القاسم الحضرمي، وابن فهر. وأبي ذر الهروي، وأبي العباس الكسائي، وأبي الحسن الجرمي، وأبي عقال الصقلي، ومكي بن عيشون، وأبي القاسم العثماني، وابن حنيف القروي، وأبي بكر المطوعي، والقاضي بن صخر، وابن الناظور، وغلبت عليه الرواية، سمع منه خلق كثير، منهم: القاضي أبو الوليد الباجي، وأبو العباس الرازي، وابنه وأبو مروان عبد المالك.
стр. 2210
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد الرازي: أبو عبد الله بن الوليد الأنصاري الفقيه على مذهب مالك، من سادات المغاربة وفضلائهم، سكن بمصر [¬١] وأخذ عنه بها الناس.
قال أبو الوليد الباجي فيه: شيخ صالح، ثقة، مصحح لكتبه.
كثير الرواية، ومات بالقدس (في) [¬٢] نحو الأربعين (١).
ومن أهل إفريقيا:
أبو بكر أحمد بن عبد الرحمان بن عبد الله الخولاني (٢)
من أهل القيروان، وشيخ فقهائها في وقته مع صاحبه أبي عمران الفاسي، وكان أبو بكر فقيهًا، حافضًا، دينًا؛ كان تفقه بأبي محمد، وأبي الحسن، وسمع منهما ومن غيرهما من شيوخ إفريقية، كأبي بكر بن أبي بكر (الدؤلي) [¬٣] وأبي محمد بن خالد الشريشي.
стр. 2211
المعروف بالبادسي، وأبي بكر عتيق بن موسى الحاتمي، وسمع بمصر من أبي بكر النعالي [¬١]، وغيرهم؛ وتفقه عليه خلق كثير، كأبي بكر القاسم بن محرز [¬٢]، وأبي إسحاق التونسي، وأبي القاسم السيوري، وأبي حفص العطار، وأبي الفضل بن بنت خلدون، وابن سعدون، وأبي محمد بن عبد الخالق، وغيرهم؛ وحاز الذكر ورئاسة الدين في وقته، مع صاحبه في المغرب بأسره؛ حتى لم يكن لأحد معهما اسم يعرف، وكان الذي بينهما متباعدًا جدًّا، حتى طمع بذلك صاحب إفريقية ليجد الحجة على العامة بشهادة أحدهما على الآخر، إذ كانت العامة طوعهما، فلما اختيرهما في ذلك، لم يجد عندهما ما يوافقه، ووجد بينهما أمتن مما يظن.
ويذكر أن أصحاب أبي بكر تعجبوا من حفظه، وذكره في آخر عمره؛ فقال بعضهم: تراه يواظب على الدرس للميعاد، أو يتكل على قديم حفظه؟ فاتفقوا على اختياره، فلما
стр. 2212
كان من الغد، أخذوا غير الكتاب الذي كانوا يتذاكرون فيه، وكانت مذاكرتهم إذ ذاك في كتاب محمد بن المواز، فلما أخذوا الكتاب، قال الشيخ لهم: ليس كتابنا هذا، فجعجعوا [¬١] (١) له وأروه الوهم، وأنه إذا حضر فالمذاكرة فيه أولى؛ ففطن الشيخ لمرادهم، وأخذ الكتاب ونظر فيه، ثم طواه، فألقاه عليهم من حفظه، وقال: علمت ما أردتم لو عدم هذا الكتاب لأمليته من حفظي:
وكانت وفاته - فيما حكاه أبو إسحاق الشيرازي، وابن سعدون، - سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وقال غيرهما: سنة خمس وثلاثين.
ومن شيوخه بالأندلس أيضًا، أبو يحيى بن الأشج، وأحمد بن قاسم، ومحمد بن خليفة، وأبو عمر الباجي، وغيره.
قال ابن سعدون: رأيت في النوم - وأنا بالقيروان أول سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائه - بعد فراقنا من ميعاد يوم الأربعاء
стр. 2213
على الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمان في المدونة، وكانت مواعده بها يوم الاثنين، والأربعاء، والجمعة؛ كأن قائلا يقول بين السماء والأرض: ألا إن أبا بكر بن عبد الرحمان، ورث خبر رسول الله ﷺ ، وأنه من أهل الجنة؛ ثم رأيت في الحال كأنه يلقي علينا كتاب القضاء، فلما كان يوم الأربعاء سألني عن ذلك اليوم [¬١]، ودخل داره، ومرض مرضه الذي مات منه ﵀.
قال ابن سعدون وأخبرنا الشيخ أنه كان يرى في النوم قائلا يقول له: اكتب اسمك في ذلك اللوح الذي فيه أسماء العلماء، فأنظر فيه إلى اسم مالك، فاكتب اسمي تحته.
стр. 2214
أبو عمران الفاسي (١)
واسمه [¬١] موسى بن عيسى بن أبي حاج بن وليم بن الخير الغفجومي، وغفجوم فخذ من زناتة؛ وقال السمنطاري [¬٢]: من هوارة، أصله من فاس؛ وبيته بها بيت مشهور، ويعرفون ببني أبي حاج، ولهم عقب، وفيهم نباهة - إلى الآن؛ واستوطن القيروان، وحصلت له بها رئاسة العلم؛ وكان تفقه بالقيروان عند أبي الحسن القابسي، وسمع بها من أبي بكر الدويلي، وعلي بن أحمد اللواتي السوسي؛ ورحل إلى قرطبة، فتفقه بها عند أبي محمد الأصيلي، وسمع بها من أبي عثمان سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، وأحمد بن قاسم، وغيرهم؛ ثم رحل إلى المشرق، فحج ودخل العراق، فسمع من أبي الفتح بن أبي الفوارس، وأبي الحسن علي بن إبراهيم المستملي، وأبي الحسن
стр. 2215
ابن الخضر، وأبي أحمد الفرضي، وأبي الطيب المحمدي [¬١]، وأبي العباس الكوخي، وأبي الحسن بن الحمامي المقرئي، وأبي الحسين بن الرفك [¬٢]، وأبي الحسن بن المحاملي؛ وأبي عبد الله بن بكر الرازي، وأبي القاسم الصفري [¬٣]، وأبي عبد الله الله الجعفي القاضي، وأبي أحمد بن جامع الدهان، وهلال الحفار، وأبي الحسين بن المفضل [¬٤] العطار [¬٥]، وغيرهم؛ ودرس الأصول على القاضي أبي بكر الباقلاني، ولقي جماعة؛ وكان قد تسمع بمكة من أبي ذر، ثم ترك أن يسميه لشيء جرى بينهما، فكان يقول فيما سمعت عنه: أنا (١) أبو عيسى [¬٦] إذ كان أبو ذر يكنى بذلك أيضًا؛ وذكروا أن السبب في ذلك بعد صداقتهما ومودتهما، أن أبا عمران، لما رجع من العراق، وجد أبا ذر بالسراة خارج مكة، وكتبه بمكة عند خازنه، فطلبها من خازنه [¬٧]، فلم يمكنه منها، وكان له غرض في بعضها، فبإدلاله على أبي ذر [¬٨]، ولما
стр. 2216
بينهما، تحكم في أخذها [¬١] دون رأيه، وغلب خازنه عليها [¬٢]، فقامت على أبي ذر من ذلك القيامة، وأغلظ له في الكلام، حتى أدى ذلك إلى فساد ما بينهما؛ وسمع بالحجاز أيضًا من أبي الحسن بن أبي فراس، وأبي القاسم السقطي؛ وبمصر من أبي الحسن بن أبي جدار، وأحمد بن ذور القاضي، وعبد الوهاب بن مصر، وابن الوشا؛ ثم رجع إلى القيروان، فاستوطنها، فلم يزل إمامًا بالمغرب؛ أخذ عنه الناس، وتفقه عليه جماعه كثيرة ممن ذكرنا في أصحاب أبي بكر، وغيرهم: كعتيق السوسي، وأبي محمد الفحصيلي، محمد بن طاهر بن طاوس، وجماعة من الفاسيين، والسبتيين. والأندلسيين: فطارت فتاويه في المشرق والمغرب، واعتنى الناس بقوله، وكان يجلس للمذاكرة والسماع - في داره من غدوة إلى الظهر، فلا يتكلم [¬٣] بشيء إلا كتب عنه - إلى أن مات ﵀.
стр. 2217
ذكر فضائله وأخباره
قال حاتم بن محمد: كان أبو عمران من أعلم الناس وأحفظهم. جمع حفظ المذهب المالكي إلى حفظ حديث النبي ﷺ ، ومعرفه معانيه؛ وكان يقرأ القرآن بالسبعة، وجودها؛ مع معرفته بالرجال، وجرحهم [¬١] وتعديلهم؛ أخذ عنه الناس من أقطار المغرب والأندلس. واستجازه من لم يلقه؛ وخرج من عوالي حديثه نحو مائة ورقة.
قال حاتم: ولم ألق أحدًا أوسع منه علما، ولا أكثر رواية.
قال عمر الصقلي: أبو عمران الثقة، الإمام، الدين، المعلم.
وذكر أن الباقلاني كان يعجبه حفظه ويقول (له) [¬٢]: لو اجتمعت في مدرستي أنت وعبد الوهاب بن نصر - وكان إذ ذاك بالموصل - لاجتمع فيها علم مالك: أنت تحفظه، وهو ينصره؛ لو رآكما مالك لسر بكما.
стр. 2218
قال ابن عمار في رسالته - وذكره فقال -: كان إمامًا في كل علم، نافذًا في علم الأصول، مقطوعًا بفضله وإمامته.
ولما دخل بغداد، شاع أن فقيهًا من أهل المغرب مالكيًا قدم، فقال الناس: لسنا ذراه إلا عند القاضي أبي بكر الباقلاني، وهو إذ ذاك شيخ المالكية بالعراق وإمام الناس، فنهض من أهل بغداد جماعة لمجلس [¬١] القاضي [¬٢] أبي بكر - ومعه أصحابه، وأبو عمران؛ فجرت مسائل حتى استأنسوا، ثم سأله رجل شافعي عن مسألة من الاستحقاق، فأجابه أبو عمران بجواب صحيح مجرد، فطالبه السائل بالحجة عليه؛ فأطرق الشيخ أبو عمران، فرفع رأسه شاب من أهل بغداد من المالكية؛ فقال للسائل: أصلحك الله، هذا شيخ من كبار شيوخنا، ومن الجفاء أن تكلفه المناظرة من أول وهلة، ولكن أنا أخدمه في نصرة هذه المسألة، وأنوب
стр. 2219
عنه فيها! الدليل على صحة ما أجاب به الشيخ - حرسه الله - كذا وكذا، فاعترضه الشافعي فيه، ثم انفصل المالكي من اعتراضه، حتى خلص الدليل: فلما أجمل الكلام على المسألة، قام إليه الشافعي، فقبل رأسه وقال: أحسنت يا سيدي وحبيبي، أنت والله شيخ المذهب حين نصرته؛ وجرت في ذلك المجلس مسائل غيرها.
وذكره أبو عمرو المقريء في كتابه (١) فقال: قرأ القرآن على أبي الحسن علي بن عمر الحمامي، وأقرأ القرآن بالقيروان مدة، ولما ورد القيروان وجلس بها، وبان علمه؛ قال كبار [¬١] أصحاب أبي بكر بن عبد الرحمان: نسير إليه، وقالوا: إنه يعز على شيخنا ذلك [¬٢]، وتراوضوا في الحضور عنده، ثم عزموا على ذلك وقالوا: أنه لا يحل لنا التخلف عن مثله، فأسخطوا شيخهم حتى يحكى أنه دعا عليهم وهجرهم.
стр. 2220
وجرت بالقيروان مسألة في الكفار هل يعرفون الله أم لا؟ فوقع فيها تنازع عظيم بين العلماء، وتجاوز ذلك إلى العامة، وكثر التمادى بينهم فيها، حتى كان يقوم بعضهم إلى بعض في الأسواق، ويخرجون عن حد الاعتدال إلى القتال؛ وكان ألهجم بذلك رجل مؤدب يركب حماره، ويذهب من واحد إلى آخر، فلا يترك متكلما، ولا فقيها، إلا سأله فيها وناظره؛ فقال قائل: لو ذهبتم إلى أبي عمران، لشفانا من هذه المسألة؛ فقام إليه [¬١] أهل السوق بجماعتهم، حتى أتوا باب داره، واستأذنوا عليه، فإذن لهم؛ فقالوا له: أصلحك الله، أنت تعلم أن العامة إذا حدثت بها حادثة، إنما تفزع إلى علمائها، وهذه المسألة قد جرى فيها ما بلغك، وما لنا في الأسواق شغل إلا الكلام فيها؛ فقال لهم: إن أنصتم وأحسنتم الاستماع. أجبتكم بما عندي؛ قالوا له: ما نحب منك إلا جوابا بينا على مقدار أفهامنا، فقال لهم بالله التوفيق، وقال: لا يكلمني
стр. 2221
منكم إلا واحد، ويسمع الباقون؛ فقصد واحدًا منهم فقال له: رأيت لو لقيت رجلًا فقلت له: أتعرف أبا عمران الفاسي؟ فقال: أعرفه، فقلت صفه لي، قال: هو رجل يبيع البقل، والحنطة، والزيت، في سوق ابن هشام، ويسكن صبرة؛ أكان يعرفني؟ قال: لا، قال فلو لقيت آخر فقلت: تعرف الشيخ أبا عمران؟ قال: نعم فقلت: صفه لي، فقال: نعم، رجل يدرس العلم ويدرسه، يفتي الناس. ويسكن بقرب السماط أكان يعرفني؟ قال نعم قال: والأول ما كان يعرفني، قال: لا قال لهم الشيخ: كذلك الكافر، إذا قال إن لمعبود صاحبة وولدا. وإنه جسم، وعبد من هذه صفته، فلم يعرف الله، ولم يصفه بصفته، ولم يقصد بالعبادة [¬١] إلا من هذا صفته، يلد وهو بخلاف المؤمن الذي يقول: إن معبوده الله الأحد، الذي لم ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد؛ فهذا قد عرف الله ووصفه بصفاته [¬٢]،
стр. 2222
وقصد بعبادته من يستحق الربوبية سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا؛ فقامت الجماعة وقالوا: جزاك الله خيرًا من عالم، فقد شفيت ما بنفوسنا، ودعوا له، ولم يخوضوا في المسألة بعد هذا المجلس.
وذكر أبو علي الحسن بن رشيق الأديب في كتابه قال: كتب محمد بن علي الطبني حين عزم أبو عمران الفاسي علي السفر إلى الحج - إليه:
أقول والنفس حرى [¬١] منك والهة … مما تحاذره من فقد محياها
ومن له [¬٢] رب ما ترضاه من عمل … بر وإن كان في بقياه بقياها
فإن تقم لم يرعني نأي مرتحل … وإن ترد سفرًا ودمتك الله
نفسي بما ترتضيه غير كارهة … وحسبها أن ما أرضاك أرضاها
стр. 2223
فأجابه أبو عمران ﵀ بهذه الأبيات [¬١]:
حياك ربك من خل أخي ثقة … وصان نفسك بالتكريم مولاها
من كل غم وشان لا يوافقها … فهو العليم بما يبديه مولاها
ولا أضاع لها الرحمان حرمتها … وقولها إن تسر ودعتك الله
فالله يجمعنا من بعد أوبتنا … ويؤتنا من وجوه البر أسناها
وتوفي أبو عمران سنة ثلاثين وأربعمائة، ومولده سنة ثمان وستين وثلاثمائة - فيما حكى [¬٢] الجياني عن أبي عمر بن عبد البر، وقال أبو عمرو المقرئ: مات وسنه خمس وستون سنة.
أبو القاسم عبد الرحمان بن علي بن محمد الكتاني (١)
المعروف بابن الكاتب، من فقهاء القيروان المشاهير (وحذاقهم) [¬٣].
قال ابن سعدون: وكان موصوفًا بالعلم والفقه والنظر، وفضله مشهور، وتفقه في مسائل مشتبهة من المذهب، وحج
стр. 2224
ولقيه أبو القاسم الطابثي بمصر، وسأله عن فروق أجوبة في مسائل مشتبهة من المذهب؛ قال الطابثي: وقد كان أعضل جوابها بكل [¬١] ما لقيته من علماء العراق، فأجابني أبو القاسم فيها ارتجالا - على ما كان عليه من شغل البال بالسفر، وقد وقفت على جوابه في جزء منطو على أحد وأربعين فرقا، وكان قويًا في المناظرة؛ سمعت بعض شيوخنا يحكي أنه ناظر الفقيه أبا عمران مدة، وطالت بينهما المناظرة، حتى علا العرق أبا عمران وبل قميصه (ورداءه) [¬٢]، وصار كمن غمسه في ماء؛ وبينهما في ذلك خلاف ونزاع ومراجعة في مسائل مشهورة [¬٣] نقلت عنهما.
ولأبي القاسم كتاب كبير مشهور في الفقه نحو مائة وخمسين جزءًا.
стр. 2225
أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد الحضرمي (١)
المعروف باللبيدي، ولبيدة من قرى الساحل، من مشهوري علماء إفريقية ومؤلفيها، وآخر طبقته موتا؛ تفقه بأبي محمد بن أبي زيد، وأبي الحسن القابسي؛ وسمع منهما ومن غيرهما من شيوخ إفريقية، وعباد أهل الرباط؛ كأبي الحسن اللواتي، وأبي إسحاق الساحلي، وأبي عبد الله الشوادلي [¬١] البسيلي، وأبي بكر مسرة بن مسلمة [¬٢]، وأبي حفص بن مثني، وأبي عبد الله بن مالك الطرمثي [¬٣]؛ وصحب الشيخ الفاضل أبا إسحاق الجبنياني وانتفع به.
روى عنه أبو عبد الله بن سعدون، وغيره من القرويين، والأندلسيين، ووجهه أبو الحسن القابسي لتفقيه أهل المهدية، وامتد عمره بعد أقرانه، فحاز رئاسة العلم والتشييخ فيه بالقيروان؛ وألف كتابًا جامعًا في المذهب كبيرًا، أزيد من
стр. 2226
مائتي جزء كبار، في مسائل المدونة وبسطها، والتفريع عليها، وزيادات الأمهات، ونوادر الروايات؛ وألف أخبار شيخه أبي إسحاق الجبنياني وفضائله، وكتابًا في اختصار المدونة، سماه الملخص؛ وكان أيضًا ينظم الشعر، ويحسن القول فيه؛ فمما أنشده لنفسه - قوله:
أنت العلي وأنت الخالق الباري … أنت العليم بما تخفيه أسراري
أنت العلي فما في الخلق مقدرة … في وسع عيش وفى بؤس وإقتار
تصفى الولاية أقوامًا فتلبسهم … ثوب المهابة محروسًا من العار
تجول في ملكوت العز أنفسهم … تبدي مدامعهم خوفًا من النار
قد أسلموا الأرض والأوطان وارتحلوا … ما إن ترى مثلهم من نازح الدار
يا طول حزني على تركي لوصلهم … يا ويح نفسي على بعدي وإدباري
لم لا أظل على الأشجان معتكفًا … أدعو المليك بإفصاح وإضمار
عسى المليك يذود النفس عن عطب … يجلو العماء بتوفيق وأنوار
стр. 2227
وتوفي بالقيروان - فيما أخبرني ثقة من شيوخنا - سنة أربعين وأربعمائة.
قال غيره: ذلك لليلتين بقيتا من شوال منها بالقيروان - وسنه ثمانون سنة، وصلى عليه ابنه، وكان ابنه أبو بكر من أهل العلم، وحضر جنازته صاحب افريقية وجميع رجاله، ودفن في داره، ورثي بمراثي كثيرة، ونوه السلطان إثر ذلك بولده وخلع عليه، وأجلسه مقعد أبيه - وسنذكره.
أبو القاسم خلف بن أبي القاسم الأزدي (١)
المعروف بالبراذعي، ويكنى أيضًا - عند بعضهم - بأبي سعيد، من كبار أصحاب أبي محمد بن أبي زيد، وأبي الحسن القابسي، وحفاظ المذهب المؤلفين فيه؛ له كتاب التهذيب في اختصار المدونة، اتبع فيه طريقة اختصار أبي محمد، إلا أنه جاء به علي نسق المدونة، وحذف ما زاده أبو محمد.
стр. 2228
وقد ظهرت بركة هذا الكتاب على طلبة الفقه، وتيمنوا بدرسه وحفظه، وعليه معول أكثرهم بالمغرب [¬١] والأندلس؛ إلا أن [¬٢] أبا محمد عبد الحق، ألف عليه جزءًا فيما وهم فيه على المدونة؛ وأنا أقول إن البراذعي بنجوة عن انتقاد عبد الحق، فإن جميع ما انتقد عليه لفظ أبي محمد ﵀.
ومن تواليف البراذعي أيضًا [¬٣]، كتاب تمهيد مسائل المدونة، وكتاب الشرح والتمامات، وكتاب اختصار الواضحة، ولم تحصل له رئاسة بالقيروان؛ وكان مبغضًا عند أصحابه [¬٤]، لصحبته أسباب سلطانها الذين تبرءوا هم منهم [¬٥]، فكان مرفوض القول - لديهم، ثقيل المكان عليهم؛ ويقال ان فقهاء القيروان أفتوا برفض كتبه، وترك قراءتها لتهمته لديهم؛ وسهل بعضهم في اختصاره للمدونة [¬٦] وحده لشهرة مسائله، ويقال إن الذي مكن تغييرهم عليه، أنه
стр. 2229
وجد بخطه في ذكر بعض بني عبيد وأسبابهم [¬١]، يتمثل في تقريظهم [¬٢] بهذا البيت المشهور:
أولئك قوم ان بنوا أحسنوا البنا … وان وعدوا أوفوا وان عقدوا شدوا
ويقال: بل سببه، أنه ألف كتابًا في تصحيح نسب بني عبيد، وأنه كانت تأتيه صلة إمامهم؛ ويقال بل لحقه في هذا دعاء الشيخ أبي محمد ﵀ إذ كان البراذعي أيام دراسته عنده، لا يزال يتسبب في الاعتراض عليه، والتنبيه على أوهامه والازدراء ببعض كلامه؛ فعز ذلك على الشيخ، وتفرغ عند خروجه إلى الدعاء عليه؛ فكانوا يرون أن ذلك لحقه، فلفظته القيروان، فلم يستقر بها؛ فخرج إلى صقلية، وقصد أميرها، فحصلت له عنده مكانة، وعنده ألف كتابه المذكور؛ وكان ممن له دنيا، ولم يبلغني وقت وفاته.
стр. 2230
أبو عبد الملك البوني (١)
واسمه [¬١] مروان بن علي القطان، أندلسي الأصل، سكن بونة من بلاد افريقية، وكان من الفقهاء المتفننين، وألف في شرح الموطأ كتابًا مشهورًا حسنًا، رواه عنه الناس، وتفقه بأحمد بن نصر الداودي، روى عنه حاتم الطرابلسي، وأبو عمر بن الحذاء.
قال حاتم: كان رجلا فاضلا حافظًا، ناقدًا [¬٢] في الفقه والحديث؛ أصله من قرطبة، سمع بها، وكتب عنه تفسير الموطأ من تأليفه، ولازم الدوادي وغيره.
قال أبو عمر بن الحذاء: كان صالحًا. عفيفًا، عاقلا، حسن اللسان.
стр. 2231
أبو عبد الله محمد بن عباس الأنصاري (١)
المعروف بالخواص، من فقهاء افريقية ورواتها، ومقدمي فضلائها وزهادها، وأصحاب القابسي [¬١] وأصحاب أبي محمد بن أبي زيد، وأبي سعيد بن أخي هشام؛ حدث عنها، وعن زياد بن عبد الرحمان، وتميم بن أبي العرب، وأبي الحسن البلوي، وأبي محمد البادسي، وهبة الله بن أبي عقبة، وأبي بكر الصقلي، وأبا القاسم الصقلي، وابن حنيف السوسي، وأجازه سهل بن عبد الله بن سودان؛ وروى عنه عبد الجليل الربعي، وابن المرابط المري، وابن سهل المقرئ.
وتوفي ﵀ في شعبان سنة ثمان وعشرين، ورثاه أبو علي بن رشيق بقصيدة فريدة، أولها قوله:
الله باق وكل هالك مود [¬٢] (٢) … والموت ليس على حال بمردود
فانظر وأنت من الدنيا على خطر … ما يفعل الدهر في صم الجلاميد
стр. 2232
وما بقاء الفتى في دار غبطته … إذا استفاد بلى منها بتجديد
هذا محمد المحمود أجمعه … قد خلف الدهر فينا غير محمود
فأي حظ من المعروف منقطع … وأي ركن من الإسلام مهدود
أودى ابن عباس الثاني ووارثه … دينًا وعلمًا وفضلا غير مجحود
أودى ولم يبق شيئًا كان يملكه … إلا بيوتًا كأمثال المساجد
من لا يرد ضعيفًا عند مسألة … ولا يرى وهو ثاني العطف والجيد
فليبكه كل ملهوف لحاجته … وكل مقصى عن الأبواب مطرود
وليبكه المسجد المعمور أشرفه … بقائم الليل صوام الصياخيد [¬١] (١)
له التقديم في فرض ونافلة … على أئمتنا الغر الصناصيد
فما رأيت مصابيح الهدى اجتمعوا [¬٢] … إلا وألقت إليه بالمقاليد
أبو محمد عبد الله بن إسحاق الشريشي [¬٣]
يعرف بابن سمحان، من فقهاء إفريقية؛ يروى عن أبي عبد الله المستملي [¬٤].
стр. 2233
صالح بن هبة الله البلوي
أبو القاسم، قيرواني، فقيه واسع الرواية، له رحلة إلى المشرق.
أبو عبد الله مكي بن عبد الرحمان المنستيري [¬١]
القرشي، من فقهاء إفريقية، وأصحاب القابسي؛ وكان كاتبه ومختصًا به.
أبو علي حسن بن حمود المولى [¬٢] التونسي
قدم القيروان سنة ثلاث وعشرين، فسمع منه [¬٣] بها، يروى عن الابياني.
ورحل إلى المشرق فلقي ابن فورك، وغيره؛ روى عنه عبد الجليل الربعي، وأبو محمد بن سهل المقرئ، وأبو بكر عبد الله بن محمد المالكي، وأبو عبد الله الفتوح [¬٤].
стр. 2234
محمد بن سفيان الهواري المقرئ (١)
قيرواني، يكنى أبا عبد الله بن محمد، أخذ عن القابسي ورحل إلى عبد المنعم بن غلبون، وكان الغالب عليه علم القرآن.
قال أبو عمرو الداني: كان ذا فهم وحفظ وسنن وعفاف.
قال حاتم الطرابلسي: كان رجلا عاقلا، فهمًا، حلوا، متقللا؛ أشهر من بالمغرب في وقته بالقراءات، وأبصرهم بها، وله في القراءة كتاب الهادي وغيره.
روى عنه حاتم، والدلائي؛ قال أبو الطيب الخلدوني الفقيه: كان شيخنا أبو عبد الله بن سفيان إمامًا فاضلا، وكان له اعتناء بعلم الحساب والهندسة، وقد حكى ابن محرز عنه في مسألة: قال أبو عمرو المقرئ في طبقاته: خرج [¬١] من القيروان لأداء الفريضة سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، فحج، وجاور بمكة، ثم أتى المدينة، فتوفي بها سنة خمس عشرة - أول صفر.
стр. 2235
محرز العابد ﵁ [¬١]
هو أبو محمد محرز بن خلف بن أبي رزين (التونسي) [¬٢] المعروف بالعابد، خاتمة صلحاء علماء [¬٣] إفريقية (وزهادها) [¬٤]، [صالحا، عالمًا، ورعًا] [¬٥].
روى عن أبي إسحاق الدينوري، وكتب إلى الأبهري. ولا أدري هل لقيه أم لا؟ عنه حاتم، وكان متقشفًا، فاضلا. زاهدًا في الدنيا، جانبًا لأهلها، مستجاب الدعوة؛ ذكر أن أهل تونس لما قتلوا الرافضة القتلة المعلومة، وحدثوا أن محرزا شيخهم حملهم على ذلك [¬٦]، وظهر الله الأرض منهم؛ ورفعت القصة إلى باديس أمير افريقية، فحنق على التونسيين، وعزم على الصد [¬٧] لهم، وقال: تكون الأرض ولا تونس؛ فبلغ الخبر أهل تونس، فجزعوا له، وفزعوا إلى شيخهم محرز، وأخبروه ما بلغهم؛ فأنسهم [¬٨] وقال لهم: بل تكون الأرض ولا باديس، فأخذوا في الدعاء، فأخذت باديس ذبحة أتت عليه، وأراح الله الأرض [¬٩] منه.
стр. 2236
حكى بعضهم أنه كان أكثر ليله ونهاره، إنما صلاته النافلة، يصلي ركعتين، ثم يجلس يتفكر ساعة أو ساعتين، ثم يقوم فيركع ركعتين، ثم يجلس يتفكر، يفعل ذلك عامة ليله ونهاره.
وكان بتونس صقلبي أمر الناس أن لا يكبروا على الميت إلا خمس تكبيرات، فقال له المشارقة أبو كسية: يكبر بكبر أربعا، ولا يؤذن على خير العمل، ولا يقرأ بسم الله الرحمان الرحيم - في الصلاة، ولا يسلم تسليمتين، ويؤذن؛ الصلاة خير من النوم، فأرسل وراءه فدخل عليه محرز - وحول الصقلبي المشارقة فلم يسلم؛ فقال له الصقلبي: السلطان يأمر بكذا وأنت لا تفعل أمر السلطان، احذر من السيف؛ فقال (له) [¬١] محرز: الصراط أحد من السيف ومن السلطان وأمره؛ ثم انصرف، فبهت الصقلبي ولم يتكلم بكلمة، وغشى عليه! فلما أفاق من غشيته، قال: تقولون أبو كسية، لما أشار بيده إلي، حسبت كأنما ضربني برمح
стр. 2237
في القلب، فغشي علي؛ ودخل عليه كاتب ابن أبي العرب. فقال: أحب أن توصيني بوصية إلى أبي عبد الله بن أبي العرب؛ فقال: ولا بد؟ قال: نعم؛ قال: إذا وصلت، فقل له: يقول لك المؤدب: اقرأ سورة إبراهيم، فإذا فرغت منها، كررها [¬١] ثلاث مرات؛ - يريد تنبيهه على قوله تعالى: "ولا تحسبن الله ولا تحسبن الله - غافلا عما يعمل الظالمون" - الآية.
وكتب [¬٢] إلى الأبهري أبي بكر يسأله عما يأخذ بنو عبيد من الزكاة؟ فأجاب أنها لا تجزيء، وكذلك قال الجبنياني والقابسي؛ لأنهم لا يقرون بالزكاة المفروضة، وإنما يأخذونها على أنها جزية، وهم على غير الإسلام؛ وقال ابن أبي زيد: قال ابن اللباد أفتي أنها تجرئ. لأنا إن قلنا لا تجزيء، لم يؤدوا شيئًا، فلأن يؤدوا بتأويل، خير من تركها عامدين. قال أبو محمد: وكنت استحب ذلك، إذ كانوا يشحون بيت المال.
стр. 2238
وقد أعطوا ذلك اليهود والنصارى، وأنفقوها في الخمور، وحالوا بينها وبين أهلها، فلا [¬١] تجزيء، ويكون ما أخذوا منها كما غصبه الغاصب. وعلى أهل الأموال إخراج ما بقي إن كان فيه ما فيه الزكاة.
وذكر بعضهم قال: جعلت [¬٢] على بعض طلبة المؤدب محرز، دراهم جورًا وظلمًا، فأتى المؤدب وقال [¬٣] له: إنه لا خلاص لي من هذا، إلا بالله ثم بك؛ فإن امتنعت، خاصمتك غدًا بين يدي الله؛ فقال الشيخ عند ذلك: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله! ماذا تريد يا أخي؟ قال: كتابًا إلى باديس، يصرف عني ما أنا فيه؛ فقال: تكلفني مشقة، فقال: لا بد؛ فقال الشيخ: الله المستعان؛ وأخذ قرطاسًا وكتب "بسم الله الرحمان الرحيم، حقق الله الحق في قلوب العارفين من عباده، ونقل المذنبين إلى ما افترض عليهم من طاعته؛ أنا رجل قد عرف كثير من الناس
стр. 2239
اسمي، وهذا من البلاء، وأنا أسأل الله أن يتغمدني برحمة منه وفضل؛ وربما جاء المضطر يسأل الحاجة، فإن تأخرت خفت، وإن سارعت [¬١] فهذا أشد؛ وقد كتبت إليك في مسألة رجل من الطلبة طولب بدراهم ظلما، ولا شيء قبله؛ وحامل رقعتي يشرح لك ما جرى، فعامل فيه من لابد من لقائه، واستحي ممن هو وحده، وشاور في أمرك الذين يخافون الله - تعالى، واحذر بطانة السوء، فإنهم إنما يريدون دراهمك، ويقربون من النار لحمك ودمك؛ فاحفظ [¬٢] تحفظ، واتق الله، فإنه من يتق الله يجعل له من أمره يسرا، "ومن يتق الله يجعل له مخرجا". فاستعن [¬٣] بالله، فإنه من يتوكل على الله فهو حسبه - الآية. واستكثر من الزاد، فقد دنا الرحيل [¬٤]- والسلام.
فوصل الطالب بكتابه، فتلقى بها ولد باديس [¬٥] بن المنصور، فقال له كاتبه ابن أبي العرب: ما تريد فأعمله؟ فقال: هات
стр. 2240
الكتاب، فقال الطالب: إنما أريد وضعه في يد باديس، فأخذه باديس وقبله، وقال: هذا كتاب صديق الله، وأمر الكاتب أن يكتب سحلا لجميع الطلبة بالحفظ والرعاية، وأن يصرف على جميع طلبة الشيخ ما تسبب إليهم من المظالم.
أبو بكر عتيق [¬١] السوسي (١)
قيرواني، من أصحاب القابسي
أبو محمد عبد الله العوفي
قيرواني، معظم في فقهائها، ذو علم وحفظ ونظر وتحقيق، من أصحاب القابسي؛ أخذ عنه ابن محرز. وابن سعدون، وغيرهما.
قال ابن سعدون -: وكان فقيها مبرزا من أحفظ الناس.
القاضي أبو الحسن أحمد عبد الرحمان
المعروف بابن الحصائري [¬٢]، صقلي، لقي أبا محمد بن أبي زيد، وأبا الحسن بن بكرون، وأبا عبد الله محمد بن أحمد
стр. 2241
ابن يزيد [¬١] القروي؛ من أهل الفضل والفقه [¬٢] والدين والرواية، أخذ عنه الناس، وتفقهوا عليه. سمع منه عتيق السمنطاري، وأبو بكر بن يونس [¬٣].
عتيق بن عبد الجبار [¬٤] الربعي الفرضي
أبو بكر، صقلي، فقيه فاضل، أديب في القرآن والفرائض. وتفقه عليه في المدونة، وكان إمامًا في علم الفرائض، وعنه [¬٥] أخذها أهل صقلية وغيرهم؛ حدث عن القابسي، أخذ عنه ابن يونس والسمنطاري.
أبو علي حسين [¬٦] بن أبي طالب الزيات القروي
فقيه متعبد، حدث عن هبة الله بن أبي عقبة بن سعدون.
أبو بكر بن أبي العباس
فقيه صقلية ومدرسها، أخذ عن أبي محمد بن أبي زيد، أخذ عنه ابن يونس.
стр. 2242
(أبو علي) [¬١] حسين [¬٢] بن سلمون المسيلي [¬٣]
دخل إلى الأندلس فقطن قرطبة بعهد الجماعة، فلم يرمها [¬٤]، وشهر بها علمه وفضله، وولي الشورى؛ فكان أحد جلة مفتيها - إلى أن مات؛ وكان عفيفًا متواضعًا، حافظًا المسائل، واقفًا [¬٥] على الأصول - فيما قاله ابن حيان، قال: وتوفي سنة ثلاثين وأربعمائة.
أبو عبد الله بن البناء
فقيه زاهد، من أهل صقلية.
محمد بن محمد بن إدريس الزيات
المعروف بابن الناظر، أبو بكر، من فقهاء القيروان، وأهل العناية بالعلم والظهور في الحديث والفقه؛ سمع من أبيه، ومن أبي الحسن بن مسرور الدباغ، وأبي القاسم السيوري، وهبة الله بن محمد، وأبي الحسن بن شعبان، وأبي إسحاق
стр. 2243
إبراهيم بن عبد الله القلانسي، وجماعة غيرهم؛ وكان أبوه راوية القيروان في وقته، روى عنه ابن سعدون الفقيه، وأبو محمد بن سعيد [¬١].
أبو بكر بن عبد الله بن أبي زيد (١)
ولد الشيخ أبي محمد، كانت له ولأخيه عمر (٢) بالقيروان مكانة جليلة بأبيهما، وتقدمهما؛ وولى قضاء القيروان قبل الفتنة ولم يكن فيما بلغني بالمحمود السيرة؛ وقد رويت عنه كتب أبيه، وكان أدركه صغيرًا، وكتب أحمد بن نصر الداودي عنهما، ولم يكن بالطائل المعرفة، وله ولأخيه، خاطب ابن رشيق بقوله:
يا موضعي أملي على التحقيق … وسميي الصديق والفاروق
ما زال رأيكما كرأي أبيكما … يجري على التسديد والتوفيق
لكن أمت إليكما دون الورى … فسرقت [¬٢] أمن ما أكون [¬٣] فريقي
стр. 2244
من أي وجه تنصران [¬١] مخاصمي … من بعد ما وجبت عليه حقوقي
وأنا أحق بذاك غير مدافع … في كل ناحية وكل طريق
إن كان إشفاقًا عليه فإنه … فيما تعاطى لم يكن بشفيق
لا ترغبا في بر من هو مثله … فلو بر جر ألف عقوق
وإذا الفتى لم يرض عن خلاقه … لم تلفه [¬٢] يرضى عن المخلوق
أبو عمرو [¬٣] عثمان بن العتاب
من فقهاء القرويين وعظماء مدرسيها، أخذ عن القابسي.
أبو المنجي [¬٤] زيادة الله الأطرابلسي
له كتاب تذكرة الدارس.
стр. 2245
أبو الحسن علي بن محمد
المعروف بابن المنمر، من أهل طرابلس، أخذ ببلده عن ابن زكرون، وبه نفقه؛ وبمصر عن محمد بن عبيد [¬١] الوشا، وأبي القاسم الجوهري؛ وبمكة عن أبي الحسن بن رزيق [¬٢] [١]، وبالقيروان عن القابسي؛ وكان فقيها، فرضيا، له في الفرائض كتاب مفيد مشهور، سماه الكافي، أخذ عنه ابن محرز.
أبو الحسن بن المثنى
قاضي، اطرابلس، من أصحاب ابن زكرون أيضًا.
أبو بكر إسماعيل بن إسحاق بن عذرة [¬٣] الاندي [¬٤]
فقيه فاضل زاهد، قيرواني، من أصحاب أبي محمد بن أبي زيد وطبقته؛ ورحل إلى المشرق، فلقي ابن مجاهد الطائي المتكلم، وأخذ عنه؛ وأبا بكر الأبهري، وأبا بكر محمد بن