ابن يزيد [¬١] القروي؛ من أهل الفضل والفقه [¬٢] والدين والرواية، أخذ عنه الناس، وتفقهوا عليه. سمع منه عتيق السمنطاري، وأبو بكر بن يونس [¬٣].
عتيق بن عبد الجبار [¬٤] الربعي الفرضي
أبو بكر، صقلي، فقيه فاضل، أديب في القرآن والفرائض. وتفقه عليه في المدونة، وكان إمامًا في علم الفرائض، وعنه [¬٥] أخذها أهل صقلية وغيرهم؛ حدث عن القابسي، أخذ عنه ابن يونس والسمنطاري.
أبو علي حسين [¬٦] بن أبي طالب الزيات القروي
فقيه متعبد، حدث عن هبة الله بن أبي عقبة بن سعدون.
أبو بكر بن أبي العباس
فقيه صقلية ومدرسها، أخذ عن أبي محمد بن أبي زيد، أخذ عنه ابن يونس.
стр. 2242
(أبو علي) [¬١] حسين [¬٢] بن سلمون المسيلي [¬٣]
دخل إلى الأندلس فقطن قرطبة بعهد الجماعة، فلم يرمها [¬٤]، وشهر بها علمه وفضله، وولي الشورى؛ فكان أحد جلة مفتيها - إلى أن مات؛ وكان عفيفًا متواضعًا، حافظًا المسائل، واقفًا [¬٥] على الأصول - فيما قاله ابن حيان، قال: وتوفي سنة ثلاثين وأربعمائة.
أبو عبد الله بن البناء
فقيه زاهد، من أهل صقلية.
محمد بن محمد بن إدريس الزيات
المعروف بابن الناظر، أبو بكر، من فقهاء القيروان، وأهل العناية بالعلم والظهور في الحديث والفقه؛ سمع من أبيه، ومن أبي الحسن بن مسرور الدباغ، وأبي القاسم السيوري، وهبة الله بن محمد، وأبي الحسن بن شعبان، وأبي إسحاق
стр. 2243
إبراهيم بن عبد الله القلانسي، وجماعة غيرهم؛ وكان أبوه راوية القيروان في وقته، روى عنه ابن سعدون الفقيه، وأبو محمد بن سعيد [¬١].
أبو بكر بن عبد الله بن أبي زيد (١)
ولد الشيخ أبي محمد، كانت له ولأخيه عمر (٢) بالقيروان مكانة جليلة بأبيهما، وتقدمهما؛ وولى قضاء القيروان قبل الفتنة ولم يكن فيما بلغني بالمحمود السيرة؛ وقد رويت عنه كتب أبيه، وكان أدركه صغيرًا، وكتب أحمد بن نصر الداودي عنهما، ولم يكن بالطائل المعرفة، وله ولأخيه، خاطب ابن رشيق بقوله:
يا موضعي أملي على التحقيق … وسميي الصديق والفاروق
ما زال رأيكما كرأي أبيكما … يجري على التسديد والتوفيق
لكن أمت إليكما دون الورى … فسرقت [¬٢] أمن ما أكون [¬٣] فريقي
стр. 2244
من أي وجه تنصران [¬١] مخاصمي … من بعد ما وجبت عليه حقوقي
وأنا أحق بذاك غير مدافع … في كل ناحية وكل طريق
إن كان إشفاقًا عليه فإنه … فيما تعاطى لم يكن بشفيق
لا ترغبا في بر من هو مثله … فلو بر جر ألف عقوق
وإذا الفتى لم يرض عن خلاقه … لم تلفه [¬٢] يرضى عن المخلوق
أبو عمرو [¬٣] عثمان بن العتاب
من فقهاء القرويين وعظماء مدرسيها، أخذ عن القابسي.
أبو المنجي [¬٤] زيادة الله الأطرابلسي
له كتاب تذكرة الدارس.
стр. 2245
أبو الحسن علي بن محمد
المعروف بابن المنمر، من أهل طرابلس، أخذ ببلده عن ابن زكرون، وبه نفقه؛ وبمصر عن محمد بن عبيد [¬١] الوشا، وأبي القاسم الجوهري؛ وبمكة عن أبي الحسن بن رزيق [¬٢] [١]، وبالقيروان عن القابسي؛ وكان فقيها، فرضيا، له في الفرائض كتاب مفيد مشهور، سماه الكافي، أخذ عنه ابن محرز.
أبو الحسن بن المثنى
قاضي، اطرابلس، من أصحاب ابن زكرون أيضًا.
أبو بكر إسماعيل بن إسحاق بن عذرة [¬٣] الاندي [¬٤]
فقيه فاضل زاهد، قيرواني، من أصحاب أبي محمد بن أبي زيد وطبقته؛ ورحل إلى المشرق، فلقي ابن مجاهد الطائي المتكلم، وأخذ عنه؛ وأبا بكر الأبهري، وأبا بكر محمد بن
стр. 2246
أحمد البغدادي [¬١]، وسمع غيرهم؛ وكان الغالب عليه الزهد والعبادة، وقد سمع منه الناس؛ روى عنه حاتم الطرابلسي، وأبو مروان الطبني؛ أثنى عليه ابن أبي زيد في شبيبته في كتابه معه لابن سمئل [¬٢] بن عذرة عن خطباء بني عبيد، وقيل له: إنهم سنية [¬٣]؛ فقال: أليس يقولون: اللهم صل على عبدك الحاكم، وورثة الأرض؟ قالوا نعم؛ قال: أرأيتم لو أن خطيبًا خطب فأثنى على الله ورسوله، فأحسن الثناء، ثم قال أبو جهل في الجنة، أيكون كافرًا؟ قالوا نعم؛ قال: فالحاكم أشد من أبي جهل؛ وسئل الداودي عن المسألة، فقال خطيبهم الذي يخطب لهم ويدعو لهم [¬٤] يوم الجمعة كافر يقتل، ولا يستتاب، وتحرم عليه زوجته، ولا يرث ولا يورث، وماله فيء للمسلمين [¬٥]. وتعتق أمهات أولاده، ويكون مدبروه للمسلمين، يعتق أثلاثهم [¬٦] بموته، لأنه لم يبق له
стр. 2247
مال، ويؤدي مكاتبوه للمسلمين، ويعتقون بالأداء، ويرقون بالعجز، وأحكامه كلها أحكام الكفر [¬١]؛ فإن تاب قبل أن يعزل - إظهارًا للندم، ولم يكن أخذ دعوة القوم، قبلت توبته؛ وإن كان بعد العزل أو بشيء منعه، لم تقبل؛ ومن صلى وراءه خوفًا، أعاد ظهرًا أربعا، ثم لا يقيم إذا أمكنه الخروج، ولا عذر له بكثرة عيال ولا غيره.
أبو محمد بن الكبراني [¬٢]
من فقهاء القيروان، سئل عمن أكرهه بنو عبيد على الدخول في دعوتهم، أو يقتل؟ قال يختار القتل، ولا يعذر أحد بهذا، إلا من كان أول دخولهم البلد قبل أن يعرف أمرهم، وأما بعد، فقد وجب الفرار، ولا [¬٣] يعذر أحد بالخوف بعد إقامته [¬٤]، لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز؛
стр. 2248
وإنما أقام فيها من العلماء والمتعبدين على المباينة لهم، يخلو بالمسلمين عدوهم، فيفتنوهم عن دينهم؛ وعلى هذا كان جبلة [¬١] بن حمود، ونظراؤه: (ربيع) [¬٢] القطان، وأبو الفضل الممسي، ومروان بن نصرون، والسبائي، والجبنياني، يقولون ويفتون.
وقال يوسف بن عبد الله الرعيني في كتابه: اجتمع علماء القيروان: أبو محمد بن أبي زيد، وأبو الحسن القابسي، وأبو القاسم بن شبلون، وأبو علي بن خلدون، وأبو محمد الطبيقي [¬٣]، وأبو بكر بن عذرة؛ - أن حال بني عبيد، حال المرتدين والزنادقة، مع أن حال المرتدين بما أظهروه من خلاف الشريعة، فلا يورثون بالإجماع، وحال الزنادقة بما أخفوه من التعطيل، فيقتلون بالزندقة؛ قالوا ولا يعذر أحد بالإكراه على الدخول في مذهبهم، بخلاف سائر أنواع الكفر؛ لأنه أقام بعد علمه بكفرهم،
стр. 2249
فلا يجوز له ذلك، إلا أن يختار القتل دون أن يدخل في الكفر؛ على هذا الرأي أصحاب سحنون يفتون المسلمين.
قال أبو القاسم الدهان: وهم بخلاف الكفار، لأن كفرهم خالطه سحر، فمن اتصل بهم، خالطه [¬١] السحر والكفر.
ولما حمل أهل طرابلس إلى بني عبيد، أضمروا أن يدخلوا في دينهم عند الإكراه، ثم ردوا من الطريق سالمين؛ فقال ابن أبي زيد: هم كفار، لاعتقادهم ذلك.
(ومن أهل بلدنا) (١):
عبد الرحيم بن أحمد الكتامي (٢)
أبو عبد الرحمان، المعروف بابن العجوز، من أهل سبتة، كان كبير قومه كتامة، وذا ذكر شهير في بلاد المغرب؛ ومنزلهم بالدمنة من بلد قومهم [¬٢]- معروف، وإليه كانت الرحلة في جهة المغرب في وقته، وعليه مدار [¬٣] الفتوى؛ سمع عبد الرحمان بن
стр. 2250
العجوز [¬١]، وطلب العلم، ورحل فيه إلى الأندلس، وأفريقية؛ ولزم أبا محمد بن أبي زيد فقيه القيروان نحو خمسة أعوام، وسمع منه كتبه [¬٢]: النوادر، والمختصر، وغير ذلك؛ وسمع أيضا من عبد الملك بن الحسين [¬٣] الصقلي، وسمع من دراس بن إسماعيل الفاسي، وأبي محمد الأصيلي، ووهب بن مسرة الحجاري [¬٤]؛ وكانت رحلته ورحلة محمد بن غالب إلى القيروان - في نحو الثمانين وثلاثمائة، قرب [¬٥] وفاة أبي محمد ﵀؛ أخذ عنه الناس بسبتة علمًا كثيرًا، وتفقهوا عليه وسمعوا منه؛ وكان من حفاظ المذهب القائمين به.
روي عنه أبو محمد قاسم بن المأموني [¬٦]، ومحمد بن عبد الرحمان بن سليمان، وابن خلف الله، وجماعة فقهاء السبتيين، والفاسيين، وسواهم من غيرهم ممن روي عنه، وأبو عثمان بن سراب [¬٧] من أهل قلعة حماد.
стр. 2251
وتوفي ﵀ سنة ثلاث عشرة (١) وأربعمائة؛ وكان له بنون: عبد العزيز، وعبد الرحمان، وعبد الكريم؛ فأما عبد العزيز، وعبد الرحمان، فخلفا أباهما، وسدا مكانه؛ وسيأتي ذكرهما؛ وأما عبد الكريم فطلب العلم أيضا وسمع من أبيه، وكان أكثر مدته في قومه كتامة، رأسا فيهم. وهم له على طاعة، وقتله المرابطون عند غلبتهم على كتامة ودخولهم قلعتهم [¬١] الدمنة.
يوسف بن حمود بن خلف بن أبي مسلم الصدفي (٢)
القاضي أبو الحجّاج، سبتي، شهير البيت بها في العلم؛ كان فقيها خيارًا، فاضلا، زاهدا متقشفًا، أديبًا، شاعرًا، راوية؛ سمع من شيوخ بلده، ورحل إلى الأندلس، فسمع أبا محمد الباجي وأبا محمد الأصيلي، وأبا المغيرة خطاب بن سبدي [¬٢]، وأبا بكر الزبيدي
стр. 2252
وغيرهم، وولي قصاء سبتة للمستعين من بني أمية، ثم للعلوبين [¬١] بعد قتل ابن زوبع [¬٢]، [فكان من أحد قضاتها - طريقة] [¬٣]، وأحسنهم سيرة، وأشدهم على أصحاب السلطان شكيمة، وله في كل هذا أخبار مأثورة [¬٤]، وكان يرغب الانحلال من الخطة فلا يسعف.
ورحل إلى المشرق - وهو كبير بعد ولايته القضاء سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. وجاء زوال الخطة عنه فلم بسعف في الانحلال، وقيل له استخلف فاستخلف ابن عمه قاسم بن الفضل [¬٥] بن أبي مسلم، وخطط بالقضاء، وسار هو فحج؛ سمع من أبي ذر، وأبي عبد الله الصورى؛ وانصرف فرجع إلى قضائه، وكان على مكانة من الجلالة. كثير التواضع، يمتهن نفسه في تناول أسبابه، وفلاحة جنته، ويمتطي حمارًا [¬٦] في تصرفاته، حدثني من [¬٧] رآه متحزمًا في جنته بالميناء، ينظر في بعض مصالح غراساتها.
стр. 2253
وحدثني غير هذا أنه كان في بعض أزقة الميناء، إذ سمعت الناس يقولون: القاضي - ويتأهبون الحضوره، قال: فإذا أنا بشيخ طويل القامة، أبيض اللحية، طويلها؛ يمشي وبيده قفة فيها آلة الفلاحة. قد سترها بطرف [¬١] غفارة [¬٢] عليه، وإذا به القاضي منصرفا من جنته تلك؛ وخبره مع الغربيين اللذين قصداه فألفياه بجنته [¬٣]، فدقا عليه الباب، فخرج إليهما في صورة خدمة الجنات، فعرفاه أنهما يريدان لقاء القاضي - وهما يظنانه أجيره؛ فقال لهم: ترونه - إن شاء الله؛ فلما قضي شغله، لبس ثيابه، وركب حماره، وانصرف إلى المدينة - والرجلان معه وتبين لهما من جلالته [¬٤]، واكبار الناس له، أنه القاضي، فاعتذرا له فهون (عليهما) [¬٥]، ونظر في قضيتهما.
ومن خبره أن إدريس بن علي الحسيني أمير سبتة - إذ ذاك [¬٦]. رأى هلال شوال في جماعة من أصحابه، ولم يره أحد من أهل سبتة سواهم؛ فقال له بعض أصحابه: ارفع شهادتك إلى القاضي.
стр. 2254
وثبات ذلك عندك وصحته؛ فقال لهم ابن حمود: ذلك [¬١] لا يغني عنده شيئًا، فأنكروا هذا عليه؛ فقال لهم: سترون، ووجه إليه بعض ثقاته فخبره [¬٢] برؤيتهم الهلال، ويأمره بالخروج من غدهم للصلاة مع الناس؛ فقال له: أن كان ثبت عند الأمير شيء، فليفعل ما ثبت [¬٣] عنده؛ وأما أنا فما ثبت عندي شيء يوجب أمرًا إلى الآن؛ فخرج الرسول إليه، فقال أبيتم إلا فضيحتنا، وقطع اليقين على أنه لا يقبل شهادته؛ قال: وجاء داخل الليل شيخان من الصيادين [¬٤] في البحر من الثقات، فأخبروه [¬٥] بكشفهم الهلال من موضع مصيدهم ورؤيتهم له؛ فأثبت شهادتهما، ووجه إلى ابن حمود بثبات الخبر عنده بشهادة من شهد بذلك [¬٦] من الصيادين، فزادهم عجبًا وقد بسطنا [¬٧] من أخباره [¬٨] أشبع من هذا في قضاة السبتيين من تاريخنا.
ولم يزل ابن أبي مسلم يتردد في استعفاء من القضاء إلى آخر [¬٩] أيام إدريس، فصرفه وألحقه غضاضة، وسبب عليه من يطلبه بما تولاه من الأحباس والأوقاف، فوقاه الله شرهم.
стр. 2255
وتوفي في أثر [¬١] ذلك في نحو (١) ثلاثين وأربعمائة، وكانت مدة قضائه بعضا وعشرين سنة.
وابنه أبو الفضل حمود
أحد رجالات سبتة، وكان قليل العلم، استشاره البرغواطيون في قلة الفقهاء، وكان المنظور اليه في البلد في وقته رئاسة؛ وهو الموطئ ببرغواطة، أقطع البلد عن مواليهم الادارسة؛ سمع منه ابنه حمود، وابن أخيه ابراهيم بن الفضل القاضي، وقاسم بن علاقومه، وبنو غاز، وعبد الله بن محمد بن غالب واسماعيل ابن حمزة، وابن المري [¬٢]، والمسيلي، ومحمد بن سليمان المعافري، وجماعة سواهم من أهل بلدنا (والغرباء؛ ورحل اليه).
ومن أهل الأندلس:
عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون أبو بكر المخزومي (٢)
قرطبي، أبو بني زيدون وزراء العبادية، كان أحد أصحاب ابن ذكوان، وكان متفننا في ضروب من العلم، جسم الرواية والمعرفة فصيحًا، جميل الاخلاق، ويخضب بالسواد؛ وكان أحد
стр. 2256
المشاورين المفتين بقرطبة؛ وابنه الاديب أبو بكر (١) بن زيدون، ذو الشأو [¬١] البعيد، فى جودة الشعر والبلاغة، ولى كتابة المعتضد بن عباد.
وابنه (أبو بكر) (٢) ولي بعده وزارة بن المعتمد، وقتله المرابطون عند دخولهم عليهم قرطبة، وقتلهم صاحبها المأمون بن المعتمد بن عباد (٣).
وكانت وفاة الفقيه أبى بكر بن زيدون سنة خمس وأربعمائة. وهو كهل ابن نحو الخمسين بالبيرة، فجيء بتابوته إلى قرطبة، فدفن بها، ومولده سنة أربع وخمسين وثلاثمائة؛ ورثاه أبو بكر [¬٢] عبادة [¬٣] بن ماء السماء الشاعر بقصيدة، أولها:
أي ركن من السيادة [¬٤] هيضا … وحميم [¬٥] من المكارم غيضا
حملوه من بلدة نحو أخرى … كي يوافوا به ثراه الاريضا
مثل حمل الرياح مزنا طبيبا … لتداوي [¬٦] به مكانا مريضا
стр. 2257
أبو عبد الله محمد بن عمر -المعروف بابن الفخار (١)
ويعرف بالحافظ، لقب عرف به؛ آخر [¬١] أئمة المالكية بقرطبة، وأحفظ الناس وأحضرهم علمًا، وأحسنهم تذكرًا، وأسرعهم جوابًا، وأوقفهم على خلاف العلماء، مرجحًا بين المذاهب؛ حافظًا للحديث والاثر، مائلا إلى الحجة والنظر.
سمع أبا عيسى [¬٢]، وكان أولا يميل إلى مذهب الشافعي ثم تركه؛ وروي عن الربيع أنه قال: دخلت على الشافعي في مرض موته، فوجدته يبكي، فقلت له: مم [¬٣] بكاؤك- يرحمك الله؟ قال: أبكي -والله- لمفارقة مذهب مالك-. وأنا أعلم أنه الحق.
وكان ابن الفخار يفضل داود القياسي، ويقول في بعض الأشياء بقوله؛ قرأت بخط أبي محمد ابن أبي قحافة الفقيه- وذكر ابن الفخار فقال: كان واحد، عصره، وقريع [¬٤] دهره، ورأس [¬٥] وقته وعالم أفقه؛
стр. 2258
وكان أرزن الناس وأسكنهم طائرا [¬١]، وأمتعهم مجلسا- قبل أن يهاج! وكان سريع الغضب، تبدو منه عند ذلك بوادر [¬٢]، لا يضبط كلامه عند ذلك؛ وكان ذا منزلة عظيمة في النسك والفقه، والتقشف، والمشاورة في الاحكام.
ورحل الى المشرق، فحج وجاور واتسع في الرواية، وسكن مدينة النبي ﷺ ، وشوور بها، فكان يفخر بذلك على أصحابه؛ وكان كثير الانتزاع لكتاب الله، حاضر الجواب في ذلك.
وحكى عنه أنه قال: لما حججت وانصرفت، وصلت برقة فرأيت قائلا يقول لي [¬٣] في النوم: يا محمد، ارجع فحج، فإنك لم تحج؛ ففكرت في العلة، فوجدت المال الذي العلة، أنفقته فيه شيء، فتبرأت من بقيته، ورجعت أخدم في سقاء الماء وغيره، حق حججت مرة ثانية؛ فلما بلغت، برقة، رأيت في المنام ذلك القائل بعينه يقول لي: قد قبل الله [¬٤] حجك.
стр. 2259
وله اختصار في كتاب نوادر الشيخ أبي محمد بن أبي زيد، ورد عليه في بعض مسائله؛ واختصار المبسوط اسماعيل القاضي لا بأس به، وله رد على أبي محمد بن أبي زيد في رسالته. ردًا تعسف عليه فيه في كتاب سماه "التبصرة"؛ ورد على أبي عبد الله بن العطار في وثائقه. وكانت له مذاهب اخذ بها في خاصة نفسه. خالف فيها أهل قطره؛ فكان [¬١] يصلي الاشفاع خمسا، ويعجل بصلاة العصر شديدا، ولا يرى غسل الذكر كله من المذي.
وكانت له أعمال من البر صالحة، ودعوات مستجابة، وانتفع المسلمون وعظه وارشاده؛ وفر عن قرطبة عند غلبة [¬٢] البرابرة [¬٣] عليها لنذرهم دمه -إذ كان أحد المشددين في صلحهم. والنهي عنهم؛ فاضطرب لجهات [¬٤] الثغر والشرق [¬٥]، وألقى عصاه ببلنسية. فأقام بها مطاعا- إلى أن هلك لعشر خلون من ربيع الأول سنة تسع عشرة فيما قاله ابن حيان أو ثمان عشرة -فيما قاله
стр. 2260
ابن مفرج- وأربعمائة وسنه نحو الثمانين سنة؛ وكان الحفل في جنازته عظيمًا، وعاين الناس فيها آية من طيور سود أمثال الخطاطيف [¬١] تخللت الجمع دافة [¬٢] فوق، نعشه مرفرفرة عليه، لم تفارقه إلى أن سار في لحده وسوى عليه، فتعجب الناس منها.
أبو بكر عبد الرحمان بن أحمد بن محمد التجيبي (١)
المعروف بابن حوبيل [¬٣]، قرطبي، كبير المفتين في هذه الطبقة.
سمع إبراهيم، وابن الاحمر، وابن حارث، وابن مطرف، وابا عثمان بن عبد ربه، وابن السليم القاضي، وابا عيسى، واسماعيل ابن بدر، وأبا جعفر التميمي؛ أخذ [¬٤] عنه ابن عتاب، وحاتم؛ وجمع مسائل ابن زرب.
قال أبو عبد الله الخولاني: كان من أهل العلم والصلاح والفضل، قديم الخير.
стр. 2261
قال ابن حيان؛ كان حافظا، عالما، راوية، وجيها؛ قضاء الحوائج، طلق المحيا لجميع الناس: ولحقته زمانة أقعدته آخر عمره في بيته.
توفي في منتصف صفر سنة [¬١] تسع [¬٢] واربعمائة، وكان يومه مشهودًا. حضره الخليفة القاسم، وصلى عليه أبو العباس بن ذكوان صاحبه، ففقده الناس.
وترك ابنه محمدًا، وكان له حظ من علم الشروط والادب والمعرفة، ولم يحذق للفقه حذق غيره، ولا حفظ المسألة حق حفظها؛ وكان ذا مرؤة وظرف وفصاحة.
توفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، ومولده سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.
أبو المطرف عبد الرحمان بن هارون بن عبد الرحمان الانصاري (١)
المعروف بالقنازمي، منسوب إلى صنعته، قرطبي، فقيه [¬٣] زاهد، ورع. متقشف؛ تفقه بالاصيلي، وابن المكوي، وابن ألحيه مسيلمة، ونظرائه- بالاندلس؛ وسمع الحديث بها من أبي عيسى والقلعي،
стр. 2262
وابن عون الله. وابن الخراز [¬١]، والباجي، وابن القوطية، وأبي المغيرة ابن بتري، وابن مفرج؛ ثم رحل الى المشرق، فلقى ابن أبي زيد بالقيروان، وأخذ عنه، وحج وسمع بمصر من أبى المطرز؛ وأبي الحسن بن شعبان وأبي القاسم ابن المؤمل [¬٢]، علي وأبي محمد الفارسي، وأبي الطيب الحديدي [¬٣]؛ وأجازه ابن رشيق؛ وأخذ عن أبي بكر الارموني، ثم تركه اذ رآه داخل بني عبيد، وخرج محملا بهم وصلتهم تحمل بين يديه من السماطين [¬٤]، وكان يقال [¬٥] إنه دخل مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط -وفيه من مجالس المالكية في الفقه والحديث- نحو عشرين حلقة، وأهله يشكون الغبن والنقص [¬٦] بانتقال الدولة للشيعة على السنة، وحدث عن المطرز أن حمزة الكتاني [¬٧] قال له في سنة ثمان وأربعين: سيمر [¬٨] بك [¬٩] سنة تسع وستين -إن عشت ولست- والله [¬١٠] ترى في الجامع بمصر لله ولا لرسوله (من) [¬١١] سنة، قال المطرز:
стр. 2263
فمات من كان بها، ومنع بقيتهم من الجلوس في الجامع، إلا من كان على مذهب الشيعة، فجاءت السنة المؤرخة بما قال حمزة.
وذكر الفقيه أبو عبد الله بن عتاب فقال: كان خيرًا، فاضلا قدمه القاضي ابن بشير للشورى فلم يلتفت إلى ذلك، واستحضره للشهادة [¬١]. فاعتذر وأبي، وكان يقريء القرآن.
قال ابن عبد البر: كان خيرًا، عفيفا، ورعا؛ كان يلبس قميصًا أبيض على فروة، وربما ليس الفروة [¬٢] دونه [¬٣].
قال ابن الحصار: كان ورعا، زاهدًا، صالحا، من أهل العلم والتقدم في الحديث وعلوم القرآن؛ من أحسن الناس تثقيفا لرواية يحيى، وعناية بها.
قال ابن حيان -وذكره فقال: الفقيه المقريء، الراوية، الحافظ، الزاهد، المخبت [¬٤]، المتقشف، الفاضل، العلم، آخر من تناهت فيه خلال الخير [¬٥] بقرطبة، وعظمت به المنفعة- ظاهرة
стр. 2264
وباطنة؛ وسلك سبيل السلف المتقدمين من هذه الامة -في الزهد في الدنيا والبعد عن الامراء، والقناعة باليسير، والحرص على التعليم والبذل لما عنده من العلوم، والاختلاط بالفقراء والمساكين، والمواساة بالقليل، والرضا عن الله والتذكر ليلائه؛ وكان ممن امتحن بالبرابرة في الفتنة أيام ظهورهم على قرطبة، محنة أودت بحاله، وقدحت في خاطره. فعراه طيف خيال خفيف، يغشاه فلا يؤذيه؛ واضطر إلى مواجرة نفسه في الامامة والتعليم، على حد من التحري، وتسريح في أيام الاخمسة والجمعات، إلى الاسماع والتفقيه، وكان أقوم من بقي بحديث موطأ مالك ﵀، وله في تفسيره كتاب مشهور مفيد مستعمل، واختصار كتاب ابن سلام في تفسير القرآن، وكتاب اختصار وثائق ابن الهندي [¬١]. وكان له حظ من العربية يستقل به؛ روى عنه ابن عتاب، وابن عبد البر، وابن الطبني، وأبو أحمد جعفر بن عبد الله التجيبي، وعبد الرحمان بن العقيلي [¬٢]، والطرابلسي.
مولده سنة احدى وأربعين وثلاثمائة، وتوفي في رجب سنة ثلاث عشرة واربعمائة بقرطبة ﵀، وجعلت رجلاه مما يلي يحيى بن يحيى.
стр. 2265
أحمد (١) ويحيى (٢): ابنا حكم المعاملي [¬١]- المعروف بابن اللبان [¬٢]
من أهل قرطبة، ولي أحمد قضاء طليطلة، وأخذ المنصور بها عيد فخطب به أحمد بإشارة ابن ذكوان - القاضي - تنويهًا به، فارتج عليه، ففزع إلى الدعاء، ثم صلى؛ فقال المنصور لابن ذكوان: لم يف ضمانك فيه - لما لم يأمر بشرائع الإسلام، فذكر له ذلك ابن ذكوان، فقال: أحييت السنة - في قصر الخطبة، ولم أظن أنكم نسيتم شرائع الإسلام، فأذكركم بها، فلما بلغ المنصور كلامه، ضحك واستطرفه.
وأما أخوه يحيى، فكان في عداد المشاورين بقرطبة، ولم يكن - فيما قيل - أهلا لذلك، كان قليل العلم (٣).
стр. 2266
أبو سعيد عمران بن عبد ربه المعافري (١)
قرطبي، فقيه صالح، اختصر كتاب الدلائل الكبير للأصيلي.
وتوفي بقرطبة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
أبو محمد بن الشقاق (٢)
واسمه عبد الله بن سعيد بن محمد، قرطبي، شيخ المفتين بها في وقته [¬١]، وأحد أكابر أصحاب أبي عمر بن المكوي المختص به؛ تفقه به وبقرنائه، وقرأ القرآن على النعمان، وسمع من أبي محمد القلعي.
قال أبو مروان: كان آخر [¬٢] العلماء الأندلسيين النحارير، المبرزين في الفقه، والحفظ والحذق بالفتوى والشروط، والفرائض، والحساب؛ إمامًا في القراءة والتفسير، مشاركًا في الآدب والعربية والخبر؛ وانفرد هو وصاحبه أبو محمد [¬٣] بن دحون برئاسة العلم بقرطبة، وكانا خليلي صفاء، وقد عمل على القضاء بعهد الجماعة
стр. 2267
ببعض الجهات، ونظر بالحكم بالرد في الفتنة، وذكره أبو عمرو المقرئ في طبقات القراء، فقال: كان مقرئًا أقرأ في مسجده بقرطبة زمانًا.
قال ابن حيان: كان [¬١] هو وصاحبه ابن دحون برخصان في السماع.
توفي آخر رمضان سنة ست وعشرين - وهو ابن إحدى وثمانين سنة، مولده سنة تسع وأربعين.
أبو محمد عبد الله بن يحيى بن دحون (١)
أحد جلة شيوخ المفتين بقرطبة، وكبار أصحاب ابن المكوي، وابن زرب، صحبهما وتفقه بهما وبغيرهما.
قال ابن حيان: لم يكن في أصحاب ابن المكوي بإجماع أفقه منه، ولا أعرض على الفتيا، ولا أضبط للروايات، مع نصيب من الأدب والخبر، ولم يكن معه كتب إلا يسيرا من الأصول؛ وكان بقية علماء وقته بقرطبة، وعاش بعد قرنائه، فانفرد بالرئاسة
стр. 2268
بقية مدته؛ وكان فكه المجلس، جم الإفادة، شديد التواضع - مع رفعة حاله، وتقديم الناس له؛ يشتري جميع ما يحتاج إليه في الأسواق بنفسه، حسن الزي.
أنشد بعض الأدباء لابن دحون - وزعم أنها من قوله، وهي تنشد لابن الرومي في زهر الخيري:
عجبت من الخيري ابنع بالدجا … وأصبح رياه مع الصبح يحجب
فقلت الريا طبع [¬١] له فكأنه … فقيه يرائي وهو بالليل يشرب
قال ابن حيان: وكان يرخص في السماع، ويجادل فيه عن مذهبه؛ وسئل عن حاله آخر أمره، فقال: ما حال من يعثر في ثوبه، ويلقط الحيوان من جسمه.
وتوفي في صدر محرم إحدى وثلاثين وأربعمائة وسنه تسع وثمانون.
стр. 2269
أبو محمد حماد بن عمار الزاهد (١)
قرطبي، كان منقطع القرين في فضله، جمع إلى النسك العلم والأدب والفقه والبلاغة، وكان منزويًا عن الناس، منقبضًا عن الرؤساء، متبركًا به، مقطوعًا بفضله؛ خرج - بعد الفتنة - إلى طليطلة، وطلب لقضاء قرطبة في الفتنة، فلم يطمع به، ولا علم أنه أخذ عنه علم [¬١]؛ وبه ختم زهاد الأندلس من طبقته، حدث عنه [¬٢] الطرابلسي.
وتوفي بطليطلة سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة - وسنه بالقياس - أزيد من مائة سنة، وهو ممتع بجوارحه [¬٣].
أبو القاسم بن نابل [¬٤] (٢)
واسمه يحيى بن عمر بن حسين بن محمد بن نابل [¬٥]، قرطبي، بيته من بيت علم، جده أبو بكر من أهل الرواية الواسعة، (أخذ) [¬٦] عن أحمد بن خالد، ومحمد بن عبد الملك بن
стр. 2270
أيمن، وقاسم بن أصبغ، وابن لبابة، والقاضي أسلم [¬١]، وابن الأعرابي، والطحاوي، والزبيدي، وابن أبي مطر، وأبي الطاهر المدني، وابن الورد. ونظرائهم من الأندلسيين والمشرقيين؛ وكان شيخًا صالحًا، له حظ من الفقه وعقد الشروط؛ وتصرف في العربية والغريب والشعر وقرضه؛ غلبت عليه الرواية، حدث عنه ابن الفرضي وغيره، وكانت فيه غفلة؛ توفي سنة تسع وسبعين وثلاثمائة - فيما قاله ابن عفيف، أو اثنين وسبعين فيما قاله ابن الفرضي؛ ومولده سنة ست وتسعين ومائتين؛ وابنه عمر بن حسين من أهل العلم والرواية أيضًا عن قاسم بن أصبغ، وهو آخر من حمل عنه؛ وابن أبي دليم، ووهب، وطبقتهم؛ وكان مسندًا صدوقًا، ثقة، عفيفًا، فاضلًا ورعًا؛ وعمي؛ وسمع منه على حالته، وروى عنه، وابنه أبو القاسم هذا.
قال ابن عفيف: كان ممن أنجب في العلم، وتفقه وشهر بالحفظ الجيد، وقدم إلى الشورى أيام القاضي ابن ذكوان.
стр. 2271
قال أبو عبد الله بن الحصار: كان من أهل الخير والفضل والصلاح، والتقدم في الفهم [¬١] والإمامة في العلم؛ فقيه مشاور، من بيت طهارة، واستقامة، وهدى، وسنة؛ رحل [¬٢] مع أبيه، فحجا، وسمعا من رجال المشرق. وقال ابن حيان: كان فقيها، فاضلا، خيرًا، ورعا، متقيدا بالسلف؛ وقلده هشام المؤيد خطة الرد بقرطبة، فجاءته الولاية يوم وفاته، وكان موصوفا بمبرة والدته، حتى إنه أسخط أباه بإرضائها - لما وكلته لمخاصمته في حقوق ادعتها قلبه أيام فارقها.
قرأت في كتاب الإمام أبي بكر الطرطوشي: حكى لنا (أستاذنا) [¬٣] أبو الوليد الباجي، ان امرأة وكلت ولدها على زوجها في طلب مال لها عنده، فأبى، فاستشار الفقهاء بقرطبة، فأشار بعضهم عليه أن يطيع مه، فتوكل لما عليه مراعاة بأن مبرة الأم آكد، للحديث الوارد في ذلك (١)؛ فلعل هذه الحكاية التي حكاها أبو الوليد، هي قصة أبي القاسم هذا أو غيره - فالله [¬٤] أعلم.
стр. 2272
ولما كانت الحادثة في نكبة بني ذكوان رؤساء قرطبة، وكان أبو القاسم هذا صديقا لهم أعظم ما جرى عليهم كما قدمناه عن ابن المكوي، فلحقه من الأمر جزع عظيم، اختلط من أجله، فاحتجب ستة أيام ومات، وذلك بعد خمسة عشر يومًا للحادثة عليهم وهو حدث السن في إقباله، وذلك سنة إحدى وأربعمائة، وأبو عمر حي بعد مكفوف البصر، فصلى عليه ثم مات بعده بيسير في السنة نفسها وظهرت في موت عمر هذا آية وكرامة، وذلك أنه عهد إلى ابن ابنه أن يدرجه [¬١] في كفنه دون قطن، فخالفه وألقى القطن، فلما سوى فوق أكفانه - على المشجب [¬٢] للبخور، طارت شرارة أحرقت القطن، فأخبر حينئذ ابن ابنه بالأمر، فكفن دون قطن كما عهد ﵀.
وأخوه إبراهيم بن محمد عم أبي القاسم [¬٣]، شيخ أديب، له حظ من العلم، يكنى بأبي إسحاق.
стр. 2273
أبو علي الحسن بن أيوب الأنصاري (١)
المعروف بالحداد، شيخ الشورى بقرطبة، ومقدم مفتيها، لاسيما بعد موت صاحبيه [¬١] ابن الشقاق، وابن دحون؛ كان حافظا للمسائل والأجوبة، قائما بها على مذهب المالكية، عارفا بالحديث، بارعا في الأدب والخبر، ذا تفنن في المعارف، وحذق بالشروط [¬٢]، وسعة الرواية.
سمع من ابن عبيد، وأبي علي البغدادي، وأحمد بن هلال، وابن ثابت، وأبي عيسى، وابن فرحون، وغيرهم. حدث عنه أبو عبد الله بن عتاب، وأبو عبد الله بن الطلاع، والشارقي [¬٣] الطليطلي، وأبو محمد بن الدباغ، وابن الحصار، وابنه.
توفى سنة خمس وعشرين وأربعمائة وقد بلغ سنا، مولده سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.
стр. 2274
انتهى الجزء السابع من كتاب "ترتيب المدارك، وتقريب المسالك، المعرفة أعلام مذهب مالك"
للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي
ويتلوه الجزء الثامن، وأوله: أبو عبد الله بن الحذاء
стр. 2275
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
وهذا الجزء الثامن والأخير من كتاب: "ترتيب المدارك"، - لأبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي، نجعله بين يدي القارئ الكريم، وقد حاولنا - جهد المستطاع - إخراجه على الصورة التي ترضي؛ وكنت أشرت في مقدمة الجزء السابع - إلى أن هناك أمارات تدل على أن في الكتاب نقصًا:
١ - تشير مقدمة المؤلف إلى أن من جملة من تحدث عنهم - داخل الكتاب - شيوخه ومعاصريه، وهؤلاء لا ذكر لهم ألبتة (١).
٢ - وعد المؤلف في غضون الكتاب بتراجم لم يف بذكرها (٢).
٣ - وجود بياضات لم يملأ فراغها المؤلف (٣).
_________
(١) ويجيب ابن علوان - وهو من مختصري المدارك - أن المؤلف ربما أسقط ذكر شيوخه، لأنه أفرد أهم كتابًا - يعني الغنية - فكره التكرار في المصنفات - مخطوط الخزانة الملكية رقم (١١٥٨٤) - على أن الإيراد بالنسبة لمعاصريه يبقى قائمًا - كما لا يخفى.
(٢) وقد نبهت على طائفة منها في حواشي الكتاب.
(٣) أشرت إلى ذلك في بعض التعليقات.
стр. 2276
ويجوز - عندي - أن يكون القاضي عياض ترك الكتاب في مسودته، فاخترمته المنية قبل أن يضعه في صورته النهائية، فنقله النساخ على ما هو عليه بشكل أو آخر.
ويدلنا على ذلك:
١ - الاختلاف بين النسخ في ترتيب التراجم.
٢ - وجود بعض هذه التراجم مكررًا بالحرف الواحد، بحيث ترد ترجمة الشخص الواحد في مكانين.
٣ - على أن الكتاب لم يروه أحد من مؤلفه، ولم يثبت سماعه عليه (١).
وقد تحقق لدي أكثر هذه الافتراضات عند ما أطلعت أخيرًا على مختصر المدارك لابن حمادة - تلميذ عياض، فقد زاد على الأصل الذي بين أيدينا زيادات، واستدرك عليه استدراكات، سنثبتها في آخر الكتاب على شكل ملاحق:
١ - استدراكات من الطبقة التاسعة.
٢ - طبقة حادية عشرة نسبها ابن حمادة إلى الأصل.
٣ - استدراكات على هذه الطبقة - وقد ضمنها بعض شيوخ المؤلف.
٤ - طبقة ثانية عشرة، ختم بها ابن حمادة الكتاب وقد اختصها برجالات سبتة - بلده.
_________
(١) انظر مقدمة تحقيق الجزء الأول من "ترتيب المدارك" - للعالم البحاثة المرحوم محمد بن تاويت الطنجي ص (كح - كط).
стр. 2277
النسخ الخطية، ومنهج التحقيق
يقوم تحقيق هذا الجزء على النسخ التي قام عليها الجزء السالف (السابع) - ذاتها، وسرت على نفس الخطة التي رسمتها في الأجزاء السابقة؛ وربما أشرت في بعض الحواشي إلى ما أفدته من مختصر ابن حمادة - مخطوط الخزانة الملكية رقم (٦٧٢)، وقد اعتبرته كنسخة ثانية الكتاب.
وأذكر بالمناسبة أني زرت للمرة الأولى - الخزانة الملكية بالرباط - في مبناها الجديد، وأعجبت بتجهيزها وتنظيماتها الفنية، والروح الطيبة التي يتحلى بها سدنتها - خدمة للعلم والبحث.
والله يرعى مولانا أمير المومنين، جلالة الملك الحسن الثاني، ويبقيه ذخرا للإسلام، وملاذًا العلم والمعرفة، إنه سميع الدعاء.
تطوان في ٢٤ رمضان عام ١٤٠٣ هـ.
موافق ٢٥ يوليوز ١٩٨٣ م.
المحقق
стр. 2278
أبو عبد الله بن الحذاء (١)
واسمه محمد بن يحيى بن محمد (٢) بن عبد الله [¬١] بن محمد بن يعقوب بن داود التميمي، هكذا اشتهر [¬٢] نسبهم بالحذاء - بالذال المعجمة، وحكى ابن عفيف أنهم يأبون ذلك، ويقولون: هو بدال مهملة من حداء الإبل، وأن جدهم الذي ينسبون إليه هذا يعرف بأنجشة حادي رسول الله رسول الله ﷺ ، قالوا: ولكن لما سكن أولنا في ربض [¬٣] الحذائين بقرطبة، تصحف على الناس نسبنا لقرب الحرفيين.
ينسبون إلى ولاء بني أمية، وكان جدهم داود أمير قوم مرج ولقيط، فكان صدرًا في موالي بني أمية، وهو الداخل إلى الأندلس من الشام، وكان بنوه ذوي وجاهة في أعمال السلطان بالأندلس من التقديم على مهم الأعمال، والتصريف في الأمور الجليلة.
قال ابن عفيف: كان أبو عبد الله هذا فقيهًا، عالمًا، يقظًا، متفننًا في الآداب، حافظًا للرأي، مميزًا للحديث ورجاله،
стр. 2279
بصيرًا بالوثائق، مرسلا بليغًا؛ وكان خطيبًا مجيدًا، ومعبرًا، من أبصر الناس بذلك؛ له فيها نوادر مشهورة، محسنًا، حسن المشاركة للناس.
قال ابن عفيف: وغلب عليه الحديث، فبذ [¬١] في علومه أهل زمانه، وكان ابن زرب قد استخصه من صغره - وهو ابن أربعة عشر عامًا، وتفقه [¬٢] عنده، ولقي غيره من شيوخ الأندلسيين، كزكرياء بن برطال، وابن السليم، ومحمد بن أبي دليم، والأنطاكي، وابن عون الله. والقلعي، والزبيدي، وابن النعمان، وابن عائذ، وابن أبي عيسى [¬٣] الليثي، وغيرهم.
ثم رحل فلقي ابن أبي زيد بالقيروان، وتفقه معه، وحمل عنه تواليفه، ولقي بمصر الثعالبي (١) والجوهري، والذهلي الكبير؛ فتفقه عندهم، وسمع منهم، ومن عبد الغني وابن ماهان، وأبي القاسم هشام بن محمد بن أبي خليفة [¬٤]- راوية الطحاوي، وابن المهندس، والاذفولي، وابن غلبون، وابن حسون، السامري، وابن رشيق، وغيرهم. وحج
стр. 2280
فسمع من أبي إسحاق الدينوري، وغير واحد؛ وكان عدة شيوخه ستين شيخا وانصرف فبقي بمصر والقيروان - مستكثرًا من مشايخه، متفقهًا عندهم في الحديث والمذهب؛ وورد [¬١] الأندلس، فلازم الأصيلي، وارتفعت طبقته في العلم، وولاه السلطان خطة الوثائق، والشورى، والقضاء بغير جهة، كاشبيلية، وبجانة؛ ولحقته فتنة البرابر [¬٢]، فلحق بالثغر، فولي هناك قضاء تطيلة، ثم استوطن سرقسطة - حتى مات بها؛ وذكره ابنه القاضي أبو عمر فقال: كان له علم بالفقه، والحديث، والعبارة للرؤيا.
قال أبو عبد الله الخولاني: كان من أهل العناية بالعلم، متقدمًا في الفهم والنبل؛ وكان من النقاد، يشبه المتقدمين في حفظهم وسيرهم [¬٣]، وألف شرحًا في الموطأ، سماه كتاب الاستنباط لمعاني السنن والأحكام من أحاديث الموطأ - ثمانين جزءًا، وكتاب التعريف برجال الموطأ - أربعة أسفار، وكتاب البشرى في عبارة الرؤيا - وهو شرح كتاب الكرماني - خمسة عشرة جزءًا، وكتاب الإنباه على أسماء الله، وكتاب الخطب والخطباء.
قال ابنه أبو عمر: ما حدثت عندنا حادثة إلا وقد أنذر بها أبي - حسبما دلت عليها الرؤيا. (فنجدها كما قال) [¬٤].