ويجوز - عندي - أن يكون القاضي عياض ترك الكتاب في مسودته، فاخترمته المنية قبل أن يضعه في صورته النهائية، فنقله النساخ على ما هو عليه بشكل أو آخر.
ويدلنا على ذلك:
١ - الاختلاف بين النسخ في ترتيب التراجم.
٢ - وجود بعض هذه التراجم مكررًا بالحرف الواحد، بحيث ترد ترجمة الشخص الواحد في مكانين.
٣ - على أن الكتاب لم يروه أحد من مؤلفه، ولم يثبت سماعه عليه (١).
وقد تحقق لدي أكثر هذه الافتراضات عند ما أطلعت أخيرًا على مختصر المدارك لابن حمادة - تلميذ عياض، فقد زاد على الأصل الذي بين أيدينا زيادات، واستدرك عليه استدراكات، سنثبتها في آخر الكتاب على شكل ملاحق:
١ - استدراكات من الطبقة التاسعة.
٢ - طبقة حادية عشرة نسبها ابن حمادة إلى الأصل.
٣ - استدراكات على هذه الطبقة - وقد ضمنها بعض شيوخ المؤلف.
٤ - طبقة ثانية عشرة، ختم بها ابن حمادة الكتاب وقد اختصها برجالات سبتة - بلده.
_________
(١) انظر مقدمة تحقيق الجزء الأول من "ترتيب المدارك" - للعالم البحاثة المرحوم محمد بن تاويت الطنجي ص (كح - كط).
стр. 2277
النسخ الخطية، ومنهج التحقيق
يقوم تحقيق هذا الجزء على النسخ التي قام عليها الجزء السالف (السابع) - ذاتها، وسرت على نفس الخطة التي رسمتها في الأجزاء السابقة؛ وربما أشرت في بعض الحواشي إلى ما أفدته من مختصر ابن حمادة - مخطوط الخزانة الملكية رقم (٦٧٢)، وقد اعتبرته كنسخة ثانية الكتاب.
وأذكر بالمناسبة أني زرت للمرة الأولى - الخزانة الملكية بالرباط - في مبناها الجديد، وأعجبت بتجهيزها وتنظيماتها الفنية، والروح الطيبة التي يتحلى بها سدنتها - خدمة للعلم والبحث.
والله يرعى مولانا أمير المومنين، جلالة الملك الحسن الثاني، ويبقيه ذخرا للإسلام، وملاذًا العلم والمعرفة، إنه سميع الدعاء.
تطوان في ٢٤ رمضان عام ١٤٠٣ هـ.
موافق ٢٥ يوليوز ١٩٨٣ م.
المحقق
стр. 2278
أبو عبد الله بن الحذاء (١)
واسمه محمد بن يحيى بن محمد (٢) بن عبد الله [¬١] بن محمد بن يعقوب بن داود التميمي، هكذا اشتهر [¬٢] نسبهم بالحذاء - بالذال المعجمة، وحكى ابن عفيف أنهم يأبون ذلك، ويقولون: هو بدال مهملة من حداء الإبل، وأن جدهم الذي ينسبون إليه هذا يعرف بأنجشة حادي رسول الله رسول الله ﷺ ، قالوا: ولكن لما سكن أولنا في ربض [¬٣] الحذائين بقرطبة، تصحف على الناس نسبنا لقرب الحرفيين.
ينسبون إلى ولاء بني أمية، وكان جدهم داود أمير قوم مرج ولقيط، فكان صدرًا في موالي بني أمية، وهو الداخل إلى الأندلس من الشام، وكان بنوه ذوي وجاهة في أعمال السلطان بالأندلس من التقديم على مهم الأعمال، والتصريف في الأمور الجليلة.
قال ابن عفيف: كان أبو عبد الله هذا فقيهًا، عالمًا، يقظًا، متفننًا في الآداب، حافظًا للرأي، مميزًا للحديث ورجاله،
стр. 2279
بصيرًا بالوثائق، مرسلا بليغًا؛ وكان خطيبًا مجيدًا، ومعبرًا، من أبصر الناس بذلك؛ له فيها نوادر مشهورة، محسنًا، حسن المشاركة للناس.
قال ابن عفيف: وغلب عليه الحديث، فبذ [¬١] في علومه أهل زمانه، وكان ابن زرب قد استخصه من صغره - وهو ابن أربعة عشر عامًا، وتفقه [¬٢] عنده، ولقي غيره من شيوخ الأندلسيين، كزكرياء بن برطال، وابن السليم، ومحمد بن أبي دليم، والأنطاكي، وابن عون الله. والقلعي، والزبيدي، وابن النعمان، وابن عائذ، وابن أبي عيسى [¬٣] الليثي، وغيرهم.
ثم رحل فلقي ابن أبي زيد بالقيروان، وتفقه معه، وحمل عنه تواليفه، ولقي بمصر الثعالبي (١) والجوهري، والذهلي الكبير؛ فتفقه عندهم، وسمع منهم، ومن عبد الغني وابن ماهان، وأبي القاسم هشام بن محمد بن أبي خليفة [¬٤]- راوية الطحاوي، وابن المهندس، والاذفولي، وابن غلبون، وابن حسون، السامري، وابن رشيق، وغيرهم. وحج
стр. 2280
فسمع من أبي إسحاق الدينوري، وغير واحد؛ وكان عدة شيوخه ستين شيخا وانصرف فبقي بمصر والقيروان - مستكثرًا من مشايخه، متفقهًا عندهم في الحديث والمذهب؛ وورد [¬١] الأندلس، فلازم الأصيلي، وارتفعت طبقته في العلم، وولاه السلطان خطة الوثائق، والشورى، والقضاء بغير جهة، كاشبيلية، وبجانة؛ ولحقته فتنة البرابر [¬٢]، فلحق بالثغر، فولي هناك قضاء تطيلة، ثم استوطن سرقسطة - حتى مات بها؛ وذكره ابنه القاضي أبو عمر فقال: كان له علم بالفقه، والحديث، والعبارة للرؤيا.
قال أبو عبد الله الخولاني: كان من أهل العناية بالعلم، متقدمًا في الفهم والنبل؛ وكان من النقاد، يشبه المتقدمين في حفظهم وسيرهم [¬٣]، وألف شرحًا في الموطأ، سماه كتاب الاستنباط لمعاني السنن والأحكام من أحاديث الموطأ - ثمانين جزءًا، وكتاب التعريف برجال الموطأ - أربعة أسفار، وكتاب البشرى في عبارة الرؤيا - وهو شرح كتاب الكرماني - خمسة عشرة جزءًا، وكتاب الإنباه على أسماء الله، وكتاب الخطب والخطباء.
قال ابنه أبو عمر: ما حدثت عندنا حادثة إلا وقد أنذر بها أبي - حسبما دلت عليها الرؤيا. (فنجدها كما قال) [¬٤].
стр. 2281
مولده سنة سبع وأربعين - فيما قاله ابن عفيف، وقال ابنه سنة سبع في المحرم [¬١]، وأربعين وثلاثمائة، وتوفي سنة عشرة. وقال ابنه: ست عشرة [¬٢] وأربعمائة - وهو ابن سبعين سنة، وابنه القاضي أبو عمر.
أبو عمر أحمد بن عفيف (١)
قرطبي، سمع بها من ابن أبي عيسى [¬٣]، وابن السليم، وابن زرب، وابن برطال، وابن عون الله، والقلعي، وابن ناصر السبتي وعباس بن أصبغ، والبصري، والزبيدي، وابن القوطية، ومحمد بن رفاعة، وغيرهم. وأخذ بحظ وافر من العلم، وبرع في الوثائق والشروط.
قال ابن مفرج: فلم يكن في عصره أعلم بها منه، وشارك في كثير من العلوم [¬٤]، وصحب الصالحين: كالقرشي، والقبري، ومسلمة، وغيرهم.
حدث عنه الطرابلسي، والدلائي، وكان يعظ الناس في مسجده، ويقرأ عليهم كتب الرقائق، وكان كثير الخشية، سريع الدمعة، متهجدًا بالقرآن، مثقفًا لأحرفه السبعة، بصيرًا
стр. 2282
بمعانيه وإعرابه، عارفًا بالخبر والشعر، طيب المجالسة، وقورًا، سمحا، قانعًا برزقه وحظه، وكان يغسل الموتى؛ وله كتاب في ذلك، سماه كتاب الجنائز، وألف في علوم الشروط تأليفا حسنا، وألف كتاب المعلمين وكتاب الاحتفال في علماء الأندلس وصل به كتاب ابن عبد البر؛ وله شعر حسن، ولاه المهدي خطة الشرطة والوثائق، فلما زالت أيامه، أقصاه المستعين، فخرج عند حلول الحادثة بقرطبة إلى المرية، فنوه به صاحبها، وقلده قضاء لورقة، فحسنت سيرته إلى أن توفي بها سنة عشر وأربعمائة، وسته أربع وستون عامًا، مولده سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
أبو عامر محمد بن حفص بن الأشعث (١)
المعروف بابن الأريخة، قرطبي؛ قال ابن حيان: كان عفيفًا، سمحا، متصاونًا، عدلا، متأدبًا، مشاورًا، لم يكن بالمستبحر في الرأي، كان حسن العلم، مشاركًا في الأدب، توفي سنة تسع وعشرين بقرطبة - وسنه نحو الستين.
стр. 2283
القاضي أبو المطرف بن بشر (١)
المعروف بابن الحصار، واسمه عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن محمد بن بشر، مولى بني فطيس، تقدم ذكر أبيه. وكان أبو المطرف هذا من أجل أهل وقته علمًا وعقلا وفقهًا، وسمتًا، وعفة، وهديًا؛ صحب ابن ذكوان قاضي الجماعة. وكتب له بعهد [¬١] الجماعة، وولي الشورى مع ابن الفخار وطبقته، ثم اختاره ابن ذكوان للقضاء في الفتنة أيام الحمودية، فعمل مدتهم وبعدهم إلى أيام المعتمد - آخر خلفاء بني أمية في الفتنة.
قال أبو محمد بن حزم - وذكره في كتابه -: قال ابن حيان: لم يكن في وقته بقرطبة مثله - حفظًا للفقه، وحذقًا بالحكم، وبصرًا بالشروط، ومشاركة في الأدب، مع العفة والصيانة، وبعد الهمة؛ وكان شديد التعسف [¬٢] على الفقهاء، (والتقويم لميلهم) [¬٣]؛ فلما ولي المعتمد، اجتمعوا عليه وطلبوه، حتى عزله، وولى ميسرة بن الصفار [¬٤]، وعهد عليه بالتزام داره، وسد بابه، فأدركه خمول كثير، ثم أبيح له الخروج فمات بقرب ذلك.
стр. 2284
وقال ابن حيان في موضع آخر: وكان عالمًا، فطنا، وكان من الفقه والعلم بالشروط بمحل كبير؛ أخذ عن أبيه، وبه تفقه أبو عبد الله بن عتاب، وكتب بين يديه، وكان يفخر ابن عتاب بذلك، ويثني عليه.
وكانت وفاته منتصف شعبان سنة اثنتين وعشرين، وشهده الناس، وتعاهدوه، وحضر جنازته الخليفة المعتمد؛ مولده سنة أربع وستين، وكانت مدة قضائه بقرطبة اثنتي عشرة سنة وعشرة أشهر.
أبو عبد الله محمد بن علي (بن هشام) [¬١]
ابن عبد الرؤوف الأنصاري (١)
حاكم قرطبة زمن الحمودية وبعدهم.
قال ابن حيان: كان واسع العلم، حاذقاً بالفتوى، صليباً في الحكم، شديدًا على أهل الاستطالة، متحققاً بعلم اللسان، ورهًا، عفيفاً، متقللا، جوادًا، قوالا للحق، نفاعاً لإخوانه، طالت ولايته، ولم يوجد له بعد موته كبير شيء.
стр. 2285
وتوفي في رمضان سنة أربع وعشرين. وكان يومه مشهودًا، ورثاه ابن الخياط الشاعر بقصيدة أولها:
لو مت من أسف لكنت خليقاً … لم يبق لي ريب الزمان صديقًا
قالوا أبا عبد الاله طوى الردى … فافزع لصبرك قلت لست مطبقاً
إن كان أوصى علة فأنا الذي … أوصى عليه زفرة وشهيقًا
حكم يذكرنا بفضل قضائه … ومضى به الفاروق والصديقا
يرويك نائله [¬١] إذا ما لم تجد … في فيك من ظمأ الحوادث ريقاً
الليث بن حريش أبو الوليد (١)
قرطبي، من مشيخة المفتين بها، وولي قضاء المرية، فانتقل إليها، إلى أن توفي بها عقب صفر سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، بوجع أصابه ليلته - وقد قارب ثمانين سنة.
قال أبو عبد الله بن عتاب: شاهدت القاضي أبا المطرف ابن بشر [¬٢] يتكلم معه في مسألة.
стр. 2286
أبو محمد مكي بن أبي طالب (١)
واسمه محمد، ويقال له حموش بن مختار القيرواني، نزيل قرطبة المقرئ؛ كان فقيهًا، مقرئاً، أديبًا، متفننًا، راوية، وغلب عليه علم القرآن، وكان من الراسخين فيه؛ أخذ بالقيروان عن أبي محمد بن أبي زيد، وأبي الحسن القابسي، وأبي عبد الله الفراء اللغوي؛ ورحل إلى المشرق سنة سبع وسبعين، فلقي ابن الاذفوني وابن غلبون بمصر؛ وحج عامه ثم عاود مكة سنة سبع وثمانين، فأقام بمكة أربعة أعوام؛ وتجول في رحلته، فلقي جلة من المحدثين والفقهاء؛ منهم: أبو القاسم الجبلي المالكي، وابن فارس [¬١]، وأحمد بن إبراهيم المروزي، وأبو القاسم السقطي، وأبو الفضل أحمد بن عمران الهروي، وأبو العباس أحمد بن محمد بن زكرياء الفسوي، وعبد الرحمان بن علي العباسي، وأبو الحسن المطوعي، وصدقة بن أحمد الرقي، وغير هؤلاء.
وانصرف إلى القيروان سنة اثنتين وتسعين، ودخل قرطبة أيام المظفر بن أبي عامر، سنة ثلاث وتسعين ولا يؤبه به [¬٢]، إلى
стр. 2287
أن تنبه [¬١] بمكانه [¬٢] ابن ذكوان القاضي، فأجلسه في المسجد الجامع، فنشر علمه، وعلا ذكره، ورحل إليه؛ ثم ولي الخطبة والصلاة مدة، إلى أن أبعده [¬٣] عنها الخوف [¬٤]؛ وكان مع رسوخه في علم القرآن وتفننه [¬٥] فيه قراءات، وتفاسير، ومعاني - نحوياً، لغوياً، فقيهًا؛ ولي الشورى، وصنف تصانيف جليلة في علم القرآن وغير ذلك؛ من أشهر تصانيفه: كتاب الهداية في التفسير، وكتاب الكشف في وجوه القراءات، واختصار الحجة للفارسي، وكتاب إعراب القرآن، وكتاب الإيضاح في ناسخة ومنسوخه - وهو كتاب حسن، وكل تواليفه حسنة؛ وكتاب المأثور عن مالك في الأحكام والتفسير، والتبصرة، والموجز، واختصار أحكام القرآن، والايجاز [¬٦]، واللمع في الاعراب، وانتخاب نظم القرآن للجرجاني، والواعي في الفرائض، وغير ذلك.
وأخبرني شيخنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر، أن له تصنيفاً في الفقه؛ روي عنه جلة الناس، كأبي عبد الله بن عتاب، وأبي الوليد الباجي، وحاتم الطرابلسي، وأبي محمد بن سهل المقرئ؛ وبعدهم أبو الاصبغ بن سهل، وآخر من حدث عنه بالاجازة - شيخنا أبو محمد بن عتاب.
وتوفي ﵀ صدر محرم سنة [¬٧] سبع وثلاثين وأربعمائة - وقد نيف على الثمانين سنة، مولده سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
стр. 2288
سليمان بن بيطر بن سليمان بن ربيع بن بيطر الكلبي (١)
أبو أيوب، قرطبي؛ قال ابن الحصار: كان رجلًا صالحًا، حافظًا للمسائل، تفقه بابن زرب، سمع ابن الأحمر، وأبا عيسى، وابن القوطية، وابن قطر، وله في الكتب الثمانية لابي زيد القرطبي اختصاران، واختصر كتاب المدنية لعبد الرحمان بن دينار، واختصاره حسن، وخرج إلى مالقة بعد الفتنة.
القاضي يونس بن الصفار (٢)
وهو [¬١] أبو الوليد يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث، قرطبي، كان أولا يتولى بني أمية، فلما [¬٢] انقرضت دولتهم انتمى في الأنصار؛ نشأ طالبًا للعلم، فسمع ابن الأحمر، وابن بدر، وابن ثابت، وزكرياء بن برطال، وابن الخراز - صاحب الصلاة، وابن أبي زمنين، وابن أبي العرب، وأبا عيسى، ومحمد بن عبد العزيز، وابن محسن [¬٣] اللبيدي، وابن السليم، وابن
стр. 2289
جوهر المرشاني [¬١]، وابن زرب، والزبيدي، وعبد الرحمان بن أحمد ابن بقي، ومحمد بن أحمد بن خالد، وابن القوطية، وابن عبيدون [¬٢]، وجماعة سواهم.
قال محمد بن عبد الله الخولاني: كان رجلًا صالحًا، قديم الخير والطلب -مع الأدب، مقدماً في الفقهاء والادباء، مشاركًا في كل فمن؛ قدمه ابن زرب للشورى، وسمع منه الناس، وروى عنه جماعة من الجلة؛ منهم: القاضي أبو الوليد الباجي، وابن عتاب، وأبو مروان سراج، والعقيلي، والطرابلسي، وأبو مروان الطبني [¬٣]، وحازم بن محمد، وأبو عبد الله بن الطلاع، وأبو المطرف الشعبي.
وآخر من حدث عنه بالاجازة أحمد بن محمد الحصار بعد الخمسمائة.
قال ابن حيان: كان يونس من أكابر أصحاب ابن زرب المقدمين في بسط العلم، وسعة الرواية، وجودة الخطابة، وبراعة الشعر؛ آخر الخطباء المعدودين، وأسند من بقي من المحدثين. وأوسعهم جمعا، وأعلاهم سنا؛ وكان خاتمة قضاة بني أمية في الفتنة، تولى للسلطان أعمالا كثيرة من القضاء بالكور، والعمل بخطة الرد، والشرطة؛ وولي الشورى [¬٤] بقرطبة، والصلاة والخطبة
стр. 2290
بالمساجد [¬١] الجامعة بقرطبة، والزهراء، والزاهرة؛ وولي [¬٢] قضاء الجامعة أيام المعتمد - وهو ابن نيف وثمانين سنة، فكان يقال بقرطبة إن مات يونس ولم يل قضاء الجماعة [¬٣]، مات شهيدًا؛ وكان يميل مع هذا إلى التصوف، والعبادة والنسك مع هذا كله، وكان مقدمًا في علم اللسان والأدب، حسن البلاغة، سريع الدمعة؛ ولم يكن بالبارع في فقهه، وتوالى مرضه، فاستخلف على الصلاة والخطبة [¬٤] مكي بن أبي طالب، ولازم الحكم متحاملا إلى أن مات، وأشهد على عهده بالقضاء لحفيده مغيث بن محمد بن يونس، فلم ينفذ فيه عهده بعد موته، فكانت مدته في قضاء قرطبة تسع سنين ونصف، وذكره [¬٥] الامير أبو نصر في كتابه فقال: مختلف فيه.
قال الباجي: هو مشهور بالعلم.
قال ابن الحصار: وكان من سيرة يونس أيام قضائه، إباحته المقصورة لجميع الناس، (ومنع سماره) في صحن الجامع [¬٦].
قال أبو مروان الطبني: شهدت يومًا شيخًا [¬٧] جاء إلى القاضي يونس يرغب إليه أن يجيز له ما رواه وما يرويه بعد هذا، فلم
стр. 2291
يجبه، فغضب السائل، فنظر إلى يونس، فقلت له [¬١]: يا هذا، يعطيك ما لم يأخذ، هذا محال! فقال يونس هذا جوابي. وأنشد له ابن حيان:
أدافع أيامي بقصد وبلغة … وألزم نفسي الصبر عند الشدائد
وأعلم أني في مكابدة البلا [¬٢] … بعين الذي يرجوه كل مكابد
وله أيضًا [¬٣]:
سارع إلى الخير وبادر به … فإن من خلفك ما تعلم
لا تسأم الكد وطول السرى … فطالب الفردوس لا يسأم
وله أيضًا [¬٤]:
النوم من مرسله رحمة … وراحة للبدن المتعب
فخذ من النوم بحظ فإن … قضيت منه وطرًا فانصب
وألف كتاب الموعب [¬٥] في تفسير الموطأ، وجمع مسائل ابن زرب، وأكثر تواليفه في أخبار [¬٦] الزهاد، وباب الرقائق، وهي تواليف مليحة مفيدة، منها كتاب التسبيب [¬٧] والتقريب، وكتاب الابتهاج بمحبة الله، وكتاب المنقطعين إلى الله، وكتاب التهجد،
стр. 2292
وكتاب فضائل الأنصار، وكتاب التسلي عن حب الدنيا، وتكملة كتاب العبار، والكتاب الموجز الكافي، ودعاء الصالحين، وكتاب طب القلوب، الشافي من ألم الذنوب، وكتاب أنس الوحيد [¬١]، وكتاب الموافق [¬٢] والمحاضر، وكتاب المعمرين، وكتاب الحكايات، وكتاب فضائل الالبيري [¬٣] الزاهد، وكتاب المستصرخين بالله.
وتوفى في رجب سنة تسع وعشرين، وقد نيف على التسعين سنة، مولده سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وهو سليم الحواس، ويخطب ويؤلف.
أبو المطرف عبد الرحمان بن سعيد بن جرج (١)
أصله من البيرة وسكن قرطبة، طلب العلم، وتفقه بابن أبي زمنين، ومسلمة بن برى، وطبقتهم؛ ورحل فحج، وأخذ عن القابسي، والداودي، وغيرهما؛ وشوور بقرطبة، وكان كثير الدعاء والذكر، ملازما للجامع يقرأ فيه على من يتعلق إليه من العامة.
стр. 2293
قال ابن حيان: ولم يكن من المستبحرين في العلم، ولا من أهل الحذق بالمسائل المالكية.
وتوفى سنة تسع وثلاثين - وهو ابن سبعين سنة، مولده سنة ثمان وستين وثلاثمائة.
أبو القاسم أحمد بن مختار بن سهر (١)
قال ابن حيان كان فقيها، حافظا، حسن القيام على المسائل، من بيت نباهة بها، توفى بقرطبة سنة إحدى عشرة، وسنذكر ابنه وغيره [¬١] من آل بيته.
أبو مروان عبد الملك بن أحمد بن محمد
ابن عبد الملك بن الاصبغ القرشي (٢)
المرواني، المعروف بابن المش الخياط [¬٢]، من ولد الاصبغ ابن هشام بن الحكم بن عبد الرحمان بن معاوية، كان متقدما في فقهاء قرطبة الإشراف، مشاورا، له حظ من علم المسائل، مع عفة، وله كتاب سماه كنز معرفة الأصول، ورجح مذهب
стр. 2294
مالك، جمع [¬١] فيه أشياء من أصول الفقه، ومقدمات العلم، لم يكن فيما جمع من ذلك بالحاذق، ولا بالنبيل القول، رواه عنه ابنه، وروى عنه أيضا ابن الحصار، وابنه أحمد.
قال ابن الحصار: كان من أهل العلم، مقدما في الفهم، قديم الخير والفضل؛ قال: وله تأليف حسن في الفقه والسنن؛ ولاه المعتمد نقابة قريش، ولم يلها بالأندلس سواه؛ وامتحن بالشهادة في شأن الدعي الذي قام به بنو عباد [¬٢]، وزعموا أنه هشام المؤيد المخلوع، - فيمن امتحن بالشهادة من أكابر الناس - على عينه - أنه يسقط بذلك بعد تقدمه، وأخرجه بنو جهور الثوار بقرطبة عن قرطبة للذلك، ولفرط [¬٣] تشيعه في المذكور؛
توفي سنة ست [¬٤] وثلاثين إثر ذلك.
وابنه أبو محمد عبد المعين (١)
كان متفقهًا، عفيفًا، منقبضًا، روى عن أبيه كتابه. رواه عنه أبو الأصبغ بن سهل (قال ابن حيان: وتوفي ودفن يوم الاثنين، بمقبرة أم سلمة، لأربع بقين من رجب سبع وخمسين وأربعمائة وأتبعه الناس ثناء جميلا وكان مولده سنة أربعمائة) (٢).
стр. 2295
(القاضي أبو بكر محمد بن علي بن حسين المخزومي) (١) المعروف بابن الحيني [¬١]
بالحاء المهملة، كان من فقهاء قرطبة، شوور آخر أيام العامرية، فلما انقرضت دولة بني أمية، اتهمه بنو حمود بالعصبية لهم؛ وكان شديدًا في ذلك، فامتحن، وسجن، وأخرج من قرطبة، ثم رجع إليها، فمات في محرم (سنة) [¬٢] عشر وأربعمائة (٢).
أحمد بن إبراهيم بن أبي سفيان الغافقي (٣)
أبو عمر، قرطبي، من فقهائها.
قال ابن حيان: وكان أديبًا، عفيفًا، نبيهًا، وجيهًا؛ قدمه المهدي إلى الشورى في الفتنة - مع ابن بشر، وابن الفخار القروي، وابن المش [¬٣]، وابن حيوة الصخري
وتوفي في صفر سنة عشر وأربعمائة.
стр. 2296
عبد الرحمان بن أحمد بن نصر بن خالد (١)
أبو المطرف المعروف بابن الكبيش القاضي، وكان ممن قدم بقرطبة للشورى أيام الفتنة، وولي قضاء اشبيلية، وتوفي آخر [¬٢] سنة تسع وأربعمائة.
أبو القاسم خلف بن البنا (٢)
الملقب بسواها، من الفقهاء الحفاظ لمسائل المذهب بقرطبة، وكان أمينًا، وكان أكابر الفقهاء يعترفون بقوة حفظه، توفي في آخر جمادى سنة عشر (٣) وأربعمائة.
أبو الوليد بن هشام
من فقهاء قرطبة، ولي بها الشورى، وتوفي أول سنة خمس عشرة وأربعمائة.
أبو محمد الباجي
من أهل القيروان، ولاه المهدي الشورى بقرطبة في الفتنة.
стр. 2297
حمام بن أحمد بن عبد الله بن محمد (١)
من أكابر بني حمام. كان من أهل العلم والمعرفة والعفة والفقه والرواية، سمع من الأصيلي، والعائدي، وطبقتهم؛ وأخذ عنه الناس.
قال ابن حيان: كان من المتقدمين في العلم والفقه [¬١] واليسار، عمل للمظفر بن أبي عامر أعمالا واسعة من القضاء، كان فقيهًا، محمود الطريقة، ولحق الفتنة، ولم يتلبس منها بشيء، وكان أصم.
قال ابن الحصار [¬٢]: كان من أهل العلم والأدب والفهم والميز بالرجال، كتب عن الشيوخ في سنة إحدى وعشرين (٢)
خلف بن مروان بن أمية بن حيوة الصخري (٣)
والصخرة بلد بغرب الأندلس
قال ابن حيان: كان أحد أكابر الفقهاء بقرطبة، وكانت له عناية بطلب العلم والرحلة فيه إلى المشرق، وله بيت مشهور
стр. 2298
ومروءة، ذا معرفة في المعرفة والنزاهة والفقه، قلده المظفر [¬١] قضاء طليطلة وأعمالها - كارهًا، فحكم بين أهلها مقسطًا، وأقام بها مستعفيًا - إلى أن وافاه الصرف بعد حول، فخرج منها مبادرًا على بغله الذي جاء عليه بأخف من خروجه الذي جاء به، ما أبدل في ولايته شكالا لبغله، فضلا عن غيره؛ ولا اقتبس من طليطلى نارًا، فأبكى أهل طليطلة فراقه؛ ثم ولي الشورى صدر الفتنة، ثم خرج عنها فارًا من الفتنة، فهلك ببلده في رجب سنة إحدى وأربعمائة.
أبو محمد عبد الله بن (١) أحمد بن قند (٢)
المعروف بالطليطلي، قرطبي، من أكابر أصحاب الأصيلي، لازمه وصاحبه للمناظرة والسماع، كان [¬٢] من أهل البراعة في الفقه، والحديث، والافتنان في ضروب من العلوم، والتحقق منها بعلم العربية [¬٣] واللغة؛ مع سرو وعفة ومروءة؛ وولى الأحكام بقرطبة، وخطط بالوزارة. وولى قضاء بجانة والبيرة، وكان متقعرًا في كلامه، له في ذلك نوادر محفوظة مستطرفة؛ من ذلك رسالته إلى البربر المشهورة، واخترم قبل أقرانه؛ ففقد
стр. 2299
بظاهر قرطبة يوم وقعة النصارى بأهلها بعقبة البقر - عند تفاتن المهدي والمستعين، (وانضمت) (١) النصارى إلى المستعين القائم عليه بها، فكان المستعين أخرجه معه في جماعة. فكان ممن فقد ﵀، وكانت هذه الوقعة سنة أربعمائة.
عبد الله بن عبيد الله [¬١] بن الوليد المعيطي (٢)
من بيوتات [¬٢] العلم والشرف بقرطبة، قد تقدم ذكر أبيه وأخيه، أخذ عن أبي محمد الباجي وطبقته، وولي الشورى بقرطبة؛ فلما كانت الفتنة، خرج عن قرطبة، فاستدعاه مجاهد الموفق صاحب دانية والجزائر الشرقية، فرضيه خليفة، وأخذ له عن الناس البيعة فكان يخطب بنفسه في الجمع ويصلي، فلم يستجب له أحد من أمراء الفتنة لدعوة مجاهد له، وضرب ما بينه وبين مجاهد، فهم بالقبض على مجاهد، فبادر به مجاهد وأخرجه عن الأندلس إلى ساحل إفريقية - بجهة بجاية، فاستقر هنالك [¬٣] خاملا، فخفى [¬٤] شأنه، وصار [¬٥] مؤدب صبيان إلى أن مات.
стр. 2300
حكى أبو علي بن ذكوان، أن المعيطي كان يختلف إلى أبي محمد الباجي بقرطبة أيام كونه بها، وله منه منزلة؛ فقال له الباجي يومًا: يا مرسي [¬١]، كأني بك آثرت [¬٢] فتنة وتقلدت إمارة. إلا أنك قليل المتعة بها، فاستعذ بالله من شرها [¬٣]؛ فوجم [¬٤] المعيطي وقال له: من أين يقول الشيخ هذا ويعلم بعدي منه؟ فقال: رأيتك في النوم توقد نارًا، حطبها زرجون، ولم تلبث أن خمدت! فتأولتها ذلك، وكانت وفاته بموضع خموله سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة.
أحمد بن عمر [¬٥] بن عبد الله بن منظور [¬٦] الحضرمي (١)
إشبيلي، أبو القاسم، يعرف بابن عصفور [¬٧] (٢)؛ كان ببلده فقيهًا، مشاورًا، خطيبًا، فاضلا، صالحًا، زاهدًا، عاقلا، من أهل العلم والأدب، يروى عن أبي محمد الباجي ونمطه؛ وكان شاعرًا مطبوعًا، ذكره أبو عبد الله بن الحصار، وحدث عنه.
وقال ابن حيان: توفي الأديب الخطيب الناسك ابن عصفور، صاحب صلاة اشبيلية، وكان ناسكًا، له في الورع والعلم والخطابة قدم [¬٨]- سنة عشر وأربعمائة ببلده.
стр. 2301
أبو بكر بن زهر (١)
واسمه محمد بن مروان بن زهر الإيادي، إشبيلي، شهير البيت بها، نبيهه؛ سمع من ابن الأحمر [¬١]، وابن ثابت، وابن عيسى [¬٢]، وأبي يحيى بن برطال، وأبي بكر بن القوطية، وابن زرب، والحصري [¬٣]، وغيرهم [¬٤].
حدث عنه أبو المطرف بن سلمة الطليطلي، وحاتم بن محمد، وأبو عبد الله الحصار، وابنه، وابن العراف [¬٥] البطليوسي، وأبو جعفر بن مغيث، وبه تفقه أهل طليطلة.
قال محمد بن الحصار الخولاني: كان فقيهًا، مشاورًا، من أهل العلم والحفظ للمسائل، قائمًا بها، مطبوعًا في الفتيا على الأصول.
ذكر أبو الأصبغ بن سهل أنه كان ممن يفتي في الإيمان اللازمة بطلقة واحدة - على ما ذهب إليه أبو عمران، وابن القزويني [¬٦]. قال أبو الأصبغ: وكان بعض الطليطليين يفتي فيها بواحدة بائنة، ولا أعلم لقوله بائنة وجها.
стр. 2302
خبر محنته
ولما قام [¬١] أبو العباس القاسم بن عباد في الفتنة بإشبيلية، واقتطعها ملكًا لنفسه، واحتاط لحاله، فنكب كل من خشي على نفسه من كبرائها منه [¬٢]، وكان الرجل حيث كان جلالة، وعلما، فخاف [¬٣] على نفسه، وخرج فسكن طليطلة مدة، فعندها أخذ الطليطليون عنه (١) وتفقهوا عليه (٢)، ثم تردد بالثغور الشرقية إلى أن مات؛ واقتطع بنو عباد عند مغيبه أمواله واستصفوها، وكانت واسعة؛ ومن ذريته هؤلاء بنو زهر النجباء، منهم ابنه عبد الملك بن أبي بكر، ثم مال إلى الطب، ففاق فيه، ورأس أهل وقته [¬٤]؛ وتلاه في ذلك ابنه الوزير الأجل أبو العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر، ففاق أهل وقته جلالة، وعلمًا، وجاهًا، ومكانة عند الرؤساء، والخاصة، والعامة؛ مولده سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
سليمان بن بطال أبو أيوب البطليوسي (٣)
وانتقل إلى البيرة، وبها مات، ويعرف بالمتلمس؛ كان مقدمًا في أهل العلم، والفقه، والفهم، والشعر، والأدب؛ وكان أولا كثير الشعر، مشهوره؛ ومال أخيرًا إلى الزهد، وترك قول الشعر؛ وله كتاب في مسائل الأحكام، سماه المقنع، عليه مدار المفتين والحكام.
стр. 2303
قال ابن عبد البر: وليس لمالكي مثله في معناه؛ وكتاب في الزهد سماه الموقظ، وكتاب أدب المهموم [¬١]، وكتاب الدليل، إلى طاعة الجليل؛ وبمثل هذا الاسم، سمى أيضًا أبو عمر الطلمنكي كتابه الكبير.
حدث عنه أبو عمر بن عبد البر، وحكم بن محمد، وابن أبي الربيع الالبيري [¬٢]، وابن الدفعة [¬٣] السبتي، وابن الحصار الإمام.
توفي عام اثنين وأربعمائة - فيما أظن.
عيسى بن معاوية (١)
الإشبيلي الضرير، أحد وجوه أهل اشبيلية، ورجالاتهم، ودهاتهم. مع المعرفة، والفهم، والنزاهة؛ ولي القضاء بعهد المنصور [¬٤]، وكان يقول (فيه) [¬٥] حينئذ: لو أعجبت [¬٦] ببصر، لطمست الأعين؛ وكان من أصحاب ابن ذكوان، واستقضاه المظفر على كورتي شذونة والجزيرة؛ فعزل عند عزل المظفر لابن ذكوان، فلزم الانقباض وحسن الطريقة - إلى أن مات.
стр. 2304
أبو الوليد إسماعيل بن محمد بن عباد اللخمي (١)
إشبيلي، قال ابن حيان: كان رجل غرب الأندلس في وقته، وكان حسن المعرفة لقطع من العلم، جليلة صالحة، صالح النظر في الفقه، عالما، كاتبا، حليما، أديبا، حاسبا، كثير التوجيه للمرافق، وافر النعمة.
ذكروا أن أملاكه كانت تعدل ثلث كورته، لم يكن لرئيس في ثراه؛ قديم الجاه - عند سلطان الأندلس - زمن العامرية، مستقيما لهم بالأمور العظيمة، تولى قضاء بلده وعمله مدة، ثم صرف عنها أيام المظفر عند ارتياده للقضاء أهل السلامة، واستقدم إلى قرطبة؛ وولي مكانه أبو عمر [¬١] بن الباجي نحو سنة، فلم يحمدوه في أمورهم، ولا قام لهم مقامه، ولم يخلط القضاء بغيره، فاضطروا إليه، وردوه إلى عمله، وصرفوا الآخر صرفا جميلا؛ وأصيب ببصره أخيرًا، فاحتيج إليه على ما هو به، وقعد عن القضاء آخرا شيخا [¬٢]؛ وكان أهل الغرب لا يخرجون عن طاعته.
وتوفي في ربيع الآخر سنة عشر وأربعمائة، وانتصب للرئاسة مكانه ابنه أبو القاسم محمد، وكان جزلا، ذا أدب ومروءة؛ وولاه القاسم بن حمود القضاء مكان أبيه، فسد مكانه وآثار صيته؛ إلى أن ثار ببلده عند اضطراب أمر بني حمود، فتأمر به، وحاز رئاسة، من أجل الملوك بالاندلس.
стр. 2305
أبو عمر الطلمنكي (١)
واسمه أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي عيسى، واسمه لب بن يحيى بن محمد بن قرطان المعافري، أصله من طلمنكة بثغر الأندلس الشرقي، وبها ولد، ونشأ بقرطبة، فسمع من رجالها: ابن مفرج، وابن عون الله، وأبي محمد القلعي، وأبي عيسى، وأبي القاسم خلف بن محمد المكتب، وزكرياء بن خالد، وابن ناصر السبتي، وابن النعمان، والأنطاكي، وابن زرب، وحسين ابن بابل [¬١]، والزبيري، وعباس بن أصبغ، ومحمد بن خليفة، ومسلمة ابن بتري، وابن جندل، وابن البلكارشي، وطبقتهم.
ورحل إلى المشرق فلقي جماعة، منهم: ابن عمار الدمياطي، وأبو الطيب بن غلبون، وابنه طاهر، والأذفوني، وأبو القاسم الجوهري، وابن صفوان البردعي، وابن المهندس، وابن عراك، وابن أبي غالب، وابن منجب [¬٢]، وأبو إسحاق التمار [¬٣]، وغير هؤلاء؛ سمع منه وحدث عنه الجلة - سماعا، وإجازة؛ منهم: حاتم الطرابلسي، وأبو عبد الله بن عتاب، وابن المرابط، وابن فورتش، والوقشي، وأبو عمر بن الحرار؛ واتسعت روايته. وتفنن في علوم الشريعة،
стр. 2306
وغلب عليه القرآن والحديث [¬١]، وألف تواليف نافعة كثيرة كبارا ومختصرة احتسابا، ككتاب الدليل إلى معرفة الجليل - نحو مائة جزء، وكتابه في تفسير القرآن نحو هذا، وكتاب البيان في إعراب القرآن، وفضائل مالك، ورجال الموطأ، وكتاب الرد علي ابن مسرة، وكتاب الوصول [¬٢] إلى معرفة الأصول، وغير ذلك من تواليفه.
قال حاتم [¬٣]: كان أبو عمر من أهل العناية بالعلم والضبط له، وله علوم حسنة.
قال ابن الحصار الخولاني: كان من الفضلاء الصالحين على هدي وسنة، قديم الطلب والعلم، مقدما في الفهم، مجودا للقرآن، حسن اللفظ به، فضائله جمة [¬٤] أكثر من أن تحصى.
قال أبو عمرو المقرئ: كان خيرًا، فاضلا، ضابطا لما روى
قال ابن الحذاء: وكان فاضلا، شديدا في كتاب الله، سيفًا على أهل البدع، سكن قرطبة، وأقرأ بها؛ ثم سكن المرية، ثم مرسية، ثم سرقسطة، ثم عاد إلى بلده طلمنكة - مرابطا، فتوفي بها صدر محرم سنة تسع وعشرين، وقيل في ذي الحجة سنة ثمان - وقد قارب التسعين، وصحبه ذهنه؛ ومولده [¬٥] سنة أربعين وثلاثمائة
стр. 2307
أبو الوليد بن ميقيل (١)
واسمه محمد بن عبد الله البكري، من أهل مرسية، ولازم مدة قرطبة، وبها تفقه؛ ثم عاد إلى بلده؛ سمع من سهل بن إبراهيم الاستجي، وأبي محمد الأصيلي، وعيسى بن أبي العلاء، وهاشم بن يحيى بن حجاج؛ حدث عنه أبو عبد الله بن المرابط، وأبو عمر بن الحذاء، وأبو بكر عبد الرحمان بن عيسى السماني، وآخر من حدث عنه صاحب المظالم ابن طاهر، كان فقيها أديبا.
قال أبو عمر بن الحداء: ما رأيت أتم منه ورعا، ولا أحسن خلقا وكرما؛ لم يأكل لحمًا منذ وقعت الفتنة، إلا من طير، أو حوت، أو صيد؛ ولا لبس خفا إلا من جلود ميورقة، إذ لم يدخلها النهب؛ وكان أحفظ الناس لمذهب مالك، وأقواهم فيه حجة؛ عالما بصحيح الحديث [¬١] وسقيمه ورجاله، وباللغة والنحو والشعر والقراءات؛ وكان كثير الضيافة على توسط حاله، ولقد أضاف أقواما نزلوا به أعواما، وكان محسودا ببلده.
وتوفي - فيما قرأته بخط شيخنا (القاضي) [¬٢] أبي عبد الله التميمي - في شوال سنة ست وثلاثين وأربعمائة، ومولده سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.
стр. 2308
أبو القاسم المهلب بن أحمد بن
أسيد بن أبي صفرة التميمي (١)
سكن المرية، من أهل العلم الراسخين، المتفنين في الفقه والحديث، والعبارة والنظر؛ صحب الأصيلي، وسمع منه، وتفقه معه؛ وكان صهره؛ وسمع أيضا من غيره شيوخ الأندلس، كأبي زكرياء الأشعري، وعبد الوارث بن خيرون؛ ورحل فسمع بالقيروان، ومصر من جماعة؛ منهم: أبو الحسن القابسي، وأبو ذر الهروي، ويحيى بن محمد الطحان، ومنير بن أحمد ابن منير [¬١] الخشاب، وأخوه عبد الوهاب، وأبو بكر بن يزيد [¬٢] الأنطاكي، ومحمد بن عباس، وأبو جعفر بن مسمار [¬٣]، وأبو عبد الله بن ياسر [¬٤]، وأبو بكر أحمد بن إبراهيم البغدادي المعروف بابن الحداد، وأبو إسحاق القصري، وأبو إسحاق إبراهيم بن قاسم المعروف بالمكناسي، وأبو الحسن بن عمر المصري، وأبو عبد الله محمد بن صالح المصري، ومحمد بن شاكر، وروى عن أبي الحسن الطالبي العابد كتبه.
حدث عنه القاضي ابن الرابط، وأبو عمر ابن الحذاء، وأبو العباس الدلائي، وحاتم الطرابلسي وولي القضاء بمالقة.
قال أبو عمر بن الحذاء: كان أذهن من لقيته وأفهمهم وأصفحهم.
стр. 2309
قال أبو الأصبغ بن سهل القاضي: كان أبو القاسم، وأبو محمد من كبار أصحاب الأصيلي، وبأبي القاسم حيي كتاب البخاري بالأندلس؛ لأنَّه قرئ عليه تفقها أيام حياته، وشرحه، واختصره؛ وله في البخاري اختصار مشهور، سماه كتاب التصحيح في اختصار الصحيح، وعلق عنه تعليق في شرحه، حسن مفيد.
وتوفى سنة ثلاث وثلاثين أو نحو ذلك.
أخوه محمد: سمع من الأصيلي، وكان من كبار أصحابه، وتوفى بالقيروان وقد سمع منه أخوه المهلب؛ وله شرح في اختصار ملخص أبي الحسن القابسي.
أبو محمد عبد الله بن سعيد بن لباج [¬١] الأموي (١)
الشنتجالي، الشيخ الصالح، طلب العلم بالأندلس، وأخذ عن مسلمة [¬٢] الزاهد، ورحل إلى المشرق، فجاور بمكة بضعا وثلاثين سنة - يثابر على الحج، وكتابة الحديث، والقيام [¬٣] بالعلم، وأكثر من ذلك؛ واشتهر هناك اسمه، وانتفع به، وحصل على منزلة رفيعة في النسك والخير، وكان الغالب عليه.
стр. 2310
قال الباجي: كان شيخا صالحا، يكنى بالضابط، سمع من أبي سعيد السجزي، وأبي سعيد الواعظ، وأبي بكر المطوعي، وأبي الحسن الطائي الفقيه، وأبي الحسن بن فراس، وأبي القاسم السقطي، وأبي ذر، والقاضي ابن العباس الكوخي، وأبي عبد الله الوشا، وأبي العباس الكساي [¬١]، وأبي الحسن القروسي، وأبي الفضل ابن أحمد الهروي، وغيرهم؛ وانصرف إلى الأندلس سنة ثلاث وثلاثين - راغبا في الجهاد، فلم يزل مثابرا عليه بالثغور - والناس يأخذون عنه خلال ذلك.
حدث عنه خلق كثير، منهم: أبو عبد الله بن عتاب الطرابلسي، ومحمد بن الحصار، وأبو حفص الهروي؛ وآخر من حدث عنه بالإجازة شيخنا أبو محمد بن عتاب، ودخل قرطبة، فسمح منه بها كتاب مسلم، وأجازه لكل من دخل قرطبة من طالبي العلم.
قال القاضي أبو الأصبغ: سأله ابن عتاب سماع كتاب مسلم، وكان الشيخ سمعه من الشنتجالي، فقال لي: أنتم ونحن سواء، قد أجاز الشنتجالي لكل من دخل قرطبة من طالبي العلم.
قال المؤلف: ذكرنا هذه الحكاية ليعلم [¬٢] أن مذهب هؤلاء الثلاثة، جواز إجازة المجهول المختلف فيها، وقد رأيت إجازة
стр. 2311
القاضي أبي الأصبغ بن سهل بخط يده لكل من طلب عنده العلم بسبتة - بلده، وله مختصر في الفقه مشهور، وكان يتولى الاكتحال بالاثمد.
وتوفي بقرطبة سنة ست وثلاثين.
أبو الطيب سعيد بن أحمد بن يحيى بن سعيد (١)
المعروف بابن الحديدي، طليطلي، حاز رئاسة بلده بعد (أبيه) (٢) أبى عمر في الفقه والوجاهة، وبيتهم بطليطلة من بيوت الشرف والعلم.
قال القاضي صاعد بن أحمد بن صاعد: كان لأبي الطيب حظ من الفقه والرواية، ورحل فحج، وكتب العلم، وسمع عبد الغني بن سعيد الحافظ بمصر، وغيره، وساد أهل بلده في وقته؛ وقد روى أيضا عن أبي العباس [¬١] أحمد بن محمد بن القاضي [¬٢]، وأبي عبد الله بن ثمر [¬٣] الكوخي؛ وروى عنه أبو عبد الله بن عتاب، وكناه بأبي عثمان، ومرة قال عنه: حدثنا بعض أصحابنا،
стр. 2312
ولم يصرح باسمه، وكان لا يصرح به؛ ذكر ذلك القاضي ابن سهل، وروي عنه أيضا حاتم الطرابلسي. وتوفي بطليطلة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وقد تقدم ذكر أبيه، وسيأتي ذكر ابنه.
أبو العباس أحمد بن أيوب بن أبي الربيع (١)
الألبيري الواعظ، أصله من البيرة، وطرأ في الفتنة إلى قرطبة، وهلك بها؛ كان ممن أمعن في الطلب، وتفنن في المعارف، وأخذ عن الأندلسين، ورحل إلى المشرق، فلقي رجاله؛ فمن شيوخه: ابن أبي زمنين، لازمه واختص به، وروي عنه كتبه؛ ومن شيوخه أبو الحسن القابسي، وسلمة بن سعيد الاستحي، والقاضي أبو أيوب بن برطال؛ ولم يخالف بالمشرق زيه، فلبس قلنسوته [¬١] بين أظهرهم، وكان فصيح اللسان، ذا قريض مطبوع؛ وكان الغالب عليه الوعظ والذكر، وله في هذا الباب تصانيف؛ روي عنه أبو المطرف الشعبي، وابن الحصار، وابنه؛ وكانت العامة حزبه، وكان مدنيا لهم [¬٢]، مقربا لافهامهم ما عسر عليهم، حاضا لهم على فعل الخير، حاضر العلم، كثير الشعر،
стр. 2313
له في أيدي الناس ازهاد وتكافير، يتداولها المنشدون والمغنون، وله في بعضها مجموع.
توفي بقرطبة في مجلسه بالجامع فجأة، أبسط [¬١] ما كان فيه؛ فاحتمل ضحوة، ومات وسط النهار من يومه، وانزعجت العامة لموته انزعاجا، لم يسمع بمثله، وشهده الناس حتى خلت قرطبة، واحتاج أولو الأمر إلى ضبطها، وحرس أبوابها، حتى فرغ من شأنهم؛ لم يصل نعشه إلى قبره إلا أصيلا، وجعلت العامة تلتمسه لبركته بأيديها، وأثوابها، وزاروا قبره مدة.
أبو بكر أحمد بن أدهم (١)
مولى بني مروان، جياني من بيوت الشرف بها.
قال ابن حيان: ولي القضاء بالمرية، وكان صليبا في حكمه، قويا في علمه وأدبه، ولم يكتسب في العمل [¬٢] مع الفقر
توفى سنة تسع وعشرين.
стр. 2314
أبو بكر يعيش بن محمد بن يعيش بن منذر الأسدي (١)
طليطلي، ذكرنا أباه قبل هذا.
قال ابن حيان: اليه والى صاحبه أبي عمر أحمد بن سعيد بن كوثر، انتهت رئاسة بلدهما بعد أبويهما. وكانا على صفاء، وقد فاق منهما محمد بن يعيش أقرانه في العلم، إلى أن جرت بينهما منافسة أيام ابن مسرة، أدتهما إلى التقاطع، فمال ابن مسرة لابن يعيش، ونكب ابن كوثر [¬١]، وصيره إلى (شنترين)، (٢) ثم دس اليه من قتله، فخلا لابن يعيش مكانه، وتفرد برئاسة البلد، فلما مات ابن مسرة [¬٢]، أخرج (٣) ابن يعيش ولده واقتطع البلد رئاسة؛ وقام أمره قيام القاضي ابن القاسم بن عباد بإشبيلية، والبكري بغرب الاندلس؛ وحمى جهته وحسن سياسته [¬٣]؛ وهو في كل هذا لا يدعى باسم الرئاسة، مقتصراً على اسم الفقيه، ولا يفارق زي العلماء، وقد جعل الأمر والاسم لولده عبد الله؛ وكان من شدته منع النساء الخروج من باب طليطلة خلف الجنائز كرة [¬٤]، وقطع عمل الدرمك بالجملة.
стр. 2315
قال السبئي [¬١]: كان ابن يعيش أمره معدودًا في أهل الصلاح والفضل أخذ من العلم بأوفر نصيب، ووالى الجهاد والحج، وأوسع النفقة في السبيل، وأكثر التلاوة والصلاة، إلى أن ابتلي بحب الدنيا بما يغفره الله له بفضله، ولم يلبث أهل طليطلة أن ملوا دولته، وثقل عليهم وطؤه [¬٢]، وخلعوه وقتلوا ولده. وذلك سنة سبع (١) عشرة [¬٣] وأربعمائة.
أبو عمر [¬٤] معوذ بن داود بن معوذ بن دلهاب [¬٥] الازدي (٢)
التاكرني [¬٦]، الزاهد، بقية الزهاد العلماء العباد في وقته، انتبذ [¬٧] في الفتنة ببعض جبال رية، كان فقيهًا، عالمًا، بليغًا، أديبًا، متبتلا، سمحًا، حسن العشرة؛ لقي الناس، وصحب الفقهاء والعلماء، ولقى الفقيه الزاهد أبا حفص بن عبادل، وأخذ منه، وتفقه معه.
وانتفع به؛ وقد ذكرنا خبره معه قبل هذا؛ وعلا ذكره في العلم