القاضي أبي الأصبغ بن سهل بخط يده لكل من طلب عنده العلم بسبتة - بلده، وله مختصر في الفقه مشهور، وكان يتولى الاكتحال بالاثمد.
وتوفي بقرطبة سنة ست وثلاثين.
أبو الطيب سعيد بن أحمد بن يحيى بن سعيد (١)
المعروف بابن الحديدي، طليطلي، حاز رئاسة بلده بعد (أبيه) (٢) أبى عمر في الفقه والوجاهة، وبيتهم بطليطلة من بيوت الشرف والعلم.
قال القاضي صاعد بن أحمد بن صاعد: كان لأبي الطيب حظ من الفقه والرواية، ورحل فحج، وكتب العلم، وسمع عبد الغني بن سعيد الحافظ بمصر، وغيره، وساد أهل بلده في وقته؛ وقد روى أيضا عن أبي العباس [¬١] أحمد بن محمد بن القاضي [¬٢]، وأبي عبد الله بن ثمر [¬٣] الكوخي؛ وروى عنه أبو عبد الله بن عتاب، وكناه بأبي عثمان، ومرة قال عنه: حدثنا بعض أصحابنا،
стр. 2312
ولم يصرح باسمه، وكان لا يصرح به؛ ذكر ذلك القاضي ابن سهل، وروي عنه أيضا حاتم الطرابلسي. وتوفي بطليطلة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وقد تقدم ذكر أبيه، وسيأتي ذكر ابنه.
أبو العباس أحمد بن أيوب بن أبي الربيع (١)
الألبيري الواعظ، أصله من البيرة، وطرأ في الفتنة إلى قرطبة، وهلك بها؛ كان ممن أمعن في الطلب، وتفنن في المعارف، وأخذ عن الأندلسين، ورحل إلى المشرق، فلقي رجاله؛ فمن شيوخه: ابن أبي زمنين، لازمه واختص به، وروي عنه كتبه؛ ومن شيوخه أبو الحسن القابسي، وسلمة بن سعيد الاستحي، والقاضي أبو أيوب بن برطال؛ ولم يخالف بالمشرق زيه، فلبس قلنسوته [¬١] بين أظهرهم، وكان فصيح اللسان، ذا قريض مطبوع؛ وكان الغالب عليه الوعظ والذكر، وله في هذا الباب تصانيف؛ روي عنه أبو المطرف الشعبي، وابن الحصار، وابنه؛ وكانت العامة حزبه، وكان مدنيا لهم [¬٢]، مقربا لافهامهم ما عسر عليهم، حاضا لهم على فعل الخير، حاضر العلم، كثير الشعر،
стр. 2313
له في أيدي الناس ازهاد وتكافير، يتداولها المنشدون والمغنون، وله في بعضها مجموع.
توفي بقرطبة في مجلسه بالجامع فجأة، أبسط [¬١] ما كان فيه؛ فاحتمل ضحوة، ومات وسط النهار من يومه، وانزعجت العامة لموته انزعاجا، لم يسمع بمثله، وشهده الناس حتى خلت قرطبة، واحتاج أولو الأمر إلى ضبطها، وحرس أبوابها، حتى فرغ من شأنهم؛ لم يصل نعشه إلى قبره إلا أصيلا، وجعلت العامة تلتمسه لبركته بأيديها، وأثوابها، وزاروا قبره مدة.
أبو بكر أحمد بن أدهم (١)
مولى بني مروان، جياني من بيوت الشرف بها.
قال ابن حيان: ولي القضاء بالمرية، وكان صليبا في حكمه، قويا في علمه وأدبه، ولم يكتسب في العمل [¬٢] مع الفقر
توفى سنة تسع وعشرين.
стр. 2314
أبو بكر يعيش بن محمد بن يعيش بن منذر الأسدي (١)
طليطلي، ذكرنا أباه قبل هذا.
قال ابن حيان: اليه والى صاحبه أبي عمر أحمد بن سعيد بن كوثر، انتهت رئاسة بلدهما بعد أبويهما. وكانا على صفاء، وقد فاق منهما محمد بن يعيش أقرانه في العلم، إلى أن جرت بينهما منافسة أيام ابن مسرة، أدتهما إلى التقاطع، فمال ابن مسرة لابن يعيش، ونكب ابن كوثر [¬١]، وصيره إلى (شنترين)، (٢) ثم دس اليه من قتله، فخلا لابن يعيش مكانه، وتفرد برئاسة البلد، فلما مات ابن مسرة [¬٢]، أخرج (٣) ابن يعيش ولده واقتطع البلد رئاسة؛ وقام أمره قيام القاضي ابن القاسم بن عباد بإشبيلية، والبكري بغرب الاندلس؛ وحمى جهته وحسن سياسته [¬٣]؛ وهو في كل هذا لا يدعى باسم الرئاسة، مقتصراً على اسم الفقيه، ولا يفارق زي العلماء، وقد جعل الأمر والاسم لولده عبد الله؛ وكان من شدته منع النساء الخروج من باب طليطلة خلف الجنائز كرة [¬٤]، وقطع عمل الدرمك بالجملة.
стр. 2315
قال السبئي [¬١]: كان ابن يعيش أمره معدودًا في أهل الصلاح والفضل أخذ من العلم بأوفر نصيب، ووالى الجهاد والحج، وأوسع النفقة في السبيل، وأكثر التلاوة والصلاة، إلى أن ابتلي بحب الدنيا بما يغفره الله له بفضله، ولم يلبث أهل طليطلة أن ملوا دولته، وثقل عليهم وطؤه [¬٢]، وخلعوه وقتلوا ولده. وذلك سنة سبع (١) عشرة [¬٣] وأربعمائة.
أبو عمر [¬٤] معوذ بن داود بن معوذ بن دلهاب [¬٥] الازدي (٢)
التاكرني [¬٦]، الزاهد، بقية الزهاد العلماء العباد في وقته، انتبذ [¬٧] في الفتنة ببعض جبال رية، كان فقيهًا، عالمًا، بليغًا، أديبًا، متبتلا، سمحًا، حسن العشرة؛ لقي الناس، وصحب الفقهاء والعلماء، ولقى الفقيه الزاهد أبا حفص بن عبادل، وأخذ منه، وتفقه معه.
وانتفع به؛ وقد ذكرنا خبره معه قبل هذا؛ وعلا ذكره في العلم
стр. 2316
والخير [¬١] والزهد، واليه كانت الفتوى من جميع الجهات [بموضع انتباذه وانعزاله] [¬٢]؛ وكان الناس يستشفعون به إلى أمراء الفتنة. فيكتب لهم، فقلما تخيب شفاعته؛ ويتحامى أهل الفساد حوزته [¬٣]. ويعظ من قصده منهم؛ وكان ممن لا يقبل هدية إلا مع تعجيل المكافأة عليها، حصورًا، لم يتخذ قط لنفسه فراشًا، يصرف فضل ضيعته إلى من ينتابه من أهل السبيل وطلبة العلم؛ كلف بجمع الكتب، له رسائل في الزهد والمواعظ مستحسنة. وكانت وفاته سنة احدى وثلاثين.
أبو عمر أحمد بن حسين
القاضي بدانية. من أهل العلم والفقه، والنظر والتفنن، والادب والشعر والكلام على معاني الحديث والقرآن؛ وكان الموفق صاحب الدانية قد وجهه في رسالة إلى المعز صاحب القيروان. فجرت (له) [¬٤] بالقروان أخبار وأجوبة حسنة، وكتب إلى علمائهم بمائة مسألة من فنون العلم، أجاب عنها أبو عمران الفاسي ﵀، وفي ذلك كتب القاضي أبو عمر للمعز:
стр. 2317
يا معزا أعز أهل الدين … وتردى بكل فضل مبين
مائة كالبدور أزهى وأضوى … في عيون الاذهان لا في الفنون
مقفلات، فإن مننت بإذن … فتحت في فنائك الميمون
وفدت قاصدات علم وفقه … ومعان غريبة وفنون
فمن القيروان تبغي المعاني … وبها نشر كل علم مصون
وله أبيات غير هذه، وقد وقفت على أجوبة أبي عمر هذا.
واستحسنت فيها قوله - وقد سئل عن المرأة لم خصت بوضع القبة على نعشها - على ما استمر عمل المسلمين من صدر هذه الامة إلى الآن؟ وقد كانت تدفن ليلا في عهد النبي ﷺ وهي في حياتها لا يلزم اخفاء شخصها، بل ستر [¬١] جسدها؛ فقال: علة ذلك، لما حملت على الأعناق، وتعين عينها، زيد في سترها، حتى لا يعلم طولها من قصرها، وسمنها من هزلها؛ وفي حياتها مختلطة بغيرها، فلم تتعين [¬٢]. وأما أبو عمران، فأجاب: أنها لم تملك من أمرها شيئًا، فلذلك جعل لها أتم الستر.
سعيد بن سهل الشرفي
اشبيلي، آخر فقهاء بلده ووجوهه، نكبه ابن عباد في الفتنة بسبب التهمة في بني حمود، واستصفى ماله.
стр. 2318
أبو بكر عبد الله القرشي التيمي [¬١] (١)
أصله قرطبي، ونزل اشبيلية، وكان أحد المفتين بها، وممن له وجاهة؛ وكان أحد الدعاة للسفيه [¬٢] الدعي القائم بها باسم هشام المخلوع، وممن شهد على عينه، وكف بصره آخرًا.
ذكر القاضي أبو الاصبغ بن سهل في كتابه الإعلام - أن هذا القرشي التيمي، أفتى في أم الولد تقوم في غيبة سيدها بعدم النفقة، أنها تعتق عليه كالزوجة، وخالفه في ذلك غيره [¬٣] من فقهاء اشبيلية، وأفتى فيها ابن عتاب بعتقها (٢) بعد الاستيناء، وطلب من ينفق عليها، وضرب أجل شهر [¬٤].
وأفتى ابن الشقاق، وابن القطان، أنهن بخلاف الزوجات لا يعتقن، وهو الذي حكاه ابن العطار في وثائقه، قال: والرواية، لاشهب [¬٥] فيمن عجز عن نفقة أمهات أولاده [¬٦]، أنهن يعتقن عليه بعد انتهاء أجل شهر، ونحوه لعلي بن زياد، واختاره ابن سهل.
стр. 2319
أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله بن الباجي (١)
اشبيلي، نبيه البيت في العلم والجلالة والقضاء ببلده؛ تقدم نسبه وذكر أبيه وجده؛ سمع أبو عبد الله من جده أبي محمد، ورحل مع أبيه أبي عمر، ولقي عدة من الشيوخ والفقهاء.
وروايته [¬١] ورواية أبيه واحدة؛ سمع منه ابن الغراب [¬٢] البطليوسي، ومحمد بن عبد الله الحصار، وأبو بكر بن الوليد؛ وآخر من روى عنه أحمد بن محمد الحصار بالاجازة، وولي [¬٣] الشورى ببلده ثم القضاء، وكان يستفتي في كثير من مسائله أبا بكر [¬٤] بن عبد الرحمان، وأبا عمران الفاسي؛ وقد ذكر القاضي ابن سهل في كتابه من مسائله (لهما) [¬٥] جملة صالحة.
قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله - وذكره: كان أبو عبد الله هذا من أهل العلم بالحديث والرأي [¬٦] والحفظ للمسائل. قائمًا بها، واقفًا عليها؛ عاقدًا للمشروط، محسنًا لها؛ بيته بيت علم: هو وأبوه [¬٧] وجده. وكان جميعهم في الفضل والتقدم - على درجاتهم في السن. ومنازلهم في السبق. وتوفي في محرم سنة ثلاث وثلاثين.
стр. 2320
خلف بن سعيد بن أحمد بن محمد الازدي أبو القاسم (١)
اشبيلي، كان رجلا صالحًا، من الفضلاء الزهاد في الدنيا، منقبضًا، قديم الخير، له رحلة حج فيها وتنسك وتقشف؛ وكان فقيهًا مفتيًا، ولي الشورى؛ سمع من أبي محمد الباجي، وغيره؛ سمع منه أبو عمر بن عبد البر، وابن بكر بن أبان، وأبو عبد الله الخولاني.
محمد بن مغيرة بن عبد الملك بن مغيرة ابن معاوية بن المومن القرشي (٢)
أبو بكر المعروف بالاشبيلي.
قال ابن الحصار: كان من أهل العلم بالحديث والفقه والفهم بضروب الآداب، متقدمًا فيما وصفناه، له أشعار كثيرة مشهورة، ولي [¬١] الشورى بموضعه، وأخذ عن رجال الاندلس [¬٢]، ورحل فلقى رجال المشرق: أبا الحسين بن أبي جدار، وطبقتهم.
стр. 2321
وأخوه أبو سليمان عبد الرحمان بن مغيرة (١)
قال: كان أيضًا من أهل الفهم والأدب والخير والانقباض.
رحل وتجول، وسكن مصر مدة، وصحب بها جلة، وسمع منهم؛ واشتغل بالقرآن [¬١] والتبتل، إلى أن توجه أخوه حاجًا، فعزم عليه، وانصرف معه بعد حجهما، وقد استفاد علمًا ونبلا وفهمًا، فسكن قرطبة، ثم انتقل في الفتنة إلى اشبيلية.
أبو بكر يحيى بن (محمد بن (٢) أحمد) ابن عبد الملك القرشي العثماني (٣)
إشبيلي، كان من أهل العلم والتقدم في الفهم للحديث والسنن، والرأي، والادب؛ فقيهًا مشاورًا، لقى جماعة وسمع منهم، كابن عون الله، وابن مفرج، وعباس بن أصبغ، وسهل ابن ابراهيم الاستجي، وأحمد بن عبد الله بن العناق [¬٢]، وهشام ابن يحيى البطليوسي، وعبد بن النور، وغيرهم.
стр. 2322
خلف بن مسلمة بن عبد الغفور (١)
(اقليشي) (٢) فقيه حافظ، ألف كتاب الاستغناء في أدب القضاة والحكام، كتاب كبير نحو خمسة عشر جزءًا، كثير الفائدة والعلم، وقفت عليه. وكانت وفاته نحو أربعين وأربعمائة.
أبو بكر خلف بن أحمد بن خلف [¬١] الرحوي (٣)
من أهل طليطلة وفقهائها، وأخذ عن أبي محمد بن أبي زيد بالقيروان، وحدث عنه بكتبه؛ وسمع منه أبو الوليد الباجي، وأبو القاسم الطرابلسي، وأبو محمد الشارقي [¬٢]، وأبو جعفر بن مغيث [¬٣]، وتفقه به الطليطليون.
стр. 2323
اسحاق بن يحيى بن ابراهيم
سرقسطي، من فقهائها ومشاوريها ومدرسيها؛ سمع منه وضاح بن محمد الرعيني. وغيره وتوفي سنة احدى وعشرين وأربعمائة.
عبد العزيز بن علي المقرئ
المالكي المصري (١)، من أصحاب أبي الذكر، وممن عني بعلم القرآن والفقه [¬١]، وغلب عليه علم القرآن، وكان من المتصدرين لاقراء القرآن؛ كان يقرئ في جامع عمرو، يختلف إلى أبي الذكر المالكي، ويتفقه عنده في المسائل، ويجانسه في ذلك كل يوم من بعد صلاة الصبح إلى الزوال، ومن الظهر إلى العصر؛ فبينما كذلك، إذ جلس الينا مرة شاب، فكان يجيب في المسائل أحسن جواب، وجعل يختلف إلى الحلقة زمانا - وعلى وجهه أثر الصفرة، وكان من أحسن الناس وجهًا، وقد تقدمت هذه الحكاية.
стр. 2324
ذكر أن أبا بكر بن مجاهد الألبيري نهض مع بعض أصحابه إلى أبي عبيد الجبيري ليزوره بالزهراء - على عادة له، وكان صديقه؛ فلما حضر عنده، أحضر طعامًا ودعاهما إلى أكله، وأكل [¬١] أبو بكر، فأكلا [¬٢] معه؛ فلما خرجا، سئل أبو بكر عن أكله طعامه - وقد علم أن ليس عنده مال إلا ما أعطاه السلطان؟ فقال أبو بكر: هو رجل من أهل العلم، فلو أمسكت عن طعامه، لكان جفاء عليه، وأنا في نفسي أحقر من أجعلها معه في هذا النصاب؛ وقد قومت ما أكلت، وأجمعت على الصدقة به، وثواب ذلك لصاحبه؛ ورأيت هذا أفضل من الشهرة بالإمساك عن طعامه، والجفاء عليه؛ [وقد كنا ذكرنا هذه أيضًا قبل هذا] [¬٣] (١)
стр. 2325
[¬١]
(الطبقة التاسعة) [¬٢]
قال الفقيه القاضي (الحافظ) [¬٣] أبو الفضل عياض - رضي الله بمنه -: ثم انتهى المذهب بعد هذه الطبقة إلى طبقة أخرى
فمنهم من أهل العراق [¬٤]:
أبو الفضل بن عمروس (١)
واسمه محمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن عمروس البزاز [¬٥]، بغدادي، إمام فاضل، [ذكر اسمه (ونسبه) [¬٦] هكذا الشيخ أبو بكر بن ثابت الحافظ في تاريخ البغداديين] [¬٧]، درس على القاضي أبي الحسن بن القصار، والقاضي أبي نصر، وحمل عنهما كتبهما، وحمل كتب أبي محمد بن أبي زيد عنه اجازة؛ وكذا قال السمنطاري، وسماه الباجي عبيد الله، والأول أثبت وأصح.
стр. 2326
قال الخطيب: وهو آخر [¬١] الفقهاء - يعني ببغداد على مذهب مالك، وكان من حفاظ القرآن ومدرسيه. سمع ابن حبابة، وابن شاهين [¬٢]، كتب عنه؛ وكان ثقة دينًا مشهورًا، وإليه انتهت الفتوى في الفقه بمذهب مالك ببغداد، وقبل القاضي الدمغاني شهادته [¬٣].
وذكره أبو إسحاق الشيرازي فقال: كان فقيهًا أصوليًا (١).
وذكره القاضي أبو الوليد الباجي، فقال: فقيه صالح وذكره السمنطاري فقال: فقيه شاطر، جلد، قيم بمسائل الخلاف، صاحب حلقة المالكيين - بجامع المنصور، وله تعليق حسن كبير مشهور في المذهب والخلاف، ومقدمة حسنة في أصول الفقه، ودرس عليه القاضي أبو الوليد الباجي ببغداد، وحدث عنه هو وأبو بكر الخطيب.
توفي أول محرم [¬٤] اثنتين وخمسين وأربعمائة - وقد بلغ الثمانين سنة، مولده فيما حكاه الخطيب في رجب سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة.
стр. 2327
أبو العلاء المحسن بن محمد البصري
من علماء المالكية بالمشرق [¬١]، وله كتاب في الجموع والفروق.
القاضي أبو الحسن علي بن هارون التميمي
من شيوخ المالكية. من أهل البصرة، أخذ عنه أبو حياء. العبدلي [¬٢]- إمام البصرة. سمع أبا يعقوب الحرمي [¬٣]. وله كتاب بصحة ما صح فيما يلزم المسلم في دينه ودنياه.
أبو بكر محمد بن المؤمل البغدادي
مالكي، يروى عن ابن ماسية. ويعرف بغلام الأبهري حدث عنه أبو الوليد الباجي، وقال فيه: شيخ لا بأس به.
أبو الحسن علي بن محمد بن قيس البغدادي
كان مالكيًا، راوية، سمع من الأبهري أبي بكر تواليفه. وعن أبي حفص الكتاني، وأبي علي الفهري.
قال أبو الوليد الباجي: هو شيخ من أهل المعرفة [¬٤] باللسان، مالكي، لا بأس به، سمع منه أبو الوليد الباجي.
стр. 2328
ومن أهل مصر:
أبو علي الحسن بن أحمد بن محمد الهاشمي
العباسي، يعرف بالميازري، بغدادي، من أصحاب ابن نصر. من فقهاء المالكية بمصر، سكنها وأقرأ في جامعها، وكان أديبًا، حدث عنه أبو مروان الطبني.
أبو القاسم عبد الواحد بن علي الجيزي [¬١]
من مالكية مصر، له كتاب في أصول الفقه، من أصحاب القاضي ابن نصر، وعنه أخذ ابن سعيد [¬٢] فقيه ميورقة، وحدث عنه أحمد بن عثمان بن مكحول.
أبو حفص عمر بن أحمد بن محمد بن عيسى
المالكي، المعروف بابن سفيان البوصيري [¬٣]، يروى عن القاضي أبي الحسن بن بندار الأنطاكي، روى عنه الحمال.
стр. 2329
ومن أهل الشام:
أبو الفضل مسلم بن علي بن عبد الله بن محمد بن حسن (١) الدمشقي (٢)
ويعرف بغلام عبد الوهاب، فقيه مالكي مشهور، واختص [¬١] بالقاضي أبي محمد بن نصر، وأطال صحبته وخدمته، فشهر به؛ وله كتاب في الفروق معروف، حدث عن القاضي أبي محمد، ودرس وأخذ عنه الناس، وأخذ عنه من أهل بلدنا قاسم الماموني.
أبو العباس أحمد بن منصور بن محمد بن قيس الغساني
دمشقي، ذكره بعضهم، قال: وكان فقيهًا على مذهب مالك، يروى عن القاضي عبد الوهاب بن نصر، وعن أبي محمد بن أبي زيد [¬٢]، وغيرهما.
стр. 2330
أبو المنجي حيدرة بن علي بن إبراهيم الأنطاكي
المعبر، المالكي، ذكره الأمير أبو نصر وقال: هو شيخ. كتبت عنه [¬١] بدمشق، حدث عن أبي نصر.
ومن أهل إفريقية:
أبو إسحاق التونسي (١)
واسمه إبراهيم بن حسن، تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمان، وأبي عمران الفاسي، وطبقتهم؛ ودرس الكلام والأصول على الأدري [¬٢]، وكان جليلا فاضلا، (عالما) [¬٣]، إماما صالحا، منقبضا متبتلا؛ وبه تفقه جماعة من الافريقيين؛ وأخذ عنه عبد الحق، وابن سعدون، وعبد العزيز التونسي، وابن أبي حاج، وغيرهم من الجلة؛ وله شروح حسنة، وتعاليق مستعملة متنافس فيها - على كتاب ابن المواز، وعلى كتب المدونة؛ وذكره ابن عمار الميورقي في رسالته هو والسيوري - فقال: لحقا من تقدمهما في العلم والورع، وأعجزا من يأتي بعدهما - والله أعلم، آخر
стр. 2331
علماء الغرب [¬١]، وفي التونسي يقول عبد الجليل الديباجي:
حاز الشريفين [¬٢] من علم ومن عمل … وقلما يتأتي العلم والعمل
وكان مدرسا بالقيروان، مشاورا فيها - مع بقية المشيخة قبل الفتنة، كأبي القاسم اللبيدي، وغيره.
ذكر محنته
كان الشيخ أبو إسحاق قد امتحن مع فقهاء القيروان محنة عظيمه في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، وذلك أنه استفتى من مدينة من عاداه [¬٣] في مراجعة عقدها ولي من العبيدين [¬٤]، وذلك بعدما جرى عليه ما جرى بالقيروان، وقيام المسلمين عند ولاية المعز بن باديس صاحبها عليهم، وتقتيلهم كل مقتل وانتصار [¬٥] المعز في ذلك؛ فرد الفقيه أبو إسحاق في بعض جوابه أن هذه الفرقة على ضربين: أحدهما كافر مباح الدم، والضرب الآخر، هم [¬٦] الذين يقولون بتفضيل علي بن أبي طالب على سائر الصحابة، لا
стр. 2332
يلزمهم (١)، ولا تبطل نكاحاتهم؛ وشاعت فتواه، فأنكرها جميع فقهاء افريقية بالقيروان، وغيرها؛ وكانوا من التشديد [¬١] على هذه الطائفة المارقة وكل من يتعلق بهم - حيث كانوا؛ والعامة أشد من ذلك، لا سيما بظهورهم عليهم وبغضهم فيهم؛ وأرسلوا [¬٢] إلى أبي إسحاق في معاودة النظر، وأن يرجع؛ فأبى إباء شديدا، وخالف الجميع، واستحقر شأن مخالفته؛ وانتهت القصة إلى السلطان المعز، فجمعهم ببعض الجمع عنده في المقصورة، وناظروه؛ فأظهر الإنابة إلى قولهم، والرجوع إليهم، ثم خلا بأصحابه، فأنكروا عليه رجوعه عن قولهم، وأنه الحق الذي لا يجب سواه؛ وكان رأى الفقهاء سد هذا الباب للعامة على هؤلاء الكفرة، وأن بني عبيد زنادقة، وأن الداخل في دعوتهم - وان لم يقل بقولهم - كافر لتوليه الكفرة؛ فأظهر أبو إسحاق التمادي على قوله، وإنكار الرجوع عنه؛ فمشى الناس في هذا بعضهم إلى بعض، وامتزج فيه القيام لله بالشهوة [¬٣] من العصبية [¬٤] للفقهاء في ذلك؛ وأتتهم مكاتبات علماء الجهات بإنكار ذلك، وأن المفتين [¬٥] بهذه المقالة الخبيثة من المصريين والشاميين قد
стр. 2333
انتسخوا جوابه، ونهضوا ليفتنوا به [¬١] الناس، وسر به من في قلبه مرض، واحتج به؛ فأطلق الفقهاء الفتيا عليه [¬٢] بمقالته هذه بالتضليل والتبديع، وقال فيها الشعراء قصائد كثيرة، تضمنت أذى أبي إسحاق، والتهرى منه؛ وأنشدها الشعراء والطلبة عند الفقهاء - غيره -[¬٣] في دورهم وجموعهم، وأطلقوا فيها عليه، وأمر السلطان بسجل سيء [¬٤] في القصة من التبرى من قوله؛ ونيل فيه منه ما يعظم الله - تعالى - به أجره! وأمر بقراءته يوم الجمعة على المنبر قبل الصلاة - مستهل صفر - عام ثمان وثلاثين؛ ثم أمر السلطان بإحضاره بالمقصورة في ذلك اليوم أثر الصلاة، وأحضر معه الفقيه أبا القاسم اللبيدي بقية مشيخة الفقهاء وكبيرهم، والفقيه أبا الحسن بن المقرئ [¬٥]، والقاضي أبا بكر بن أبي محمد بن أبي زيد - خاصة من بين سائر الفقهاء؛ وكان هذان الفقيهان من أشد الناس، وحكم في المسألة اللبيدي، فحكم بأن يقر بالتوبة على المنبر بمشهد جميع الناس. وأن يقول كنت ضالا - فيما رأيته ونطقت به، ثم رجعت عن ذلك إلى مذهب الجماعة، فكانوا على ذلك؛ وكأنه استعظم الأمر على المنبر، وقال: هأنا اقول هذا بينكم؛ فساعدوه
стр. 2334
وقنعوا منه بقول ذلك - بحضرة [¬١] السلطان والجماعة، وأن يقوله بمجلسه، ويشيعه عن نفسه؛ فافترقوا على ذلك، وحصلت على الشيخ من ذلك غضانة، فخرج في صبيحة يومه متوجها إلى منستير [¬٢] الرباط مسكنا لقضيته ومنسيا [¬٣] لها.
قال ابن عياض: لا امتراء عند منصف، أن الحق ما قاله أبو إسحاق، ولا امتراء أن مخالفته أولا لرأى أصحابه في حسم الباب لمصلحة العامة والجاج؛ وإن رأى الجماعة كان أسد للحال، وأولى بعائدة [¬٤] الخير [¬٥]؛ وفتواه هو أجرى على العلم، وطريق الحكم؛ ومع هذا، فما نقصه هذا عند أهل التحقيق. ولا غض من منصبه عند أهل التوفيق.
وقد حكى أبو عبد الله بن سعدون قال: رأيت أبا القاسم اللبيدي بعد موته، فسألته: من على الحق [¬٦]، أنت أو أبو إسحاق؟ فسكت وأمسكت بعضده، فكان يقول لى بصوت خفي: التونسي!
وتوفي أبو إسحاق بعد هذا بسنين قريبة (١) أول فتنة القيروان، وكان ابتداء فتنتها سنة اثنتين وثلاثين بالقيروان، ورثاه أبو علي بن رشيق بقصيدة فريدة، أولها:
стр. 2335
منها:
ليس امرؤ صحب الزمان بباق … والخلق مرجعهم إلى الخلاق
يا للرزية في أبي إسحاق قد … ذهب الزمان بأنفس الاعلاق
ذهب الزمان بخاشع متبتل … تبكي العيون عليه باستحقاق
ذهب الحمام ببدرتم لم يدع … منه التقى إلا هلال محاق
منها:
صرنا إلى الحال التي من أجلها [¬١] … كنا نعد الدمع في الآماق
فاليوم أغلق كل فهم بابه … لما فقدنا فاتح الاغلاق
ما القيروان أذقت ثكلك وحدها … قد [¬٢] ذاق ثكلك سائر الآفاق
ومنها:
وإذا مصاعبة الفروع [¬٣] تخاطرت … وأتاك إبراهيم بالمصداق
ردت شفاهتها إلى لهواتها [¬٤] … من بعد ما نفرت عن الأشداق
دنياك قدما كنت قد طلقتها … ما اليوم حين فجمتها بطلاق
стр. 2336
أبو الحسن علي بن تمام
المعروف بابن بنت المهدي، وغلب عليه [¬١] عند الناس المهدي، أحد فقهاء هذه الطبقة في وقته بالقيروان، وله صيت واتباع كثيرة [¬٢]، وصلابة في القيام في تغيير المنكرات، والتكلم بالحق، ومكانة عند السلطان، وسعي عنده في حوائج الناس، وأمور العامة؛ وهو كان أحمد القائمين على القاضي أبي بكر بن أبي زيد، والمحتسبين في عزلته - لما ذكرنا [¬٣] في خبره؛ وكان قد خالفه في أمر العيد، إذ كان القاضي المذكور قد أمر بأن العيد من غدهم. لما ثبت عنده، وعند السلطان، والقاضي، وسائر الفقهاء؛ وخرجوا لصلاتهم. ورجعوا وذبحوا - وكان يوم جمعة - إلا المهدي، فخالفهم في هذا كله، وجلس في داره؛ فلما صلى بهم [¬٤] الخطيب صلاة الجمعة، وكبر تكبير التشريق؛ قال [¬٥] له المهدي من موضعه: كذبت أيها الفاسق، وأصبح المهدي في اليوم الثاني في باب داره، وصلى العيد مع خلق اتبعوه؛ وكان من جملة من صلى معه خطيب الناس بالأمس، وقال له: إنما صليت بالأمس تقية؛ فبلغ ذلك القاضي، فأحضره فقال [¬٦]: إنما فعلت هذا عند المهدى - خوفا منه، فكان هذا سبب نكبة هذا الخطيب وعزله.
стр. 2337
أبو القاسم السيوري (١)
واسمه عبد الخالق بن عبد الوارث، قيرواني، آخر طبقته [¬١] من علماء افريقية، وخاتمة أئمة القيروان، وذو الشأن البعيد [¬٢] في الحفظ والقيام بالمذهب، والمعرفة بخلاف العلماء؛ وكان زاهدا، فاضلا، دينا، نظارا؛ وكان آية في الدرس والصبر عليه، ذكر أنه كان يحفظ دواوين المذهب الحفظ الجيد، ويحفظ غيرها من أمهات كتب، الخلاف، حتى إنه كان يذكر له القول [¬٣] لبعض العلماء فيقول: أين وقع هذا؟ ليس هو في كتاب كذا، (ولا كتاب كذا) [¬٤]، ويعدد أكثر الدواوين المستعملة من كتب المذهب والمخالفين، والجامعين، فكان في ذلك آية؛ وكان نظارا، ويقال إنه مال أخيرا إلى مذهب الشافعي؛ وله تعليق على نكت من المدونة، أخذه عنه أصحابه؛ ويقال إنه تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمان، وأبي عمران، وطبقتهم؛ وقرأ الكلام، والأصول على الأدري، وأكثر ما قرأ الكلام، ولازم القيروان بعد خرابها - إلى أن مات بها؛ وعليه نفقه عبد الحميد المهدي، واللخمي، والزكي [¬٥]؛ وأخذ [¬٦] عنه
стр. 2338
قديما عبد الحق، وابن سعدون، وغيرهما؛ وبعدهم [¬١] حسان بن البربري، وأبو القاسم المهاري [¬٢]، وأراهم آخر من حدث عنه [¬٣]؛ وطال عمره. فكانت وفاته سنة ستين (١) بالقيروان.
أبو محمد الفحصيلي [¬٤] (٢)
واسمه عبد الله، أخذ عن أبي بكر، وأبي عمران؛ وكان من الفضلاء العباد، لم يكاتب السيوري أحدا من أهل هذه الطبقة بالفقيه غيره؛ وكان زاهدا، متقللا رد قوته في النهار إلى نصف مد بمد النبي ﷺ ، وهو أكبر هذه الطبقة، وكان يحلق في حياة الشيوخ.
أبو الطيب عبد المنعم بن إبراهيم الكندي (٣)
المعروف بابن بنت خلدون، قيرواني، هو ابن أخت الشيخ أبي على خلدون السهمي؛ من نبلاء هذه الطبقة ومتقنيها، وكان
стр. 2339
له علم بالأصول، وحذق بالفقه والنظر؛ تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمان، وأبي عمران، وأخذ عن ابن سفيان المقريء؛ وبه تفقه اللخمي، وأبو إسحاق بن منصور القفصي، وعبد الحق وابن سعدون، وغيرهم.
وحكى عن بعض شيوخ الأفريقيين، أنه كان يقول -: دخلت عليه فوجدته ينظر في اثني عشر علما، وكان له حظ من الحساب، والهندسة، والعلوم القديمة؛ ويحكى أنه كان دبر جلب ماء البحرين من ساحل تونس إلى القيروان، وسوقه خليجا من هنالك بنظر هندسي ظهر له، فاخترم قبل نفاذ رأيه فيه، وظهور ما دبر منه.
وذكره بعض العلماء فقال: كان قدوة في العلم والدين، ورأيت [¬١] أهل قفصة قد سألوه في مسألة بدؤها بقولهم: أن الله تعالى من علينا - معشر المسلمين - بأن جعلك إماما لنا نقتدي به، راسخا في العلوم، نفزع إليه. وكانت له رحلة، ودخل مصر، وله على المدونه تعليق مفيد.
أبو حفص عمر بن أبي الطيب (١)
المعروف بابن العطار، قيرواني؛ فاضل، وكان حافظا، قيما بالمذهب، حسن الاستنباط؛ وكان اعتماده على المدونة، وبه [¬٢] قد تفقه عبد الحميد [¬٣] المهدي، وابن سعدون.
стр. 2340
(قال ابن سعدون) [¬١]: وكان [¬٢] العطار يقول للطلبة: فقر وعلم، لم تبلغوا هذه الدرجة أنتم، (إنما) [¬٣] الفقر والعلم [¬٤] منزلة الأنبياء.
أبو القاسم عبد الرحمان بن محرز (١)
قيرواني، تفقه بشيخ القيروان: أبي بكر بن عبد الرحمان، وسمع من أبي عمران وأبي حفص العطار؛ وكان فقيها، نظارا، نبيلا، ذا رواء حسن، ومرؤة تامة؛ وابتلي آخر عمره - فيما بلغني - بالجذام.
وله تصانيف حسنة، منها تعليق على المدونة سماه التبصرة، وكتابه الكبير المسمى بالقصد والإيجاز، توفى نحو [¬٥] الخمسين وأربعمائة.
أبو إسحاق بن منصور القفصي
كان من فقهاء إفريقية وفضلائها، من أصحاب أبي بكر بن عبد الرحمان وطبقته، وصحب أبا الطيب، وابا إسحاق التونسي، والسيوري، وغيرهم؛ أثنى لنا عليه بالعلم البارع والدين - القاضي
стр. 2341
أبو عبد الله بن داود، وذكر لنا أن شيخه أبا عبد الله الذكي [¬١]، كان يثنى عليه كثيرا ويقول: ما اجتمع لأحد من أهل أفريقية من المعرفة، مثل [¬٢] ما اجتمع لأبي إسحاق، أو كما قال؛ أراه سكن إطرابلس، وأصله من قفصة، وبها كان مدة.
أبو بكر محمد بن أبي القاسم اللبيدي
كان من أهل العلم والأدب، والفهم الحسن؛ وجلس [¬٣] بأمر السلطان بالقيروان مجلس أبيه بعد موته سنة أربعين قبل الفتنة - بعد أن استدعاه إليه في جماعة من أهل العلم، فنوه به، وشرفه، وخلع عليه خلعة تليق بأهل العلم؛ وكان معظما في الناس بنفسه وأبيه [¬٤]، ومكانته عند السلطان؛ وكان حسن المعاشرة، طلق الوجه، مبادرا لقضاء حوائج الناس، مكارما لهم؛ يجيد قرض الشعر، جميل الصورة، واسع الحال؛ كانت له مشية حسنة، وملبس نظيف، وتوقر مفرط؛ وكان النساء يتصدين لرؤيته لجماله، وحسن شارته [¬٥]؛ وتمادت الرئاسة بالعلم والقضاء في بيته - إلى وقتنا هذا.
стр. 2342
أبو حفص عمر بن ساروي اللواتي
من فقهاء صقلية ومشاهيرها، وكان شاعرا، أديبا؛ وهو القائل يفخر بقومه لوانة من قصيدة، أولها:
لمن تعزى الأكارم والأيادي … ورد الخيل داهية الهوادي
سوى قومي الذين سمت نفوس … بهم شرفا إلى السبع الشداد
وله:
أأجازيك أم أعدك سفلا [¬١] … أم تراني أراك للسب أهلا
سب ما شئت لست ممن تجاري … أنا بالسب [¬٢] إن سببتك [¬٣] أولى
محمد بن عبد الصمد
كان هذا الرجل من علماء وقته بالقيروان، وغلب عليه الزهد، وكان ممن انقطع وأخذ في وعظ الناس وتحذيرهم، وكان يجتمع إليه، ويسمع منه، حتى حذره صاحب القيروان؛ فحكى أبو الطيب بن الكماد الأديب القيرواني، أن المعز - صاحب القيروان - كان [¬٤] يحيل عليه حتى استعار منه بعض كتبه، يريد أنه يطالع
стр. 2343
شيئا منها، فاقامت عنده اياما، ثم ردها اليه -وكتب اليه معها-[¬١]: فيما زعمت ملوك الفرس، وحكماء السنين والسياسة؛ أن أهل الزهد والوعظ [¬٢] وتأليف العامة، واقامة المجالس، أضر الاصناف على الملك، وأقبحهم أثرا في الدول؛ فيجب أن يتدارك أمرهم، ويبادر الى حسم الاذى منهم، وأبلغ ما يكون ذلك [¬٣] عرض المال عليهم؛ فاذا قبلوه، كفى امرهم.
ففهم ابن عبد الصمد، انه قصد بذلك، فاستعمل الخروج إلى الحج، وخرج معه جماعة من عامة المسلمين، ثم عاد فأخذته الفتنة الناشئة بالقيروان - وهو بها.
أبو الحسن بن سلمون
سكن المهدية، وكان خير فقهائها في هذه الطبقة فأخذ عن [¬٤] ابي اسحاق [¬٥] التونسي في نازلته.
عبد الحق بن محمد بن هارون التميمي القرشي (١)
أبو محمد، من أهل صقلية، تفقه بشيوخ القرويين والصقليين؛ فمن شيوخه بصقلية: أبو بكر بن أبي العباس، والفقيه أبو بكر الفاسي، وأبو عبد الله بن الاجدابي وابو عبد الله مكي
стр. 2344
القرشي؛ وتفقه مع التونسي، والسيوري، وبابن بنت خلدون، وغيرهم؛ وحج مرتين، فلقى في احداهما أبا محمد عبد الوهاب ابن نصر، وأبا ذر الهروى؛ وحج أخيرا بعد أن أسن وكبر، وبعد صيته فلقى بمكة -إذ ذاك- امام الحرمين ابا المعالي، العالم المتكلم، وذلك بعد الخمسين [¬١]؛ فباحثه (عن أشياء) [¬٢]، وسأله عن مسائل اجابه [¬٣] عنها ابو المعالي، وهي [¬٤] مؤلفة مشهورة في أيدي الناس؛ وكان عبد الحق يعترف بفضله، ويقول: اولا كبر سني، ما فارقت عتبة منزله؛ وكان الآخر يجله ويعترف بفضله، سمعت شيخنا أبا القاسم عبد الرحمان بن محمد يقول: وكان أراهما اذ ذاك -بالحجاز- أنهما اجتمعا للصلاة [¬٥]، فقدم أبو المعالي شافعي المذهب، وتكرر عبد الحق بعد هذا ببلاد مصر - إلى أن توفي بها؛ وكان فقيها، (فهما) [¬٦]، صالحا، دينا، مقدما [¬٧]، بعيد الصيت، شهير الخير، مليح التأليف.
وألف كتاب النكت، والفروق لمسائل المدونة - وهو من أول ما ألف؛ وهو مفضل عند الناشئين من حذاق الطلبة، ويقال إنه ندم بعد ذلك على تأليفه، ورجع عن كثير من اختياراته؛
стр. 2345
وتعليلاته فيه، واستدرك كثيرا من كلامه فيه؛ وقال: لو قدرت على جمعه واخفائه لفعلت، أو نحو هذا؛ وألف ايضا كتابه الكبير في شرح المدونة المسمى بتهذيب الطالب، ونبه فيه على كتاب النكت، وله استدراك [¬١] على مختصر البراذعي، وكان له حظ من الفروع والاصول، وله عقيدة رويت عنه، وله جزء في ضبط ألفاظ المدونة.
وذكره ابن عمار المتكلم فقال: امام مشهور بكل علم، متقدم، مدرس للاصول والفروع. وذكره ابن سعدون فقال: كان من الصالحين المتقين، فيه وقار أهل العلم وسكينتهم، وإذعانهم للحق، كثير الانصاف.
وانشد له ابن القطاع من شعره:
أرى فتن الدنيا تزيد وأهلها … يخوضون بالاهواء في غمرة الجهل
فما إن يرى من مخلص فى بصيرة … وما إن يرى من صادق القول والفعل
فيا سوء حالي حين أصبحت فارغا … ولم ادخر زادا وما زلت في شغل
стр. 2346
وله يرثي ابنه عمران:
أراك قريبا واللقاء بعيد … وجسمك يبلى والزمان يبيد
وما كان يا عمران في الظن أنني … أراك مقيما في التراب تبيد
ولا أنني أبقى وراءك ساعة … أعاين موجودا وانت فقيد
سأصبر في الدنيا -بني- لعلني … ألاقيك في الاخرى وأنت سعيد
وتوفي عبد الحق بالاسكندرية [¬١] بعد الستين واربعمائة [¬٢]
عبد الجليل بن مخلوف الصقلي (١)
أبو محمد. حدث عن عبد حدث عن عبد الملك الصقلي، يروي الشيخ أبو محمد عبد القادر القروي.
أبو محمد
المعروف بابن صاحب الخمس، صقلي، فقيه متكلم، أصولي، فاضل مشهور موضعه، ذكره الميورقي فقال: كان
стр. 2347
فقيها، متكلما، إمامًا في علم الاصول، نافذا في علوم الفروع، متورعا عن الفتيا؛ قال: وهو أكبر من لقيت بصقلية؛ وكان شيخنا القاضي أبو القاسم بن عبد الرحمان بن محمد المعافري قد لقيه بها، وكان يثني عليه، وحدثنا عنه، وأخذ عنه.
ابو العباس احمد بن محمد بن الجزار (١)
صقلي، مشهور، مقدم ببلده، انفرد برئاسة الفتيا، والشهرة بالخير، والديانة، والصيانة؛ وكان من أهل التحقيق بالفقه والاصول، وبه تفقه أبو القاسم الصرقوسي [¬١]، ومتأخر والصقليين، ولقيه أبو الوليد الباجي، وابن عمار، وغيرهما من الاندلسيين، قرين عبد الحق في رئاسة العلم بصقلية.
فتوح بن الغزال الباغاني
من أهلها، وكان فاضلا، فقيها [¬٢]، موسرا، خيرا، حسن الطريقة، منظورا اليه ببلده، رأس على من فيها من العلماء بعلمه، وبخيره، ومكانته من السلطان؛ وكان صاحب القيروان يخاطبه في أمر بلده، وكذلك [¬٣] كل من كانت له بها رئاسة، من عربها
стр. 2348
وعجمها فاتفقت كلمتهم على اغراء العامل به -والسلطان مشغول بفتنة القيروان -اذ ذاك- المذهلة، فأجابهم ووجه فيه، فأمر بقتله بالرماح بحضرتهم، فقتل وبقي مطروحا يومين، وكان له ابن على صغر سنه ذا علم بالفقه، وانتهبت أمواله، وكشف عياله؛ وكان فيما انتهب له كتب بنحو ألفى مثقال؛ وكان ذلك كله منتصف شعبان من سنة ست واربعين (١)؛ وعجل الله بالانتقام من المغرين به، فخرج جماعة منهم صحبة الفقيه المعروف بابن عفيف من فقهاء باغاتة أيضا- للقاء العرب من أهل الشحناء [¬١] التي وقعت بين العرب والعجم [¬٢]، (فوثب) العرب عليهم فقتلوهم [¬٣] لآخرهم، الا ابن عفيف ستره النساء بعد أن أصابه مكروه، ثم سلط الله العجم عليهم، فقتلوا العرب، وانتقم الله للفقيه من الجميع.
ابو الحسن بن المقلوب
السوسي، عظيم بلده، و شيخ فقهائهم، من أصحاب القابسي وانتقل الى المهدية واخذ عنه.
أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد اللواتي
المعروف بالخرقي -بكسر الخاء المعجمة، من شيوخ هذه الطبقة وفقهائها ومحدثيها، وأسند من كان معه في وقته، سمع
стр. 2349
القابسي، وأبا ذر الهروي؛ وكان ممن يجتمع اليه بالقيروان، ويتناظر عنده مع المشيخه؛ سمع من ابن أبي الفرج الزنجي، وأبي القاسم السرقوسي الصقلي، وأبي حفص بن الصقلي، وأبي علي الحسن بن مكي المعروف بحسان المهدوي، وغير واحد؛ وآخر من حدث عنه من القرويين النازلين بالاندلس، أبو محمد بن الخياط.
أبو محمد بن سمحان
ممن كان يدرس بالقيروان من هذه الطبقة، ويجتمع اليه، ويعرف بالفقيه، من أصحاب القابسي.
وممن كان يحلق بها أيضا، في هذا الوقت من المالكين ممن يعرف:
عبد العزيز المهدي، والصديني
المالكي المعروف [¬١] بالشقاشقي
وكلهم من أصحاب ابي الحسن القابسي، وممن انتفع به.
ابو عثمان بن بن أبي سوار
من أهل قلعة حماد وفقهائها، وتفقه بشيوخ جهته، وأخذ عن عبد الرحمان بن العجوز السبتي - من أهل بلدنا.
стр. 2350
أبو حفص عمر بن أبي الحسين بن الصابوني
من أهل قلعة حماد ايضا، زعيم فقهائها في وقته، وطال عمره، فانفرد برئاسة جهته، وكان فقيها، نظارا، محققا، حسن الفهم، جيد الكلام في الفقه.
ابو القاسم بن أبي مالك
من أهل المغرب، وكان سكناه بجهة القلعة؛ قال ابن شرف في تاريخه: كان يوصف بفقه وورع، وزهادة ومروءة، وخير، وورد القيروان رسولا من قبل ابن حماد على المعز سنة ثمان وثلاثين، (١) فخاطب بأبلغ خطاب وأحسنه وألطفه، ولقي مسرة من السلطان، ولا أنفق في هذه المدة إلا ماله، ولا اقتات إلا منه.
ومن أهل المغرب الاقصى:
عثمان بن مالك (٢)
فقيه فاس، وزعيم فقهاء المغرب في وقته فعنه اخذ فقهاء فاس، وتفقهوا به، منهم: ابنه، وابو بكر بن الخياط [¬١]، وغيرهم؛ ولهم عنه تعليق على المدونة تفقه ببلده على ابن مروان الازدي.
توفي سنة أربع واربعين واربعمائة.