وله يرثي ابنه عمران:
أراك قريبا واللقاء بعيد … وجسمك يبلى والزمان يبيد
وما كان يا عمران في الظن أنني … أراك مقيما في التراب تبيد
ولا أنني أبقى وراءك ساعة … أعاين موجودا وانت فقيد
سأصبر في الدنيا -بني- لعلني … ألاقيك في الاخرى وأنت سعيد
وتوفي عبد الحق بالاسكندرية [¬١] بعد الستين واربعمائة [¬٢]
عبد الجليل بن مخلوف الصقلي (١)
أبو محمد. حدث عن عبد حدث عن عبد الملك الصقلي، يروي الشيخ أبو محمد عبد القادر القروي.
أبو محمد
المعروف بابن صاحب الخمس، صقلي، فقيه متكلم، أصولي، فاضل مشهور موضعه، ذكره الميورقي فقال: كان
стр. 2347
فقيها، متكلما، إمامًا في علم الاصول، نافذا في علوم الفروع، متورعا عن الفتيا؛ قال: وهو أكبر من لقيت بصقلية؛ وكان شيخنا القاضي أبو القاسم بن عبد الرحمان بن محمد المعافري قد لقيه بها، وكان يثني عليه، وحدثنا عنه، وأخذ عنه.
ابو العباس احمد بن محمد بن الجزار (١)
صقلي، مشهور، مقدم ببلده، انفرد برئاسة الفتيا، والشهرة بالخير، والديانة، والصيانة؛ وكان من أهل التحقيق بالفقه والاصول، وبه تفقه أبو القاسم الصرقوسي [¬١]، ومتأخر والصقليين، ولقيه أبو الوليد الباجي، وابن عمار، وغيرهما من الاندلسيين، قرين عبد الحق في رئاسة العلم بصقلية.
فتوح بن الغزال الباغاني
من أهلها، وكان فاضلا، فقيها [¬٢]، موسرا، خيرا، حسن الطريقة، منظورا اليه ببلده، رأس على من فيها من العلماء بعلمه، وبخيره، ومكانته من السلطان؛ وكان صاحب القيروان يخاطبه في أمر بلده، وكذلك [¬٣] كل من كانت له بها رئاسة، من عربها
стр. 2348
وعجمها فاتفقت كلمتهم على اغراء العامل به -والسلطان مشغول بفتنة القيروان -اذ ذاك- المذهلة، فأجابهم ووجه فيه، فأمر بقتله بالرماح بحضرتهم، فقتل وبقي مطروحا يومين، وكان له ابن على صغر سنه ذا علم بالفقه، وانتهبت أمواله، وكشف عياله؛ وكان فيما انتهب له كتب بنحو ألفى مثقال؛ وكان ذلك كله منتصف شعبان من سنة ست واربعين (١)؛ وعجل الله بالانتقام من المغرين به، فخرج جماعة منهم صحبة الفقيه المعروف بابن عفيف من فقهاء باغاتة أيضا- للقاء العرب من أهل الشحناء [¬١] التي وقعت بين العرب والعجم [¬٢]، (فوثب) العرب عليهم فقتلوهم [¬٣] لآخرهم، الا ابن عفيف ستره النساء بعد أن أصابه مكروه، ثم سلط الله العجم عليهم، فقتلوا العرب، وانتقم الله للفقيه من الجميع.
ابو الحسن بن المقلوب
السوسي، عظيم بلده، و شيخ فقهائهم، من أصحاب القابسي وانتقل الى المهدية واخذ عنه.
أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد اللواتي
المعروف بالخرقي -بكسر الخاء المعجمة، من شيوخ هذه الطبقة وفقهائها ومحدثيها، وأسند من كان معه في وقته، سمع
стр. 2349
القابسي، وأبا ذر الهروي؛ وكان ممن يجتمع اليه بالقيروان، ويتناظر عنده مع المشيخه؛ سمع من ابن أبي الفرج الزنجي، وأبي القاسم السرقوسي الصقلي، وأبي حفص بن الصقلي، وأبي علي الحسن بن مكي المعروف بحسان المهدوي، وغير واحد؛ وآخر من حدث عنه من القرويين النازلين بالاندلس، أبو محمد بن الخياط.
أبو محمد بن سمحان
ممن كان يدرس بالقيروان من هذه الطبقة، ويجتمع اليه، ويعرف بالفقيه، من أصحاب القابسي.
وممن كان يحلق بها أيضا، في هذا الوقت من المالكين ممن يعرف:
عبد العزيز المهدي، والصديني
المالكي المعروف [¬١] بالشقاشقي
وكلهم من أصحاب ابي الحسن القابسي، وممن انتفع به.
ابو عثمان بن بن أبي سوار
من أهل قلعة حماد وفقهائها، وتفقه بشيوخ جهته، وأخذ عن عبد الرحمان بن العجوز السبتي - من أهل بلدنا.
стр. 2350
أبو حفص عمر بن أبي الحسين بن الصابوني
من أهل قلعة حماد ايضا، زعيم فقهائها في وقته، وطال عمره، فانفرد برئاسة جهته، وكان فقيها، نظارا، محققا، حسن الفهم، جيد الكلام في الفقه.
ابو القاسم بن أبي مالك
من أهل المغرب، وكان سكناه بجهة القلعة؛ قال ابن شرف في تاريخه: كان يوصف بفقه وورع، وزهادة ومروءة، وخير، وورد القيروان رسولا من قبل ابن حماد على المعز سنة ثمان وثلاثين، (١) فخاطب بأبلغ خطاب وأحسنه وألطفه، ولقي مسرة من السلطان، ولا أنفق في هذه المدة إلا ماله، ولا اقتات إلا منه.
ومن أهل المغرب الاقصى:
عثمان بن مالك (٢)
فقيه فاس، وزعيم فقهاء المغرب في وقته فعنه اخذ فقهاء فاس، وتفقهوا به، منهم: ابنه، وابو بكر بن الخياط [¬١]، وغيرهم؛ ولهم عنه تعليق على المدونة تفقه ببلده على ابن مروان الازدي.
توفي سنة أربع واربعين واربعمائة.
стр. 2351
الحسن القرشي
من فقهاء فاس، ألف كتابا سماه التصنيف.
حمزة بن يوسف بن الحرار (١)
من فقهاء فاس، وتوفي بها سنة ثمان وثلاثين (٢)؛ وفي هذه السنة توفي عبد الرحمان بن البان [¬١] اليحصبي - قاضي فاس، وكان من جلتها وفضلائها ونبلائها [¬٢].
أيوب بن محمد
ذكر أنه كان من أهل العلم والرحلة فيه [¬٣] الى بلاد المشرق، ولقي أبا عمران، وغيره من شيوخ القرويين، وكان فقيه المصامدة في وقته.
стр. 2352
أبو القاسم بن عذاراء الفقيه
أخو سليمان بن عذارء، الجزولي، وكان [¬١] من أصحاب اونان بن زللوا اللمطي الفقيه، وأخوه سليمان، القائم بأمر المرابطين بعد عبد الله بن ياسين، وكانت وفاة سليمان سنة اثنين وخمسين (١)
توباوت [¬٢] بن تيدي [¬٣]
من الفقهاء الفضلاء، من المصامدة من هذه الطبقة.
لمتاد بن بلين [¬٤] اللمتوني (٢)
كان من عبادهم وفقهائهم، وهو الذي تولى قتل مسعود ابن وانودى الزناتي، صاحب سجلماسة عند قيام المرابطين وغيرهم إياهم، والمثل يضرب بفتياه في بلاد الصحراء، وتعظيم أمرها الى الان.
стр. 2353
عبد الله بن ياسين الجزولي (١)
ذو الانباء العظيمة، والقصص الغريبة، القائم بدعوة المرابطين، المزين لدولتهم لاول خروجهم؛ كان أولا من طلبة واكاك ابن زلوا اللمطي في داره التي بناها بالسوس للعلم والخير، وسماها دار المرابطين؛ إلى أن مر به رجل من جدالة، يعرف بالجوهري بن سكن، ممن كان يحب الخير - منصرفا من الحج، فرغب إلى واكاك أن يوجه معه رجلا من طلبته، ليعلم قومه العلم، إذ كان الذي عندهم قليلا، وأكثرهم جاهلية ليس عند اكثرهم الا [¬١] الشهادتان، ولا يعرف من وظائف الاسلام سواهما [¬٢]؛ فوجه معه عبد الله بن ياسين، وكان موصوفا بعلم وخير، فسار معه، وفهم له سيره ولقومه، واخذ من الشدة [¬٣] في ذات الله تعالى وتغيير المناكر، وانعزل مع صاحبه في جماعة ممن يقولون بقوله، لتغيير جاهليتهم، وانذارهم ممن اتبعه [¬٤]، ولم يزل يستقريء تلك القبائل، حتى أسلموا [¬٥] على أيديهم، وأظهر الايمان هناك؛ ثم جرت له قصص مع هذا الحاج الجالب له
стр. 2354
ولغيره من الشدة في إقامة الحدود، خاف منها آخرًا على نفسه؛ قيل انه أفتى بقتل الحاج المذكور - لأمر اوجبه عنده، وخرج عن جدالة [¬١] إلى لمتونة، فقام بأمرهم قبل أيام تاشفين بن عمر، وقبل أيام يحيى بن عمر - وهو الذي سماه بأمير المسلمين [¬٢]، وأول من تسمى منهم بذلك؛ فأقام بأمرهم، وجاهد معهم، وقلدوه أمرهم، وأنفذ حدوده في أميرهم فمن دونه؛ ثم توفى يحيى فسلك تلك السبيل مع أخيه أبي بكر بن عمر؛ ولقد ضرب بالسوط أبا بكر بن عمر - وهو اذ ذاك أمير المسلمين، لحق [¬٣] تعين عليه عنده، والكل له مطيع؛ وسيرته في أموره هناك، وتعزيراته معروفة ومحفوظة، يثابر عليها مشيخة المرابطين، ويحفظون من فتاويه وأجوبته ما لا يعدلون عنه؛ وكان أخذ جميعهم بصلاة الجماعة، وعاقب من تخلف عنها عشرة أسواط لكل ركعة تفوته؛ إذ كانوا عنده ممن لا تصح له صلاته [¬٤] إلا مأموما، لجهلهم بالقراءة والصلاة؛ واستقامت للمرابطين بلاد الصحراء بجملتها، وما وراءها من بلاد المصامدة والقبلة والسوس - بعد حروب كثيرة، ثم خرج بالناس لجهاد برغواطة الكفرة، فغزاهم مع أبي بكر بن عمر في جمع عظيم من المرابطين والمصامدة، قيل
стр. 2355
إنهم كانوا في خمسين ألف راجل وراكب، فحل بلادهم تامسنا - وقد فرت برغواطة أمامه في جبالهم وغياضهم، وتقدمت العساكر في طلبهم، وانفرد عبد الله في قلة من اصحابه، فلقيه منهم جمع كبير؛ فقاتلهم قتالا شديدا، فاستشهد ﵀. وذاك سنة خمسين (١) وأربعمائة، وقد بسطنا أخباره في كتاب التاريخ.
ومن أهل بلدنا عبد العزيز بن عبد الرحيم بن أحمد بن العجوز الكتامي
كان فقيها فاضلا، خيرا دينا؛ أخذ عن أبيه، وسمع أحمد ابن محمد، وعبد الملك بن أحمد، ولم تطل حياته؛ وكان صديقا لابن أبي مسلم القاضي، وعلى طريقته في الخير والصيانة، وعليه كان اعتماد ابن أبي مسلم في الفتيا بعد أبيه مع ابن يربوع، وابن غالب؛ أراه توفي في نحو ثلاثين واربعمائة.
стр. 2356
وأخوه: عبد الرحمان أبو القاسم (١)
من أهل الفقه والصلاح، وذو بيت شهير في العلم بسبتة، تقدم ذكر أبيه [¬١]؛ وسمع من أبيه وطبقته، وحج مع ابنه القاضي ابي عبد الله، وسيأتي ذكره (٢)؛ وكان أبو القاسم هذا من رؤوس فقهاء سبتة [¬٢] في وقته ومفتيهم، وعليه دارت الشورى أيام قضاء محمد بن عتاب بعد موت المشيخة قبله؛ وكان حسن الاخلاق، ذا فضل وعلم وعبادة، توفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
عثمان بن سعيد بن حمادة
بصري الاصل، سكن سبتة، تقدم ذكر أبيه (٣)؛ وكان عثمان من أعيان فقهائها ونبهائها، صاحب نظر وكلام وجدال وحجة؛ وتفقه على طريق العراقيين، سمعت أنه لم يكن يقرن به في وقته بسبتة سواه، وأنه لم يكن بالمغرب أقوم منه بحجة، أخرج عن سبتة عند دخول برغواطة بعد الثلاثين للمنافسة [¬٣] التي
стр. 2357
كانت بين أهلها وبين قطاتها [¬١] من أهل بصرة والمغرب، فسكن غرناطة، وله بها عقب.
سعيد بن خلف الله بن ادريس بن سليمان البصري
المعروف بالزناجي، أبو عثمان، سبتى، من أهل الفضل والعلم والدين؛ سمع من عبد الرحيم [¬٢] بن أحمد بن العجوز، ومن أبي عبد الله بن الشيخ، وغيره من أهل بلده؛ وأرى له رحلة وسماعا بالاندلس، وكان منقبضا زاهدا متبتلا، صاحب سلامة وعفاف، وخمول وتقشف وعزلة؛ وكان مقامه ليله ونهاره بمسجده بزقاق الخير، ولم يكن له عيال - أكثر دهره؛ فكان يلازم المسجد المذكور، فيه يكتب ويفتى ويقرأ، ويؤخذ عنه؛ فإن احتاج إلى ضرورة الناس، خرج إلى دار [¬٣] قريبة له [¬٤]، وهناك كان يصنع له غداؤه، ويؤتى به إلى المسجد، وكان أكثر دهره صائما؛ وكان الفقيه أبو عبد الله بن عيسى - شيخنا - يقول: كنت أراه في الجامع قائما يصلي، وربما كان يغلق عينيه لئلا ما يشغله؛ وكان من جملة من يستفتى؛ وذكر أن أبا عبد الله بن عتاب قال لمن سأله بقرطبة من مسألة من السبتيين: أليس عندكم ابن خلف الله؟ - واثنى عليه، وكتب
стр. 2358
بيده كثيرا من الدواوين، قلما رأيت كتابا مشهورا في المذهب، إلا وقع إلي بخطه، وسواء [¬١] ذلك من كتب التفسير أو غيرها.
قاسم بن محمد بن هشام الرعيني (١)
المعروف بابن الماموني، سبتي، شهير البيت بها؛ أخذ عن عبد الرحمان بن العجوز، وابن الشيخ، وابن يربوع، ونظرائهم - بسبتة؛ ورحل إلى الاندلس، فسمع من ابن الدباغ وأبي عمر الباجي؛ ورحل إلى المشرق، فحج ولقي مسلما المالكي؛ وسمع من عبد الوهاب بن منير، وأبي محمد عبد الغني الحافظ، وابي القاسم بن أبي يزيد [¬٢]، وغيرهم من المصريين؛ ثم انصرف فسكن (المرية) (٢)، وقد أخبرت أنه سكن إشبيلية أيام القاسم - قبل هذا، وكانت له بها مكانة (وبقي بالمرية إلى أن مات). (٣) وقد أخذ عنه جلة من مشيختها وغيرهم، وحدثوا عنه؛ منهم: أبو المطرف الشعبي، وأبو بكر بن صاحب الاحباس القاضي، وأبو محمد غانم الاديب، وابنه حجاج بن قاسم - الفقيه، وغيرهم؛ وله كتاب في المناسك، رواه عنه ابنه.
стр. 2359
ومن أهل الأندلس:
أبو بكر محمد ابن قاضي القضاة ابي العباس أحمد بن ذكوان (١)
تقدم ذكر أبيه وجده، قال ابن حيان: قرأ العلم وسمع الحديث، وعكف على النظر، وتوسع في الكتب، حتى كان الحذاق يتباهون بمجالسته؛ وكان قد خططه إثر موت أبيه - وهو شاب - بمكانه، فسلك أشد مسالك أبيه - إلى أن جاء عما قريب أحوذيا نسيج وحده؛ وكان قد جمع اشتات الفضائل مع رفعة المنصب، وعزة القدر والعلم، والرياضة والأدب، وعزة النفس، ولم يكن من نمطه بالاندلس أكثر كتبا منه.
ولاه المعتمد خطة المظالم الخاصية، ثم ولى القضاء بقرطبة بعد موت يونس باجماع اهلها عليه؛ وكان حميد السيرة، شديد المذهب، صليب القناة، حمي الانف؛ رامه الرئيس ابن جهور على أخذ مال الاوقاف، لينفقه في المصالح، فلم يوافقه عليه، وألح [¬١] ابن جهور فيه، فلم يساعده، وسد بابه عن الحكم، فاغتنمت [¬٢] منه.
стр. 2360
وتوفي سنة خمس وثلاثين مخترما - أول كهولته -، ولم يكمل اربعين سنة، مولده سنة خمس وتسعين؛ فحزن الناس لفقده، وأوعبوا لجنازته، وانهالوا [¬١] لقبره [¬٢] مع رئيسهم ابن جهور؛ ورثاه جماعة، منهم: أبو الوليد بن زيدون بقوله:
أعجب لحال السرور [¬٣] كيف تحال … ولدولة العلياء كيف تدال [¬٤]
لا تفسحن للنفس في شأو لها … ان اعتراك [¬٥] بالمنى [¬٦] ضلال
منها:
يا قبره العطر الثرى لا تبعدن … خلق من الفتيان فيك حلال [¬٧]
ما أنت [¬٨] الا الجفن أصبح طيه … نصل عليه من الشباب صقال
منها:
من المعلوم فقد هوى العلم الذي … وسمت به أنواعها [¬٩] الأعقال
من للقضاء يعز [¬١٠] في أثنائه … إيضاح مظلمة لها اشكال
ودعت من عمر عمرت قصيره … بمكارم أعمارهن طوال
стр. 2361
أبو المطرف عبد الرحمان بن أحمد ابن مختار بن سهر الرعيني
كان [¬١] عفيفًا، متصاونًا، يقظانًا، ذكيًا، مصرفًا لمعاني الفقه، بصيرًا بالحساب، من أهل بيت نباهة بقرطبة.
توفي سنة أربع وأربعين (١) وهو ابن أربعين سنة، تقدم ذكر أبيه
أبو الحسن مختار بن عبد الرحمان ابن سهر الرعيني القرطبي (٢)
قال ابن حيان: كان من كملاء رجال قرطبة، جامعا لفنون العلم، مستقلا بها تقلده من الحكم، حسن الاشارة والبلاغة؛ اديبا، فقيها، حاسبا، معدلا، حافظا، جزلا، عزيز النفس؛ ولي قضاء المرية، استجابه [¬٢] اهلها لذلك، على عادتهم من تدافع القضاء بينهم - نفاسة، فلم يزل عليها إلى أن مات؛ ويقال إنه شرب البلادور للحفظ فأورثه سوء مزاج، فلم يزل به إلى أن أهلكه سنة خمس وثلاثين وهو [¬٣] بقرطبة، مولده سنة ثلاث وتسعين
стр. 2362
أبو عبد الله محمد بن سعيد بن أبي زعبل [¬١] (١)
المعروف بابن الرقاق، قرطبي، كان مقدم المفتين في هذه الطبقة نحو سنة، وكان حسن الخلق، سالم القلب [¬٢]، كثير الغفلة والبله، يؤثر له في هذا الباب نوادر محفوظة، ولم يكن له حظ في [¬٣] غير حفظ المسائل، ولم يكن راسخا في علمها، ولا ذا تحقيق بها، وعمر، توفي في رجب سنة أربع وخمسين.
سوار بن أحمد بن سوار (٢)
أبو القاسم، قرطبي.
قال ابن حيان: كان معظما، معززا، معقلا حليما، حسن البشر والتودد، لا يغشى السلطان، ولا يتصرف له؛ ولا يأتي الحكام، ولا يشهد عندهم لعلة أوجبت ذلك؛ ذا معرفة بأخبار بلده وملوكه، فصيح اللسان، حافظا للمسائل، قائما على الشروط، حسن الخط، يشرح العلم ويفتى، إلى أن توفي ﵀ سنة أربع وأربعين.
стр. 2363
وخلفه ابنه عبد الرحمان، وكان حسن الخلق، ذا صيانة وعفة، داخل السلطان، وولي الشورى وقضاء قرطبة، وتوفي سنة أربع وستين (١).
محمد بن عبد الرحمان بن عقبة
قرطبي، من أهل النفاذ في المعرفة، والتفنن في العلم، ولي الشورى أيام المعتمد وهو شاب، ثم مات عما قريب.
أبو القاسم محمد بن محمد بن عبد الله بن أبي الحرث
الثقفي الطائي (٢)، قرطبي، صليب القاة، عفيف الطعمة، مرتسم بالفقه، واقف على كثير من أصول المالكية [¬١].
قال ابن حيّان: (من غير) [¬٢] استبحار في ذلك، قال: ولم يكن بالرضى في كل أموره.
توفي سنة أربع وثلاثين وأربعمائة.
стр. 2364
أحمد بن سعيد بن دينال [¬١] الأموي (١)
قرطبي، أبو القاسم، ممن له عناية في العلم، أخذ عن أبي عيسى، وابن الخراز، وابن مفرج، وابن عون الله، والقلعي، وابن زرب، من الأندلسيين؛ ورحل إلى المشرق، فسمع به، وأخذ عن أبي محمد بن أبي زيد، وله مختصر في وثائق ابن الهندي مستحسن عند أهل الصنعة؛ وكان ثقة، حليما، معلما.
قال الخولاني: كان من أهل العلم والفهم والعدالة، من أصحاب ابن الشقاق، وابن دحون، وصديقا لهما، وعمر واسن؛ حدث عنه أبو عبد الله الخولاني، وابنه أحمد.
توفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة (٢)، مولده سنة سبع وأربعين وثلاثمائة.
عبد الرحمان بن أحمد بن العاصي (٣)
المعروف بولد المنظورة، قرطبي، من أصحاب أبي محمد بن دحون، ويونس القاضي، وممن لا زمهما، وأفاد عندهما؛ وكان طلبه - وهو كبير، فحصل على حظ من علم المسائل
стр. 2365
ودرية فيها؛ وقلد الشورى بقرطبة، وكان المقتدى به آخر وقته عند موت أقرانه، وكان ملازما لمجالس القضاة.
نوفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
أبو عمرو عبد الرحمان بن القرداحي [¬١]
قرطبي، كان أبوه المنبوذ [¬٢] بهذا اللقب - رجلا صالحا، وكان ابنه أبو عمرو هذا - فقيها أديبا حافظا ذكيا، من حذاق [¬٣] أصحاب ابن دحون.
قال ابن حيّان: ولم يكن بالمرضي في نفسه.
توفي - وأبوه - حى سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
أبو عمر أحمد بن عبد الله بن الزبير [¬٤] الثعلبي
كان فقيها ذكيا، حافظا من أصحاب الشيخ ابن دحون.
توفي سنة تسع (١) عشرة.
стр. 2366
ابن سيد (١)
المعروف بابن سرحان المرسى [¬١] (٢) له كتاب في الوثائق، وكتاب في فقهها سماه المفيد.
وتوفي سنة خمسين [¬٢] وأربعمائة.
أبو بكر محمد بن مغيث [¬٣] (٣)
من أهل طليطلة وحكماء فقهائها، المتقدمين [¬٤] في الفتيا والعلم بها؛ وله كلام حسن في الفقه، ونظر جيد، وكان يذهب إلى الحجة والنظر على طريق أبي عمرو بن الفخار، وقد كان يفقه [¬٥] أهل طليطلة.
أبو محمد بن الرحوي
من عظماء هذه الطبقة بطليطلة والرواة [¬٦] والمفتين بها؛ وله رحلة أخذ فيها عن أبي محمد بن أبي زيد بالقيروان، وروي عنه كتبه؛ حدث عنه القاضي أبو الوليد الباجي، وأبو عمر بن مغيث.
стр. 2367
محمد بن إسماعيل بن محمد بن فورتش [¬١] (١)
أبو عبد الله، سرقسطي شهير البيت (بها) [¬٢] في القضاء والنباهة.
قال ابن الفرضي (٢): وهم ينسبون إلى ولاء بني أمية. وحدثني بعض أصحابنا من أهل بلدهم أنهم ينسبون في عذرة. كان أبو عبد الله أحد فقهاء الثغر ورجاله، ولي قضاء بلده؛ حدث عن أبي عبد الله محمد بن نصر بن عاصم، وأبي العاصي حكم بن إبراهيم، وأبي عمر الطلمنكي؛ حدث عنه ابنه القاضي أبو محمد محمد، والقاضي أبو الوليد الباجي، وأبو عبد الله بن الصواف [¬٣] وغيرهم.
محمد بن أيوب بن بسام
من أهل مالقة، وكبير فقهائها [¬٤]، ومشاهير بيوت العلم والقضاء بها؛ وبقى ذلك فيهم إلى وقتنا هذا، وآخر من بقي منهم من أهل النباهة: أبو الحسن جابر بن بسام، وكان [¬٥] مفتيا في
стр. 2368
في بلده في زماننا، نبيلا، عاقلا، سريا توفى بعد عشرين وخمسمائة؛ وأما أكبرهم أبو عبد الله هذا، فكان من كبراء فقهاء بلده ومشاوريهم، ورأسا فيهم - مع ابن بدر، وابن أبي الهيثم، وأبي علي حسون؛ واخد عن ابن المكوي وطبقته، وولى قضاء بلده؛ ووقفت له على أجوبة نبيلة، وكلام في الفقه حسن، واستدراك جيد على المفتين في أحكام ابن زياد القاضي؛ وتحكى [¬١] عنه أخبار في نبله في أمور دنياه طريفة.
أحمد بن محمد بن بدر
من أهل مالقة أيضا، والمشاورين الكبراء في وقته، ولى قضاءها.
ابن أبي الهيثم
من أهل مالقة وكبراء فقهائها - من هذه الطبقة، وولى بها القضاء؛ وألف كلاما في الفقه حسنا. وقفت [¬٢] له على جواب في مسألة غائب عن ماله مدة الزمان؛ فلما انصرف [¬٣]، وجده عند أقوام ادعوا ابتياعه، ولم يثبت أهم ذلك، ولا ظهرت لهم وثيقة به [¬٤]، وطلب منهم
стр. 2369
صاحب الأرض - الغلة، فقال: إذا ثبت الأصل للقائم، وأنه لم يفوته في علم شهوده، ولم يعلم بشراء [¬١] من وجده بيده إلا بقوله؛ فاختلف فيه أصحاب مالك، واختلف فيه أيضا [¬٢] قول مالك: فقال، وقالوا: يحمل على الشراء حتى يتبين [¬٣] خلافه، ويعلم أنه غاصب، ولا غلة عليه؛ وقالوا أيضا: هو كالغاصب، وعليه الغلة حتى يعلم الشراء؛ وقع القولان في أمهات كتبه.
وخالفه أبو علي حسون في المسألة فقال [¬٤]: لا رجوع، ولا أعلم خلافا بين مالك وأصحابه فيمن استحق بيده شيء لا يعلم تفويته فيه - أن لا رجوع عليه بغلة، وإنما يجب الرجوع بالغلة على الغاصب.
علي بن عطاء
قاضي مالقة أيضا في هذا الحين، ومن [¬٥] فقهائهم.
стр. 2370
بسم الله الرحمان الرحيم [¬١]
الطبقة العاشرة
قال القاضي الإمام أبو الفضل [¬٢]﵁: ثم انتقل [¬٣] الفقه في المذهب بعد هذه الطبقة إلى طبقة أخرى بعدها.
فمنهم من أهل المشرق:
أبو يعلى أحمد بن محمد العبدي (١)
إمام المالكية بالبصرة، وصاحب تدريسهم، ومدار فتواهم وذو التواليف في وقته مذهبا وخلافا؛ أخد عن أبي الحسن بن هارون التميمي المالكي، قال شيخنا القاضي الشهير أبو علي حسين بن محمد: كان مشهورا بتقدم وإمامة وصلاح، وكان
стр. 2371
يملي كل (١) جمعة في جامع البصرة، وعلى رأسه مستمليان يسمعان الناس بما يمليه؛ وبه تفقه مالكية البصرة: أبو عبد الله بن صالح، وأبو منصور بن باقي، وغيرهم؛ وسمع منه شيخنا القاضي أبو علي، والقاضي أبو بكر عبيد بن عمران النفزاوي من أهل بلدنا، وعالم عظيم؛ وقد ذكرته في معجم المشيخة، وتأخرت وفاته، فتوفى فيما بلغنى سنة تسع وثمانين وأربعمائة (٢).
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن الطيب الواسطي
قال شيخنا القاضي الشهيد: كان شيخا فاضلا، فقيها، مالكيا؛ وكان خطيب بلد واسط، لقيته بها، وسمت منه، وكان يتعاطى الحديث؛ سمع من الشريف أبي الحسن علي بن عبد الصمد الهاشمي، وغيره؛ وورد بغداد بعد الثمانين، فغرق في الدجلة [¬١]﵀.
стр. 2372
أبو عبد الله محمد بن الفرج المازري [¬١] (١)
المعروف بالذكي، صقلي الأصل، سكن قلعة بني حماد، ثم خرج إلى المشرق، فدخل [¬٢] العراق، وسكن أصبهان - إلى أن مات بها؛ وكان فقيها حافظا، مدركا نبيلا، فهما متقدما في علم المذهب واللسان، متفننا في علوم القرآن وسائر المعارف؛ أخذ عن شيوخ بلده، وأخذ بالقيروان عن السيوري، والخرقي، وغيرهما؛ وحكي أن السيوري كان يقول: ابن الفرج أحفظ من رأيت، فقيل له: تقول هذا - وقد رأيت أبا بكر بن عبد الرحمان وأبا عمران الفاسي! فقال: هو أحفظ من رأيت.
وكان القاضي أبو عبد الله بن داود يقول: شيخنا الذكي أفقه من أبي عمران، ومن كل مالكي، وحتى فضله [¬٣] على إسماعيل بن إسحاق القاضي! تفقه به في المغرب [¬٤] أبو الفضل بن النحوي، والقاضي أبو عبد الله بن داود؛ وحمل عنه أدب كثير، وعلم جم؛ وألف في علوم القرآن كتابًا كبيرا
стр. 2373
سماه الاستيلاء، وله تعليق كبير في المذهب مستحسن، وخرج على أنه ألف سؤال؛ وعنده تفقه أبو الفضل بن النحوي، وأبو عبد الله بن داود، والقاضي، وغيرهما.
بقية أخباره
ولما صعد إلى المشرق، ودخل بغداد، وجد مذهب مالك بها قد درس، وقل طالبه، فلم يحصل له بالفقه رئاسة هناك، ولتقدم أهل المشرق في جماعة النظر، وحذق الجدل [¬١] الذي بذلك تقدم أئمتهم؛ فرأس بالنحو، وعلم للسان [¬٢] واستصحبه القيم بالخلافة بها إذ ذاك الملك العادل أبو الفتح، واشخصه إلى أصبهان لتدريس بنيه [¬٣] الأدب؛ فذهب [¬٤] علمه بالسنة هناك ضياعا، ولم يبلغني أن أحدا أخذ هناك عنه؛ ويقال أن سبب هذا دعاء الشيخ أبي القاسم السيوري عليه، فإنه يحكى أنه (كان) [¬٥] كثيرا ما يسيء الأدب معه، ويتتبع [¬٦] سقطاته، حتى جمع من فتاويه نحو ثلاثين مسألة: ادعى عليه الخطأ فيها، فأنكرها الشيخ، وكتب إلى أصحابه [¬٧]، لا تسمعوا منه، فإنه كذاب، فأسقطه بهذا.
стр. 2374
وتوفي بأصبهان بعد الخمسمائة بعد أن جرت له بها حروب في مطالبة الغزالي، وكان أحد القائمين عليه هناك، لكنه حمى عنهم، فلم يصلوا إليه؛ والله العالم بالسرائر، لا إله غيره.
ومن أهل مصر:
أبو محمد التونسي
سكن مصر، وكان فقيها مالكيا، وكان مفتي مصر في وقته؛ أخبرني بخبره شيخنا الأستاذ الخطيب أبو القاسم خلف بن إبراهيم المقرئ، وقال لي: لقيته بمصر، قال: وأفتى بقطع نخلة لبعض المصريين لاضرارها، فبلغ ذلك من صاحبها مبلغا، وكان شاعرا، فقال في رثاء نخلته أشعارا كثيرة؛ ونال (من) التونسي [¬١]: فيها وذمه.
يحيى بن حمود الإسكندراني
فقيها في وقته، وحائز رئاسته؛ كان بها معظما، عليه اعتماد أهلها؛ ذكر أبو الحسن بن يريه، قال: قال لي يحيى بن حمود الفقيه: هل لك في أن تزور غدا الفقيه أبا بكر محمد بن إبراهيم الحنيفي، فقلت: لا، لأنه بخاري المذهب، فلما بت، رأيته في النوم كأنه مقبل من البحر يمشي على الماء - وأنا وابن
стр. 2375
حمود وآخر - وقوف على الساحل، فلما وصل إلينا، أقبل على ابن حمود وصاحبه، وسلم عليهما وانصرف [¬١]، وأعرض عني؛ فلما أصبحت، استغفرت الله من سوء ظني به، وسرت إلى ابن حمود فجئناه زائرين.
محمد بن الفرج بن عبد الولي الأنصاري (١)
الطليطلي، يعرف بالصواف، سكن مصر وحدث بها؛ روى عن أشياخ بلده. وكان قد كتب عن جماعة، منهم: أبو الوليد، ومحمد بن الحسين بن السماك، وأبو العباس بن بندار الرازي.
قال الرازي في مشيخته: كان فقيها مالكيا، وغلبت [¬٢] عليه الرواية؛ حدث عنه الأمير أبو نصر بن ماكولا، وأبو العباس أحمد بن إبراهيم الرازي، وابنه، وعلي بن مشرف بن مسلم؛ وحدثنا عنه شيخنا أبو القاسم بن النخاس المقرئ (٢).
стр. 2376
ومن أهل إفريقية:
أبو محمد عبد الحميد بن محمد القروي [¬١] (١)
المعروف بابن الصائغ، قيرواني، سكن سوسة، أدرك صغيرا أبا بكر بن عبد الرحمان، وأبا عمران؛ وتفقه بالعطار، وابن محرز، والمولي [¬٢]، والتونسي، والسيوري، وسمع أبا ذر الهروي؛ وكان فقيها نبيلا، فهما فاضلا، أصوليا، زاهدا، نظارا، جيد الفقه، قوي العارضة، محققا؛ وله تعليق على المدونة، أكمل بها الكتب التي بقيت على التونسي، وبه تفقه أبو عبد الله المازي المهدوي، وأبو علي بن علي بن البربري، وأبو الحسن الجربي [¬٣]؛ وأخذ عنه من أهل الأندلس، أبو بكر بن عطية، وأصحابه يفضلونه على أبي الحسن اللخمي قرينه تفضيلا كثيرا.
جمل من أخباره
لما أراد تميم بن المعز صاحب المهدية تولية أبي الفضل بن شعلان قضاءها، شرط ابن سعدان أن لا يتقلد ذلك إلا باستجلاب عبد الحميد إلى المهدية ليقوم بفتواها، إذ لا يرى
стр. 2377
استفتاء أحد من فقهائها، لأمور نقمها عليهم، فجلب له؛ فلزم المهدية، ودارت عليه فتواها، فلما تشعبت [¬١] سوسة على تميم، قبض على جماعة - فيهم ولد عبد الحميد، فضربه وأغرمه ستمائة دينار باع فيها عبد الحميد (١) كتبه؛ وكان سبب انقباض عبد الحميد عن الفتيا، فلقيه بعد ذلك تميم، واعتذر إليه، فلم ينفعه، ولزم الانقباض والتزام داره، وأظهر التجاؤر، ولم ينتفع به في شيء، وجعل لا يجالس أحدا، وتحيل في الخروج إلى سوسة لعلة المعاناة لحسن هوائها، فبقى على حالته تلك ستة أعوام إلى أن دخل الأفرنج [¬٢] المهدية، واستباحوا أهلها، ودخلوا جل قصر صاحبها، وذلك سنة ثمانين؛ فانكسر بعد ذلك تميم، وفل غربه، وهان على الناس وداراهم؛ فظهر عبد الحميد، وراجع حالته الأولى، وأفتى ودرس، وانتفع به إلى أن مات.
حكي لي [¬٣] أن الفقيه أبا علي حسان المهدوي [¬٤]، قال: رحلت إلى سوسة إلى عبد الحميد للأخذ عنه، فلما لقيته، رحب بي، ثم قال لي: من الحق أن لا أدخرك نصيحة شيخي الذي أخذت عنه وأفخر به، أبو القاسم السيوري - إلى الآن حي، وإنما بيننا وبينه
стр. 2378
مسيرة كذا، وإن شغلت بالأخذ عني [¬١]، فاتك منه خير كثير؛ وإن لقيته، لم أفتك - إن شاء الله - بتبليغي عن مثلي، فانهض إليه، وستدركني - إن شاء الله.
قال: فشكرته فخرجت إلى السيوري، وخرج معي الشيخ مشيعا؛ فلما ودعته، وجئت لأركب، أخذ بركابي، وغلبني على ذلك، وقال لي: أنت تمشي في خير، فعونك عليه فيه أجر، أو نحو هذا؛ قال: فلقيت السيوري، وأخذت عنه تعليقه مدة، ثم لحقت أملي من عبد الحميد بعد ذلك.
وتوفي [¬٢] عبد الحميد سنة ست وثمانين وأربعمائة (١).
أبو إسحاق بن منصور القفصي
كان من فقهاء افريقية وفضلائها وفهمائها [¬٣]، من أصحاب أبي بكر بن عبد الرحمان وطبقته؛ وصحب أبا الطيب الخلدوني، وأبا إسحاق التونسي، والسيوري؛ وغيرهم؛ أثنى عليه بالعلم البارع - والد القاضي عبد الله بن داود، وذكر لنا أن شيخه أبا عبد الله الذكي كان يثني عليه كثيرا ويقول: ما اجتمع لأحد من أهل افريقية من المعرفة ما اجتمع لابي إسحاق، أو كما قال؛ أراه سكن طرابلس، وأصله من قفصة، وبها كان مدة.
стр. 2379
أبو محمد عبد الله بن عبد العزيز التميمي
يعرف بابن عزوز [¬١]، نزل المهدية، من أصحاب أبي بكر، وأبي عمران؛ وكان أحد الأربعة: فقهاء الدين، خرجوا من فقهاء القيروان - بعد خرابها عنها، وهم: عبد الحميد المهدي [¬٢]، وأبو الحسن اللخمي، وأبو محمد هذا، وأبو الرجال المكفوف؛ وكان أبو محمد هذا فقيهًا فاضلا مفتيًا، به تفقه حسان، والقاضي ابن شعلان [¬٣]، والقاضي ابن اللبيدي، وغير واحد؛ وكان رأس الفقهاء بالمهدية في وقته، وكان من أقوم [¬٤] الناس على كتب المدونة، وأبحثهم على أسرارها، وإثارة [¬٥] الخلاف من أثرها؛ وكان حسان الفقيه [¬٦] يرفع به جدًا، ويصفه بفهم عظيم! وكان من أهل العبادة والفضل، يقال إنه أفتى ابن نيف وعشرين، وأريد على القضاء [¬٧] فامتنع.
توفي - فيما أظن - في نحو [¬٨] ثلاث وسبعين (١).
стр. 2380
أبو الحسن علي بن محمد الربعي (١)
المعروف باللخمي، وهو ابن بنت اللخمي [¬١]، قيرواني، نزل سفاقس؛ تفقه بابن محرز، وأبي الفضل ابن بنت خلدون، وأبي الطيب، والتونسي، والسيوري؛ وظهر في أيامه، وطارت فتاويه، وكان السيوري [¬٢] سيء الرأي فيه، كثير الطعن عليه؛ وكان أبو الحسن فقيهًا فاضلا، دينًا متفننًا، ذا حظ من الأدب والحديث، جيد النظر، حسن الفقه، جيد الفهم؛ كان فقيه وقته، وأبعد الناس صيتًا في بلده؛ وبقي بعد أصحابه، فحاز رئاسة بلاد افريقية جملة، وتفقه به جماعة من السفاقسيين، وغيرهم؛ وأخذ عنه أبو عبد الله المازري، وأبو الفضل بن النحوي، وشيخنا أبو علي الكلاعي، وعبد الحميد [¬٣] السفاقسي، وعبد الجليل بن فورق [¬٤]، وغير واحد؛ وله تعليق كبير على المدونة، سماه التبصرة، مفيد حسن، وهو مغرى بتخريج الخلاف في المذهب؛ واستقراء الأقوال، وربما تبع نظره، فخالف المذهب فيما ترجح عنده، فخرجت اختياراته في الكثير عن قواعد المذهب؛ وكان حسن الخلق، مشهور الفضل، توفي سنة ثمان وسبعين.
стр. 2381
أبو حفص عمر القمودي (١)
قيرواني، نزل سفاقس، وكان فقيهًا أديبًا مفتيًا، من حفاظ المدونة والقائمين عليها، ومن حفاظ الشعر؛ أخذ عن أبي بكر، وأبي عمران، وصحب السيوري.
ذكر بعض أصحابه قال: لما ودعني الفقيه أبو حفص أنشدني قوله:
هيجوا للبين برقًا فلمع … وأثاروا دمع عيني فاندفع
ودعوا قلبي فلما جاءهم … أوقفوه بين يأس وطمع
أبو سعيد القصار
قيرواني، من فقهائها، من أصحاب أبي بكر بن عبد الرحمان، وكان أكثر فقهه فيما يقال في البيوع والأقضية.
أبو الرجال المكفوف
قيرواني، فقيه فاضل، أراه سكن المهدية.
стр. 2382
مكي
المعروف بالبياني، يكنى - فيما أظن - بأبي يحيى، أخذ عن السيوري، وأبي إسحاق، وكان فقيهًا، توفي بعد الثمانين.
أبو عبد الله محمد السلمي
قيرواني، سكن المهدية، وكان فقيهاً مفتيًا، حاذقاً، من أصحاب التونسي، وبقى بعد أصحابه، فكان آخرهم وفاة.
أبو عبد الله محمد بن معاذ التميمي
قيرواني، سكن آخراً المهدية؛ سمع أبا ذر الهروي [¬١]، وأبا عمران الفاسي، سمع منه أبو بكر بن عطية.
أبو عمران موسى
المعروف بالشعيري، مهدوي، من فقهائها، وقتله الافرنج عند دخولهم المهدية سنة ثمانين.
стр. 2383
أبو بكر بن أبي طاعة (١)
من أهل العلم، من أصحاب أبي عمران الفاسي.
أبو محمد عبد الله بن حسن الجيفري
بجيم مكسورة، بعدها ياء باثنتين من أسفل، وفاء مكسورة وراء؛ مهدوي، من فقهائها ومفتيها؛ وكان له معرفة بالحديث ورجاله، وتوفى الجيفري سنة احدى أو اثنين وثمانين.
أبو عبد الله محمد بن سعدون بن علي بن بلال القروي (٢)
تفقه بالقيروان على جماعة، وسمع من شيوخها، كابن الاجدابي، وأبي بكر بن عبد الرحمان، وأبي علي الزيات، والبوني، واللبيدي، ومكي القرشي، وأبي سعيد، وابن عمران الفاسي، والسيوري، وأبي عبد الله المعروف بالمالكي، وغيرهم؛ ثم حج، فسمع بمكة من ابن صخر، وأبي بكر المطوعي، وأبي ذر الهروي؛ وسمع بمصر من أبي ربيعة، وابن الطفال، وأبي الحسن بن منير، وأبي العباس بن يعيش، وأبي العباس بن
стр. 2384
النحاس، وابن باب شاذ، وسمع أيضًا من جماعة غير هؤلاء؛ وكان فقيهًا، حافظًا للمسائل، نظارًا فيها على مذهب القرويين [¬١]، حسن اللسان؛ وألف اكمال التعليق للتونسي على المدونة. واشتغل بالتجارة فطاف ببلاد المغرب والاندلس، وأخذ عنه هناك الناس، وسمعوا منه كثيرًا، ولم يكن له أصول حسنة؛ سمع منه بالاندلس جماعة من [¬٢] شيوخها. فيهم من شيوخنا أبوا علي الحافظان [¬٣]، وأبو بحر [¬٤] سفيان بن العاصي؛ ومن غيرهم ابنا مفوز، وابنا مريد [¬٥]، في أخرى؛ وسمع منه ببلدنا شيخانا [¬٦] القاضي أبو عبد الله التميمي، وأبو علي النحوي، وغيرهم. (وله تأليف في ذم بني عبيد وأفعالهم القبيحة بالقيروان، وغيرها) (١).
وتوفي بأغمات في جمادى الاولى من سنة ست وثمانين وأربعمائة، مولده عام ثلاثة عشر (٢).
стр. 2385
أبو بكر الصقلي (١)
ويقال أبو عبد الله محمد بن يونس، صقلي، وكان فقيهًا، فرضيًا، حاسبًا؛ أخذ عن القاضي أبي الحسن الحصائري، وعتيق ابن الفرضي، وأبي بكر بن أبي العباس، وكان ملازمًا للجهاد، موصوفًا بالنجدة.
وألف كتابًا في الفرائض، وشرحًا كبيرًا للمدونة (٢)، عليه اعتماد الطالبين بالغرب للمذاكرة.
أبو الحسن علي بن عبد الجبار
المعروف بابن الكحوني، من فقهاء صقلية، وكان نبيلا أديبًا، وهو القائل - يرثى صقلية عند الحادث [¬١] بها من الفتنة -:
قد كانت الدار [¬٢] وكنا بها … في ظل عيش ناعم رطب
مد عليها الأمن أستاره … فسار ذكراها مع الركب.
لم يشكروا نعمة ما خولوا … فبدلوا الملح من العذب