← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

أبو حفص عمر القمودي (١) قيرواني، نزل سفاقس، وكان فقيهًا أديبًا مفتيًا، من حفاظ المدونة والقائمين عليها، ومن حفاظ الشعر؛ أخذ عن أبي بكر، وأبي عمران، وصحب السيوري. ذكر بعض أصحابه قال: لما ودعني الفقيه أبو حفص أنشدني قوله: هيجوا للبين برقًا فلمع … وأثاروا دمع عيني فاندفع ودعوا قلبي فلما جاءهم … أوقفوه بين يأس وطمع أبو سعيد القصار قيرواني، من فقهائها، من أصحاب أبي بكر بن عبد الرحمان، وكان أكثر فقهه فيما يقال في البيوع والأقضية. أبو الرجال المكفوف قيرواني، فقيه فاضل، أراه سكن المهدية.

стр. 2382

مكي المعروف بالبياني، يكنى - فيما أظن - بأبي يحيى، أخذ عن السيوري، وأبي إسحاق، وكان فقيهًا، توفي بعد الثمانين. أبو عبد الله محمد السلمي قيرواني، سكن المهدية، وكان فقيهاً مفتيًا، حاذقاً، من أصحاب التونسي، وبقى بعد أصحابه، فكان آخرهم وفاة. أبو عبد الله محمد بن معاذ التميمي قيرواني، سكن آخراً المهدية؛ سمع أبا ذر الهروي [¬١]، وأبا عمران الفاسي، سمع منه أبو بكر بن عطية. أبو عمران موسى المعروف بالشعيري، مهدوي، من فقهائها، وقتله الافرنج عند دخولهم المهدية سنة ثمانين.

стр. 2383

أبو بكر بن أبي طاعة (١) من أهل العلم، من أصحاب أبي عمران الفاسي. أبو محمد عبد الله بن حسن الجيفري بجيم مكسورة، بعدها ياء باثنتين من أسفل، وفاء مكسورة وراء؛ مهدوي، من فقهائها ومفتيها؛ وكان له معرفة بالحديث ورجاله، وتوفى الجيفري سنة احدى أو اثنين وثمانين. أبو عبد الله محمد بن سعدون بن علي بن بلال القروي (٢) تفقه بالقيروان على جماعة، وسمع من شيوخها، كابن الاجدابي، وأبي بكر بن عبد الرحمان، وأبي علي الزيات، والبوني، واللبيدي، ومكي القرشي، وأبي سعيد، وابن عمران الفاسي، والسيوري، وأبي عبد الله المعروف بالمالكي، وغيرهم؛ ثم حج، فسمع بمكة من ابن صخر، وأبي بكر المطوعي، وأبي ذر الهروي؛ وسمع بمصر من أبي ربيعة، وابن الطفال، وأبي الحسن بن منير، وأبي العباس بن يعيش، وأبي العباس بن

стр. 2384

النحاس، وابن باب شاذ، وسمع أيضًا من جماعة غير هؤلاء؛ وكان فقيهًا، حافظًا للمسائل، نظارًا فيها على مذهب القرويين [¬١]، حسن اللسان؛ وألف اكمال التعليق للتونسي على المدونة. واشتغل بالتجارة فطاف ببلاد المغرب والاندلس، وأخذ عنه هناك الناس، وسمعوا منه كثيرًا، ولم يكن له أصول حسنة؛ سمع منه بالاندلس جماعة من [¬٢] شيوخها. فيهم من شيوخنا أبوا علي الحافظان [¬٣]، وأبو بحر [¬٤] سفيان بن العاصي؛ ومن غيرهم ابنا مفوز، وابنا مريد [¬٥]، في أخرى؛ وسمع منه ببلدنا شيخانا [¬٦] القاضي أبو عبد الله التميمي، وأبو علي النحوي، وغيرهم. (وله تأليف في ذم بني عبيد وأفعالهم القبيحة بالقيروان، وغيرها) (١). وتوفي بأغمات في جمادى الاولى من سنة ست وثمانين وأربعمائة، مولده عام ثلاثة عشر (٢).

стр. 2385

أبو بكر الصقلي (١) ويقال أبو عبد الله محمد بن يونس، صقلي، وكان فقيهًا، فرضيًا، حاسبًا؛ أخذ عن القاضي أبي الحسن الحصائري، وعتيق ابن الفرضي، وأبي بكر بن أبي العباس، وكان ملازمًا للجهاد، موصوفًا بالنجدة. وألف كتابًا في الفرائض، وشرحًا كبيرًا للمدونة (٢)، عليه اعتماد الطالبين بالغرب للمذاكرة. أبو الحسن علي بن عبد الجبار المعروف بابن الكحوني، من فقهاء صقلية، وكان نبيلا أديبًا، وهو القائل - يرثى صقلية عند الحادث [¬١] بها من الفتنة -: قد كانت الدار [¬٢] وكنا بها … في ظل عيش ناعم رطب مد عليها الأمن أستاره … فسار ذكراها مع الركب. لم يشكروا نعمة ما خولوا … فبدلوا الملح من العذب

стр. 2386

أبو حفص عمر بن عبد النور [¬١] (١) يعرف بابن الحكار، صقلي، فاضل، عالم، نظار، محقق، حسن الكلام والتأليف، أديب، شاعر [¬٢] حسن القول؛ وله في المدونة شرح كبير نحو ثلاثمائة جزء، وانتقد على التونسي ألف مسألة، واختصر كتاب التمامات. أنشد له جامع شعر الصقليين - قوله: تأملت علم المرتضين أولي النهى … فأفضلهم من ليس في جده لعب ومن فقهه مستنبط من حديثه … رواه بتصحيح الرواية وانتخب وما مالك الا الهدى ولذا اهتدى … به أمم من سائر العجم والعرب حكي أن شابًا من فقهاء صقلية وحفاظها - وهو أبو القاسم ابن الحداد - وكان ممن يفتي [¬٣]- تقدم مرة بين يدي الشيخ أبي حفص، فأصلح له قرفه أو نعله، فقال له: اصفعني به يا أبا القاسم ولا تفتني في دين الله (٢).

стр. 2387

ابن فرجوج [¬١] صقلي، موصوف بالعلم، له تأليف رتب فيه تمهيد البراذعي على نسق كتاب المدونة، رأيت له أسماء تعاليق وتصانيف كثيرة. أبو العباس أحمد بن محمد الكلامي أحد فقهاء صقلية ونبلائها من هذه الطبقة، وكان أديبًا شاعرًا ظريفًا [¬٢]. ابن القابلة [¬٣] صقلي، من فقهاء هذه الطبقة (١).

стр. 2388

ومن أهل الأندلس: القاضي أبو الوليد الباجي (١) واسمه سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث الباجي، أصلهم من بطليوس، ثم انتقلوا إلى باجة الاندلس، ثم سكنوا قرطبة، واستقر أبو الوليد بشرق الاندلس. أخذ بالاندلس عن ابن الرحوي، وأبي الاصبغ بن أبي درهم، وأبي محمد مكي، وأبي شاكر [¬١] القبري خاله، ومحمد بن اسماعيل بن فورتش، وأبي سعيد الجعفري، والقاضي يونس بن مغيث؛ ورحل سنة ست وعشرين او نحوها فيما قاله الجياني، فأقام بالحجاز مع أبي ذر ثلاثة أعوام، حج فيها أربع حجج، وكان يسكن معه بالسراة ويخدمه، ويتصرف له في حوائجه؛ وسمع أيضًا هناك [¬٢] من أبي بكر المطوعي، وأبي بكر بن سنجويه وابن محرز، وابن محمود الوراق ورحل إلى بغداد، فأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه، ويسمع الحديث على أئمتها، فلقى بها جلة من الفقهاء كأبي، الفضل بن عمروس امام [¬٣] المالكية، وأبي الطيب الطبري، وأبي اسحاق ابراهيم بن علي الشيرازي الشافعي، وأبي عبد الله

стр. 2389

الدامغاني، والصيمري رئيس الحنفية؛ وسمع بها من أبي اسحاق البرمكي، واقش العشاري [¬١]، وابن فشيش النحوي، وغلام الابهري، وأبي عبيد الله الطوري [¬٢]، وأبي بكر الخطيب، وأبي النجيب الارموني، وأبي الحسن العتيقي، وأبي الفتح الطباحري [¬٣]، وابن حمامة، وأبي علي [¬٤] العطار، وأبي القاسم التنوخي [¬٥]، وأبي الحسن ابن زوج الحرة، وأبي منصور السواق، وأبي رزمة، وغيرهم؛ ودخل الشام، فسمع بها من السمسار وطبقته، وسمع بمصر من أبي محمد بن الوليد. وغير واحد؛ ودخل الموصل فأقام بها عامًا يدرس على السمناني في الاصول، وحاز علمًا كثيرًا. قال الجياني: وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عامًا. وجل قدره بالمشرق والاندلس، وسمع منه بالمشرق، وحاز الرئاسة بالاندلس؛ فأخذ عنه بها علم كثير، وسمع منه جماعة، وتفقه عليه خلق (كثير). فيمن تفقه عنده وسمع منه: الامام أبو بكر الطرطوشي، وابنه القاسم، وأبو محمد بن أبي قحافة، وابن القاسم ابن رهفون [¬٦]، وأبو الحسن بن مفوز، وغيرهم؛ وشيخنا القاضي أبو

стр. 2390

عبد الله بن شبرين، وسمع (منه) [¬١] من شيوخنا سواه - أبوا علي الحافظان، والقاضي أبو القاسم المعافري من أهل بلدنا، والفقيه أبو محمد بن أبي جعفر، وأبو محمد سفيان بن العاص، وغير واحد؛ وكان أكثر تردد أبي الوليد بشرق الاندلس ما بين سرقسطة وبلنسية ومرسية ودانية، ولم يكن بالاندلس قط أتقن منه للمذهب، وبلغني أن أبا محمد بن حزم الظاهري - على بعد ما بينهما - كان يقول: لم يكن للمالكية بعد عبد الوهاب مثل أبي الوليد. مكانته من العلم [¬٢] وثناء الجلة عليه كان أبو الوليد ﵀ فقيهًا، نظارًا، محققًا، راوية، محدثًا، يفهم صنعة الحديث ورجاله، متكلمًا، أصوليًا، فصيحًا. شاعرًا، مطبوعًا، حسن التأليف، معين المعارف؛ له في هذه الانواع تصانيف مشهورة جليلة، ولكن أبلغ [¬٣] ما كان فيها في الفقه [¬٤] واتقانه على طريق النظار من البغداديين وحذاق القرويين، والقيام بالمعنى والتأويل؛ وكان وقورًا، بهيًا [¬٥]، مهيبًا، جيد القريحة، حسن الشارة [¬٦]؛ والذي ذكره الأمير أبو نصر بن الماكولا في

стр. 2391

اكماله فقال: هو من باجة الاندلس، متكلم، فقيه، أديب، شاعر؛ رحل إلى المشرق، فسمع بمكة من أبي ذر، وبالعراق من البرمكي وطبقته؛ ودرس الفقه على الشيرازي، (والكلام على السمناني؛ ورجع إلى الاندلس فروى ودرس وألف) [¬١]، وكان جليلا، رفيع القدر والخطر؛ وقد روى عنه الخطيب أبو بكر، وسألت عنه شيخنا قاضي قضاة الشرق أبا علي الصدفي الحافظ صاحبه، فقال لي: هو أحد أئمة المسلمين، لا يسأل عن مثله، ما رأيت مثله! وكان القاضي أبو عبد الله بن شبرين يثني عليه كثيرًا، وكذلك شيوخنا [¬٢]: أبو اسحاق بن جعفر الفقيه، وقاضي القضاة أبو محمد بن منصور، ويربون [¬٣] به جيدًا، ويفضلونه ويفضلون كتبه. وذكره الامام أبو بكر الطرطوشي فقال: ذكر أستاذنا أبي الوليد الباجي قال لي القاضي لما ورد علينا بغداد أبو القاسم ابن القاضي أبي الوليد، سرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة ابن بكران الشاشي [¬٤]، وكان ممن صحبه أبو الوليد قديمًا ببغداد، وعلق عنه؛ فلما دخلنا [¬٥] عليه قلت له - أعزك الله -: هذا ابن شيخ الاندلس، فقال لي: لعله ابن الباجي، فقلت: نعم، فأقبل عليه.

стр. 2392

ذكر جمل من أخباره وكان ﵀ في رحلته وأول وروده الأندلس مقلا من دنياه، حتى احتاج في سفره إلى القصد بشعره، واستئجار نفسه مدة مقامه ببغداد فيما - سمعته مستفيضًا - لحراسة درب، فكان يستعين بإجارته على نفقته، وبضوئه [¬١] على مطالعته، ثم ورد الأندلس وحالته ضيقة، فكان يتولى ضرب ورق الذهب للغزل والانزال. ويعقد الوثائق. فلقد حدثني ثقة من أصحابه - والخبر بذلك مشهور - أنه كان حينئذ يخرج الينا إذا جئنا للقراءة عليه، وفي يده أثر المطرقة رصد العمل، إلى أن فشا علمه، وشهرت تواليفه، فعرف حقه، وهمت به الدنيا [¬٢]، وعظم جاهه، وقربه الرؤساء وقدروه قدره [¬٣]، واستعملوه في الأمانات والقضاء، وأجزلوا صلاته؛ فاتسعت حاله، وتوفر كسبه، حتى مات عن مال وافر خطير، وكان يصحب الرؤساء، ويرسل بينهم، ويقبل جوائزهم، وهم له على غاية البر، فكثر القيل فيه من أجل هذا، وولى قضاء مواضع من الأندلس تصغر عن قدره، كأريولة وشبهها، فكان يبعث إليها

стр. 2393

خلفاءه وربما قصده المرة بنفسه؛ ووجد عند وروده بالأندلس لابن حزم الداودي صيتًا عاليًا، وظاهرات منكرة، وكان لكلامه طلاوة، وقد أخذت قلوب الناس، وله تصرف في فنون تقصر عنها ألسنة فقهاء الأندلس في ذلك الوقت، لقلة استعمالهم النظر، وعدم تحققهم به، فلم يكن يقوم مفهم أحد بمناظرته، فعلا بذلك شأنه، وسلموا الكلام له على اعترافهم بتخليطه، فحادوا عن مكالمته؛ فلما ورد أبو الوليد الأندلس - وعنده من التحقيق والإتقان والمعرفة بطرق الجدل والمناظرة - ما حصله في رحلته أمه الناس لذلك، فجرت له معه مجالس كانت سبب فضيحة ابن حزم، وخروجه عن ميورقة؛ وقد كان رأس أهلها، ثم لم يزل أمره في سفال فيما بعد؛ وقد ذكر أبو الوليد في كتاب الفرق من تأليفه [¬١] (من مجالسه قلك) ما يكتفي به من يقف عليه. محنته ولما ألف أبو الوليد رسالته المسماة بتحقيق المذهب في أن النبي ﷺ كتب، وكان أصل ذلك أنه قرئ عليه بدانية في كتاب البخاري حديث المقاضاة، فمر في حديث إسرائيل، فتكلم أبو الوليد على الحديث ومن قال بظاهر [¬٢]

стр. 2394

هذا اللفظ فأنكره عليه ابن الصائغ، وكفره بإجازة الكتابة على النبي الأمي، وإن هذا تكذيبًا للقرآن. وأغلى مع جمل من أشياعه في الإنكار والشناعة عليه، وقبحوا عند العامة ما أتى فيه [¬١]، وأكثر القالة فيه من لم يفهم غرضه، حتى أطلق عليه اللعنة غلاتهم [¬٢]، وضمنوا البراءة منه - أشعارهم، حتى [¬٣] قام بذلك بعض خطبائهم في الجمع، وفي ذلك يقول عبد الله بن هند الشاعر: برئت ممن شرى الدنيا بآخرة … وقال ان رسول الله قد كتبا - في قطعة [¬٤]. أخبرني الثقة أنه سمع خطيب دانية ضمنها خطبته يوم الجمعة، فأنشدها على رؤوس الناس [¬٥]، فأخذ أبو الوليد ﵀ فألف هذا الكتاب، بين فيه وجوه المسألة لمن (لم) [¬٦] يفهمها، وأنها لا تقدح في المعجزة، كما لم تقدح القراءة في ذلك بعد ان لم يكن قارئًا، بل (في) [¬٧] هذا معجزة أخرى، وأطال في ذلك الكلام، وذكر من قال بهذا القول من العلماء؛ وكان المقرئ أبو محمد بن سهل من أشد الناس عليه في ذلك، ولم ينكر عليه أولو التحقيق في العلم والمعرفة بأسراره وحقائقه

стр. 2395

شيئًا من قوله، وكتب بالمسألة إلى شيوخ صقلية وغيرها، فأنكروا إنكارهم عليه، وأثنوا عليه، وسوغوا تأويله؛ منهم؛ ابن الخراز ممن قد ذكرنا ثناءه عليه في الباب المقدم. ذكر تصانيفه من ذلك في الفقه والمعاني كتابه المنتقى في شرح الموطأ - عشرين مجلدًا [¬١]، لم يؤلف مثله، وكان ابتدأ كتابًا أكبر منه بلغ فيه الغاية، سماه الاستيفاء في هذا المعنى، لم يصنع منه غير الطهارة - في مجلدات، ثم اختصر من المنتقى كتابا آخر سماه الإيماء - خمس مجلدات، وكتاب السراج في عمد الحجاج في مسائل الخلاف كبيرا لم يتم، والكتاب المقتبس في علم مالك بن أنس، - لم يتم أيضًا، وكتاب المهذب في اختصار المدونة، وهو اختصار حسن، وشرح المدونة - لم يتم، ومختصر المختصر في مسائل المدونة، ومسألة مسح الرأس، ومسألة غسل الرجلين، ومسألة اختلاف الزوجين في الصداق، وغير ذلك؛ ومن تواليفه في الحديث: كتاب اختلاف الموطآت، وكتاب التعديل والتجريح، لمن [¬٢] خرج عنه البخاري في الصحيح؛ ومن كتبه في الأصول والكلام: كتاب: التسديد إلى معرفة طرق التوحيد، وكتاب

стр. 2396

إحكام الفصول، في أحكام الأصول، وكتاب الاشارة في الأصول، وكتاب الحدود وكتاب تفسير المنهاج في ترتيب طرق الحجاج؛ وتواليفه كثيرة مفيدة، ككتاب سنن الصالحين، بتسنن العابدين، وكتاب سبيل المهتدين، وكتاب تهذيب الزاهي [¬١] لابن الأنباري، وتفسير القرآن - لم يتم، والناسخ والمنسوخ - لم يتم، وكتاب فرق الفقهاء، وكتاب الانتصار، لاعراض الأئمة الأخيار، وغير ذلك. بقية أخباره [¬٢] ووفاته وكان مطبوع القول، مثقف الشعر، وقد ألف أبو القاسم ابنه [¬٣] شعره، ومن شعره المشهور، ما أنشده أبو بكر الخطيب [¬٤] الحافظ البغدادي، قال: أنشدني أبو الوليد سليمان بن خلف لنفسه: إذا كنت أعلم علمًا يقينًا … بأن جميع حياتي كساعة فلم لا أكون ضنينًا بها … وأجعلها في صلاح وطاعة

стр. 2397

ومما أنشدنا له [¬١] ثقة من أصحابه - يرثى ابنه وأخاه [¬٢]: رعى الله قبرين استكانا ببلدة … هما أسكناها في السواد [¬٣] من القلب لئن غيبا عن ناظري تبوآ … فؤادي لقد زاد التباعد في القرب يقر لعيني [¬٤] أن أزور رباهما … وألزق مكنون الترائب بالترب وأبكي وأبكي ساكنيها لعلني … سأنجد من صحبي وأسعد من سحب فما ساعدت ورق [¬٥] الحمام إذا أسى … ولا روحت ريح الصبا عن أخي [¬٦] كرب ولا استعذبت عيناي بعدهما كرى … ولا ظمئت نفسي إلى البارد العذب أحن ويثني اليأس نفسي على الأسى … كما اضطر محمول على المركب الصعب وكان له ابنان، أحدهما أبو القاسم، خلف مجلسه، وسيأتي ذكره (١)؛ والآخر أبو الحسن محمد، توفي في حياة أبيه بسرقسطة؛ وكان نبيلا ذكيًا مرجوا، فرثاه أبوه بمراثي شجية وكان له اخوة جلة نبلاء، وبيته بيت علم ونباهة. قال أبو علي الجياني: مولده في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة.

стр. 2398

وتوفي بالمرية سنة أربع (١) وسبعين، لسبع عشر خلت من رجب، وكان جاء [¬١] إلى المرية سفيرًا بين رؤساء الأندلس يؤلفهم على نصرة الإسلام [¬٢]، ويروم جمع كلمتهم مع جنود ملوك المغرب المرابطين على ذلك، فتوفي قبل تمام غرضه - رحمه الله تعالى. أبو عمر بن عبد البر (٢) اسمه يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الحافظ، شيخ علماء الأندلس، وكبير محدثيها في وقته، وأحفظ من كان بها لسنة مشهورة، قد تقدم ذكر أبيه، رحل عن وطنه قرطبة في الفتنة، فكان بغرب الأندلس، ثم تحول منها إلى الشرق سرق الأندلس، فتردد فيه ما بين دانية وبلنسية وشاطبة. قال شيخنا أبو علي الغساني ﵀: أبو عمر شيخنا ﵀ من النمر بن قاسط في ربيعة من أهل قرطبة، طلب بها، وتفقه عند أبي عمر بن المكوي، وكتب بين يديه، ولزم أبا الوليد ابن الفرضي الحافظ، وعنه أخذ علمًا كثيرًا من علم الرجال

стр. 2399

والحديث، وهذا الفن كان الغالب عليه، وكان قائمًا بعلم القرآن؛ وسمع من سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، وأحمد بن قاسم البزار، وأبي محمد بن أسد، وخلف بن سهل الحافظ، وأبي محمد عبد المومن، وأبي زيد عبد الرحمان بن يحيى، وسعيد بن القزاز، وأبي زكرياء الأشعري، وأبي عمر الباجي، وأبي القاسم بن أبي جعفر، وابن الجسور، وأجازه أبو الفتح بن شيبخت، وعبد الحي بن سعيد الحافظ، ولم تكن له رحلة؛ سمع منه عالم عظيم، منهم من جلة أهل العلم، والمشاهير من المشايخ: أبو العباس الدلائي. وأبو محمد بن أبي قحافة؛ وسمع منه أبو محمد بن حزم، وأبو عبد الله الحميدي، وطاهر بن مفوز؛ ومن شيوخنا أبو علي الغساني، وأبو بحر سفيان بن العاصي، وهو آخر من حدث عنه من الجلة؛ وكان سنده مما يتنافس فيه. الثناء عليه قال أبو علي الجياني: وصبر أبو عمر على الطلب، ودأب فيه، وافتن وبرع براعة فاق فيها من تقدمه من رجال الأندلس، وعظم شأو أبي عمر بالأندلس، وعلا ذكره في الأقطار، ورحل إليه الناس، وسمعوا منه؛ وألف تواليف كثيرة مفيدة، طارت بالآفاق؛ وقال أبو علي: سمعت أبا عمر يقول: لم يكن ببلدنا

стр. 2400

أفقه من قاسم بن محمد بن قاسم، وأحمد بن خالد. قال أبو علي [¬١]: وأنا أقول إن أبا عمر لم يكن دونهما، ولا متخلفًا عنهما؛ وكان مع تقدمه في علم الأثر، وبصره بالفقه، ومعاني الحديث، له بسطة كثيرة في علم النسب والخبر. وذكره [¬٢] القاضي أبو الوليد الباجي في كتاب الفرق - ولم يكن الذي بينهما بالحسن، لتجاذبهما سؤدد العلم بالأندلس في وقتهما. ذكر تصانيفه ألف أبو عمر ﵀ على الموطأ: كتاب التمهيد، لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - وهو عشرون مجلدًا، وهو كتاب لم يصنع أحد مثله في طريقته وكتاب الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار، فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار، وكتاب التقصي لحديث الموطأ. وكتاب الاستيعاب في أسماء الصحابة، وكتاب جامع بيان العلم، وكتاب الانباه على قبائل الرواه، وكتاب الانتقاء، في فضائل الثلاثة الفقهاء: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وكتاب البيان، على تلاوة القرآن، وكتاب بهجة المجالس وأنس المجالس. وكتاب أسماء المعروفين

стр. 2401

بالكنى - سبعة أجزاء، وكتاب الكافي في الفقه والاختلاف في أقوال مالك [¬١] وأصحابه - عشرون كتابًا، والدرر في اختصار المغازي والسير، وكتاب القصد والأمم. في التعريف بأنساب العرب والعجم، وأول من تكلم بالعربية من الأمم. والشواهد، في إثبات خبر الواحد، والبستان [¬٢] في الإخوان، والأجوبة الموعبة في الأسئلة المستغربة، وكتاب الاكتفاء في القراءات [¬٣]، وكتاب التجويد، واختصار التمييز - لمسلم، وكتاب الانصاف فيما في بسم الله الرحمان الرحيم [¬٤] من الخلاف، واختصار تاريخ أحمد بن سعيد، والاشراف في الفرائض، وغير هذا من كتبه الصغار. ولأبي عمر في وصف كتاب التمهيد: سمير فؤادي مذ ثلاثين حجة … وصاقل [¬٥] ذهني والمفرج عن همي بسطت لكم فيه كلام نبيكم … لما في معانيه من الفقه والعلم وفيه من الآداب ما يهتدى به … إلى البر والتقوى وينهى من الظلم [مولده سنة ثمان وستين وثلاثمائة] [¬٦] في ربيع الآخر، وتوفي بشاطبة في ربيع الآخر أيضًا سنة ثلاث وستين وأربعمائة.

стр. 2402

أبو عبد الله بن عتاب بن محسن (١) قرطبي، شيخ المفتين بها في هذه الطبقة، تفقه بأبي عمر بن الفخار، وابن الأصبغ القرشي. وبالقاضي ابن بشير [¬١]، صحبه أزيد من اثنى عشر عامًا، وكتب له في مدة قضائه؛ ورويعن القنازعي، وابن وافد، وابن حوبيل، وأبي علي الحداد، وأبي محمد بن فتوش [¬٢]، وأبي عبد الله بن ثبات [¬٣]، وأبي أيوب بن عمرون، وسعيد بن رشيق، وسعيد بن سلمة والشتنجالي والطلمنكي. وأبي محمد مكي، والقاضي يونس، وخلف الله، وخلف بن يحيى الطليطلي، وعبد الرحمان بن الأشج وأبي الطيب بن الحديدي. والبغاني المقريء وأحمد بن ثابت الواسطي، ومحمد بن عمر بن عبد الوارث. وأجازه أبو ذر ولم تكن له رحلة من بلده، تفقه به الأندلسيون، وسمعوا منه كثيرًا؛ فيمن [¬٤] تفقه عنده وسمع منه: ابناه، والقاضي ابن سهل، وأبو الحسن بن حمدين، وأبو جعفر بن رزق.

стр. 2403

ذكر مكانه من العلم والثناء عليه وفضائله قال القاضي أبو الأصبغ عيسى بن سهل - وذكره كان إمامًا جليلا، متصرفًا في كل باب من أبواب العلم، أحد الفقهاء بالأندلس، حافظًا نظارًا، مستنبطًا بصيرًا بالأحكام والعقود، معه كان أكثر المتفقهين، وصحبته طويلا، ورويت عنه كثيرًا، وأجاز لي جميع ما رواه. وذكره أبو علي الغساني المحافظ شيخنا ﵀ فقال: كان من جلة الفقهاء، وأحد العلماء الأثبات، وممن عني بسماع الحديث، دهره وتقدم في المعرفة بالأحكام وعقد الشروط وعللها. بذ [¬١] في ذلك أقرانه؛ وكان على سنن أهل الفضل، جزل الرأي [¬٢]، حصيف العقل، على منهاج السلف المتقدم. وقال الفقيه أبو مروان بن مالك - وقد رأي له كلامًا استحسنه -: لو كان هذا الكلام لأحد من المتقدمين لعد من فضائله. وذكر [¬٣] غيره أنه كان متواضعًا، يتصرف راجلا، ويحمل خبزه إلى الفرن بنفسه، ويتولى شراء حوائجه، ويحملها إلى داره بنفسه؛ فإذا لقيه من يكبره من طلبته وغيرهم، وسأله أن يكفيه مؤونتها وحملها، قال له: لا أفعل، الذي يأكلها يحملها؛ وهو مع

стр. 2404

ذلك في عيون الناس وقلوبهم النجم رفعة وجلالة، حتى كان رئيس البلد ابن جهور ينزل إلى مسجده في الاحيان لمهم الأمور [¬١]، يأخذ فيها رأيه هناك، وربما جمع إليه بقية فقهاء الشورى، فيقضي قضاءه، وينفذ أحكامه هنالك؛ سمعت شيخنا أبا محمد عبد الرحمان بن أبي عبد الله بن عتاب يقول: [كان أبي يقول: لا غنى] [¬٢] للطالب عن الاجازة - وإن سمع الديوان والحديث قراءة على المحدث أو منه لجواز السهو والغفلة والسنة [¬٣] على أحدهما قال: وعلى هذا اعتمدت في روايتي؛ وروي لنا عنه أنه كان لا يزيد في الرد إذا شمت عند العطاس - يرحمك الله - على قوله واياكم؛ وأريد أبو عبد الله بن عتاب على القضاء غير مرة، فامتنع ولم يقدر عليه بشيء، طلبه أهل طليطلة، وأهل المرية لقضاء بلدهم [على عادتهم معًا في كون القضاء عندهم من غير أهل بلدهم] [¬٤]- للتنافس الذي كان بين أهل هذين [البلدين في القضاء، فكانوا يطلبون غيرهم، فطلب أهل هذين البلدين] [¬٥] أبا الله عبد بن عتاب لذلك، وبذلوا له على ذلك الرزق الواسع فامتنع، ولما مات

стр. 2405

القاضي بقرطبة سراج بن عبد الله، رغب [¬١] ابن جهور في تولية [¬٢] قضاء قرطبة [¬٣]، فلم يجبه ابن عتاب، وركب إليه ابن جهور [¬٤] بنفسه، ولاطفه جهده، فلم يقدر عليه؛ وحلف بحضرته أن لا يلي، وقال: ما إباءتي إلا إباءة ضعف وقوة، لا من ومن طاعة. وحكي أنه كان له صندوق مقفل، قد وصى أن لا يفتح إلا بعد موته، فلما مات فتح فإذا فيه أربعة كتب من أربعة [¬٥] رؤساء: ابن عباد، وابن الافطس، وابن صمادح، وابن هود، كل منهم يدعوه إلى نفسه، وتقلد القضاء ببلده، وقد كتب على كل كتاب منهما تركته الله. وذكر أنه كان يؤثر بثياب عنده حسنة اللباس، فينظر إليها ويقول: تركت هذا لله! وسأله رجل عن مسائل أنتجها وأعدها. فأجابه أحسن جواب، فأثنى عليه الرجل، فقال له: يا ابن أخي، لا تتخذ هذا عادة، فلولا أني طالعتها البارحة ما أجبتك بمثل هذا، أو كما قال. وتوفي ليلة الثلاثاء لعشر بقين من صفر سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وقد نيف على الثمانين سنة، وولد لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة [¬٦]، ذكر ذلك الجياني.

стр. 2406

أبو عمر بن القطان (١) اسمه أحمد بن محمد بن عيسى بن هلال، قرطبي، بعيد الصيت في فقهائها، وعليه وعلى أبي عبد الله بن عتاب دارت الفتيا بها إلى أن فرق الموت بينهما؛ وكان ما بينهما [¬١] متباعدًا [¬٢]. لا يزال يخالف [¬٣] ابن عتاب، إذ كان متقدمًا عليه لسنه، وكان ابن عتاب يفوقه لتفننه وتفوق معرفته، وهو [¬٤] يباينه بقوة حفظه وجودة استنباطه؛ وكان قائمًا بالشروط، بصيرًا بعقدها؛ تفقه بأبي محمد بن دحون، وابن الشقاق، وابن حوبيل؛ وسمع القاضي يونس، وشوور في أيام ابن بشير القاضي. قال ابن حيان: وكان أحفظ الناس المدونة، والمستخرجة وأبصر الناس بالتهدي إلى مكنونهما. وأبصر أصحابه بطرق الفتيا [¬٥] والرأي؛ وكان لهجًا بتغيير المنكر [¬٦]، وكسر آلات اللهو. وكان أبوه [¬٧] محمد بن عيسى زاهدًا متقشفًا معتنيًا أيضًا بتغيير المناكر، صبورًا على ما يلقى فيه من مكروه، وبأبي وبأبي عمر نفقه القرطبيون

стр. 2407

ابن مالك [¬١] وابن الطلاع وابن حمدين، وابن رزق، ونمطهم، وروي عنه [¬٢]. مولد أبي عمر فيما ذكره ابن حيان بقرطبة سنة تسعين وثلاثمائة، وتوفي ببافة - وقد خرج عن قرطبة يوم مدينة المرية للاستحمام بحامتها، لفالج أصابه يوم الاثنين منتصف القعدة، سنة ستين وأربعمائة. أبو مروان بن مالك (١) واسمه عبيد الله بن محمد بن عبيد الله، قرطبي، كان أبوه محمد يتفقه على ضعف معرفة، وكتب لأبي الحسن بن بقي في قضائه بطليطلة، ثم توفي. وابنه هذا قد علق بصناعة قتل [¬٣] الحرير، فتعلق إذ ذاك بالطلب. فانقطع [¬٤] إليه، فجلس إلى فقهاء طليطلة، ثم عاد إلى وطنه. فجد في طلبه؛ وأخذ عن القرشي ابن الأصبغ وأبي عمر بن القطان، ومن أدركه، فعمل من حينه، ورسخ في مذهب مالك، فاستظهر [¬٥] أم كتبه المدونة، ونبل في تصريفها، وله فيها مختصر حسن مفضل [¬٦]؛ واحتيج إليه، فشور مع شيوخه، ودارت عليهم معهم الفتوى حياته، وكتب

стр. 2408

ولد ابن زرب عند ولايته قضاء قرطبة [¬١]، وكان له بصر بالحساب، والفرائض [¬٢] واللسان والكلام، والجدل، والتفسير؛ وله في عقود أهل السنة والكلام، عليها كتاب حسن؛ وبه وبابن عتاب تفقه ابن سهل وغيره من القرطبيين، وكان كثير الجهاد والرباط [¬٣] مذكرًا للعامة، يقرأ عليهم [¬٤] كتب التفسير والرقائق؛ ولم يكن [¬٥] له كتب، سمعت شيخنا أبا إسحاق بن جعفر الفقيه يحكي عن شيخه القاضي ابن سهل، قال: لم يكن عند ابن مالك من الكتب [¬٦] إلا قفة فيها معاني النحاس، ومختصره في المدونة، وأراه ذكر المستخرجة، وأشياء من الكتب قليلة؛ فكان إذا ذكر عنده الكثير من الكتب وجمع الدواوين، يقول: لا أدري هذه كتبي - والله لأموتن وأنا أجهل الكثير مما فيها، فما ذا يصنع بالإكثار منها، أو نحو هذا من الكلام؛ وكان ابن سهل يعظمه ويستنبله كثيرًا، ويفضله على غيره. قال بعض القرطبيين: دخلت مع ابن مروان الزهراء مدينة الخلفاء بقرطبة الخراب، فوقف متعجبًا، ثم تناول فحمة، فكتب بها على جدار:

стр. 2409

من ألم بها الخراب وزارها … فغدوت انظر شاخصًا آثارها فالدهر أفناها وغير حالها … وأباد منها [¬١] صرفه عمارها والهنا ذو العرش يحيي أهلها … يومًا تحدث أرضه أخبارها وتوفي بقرطبة ليلة الثلاثاء الحادية عشر من جمادى الأولى، سنة ستين وأربعمائة عام وفاة ابن القطان سنة [¬٢] الفجأة. ذكر أهله أنه انصرف من صلاة العشاء بمسجده، وآوى بعد حين إلى فراشه، فقبض أسهل قبض، [حتى لم يعلم به ضجيعه حتى] [¬٣] حف [¬٤]، وسنه إذ ذاك ستون سنة، مولده سنة أربعمائة. ابن أبي عبد الصمد (١) واسمه موسى بن هذيل بن أبي عبد الصمد، وكنيته أبو محمد، قرطبي، جليل مفت مع أصحابه، نبيه البيت [¬٥] في العلم. قال ابن حيان: كان من فضلائها، وكف بصره قبل موته بمدة، وكان ابنه يكتب عنه، وكان له ابنان: عبد الولي [¬٦]،

стр. 2410

توفي شابًا في حياة أبيه سنة ثمان وخمسين، وسنه ثلاثون سنة، وكان ذا حظ من الفقه والمعرفة، ذا هدي وفضل، وأبو الحسن حاز خطة أبيه من الفتيا والرئاسة بعد موته، وولد بعد قضاء قرطبة، وسيأتي ذكره بعد (١) هذا، وكانا جميعًا فيما ذكره ابن حيان يشاركان أباهما فيما يتقلده من الفتوى (٢). سراج بن عبد الله بن محمد بن سراج الأموي (٣) أبو القاسم، قرطبي من بيت شهير بقية من موال بني أمية. قال أبو علي الغساني الحافظ: هو من موالي بني أمية وخاصتهم، وأهل الجاه والحظوة منهم، وكان شيخًا صالحًا عفيفًا، على منهاج السلف الأول. قال ابن حيان وكان يصرح بولائهم، ويفخر بكتاب عنق جده الأكبر سراج بن مولاه، المنعم عليه عبد الرحمان بن معاوية. قال القاضي أبو الفضل ﵀: وكان ابن ابنه شيخنا الوزير أبو الحسن سراج بن عبد الملك بن سراج الحافظ

стр. 2411

اللغوي الأديب، ينتفى [¬١] من مولوية بني أمية - رقًا، وإنعامًا، ويدعى أن ذلك إعزازًا وولاء، وأن جدهم سراج بن قرة الكلائي الوافد على رسول الله ﷺ . وقال أبو الوليد بن ظريف [¬٢]: أن أولهم أصابه سبي قديم صيرهم أولا في ولاء بني أمية بالمشرق، فكانوا [¬٣] في عداد متقدمة [¬٤] مواليهم، ويؤثر [¬٥] أن جدهم سراج بن قرة الكلابي، صاحب رسول الله ﷺ ؛ كذا سمعت شيخنا أبا الحسن [¬٦] يقول: أن قرة - بالراء، وصوابه قوة - بالواو [¬٧]، وكذا قيده أصحاب الصنعة، وهو سراج بن قوة بن ربيعي بن زرعة بن الكاهن بن عمرو بن عوف بن أبي ربيعة بن الصموت بن عبد الله بن كلاب، وهو شاعر مشهور؛ وما ذكر من أن له وفادة على رسول الله ﷺ لا أعلم أحدا ذكر ذلك سمع القاضي (أبا مطرف عبد الرحمان بن محمد بن فطيس)، والأصيلي [¬٨]، والقاضي ابن برطال، ومسلمة بن بتري، ونمطهم؛ حدث عنه أبو علي الجياني، وابنه أبو مروان عبد الملك بن سراج الحافظ،

стр. 2412

وابن ظريف الكاتب، وغير واحد؛ وولى الشورى بقرطبة مع هذه الطبقة، وخطط بالوزارة، ثم ولى قضاءها. قال ابن حيان: وكان من أفضل أهل زمانه وأعفهم، وكان ساذج الفقه، قليل المعرفة. وتوفي في شوال سنة ست وخمسين وأربعمائة [¬١]، ولم يختلف الناس في إجمال ذكره، والثناء عليه لعفته، وطيب طعمته، وانقباضه، واقتفائه آثارًا من السلف، ولين جناحه، وبه اختتم وجوه موالي بني مروان بقرطبة، وكانت مدته في القضاء ثمانية أعوام. وخلف سؤدده. وسد مكانه. ابنه أبو مروان عبد المالك الحافظ، إمام الأندلس في وقته، وفي علم لسان العرب، وضبط لغاتها، وأذكرهم لشوارد شعرها [¬٢]، وأوثقهم في ذلك؛ وإليه كانت الرحلة من جميع جهات الأندلس، سمع من أبيه، والإقليلي، والسفاقسي، والجداني، والقاضي يونس، ومكي المقرئ، وطبقته؛ واحتاج الكثير من شيوخه إلى الأخذ عنه، والاستفادة منه؛ حدثنا عنه ابنه أبو الحسن الحافظ، وأبو علي الجياني والصدفي الحافظان، والقاضي أبو عبد الله بن عيسى، والفقيه أبو عبد الله بن الحاج، وغير واحد من شيوخنا.

стр. 2413

وتوفي ﵀ في ذي الحجة سنة تسع وثمانين (١). فسد مكانه، وناب منابه، شيخنا أبو الحسين سراج [¬١] ووصل الرحلة إلى داره، وأخذ منه الناس. وأخذ عنه في حياة أبيه؛ وحاز الإمامة في هذا الباب بعده، وكان رجل وقته فهمًا وعلمًا، وحفظًا وإتقانًا، مع التقدم في ثمرة الأدب والنثر والنظم، وهو القائل: بث الصنائع لا تحفل بموقعها … في آمل شكر [¬٢] المعروف (٢) أو كفرا كالغيث ليس يبالي حيثما انسكبت … منه الغمائم تربًا كان أو حجرًا لقيته ﵀ بقرطبة وقرأت عليه من كتب الشروح وغيرها كثيرًا. وتوفي ﵀ في جمادي الآخرة سنة ثمان وخمسمائة (٣)، وقد أجريت من ذكرهم في كتاب المعجم في الشيوخ أشبع من هذا، وفي هذا كفاية.

стр. 2414

أبو زيد عبد الرحمان بن عيسى بن محمد (١) المعروف بابن الحشا القاضي، قرطبي. قال ابن حيان: كان بارع العلم، راجحًا، عفيفًا، حاضر الشاهد والخاطر، حلو الشمائل، حج ولقى الناس بالمشرق، فتخلق بأخلاقهم؛ وكان أحد نبلاء قضاة وقته، ولى القضاء أيام مقاتل، ثم استعفاه لوحشة تخيلها منه لحكم أنفذه على بعض أصحابه - على كره مقاتل [¬١]، ثم ولى قضاء طليطلة، فحمدت فيها سيرته، إلى أن نكبه صاحبها المأمون يحيى بن ذي النون عند قبضه مشيختها، فعزله وأخرجه منها، وكتب كتب له في قضائه بطليطلة أبو الأصبغ بن سهل، وأبو محمد بن أبي قحافة، وعلى يديه جرت قصة المرهوبي دسه [¬٢]، وكانت وفاته في نحو السبعين وأربعمائة [¬٣]. أبو محمد عبد الرزاق بن عبد الرحمان بن خلف الصفار السقاط [¬٤] القرطبي [¬٥] كان حافظًا للمسائل، حادقًا بالوثائق، مدمنًا لمعانيها، مطبوعًا فيها، وكتب للقاضي سراج بن سراج [¬٦] أيام قضائه بقرطبة. وتوفي ﵀ سنة خمس وخمسين وأربعمائة وسنه دون الخمسين

стр. 2415

عبد الرحمان بن سعيد المرواني الملقب بالمروزة، ويعرف بالطالوني، قرطبي، حافظ لمذهب مالك، مفقه للعامة، يجتمع إليه في مسجده للمناظرة، ويعقد الشروط مع فضل وعفة، وصبر على القلة، وانقباض إلى أن مضى لسبيله ﵀، وكانت فيه غفلة تغلب عليه). توفي سنة خمس وخمسين، وقد نيف على الثمانين. أبو شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب التجيبي (١) المعروف بابن القبري [¬١]، خرج عن قرطبة في الفتنة، وكان من أهل العلم بالحديث، والفقه، والعربية، والكلام، والنظر، والجدل - على مذهب أهل السنة، والحذق بصوغ القريض والخطابة، تولى المظالم بشاطبة، والصلاة والحكم ببلنسية؛ سمع من أبيه، وأبي محمد الأصيلي، وأبي حفص بن بابل وغيرهما؛ وأجازه أبو محمد بن أبي زيد، وأبو الحسن القابسي، سمع منه ابن أخته القاضي أبو الوليد الباجي، وشيخنا أبو علي الجياني [¬٢] الحافظ، وأبو الأصبغ بن سهل، وغيرهم؛ وله خطب مؤلفة حسان، وهو القائل في رثاء قرطبة أولها:

стр. 2416

يا ليت شعري والأيام تجمعنا … ونأخذ البين [¬١] مغلوبًا فنصفعه في جنة الأرض - أعنى أرض قرطبة [¬٢]- … فكل شيء [¬٣] بديع فهي تجمعه استودع الله أهلها فإنهم … كالمسك قد ملأ الدنيا تضوعه قال أبو علي الغساني الحافظ: كان من أهل النبل والذكاء سريًا متواضعًا. وتوفي في رجب سنة ست وخمسين وأربعمائة [¬٤]، وسنه نحو الثمانين سنة بشاطبة، وحمل إلى بلنسية فدفن بها؛ مولده في ذي القعدة سنة سبع وسبعين [¬٥] وثلاثمائة. أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث الصدفي (١) كبير طليطلة وفقيهها، وكان حافظًا. بصيرًا بالفتيا والأحكام، فهمًا نظارًا، فصيحًا أديبًا؛ تفقه بابن زهر، وابن ارفع رأسه، وابن بدر، وابن الفخار؛ ورحل فحج فسمع أبا ذر وغيره، وسمع منه؛ حدث عنه صاعد بن أحمد بن صاعد، وأبو محمد الشارقي،

стр. 2417

ومحمد بن العتبي [¬١]، وأبو الطيب بن الحديدي، وغيرهم؛ وحدث عنه بالإجازة شيخنا أبو محمد عبد الرحمان بن عتاب، وأراه لقي بالقيروان أبا بكر بن عبد الرحمان، وألف المقنع في الوثائق. أبو جعفر أحمد بن القاسم القروي (١) المعروف بابن ارفع رأسه، طليطلي، شهير البيت بها في العلم والجلالة؛ وكان [¬٢] رأسًا في فقهاء بلده، مقدمًا فيهم؛ حدث عنه القاضي بن سهل، قال: وكان حافظًا، تفقه بابن الفخار وطبقته. أبو جعفر أحمد بن سعيد (٢) المعروف بابن اللورنكي (٣)، من كبراء [¬٣] فقهاء طليطلة ومفتيها، وأحد زعمائها؛ امتحن بابن ذي النون يحيى بن المأمون محنته المشهورة في ستة من أكابر البلد، فيهم ولد ابن مغيث، وأبو جعفر هذا، وولد ابنه [¬٤]؛ وكان قد وشي بهم إليه بالتهمة

стр. 2418

على سلطانه، فاستدعاهم مع قاضيهم أبي زيد بن الحشا القرطبي - يريهم أنه يأخذ [¬١] معهم في أمر من أمور النصارى عدوه، فحضروا، وجنبوا حضور قصره إذ كانوا في ظهره من عامة بلدهم؛ فلما نزلوا بموضع نزولهم، استدعاهم واحدًا: واحدًا؛ فيعدل بالداخل إلى موضع قد أعد له فيه قيود وحداد، ففرق بينهم، وثقفوا [¬٢] ستتهم؛ وسخط على قاضيهم، فعزل وحوسب عما جرى بيده؛ وبلغت العامة القصة، فهموا بالنفور والسلاح على عادتهم لقصدهم، فإذا بنادي السلطان في الجند بالسيف على من أعلن أو نطق، فسكن الناس واستبيحت دور الممتحنين؛ وكان ذلك في جمادي الأولى من سنة ستين، وأخرج القوم من يومهم إلى قلعة كرنكة، وأسكنوا المطبق؛ وأزعج قاضيهم إلى رندة، واتهم بالسعي عليهم ضدهم - كبير البلد أبو الطيب بن أبي بكر يحيى بن سعيد، وأحمد بن الحديدي، وبيته في العلم والرئاسة بطليطلة كما قدمنا شهيرة [¬٣] وجلالة؛ فلم يزل القول بهذه السبيل، وقد خلت وجوههم لابن الحديدي، وحاز رئاسة [¬٤] البلد وحده إلى أن مات المأمون، وولى ابنه الملقب بالقادر والحال لابن الحديدي؛ وحاز الرئاسة حتى كأنه في حجره، فخوف حاله وقيل له: لن تقدر عليه إلا

стр. 2419

بإخراج أضداده، فستحمد [¬١] بهم إلى العامة، وتفترق العامة عنه: فأخرجوا ليلا إلى طليطلة، وأدخلوا القصر سرًا، [واستدعى القادر بن الحديدي إلى القصر] [¬٢]، فجاء على عادته؛ فلما رآهم سقط ما بيده، فتناولوه بالسب، وقام بعض من كان في المحنة معهم، فقتله مع اثنين من أصحابه الفقهاء، فإنا قد تبعناه متجسسين خبره فيمن تبعه من أشياعه، فحبسا بخارج القصر - إلى أن حدثت الحادثة فبقوا بها، ووقع إلى العامة دس من الخبر، فهاجت فلم يرعها إلا مائلة الرؤوس [¬٣]- والمنادي بين أيديهم والمشيخة الممتحنون خلفها يقدمهم شيخاهم الفقيهان أبو جعفر بن مغيث وابن اللورنكي؛ وقد أصاب شيخهم ابن اللورنكي من العمى ببصره في المطبق ما زاد في الرثاء له؛ والحنق على عدوه؛ فنسيت العامة ابن الحديدي برؤيتهم، واقبلوا مبتهلين بالدعاء لهم والتهنئة بخلاصهم، فطاح بهذه (١) ﵀.

стр. 2420

أبو جعفر بكر بن موسى بن أحمد (١) المعروف بالكندي، الفقيه الناسك، جياني، وسكن في الفتنة الأخيرة قرطبة، أخرجته [¬١] عن بلده المخافة، فلزمها ملتزمًا مسجده بالنهار والإقراء، ومنزله بالليل للعمل الصالح لا يخوض في شيء من أمر الفتنة [¬٢] ذ ولا يخالط الناس جملة. قال ابن حيان: كان على تحققه بعلم القرآن والسنة، عالمًا بالعربية، بصيرًا بالنحو، مشاركًا في الأدب، له حظ من الطب [¬٣]، يفتي فيه الناس دون ثواب، ويظهر المنفعة به؛ أجمع الناس على عدم نظيره في وقته، وانتفع به أصحابه منفعة عظيمة [¬٤] عنده جماعة، منهم: (ابن بنته) أبو الحسن بن حمدين [¬٥]، وأبو جعفر بن رزق، وأبو الأصبغ بن سهل، وغيرهم من شيوخ شيوخنا؛ وكان شديدًا عليهم، يأخذهم بالأدب والزجر، وربما أمر من يمسك [¬٦] له من يتهمه من طلبته [¬٧] بأمر أو يتخيل فيه تعطيل قراءة، واشتغال بفضول؛ فيوجعه أدبًا، ويحتمل له ذلك، فنفعوا به.
следующие страницы →