يا ليت شعري والأيام تجمعنا … ونأخذ البين [¬١] مغلوبًا فنصفعه
في جنة الأرض - أعنى أرض قرطبة [¬٢]- … فكل شيء [¬٣] بديع فهي تجمعه
استودع الله أهلها فإنهم … كالمسك قد ملأ الدنيا تضوعه
قال أبو علي الغساني الحافظ: كان من أهل النبل والذكاء سريًا متواضعًا.
وتوفي في رجب سنة ست وخمسين وأربعمائة [¬٤]، وسنه نحو الثمانين سنة بشاطبة، وحمل إلى بلنسية فدفن بها؛ مولده في ذي القعدة سنة سبع وسبعين [¬٥] وثلاثمائة.
أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث الصدفي (١)
كبير طليطلة وفقيهها، وكان حافظًا. بصيرًا بالفتيا والأحكام، فهمًا نظارًا، فصيحًا أديبًا؛ تفقه بابن زهر، وابن ارفع رأسه، وابن بدر، وابن الفخار؛ ورحل فحج فسمع أبا ذر وغيره، وسمع منه؛ حدث عنه صاعد بن أحمد بن صاعد، وأبو محمد الشارقي،
стр. 2417
ومحمد بن العتبي [¬١]، وأبو الطيب بن الحديدي، وغيرهم؛ وحدث عنه بالإجازة شيخنا أبو محمد عبد الرحمان بن عتاب، وأراه لقي بالقيروان أبا بكر بن عبد الرحمان، وألف المقنع في الوثائق.
أبو جعفر أحمد بن القاسم القروي (١)
المعروف بابن ارفع رأسه، طليطلي، شهير البيت بها في العلم والجلالة؛ وكان [¬٢] رأسًا في فقهاء بلده، مقدمًا فيهم؛ حدث عنه القاضي بن سهل، قال: وكان حافظًا، تفقه بابن الفخار وطبقته.
أبو جعفر أحمد بن سعيد (٢)
المعروف بابن اللورنكي (٣)، من كبراء [¬٣] فقهاء طليطلة ومفتيها، وأحد زعمائها؛ امتحن بابن ذي النون يحيى بن المأمون محنته المشهورة في ستة من أكابر البلد، فيهم ولد ابن مغيث، وأبو جعفر هذا، وولد ابنه [¬٤]؛ وكان قد وشي بهم إليه بالتهمة
стр. 2418
على سلطانه، فاستدعاهم مع قاضيهم أبي زيد بن الحشا القرطبي - يريهم أنه يأخذ [¬١] معهم في أمر من أمور النصارى عدوه، فحضروا، وجنبوا حضور قصره إذ كانوا في ظهره من عامة بلدهم؛ فلما نزلوا بموضع نزولهم، استدعاهم واحدًا: واحدًا؛ فيعدل بالداخل إلى موضع قد أعد له فيه قيود وحداد، ففرق بينهم، وثقفوا [¬٢] ستتهم؛ وسخط على قاضيهم، فعزل وحوسب عما جرى بيده؛ وبلغت العامة القصة، فهموا بالنفور والسلاح على عادتهم لقصدهم، فإذا بنادي السلطان في الجند بالسيف على من أعلن أو نطق، فسكن الناس واستبيحت دور الممتحنين؛ وكان ذلك في جمادي الأولى من سنة ستين، وأخرج القوم من يومهم إلى قلعة كرنكة، وأسكنوا المطبق؛ وأزعج قاضيهم إلى رندة، واتهم بالسعي عليهم ضدهم - كبير البلد أبو الطيب بن أبي بكر يحيى بن سعيد، وأحمد بن الحديدي، وبيته في العلم والرئاسة بطليطلة كما قدمنا شهيرة [¬٣] وجلالة؛ فلم يزل القول بهذه السبيل، وقد خلت وجوههم لابن الحديدي، وحاز رئاسة [¬٤] البلد وحده إلى أن مات المأمون، وولى ابنه الملقب بالقادر والحال لابن الحديدي؛ وحاز الرئاسة حتى كأنه في حجره، فخوف حاله وقيل له: لن تقدر عليه إلا
стр. 2419
بإخراج أضداده، فستحمد [¬١] بهم إلى العامة، وتفترق العامة عنه: فأخرجوا ليلا إلى طليطلة، وأدخلوا القصر سرًا، [واستدعى القادر بن الحديدي إلى القصر] [¬٢]، فجاء على عادته؛ فلما رآهم سقط ما بيده، فتناولوه بالسب، وقام بعض من كان في المحنة معهم، فقتله مع اثنين من أصحابه الفقهاء، فإنا قد تبعناه متجسسين خبره فيمن تبعه من أشياعه، فحبسا بخارج القصر - إلى أن حدثت الحادثة فبقوا بها، ووقع إلى العامة دس من الخبر، فهاجت فلم يرعها إلا مائلة الرؤوس [¬٣]- والمنادي بين أيديهم والمشيخة الممتحنون خلفها يقدمهم شيخاهم الفقيهان أبو جعفر بن مغيث وابن اللورنكي؛ وقد أصاب شيخهم ابن اللورنكي من العمى ببصره في المطبق ما زاد في الرثاء له؛ والحنق على عدوه؛ فنسيت العامة ابن الحديدي برؤيتهم، واقبلوا مبتهلين بالدعاء لهم والتهنئة بخلاصهم، فطاح بهذه (١) ﵀.
стр. 2420
أبو جعفر بكر بن موسى بن أحمد (١)
المعروف بالكندي، الفقيه الناسك، جياني، وسكن في الفتنة الأخيرة قرطبة، أخرجته [¬١] عن بلده المخافة، فلزمها ملتزمًا مسجده بالنهار والإقراء، ومنزله بالليل للعمل الصالح لا يخوض في شيء من أمر الفتنة [¬٢] ذ ولا يخالط الناس جملة.
قال ابن حيان: كان على تحققه بعلم القرآن والسنة، عالمًا بالعربية، بصيرًا بالنحو، مشاركًا في الأدب، له حظ من الطب [¬٣]، يفتي فيه الناس دون ثواب، ويظهر المنفعة به؛ أجمع الناس على عدم نظيره في وقته، وانتفع به أصحابه منفعة عظيمة [¬٤] عنده جماعة، منهم: (ابن بنته) أبو الحسن بن حمدين [¬٥]، وأبو جعفر بن رزق، وأبو الأصبغ بن سهل، وغيرهم من شيوخ شيوخنا؛ وكان شديدًا عليهم، يأخذهم بالأدب والزجر، وربما أمر من يمسك [¬٦] له من يتهمه من طلبته [¬٧] بأمر أو يتخيل فيه تعطيل قراءة، واشتغال بفضول؛ فيوجعه أدبًا، ويحتمل له ذلك، فنفعوا به.
стр. 2421
توفي ﵀ بقرطبة صدر رجب سنة أربع وخمسين وأربعمائة [¬١]، واحتفل [¬٢] الناس لمشاهدته؛ وحدث بعض من كان في الصحراء من مشاهير الناس، أنهم رأوا يوم موته عمودًا من نور [¬٣] قد تخلل ما بين قرطبة والسماء، فلما وردوا الحضرة، سألوا هل من حادث؟ فأخبروا بموت هذا العالم العامل ﵀.
أبو المطرف عبد الرحمان بن سلمة (١)
فقيه طليطلة، وحافظها ومفتيها؛ وكان من أحفظ القوم وأعرفهم بالفتيا، ذا فضل وصلاح وانقباض عن السلطان وأشياعه [¬٤]؛ لم يدخل في شيء مما دخل فيه فقهاء بلده، رزق السلامة؛ أخذ عن أبي بكر بن زهر وطبقته، حدث عنه شيخنا أبو محمد بن أبي جعفر، وكان رحل إليه وتفقه به؛ روي عنه أيضًا القاضي أبو الأصبغ بن سهل غير شيء من فتاويه، سمع منه الناس، ولما دارت المحنة من النصارى على طليطلة وافتتحوها، خرج أبو المطرف فيمن خرج. فتوفي ببطليوس (٢).
стр. 2422
أبو علي حسين بن عيسى المالقي (١)
المعروف بحسون. فقيه بلده ومفتيه وكبيره، وذو بيت مشهور فيه، وأبو بني حسون من كبرائه [¬١] وقضاته؛ تفقه بفقهاء بلده، وبفقهاء سبتة عبد الرحمان بن العجوز، وابن غالب؛ وولي قضاء بلده، وكان مشاورًا فيه، وكان من أهل الفقه الجيد، والحفظ والذكاء والمعرفة، وحج، وله سماع من أبي ذر الهروي، وأبي الحسن الحوفي. ولقي الفقيه الحافظ [¬٢] أبا عمران الفاسي وسأله؛ وذكر أن أبا ذر كان إذا سأله سائل عن مسألة بحضرته بمكة، أحال عليه في الفتيا؛ أخذ عنه أبو المطرف [¬٣] الشعبي، وبه تفقه، وذكره ابن سهل القاضي فقال فيه: فقيه مالقة (٢)، ورثاه الاديب المحسن [¬٤] أبو محمد غانم بقصيدة منها:
стр. 2423
لو كان يبقى الموت حبرًا عالمًا … لوقى الحمام أبا علي واق
وموقر [¬١] لبس المشيب جلالة … بحر لباغي العلم عذب مذاق [¬٢]
أبقيت في الدنيا مآثر جمة … تبلى على الايام وهي بواق
أبو محمد عبد الله بن موسي (١)
المعروف بالشارقي، من أهل طليطلة، وذوي [¬٣] العلم والفهم.
موصوفًا بورع؛ لقى شيوخها وشيوخ قرطبة، وسمع منه؛ حدث عن القاضي يونس، وابن عتاب، وأبي الاصبغ القرشي، وأبي عمر [¬٤] بن القطان؛ ومن أهل طليطلة: عن أبي بكر بن الرحوي، وأبي محمد بن دبيس، وابن ارفع رأسه؛ حدث عنه الفقيه القاضي ابن سهل، وأبو الحسن بن المشاط حاكم الجزيرة الخضراء، وأبو القاسم بن عفيف؛ وكان يكتب لابن الحديدي ذكر أنه جلس معه أخ له يومًا، فرأى حال ابن الحديدي، ورئاسته، وسعة حاله: فقال له: أين كنا اذ فرقت هذه الاموال، فسكت عنه [¬٥]، فلما خرجا [¬٦]، مر به علي ربض الجذماء، فلما أوقفه
стр. 2424
على اختلاف بلائهم، قال له أبو محمد: أين كنا يا أخي إذ فرق هذا البلاء (١)!
أبو بكر عيسى بن محمد بن عيسى (٢)
المعروف بابن صاحب الاحباس، فقيه أهل المرية، ومقدمهم في العلم والرواية والفتيا والادب؛ سمع المهلب بن أبي صفرة، والفقيه أبا الوليد بن مقبل [¬١]، وأباه أبا عبد الله، وأبا محمد قاسم الماموني؛ وأجازه عبد الله بن عباس الخواص القروي، وأخذ عنه جماعة من شيوخنا، وحدثنا عنه الفقيه الجليل [¬٢] أبو عبد الله بن سليمان وغيره؛ وولى قضاء بلده، وتفقه عنده في البخاري وغيره، وكان يتكلم عليه (٣).
أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بن وردون (٤)
فقيه المرية وكبير مفتيها، ولى قضاءها؛ سمع من أهل بلده: الفقيه أبي حفص بن مقيوس [¬٣]، وأبي القاسم الهمداني، وأبي
стр. 2425
عبد الله بن محمود، وأبي محمد الدميمي، وأبي حفص عمر بن يوسف، وأبي الوليد بن الزبيدي؛ حدث عنه ابن أبي قحافة.
وشيخنا أبو عبد الله بن سليمان، وأبو جعفر أحمد بن سعيد، وغيرهم؛ وعنده نفقه أهل المرية (١).
أبو عمر أحمد بن رشيق
المربي، شيخ فقهاء المرية، وكبير مفتيها؛ وكان من أهل العلم والنظر، مقدمًا في جودة الفتيا؛ أخذ عنه حجاج المأموني وغيره من فقهاء المرية.
حدثني بعض المشيخة أن حجاجًا المأموني كان يناظر عند ابن رشيق بالمرية، فجرت مسألة تكلم فيها حجاج مع الشيخ، فاستقصى حجاج كلام الشيخ أبي عمر، أو اعتراه وهم؟ فأساء حجاج معه الادب، وقال له: هنا أنت بعد! وبلغت القصة قاسمًا والد الحجاج فبلغ منه، ووبخ ابنه حجاجًا على سوء أدبه مع الشيخ أبي عمر، وقال له: إلى هنا بلغت معه، والله ما يحسن أبوك أن يتكلم بين يديه، فكيف تخطئه أنت اليوم!
стр. 2426
ومما عرف به أبو عمر بن رشيق المذكور [¬١] في فتاويه.
أن زاد في يمين القائمة بعدم النفقة على زوجها الغائب: أن تحلف بعد ضرب الأجل أنه ما ترك لها [¬٢] نفقة، ولا كسوة، ولا شيئا تمون نفسها به [¬٣]؛ ولا تعلم له مالا ترجع [¬٤] فيه، ولا أن الزوجية انقطعت بينهما؛ قال القاضي [¬٥] أبو الاصبغ بن سهل قوله: ولا أن الزوجية بينهما انقطعت لا أعلمه [¬٦] لغيره.
أبو عبد الله محمد بن منظور القيسي (١)
إشبيلي، اعتنى بطلب الفقه والحديث ببلده، ورحل فسمع من شيوخ الحديث [¬٧]: أبي ذر الهروي، وأبي القاسم (بن بقا) [¬٨]، وأبي النجيب الارموني، وغيرهم؛ فانصرف [¬٩] إلى الاندلس فاحتيج إليه، وسمع منه، وولى القضاء؛ حدث عنه الفقيه الجليل المسند [¬١٠] أبو
стр. 2427
علي الجياتي. قال أبو علي: وكان حسن الضبط، جيد التقييد للحديث، كريم النفس. خيارًا.
توفي في شوال سنة تسع وستين وأربعمائة [¬١]. وهو ابن سبعين [¬٢] عامًا وأربعة أشهر.
أبو حفص عمر بن حسين الهوزني [¬٣] (١)
من أهل إشبيلية، وهوزن [¬٤] بطن من ذي الكلاع، كبير فقهائها؛ وكان متفننًا في علوم كثيرة، وله مع فقعه وروايته الحديث، نظر في علوم قديمة؛ مع أدب صالح، وشعر حسن، ونثر بارع، وحكم مأثورة؛ وأخذ [¬٥] بالاندلس من مشيخة بلده القاضي أبي عبد الله الباجي، ورحل إلى المشرق [¬٦] وحج، فلقى شيوخ صقلية وفقهائها [¬٧]، وشيوخ مصر؛ وسمع بمكة وغيرها من أبي محمد بن الوليد، وغيره [¬٨]، وكتب عن ابن منصور الشهرزوري؛
стр. 2428
سكن [¬١] شرق الاندلس، نزل في كنف بني طاهر ورؤسائها؛ وله بها مع القاضي أبي الوليد الباجي أيام سكنها منازعات، ثم رجع (الفقيه أبو حفص الهوزني) [¬٢] إلى إشبيلية بلده، وأفتى، وسمع منه الناس؛ وسمع منه ابنه أبو القاسم، وحدثنا عنه أبو محمد بن أبي جعفر شيخنا [¬٣]؛ ومن شعره يحض المعتمد عباد بن عباد [¬٤] على الجهاد عند ظهور الروم بشرق الاندلس بالثغر الأعلى، من ذلك قوله [¬٥]:
أعباد حل [¬٦] الرزء والقوم هجع … على حالة ما من مثلها يتقنع
فلق كتابي من فراغك ساعة … وان طال بالموضوع للطول موضع
إذا لم أبث الداء رب دوائه … أضعت وأهل للملام المضيع
وقتله المعتضد بن عباد باشبيلية بيده في جمادى الأولى سنة ستين وأربعمائة - بعد أن أمر بعض من حضر من فتيانه، فلم يقدموا عليه - اجلالا له.
стр. 2429
وابنه: أبو القاسم الحسن (١)
كان زعيم بلده في وقته سمع أباه وابن منظور، وغيرهما من أهل بلده؛ ورحل فكتب عن جماعة من العلماء، وأجازه أبو الوليد، وابن منصور الشهرزوري، وسمع منه؛ توفي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة (٢).
أبو الوليد بن المارية [¬١]
من فقهاء جزيرة [¬٢] ميورقة من هذه الطبقة المشهورين بها المقدمين [¬٣]؛ وله مع أبي محمد بن حزم الظاهري مناظرة في اتباع مالك، تعصب فيه عليه ابن حزم حتى حمل الوالي على سجنه واستهانته؛ وقد ذكر خبره معه [¬٤] القاضي أبو الوليد الباجي في كتاب الفرق.
стр. 2430
أبو عبد الله محمد بن موسى بن عبار الكلاعي
من أهل ميورقة، كان من أهل العلم والفهم؛ ورحل فلقى بقية مشيخة القيروان: السيوري وطبقته، وأخذ الكلام والاصول هناك عن أبي عمرو بن سراج [¬١]: وأبي عبد الله الصيرفي، وأبي القاسم الديباجي؛ ولقى بها أبا الطاهر البغدادي؛ وأخذ بصقلية عن شيوخها أبي محمد عبد الحق، وأبي العباس الحرار [¬٢]، وأبي محمد بن الاحب اللخمي [¬٣]؛ ولقى شيوخ مصر، ومن كان بمكة.
كرافع المعروف بالحمال، وغيره؛ وغلب عليه علم التوحيد والكلام فيه؛ وألف في ذلك كتاب الاعلام، وكان حسن العبارة، جيد القريحة.
أبو بكر بن الصائغ (١)
من فقهاء دانية ومقدمي المفتين بها، موصوفًا بالحفظ؛ وله مع القاضي الباجي أخبار عظام [¬٤]، ذكرها في كتاب الفرق.
стр. 2431
أبو الحسن علي بن خلف بن بطال البكري (١)
يعرف بابن اللحام [¬١]، أصلهم من قرطبة، وأخرجته الفتنة، فخرج إلى بلنسية؛ أخذ عن أبي عمر [¬٢] الطلمنكي، وابن عفيف، وابن الفرضي، وأبي القاسم الوهراني [¬٣]، وابن عبد الوارث، وأبي بكر الرازي؛ وألف شرحًا [¬٤] لكتاب البخاري [¬٥] كبيرًا يتنافس فيه، كثير الفائدة، وله كتاب في الزهد والرقائق؛ روى عنه أبو داود المقرئ، وعبد الرحمان بن بشرى من مدينة سالم؛ وكان ابن بطال [¬٦]﵀ نبيلًا، جليلًا، متصرفًا؛ توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة [¬٧] ببلنسية.
أبو زكرياء يحيى بن محمد بن حسين الغساني (٢)
المعروف بالقليعي، من أهل غرناطة من البيرة [¬٨]، شهير البيت بموضعه؛ صحب الفقيه أبا عبد الله بن أبي زمنين وأكثر
стр. 2432
عنه، وحمل عنه جميع تواليفه؛ وروى [¬١] عن أبي سعيد خلف بن ناصر السبتي، المعروف بابن الرقية، ويكنى أيضًا بأبي محمد الشيخ الصالح؛ ورحل فسمع من الفقيه أبي مروان البوني ببونة [¬٢]، وحدث بغرناطة، ورحل إليه؛ قال القاضي أبو الأصبغ بن سهل: كان أبو زكرياء القليعي [¬٣] من كبار أهل بلده، مشاورًا، حسن الهيئة والسمت، فاضلا خيرًا جزلا؛ رحل إليه أبو الأصبغ، وسمع منه غير شيء، وكان من أجل شيوخه؛ وسمع منه أيضًا حفيده ابن ابنته أبو الحسن علي بن حمدين، وآخر من حدث عنه: شيخنا أبو محمد بن عتاب بالإجازة.
ومن أهل بيته:
أبو جعفر أحمد بن خلف
الفقيه، زعيم غرناطة - حرسها الله - في دولة المرابطين وأحد دعاتهم؛ تفقه بأبي زكرياء، وبفقهاء بلده، وبقرطبة على ابن القطان، وابن عتاب؛ وسمع من حاتم الطرابلسي، وأبي مروان سراج، ودخل في عمل السلطان - عفا الله عنه -.
وتوفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
стр. 2433
أبو إسحاق [¬١] إبراهيم بن مسعود بن سعيد التجيبي
الألبيري، من أصحاب أبي عبد الله بن أبي زمنين ﵀، روى عنه كتبه؛ وكان فقيها، معظمًا في وقته، وعليه تفقه عبد الواحد بن عيسى الهمداني - فقيه غرناطة، وروى عنه كتب ابن أبي زمنين.
وتوفي عبد الواحد هذا سنة أربع وخمسمائة، وقد رأيته أنا ﵀.
أبو عثمان سعيد بن خلف بن جعد (١) الكلابي (٢)
الإلبيري، غرناطي من فقهاء وقته، وسمع ببلده من أبي عبد الله محمد بن الناشيء عن عيسى؛ أخذ عنه، أبو بكر بن عطية، وغيره [¬٢].
стр. 2434
أبو محمد [¬١] بن هانيء
الإلبيري، من هذه الطبقة وفقهاء بلده المشاهير [¬٢]، ذكره ابن حيان.
هشام بن وضاح أبو الوليد:
المرسي، شهير البيت بموضعه، وتقلد الفتيا ببلده، سمع من ابن نبات، وابن عائذ، وغيرهما؛ سمع منه شيخنا أبو محمد بن أبي جعفر، وأبوه، وغيرهما [¬٣].
أبو الربيع سليمان بن الربيع القيسي
من فقهاء غرناطة سمع أبا المطرف عبد الرحمان بن هانيء، أخذ عنه أبو بكر بن عطية، وغيره [¬٤].
стр. 2435
ابن حزب الله
من أهل بلنسية ومن فقهاء بلده المشاهير في هذه الطبقة.
ذكره ابن حيان.
أبو القاسم خلف (مولى (١) يوسف) بن بهلول (٢)
المعروف بالبربلي (٣)، كان مفتي بلنسية في وقته وعظيمها، ومن أهل العلم والجلالة؛ وله كتاب في شرح المدونة سماه التقريب (٤)، استعمله الطلبة للمذهب في المناظرة وانتفعوا (٥) به، وأخذت عليه فيه أوهام هام في النقل؛ حدث عنه المقريء أبو داود المؤيدي [¬١].
وتوفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
стр. 2436
هشام بن عمر بن سوار
أبو الوليد الفزاري [¬١]، جياني، من أصحاب أبي الله بن أبي زمنين؛ يروي عنة ومن أبي عزة [¬٢] مجاهد بن أبي عزة [¬٣]، وأبي محمد عبد بن الله بن مسلمة بن بن بتري، ومسلمة بن محمد الزاهر؛ ورحل فلقى بالقيروان أبا عبد الله الخواص، وأبا عبد الله الأجدابي، وغيرهم؛ سمع منه أبو الأصبغ بن سهل، قال: وكان شيخا وسيمًا، مفتيا نبيها، ولي الأحكام بشرق الأندلس.
محمد بن الحبيب بن شماخ (١)
أبو عبد الله الغافقي، من أهلها، ولى قضاءها؛ وكان من أهل العلم والفقه والفضل، وله رحلة لقى فيها القاضي أبا محمد عبد الوهاب [¬٤] بن نصر، وحمل [¬٥] عنه تواليفه؛ وأثنى عليه ابن عتاب، وابن القطان، وابن مالك فقهاء قرطبة، ووصفوه بالعلم والفضل والسداد فيما يتولاه؛ أخذ عنه الناس، وحملوا عنه كتب القاضي أبي محمد عبد الوهاب ﵀، وكان يحمل جميعها عنه؛ فمن روي عنه: القاضي أبو الأصبغ عيسى بن سهل، وشيخنا الفقيه الراوية [¬٦] أبو محمد بن عتاب.
стр. 2437
أبو محمد عبد الله بن فتوح بن عبد الواحد البنتي [¬١] (١)
من فقهاء هذه الطبقة العاشرة [¬٢] ونبهائها، وألف الوثائق المجموعة، وهو تأليف مشهور مفيد، جمع فيه أمهات كتب الوثائق وفقهها. وهو مستعمل وكانت وفاته في نحو (٢) ستين وأربعمائة [¬٣].
стр. 2438
ملاحق (١)
الملحق الأول:
زيادات نسبها ابن حمادة إلى الأصل (٢)
قال (عياض) (٣) ثم انتقل المذهب إلى الطبقة الحادية عشر.
(أهل المغرب الأقصى):
فمنهم من أهل المغرب الأقصى:
стр. 2439
عبد العزيز السوسي (١)
من أهل تونس، تفقه بالقروان عند أبي عمران، وغيره؛ ورحل عند خرابها، وسكن الأندلس مدة، ثم سكن طنجة، وسبتة مدة؛ ثم انتقل إلى سوس فسكنها، ثم امتحن على يدي زينب بنت أبي إسحاق، المعروفة بالحرة، التي كانت زوجة أبي بكر بن عمر المرابطي، ثم تزوجها أبو يعقوب يوسف بن تاشفين أمير الملثمين؛ وطولب عندها فسيق إليها مكبلا، ونجاه الله منها؛ وكان من أهل العلم الظاهر والباطن، وغلب عليه علم الباطن، وطريقة الزهد والتقشف، والتخلي عن الدنيا، وقلة المبالاة في المطعم والمشرب؛ وكان كثير الصيام، فإذا أوتي بغدائه وبقيت منه بقية، وألقيت لكلب لم يأكلها؛ وكان يلبس الصوف، وربما لبس برنسًا يقطع رأسه، فيأخذ مخلاة دابة يجعلها موضعها (٢).
стр. 2440
ومن أهل سبتة:
سعيد بن إبراهيم بن جماح أبو عثمان (١)
سبتي، من بيوت الجلالة، وأبوه أبو إسحاق من أهل الفقه والعلم والسؤدد؛ انتهت إليه رئاسة سبتة في وقته، وله سماع من الأصيلي وغيره؛ يروي عنه ابن المأموني، وغيره؛ وكان سعيد هذا ممن أخذ عن شيوخ بلده: ابن أبي مسلم، وابن يربوع، وابن غالب؛ ودخل القيروان طالبًا، وتاجرًا، فلقي شيوخها؛ وكان حسن المنظر، نظيف الثوب والمركب؛ وخرج بعد عزلة إلى المشرق، ثم قدم سبتة ومات بها (٢).
أخوه عبد الله بن إبراهيم (٣)
آخر ندرات سبتة، بل قدرات المغرب بالمعرفة: ذكاء، وإتقانًا. وتفننًا؛ وشرب البلاذر، فأعقبه خفة وتهورًا؛ وكان من أحفظ أهل وقته لمذهب مالك، وكان إذا ناظر في المدونة،
стр. 2441
ألقاها من صدره؛ وكان فقهاء سبتة يحيون سلطانهم البرغواطي بأحسن تحية، ويحضرون مجلسه، إلا هو فإنه كان لا يراه، وإذا ضمه إليه طريق، لم يزد على: سلام عليكم ورحمة الله.
واجتمع مع أبي الوليد الباجي. وحضر مجلسه، فتعجب من حفظه، واستخلفه على إلقاء المدونة في مجلسه - عند سفرة سافرها - أبو الوليد، فتعجب أهل دانية من حفظه (١).
محمد بن عبد الله بن غالب الهمداني
سبتي، تقدم ذكر أبيه (٢)، من بيت علم وجلالة؛ طلب محمد هذا العلم عند أبيه، وسمع من الشيوخ؛ ورحل فحج، وسمع من الحوفي، وشيوخ مصر، وبمكة من الهروي؛ وامتحن بالإخراج من سبتة - في جملة الفقهاء - إلى مالقة، ثم ولي قضاء سبتة، وبعد هذا ولي قضاء الجماعة؛ وكان محمد هذا من أهل الفضل والنبل والجلالة، خطيبًا فصيحًا؛ تولى الخطابة مدة، وكان حسن السيرة في قضائه؛ ومن سيرته أنه أعد حاجبًا على باب المسجد - وهو جالس في المسجد - شاهدي عدل، لا يدخل عليه خصمان حتى يفرغ من آخرين؛ فإذا جلس الخصمان بين
стр. 2442
يديه وأدليا بحجتهما، قال للشهود: وضبطتما ما قالا؟ فاذا وجد منهما غفلة، وبخهما؛ حتى إنه كان يحرز بنفسه من جلس معه من الشهود، وغيرهم؛ وهكذا الى أن عزل لسبب، وأخرج في جملة من أهله إلى بادس؛ ثم عاد إلى سبتة، فكان في جملة المفتين إلى أن مات.
وكان أبوه عبد الله (١) ممن طلب العلم، وسمع من الشيوخ. ولقي مشيخة افريفية، وسمع من ابن أبي زيد (٢).
أبو محمد حسن بن يخلف بن قاسم الانصاري
يعرب بابن علا قومه، من مشاهير فقهاء سبتة؛ أخذ حسن عن أبي محمد بن غالب ونمطه، وكان الشيخ ابن غالب إذا تكلم حسن هذا. وحسن بن يوسف - في مسألة. يقول: ما ترك الحسنان في هذه المسألة لقائل ما يقول!
وأما أخوه قاسم، فكان له طلب وسماع، ولم يكن من أهل الفقه، ولي الخطبة والصلاة؛ وحسن بن يوسف كان من أهل الفقه، ولزم التجارة، وفر من سبتة - من خوف صاحبها البرغواطي (٣).
стр. 2443
حسن بن خالد بن ابراهيم الزبيدي
من فقهاء سبتة، شيخ صالح، ولي الخطبة والصلاة؛ وكان أخوه أبو علي شيخًا صالحًا، من أهل الفقه والدراية. سمع من ابن يربوع، وأبي عبد الله بن الشيخ، وغيرهما من أهل بلدنا.
ورحل فسمع بالقيروان، وقرأ بمصر القرآن على طاهر بن غلبون، وغلب عليه الخير والزهد، وعلم القرآن، والدراية؛ وأقرأ بجامع سبتة، وكان على سنن الصالحين (١).
محمد بن مسعود بن محمد بن مسعود العكي
المعروف بابن اللنكو، سبتي، من مشاهيرها؛ وكان من أهل الفقه والخير، والزهد والورع والرواية والادب، وغلبت عليه العبادة؛ سمع من أشياخ بلده: ابن يربوع، وغيره؛ وسمع منه جماعة، وأخذوا عنه علم النحو، وغير ذلك.
ولي بسبتة الخطبة والصلاة مدة، وكان السلطان يحضر مجلسه - على انقباضه - في جملة المفتين؛ ولحقته من بعضهم مطالبة، ألزم لها داره مدة، وكانت جنازته من أجل الجنائز بسبتة (٢).
стр. 2444
حسن بن محمد القيسي، المعروف بابن البربا أبو علي
أصله من جراوة من سبتة، متقدم في فقهائها؛ سمع من أبي جعفر الداوردي، وأخذ بسبتة عن يوسف بن أبي مسلم، وأبي محمد بن غالب؛ فقيه، حافظ، جزل؛ رأس في الفتيا في وقته، قائم على المذهب؛ يقوم على النوادر، متقدم في المسائل والأحكام والقضاء؛ وكان محمد بن العجوز يقول: إذا أخذ أبو علي المسألة، لم يترك فيها لاحد مقالا! وكان شديد المطالبة، وكانت له عند برغواطة مكانة، ولحقته بعد ذلك - عندهم - نفرة، أخرجه لها مع محمد بن غالب، وجماعة - إلى بادس مدة، ثم صرفهم (١).
عبد الله بن حمو بن عمر اللواتي
يعرف بالمسيلي، أبو محمد، سبتي، من أكبر فقهائها ومدرسيها؛ أخذ عن أبي إسحاق بن يربوع، واختص به، وسمعه كثيرًا ولزمه؛ وكان يقوده حين كان متبصرًا، وكان يسمى عصا ابن يربوع؛ وسمع من غيره من شيوخ سبتة، وتفقه به القاضي ابن أبي مسلم، وأبو محمد بن غالب، وابراهيم بن جماح، وغيرهم
стр. 2445
وكتب لابن جماح في قضائه، ثم تولى أحكام القضاء في أيام برغواطة، وكانت أكثر كتبه بخطه؛ ورحل الى المغرب فلحق فيه رئاسة عند المرابطين أول خروجهم، ثم جاء إلى سبتة، فاتهم بمخاطبة المرابطين؛ تفقه عليه شيخنا أبو عبد الله بن عيسى التميمي، وكان مختصًا به؛ والفقيه أبو عبد الله بن عبد الله.
والفقيه أبو إسحاق ابراهيم بن أحمد، وغيرهم؛ وابنه الفقيه أبو عبد الله، وسيأتي ذكره مع نظرائه (١).
الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمان ابن عبد الرحيم بن أحمد الكتامي (٢)
المعروف بابن العجوز، تقدم ذكر أبيه، وجده، وبيوته في علم، وشهرتهم؛ كان من جلة فقهاء سبتة، مقدمًا في المفتين بها، ومدرسيها؛ وعليه، وعلى ابن البربا، كانت عمدة الفتيا في وقتهما! كان حافظًا للمذهب، فقيهًا، أخذ عن أبيه. وجده؛ وحج مع أبيه، فلقي أبا إسحاق التونسي بالقيروان؛ وكانت بينه وبين ابن البربا، وحمود بن القاضي، مطالبات ومشاحنات؛ جرت عليه منها محنة بسبب كلمة قالها، وذلك انه خطب
стр. 2446
الخطبة يوم العيد فقال: "وأعدوا لهم ما استطعتم من عدة (١) ".
فقال الناس: أخطأ الخطيب، جعل مكان قوة عدة؛ فقال: هو الوزن فيه واحد، فقيل: كفر، وأفتى عليه أولياؤه بالاستتابة فسجن؛ ثم خرج فرحل إلى فاس هاربًا، فولاه أمير المسلمين ابن تاشفين قضاءها، فسن في القضاء (سننا) (٢)، وجعلهم يلبسون السراويلات نساء ورجالا، ولم يكونوا يلبسونها قبل؛ وسار بأحسن سيرة، وطال فيها إلى أن عزل عنها، ولحقته مهانة عند ولاية عدوه ابن أبي حجاج، فتمكن الناس من مطالبته، ثم نجاه الله؛ تفقه عليه القاضي أبو عبد الله بن عيسى، وعليه اعتمد، وأبو عبد الله بن عبد الله؛ وتوفي وترك ثلاثة من الولد: عبد الله، وعبد الرحيم، وعبد الرحمان - وهو أفقههم وأنبلهم، ويأتي (٣) ذكره (٤).
اسماعيل بن يربوع
هو اسماعيل بن محمد بن ابراهيم بن أبي العيش بن يربوع القيسي، تقدم ذكر أبيه، وجده؛ أخذ بسبتة عن جده أبي اسحاق، ورحل الى المشرق فحج، وسمع بمكة ومصر
стр. 2447
من جماعة، منهم: أبو الحسن بن صخر، وأبو زكرياء يحيى ابن مطرف؛ وتصرف في علوم كثيرة، وكان فقيهًا نبيلا، أديبًا شاعرًا؛ ولم تكن أصوله هناك في الاتقان، فخرج عن سبتة في أول ظهور المرابطين، فكان معهم هناك إلى أن توفي في أغمات (١).
حجاج بن قاسم المأموني أبو محمد
تقدم ذكر أبيه (٢)، سبتي الأصل والمولد والمنشأ؛ سمع عندنا من مشيخة أبيه، ورحل مع أبيه فحج، وسمع من أبي ذر، وأبي بكر بن سحموية، وأبي بكر المطوعي؛ وسكن المرية بعد انصرافه من المشرق مع أبيه، لمطالبة كانت بين الفقهاء بسبتة، فحاز فيها الرئاسة والجاه؛ ورحل آخر الحال إلى بلده سبتة في دولة المرابطين، فسمع منه البخاري، ومشكل ابن فورك؛ ثم سمع منه شيخنا قاضي القضاة أبو محمد بن منصور، وأبو علي بن طريف النحوي، والقاضي أبو القاسم بن العجوز، وأبو محمد النفزي المعروف بالمرسي الخطيب، وغيرهم (٣).
стр. 2448
مروان بن عبد الملك اللواتي
أصله طنجي، أبو محمد، سكن سبتة، ثم رجع إلى طنجة؛ وهو ممن طلب العلم، وتفنن في فنون منه؛ ورحل الى المشرق فحج، وسكن مصر؛ سمع أبا محمد بن الوليد، وأبا العباس بن نفيس، وابن هشام، وقرأ عليه القرآن؛ وكان ذا علم بالقرآن والنحو واللغة، ذا فهم في الفقه؛ آخذًا بأشعار العرب، خطيبًا مصقعًا، فصيح الكلام؛ جهوري الصوت، على نهج الأعراب؛ ولي الفتيا والخطبة بسبتة أيامًا، فلما انقضت ودخل أمير المسلمين بالمرابطين سبتة، دعاه لقضائها فتأبى، وأشار عليه بالفقيه ابن عبد الله قاضيها الأموي، فلم يرد أمير المسلمين - وكان قاضيًا للبرغواطي، فأشار عليه بعبود بن سعيد؛ وخرج هو إلى بلده طنجة؛ فلما صرف عنها ابن سهل، كتب اليه أمير المسلمين أن يرتاد بها قاضيًا، وأن ينظر في الأمور أثناء ذلك، وكلفه أشياء؛ وكان يسمى بالفقيه، وسلك مسلكًا عظيمًا من الغلظة والشدة؛ وكان كثيرًا ما يحتج في سطواته بقول عمر بن عبد العزيز. تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.
стр. 2449
وسمع الناس منه كثيرًا، ودرس المدونة؛ فيمن سمع عليه: القاضي عبود بن سعيد، وأبو اسحاق بن جعفر؛ قال (عياض): وخالاي أبو عبد الله، وأبو محمد ابنا الجوزي، وجماعة من أهل طنجة وغيرهم؛ وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.
وبيتهم بيت علم وجلالة، كان أخوه أبو الحسن علي بن عبد الملك من فقهاء طنجة وحفاظها؛ ويقال: أنه سمع مسائل من مروان، ولأخيه علي بنون قضاة: عبد الله بن علي، ولي قضاء غرناطة مدة، ثم استعفى فعوفي منها؛ وولي قضاء تلمسان، فبقي بها قاضيًا إلى أن مات، وكان ولي قبل - قضاء الجزيرة؛ وعبد الرحمان كان فقيهًا حافظًا، ولي قضاء مكناسة مدة كبيرة، وبقي إلى أن مات.
وترك ابنه علي بن عبد الرحمان، هو الآن - عام ثلاثين (١) وخمسمائة - على تلمسان موضع عمه.
وأما الفقيه مروان، فكان له بنون نجباء حفاظ، منهم: ابنه عبد الخالق - أكبرهم، ولي قضاء طنجة مكان أبيه، فمات فيها، وكان محمود السيرة؛ وأخوه عبد الوهاب ولي بعده قضاء طنجة، وكان لا يخاف في الله لومة لائم - إلى أن مات فيها:
стр. 2450
وعبد الرزاق بن مروان، حصل علومًا جمة، وجملة فرائض وحساب وآداب؛ (ولي قضاء طنجة)، (١) فبقي فيها - قاضيًا إلى أن توفي بها.
(وولده محمد وسم) (٢) بالزهد، ولي قضاء مكناسة، فعدل فيها عدلا لم يمكنه أن يبقى معه؛ فاستعفي وأكثر من الشكوى، فنقل الى المرية، فعدل فيها، وسلك مسلك العدل والزهد؛ فلم يقدر مع فساد الزمان، ولم يبقه على شيء؛ فارتحل إلى مراكش، ولقي أمير المسلمين - مبينًا أنه أراد تفهيمه؛ فلما وصل لم يستفهمه، وعلم مراده، فأشخص الى إشبيلية، فلم يسعه القيام بها، فأكثر الشكوى والاستعفاء؛ فعوفي ونقل إلى غرناطة، فكان بها إلى أن توفي بعد هبوطه من المرية، وكان بنو مروان من ندرات الزمان (٣).
حدور بن فتوح بن حميد بن فتوح الزناتي
اسمه عبد الله، وغلب عليه لقبه هذا، أبو محمد؛ أصله من أصيلا وسكن سبتة، وبها نشأ؛ أخذ صغيرًا عن مشيختها: أبي اسحاق بن يربوع، ومحمد بن أبي مسلم، وابن حمادة، ونمطهم.
стр. 2451
وسافر تاجرًا، فطلب بالأندلس والمغرب، وسكن سبتة مدة أيام البرغواطي - إلى ان قدم اليها مروان واستوطنها؛ وكان صالحًا فاضلا، والخير أغلب عليه من العلم، وكان مقبول القول عند الرؤساء (١).
محمد بن خلف بن سعيد التميمي
يعرف بابن العاصي، الملقب بالكمأة؛ عني بالدرس، وكان فقيهًا نظارًا، مائلا الى الحجة، وله رواية وفهم؛ وكان سمع من ابن العجوز، ومحمد المسيلي؛ وكان بينه وبين ابن البربا منافسة، درس المدونة، وجعل عليها تأليفًا في لفظها، له فيه كلام حسن؛ وامتحن آخر عمره، وأمر أن لا يفتي (٢)
ومن أهل الاندلس:
أبو عبد الله محمد بن فرج مولى ابن الطلاع (٣)
شيخ الفقهاء في عصره، وأسند من بقى في وقته؛ سمع من ابن مغيث، ومكي أبي محمد، وابن عابد، وابن جهور، والطرابلسي؛ وتفقه بأبي عمر بن القطان، وابن جرج؛ كان
стр. 2452
شيخاً فاضلا، فصيحاً، وكان قوالا بالحق، شديدا على أهل البدع، غير هيوب للامراء؛ شوور عند موت ابن القطان، ونفذ قوله، إلى أن دخل قرطبة المرابطون، فأسقط من الفتيا لتعصبه عليهم مع العبادية، فلم يستفت إلى أن مات؛ سمع منه عالم عظيم، ورحل إليه الناس من كل قطر لسماع الموطأ والمدونة، لعلوه في ذلك؛ سمع منه من شيوخ قرطبة: الفقيه أبو الوليد هشام بن أحمد، وحدث عنه القاضي أبو عبد الله بن عيسى واستجازه، والقاضي أبو علي الصدفي؛ وألف كتاب أحكام النبي ﷺ وكتاب الشروط، وأخرج زوائد أبي محمد في المختصر، وألف مختصر أبي محمد على الولاء: توفي سنة سبع وتسعين وأربعمائة (١).
أبو جعفر أحمد بن محمد بن رزق الاموي (٢)
قرطبي جليل من الفقهاء، عني بالمسائل، تفقه على ابن القطان، وانتفع به وبغيره من شيوخ قرطبة؛ وولي الشورى بقرطبة، وكان حافظا فاضلا، أخذ عليه القرطبيون الفقه، وخرج عليه جماعة جلة، كأبي الوليد بن رشد، وصاحبه أبي القاسم
стр. 2453
أصبغ بن محمد، وأبي الوليد هشام بن أحمد، وغيرهم، كأبي عبد الله بن الحاج، وأبي محمد بن جعفر المرسي؛ وكان ﵀ مختصر الملابس، ما اكتسى قط، ولا فارق السوق، وكان صهر ابن عتاب على ابنته (١).
أبو الحسن علي بن حمدين التغلبي (٢)
أصله من جهة جيان، وسكن قرطبة، ونفقه بشيوخها؛ وكان بحلق بجامع قرطبة، وبداره، ويفتي؛ أخذ عنه ابنه أبو عبد الله قاضي الجماعة، وغيره (٣).
أبو الاصبغ عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي (٤)
أصله من جيان من البراجلة، سكن قرطبة، وتفقه بها: سمع حاتم الطرابلسي، وتفقه بابن عتاب ولازمه، واختص به؛ أخذ عن ابن القطان، وسمع بجيان من الفقيه هشام بن سوار،
стр. 2454
وبغرناطة من يحيى بن زكرياء القليعي الفقيه، وطليطلة من القاضي ابن أسد، وابن ارفع رأسه، وأجازه أبو عمر بن عبد البر؛ كان جيد الفقه في الأحكام، وله في الأحكام كتاب حسن، سماه "الأعلام، بنوازل الأحكام"، وولي بقرطبة الشورى، وكتابة حاكمها ابن جريس - إلى أن خرج مع القاضي أبي زيد الحشا كاتباً له؛ ثم فارقه لامر نقمه عليه، فدخل قرطبة مختفياً، وكان ابن عتاب يعلو به ويثني عليه.
وجاز البحر إلى سبتة، فنوه بمكانة صاحبها البرغواطي، فرأس فيها، وأخذ عنه جماعة من فقهائها؛ منهم: قاضي الجماعة أبو محمد بن منصور، والقاضي أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البصري، والفقيه أبو محمد بن جعفر ولازمه، وكتب له أيام قضائه بطنجة، وغرناطة؛ وسمع منه الفقيه أبو عبد الله بن عيسى التميمي، ثم ترك الرواية عنه؛ وسمع منه الفقيه أبو عبد الله ابن عبد الله.
قال (عياض): وسمع منه خالاي: أبو عبد الله، وأخوه ابنا الجوزي؛ وولي قضاء طنجة ومكناسة، ثم رجع إلى الاندلس فولي قضاء غرناطة إلى أن دخلها المرابطون، فبقي يسيراً ثم عفي منها، وبقي بغرناطة إلى أن توفي سنة نيف (١) وثمانين (٢).
стр. 2455
القاضي أبو عبد الله محمد بن خلف بن سعيد بن وهب (١)
المعروف بابن المرابط المربي، فقيه بلده ومفتيه؛ ولي قضاءه مدة، وكان من أهل الفقه والفضل والتفنن؛ سمع أبا القاسم المهلب، وأجازه أبو عمر الطلمنكي؛ وألف في شرح البخاري كتاباً كبيراً حسناً، ورحل إليه الناس وسمعوا؛ فممن أخذ منه من سبتة، شيخنا القاضي أبو عبد الله التميمي، والقاضي أبو علي الحافظ، والقاضي أبو محمد بن أبي جعفر، توفي بالمربة بعد (٢) الثمانين والاربعمائة (٣).
أبو عثمان طاهر بن هشام (٤)
من أهل المربة وكبار فقهائها ورواتها، وسمع منه خلق كثير: القاضي أبو علي - ولم يسمع منه؛ سمع المهلب، وابن سفيان، وأبا عمر بن عفيف؛ وحج ولقى جماعة؛ وسمع أبا ذر الهروي، وأبا مروان البوني، وأبا بكر بن أبي زيد (٥).