فلما رأى الوالى عزمه على السكوت، قدم الغلام فضربت عنقه، فلما سقط رأسه التفت مالك إلى من حضر وقال:
إنما قتلته بالحرابة (١٠٩) حين أخذ ثوب أخيه، ولم أقتله قودا إذ عفا أبواه.
فانصرف الناس وقد طابت نفوسهم حين رأوه بر في يمينه، إذ كان يعلم أنه لا يحنث.
* * *
قال حفص بن غياث: كان مالك بن أنس يجلس عند الوالي، فيعرض عليه أهل السجن، فيقول: اقطع هذا، واضرب هذا مائة، وهذا مائتين، وأصلب هذا، كأنه أنزل عليه كتاب.
قال أشهب: دعا بعض الأمراء مالكا يستشيره في شيء فدخل عليه، وأشار بقطع قوم وقتل قوم، وخرج علينا وهو يتبسم ويقرأ: "ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب" (١١٠).
стр. 282
باب في حكمه ووصاياه وآدابه
قال الفقيه القاضي رضى الله تعالى عنه:
قال مالك ﵀: إنما التواضع في التقى والدين، لا في اللباس.
وقال: التواضع ترك الرياء والسمعة.
وقال: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس وقال زيد بن الحسن: سمعته يقول: الزهد في الدنيا طيب المكسب وقصر الأمل (١١١).
وقال: الدنيا (١١٢) صحة البدن وطيب النفس من النعيم.
وقال التواضع في التقى والدين وليس في اللباس.
وروى ابن المبارك عنه أنه قال: من أحب أن تفتح له فرجة في قلبه، فليكن عمله في السر أفضل منه في العلانية.
وقال: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب.
وقد روى هذا الكلام عن ابن مسعود.
وقال ابن وهب عنه: طلب العلم حسن لمن رزق خيره، وهو قسم من الله، ولكن انظر ما يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسى فالزمه.
وقال: العلم نفور (١١٣) لا يأنس إلا بقلب تقى خاشع.
стр. 283
وروى ابن عبد الحكم: سئل مالك عن طلب العلم، أفريضة هو؟ قال: لا، ولا يطلب ما لا ينتفع به، ولا يطلب الأغاليط والألغاز والإكثار.
وفي رواية أشهب: سئل مالك عن طلب العلم، أفريضة هو؟ قال: (١١٤) والله ما كل الناس عالم، وإن منهم من لا آمره بطلبه، ثم قال: أما على كل الناس، فلا.
قال ابن وهب: قال مالك: خير الأمور ما كان منها واضحا (١١٥) بينا أمره، وإن كنت في أمرين أنت منهما في شك، فخذ بالذي هو أوثق.
وقال لابن وهب: أد ما سمعت وحسبك، ولا تحمل لأحد على ظهرك، فإنه كان يقال: أخسر الناس من باع آخرته بدنياه، وأخسر منه من باع آخرته بدنيا غيره.
وقال: ينبغى للرجل إذا خول علما وصار رأسا يشار إليه * بالأصابع، أن يضع التراب على رأسه، ويمقت نفسه إذا خلا بها، ولا يفرح بالرياسة فإنه إذا اضطجع في قبره وتوسد التراب ساءه ذلك كله.
وقال لأبي مسهر (١١٦): لا تسأل عما لا تريد، فتنسى ما تريد، فإنه من اشترى ما لا يحتاج إليه، باع ما يحتاج إليه.
وقال: من إدالة العلم أن تجيب كل من سألك، ولا يكون إماما من حدث بكل ما سمع، ومن العلم أن ينطق به قبل أن يسأل عنه.
وقال: ان المسألة إذا سئل فيها الرجل فلم يجب واندفعت عنه، فإنما هي بلية (١١٧) صرفها الله عنه.
وقال: لا يصلح طلب العلم لمفلس ولا لغنى متكبر.
وقيل له: ما أفضل ما يصنع العبد؟ قال: طلب العلم.
стр. 284
وقال: لولا النسيان كان أكثر الناس علماء.
وقال: إنما أهلك الناس تأويل ما لا يعلمون.
وقيل له: العالم يخطئ؟ قال: الذي دل عليه من الخير أكثر، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟ ولو لم يأمر بالمعروف إلا من ليس فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف.
وقال: من شأن ابن آدم أن لا يعلم، ثم يعلم، أما سمعت قول الله تعالى: "إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا" (١١٨).
وقال: إنما الحكمة مسحة ملك على قلب العبد.
وقال أيضا: الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد.
وقال أيضا: يقع لقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.
وقال أيضا: الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع له.
وقال في سماع ابن وهب وابن القاسم: الحكمة طاعة الله، والاتباع لها، والفقه في الدين، والعمل به.
وقال الفروى: سمعته يقول: إذا لم يكن للإنسان في نفسه خير، لم يكن للناس فيه خير.
وقال ابن وهب: سمعته يقول: لا خير في شيء من الدنيا وإن كثر، بفساد دين الرجل أو مروءته.
وقال: تعلموا العلم قبل العمل.
وقال: نقاء الثوب وحسن الهمة وإظهار المروءة (١١٩) جزء من بضع وأربعين جزءا من النبوة.
стр. 285
وقال لبعض بنى أخيه: إذا تعلمت علما من طاعة الله، فلير عليك أثره، ولير فيك سمته، وتعلم لذلك العلم الذي تعلمته السكينة والحلم والوقار.
وقال: حقا (١٢٠) على من طلب العلم أن يكون فيه وقار وسكينة (١٢١) وخشية، وأن يكون متبعا لآثار من مضى، وينبغي لأهل العلم أن يجلوا أنفسهم عن المزاح، وخاصة (١٢٢) إذا ذكروا العلم.
وقال: أدب الله القرآن، وأدب رسوله السنة، وأدب الصالحين الفقه.
وقال: لا يستكمل الرجل الإيمان حتى يخزن لسانه.
وقال لبعض أصحابه: لا تكثر الشخوص من بيتك إلا لأمر لابد لك منه، ولا تجلس في مجلس لا تستفيد فيه علما.
وقال سفيان: دخلت على مالك فقلت له: إن العلم كثير، فقال العلم شجرة أصلها بمكة، وأغصانها بالمدينة وأوراقها بالعراق، وثمرها بخراسان، فقال: اكتب يا غلام! فهذا من طرائف مالك.
قال الزبيرى: قلت لمالك: إن من الناس من آمرهم فيطيعونني، ومنهم من أن أمرتهم أتأذى منهم (١٢٣)، الشعراء يهجونني والمسلطون (١٢٤) يضربونني ويحبسونني، فكيف أصنع؟
قال: إن خفت وظننت أنهم لا يطيعونك، فدع، وأنكر بقلبك، ولك في ذلك سعة، ومن لم تخش منه فأمره وانهه، وخاصة إذا أردت به وجه الله ﵎، فانك إذا كنت كذلك، لم تر من الله إلا خيرا، وبخاصة إذا كان فيك شيء من لين، ألا ترى
стр. 286
قول الله تعالى لموسى وهارون: "فقولا له قولا لينا" الآية. فإذا قسوت في أمرك، لم يقبل منك، وتعرضت لما تكره، وخرجت من جملة أهل القرآن والعلم (١٢٥).
وقال في سماع أشهب وابن وهب وابن القاسم: من صدق في حديثه متع بعقله، ولم يضبه ما يصيب الناس من الهرم والخرف (١٢٦).
وقال له رجل: خرفت. فقال: إنما يخرف الكذابون (١٢٧).
وقال ابن المبارك: سمعته يقول: لا يصلح (١٢٨) الرجل حتى يترك ما لا يعنيه ويشتغل بما يعنيه، فإذا كان كذلك، يوشك أن يفتح الله له قلبه.
وروى ابن أبي أويس عنه أنه قال: إن كان بغيك (١٢٩) منها ما يكفيك، فأقل عيشها يغنيك، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى.
قال ابن وهب: سمعته يقول: ما زهد أحد في الدنيا إلا أنطقه الله بالحكمة.
وقال خالد بن حميد: سمعته يقول: عليك بمجالسة من يزيد في علمك قوله، ويدعوك إلى الآخرة فعله وإياك ومجالسة من يعللك قوله، ويعيبك دينه، ويدعوك إلى الدنيا فعله.
وقال ابن القاسم: ذكر مالك القصد وفضله ثم قال: إياك من القصد ما تحب أن ترتفع به، قيل: لم؟ قال: تعجب به.
قال مطرف: قال رجل لمالك: أوصنى!
стр. 287
قال: إذا هممت بأمر من طاعة الله، فلا تحبسه إن استطعت، فواقا (١٣٠)، حتى تمضيه، فإنك لا تأمن الاحداث، فإذا ما هممت بغير ذلك، فإن استطعت أن لا تمضيه فواقا فافعل، لعل الله يحدث لك تركه، ولا تستحى إذا دعيت لأمر ليس بحق أن تقول: قال الله في كتابه: "والله لا يستحيى من الحق" (١٣١)، وطهر ثيابك وأنقها من معاصى الله، وعليك بمعالى الأمور وكرائمها، واتق رذائلها وما يسفسف منها، فإن الله يحب معالى الأخلاق ويكره سفاسفها، وأكثر تلاوة القرآن، واجتهد أن لا تأتى عليك ساعة من ليل أو نهار إلا ولسانك رطب من ذكر الله، ولا تمكن الناس من نفسك، واذهب حيث شئت.
وقال: ما أسر عبد سريرة بخير إلا ألبسه الله رداءها، ولا أسر سريرة بشر إلا ألبسه الله رداءها.
وقال مالك للقعنبي: مهما تلاعبت بشيء فلا تلعب بدينك.
وقال لابنى أخته: إن أحببتما أن ينفعكما الله بهذا الأمر فأقلا منه وتفقها (١٣٢) فيه.
وقال: ما أكثر أحد قط فأفلح.
وقال ابن وهب: قال لي مالك: أنه لم يكن يسلم رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما أبدا، ومن الذل إهانة العلم عند من لا يطيعك.
قال ابن نافع: قال مالك (١٣٣) كل شيء ينفع فضله إلا الكلام.
قال مطرف: وكان مالك إذا ودعه أحد من طلبة العلم عنده، يقول لهم: اتقوا الله في هذا العلم، ولا تنزلوا به دار مضيعة، وبثوه ولا تكتموه.
стр. 288
وقال مصعب: كان مالك إذا أتاه موت أحد قال: الحمد لله رب العالمين، الذي أبقانا بعده، اللهم لا تجعله لنا فتنة.
قال ابن عبد الحكم وابن وهب: سمعت مالكا يقول: أول المعاصى الكبر والحسد والشح، حسد إبليس وتكبر فقال: "خلقتني من نار وخلقته من طين" (١٣٤) وقال الله تعالى، "فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة" (١٣٥) فشح آدم حتى أكل منها.
وقال أبو قرة: سمعت مالكا يقول: من علم أن قوله من عمله، قل كلامه، والقول من العمل.
قال أبو قرة: هو أشد من العمل، به يكون الإيمان والكفر.
وقال ابن وهب: سمعته يقول: من رضي بشيء كفاه، يعنى: القناعة منفعة لأهل الورع.
وقال مالك: خرق المرء أشد من عدمه، لأنه يستفيد المال بعد العدم، والخرق لا يبقى له شيئا (١٣٦).
وقال ابن وهب: قال لمالك رجل: أوصني! فقال: أوصيك أن تعمل صالحا وتأكل طيبا.
قال: وسمعته يقول: من أراد الله به خيرا جمع عليه شمله، ومن نعم الله تعالى على العبد أن يجمع عليه أمره، ومن بلواه عليه أن يشتت عليه أمره *
وسمعته يقول: التقرب من أهل الباطل هلكة، والقول الباطل، يصد عن الحق، ومن سعادة المرء أن يوفق للخير، ومن شقوة المرء أن لا يزال يخطئ.
قال: وسمعته يقول: إذا ظهر الباطل على الحق كان الفساد في الأرض، وقليل الباطل وكثيره هلكة، وإن لزوم الحق نجاة.
стр. 289
قال: وسمعته يقول: حقا (١٣٧) على طلب العلم، أن يكون فيه وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعا لآثار من مضى قبله.
وقال: من آداب العالم أن لا يضحك إلا تبسما.
وقال: لكل شيء دعامة، ودعامة المؤمن عقله، فبقدر ما يعقل يعبد ربه.
وقال: الإسلام واسع، إذا لم ترد إلا الحق فالإسلام أوسع من ذلك، ولا ينبغى أن يضيق، زاد في موضع آخر: إذا أقيمت حدوده.
قال: وسمعته يقول: يقال أن المؤمن حسن المعونة، يسير المؤونة، والفاجر بضده.
وفى سماعه منه قال: كنت أسمع عنه أن الرجل ليخطئ الخطيئة فيكون من يأس (١٣٨) عمله في الخير، زاد في سماع أشهب: ينيب إلى الله تعالى.
وقال القعنبي: سمعته يقول: إذا مدح الرجل نفسه ذهب بهاؤه.
قال ابن وهب: وسمعته يقول: الكلام في هذه المسائل المعضلة، يزيد العمى، ويفسدها (١٣٩).
وسمعته يقول: كثرة الكلام تمج العالم، وتذله، وتنقصه.
قال: وذكر الكلام ومراجعة الناس، فقال: من صنع هذا ذهب بهاؤه.
وكان يكره كثرة الكلام ويعيبه، ويقول: لا يوجد إلا في النساء والضعفاء.
قال: وكان يقال: نعم الرجل فلان، لولا أنه يتكلم كلام شهر في يوم.
стр. 290
قال خالد بن خداش (١٤٠): قلت لمالك أوصنى! قال: عليك بتقوى الله وطلب العلم عند أهله.
قال ابن القاسم: كنا إذا ودعنا مالكا يقول: اتقوا الله وانشروا هذا العلم وعلموه ولا تكتموه.
وقال: لن ينال هذا الأمر حتى يذاق فيه طعم الفقر.
وقال أبو قرة: سمعت مالكا يقول: تعلموا من العالم حتى لبس نعله
وقال أشهب: سمعته يقول: لا خير في رفع الصوت في المسجد، في العلم ولا في غيره، أدركت الناس قديما يعيبون ذلك.
وقال ابن وهب عنه: إذا كثر الكلام كان فيه الخطأ، وإذا أصيب الجواب قل الخطاب (١٤١).
وكان يقول حين يسأل ويستفتى: الكلام بالباطل يصد عن الحق.
وقال لابن وهب: اتق الله واقتصر على علمك، فإنه لم يقتصر أحد على علمه إلا نفع وانتفع، فإن كنت تريد بما طلبت ما عند الله فقد أصبت ما تنتفع به، وإن كنت تريد بما تعلمت الدنيا فليس في يدك شيء.
وفى رسالة مالك إلى أبي قرة:
إنى أرى الصواب في ترك تعلم المسائل التي قد ينتفع ببعضها، إذا كان فيها من المضرة ما يخاف على صاحبها الخطأ والفتنة، فكيف بغيرها من المسائل التي لا منفعة فيها؟
قال ابن وهب: قال مالك: إنما قبحت الأشياء حين تعدى (١٤٢) بها منازلها.
стр. 291
وقال: طلب الرزق في شبهة أحسن من الحاجة إلى الناس.
وقال: الزهد في الدنيا طيب المكسب وقصر الأمل.
وقال: الناس في العلم أربعة، رجل علم فعمل به وعلمه، فمثله في كتاب الله قوله: "إنما يخشى الله من عباده العلماء"، ورجل علم فعمل به ولم يعلمه، فمثله في كتاب الله: "ان الذين يكتمون ما أنزلنا" الآية، ورجل لم يعلم ولم يعمل به، فمثله قوله: "ان هم إلا كالأنعام" (١٤٣).
وقال: من عيب القاضي أنه إذا عزل لم يرجع لمجلسه الذي كان يتعلم فيه (١٤٤).
وأفتى مالك على بعض الشعراء بما لم يوافقه فقال له:
يا أبا عبد الله! أتظن الأمير (١٤٥) لم يكن يعرف هذا القضاء الذي قضيته على؟ * وإنما أرسلنا (١٤٦) إليك لتصلح بيننا فلم تفعل، بالله لأقطعن جلدك هجاء!
فقال له مالك: يا هذا! أتدرى ما وصفت به نفسك؟ وصفتها بالسفه والدناءة، وهما اللذان لا يعجز عنهما أحد، فإن استطعت فأت غيرهما مما تنقطع دونه الرقاب من الكرم والمروءة.
وقال ابن وهب: قال مالك: كفى بك ظالما ألا تزال مخاصما.
وقال: من روى عن ضعيف فقد بدأ (١٤٧) بنفسه.
وقال: الإعراب حلى اللسان.
وقال: أهوال الدنيا ثلاثة، ركوب البحر، وركوب فرس عربي، وتزويج حرة.
стр. 292
باب في ذكر الموطأ وتأليف مالك إياه
قال الإمام القاضي ﵁:
قال ابن مهدى: ما كتاب بعد كتاب الله أنفع للناس من الموطأ.
وقال: لا أعلم من علم الناس (١٤٨) بعد القرآن أصح من موطأ مالك.
قال ابن وهب: من كتب موطأ مالك فلا عليه ألا يكتب (١٤٩) من الحلال والحرام شيئا.
وقال الشافعي: ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك.
وقال: ما على الأرض كتاب أصح من كتاب مالك، وفي رواية "أفضل". وما كتب الناس بعد القرآن شيئا هو أنفع من موطأ مالك، وإذا جاء الأثر من كتاب مالك فهو في الثريا (١٥٠).
قال سعيد بن أبي مريم: وكان ابنا أخيه بالعراق، ولو جمعا بالعراق، عمرهما، ما أتيا بعلم يشبه موطأ مالك.
وقال في رواية أخرى: ما جاءا بسنة مجمع عليها خلاف ما في الموطأ (١٥١).
وقال ابن حنبل: ما أحسن الموطأ لمن تدين به.
قال الدراوردي: كنت نائما في الروضة بين القبر والمنبر، فرأيت النبي ﷺ قد خرج من القبر متكئا على أبي بكر وعمر، فمضى ثم رجع، فقمت إليه فقلت له: يا رسول الله من أين جئت؟
стр. 293
قال: مضيت إلى مالك بن أنس فأقمت له الصراط المستقيم، قال: فأتيت مالكا فوجدته يدون الموطأ، فأخبرته بالخبر فبكى.
* * *
وروى أبو مصعب أن أبا جعفر قال لمالك: ضع للناس كتابا أدلهم (١٥٢) عليه، فكلمه مالك في ذلك، فقال: ضعه، فما أحد اليوم أعلم منك، فوضع الموطأ، فلم يفرغ منه حتى مات أبو جعفر.
وقال أبو مصعب: سمعت مالكا يقول: دخلت على أبي جعفر بالغداة حين وقعت (١٥٣) الشمس بالأرض، وقد نزل عن ماله (١٥٤) إلى بساطه، وعلى البساط برذونان قائمان من حين دخلت إلى حين خرجت، لا يبولان ولا يروثان أدبا، وإذا بصبي يخرج ثم يرجع، فقال:
- أتدري من هذا؟
قلت: لا.
قال: هذا ابني، وإنما يفزع من شيبتك.
وفي رواية: استنكر قرب مجلسك منى ولم ير به أحدا غيرك قط، وحقيق أنت بكل خير، وخليق بكل إكرام - وكان قد أدناه إليه وألصق ركبته بركبته - فلم يزل يسألنى حتى أتاه المؤذن بالظهر، فقال لي:
أنت أعلم الناس، وفي رواية: "أهل الأرض".
فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين.
قال: بلى، ولكنك تكتم ذلك، وفى رواية: فما أحد أعلم منك اليوم بعد أمير المؤمنين، وإن بقيت لأكتبن كتبك (١٥٥) بماء الذهب، وفي رواية: كما تكتب المصاحف، ثم أعلقها في الكعبة، فأحمل الناس عليها.
стр. 294
فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن في كتابى حديث رسول الله ﷺ ، وقول الصحابة، وقول التابعين، ورأى هو إجماع أهل المدينة لم أخرج عنهم، غير أنى لا أرى أن يعلق في الكعبة.
قال: وقال له أبو جعفر وهو بمكة: اجعل العلم يا أبا عبد الله علما واحدا.
قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين أن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في البلاد، فأفتى كل في مصره بما رأي، وفى رواية (١٥٦): أن لأهل البلاد قولا، وإن لأهل المدينة قولا، ولأهل العراق قولا قد تعدوا فيه طورهم.
فقال: أما أهل العراق فلست أقبل منهم صرفا ولا عدلا، وإنما العلم علم أهل المدينة، فضع (١٥٧) للناس العلم.
وفي رواية: فقلت له: أن أهل العراق لا يرضون علمنا.
فقال أبو جعفر: تضرب عليه عامتهم بالسيف، وتقطع عليه ظهورهم بالسياط.
وفى بعضه: أن أبا جعفر قال له: إني عزمت أن أكتب كتبك هذه نسخا، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين نسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوها إلى غيرها من هذا العلم المحدث، فإنى رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم.
فقلت له: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا له من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم.
فقال: لعمرى لو طاوعتنى على ذلك لأمرت به.
стр. 295
وفى رواية أن المنصور قال له: يا أبا عبد الله: ضم هذا العلم (١٥٨)، ودون كتبا، وجنب فيها شدائد عبد الله بن عمر، ورخص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود، واقصد أوسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة.
وروى ابن مهدي: قال له ضع كتابا أحمل الأمة عليه.
فقال له مالك: أما هذا الصقع - يعنى المغرب - فقد كفيتكه (١٥٩)، وأما الشام ففيه الأوزاعي، وأما أهل العراق فهم أهل العراق.
* * *
قال عتيق الزبيرى: وضع مالك الموطأ على نحو من عشرة آلاف حديث، فلم يزل ينظر فيه كل سنة، ويسقط منه، حتى بقى هذا، ولو بقى قليلا لأسقطه كله.
قال القطان: كان علم الناس في زيادة، وعلم مالك في نقصان، ولو عاش مالك لأسقط علمه كله، يعني: تحريا.
قال سليمان بن بلال: لقد وضع مالك الموطأ وفيه أربعة آلاف حديث أو قال "أكثر" فمات وهى ألف حديث ونيف، يخلصها عاما عاما بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في الدين.
وقال مالك - وذكر له الموطأ - فقال: فيه حديث رسول الله ﷺ ، وقول الصحابة والتابعين، ورأيي، وقد تكلمت برأيي (١٦٠)، وعلى الاجتهاد، وعلى ما أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، ولم أخرج من جملتهم إلى غيره.
وقال أبو موسى الأنصاري: وقعت النار في منزل رجل، فاحترق كل شيء في البيت إلا المصحف والموطأ.
стр. 296
قال ابن أبي أويس: قيل لمالك: قولك في الكتب (١٦١): "الأمر المجتمع عليه" و "الأمر عندنا" أو "ببلدنا" و "أدركت أهل العلم" و "سمعت بعض أهل العلم"؟
فقال: أما أكثر ما في الكتب "فرأيى" فلعمرى ما هو برأيي، ولكن سماع من غير واحد من أهل العلم والفضل والأئمة المقتدى بهم الذين أخذت عنهم، وهم الذين كانوا يتقون الله، فكثر على فقلت: "رأيي" وذلك رأيي إذ كان رأيهم مثل رأى الصحابة، أدركوهم عليه، وأدركتهم أنا على ذلك، فهذا وراثة توارثوها قرنا عن قرن إلى زماننا.
وما كان "أرى" فهو رأى جماعة ممن تقدم من الأئمة.
وما كان فيه "الأمر المجتمع عليه" فهو ما اجتمع عليه من قبول أهل الفقه والعلم لم يختلفوا فيه.
وما قلت: "الأمر عندنا" فهو ما عمل الناس به عندنا، وجرت به الأحكام، وعرفه الجاهل والعالم.
وكذلك ما قلت فيه "ببلدنا" وما قلت فيه: "بعض أهل العلم" فهو شيء استحسنته من قول العلماء.
وأما ما لم أسمع منه (١٦٢)، فاجتهدت ونظرت على مذهب من لقيته، حتى وقع ذلك موقع الحق أو قريبا منه، حتى لا يخرج عن مذهب أهل المدينة وآرائهم، وإن لم أسمع ذلك بعينه، فنسبت الرأى إلى بعد الاجتهاد (١٦٣) مع السنة، وما مضى عليه أهل العلم المقتدى بهم، والأمر المعمول به عندنا منذ لدن رسول الله ﷺ والأئمة الراشدين، مع من لقيت، فذلك رأيهم ما خرجت إلى غيرهم.
стр. 297
وذكر أحمد بن عبد الله الكوفى في تاريخه، أن كل ما قال فيه مالك في موطئه: "الأمر المجتمع عليه عندنا" فهو من قضاء سليمان بن بلال، وهذا لا يصح.
قال: وما أرسله فيه عن ابن مسعود، فرواه عبد الله بن إدريس الأودى (١٦٤).
وما أرسله عن غيره فعن ابن مهدي.
وقال الدراوردى: إذا قال مالك: "على هذا أدركت أهل العلم ببلدنا" و "الأمر عندنا" فإنه يريد ربيعة، وابن هرمز.
* * *
قال عمر بن أبي سلمة: ما من مرة أقرأ الجامع من الموطأ، إلا رأيت في منامي رجلا يقول لي: هذا حديث رسول الله ﷺ .
قال: فلما قدمنا المدينة بوسيلة إلى مالك، قال لي: احضر غدا بكتاب المدبر والمكاتب فإنهم اجتمعوا على أن يقرأوه. فبت ليلتي، فرأيت قائلا يقول وأنا نائم: غدا يقرأ على مالك حديث رسول الله ﷺ ، فغدوت إلى مالك ومعى الكتابان، فلما رآني قال لي: أي شيء معك؟ قلت: المكاتب والمدبر، فقال: أنه بدا لهم وأجمعوا على قراءة الجامع، فذكرت له الرؤيا، فقال لي مالك: صدق، وهو حديث رسول الله ﷺ .
قال صفوان بن عمر بن عبد الواحد: عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يوما، فقال: كتاب ألفته في أربعين سنة، أخذتموه في أربعين يوما، ما أقل ما تفقهون فيه!
قال غيره: أول من عمل الموطأ، عبد العزيز بن الماجشون، عمله كلاما (١٦٥) بغير حديث، فلما رآه مالك قال: ما أحسن ما عمل، ولو كنت أنا لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام.
стр. 298
ثم عزم على تصنيف الموطأ، فعمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء (١٦٦) الموطيات فقيل لمالك:
شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله، فقال: ايتونى بها، فنظر فيه ثم نبذه، وقال: لتعلمن ما أريد به وجه الله تعالى.
قال مطرف: قال لي مالك: ما يقول الناس في موطئى؟ فقلت: الناس رجلان: محب مطر، وحاسد مفتر. فقال: أن مد بك العمر، فسترى ما يراد به الله (١٦٧).
قال: فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار، ما سمع منها بعد ذلك شيء يذكر.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما وضع مالك الموطأ، جعل أحاديث زيد في آخر الأبواب، فقلت له في ذلك، فقال: أنها كالشرح لما قبلها.
قال أبو داود: قيل لمالك: ليس في كتابك حديث غريب. قال: سررتني.
وقال أبو زرعة: لو حلف رجلا بالطلاق على أحاديث مالك التي بالموطأ أنها صحاح كلها، لم يحنث، ولو حلف على أحاديث غيره كان حانثا.
وقال ابن سوار الجرمى (١٦٨): سمعت مالكا يقول: "الأمر عندنا كذا" فأخبرت به ابن أبي ذيب، فقال: ما يحل لمالك أن يقول هذا، ليس هذا مما ظن عليه (١٦٩).
قال: فأعلمت به مالكا، فقال: أنا لا أعتد برأى ابن أبي ذيب، أنما أعتد بمن أدركته من أهل العلم.
стр. 299
ذكر ما قيل في الموطأ من الشعر
من ذلك قول سعدون الورخسي (١٧٠) *
أقول لمن يروى الحديث ويكتب … ويسلك سبل الفقه فيه ويطلب
إن أحببت أن تدعى لدى الخلق عالما … فلا تعد ما تحوى من العلم يثرب
أتترك دارا كان بين بيوتها … يروح ويغدو جبرئيل المقرب
ومات رسول الله فيها، وبعده … بسنته أصحابه قد تأدبوا
وفرق شمل العلم في تابعيهم … وكل امرئ منهم له فيه مذهب
فخلصه بالسبك للناس مالك … ومنه (١٧١) صحيح في المجس وأجرب
فأبرى (١٧٢) بتصحيح الرواية داءه … وتصحيحه فيها (١٧٣) دواء مجرب
ولو لم يلح نور الموطأ لمن يرى … بليل عماه ما درى أين يذهب
فبادر موطا مالك قبل فوته … فما بعده إن فات للحق مطلب
ودع للموطا كل علم تريده … فإن الموطأ الشمس، والغير كوكب
هو الأصل طاب الفرع منه لطيبه … ولم لا يطيب الفرع والأصل طيب؟
стр. 300
هو العلم عند الله بعد كتابه … وفيه لسان الصدق بالحق معرب
لقد أعربت آثاره ببيانها … فليس لها في العالمين مكذب
ومما به أهل الحجاز تفاخروا … بأن الموطأ في العراق محبب
ومن لم تكن كتب الموطأ ببيته … فذاك من التوفيق بيت مخيب
أتعجب منه إذ علا في حياته؟ … تعاليه من بعد المنية أعجب!
جزى الله عنا، في موطاه، مالكا … بأفضل ما يجزى اللبيب المهذب
لقد أحسن التحصيل في كل ما روى … كذا فعل من يخشى الإله ويرهب
لقد فاق أهل العلم حيا وميتا … فأضحت به الأمثال للناس تضرب
وما فاقهم إلا بتقوى وخشية … وإذ كان يرضى في الإله ويغضب
فلا زال يسقى قبره كل عارض … بمندفق ظلت عزاليه تسكب (١٧٤)
ويسقى قبورا حوله دون سقيه … فيصبح فيما بينها وهو معشب
وما بي بخل أن تسقى كسقيه … ولكن حق العلم أولى وأوجب
وقال أبو طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني في ذلك:
أعم الكتب نفعا للفتيه … موطا مالك، لا شك فيه
فلا تبدأ بشيء من سماع … سواه عن إمام ترتضيه
وصاحب من يعظمه وجانب … كتاب جميع من قد يزدريه
وقال القاضي المؤلف ﵁، في ذلك:
إذا ذكرت كتب العلوم فخيرها … كتاب الموطأ (١٧٥) من تصانيف مالك
стр. 301
أصح أحاديثا وأثبت سنة … وأوضحها في الفقه نهجا لسالك
أسانيد، أمثال الرواسي، صحيحة … ورأى كأنوار النجوم الشوابك (١٧٦)
* هو الحجة الغراء والعصمة التي … ينجى هداها من جميع المهالك
به يهتدى في كل أمر ويقتدى … وفيه جلاء المشكلات الحوالك
عليه مضى الإجماع في كل أمة … على رغم خيشوم الحسود المماحك
وأول تصنيف تهذب فاغتدى … يعلم كلا نهج تلك المسالك
بتأليف أشكال وحسن عبارة … وإتقان ترتيب لتلك المدارك
فجاء كما حلى الوشاح منظم (١٧٧) … وخلص محض التبر تخليص سابك
فعنه فخذ علم الديانة خالصا … ومنه استفد شرع (١٧٨) النبي المبارك
وشد به كف الضنانة (١٧٩) تحتوى … فمن حاد عنه هالك في الهوالك (١٨٠)
стр. 302
باب اعتناء الناس بكتاب الموطأ وتهممهم به
قال القاضي ﵁:
لم يعتن بكتاب من كتب الفقه والحديث (١٨١) اعتناء الناس بالموطأ، فإن الموافق والمخالف أجمع على تقديمه وتفضيله وروايته وتقديم حديثه وتصحيحه.
وقد ذكرنا من ذلك في الباب قبله طرفا، ونذكر بعد هذا بابا فيمن رواه من الجلة عن مالك إن شاء الله.
فأما من اعتنى بالكلام على رجاله وحديثه والتصنيف في ذلك، فعدد كثير من المالكيين وغيرهم، ومن أصحاب الحديث والعربية، وجمع كثير منهم حديث مالك من الموطأ وغيره.
فممن ألف في ذلك القاضي إسماعيل، صنع موطأه المسند عن رجاله إلى مالك بن أنس، من موطيات مالك وسائر حديثه.
وألف مسند حديث مالك.
وألف أيضا شواهد الموطأ.
وألف مسند الموطأ، قاسم بن أصبغ.
وأبو القاسم الجوهرى.
وأبو الحسن القابسى في كتابه: الملخص.
وألف مسند الموطيات أبو ذر الهروى.
وألف حديث مالك، أبو بكر القباب.
стр. 303
وألف مسند الموطأ أيضا، أبو الحسن على بن خلف السجلماسي، رواه عنه عبدوس بن محمد.
ومثله للمطرز.
ولأبي عبد الله الجيزى.
ولا حمد بن فهزاد (١٨٢) الفارس.
وللقاضي ابن مفرج.
ولابن الأعرابى.
ومسند حديث مالك ورأيه: محمد بن شروس الصنعاني.
وحديث مالك، رواية ابن نافع الزبيرى.
وألف مسند حديث مالك، أبو عبد الرحمن النسائي.
وأبو محمد بن عدى الجرجاني.
وأحمد بن إبراهيم بن جامع السكوى (١٨٣).
وقبدار بن الأعرابي.
وابن عفير.
وأبو عبد الله السراج النيسابورى.
وأبو بكر بن زياد النيسابوري.
وأبو العرب التميمي.
وأبو حفص بن شاهين.
وعبد العزيز بن سلمة.
وأبو القاسم الحافظ الأندلسي.
أبو عمر بن عبد البر.
والقاضي ابن مفرج.
стр. 304
ومحمد بن عيشون الطليطلي.
وألف أبو القاسم الجوهرى أيضا مسند (١٨٤) حديث مالك خارج الموطأ.
وأبو بكر محمد بن عيسى الحضرمي.
وعبد الغني بن سعيد.
وأبو الفضل بن أبي عمران الهروى (١٨٥).
وألفه أبو الحسن الدارقطني أيضا.
وله كتاب في اختلاف الموطيات.
وألف غريب حديث مالك أفلح بن أحمد.
وابن الجارود.
وقاسم بن أصبغ.
ولأبي الحسن الدارقطني تأليف في الأحاديث التي خولف فيها مالك.
والبزار تأليف في نحو هذا.
ولمحمد بن أبى المظفر الحافظ، كتاب فيما وصله مالك مما ليس في الموطأ.
وألف مسند الموطأ، رواية القعنبي، أبو عمر بن خضر الطليطلي* وإبراهيم بن نصر السرقسطي.
ولأبي بكر أحمد بن سعيد بن فوضخ الإخميمي مسند الموطأ.
وألف مسند حديث مالك، أبو سليمان محمد بن عبد الله بن زيد.
وأسامة بن علي بن سعيد المصرى.
وموسى بن هارون الحمال.
وأبو نعيم الحلبى القلانسي.
стр. 305
وللقاضي أبي بكر بن السليم، كتاب التوصيل مما ليس في الموطأ ولأبي الحسن بن أبى طالب العابر كتاب موطأ الموطأ.
ولأبي بكر بن ثابت الخطيب كتاب أطراف الموطأ.
وصنع يحيى بن مزين، عليه، كتابه في شرحه، وكتابه المسمى بالمستقصية في علله.
واختصر محمد بن أبي زمنين شرحه له في كتابه المسمى بالمغرب.
ولابن مزين أيضا كتاب في رجاله.
ولابن وهب فيه شرح.
وكذلك لعيسى بن دينار.
ولعبد الله بن نافع الصائغ.
ولحرملة بن بن يحيى.
ولمحمد بن سحنون.
ولابن حبيب، ولمسلم، تأليف في شيوخ مالك.
وللبرقى كتاب في رجال الموطأ.
وكذلك لأبي عمر الطلمنكي.
وكذلك للقاضي أبي عبد الله بن الحذاء.
ولأبي عبد الله بن مفرج كتاب في ذلك.
وللبرقى أيضا شرح لغريبه.
ولأحمد بن عمران الأخفش كتاب في غريبه.
ولأبي القاسم العثمانى المصرى شرح غريبه أيضا.
ولأبي جعفر الداودي كتابه، النامي، في شرحه.
ولأبي مروان القنازعى كتابه المشهور في شرحه أيضا.
ولأبي عبد الملك البوني كتابه في شرحه، مشهور أيضا.
стр. 306
ولابن حوط جمع الموطأ من رواية ابن وهب وابن القاسم.
ورأيت لغيره جمعا من رواية يحيى بن يحيى الأندلسي وأبي مصعب.
ولأبي عمر بن عبد البر كتاباه الكبيران المشهوران في الكلام عليه وشرح معانيه، وهما كتاب التمهيد، وكتاب الاستذكار، وله كتاب التقصى في مسند حديثه ومرسله، وكتاب في حديث مالك خارج الموطأ.
وللقاضي أبي الوليد الباجى كتبه المشهورة أيضا عليه: المنتقى، وكتاب الإيماء، وكتاب الاستيفاء، لكن هذا لم يتم، وهو كان أكبرها وأجمعها.
وله كتاب اختلاف الموطيات.
وللقاضى أبى الوليد الصفار كتاب الموعب، في شرحه، لم يكمله.
وللقاضى محمد بن سليمان بن خليفة كتابه الكبير، في شرحه، المسمى بالمحلى.
ولأبي بكر بن سابق الصقلي كتابه، في شرحه، المسمى بالمسالك.
ولأبي محمد بن حزم الظاهرى كتاب في شرحه أيضا.
وكان شيخنا القاضي أبو عبد الله بن الحاج قد ألف في شرحه تأليفا كبيرا.
وكذلك شيخنا الفقيه أبو الوليد بن العواد، ألف تأليفا جمع فيه بين الاستذكار والتمهيد، توفي ﵀ قبل تمامه.
ولأبي محمد بن السيد البطليوسى النحوى كتاب، في شرحه أيضا، كبير، سماه المقتبس.
وتوجيه الموطأ لأبي عبد الله بن عيشون الطليطلي.
ولأبي سعيد عمران بن عبد ربه المعافرى الأندلسي المعروف بالدباغ، عمل في كتاب دلائل أبي محمد الأصيلي وتأليفه على أبواب الموطأ، ووقفت عليه.
ولأبي القاسم بن الجد كتاب في اختصار التمهيد.
стр. 307
ولابن عبد البر في حديث الموطأ، وبعضهم ينسبه إلى أبى عبد الله مالك بن وهيب.
والشيخ حازم بن محمد بن حازم كتابه المسمى بالمسهر عن أثر الموطأ (١٨٦) في أربعين جزءا.
وفى الموطأ تفسير أيضا لرجل قرطبى يعرف بأبي الحسن (١٨٧) الإشبيلي.
ولرجل آخر يسمى بابن شراحيل.
ولأبي عمر الطلمنكي فيه تفسير لم يكمله.
وكذا للقاضي أبى عبد الله بن الحذاء.
وشرح مسند الموطأ للقاضى يونس بن مغيث، وهو شرح الملخص.
وشرحه أيضا * أبو القاسم المهلب بن أبي صفرة وأخوه أبو عبد الله.
ولأبي محمد بن يربوع المحدث، ممن لقيناه، كتاب في الكلام على أسانيده، سماه تاج الحلية وسراج البغية.
وللشيخ عاصم النحوى كتاب في شرحه لم يكمله أيضا.
وشرح الملخص أبو بكر بن موهب العنبرى (١٨٨) في أسفار كثيرة.
стр. 308
باب ذكر من روى الموطأ من الجلة والأئمة والمشاهير والثقات عن مالك ﵀، وروي عن أكثرهم في المشرق والمغرب
منهم:
عبد الرحمان بن القاسم.
عبد الله بن وهب.
مطرف بن عبد الله.
أبو مصعب الزهرى.
محمد بن إدريس الشافعي.
عبد الله بن عبد الحكم.
يحيى بن بكير.
محمد بن الحسن، صاحب أبي حنيفة.
مصعب بن عبد الله الزبيرى.
وأخوه بكار.
وابنه الزبير بن بكار.
يحيى بن يحيى النيسابورى.
يحيى بن يحيى الأندلسي.
أبو قرة السكسكي.
محمد بن المبارك الصورى.
عبد الله بن مسلمة القعنبي.
стр. 309
عبد الله بن يونس التنيسي.
أبو حذافة السهمي، بغدادي (١٨٩).
أحمد بن منصور التامراني (١٩٠).
قتيبة بن سعيد الخراساني.
معن بن عيسى، مدني (١٩١).
عتيق بن يعقوب الزهرى.
أسد بن الفرات القروى.
إسحاق بن عيسى الطباع، شامي.
يزيد المعنى، بغدادي.
حفص بن عبد السلام، أندلسي.
وأخوه حسان.
حبيب بن أبي حبيب، كاتبه.
خلف بن جرير بن فضالة، قروى.
خالد بن نزار الإيلي.
الغازى بن قيس، أندلسي.
قرعوس بن العباس، أندلسي.
محمد بن يحيى النسائي، أندلسي.
محرر المدني، وأراه، ابن هارون بن عبد الله الهديري (١٩٢).
стр. 310
يحيى بن مالك.
وابنته فاطمة.
يحيى بن صالح الوحاظى، شامي (١٩٣).
ويحيى بن مضر، أندلسي.
سعيد بن الحكم بن أبي مريم، مصرى.
سعيد بن كثير بن عفير، مصري.
سعيد بن أبي هند، أندلسي.
سعيد بن عبدوس، أندلسي.
سليمان بن برد، مصري.
عبد الأعلى بن مسهر الدمشقى.
عبد الرحيم بن خالد المصرى.
سويد بن سعيد الحدثاني.
إسماعيل بن أبى أويس.
وأخوه أبو بكر.
على بن زياد التونسي.
عباس بن أصبح، أندلسي (١٩٤).
عيسى بن شجرة، تونسى.
أيوب بن صالح المزني، سكن الرملة.
عبد الرحمن بن هند، طليطلي، أندلسي.
وعبد الرحمان بن عبد الله، أشبونى، أندلسي.
стр. 311
وعبد الرحمن بن حيان الدمشقى (١٩٥).
سعيد بن داود بن سعيد بن أبي زنبر، مدني.
- * -
قال القاضي ﵁: فهؤلاء الذين حققنا أنهم رووا عنه الموطأ، ونص على ذلك أصحاب الأثر والمتكلمون في الرجال.
وقد ذكروا أيضا أن محمد بن عبد الله الأنصاري البصري أخذ الموطأ عنه كتابة.
وإسماعيل بن صالح أخذه عنه مناولة.
وأما أبو يوسف القاضي فرواه عن رجل، عنه.
وذكروا أن الرشيد وبنيه الأمين والمامون والمؤتمن أخذوا عنه الموطأ.
وقد ذكر عن المهدى والهادى أنهما سمعا منه ورويا عنه، وأنه كتب الموطأ للمهدى (١٩٦).
ولا مرية أن رواة الموطأ أكثر من هؤلاء من جملة أصحابه ومشاهير رواته، ولكنا إنما ذكرنا من بلغنا نصا، سماعه له منه (١٩٧)، وأخذه له عنه، أو من اتصل إسنادنا له فيه عنه.
والذي اشتهر من نسخ الموطأ، مما رويته، أو وقفت عليه، أو كان في رواية شيوخنا ﵏، أو نقل منه أصحاب اختلاف الموطيات، نحو عشرين نسخة، وذكر بعضهم أنها ثلاثون نسخة.
وبالله التوفيق.
стр. 312
باب في ذكر تواليف مالك غير الموطأ
* قال الإمام القاضي ﵁:
اعلموا وفقكم الله أن لمالك ﵀ أوضاعا شريفة مروية عنه، أكثرها بأسانيد صحيحة، في غير فن من العلم، لكنه لم يشتهر عنه منها، ولا واظب على إسماعه وروايته، غير الموطأ، مع حذفه منه وتلخيصه له شيئا بعد شيء.
وسائر تواليفه إنما رواها عنه من كتب بها إليه، أو سأله إياها، أو آحاد من أصحابه، ولم تروها الكافة.
- * -
فمن أشهرها رسالته إلى ابن وهب في القدر والرد على القدرية، وهو من خيار الكتب في هذا الباب، الدال على سعة علمه بهذا الشأن ﵀.
وقد حدثنا بها غير واحد من شيوخنا بأسانيدهم المتصلة إلى مالك ﵀.
منهم الفقيه أبو محمد بن عتاب، حدثنا بها هو وغيره عن حاتم بن محمد، عن أبي محمد بن دنير الطليطلي، عن أبي الفرج عبد الله بن عبد الوارث، عن محمد بن أحمد بن سعدون، عن محمد بن سحنون، عن عبد العزيز بن يحيى القرشي (١٩٨)، عن ابن وهب.
стр. 313
وأخبرنى بها القاضي أبو على الصدفي، عن القاضي أبي الوليد الباجي، عن أبي محمد بن الوليد، عن أبي محمد بن أبي زيد، عن سعدون بن أحمد الخولالي، عن محمد بن عبد الحكم، عن ابن وهب.
وهذا سند صحيح، مشهور الرجال، وكلهم أئمة ثقات.
- * -
ومنها كتابه في النجوم وحساب مدار الزمان ومنازل القمر، وهو كتاب جيد مفيد جدا، قد اعتمد عليه الناس في هذا الباب، وجعلوه أصلا، وعليه اعتمد أبو محمد عبد الله بن مسرور القروى في تأليفه في هذا الباب وصدر بفصوله، وقد أدخل جميعه صاحبا كتاب الاستيعاب لأقوال مالك: أبو عبد الله المعيطى، وأبو عمر بن المكوى، في جامع كتابهما الكبير.
قال سحنون: وهو مما انفرد بروايته عن مالك عبد الله بن نافع الصائغ. قال سحنون: سمعته من ابن نافع.
وهو في روايتنا عنه من طرق غير واحد من شيوخنا، عن أبي القاسم الطرابلسي، عن ابن دنير (١٩٩)، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عيسى، عن بعض أصحابه، عن محمد بن ميسور، عن إبراهيم بن هلال ومطرف بن قيس، عن سحنون، عن عبد الله بن نافع الصائغ، عن مالك.
وعن غير واحد، عن أبي عبد الله بن عتاب، عن أبي القاسم خلف بن يحيى، عن أبي جعفر تميم بن محمد، عن أبيه، عن عبد الجبار بن خالد وأحمد بن أبي سليمان، عن سحنون.
قال أبو القاسم: وحدثنا به أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خالد، عن أبيه، عن إبراهيم بن هلال، عن سحنون.
وهذا أيضا سند صحيح، رواته كلهم ثقات.
- * -
стр. 314
ومن ذلك رسالة مالك في الأقضية، كتب بها لبعض القضاة، عشرة أجزاء، أخبرنا بها الفقيه أبو إسحاق بن جعفر، عن ابن سهل، عن حاتم بن محمد، عن ابن دينار، عن أبي جعفر بن رحمون، عن سعيد بن شعبان، عن محمد بن يوسف بن مطروح، عن عبد الله بن عبد الجليل مؤدب مالك بن أنس.
- * -
من ذلك رسالته إلى أبى غسان محمد بن مطرف في الفتوى، وهي مشهورة، يرويها عنه خالد بن نزار، ومحمد بن مطرف، وهو ثقة من كبار أهل المدينة، قرينا لمالك، يروى عن أبي حازم وزيد بن أسلم، وروى عنه الثقات ووثقوه.
وقد نقل إسحاق بن سعيد (٢٠٠) أقوال مالك في هذه الرسالة، منها، في كتابه.
- * -
ومن ذلك رسالته إلى هارون الرشيد المشهورة في الآداب والمواعظ.
حدث بها بالأندلس أولا ابن حبيب، عن رجاله، عن مالك، وحدث بها آخرا أبو جعفر بن عون الله، والقاضى أبو عبد الله بن مفرج، عن أحمد بن زيدويه الدمشقى، ولم يرفع السند.
وحدثنا شيوخنا بذلك عن أبي عمر الطلمنكي، عنهما، ولم يرفع لنا سند هذه الرسالة من هذا الطريق، وأما من غيره فقد أخبرنا بها القاضي الشهيد * أبو على، وغير واحد من شيوخنا عن أبي الحسن بن الطيوري البغدادي، عن أبي الحسن العبيدي، عن أبي عمر بن حيويه (٢٠١)، عن أبي عمر عبيد الله بن عثمان العثماني، عن أبيه، عن عبد الله بن نافع، عن مالك.
стр. 315
وأخبرنا بها أيضا أبو محمد بن عتاب، عن أبي عبد الله بن نبات، عن ابن مفرج (٢٠٢)، عن أبي جعفر، عن محمد بن عبد الحميد الفرغاني، عن عثمان بن عبد الله بن سعيد بن المغيرة العثماني، قال: حدثنا عبد الله بن نافع الزبيرى قال: هذا كتاب وضعه مالك بن أنس أدبا للناس.
قال أبو عبد الله بن عتاب: هذا الإسناد وهم، ولا شك في سقوط رجل محدث منه.
وقد أنكرها بعض مشايخنا: إسماعيل القاضي، والأبهرى، وأبو محمد بن أبي زيد، وقالوا: لإنها لا تصح، وإن طريقها لمالك ضعيف، وفيها أحاديث لا نعرفها.
قال الأبهرى: فيها أحاديث لو سمع مالك من يحدث بها أدبه، وأحاديث منكرة تخالف أصوله.
قالوا: وأشياء فيها لا تعرف من مذهب مالك ورأيه.
وقد أنكرها أصبغ بن الفرج أيضا، وحلف ما هي من وضع مالك.
- * -
ومن ذلك كتابه في التفسير لغريب القرآن الذي يرويه عنه خالد بن عبد الرحمن المخزومي.
أخبرنا به أبو جعفر أحمد بن سعيد عن أبي عبد الله محمد بن محمد بن الحسن المقرى، عن محمد بن علي النعالى المصيصي (٢٠٣)، عن أبيه، عن أبي الحسن على بن أحمد الرزاز (٢٠٤)، عن أبي بكر الجعدي (٢٠٥)،
стр. 316
عن أبي العباس أحمد بن بن محمد بن هانى البزار (٢٠٦) عن يحيى بن عتيك القروى، عن خالد (٢٠٧) بن عبد الرحمان المخزومي، عن مالك.
- * -
وذكر الخطيب أبو بكر في تاريخه الكبير عن أبي العباس السراج النيسابوري أنه قال: هذه سبعون ألف مسألة لمالك، وأشار إلى كتب منضدة عنده، كتبها.
قال القاضي المؤلف ﵁: هي جواباته في أسمعة أصحابه التي عند العراقيين.
- * -
وقد نسب إلى مالك أيضا كتاب يسمى كتاب السر من رواية ابن القاسم، عنه.
حدثنا به بالإجازة أبو محمد بن عتاب، عن أبي عمر بن الحذاء، عن أبيه أبى عبد الله عن أبي القاسم الحسين بن عبيد الله بن أحمد العثماني، عن محمد بن عبد العزيز بن صافي الحراني، يعرف بالجرو، عن الحارث بن مسكين، عن (٢٠٨) ابن القاسم عن مالك.
- * -
وأما رسالته إلى الليث في إجماع أهل المدينة فقد رويناها أيضا، وذكرناها أول الكتاب بنصها، لأنها صغيرة واحتجنا إلى ذكرها في موضعها، والله ولي التوفيق بعزته.
стр. 317
باب في أخبار مالك مع الملوك، ووعظه إياهم، وحسن مقامه عند الولاة، وزيارته لهم، وأخذه منهم جوائزهم
قال القاضي ﵁:
سئل عيسى بن عمر المدني (٢٠٩): أكان مالك يغشى الأمراء؟ قال: لا، إلا أن يبعثوا إليه فيأتيهم.
وقيل لمالك: تدخل على السلاطين وهم يظلمون ويجورون؟ فقال: يرحمك الله، وأين التكلم (٢١٠) بالحق.
وقال مالك حق على كل مسلم، أو رجل جعل الله في صدره شيئا من العلم والفقه، أن يدخل إلى ذى سلطان يأمره بالخير وينهاه عن الشر، ويعظه حتى يتبين دخول العالم على غيره، لأن العالم إنما يدخل على السلطان لذلك، فإذا كان، فهو الفضل الذي لا بعده فضل.
- * -
قال عتيق بن يعقوب: كان مالك إذا دخل على الوالى وعظه وحثه على مصالح المسلمين، ولقد دخل يوما على هارون الرشيد، فحثه على مصالح المسلمين.
قال له: لقد بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ كان في فضله وقدمه ينفخ لهم عام الرمادة النار تحت القدور، حتى يخرج الدخان من لحيته، وقد رضى الناس منكم بدون هذا.
стр. 318
ودخل عليه مرة، وبين يديه شطرنج منصوب وهو ينظر فيه، فوقف مالك ولم يجلس وقال:
أحق هذا يا أمير المؤمنين؟
قال: لا.
قال: "فماذا بعد الحق إلا الضلال".
فرماه هارون برجله وقال: لا ينصب بين يدى بعد (٢١١).
وقال لبعض الولاة: افتقد أمور الرعية، فإنك مسؤول عنهم، فإن عمر بن الخطاب قال: والذي نفسي بيده لو هلك جمل * بشاطئ الفرات ضياعا لظننت أن الله يسألني عنه يوم القيامة.
وقال الحسن (٢١٢): سمعت مالكا يحلف بالله ما دخلت على أحد منهم - يعنى السلطان - إلا أذهب الله هيبته من قلبي حتى أقول له الحق.
قال خلف بن عمر: قلت لمالك: الناس يكثرون أنك تأتى الأمراء، فقال: أن ذلك بالحمل من نفسى، وذلك أنه ربما استشير من لا ينبغى.
وقال لآخر: لولا أنى آتيهم ما رأيت للنبى ﷺ في هذه المدينة سنة معمولا بها.
- * -
قال ابن وهب وابن عبد الحكم: قال مالك: دخلت على أبى جعفر فرأيت غير واحد من بنى هاشم يقبل يده المرتين والثلاث، فرزقنى الله العافية من ذلك فلم أفعل.
وروى أنه كان جالسا مع أبي جعفر، فعطس أبو جعفر فشمته مالك، فلما خرج أنكر عليه الحاجب ذلك وتهدده أن عاد لتشيمته، فلما كان بعد ذلك جلس عنده فعطس أبو جعفر، فنظر مالك إلى الحاجب،
стр. 319
ثم قال للمنصور: أي حكم تريد يا أمير المؤمنين؟ أحكم الله أو حكم الشيطان؟ قال: بل حكم الله. قال: يرحمك الله!
- * -
قال يعيش بن هشام الخابوري (٢١٣): كنت عند مالك إذ أتى رسول المامون، ويقال: الرشيد، وهو الصحيح، ينهاه أن يحدث بحديث (٢١٤) معاوية في السفرجل.
قال: تلا مالك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ الآية (٢١٥)، ثم قال: والله لأخبرن بها في هذه الغرفة (٢١٦)، واندفع فقال:
حدثنا نافع عن ابن عمر: كنت عند رسول الله ﷺ فأهدى إليه سفرجل، فأعطى أصحابه واحدة واحدة، وأعطى معاوية ثلاث سفرجلات، وقال: القنى بهن في الجنة. وقال رسول الله ﷺ : السفرجل يذهب طخاء (٢١٧) القلب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: لم يدرك مالك أيام المأمون، توفى قبلها، وذكر المامون هنا وهم.
- * -
قال الزبيرى عن مالك (٢١٨)، لما دخلت على أبي جعفر - وذكر قصته معه في حمل الناس على كتبه نحو القصة التي قدمنا - قال: كلمته في الناس، وحضضته عليهم، وجعل يسألني عن بنتى (٢١٩)،
стр. 320
وعن ابنى، وعن أهلى، فأخبره، ثم قال: أترى أنى أعرف منزلك ولا أعرف أمر الناس؟
ثم قال لي: إن رابك ريب من عامل المدينة أو عامل مكة، أو أحد من عمال الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك، أو سوء سيرة في الرعية، فاكتب إلى بذلك أنزل بهم ما يستحقون (٢٢٠)، وقد كتبت إلى عمالى بهذا أن يسمعوا منك ويطيعوا في كل ما تعهد إليهم، فانههم عن المنكر وأمرهم بالمعروف تؤجر على ذلك، وأنت حقيق أن تطاع ويسمع منك.
ثم خرجت فتبعتني صلته، ذكر أنها كانت خمسة آلاف وكسوة حسنة، ولابنه محمد ألف.
قال: فلما لحقه الخصى بالكسوة جعلها على منكبه، وكذلك كانوا يفعلون ليخرج بها على الناس، فانحنى مالك عنها كراهية لذلك، فناداه أبو جعفر: بلغها إلى رحل أبى عبد الله!
- * -
ولما قدم المهدى المدينة جاء الناس مسلمين عليه، فلما أخذوا مجالسهم استأذن مالك، فقال الناس: اليوم يجلس مالك آخر الناس. فلما دنا ونظر إلى ازدحام الناس، قال:
يا أمير المؤمنين! أين يجلس شيخك مالك؟
فناداه: عندى يا أبا عبد الله!
فتخطى الناس حتى وصل إليه، فرفع المهدى ركبته اليمنى وأجلسه.
قال ثم أتى المهدى بالطست والإبريق، فغسل يده، ثم قال للغلام: قدمه إلى أبي عبد الله، فقال مالك: يا أمير المؤمنين، ليس