← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وكان رياح بن يزيد يأتى كل جمعة الى ابن غانم، فيدعو له، وكان نحيلا دقيق العروق، فجعل يومًا يدعو، فاستضحك ابن غانم، وتمادى رياح في الدعاء وابن غانم فى الضحك، حتى نهض رياح، فعذل ابن غانم جلساؤه فى ذلك، وقالوا له: مثل رياح يضحك عليه؟ فقال لهم ابن غانم: أمسكوا عنى. انما غمى أن العدو لما علم ما نحن فيه من الخير، أراد أن يقطعه بما رأيتم، أو نحوه؛ فلما كان الجمعة، جاء رياح فأخذ فى الدعاء، وهجم على ابن غانم من الرقة والخشوع أكثر ما كان منه، فلما قضى دعاءه قال له ابن غانم: جزاك الله خيرًا يا أبا يزيد؛ فقال له رياح: قد علمت أن الذى كان منك انما حركك عليه العدو، ليقطع ما نحن فيه من الخير. *** ومر يومًا بالسوق، والبهلول بن راشد يشترى لحمًا من جزار، فنزل ابن غانم عن دابته، وعانقه وقرب اليه دابته تعظيمًا له، فامتنع البهلول، فأقسم عليه ابن غانم، فقال له: اني اشتريت لحمًا؛ قال: أحمله لك؛ فقال البهلول: اني أجلك أن تمشى راجلا؛ فقال: أركب خلفك؛ فركب البهلول على السرج، وركب القاضي خلفه على كفل الدابة، وقد حمل اللحم، فشقا السماط حتى وصلا الى دار البهلول، فعجب الناس من تواضعه وشرفه.

стр. 527

بقية أخباره وكرمه وحلمه قال ابن البصرى: ذكر أن ابنا لا بن غانم جاءه من عند معلمه، فسأله عن سورته، فقرأ عليه، فأحسن، فدفع اليه عشرين دينارًا أو نحوها؛ فلما جاء بها الصبى الى المعلم، أنكرها، وظن بالصبى ظنا، فجاء بها الى ابن غانم، فقال له ابن غانم: لعلك استقللتها؟ فقال: لا فقال له: لحرف واحد مما علمته يعدل الدنيا وما فيها؛ *** وذكر أن رجلا يقال له ابن زرعة، كان ابن غانم قد حكم عليه، فبلغ ذلك من ابن زرعة كل مبلغ، فلقى ابن غانم في طريق ضيعته فسبه، وقال له: يا فاعل يا ابن الفاعلة. وبالغ. فلما كان بعد ذلك، لقيه فى طريق ضيعته، فسلم عليه ابن غانم، وحمله معه الى متنزهه، فأحضر طعامًا وأكل معه وأقاما الى قرب المساء، ثم انصرفا، فلما أراد مفارقته استغفره ابن زرعة واعترف له * بالخطأ. فقال. أما هذا فلست أفعله حتى نخاصمك بين يدى الله، وأما أن ينالك مني شي مكروه في الدنيا، فلا. *** ومن طريق آخر. أن الجند نزلوا فى دار ابن زرعة بعد سبه له، وملأوها سلاحًا؛ فلجأ الى ابن غانم، فلما دنا من الباب تذكر، وقال: بعد أن سبيته استنصره؟ فانصرف، ثم أعظم ما نزل به فرجع اليه، فلما دنا، انصرف، ثم رجع،

стр. 528

فلما رواه ابن غانم قال: مرحبًا بابن زرعة، وأوسع مجلسه، وقال له: ما جاء بك؟ فأخبره. فقال: يا غلام، الرداء والنعال، فلبسهما ثم مضى الى الأمير، فسأله اخراج الجند من داره، ففعل. *** وخرج ابن غانم مع جماعة الى منزله، ومعه سليمان بن زرعة، وخرج بزوامله ومطابخه، فنزل، وقرب اليهم الطعام، وفيه كنافة، ففجر رجل من القوم الزبد الى جهته، فقال ابن زرعة: أخرقتها لتغرق أهلها؟ فقال ابن غانم: استهزاء بكتاب الله تعالى؟ على ان كلمتك أبدا، وانصرف راجعا الى القيروان. *** وهجا أبو المضرجي الشاعر، بني غانم، فاتصل ذلك بالقاضي، فضجر منه، واشتهر الشعر، فقيل لابن غانم: ليس لك الا أبو الوزن فانه يلقاه بكل ما يكره؛ وكان أبو الوزن مضحكًا ضعيف الشعر؛ فأتى به، فقال له ابن غانم، بلغنى انك بعيد الصوت، ونحن نحب من يؤذن فى الجامع، وقال لبعض خدمه: ادفع لأبى الوزن خمسة أقفزة قمحًا، وخمسين قفيزًا زيتًا، ومائة درهم حتى ننظر في أمره، فلما قبض ذلك أبو الوزن، قال للذي أتى به للقاضي: والله قصة! فاني لا أصلح أن أكون مؤذنًا. فأخبر بالأمر، فقال: قد كفى؛ فدخل يومًا على إبراهيم بن الأغلب في جملة الشعراء، فنظر إلى الأمير ثم أنشده:

стр. 529

اني واني وانني وأنا … وأهل بيتى معظمو الأمرا ثم أشار الى أبي المضرجي وقال (١٢١): ان أبا المضرجي شاعركم … يضرط في الشعر كلما شعرا قال القاضي: وبعد هذا بيت قبيح تركناه لفحشه ورفته، وان كان بيت الأبيات الثلاثة في بابه. فضحك الأمير ومن حضر، وانكسر الآخر، وعلم من حيث أتى، فجاء الى ابن غانم معتذرًا، مقسمًا أنه ما هجا أحدًا من أهل بيته، فأظهر ابن غانم ألا علم عنده بشيء من القضية، فسأله كف أبى الوزن عنه، فأمره بذلك. فقال: لا والله حتى أعطى مثل ما أعطيت حين هجوته، فأمر له بمثل ذلك. *** وكان ابن غانم يكثر انشاد هذين البيتين: اذا انقرضت عنى من العيش مدتى … فان غناء الباكيات قليل سيعرض عن ذكرى وتنسى مودتي … ويحدث بعدى للخليل خليل *** وكان لابن غانم أخ اسمه سعيد، سمع من أخيه عبد الله، وكتب عنه. *** وكان لابن غانم ابنان جليلان أبو عمر وغانم، وأبو شراحيل. وكان أبو شراحيل فقيهًا نظارًا ورعًا أديبًا شاعرًا، أخذ عن الكوفيين، ومال الى رأيهم، وتوفى ابن ست وثلاثين سنة، مولده سنة تسع ومائتين. ***

стр. 530

وكان لابنه (١٢٢) أبي عمرو وغانم ولد يكنى أبا عبد الرحمان، وهو القائل في شعر له يفتخر بتابانه. ولينا قضاء الغرب عشرين حجة … فعز بعدل عندنا مستلينها وأمضى أبونا الحق في الناس فاستوت … رعيته في العدل فاعتز دينها فصلى عليه الله في مستقره … وسقاه من غر السحاب هتونها *** وفاته: قال القاضي أبو الفضل: ودخل على ابن غانم، أبو الوليد المهدى اللغوى فى مرضه الذي مات فيه، فقال له: رفع الله الله ضجعتك من هذه العلة الى افاقة وراحة، وأعاد اليك ما عودك من الصحة والسلامة، فأطال ما صححت وعوفيت (١٢٣) أصلحك الله، فاصبر لحكم ربك فان الله يحب أن يشكر على نعمه؛ فقال ابن غانم: هو الموت، والغاية التى اليها انتهاء الخلق، وما لابد منه فصبر يؤجر صاحبه عليه، خير من جزع لا يغنى عنه، ثم تمثل. وهل من خالد اما هلكنا … وهل بالموت يا للناس عار؟ *** وتوفي في ربيع الآخر سنة تسعين ومائة، وقيل ست وتسعين، من فالج أصابه، وقيل: ان بصره كان قد كف، والأول أصح، ويشهد له، شعر حفيده، وقوله:

стр. 531

ولينا قضاء الغرب عشرين حجة. وكان ولى القضاء سنة إحدى وسبعين، وهو ابن اثنين وأربعين سنة، وتوفى وهو قاض كما قدمناه، ومولده سنة ثمان وعشرين ومائة مع البهلول بن راشد في ليلة واحدة؛ وذكر بعضهم أنه سمع عند موته صوتا لا يرون شخصه يقول: زأرت ذئاب بعد طول عوائها … لما تضمنه الضريح الملحد وقيل: بل رآه بعضهم في النوم. ولما مات بكى عليه ابن الأغلب وجلس على كرسى ينتظر وقته، ووقف على قبره معه ابن غفال (١٢٤)، خال إبراهيم بن الأغلب وجزع عليه، فسأله إبراهيم عن ذلك فقال: كان لي صديقًا ودودًا؛ فقال إبراهيم: والله ما ولينا أفريقية ولا أمنا (١٢٥) حتى مات. وكان عالى الهمة، لما مات قومت كسوة ظهره بألف دينار.

стр. 532

علي بن زياد التونسى العبسي أبو الحسن، وقيل أصله من العجم، ولد بأطرابلس، ثم انتقل إلى تونس فسكنها؛ وقال ابن شعبان وغيره: هو من عبس؛ قال أبو العرب: على بن زياد من أهل تونس، ثقة، مأمون، خيار، متعبد، بارع في الفقه، ممن يخشى الله تعالى مع علوه في الفقه. سمع من مالك وسفيان الثورى والليث بن سعد، وابن لهيعة، وغيرهم، وسمع بافريقية قبل هذا من خالد بن أبي عمران، لم يكن بعصره بأفريقية مثله. سمع منه البهلول بن راشد، وسحنون، وشجرة، وأسد بن الفرات وغيرهم. روى عن مالك الموطأ، وكتب سماعه من مالك الثلاثة. *** قال أبو سعيد بن يونس، هو أول من أدخل الموطأ وجامع سفيان المغرب، وفسر لهم قول مالك، ولم يكونوا يعرفونه، وكان قد دخل الحجاز والعراق في طلب العلم، وهو معلم سحنون الفقه. قال الشيرازي: به تفقه سحنون. وله كتب على مذهبه، وتفقه بمالك، وله "كتاب خير من زنته".

стр. 533

قال سحنون: "كتاب خير من زنته، أصله لابن أشرس، إلا أنا سمعناه من ابن زياد، وكان يقرأه على المعافى، وكان أعرف من ابن أشرس بالمعافى. قال ابن وضاح: قلت له: وكان أكبر من ابن أشرس؟ قال: بل كان أمرهما واحدًا، إلا أن ابن أشرس، ربما سمع وغاب على، فكان على يقرأ على المعافى؛ وهو ثلاثة كتب: بيوع، ونكاح، وطلاق، وسماعه من مالك ثلاثة كتب. وقال أبو الحسن بن أبي طالب القيرواني العابد في كتاب الخطاف (١٢٦): ان على بن زياد، لما ألف كتابًا في البيع، لم يدر ما يسميه به، فقيل له في المنام: سمه (كتاب خير من زنته). ورأى حبيب أخو سحنون في منامه: خذ (كتاب خير من زنته ذهبًا) فإنه الحق عند الله. *** قال أسد: قال لي المخزومي، وابن كنانة: ما طرأ علينا طار من بلد من البلدان، كشف لنا عن هذا الأمر، - وفى رواية عن ابن كنانة، كشف لنا مالكًا عن الأصول - كشف على بن زياد. وكان سحنون لا يقدم عليه أحدًا من أهل أفريقية. ويقول: ما بلغ البهلول بن راشد شسع نعل على بن زياد. قال سحنون: وكان البهلول يأتى إلى على بن زياد، ويسمع منه، ويفزع إليه، يعنى في المعرفة والعلم، ويكاتبه إلى تونس يستفتيه في أمر

стр. 534

الديانة، وكان أهل العلم بالقيروان، إذا اختلفوا في مسألة كتبوا بها إلى علي بن زياد ليعلمهم بالصواب. قال: وكان على خير أهل أفريقية في الضبط للعلم. قال سحنون: ولو أن التونسيين يسألون، لأجابوا بأكثر من جواب المصريين، يريد على بن زياد وابن القاسم. وفي رواية أخرى: لو كان لعلى بن زياد من الطلب ما للمصريين، ما فاقه منهم أحد، وما عاشره منهم أحد. قال ابن الحداد: إلا انها كلمة فضله بها عليهم! وقال سحنون: ما أنجبت أفريقية مثل على بن زياد، وكان يقول: ما فاقه المصريون إلا بكثرة سماعهم، وذلك أني اختبرت سره وعلانيته، والمصريون إنما اختبرت علانيتهم. قال أسد: كان على بن زياد من نقاد أصحاب مالك، وإني لأدعو له مع والدى. وفي رواية: إني لأدعو في أدبار صلاتي لمعلمى، وأبدأ بعلى بن زياد، لأنه أول من تعلمت عنه العلم؛ قال البلخي (١٢٧): لم يكن في عصر على بن زياد أفقه منه ولا أورع، ولم يكن سحنون يعدل به أحدًا من علماء أفريقية؛ قال ابن حارث: كان على ثقة مأمونا.

стр. 535

ذكر فضائله ومناقبه قال بعضهم: رأيت على بن زياد واقفًا إلى سارية بجامع القيروان، فأراد أن يكبر، فارتعد خوفًا من الله، ثم تحامل، فكبر، وتغير لونه. *** وذكر ابن اللباد عن سحنون، قال: مات بعض قضاة أفريقية، فقدم رسول الخليفة إلى أفريقية، فجمع العلماء واستشارهم في قاض يوليه أفريقية، فتوجه إلى تونس، وبعث واليها في على بن زياد، فتمارض على، فأخبر بذلك الوالى رسول الخليفة، فقال له الرسول: أمير بلد، ورسول الخليفة، يوجه إلى رجل من الرعية، فيتثاقل عن المجيء! فمضى إليه الوالى معه، فلما دخلا عليه وجداه قد حول وجهه إلى الحائط؛ فقال له الوالى: أبا الحسن! هذا رسول الخليفة يستشيرك في قاض يلى أفريقية؛ فحول وجهه على إلى القبلة، وقال: ورب هذه القبلة ما أعرف بها أحدًا يستوجب القضاء. قوموا عنى. *** وبعث فيه روح بن حاتم ليوليه القضاء، فقدم عليه، وقدم البهلول والصالحون إلى باب دار الإمارة، إذ بلغهم قدومه، فخرج عليهم على ممسيا (١٢٨)، يمسح العرق عن جبينه، فقالوا له: ما فعلت؟ قال: عافى الله، وهو محمود؛

стр. 536

فقال له البهلول: فما عزمت عليه؟ قال: ألا أبيت فيها، فيبدو له، فتوجه إلى تونس على حماره، وودعوه. *** وجاء رجل إلى البهلول فقال له: رأيت في المنام كأن قنديلا دخل من باب تونس حتى دخل دار بني دراج (١٢٩)، فقال: تعرف الدار؟ قال: نعم؛ قال: قوموا بنا، فقد جاء على بن زياد. فانتهوا مع الرجل حتى أوقفهم على الدار، فسألوا فإذا على قد دخلها في السحر، فدخل عليه البهلول، فقام إليه على وسلم عليه، وجعل البهلول يسأله عن مسائل. *** وكتب البهلول مع سحنون إلى على بن زياد: يأتيك رجل يطلب العلم الله؛ فلما وصل سحنون أتاه على إلى بيته بالموطأ، وقال له: والله لا سمعته على إلا في بيتك، لأن أخى البهلول كتب إلى أنك ممن يطلب العلم لله. وقد رأيت أنا هذه الحكاية مع غير سحنون، وفيها: ومات على بن زياد والبهلول بن راشد سنة ثلاث وثمانين ومائة. ويشتبه به رجل آخر من أكابر أصحاب مالك المصريين، يكنى بكنيته، ويتسمى باسمه، وينتسب بنسبه، وهو أبو الحسن على بن زياد الأسكندرانى، سيأتي ذكره في طبقته إن شاء الله تعالى.

стр. 537

عبد الرحيم بن أشرس قال أبو العرب: هو أنصارى من العرب من أهل تونس، كنيته أبو مسعود، ونسبه، ولم يسمه. وسماه المالكي: العباس؛ وقال: هو مولى للأنصار، وقاله أبو سعيد بن يونس، وقال: اسمه عبد الرحمان. وكذلك قال ابن فهر: رجح المالكي أن اسمه العباس؛ قال: وهو ثقة فاضل. سمع من مالك بن أنس ومن ابن القاسم. روى عنه عبد الرحمن حديث الموطأ (١٣٠). قال: وقرأت في رجال ابن وهب: أبو الأشرس (١٣١) عبد الرحمان بن أشرس المغربي التونسي، ولعله أخ لأبي مسعود، وكان يكنى بأبي مسعود. وقد بين هذا ابن شعبان فقال عنه: أبو مسعود عبد الرحمان بن الأشرس، ويقال: عبد الرحيم. *** قال سحنون: كان على بن زياد خير أهل أفريقية في الضبط للعلم، وكان ابن أشرس أحفظ على الرواية، وكان شديد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 538

قال ابن يونس الصدفى: روى ابن أشرس عن مالك وعبد الله العمرى، وروى عنه ابن وهب، وسعيد بن تليد، ومهدى بن جعفر، وعمران بن هارون (١٣٢) بمصر. *** قال موسى بن معاوية: كنت عند البهلول بن راشد، إذا أتاه ابن أشرس فقال له البهلول: ما أقدمك؟ قال: نازلة رجل طلبه (١٣٣) السلطان فأخفيته، وحلقت بالطلاق ثلاثا ما أخفته؛ قال له البهلول: مالك يقول: انه يحنث في زوجته؛ قال ابن أشرس: وأنا قد سمعته يقوله، وإنما أردت غير هذا؛ فقال: ما عندى غير ما تسمع. قال فتردد إليه ثلاثا، كل ذلك يقول له البهلول قوله الأول؛ فلما كان في الثالثة أو الرابعة، قال له: يا ابن أشرس! شر ما أنصفتم الناس، إذا أتوكم في نوازلهم قلتم: قال مالك، قال مالك؛ فإذا نزلت بكم النوازل طلبتم لها الرخص، الحسن يقول لا حنث عليه. فقال ابن أشرس: الله أكبر، قلدها الحسن، أو كما قال. قال القاضي: كذا نقلته من كتاب ابن حارث، وأراه كان بخطه. قال غيره: فرجع ابن أشرس إلى زوجته وكان هو صاحب المسألة.

стр. 539

البهلول بن راشد أبو عمرو من أهل القيروان قال محمد بن أحمد التميمي: كان ثقة مجتهدًا ورعا مستجاب الدعوة لا شك في ذلك. كان عنده علم كثير (١٣٤). سمع من مالك والثورى وعبد الرحمن بن زياد / ويونس بن يزيد / (١٣٥) وحنظلة بن أبي سفيان (١٣٦)، وموسى بن علي بن رباح، والليث بن سعد، والحرث بن نبهان (١٣٧). وكان أولا مشغولا بالعبادة، فلما احتاج الناس إليه في العلم سمع الموطأ من على بن زياد، وابن غانم، وسمع جامع سفيان الصغير من أبى الخطاب وأبي خارجة، والجامع الكبير من على بن زياد، ودون الناس عنه جامعًا، وقام بفتياهم. وسمع من بهلول سحنون، وعون، والجعفري، وعبد المتعالى،

стр. 540

وخالد بن يزيد، وأبو سنان، ويحيى بن سلام، وغيرهم من أقرانه ومن بعدهم. قال أبو عبد الله الجدلى (١٣٨): وروى عن البهلول أيضا عبد الله بن مسلمة القعنبي. قال: حدثنا البهلول بن راشد، وهو وتد من أوتاد المغرب. وروى عنه يزيد الفقير، ونظر إليه مالك بن أنس فقال: هذا عابد بلده. *** وجاءت إلى مالك من عند ابن غانم أقضية، فقال: ما قال فيها المصفر؟ يعنى البهلول. وما قال فيها الفارسى؟ يعنى عبد الله بن فروخ. قال سعيد بن الحداد: ما كان بهذا البلد أحد أقوم بالسنة من البهلول في وقته، وسحنون في وقته؛ قال أبو حاتم: هو ثقة لا بأس به (١٣٩). وقال العقيلي: هو شيخ من أهل المغرب، ليس به بأس، وقال مثله على بن المديني؛ وقال إسحاق البرقى (١٤٠): كان بهلول بن راشد من أصحاب مالك، فاضلا؛ قال أبو بكر المالكي: كان البهلول من أهل الفضل والعلم والورع، معروفًا بذلك مع العبادة والاجتهاد.

стр. 541

قال سحنون: كان البهلول رجلا صالحًا، ولم يكن عنده من الفقه ما عند غيره، وإنما اقتديت به في ترك السلام على أهل الأهواء. ذكر فضائل البهلول وعبادته وورعه وتواضعه وشمائله وبقية أخباره قال أبو إسحاق البرقى: قال البهلول بن عمرو (١٤١): ما رأيت أحدًا أخشى الله من البهلول بن راشد؛ قال سحنون: كنا نختلف إلى البهلول، نتعلم منه السمت؛ * * * قال غيره: دفع إلى البهلول كتاب فقضه، فإذا فيه: من امرأة من سمرقند خراسان، مجنت مجونا لم يمجنه أحد إلا هي، ثم أنابت إلى الله، وسألت عن العباد في أرضه، فوصف لها أربعة، بهلول بأفريقية أحدهم. فسألتك بالله يا بهلول إلا دعوت الله أن يديم لي ما فتح لي فيه. قال: فسقط الكتاب من يده وخر على وجهه، وجعل يبكى حتى لصق الكتاب بطين دموعه؛ ثم قال: يا بهلول! سمرقند خراسان! الويل لك من الله، إن لم يستر عليك؛ * * * قال سحنون: كان الذكر لرباح، فلما مات صار لبهلول، وما ذلك إلا من خبيئة كانت له.

стр. 542

ومرت امرأتان به وهو يتفلى، فقالت إحداهما للأخرى: هذا بهلول! فقالت: لأن تسمع بالمعيدى خير من أن تراه! فقال البهلول: هذه عرفتني؛ * * * وقال له رجل يوما: يا مراء! فقال له البهلول: قد أخبرتها بذلك، يعنى نفسه، فأبت على ولم تقبل، فاجتمع عليها شهادتك وعلمى. * * * وكان عند البهلول طعام فغلا السعر، فباعه ثم أمر أن يشترى له ربع نصف قفيز، فقيل له في ذلك، فقال: نفرح إذا فرح الناس، ونحزن إذا حزنوا. * * * قال جماعة: إن البهلول مضى مرة يريد الجامع، فلما حاذى قصر الإمارة إذا خدم السلطان قد خرجوا من المطبخ يحملون القدور؛ فقالوا له: تقدم، ووضعوا لوحًا عليه قدور على رأسه؛ فلما رآه الناس قاموا من كل ناحية، فأرادوا البطش بهم، فاعتذروا بأنهم لم يعرفوه؛ فقال: أنا فعلته بنفسي، ولا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، فكان بعد لا ينصرف إلا بثياب حسنة. * * * قال بعضهم: رأيت البهلول منصرفًا إلى داره وعليه قلنسوة خز، وساج طرازي، وقميص تسترى، ونعل طائفي. * * * قال عون: صنع البهلول طعامًا وأحضر له جماعة من أصحابه، فقالوا له: لم صنعته لغير سبب؟

стр. 543

فقال: كنت خائفًا أن أكون من البربر، لما جاء فيهم من الحديث، فأخبرني من يعلم، أنى لست منهم. * * * وكان البهلول جوادًا، فبلغنى أنه كان لا يحبس فوق خمسمائة درهم. * * * قال ابن الحداد. أخبرتنى أمى قالت: وجهت إلى البهلول وأنا طفلة، فلما رأني قال: تبارك الله، نزع بها الشبه، ثم وهب لي مائة درهم. * * * وقالت جاريته: أقمت مع البهلول ثلاثين سنة، فما رأيته نزع ثوبه قط عن جسده، ولا رأيته مصليًا نافلة قط. كان يأتي فيرقدني كما ترقد الأم ابنها، ثم يدخل المستراح، فيتهيأ للصلاة، ثم يصعد لغرفته فيغلقها عليه، ولا أدرى أحى هو أو ميت، غير أني ربما كنت أسمع سقطته في آخر الليل، فأظن أنه استثقل نومًا فسقط. * * * وذكر أنه كان عنده شاب يطلب، ثم أقبل على المجانة، فبلغ ذلك البهلول، فساءه، فبينما هو يومًا جالس إذ خطر به الشاب، وتحته طنبور، فعرف ذلك البهلول، فتأمله، ثم قال: لعله ذهب ليكسره؛ فلما كان بعد ذلك، ذهب البهلول (١٤٢) إلى داره، فاستدعاه، فسلم عليه، وسأله عن الذي شغله عنه، وأقبل يعظه، حتى رجع الفتى إلى الخير، وترك ما كان عليه، ولازم البهلول ونفعه الله به، فكان له شأن. * * *

стр. 544

قال أبو عثمان بن الحداد: بلغني أن بهلولا كان ذات يوم جالسًا وعنده صاحبه رياح (١٤٣) بن يزيد الزاهد، إذ أقبل أخ للبهلول من البادية، فجعل يلهج بخبر المطر والزرع، وبهلول يتقلى (١٤٤) ويتلون اغتماما لرياح، لعلمه بكراهيته ذكر الدنيا وأسبابها، فلما أكثر أخوه من ذلك، نهض رياح وجعل يقول لبهلول: سقطت من عينى، تذكر الدنيا في مجلسك ولا تنكر ولا تغير؛ فقال له البهلول: إذا لم أسقط من عين الله فلا أبالى من عين من سقطت؛ فخر رياح على رأسه يقبله ويقول: نعم يا حبيبى يا بهلول! لا تبالي من عين من سقطت إذا لم تسقط من عين الله. * * * ودخل بهلول على ابن غانم القاضي، وقت المغرب في رمضان، فقرب الماء ليغسل من حضر، فغسلوا وغسل بهلول، ولم يأكل، فكلمه في ذلك ابن غانم القاضي. وقال: أنا سلطان؟ طعامى حرام؟ ألست بصائم؟ فجعل البهلول يعتذر إليه ويقول: طعام لا أجد في بيتى مثله، وإن تكلفته شق على، وأنا أكره أن أتكلف ما يشق على (١٤٥)؛ وابن غانم يبدى ويعيد كلامه الأول، والبهلول يعتذر ولا يزيد على قوله الأول، حتى فرغ القوم وخرجوا وخرج بهلول. * * *

стр. 545

وذكر ابن اللباد: أن رجلا سأل البهلول عن مسألة، فأجابه فيها، ثم قال له: اذهب إلى الفارسي، يعني ابن فروخ، فسله فذهب إليه فسأله، فأجابه بمثل قول بهلول، فانصرف إلى بهلول فسأله فيها أيضا، فقال: ألم أدلك على ابن فروخ؟ قال: بلى، وقد أجابني، قال بهلول: فلعلك تفضل بعض الناس على بعض؟ - يريد نفسه - والله لو كانت للذنوب رائحة ما جلست إلى ولا جلست إليك، وقال: ابن فروخ الدرهم الجيد، وأنا الدرهم الستوق (١٤٦). * * * قال بهلول: لقيت رياح بن يزيد ببئر زمزم ومعه خراساني، وقد نزعوا ماء من بئر زمزم، فجعلوه في سويق، فنظرت فإذا هو عسل. فقالا: لا تخير بما رأيت؛ فما فعلت حتى مات. * * * قال ابن الحداد. كان لقوم من النخاسين عشرون دينارًا عند البهلول، وكان له عند دحنون عشرون دينارًا، فجاءه سائل، فقال لدحنون: "ادفع إليه دينارًا من "العشرين" فدفعه؛ وجاءه النخاسون فقال له: "حضر تسعة عشر" وأمر دحنون بعدها لهم، فوجد عشرين فقال لدحنون: "لا إله إلا الله، أراك لا تحسن العدد". * * *

стр. 546

قال سليمان بن سالم: جاء مغيث بن رياح إلى بهلول، فأخبره بعزمه على الحج، فقال له أما كنت حججت؟ فقال: نعم. ولكنى اشتقت إلى بيت الله الحرام، وقبر النبي ﷺ ؛ فقال له: كم أعددت لخروجك؟ فقال له: مائة درهم؛ فقال له: هل لك أن تأتينى بها فأصرفها في مواضع، وأضمن لك على الله عشر حجج مقبولة؛ فأتاه مغيث بالصرة، فأفرغها تحته (١٤٧) وجلس معه، فلم يزل يدفع منها الخمسة والعشرة، يقول لهذا: تزوج بها وعش بالباقي، ولهذا: أنفقها على عيالك، وللآخر: استر وجهك بها (١٤٨). حتى نفذت. فرأى بعد ذلك رجل صالح، أن آتيا أتاه مرتين في الليل، يقول له: امض إلى مغيث، فأخبره أن الله قد وفاه ضمان بهلول، فأخبره بذلك الرجل. * * * قال أبو زرجونة: استغفيت ليلة جمعة، وضربت بمقرعة، فأخبرت بذلك البهلول من الغد، فأكب على يسألني أن أجعل من فعل ذلك في حل؛ فقلت: فعلوا بي وفعلوا، وأجعلهم في حل؟ فقال لي: أيسرك (١٤٩) أن يحال بين أخيك المسلم وبين الجنة بسببك؟ فلم يزل بي حتى جعلتهم في حل. * * *

стр. 547

قال: وأقبل هرثمة بن أعين (١٥٠) أمير أفريقية في موكبه، حتى انتهى إلى مسجد البهلول بن راشد، وبهلول مسند ظهره إلى عمود بإزاء باب المسجد، فانحنى هرثمة في السرج، وقال لبعض من معه: ادفع إليه المزود بالدراهيم، وقل له. قال لك الأمير. فرقها؛ فجاء إليه الرسول، فقال له البهلول: الأمير أقوى على تفريقها منى. * * * قال سحنون: سأل رجل البهلول وأنا عنده عن مسألة فأجابه بخطأ، فقلت له في ذلك، فقال: ألا ترى إلى هؤلاء الأحداث يؤذوننا (١٥١). وكنت إذا اجتمعت لي قطعة، خرجت إلى على بن زياد، فخرجت إليه فبينما أنا عنده إذ جاءه كتاب البهلول، فرمي به إلى، فقلت: هذه مسألة اختلف فيها عندنا؛ فقال لي: ما قالوا؟ قلت: قال البهلول، كذا؛ قال: ومن نازعه؟ فقلت: أنا قلت فيها كذا؛ قال: أصبت وأخطأ، اكتب إليه بهذا عنى؛ ثم قال لي: الزم هذا الرجل فإنه صالح. * * * وقال ابن الحداد عن أبيه: كان بهلول من أغير الناس، ما كان يدخل داره رجل غيري؛ * * *

стр. 548

قال بعض أصحابه: دخلت عليه وبين يديه ابنته طفلة، وعليها ثياب مصبوغة. قال: فقال لي: ما أحببت شيئًا حبى لها، وإني لأحب لو قدمتها لربي؛ فانصرفت عنه، ثم رجعت إليه فأصبت الناس مجتمعين على بابه، فسألت، فقيل لي، ماتت ابنته؛ فدخلت إليه وعزيته، فلما وليت لحقنى وقال لي: بالله لا تذكر ما كان منى، يعنى أمنيته، يعنى ما دمت حيًا. * * * قال زكرياء بن الحكم: قلت للبهلول: يا أبا عمرو! هذه القراءة التي تقرأ عنك، أشيء رويته عن السلف أم شيء رأيته؟ فقال: ما أخذته عن أحد، إلا أنى كنت عند معلمى أخيط، فأمر على مسافر بن سليمان الواعظ بالجامع، والقراء يقرأون عليه، فأقف عليه، واستحلى ذلك، ثم حاسبت نفسى وقلت: أنا مستأجر. فصرت أخذ من معلمى طريحة معلومة، فإذا فرغت منها مضيت إلى مجلسه، فانتفعت به، وبقيت حلاوة ذلك في قلبي ومنفعتها إلى الآن، ثم قال: وهؤلاء القراء إن أتوني سمعت منهم وإن غابوا لم أرسل فيهم. * * * وذكر رجل لبهلول أنه رأى الشمس والقمر دخلا جوفه، فأفتاه بهلول بأنه يموت، وتلى: " ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ " (١٥٢).

стр. 549

ذكر تسننه ومجانبته أهل الأهواء وموالاته ومعاداته في الله خرج بهلول يومًا على أصحابه، وقد غطى خنصره بيده، وكان أهله قد سألوه حاجة، فربط في خنصره خيطًا ليذكرها، ثم قال: خفت أن أكون ابتدعت فغطى أصبعه لئلا يراه أحد فيقتدى به، ثم وجه بعض أصحابه، وأسر إليه الأمر، يسأل له ابن فروخ صاحبه عن ذلك، فجاءه، فأخبره عنه أن عبد الله بن عمر كان يفعل ذلك، فنحى بهلول كفه عن خنصره، وقال: الحمد لله الذي لم يجعلنى ممن ابتدع بدعة في الإسلام. * * * قال ابن الحداد: قال لي أبو سنان: ربما سمعت بهلولا من داركم وهو يهدر ويقول: السنة السنة، ويلح بها. * * * قال سحنون: أتيت يومًا إلى البهلول فوافانى رجل من أهل الأهواء على بابه، فسألنى عن الشيخ، فلم أرد عليه جوابًا، والشيخ يسمع، فلما دخلت سلمت عليه، فلم يرد على وأعرض عنى، فلما خرج الناس جثوت بين يديه، وقلت له: ما قصتى؟ فقال: سلم عليك رجل من أهل الأهواء وسألك عنى؛ فقلت له: والله ما رددت عليه جوابًا. فقال: مرحبًا وأهلا، وسلم على، ثم قال لي: بهذا يعرف الحق من الباطل. * * *

стр. 550

قال ابن الحداد: وأتى أبو محرز العراقي الفقيه إلى البهلول يعوده، فقيل ذلك للبهلول، فقال: قولوا له: إن كنت على رأيك فلا تقربنا. وقال سحنون: ما اقتديت في ترك السلام على أهل الأهواء إلا بالبهلول. * * * قال بعضهم: دفع بهلول إلى بعض أصحابه دينارين ليشترى له بهما زيتًا يستعذبه، له، فذكر للرجل أن عند نصراني زيتًا أعذب ما يوجد، فانطلق إليه الرجل بالدينارين، فأخبر النصراني أنه يريد زيتًا عذبًا للبهلول؛ فقال النصراني: نحن نتقرب إلى الله بالبهلول كما تتقربون أنتم به إليه، وأعطاه بالدينارين من ذلك الزيت، ما يعطى بأربعة دنانير من دني الزيت، ثم أقبل إلى بهلول فأخبره الخبر، فقال له بهلول، قضيت حاجة فاقض لي أخرى، رد على الدينارين؛ فقال: ولم؟ قال ذكرت قول الله تعالى: (﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١٥٣)، الآية، فخشيت أن آكل زيت النصراني، فأجد له في قلبي مودة، فأكون ممن حاد الله ورسوله على عرض من الدنيا يسير. ذكر محنته ووفاته قال القاضي رحمه الله تعالى: امتحن البهلول على يد العكي أمير القيروان، وقيل له: أنه يقع في سلطانك، وضعف عنده أمره، فأمر به، فتحاشد الناس معه، فزاده ذلك حنقًا عليه، وأخرج إليهم الأجناد ففضوهم،

стр. 551

وأمر بتجريده، وضربه بالسياط، ورمى عليه جماعة أنفسهم فضربوا وضرب هو نحو العشرين، وحبسه، وكان عند ما هم به، وسيق، لقيه قوم متلثمون، فشاوروه في القيام عليه وتخليصه، فجعل يقول: لا. لا. *** قال بعضهم: كنا في غزاة مع بعض الخلفاء، وكنا معه من أهل الثغور اثنى عشر ألفا، وكان يقضى لنا كل يوم حاجتين، فلما بلغنا ضرب العكى للبهلول، اختل العسكر، وتقدمنا إلى باب الخليفة، فسألنا حاجة (١٥٤)؛ فقلنا: قد جعلنا حوائجنا كلها نصرة للبهلول، بلغنا أن العكى ضربه. فقال الحاجب: اتقوا الله في دم العكى، إن بلغ هذا الخليفة قتله، وكيف يضرب البهلول إلا أن يكون أهل أفريقية ارتدوا؟ *** وكان مما حرك عليه العكى، أنه كان يهادى ملك الروم، فوجه إليه الطاغية في سلاح وحديد ونحاس، فلما أراد توجيه ذلك إليه، عارضه في ذلك بهلول ووعظه فيه، إذ لا يجوز له ذلك. *** قال أبو زرجونة: كنت عند بهلول بعد ضربه إذ سمعت بكاء رجل داخل من الباب، فإذا ابن فروخ، فجلس أمامه يبكى، فقال له بهلول: ما أبكاك يا أبا محمد؟ فقال: أبكى لظهر ضرب بغير حق؛ فقال: قضى وقدر؛ ***

стр. 552

وندم العكى بعد ذلك وقال لابن غانم: هل تستطيع أن ترينيه؟ قال: أما على أن يأتيك فلا، ولكن أستدعيه أنا واستشرف أنت من حيث تراه؛ ففعل، فلما بصر به جعل يقول: تبارك الله، كأنه سفيان الثورى في شأنه. فعن قريب عزل العكى أسوأ عزل، وولى تمام بن تميم. وحكى انه لما مدت رجلاه للقيد، قال: "إن هذا الضرب، من البلاء، الذي أسأل الله له العافية منه، (١٥٥). *** وأتاه السجان في سجن العكى فعالجه، فوهب له دينارًا، وأعطى لمن معه دراهم، فعل هذا بهم ثلاثة أيام، كلما دخلوا عليه أعطاهم، فخاف أصحابه حاجته قبل خروجه، فقالوا للسجان: قد برئ فلا تعاودوه؛ فلما استبطأه بهلول، سأل عنه أصحابه، وكأنه فطن لهم، فقالوا له: كل يوم دينار! فقال: وما في ذلك؟ فقال له حفص بن عمارة من أصحابه: سمعت الثورى يقول: إذا كمل صدق الصادق لم يملك ما في يديه؛ فخر البهلول على يديه يقبلهما، ويقول: سألتك بالله أنت سمعتها منه؟

стр. 553

وبرئ الضرب الذي ضرب، إلا أثر سوط واحد تنغل فصار قرحة، فكان سبب موته منها ﵀. *** قال البهلول: أقمت ثلاثين سنة أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم الخ، فأنسيتها يومى مع العكى، فابتليت. *** وذكر أن العكى وجه إليه بثياب وكيس (١٥٦)، فلم يقبل ذلك منه، فلما أبى سأله أن يحلله، فقال له: ما وقع على سوط إلا وأنا أستغفره لك يا بائس؛ وفى رواية ما حللت يدى من العقالين حتى جعلتك في حل. *** وتوفى سنة ثلاث وثمانين ومائة. قال سحنون: بعد على بن زياد بخمسة وثلاثين يومًا، كذا قال غير واحد؛ وقال فرات: مات سنة اثنين وثمانين، ومولده مع عبد الله بن غانم في ليلة واحدة، سنة ثمان وعشرين ومائة.

стр. 554

أبو محمد عبد الله بن فروخ الفارسي فقيه القيروان في وقته، ذكر أبو بكر المالكي في كتاب رياض النفوس أن مولده بالأندلس سنة خمس عشرة ومائة، ثم انتقل إلى أفريقية، فسكن القيروان وأوطنها، ونحو ذلك ذكر سليمان بن عمران فيما حكاه عنه ابن الجزار في كتاب التعريف. *** قال القاضي: وإن اسمه كان بالأندلس عبدوسا، وأن رجلا ناداه به في الجامع، يعنى بالقيروان، ممن كان يعرفه به، فقال له: أناشدك الله أن تذكرني في هذا البلد، ثم رحل إلى المشرق فلقى جماعة من العلماء والمحدثين، كزكرياء بن أبي زائدة، وهشام بن حسان، وعبد الملك بن جريح، والأعمش، والثورى ومالك بن أنس وأبى حنيفة * وغيرهم، فسمع منهم وتفقه بهم. *** قال أبو بكر: وكان اعتماده في الحديث والفقه على مالك بن أنس، وبصحبته اشتهر، وبه تفقه، لكنه كان يميل إلى النظر والاستدلال، فربما مال إلى قول أهل العراق فيما تبين له منه الصواب ثم انصرف إلى أفريقية فأقام بالقيروان يعلم الناس العلم ويحدثهم، فانتفع به خلق، ثم رحل ثانيا وأتى مصر، فمات بها كما سنذكره. *** قال ابن الجزار في كتاب طبقات القضاة: كان ابن فروخ فقيهًا ورعًا رحل في طلب العلم، وكان يكاتب مالك بن أنس في المسائل ويجاوبه؛ ***

стр. 555

[قال ابن حارث: كان ابن فروخ من شيوخ أفريقية، وممن رحل إلى مالك، فسمع منه، وكان يكاتبه ويجاوبه مالك] (١٥٧). إلا أن سحنون كان يقول فيه: لا ينص الأصول (١٥٨). كان يسأل عن المسألة، فيجيب فيها بالأقاويل المختلفة. الثناء عليه بالعلم والعقل والدين قال أبو بكر: كان رجلا صالحًا فاضلا ورعًا متواضعًا، قليل الهيبة للملوك، لا يخاف في الله لومة لائم، مباينا لأهل البدع، حافظًا للحديث والفقه. قال أبو العرب: كان ممن رحل في طلب العلم، فلقى مالكًا، وسفيان الثورى وغيرهما، وكان يكاتب مالكًا فيجيبه عن مسائله، وكان ثقة في حديثه واستعفى من القضاء. قال ابن أبي مريم: هو أرضى أهل الأرض عندى. وقد خرج له مسلم في صحيحه؛ وقال البخاري: عبد الله بن فروخ سمع منه ابن أبي مريم، تعرف وتنكر، خراسانى وقع بالمغرب. *** قال عبد الله بن وهب: قدم إلينا ابن فروخ سنة ست وتسعين بعد

стр. 556

موت الليث بن سعد، فرجونا أن يكون خلفًا منه، فما لبث إلا يسيرًا حتى مات، وجعلت على نفسى إلا أحضر جنازة إلا وقفت على قبره أدعو له. *** قال المالكي: كانت لوفاته بمصر فجعة عظيمة عند أهل العلم، وقالوا طمعنا أن يكون خلفًا من الليث، وكانوا يعظمونه ويعتقدون إمامته (١٥٩). قال: وكان مالك بن أنس يكرمه ويعظمه؛ وحكى الطحاوى أن ابن فروخ قدم المدينة، فلبس ثيابه وأتى قبر النبي ﷺ ، فسلم عليه، ثم أتى مالكا فلما رآه مالك تلقاه بالسلام وقام إليه، وكان لا يكاد يفعل ذلك بكثير من الناس، وكان لمالك موضع من مجلسه يقعد فيه، وإلى جانبه المخزومي، معروف له، لايستدعي مالك أحدًا للقعود فيه، فأقعده فيه وسأله عن أحواله ومتى كان قدومه؛ فأعلمه أنه في الوقت الذي أتى إليه؛ فقال له مالك: صدقت، لو تقدم قدومك لعلمت به، ولأتيتك؛ وجعل مالك لا ترد عليه مسألة وعبد الله حاضر، إلا قال: أجب يا أبا محمد؛ فيجيب، ثم يقول مالك: هو كما قال؛ ثم التفت مالك إلى أصحابه فقال: هذا فقيه المغرب. *** وفي خبر آخر أنه أتى مالكا فأجلسه معه على دكان، فأتاه سائل من أهل المغرب بمسائل في الجنايات فقرئت عليه، فقال له مالك: أجبهم يا أبا محمد، فهم أهل بلدك؛

стр. 557

فقال له ابن فروخ: بحضرتك؟ قال: نعم، عزمت عليك؛ وكانت المسألة: رجل ضرب على رأسه وعلى حقويه، فذهب أم رأسه وزال عقله وبصره وسمعه وأسنانه، واسترخت أنثياه، حتى بلغت ركبتيه؛ فقال ابن فروخ: في السمع الدية، وكذلك في البصر والعقل والأسنان (١٦٠)، ويقعد في إجانة (١٦١) فيها ماء بارد في ليلة باردة، فإن تقلصت أنثياه وعادتا إلى حالهما، فلا شيء فيهما، وإلا ففيهما الدية كاملة، وإن تقلصت إحداهما فنصف الدية؛ فقال السائل: أهذا جوابك يا أبا عبد الله؟ قال: هذا جوابى. وقد حدث ابن فروخ بهذه الحكاية عنه وعن مالك. *** قال أبو العرب عن أبي عثمان المعافرى: أتيت الي مالك بمسائل من ابن غانم، فقال لي: ما قال فيها المصفر؟ يعنى البهلول بن راشد، وما قال فيها الفارسي؟ يعنى ابن فروخ، ثم كتب الأجوبة وكتب في آخر الكتاب: ودين الله سر إذا أقيمت حدوده. *** قال ابن حارث؛ سؤال مالك عن كلامه وكلام البهلول في المسألة، يدل أنه علم أنهما صاحبا فتوى القيروان في زمنه، ولم يسأل عن كلام ابن

стр. 558

زياد وابن أشرس لأنهما لم يكونا بالقيروان، كانا بتونس، مع مناظرة ابن غانم على بن زياد. *** وكان البهلول بن راشد يعظم ابن فروخ ويقلده فيما نزل به من أمور الديانة، ويذكر أنه ناظر زفر بن الهذيل في مجلس أبي حنيفة، فازدراه زفر للمغربية، فلم يزل به ابن فروخ حتى قطعه، فقال أبو حنيفة لزفر: لا خفف الله ما بك. ذكر زهده وعبادته وورعه وقيامه بالحق قال ابن قادم: كان ابن فروخ كثير التهجد بالليل، وكان تهجده آخر الليل؛ وقال أحمد بن يزيد: كان عبد الله بن فروخ إذا أخذ الجند أعطياتهم أغلق حانوته تلك الأيام حتى يذهب ما في أيديهم؛ *** قال ابن قادم: كان الناس يتبركون بصحبة ابن فروخ ويجلسون له على طريقه إذا خرج من داره، ويمشون معه، ويغتنمون منه دعوة وموعظة، حتى يأتى الجامع، فإذا وصل الجامع تشاغل بمسح رجليه خارج المسجد، وقال لمن معه ادخلوا رحمكم الله، فلا يدخل حتى لا يبقى معه أحد؛ *** وحدث الجدلى (١٦٢)، أن روح بن حاتم أرسل إلى ابن فروخ ليوليه القضاء، فلما جاءه قال له: بلغنى أنك ترى الخروج علينا.

стр. 559

قال نعم. فعظم ذلك على روح، ثم قال ابن فروخ: وذلك مع ثلاثمائة وسبعة عشر، عدة أصحاب بدر، كلهم أفضل منى. فقال روح: أمناك أن تخرج علينا أبدًا، ثم عرض عليه القضاء فامتنع، فأقعده في الجامع وأمر الخصوم يكلمونه، فجعل يبكى ويقول لهم: ارحموني رحمكم الله. *** وذكر غيره: أنه لما امتنع أمر به أن يربط، وصعد به على سقف الجامع، فقيل له: تقبل؟ قال: لا؛ فأخذ ليطرح، فلما رأى العزم قال: قبلت؛ فأجلس في الجامع ومعه حرس، فتقدم إليه خصمان، فنظر إليهما، وبكى طويلا، ثم رفع رأسه فقال لهما: سألتكما بالله إلا أعفيتماني من أنفسكما، ولا تكونا أول مشومين على، فرحماه وقاما عنه. فأعلم الحرس بذلك روحًا فقال: اذهبوا إليه فقولوا له: تشير علينا من نولى، أو فاقبل؛ فقال: ان يكن فعبد الله بن غانم، فإني رأيته شابًا له صيانة يعتنى بمسائل القضاء (١٦٣)، فعليكم به فإنه يعرف مقدار القضاء، فولى ابن غانم، فكان ابن غانم يشاوره في كثير من أموره وأحكامه، فأشفق ابن فروخ من ذلك، وقال له: يا ابن أخى! لم أقبلها أميرًا، أقبلها وزيرًا؛

стр. 560

فألح عليه ابن غانم وشدد عليه، فلما رأى ذلك ابن فروخ، خرج إلى مصر هربًا من ذلك وورعًا، فمات بها. *** وكان أكره الناس في القضاء، وكان يقول: قلت لأبي حنيفة: ما منعك أن تلى القضاء؟ فقال لي: يا ابن فروخ، القضاة ثلاثة، رجل يحسن العوم فأخذ البحر طولا فما عساه يعوم، يوشك أن يكل فيغرق، ورجل لا بأس بعومه عام يسيرًا فغرق، ورجل لا يحسن العوم ألقى بنفسه على الماء فغرق من ساعته. *** قال سحنون: اختلف ابن غانم وابن فروخ في الرجل يوليه أمير غير عدل القضاء، فأجاز ابن غانم له أن يلى، وأباه ابن فروخ، وكتبا بذلك إلى مالك؛ فلما قرأ مالك الكتاب، قال للرسول: ولى ابن غانم؟ قال: نعم. قال مالك: إنا لله وإنا إليه راجعون، فألا هرب؟ فألا فر حتى تقطع يده؟. أصاب الفارسي وأخطأ الذي يزعم أنه عربي. *** وسأله يزيد بن حاتم الأمير عن دم البراغيث في الثوب هل تجوز الصلاة به؟ فقال له: ما أرى به بأسًا. ثم قال بمحضر رسوله: يسألوننا عن دم البراغيث، ولا يسألوننا عن دماء المسلمين التي تسفك! ***

стр. 561

وخرج مرة يصلى على جنازة فإذا بإسحاق بن الأمير يزيد بن حاتم قد أغرى كلابه بظبى، يضريها بذلك، فلما انصرف استوقفه، وقال له: يا فتى! رأيتك الآن تفعل كذا وكذا، وما أحب ذلك لك، لأن النبي ﷺ نهى عنه؛ فقبل منه إسحاق، وقال له: صدقت يا أبا محمد، جزاك الله خيرًا، والله لا فعلت ذلك بعدها أبدًا. * * * قال ابن قادم: كان ابن فروخ ربما غسل الأموات الضعفاء تواضعًا، ولا يولى ذلك غيره، ويحملها إلى قبرها. ذكر رحلته وطلبه ذكر المالكي عنه أنه رحل قديما، فلقى الشيوخ والفقهاء؛ قال: وهناك سمع من أبي حنيفة مسائل كثيرة غير مدونة، يقال أنها نحو عشرة آلاف مسألة؛ قال: وفيها لقى مالكًا وتفقه عنده، وسمع منه، وأما خبره المتقدم مع مالك، فإنما كان في سفرته الثانية بعد خروجه من القيروان. * * * وذكر أنه قال: سقطت أجرة من أعلى دار أبي حنيفة، وأنا عنده على رأسى، فدمى. فقال: اختر الأرش أو ثلاثمائة حديث (١٦٤). قلت: الحديث؛ فحدثني. * * *

стр. 562

قال: ولما أتيت الكوفة، وأكثر أملى السماع من الأعمش، فسألت عنه، فقيل لي: غضب على أصحاب الحديث فحلف ألا يسمعهم مدة. فكنت اختلف إلى باب داره لعلى أصل إليه، إذ فتحت يوما بابه، وخرجت منه جارية، فقالت لي: ما بالك على بابنا؟ فأعلمتها بخبرى. قالت: وأين بلدكم؟ قلت: أفريقية. فانشرحت إلى وقالت: تعرف القيروان؟ قلت: أنا من أهلها. قالت تعرف دار ابن فروخ؟ قلت: أنا هو. فتأملتني ثم قالت: عبد الله؟ قلت: نعم. وإذا هي جارية أنا بعناها صغيرة، فصارت إلى الأعمش، وقالت له: مولاي الذي كنت أخبرك بخبره بالباب. فأمر بإدخالى، فدخلت، واسكنني بيتا قبالة بيته، فسمعت منه وحدثني. ذكر تسننه واتباعه وبقية أخباره قال أبو العرب: كان ابن فروخ كتب إلى مالك يخبره أن بلدنا كثير البدع، وأنه ألف لهم كلاما في الرد عليهم؛ فكتب إليه مالك يقول له: إن ظننت ذلك بنفسك خفت أن تزل أو تهلك، لا يرد عليهم إلا من كان ضابطا عارفًا بما يقول لهم، لا يقدرون أن يعوجوا عليه، فهذا لا بأس، وأما غير ذلك فإني أخاف أن يكلمهم

стр. 563

فيخطئ، فيمضوا على خطأه، أو يظفروا منه بشيء، فيطغوا ويزدادوا تماديًا على ذلك. * * * قال محمد بن سحنون: كانت المعتزلة تدعى ابن فروخ عندنا، فأخبرني بعض أصحاب أبي، وكان صحب أبا خارجة، قال: نزل بنا أبو خارجة فسألته عن ابن فروخ وما يرمى به. فقال: من قال هذا؟ فوالله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت بهذين العينين شابًا أعبد الله من ابن فروخ. ثم قال: والله لقد كنت معه حين سئل عن المعتزلة، فقال للسائل: وما سؤالك عن المعتزلة؟ فعلى المعتزلة لعنة الله قبل يوم الدين وفي يوم الدين وبعد يوم الدين، وفي طول دهر الداهرين. فقال له: وفيهم قوم صالحون! فقال: ويحك وهل فيهم رجل صالح؟ * * * قال سحنون: مات رجل من أصحاب البهلول، فحضر هو وابن غانم وابن فروخ، فصلوا عليه، وجيء بجنازة ابن صخر (١٦٥) المعتزلي. فقالوا لابن غانم: الجنازة. فقال. كل حي ميت، قدموا دابتي، وقيل لابن فروخ مثل ذلك فقال مثله، وقيل للبهلول مثل ذلك، فقال مثله. وانصرفوا ولم يصلوا عليه، فكان ذلك مما عرف لابن فروخ. * * * وكان قبل هذا يرى الخروج على أئمة الجور إذا اجتمع ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عدة أهل بدر، فلما خرج إلى مصر وشيعه الناس،

стр. 564

التفت إلى من شيعه فقال: اشهدوا أنى قد رجعت عما كنت أقول به من الخروج على أئمة الجور، وتائب إلى الله منه. * * * وكان قد تواعد مع قوم أيام العكى للخروج عليه - وكان العكى رجل سوء - وأن يكون اجتماعهم بباب تونس، فذهب ابن فروخ، لمكان الوعد، وتخلفوا، فلم يوافه منهم إلا محمد بن منوتا (١٦٦) من المدنيين، وأبو محرز القاضي من العراقيين، فرجع. * * * قال سحنون: ذهبت مع أخي حبيب، وكان يسمع من ابن فروخ، فلما رأيته يمازح الطلبة حوله مجه قلبى. * * * وذكر أن رجلا دعاه فأطعمه وسقاه نبيذًا، وكان يرى فيه رأى أهل العراق، فشربه، فاحمر وجهه، فقال له الذي دعاه: ألم تحدثنا أن الحسنات تتناثر من وجه الرجل إذا احمر وجهه من النبيذ؟ فقال له ابن فروخ: قد كنا أغنياء عن طعامك. وفاته: توفى رحمه الله تعالى بمصر أثر منصرفه من الحج وذلك في سنة خمس وسبعين ومائة، وقيل سنة ست وسبعين ومائة ودفن بالمقطم (١٦٧). قال عبد الله بن وهب: قدم علينا ابن فروخ سنة ست وسبعين ومائة، وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقيل ابن ستين سنة، وكان يخضب بالحناء، فما لبث إلا يسيرًا حتى مات رحمه الله تعالى.

стр. 565

ومن أهل الأندلس. سعيد بن عبدوس من أهل طليطلة، يعرف بالجدى مصغرًا، لقى مالكًا فسمع منه الموطأ، وكان مفتي بلده في وقته، وسمع منه. وأبوه عبدوس مولى هشام بن الحكم عتاقة، وقيل مولى الحكم، توفى سنة ثمانين ومائة، من كتاب ابن الفرضى. وقال ابن حارث: ذكر لي إسحاق بن إبراهيم أنه كان من أهل العلم والفقه، وكان مفتى البلد، وولى قضاء طليطلة، وأن أباه عبدوسًا كان دايًا (١٦٨) للأمير الحكم، وهو الذي أعتقه، وكان تقيًا فاضلا وعلى يديه تم أمر أهل طليطة وسلمهم مع الحكم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكر هؤلاء في عتقه، والصحيح أنه من عتاقه عبد الرحمان بن معاوية، وعقد عتقه كان موجودًا بطليطلة، وهو الذي أجار يحيى بن يحيى عند فراره من قرطبة في محنة أهل الربض، ومنعه من الحكم بن هشام حتى أمنه واعتذر إليه. قال ابن وضاح: لقيته بطليطلة.
следующие страницы →