وخرج مرة يصلى على جنازة فإذا بإسحاق بن الأمير يزيد بن حاتم قد أغرى كلابه بظبى، يضريها بذلك، فلما انصرف استوقفه، وقال له: يا فتى! رأيتك الآن تفعل كذا وكذا، وما أحب ذلك لك، لأن النبي ﷺ نهى عنه؛
فقبل منه إسحاق، وقال له: صدقت يا أبا محمد، جزاك الله خيرًا، والله لا فعلت ذلك بعدها أبدًا.
* * *
قال ابن قادم: كان ابن فروخ ربما غسل الأموات الضعفاء تواضعًا، ولا يولى ذلك غيره، ويحملها إلى قبرها.
ذكر رحلته وطلبه
ذكر المالكي عنه أنه رحل قديما، فلقى الشيوخ والفقهاء؛
قال: وهناك سمع من أبي حنيفة مسائل كثيرة غير مدونة، يقال أنها نحو عشرة آلاف مسألة؛
قال: وفيها لقى مالكًا وتفقه عنده، وسمع منه، وأما خبره المتقدم مع مالك، فإنما كان في سفرته الثانية بعد خروجه من القيروان.
* * *
وذكر أنه قال: سقطت أجرة من أعلى دار أبي حنيفة، وأنا عنده على رأسى، فدمى. فقال: اختر الأرش أو ثلاثمائة حديث (١٦٤).
قلت: الحديث؛
فحدثني.
* * *
стр. 562
قال: ولما أتيت الكوفة، وأكثر أملى السماع من الأعمش، فسألت عنه، فقيل لي: غضب على أصحاب الحديث فحلف ألا يسمعهم مدة.
فكنت اختلف إلى باب داره لعلى أصل إليه، إذ فتحت يوما بابه، وخرجت منه جارية، فقالت لي: ما بالك على بابنا؟
فأعلمتها بخبرى.
قالت: وأين بلدكم؟
قلت: أفريقية.
فانشرحت إلى وقالت: تعرف القيروان؟
قلت: أنا من أهلها.
قالت تعرف دار ابن فروخ؟
قلت: أنا هو.
فتأملتني ثم قالت: عبد الله؟
قلت: نعم.
وإذا هي جارية أنا بعناها صغيرة، فصارت إلى الأعمش، وقالت له: مولاي الذي كنت أخبرك بخبره بالباب.
فأمر بإدخالى، فدخلت، واسكنني بيتا قبالة بيته، فسمعت منه وحدثني.
ذكر تسننه واتباعه وبقية أخباره
قال أبو العرب: كان ابن فروخ كتب إلى مالك يخبره أن بلدنا كثير البدع، وأنه ألف لهم كلاما في الرد عليهم؛
فكتب إليه مالك يقول له: إن ظننت ذلك بنفسك خفت أن تزل أو تهلك، لا يرد عليهم إلا من كان ضابطا عارفًا بما يقول لهم، لا يقدرون أن يعوجوا عليه، فهذا لا بأس، وأما غير ذلك فإني أخاف أن يكلمهم
стр. 563
فيخطئ، فيمضوا على خطأه، أو يظفروا منه بشيء، فيطغوا ويزدادوا تماديًا على ذلك.
* * *
قال محمد بن سحنون: كانت المعتزلة تدعى ابن فروخ عندنا، فأخبرني بعض أصحاب أبي، وكان صحب أبا خارجة، قال: نزل بنا أبو خارجة فسألته عن ابن فروخ وما يرمى به. فقال: من قال هذا؟ فوالله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت بهذين العينين شابًا أعبد الله من ابن فروخ.
ثم قال: والله لقد كنت معه حين سئل عن المعتزلة، فقال للسائل: وما سؤالك عن المعتزلة؟ فعلى المعتزلة لعنة الله قبل يوم الدين وفي يوم الدين وبعد يوم الدين، وفي طول دهر الداهرين.
فقال له: وفيهم قوم صالحون!
فقال: ويحك وهل فيهم رجل صالح؟
* * *
قال سحنون: مات رجل من أصحاب البهلول، فحضر هو وابن غانم وابن فروخ، فصلوا عليه، وجيء بجنازة ابن صخر (١٦٥) المعتزلي. فقالوا لابن غانم: الجنازة. فقال. كل حي ميت، قدموا دابتي، وقيل لابن فروخ مثل ذلك فقال مثله، وقيل للبهلول مثل ذلك، فقال مثله. وانصرفوا ولم يصلوا عليه، فكان ذلك مما عرف لابن فروخ.
* * *
وكان قبل هذا يرى الخروج على أئمة الجور إذا اجتمع ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عدة أهل بدر، فلما خرج إلى مصر وشيعه الناس،
стр. 564
التفت إلى من شيعه فقال: اشهدوا أنى قد رجعت عما كنت أقول به من الخروج على أئمة الجور، وتائب إلى الله منه.
* * *
وكان قد تواعد مع قوم أيام العكى للخروج عليه - وكان العكى رجل سوء - وأن يكون اجتماعهم بباب تونس، فذهب ابن فروخ، لمكان الوعد، وتخلفوا، فلم يوافه منهم إلا محمد بن منوتا (١٦٦) من المدنيين، وأبو محرز القاضي من العراقيين، فرجع.
* * *
قال سحنون: ذهبت مع أخي حبيب، وكان يسمع من ابن فروخ، فلما رأيته يمازح الطلبة حوله مجه قلبى.
* * *
وذكر أن رجلا دعاه فأطعمه وسقاه نبيذًا، وكان يرى فيه رأى أهل العراق، فشربه، فاحمر وجهه، فقال له الذي دعاه: ألم تحدثنا أن الحسنات تتناثر من وجه الرجل إذا احمر وجهه من النبيذ؟
فقال له ابن فروخ: قد كنا أغنياء عن طعامك.
وفاته:
توفى رحمه الله تعالى بمصر أثر منصرفه من الحج وذلك في سنة خمس وسبعين ومائة، وقيل سنة ست وسبعين ومائة ودفن بالمقطم (١٦٧).
قال عبد الله بن وهب: قدم علينا ابن فروخ سنة ست وسبعين ومائة، وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقيل ابن ستين سنة، وكان يخضب بالحناء، فما لبث إلا يسيرًا حتى مات رحمه الله تعالى.
стр. 565
ومن أهل الأندلس.
سعيد بن عبدوس
من أهل طليطلة، يعرف بالجدى مصغرًا، لقى مالكًا فسمع منه الموطأ، وكان مفتي بلده في وقته، وسمع منه.
وأبوه عبدوس مولى هشام بن الحكم عتاقة، وقيل مولى الحكم، توفى سنة ثمانين ومائة، من كتاب ابن الفرضى.
وقال ابن حارث: ذكر لي إسحاق بن إبراهيم أنه كان من أهل العلم والفقه، وكان مفتى البلد، وولى قضاء طليطلة، وأن أباه عبدوسًا كان دايًا (١٦٨) للأمير الحكم، وهو الذي أعتقه، وكان تقيًا فاضلا وعلى يديه تم أمر أهل طليطة وسلمهم مع الحكم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكر هؤلاء في عتقه، والصحيح أنه من عتاقه عبد الرحمان بن معاوية، وعقد عتقه كان موجودًا بطليطلة، وهو الذي أجار يحيى بن يحيى عند فراره من قرطبة في محنة أهل الربض، ومنعه من الحكم بن هشام حتى أمنه واعتذر إليه.
قال ابن وضاح: لقيته بطليطلة.
стр. 566
الغازى بن قيس
من أهل * قرطبة، أموى، يكنى أبا محمد، رحل قديمًا، فسمع من مالك الموطأ، وسمع من ابن أبي ذيب وابن جريج والأوزاعي وثور بن زيد ومحمد بن وردان، وهو أول من أدخل موطأ مالك، وقراءة نافع، الأندلس، فيما قاله أبو عمرو المقرى؛
* * *
قال: وشهد مالكا وهو يؤلف الموطأ، وقرأ القرآن على نافع بن أبي نعيم قارئ المدينة، وكان يحفظ الموطأ (١٦٩) ظاهرًا، وانصرف إلى الأندلس يعلم عظيم نفع الله به أهلها؛
وكان القارئ يقدم ويؤخر فيرد عليه ذلك؛
وقصد قارئ يومًا أن يقدم من أبواب الموطأ ويؤخرها ليرى الناس حفظ الغازي، فأنكر ذلك عليه، وقال: ان عدت لا تقرأ على، إنما تريد أن ترى الناس ما نكن، يريد حفظه.
* * *
روى عنه ابنه، وابن حبيب، وأصبغ بن خليل، وعثمان بن أيوب.
وقيل: أنه عرض عليه القضاء فأبى.
قال أصبغ: سمعته يقول: والله ما كذبت كذبة منذ اغتسلت (١٧٠)،
стр. 567
ولولا أن عمر بن عبد العزيز قاله ما قلته، وما قاله عمر فخرًا ولا رياء ولا قاله إلا ليقتدى به.
* * *
وشاور المصعب بن عمران القاضي، عند موت صعصعة بن سلام؛
وأدب بقرطبة قبل رحلته، وكان إمام الناس بها في القراءة.
قال أبو عمرو المقرى: وكان خيرًا فاضلا عالمًا أديبًا ثقة مأمونًا.
قال أحمد بن عبد البر: كان عاقلا نبيلا يروى حديثًا كثيرًا، ويتفقه في المسائل، رأسًا في علم القرآن، متهجدًا بالقرآن، كثير الصلاة بالليل، وتوفى فيما قيل سنة تسع وتسعين ومائة.
وروى عنه أنه كان يقول: ما من يوم يأتى إلا ويقول: أنا خلق جديد، وعلى ما يفعل في شهيد، خذوا منى قبل أن أبيد، فإذا أمسى ذلك اليوم خر لله ساجدًا وقال: الحمد لله الذي لم يجعلني اليوم العقيم.
وكان للغازى بن قيس ابنان:
عبد الله، وكان من أهل العلم بالعربية والتأدية لقراءة نافع، سمع من أبيه وروى عنه ثابت وابنه قاسم. توفي سنة ثلاثين ومائتين.
ومحمد أبو عبد الله، صاحب عربية ولغة، رحل فلقى الرياشي (١٧١) وأبا حاتم، ومات بطنجة في انصرافه. وقال لما حضره الموت:
الحمد لله ثم الحمد لله … ما ذا عن الموت من ساه ومن لاه
ماذا يرى المرء ذو العينين من عجب … عند الخروج من الدنيا إلى الله
стр. 568
زياد بن عبد الرحمان يلقب بشبطون
قرطبي جد بني زياد بها، يكنى أبا عبد الله؛
وهو زياد بن عبد الرحمان بن زهير بن ناشرة بن لودان بن يحيى بن أحطب بن الحارث بن وائل اللخمي، وقد قيل انه من ولد حاطب بن أبي بلتعة؛
* * *
سمع من مالك الموطأ، وله عنه في الفتاوى كتاب سماع معروف بسماع زياد؛
وسمع من معاوية بن صالح القاضي وكان صهره زياد على ابنته، وعن عبد الله بن عقبة، والليث بن سعد، وسليمان بن بلال، وعبد الله بن عبد الرحمان، وعبد الرحمان بن أبي الزناد، وعبد الله بن عمر العمري، ويحيى بن أيوب، وأبي معشر، وموسى بن علي، ومحمد بن عبد الله بن عمر الليثي، والقاسم بن عبد الله، وإسماعيل بن داود، وهارون بن عبد الله، ومحمد بن أبي سلمة العمرى، وأبي معمر صاحب أنس، وعبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة، وابن أبي داود، وسفيان بن عيينة، وعمر بن قيس، وابن أبي حازم؛
* * *
وروي عنه يحيى بن يحيى الموطأ، وسماعه من مالك، قبل رحلته من الأندلس، فأشار عليه زياد بالرحيل إلى مالك ما دام حيًا وأخذه عنه، ففعل؛
стр. 569
وكان زياد أول من أدخل إلى الأندلس موطأ مالك، متفقهًا (١٧٢) بالسماع منه، ثم تلاه يحيى بن يحيى.
قال يحيى بن يحيى: زياد أول من أدخل الأندلس علم السنن، ومسائل الحلال والحرام، ووجوه الفقه والأحكام، وهو أول من عرف بالسنة في تحويل الأردية في الاستسقاء، وصاحب الصلاة إذ ذاك المصعب بن عمران، فأنكر ذلك، وقال: هذا نشوة (١٧٣).
قال يحيى: فخرجت بعد ذلك إلى المشرق، ولقيت مالك بن أنس والليث بن سعد ومن دونهما، فوجدت سنة تحويل الأردية معروفة عندهم فاشية.
* * *
قال الشيرازي: كان أهل المدينة يسمون زيادًا فقيه الأندلس؛
وحكى ابن حارث أنه كان له إلى مالك رحلتان، آخرهما (١٧٤) حين اجتمع به معاوية بن صالح؛
حكى أبو بكر المالكي أن زيادًا قدم المدينة، فدخل على مالك وعنده ابن كنانة، فلم يعرفه ابن كنانة، فسأله ابن كنانة عن بلده، فذكره؛
فقال له: من فقيه بلدكم؟
قال: أنا، أو نحو ذلك؛
стр. 570
فجاراه ابن كنانة في المسائل فلم يأت منه ما أحب، فقال: وإن لقوم سودوك لفاقة. البيت.
فقال له مالك: أحفظت الرجل وأسأت أدبه. فلما استقر المجلس بزياد جاراه ابن كنانة ففجر منه بحرًا، فعلم أن ما كان منه أولا إنما كان لهيبة المجلس.
ذكر فضله وخيره
كان زياد إذا بعث معاوية بن صالح القاضي شيئًا - وكان أبا زوجته - إلى داره، لم يأكل شيئًا منه.
وكان زياد ناسكًا ورعا راوده الأمير هشام على القضاء فأبى عليه، وخرج هاربًا بنفسه، فقال هشام: ليت الناس كلهم مثل زياد، حتى أكفى أهل الرغبة في الدنيا ثم أمنه، فرجع إلى قرطبة.
* * *
وكان هشام يقول: بلوت الناس فما رأيت رجلا يكتم من الزهد أكثر مما يظهر إلا زيادًا.
* * *
وذكر يحيى بن إسحاق أن هشامًا لما ولى قيل له: لا يعتدل ما تريد إلا بولاية زياد على القضاء، فبعث إليه، فتمنع، فألح هشام عليه، فقال للوزراء (١٧٥) أما إذا عزمتم فأخبركم بما أبدأ به، على المشى إلى مكة، إن وليتموني، إن جاءني أحد متظلما منكم إلا أخرجت من أيديكم ما يدعيه،
стр. 571
ورددته عليه (١٧٦)، وكلفتكم البينة، لما أعرف من ظلمكم، فتركوه / [فأعفى، فقيل ليحيى بن يحيى: أهو وجه القضاء؟ قال: نعم، فيمن عرف بالظلم والغدرة] / (١٧٧) وأشاروا بإعفائه.
***
وكان الأمير هشام يؤثر زيادًا ويكرمه، ويستنيم إليه، ويخلو به، ويسائله عما يعرض له من أمور دينه، فيأخذ برأيه، ويبالغ في بره، ويدفع إليه المال يتصدق به، وربما اجتاز به ليلا (١٧٨) فيخرج إليه ويسلم عليه ويحادثه.
وذكر الصدفي أنه عرض عليه أخذ مال ليفرقه، فأبى.
***
وذكر أنه حضر عنده يومًا غضب فيه على خاصة له، أوصل إليه كتابًا كرهه، فأمر بقطع يده، فقال زياد: أصلح الله الأمير، فإن مالك بن أنس حدثني في خبر رفعه، أن من كظم غيظا يقدر على انفاذه ملأه الله أمنا وإيمانا يوم القيامة.
فسكن غضب الأمير، وقال له: الله إن مالكا حدثك بهذا؟
قال زياد: الله، إن مالكا حدثني به.
فأمر الأمير أن يمسك عن يد الخادم وعفا عنه.
***
وذكر أن زيادًا راكب الأمير الحكم، وقد أردف زياد ولده خلفه منصرفين من جنازة، ووصل محادثة الأمير إلى أن وصل القنطرة، فسمع
стр. 572
المؤذن، فقطع زياد حديثه وقال: معذرة إلى الأمير أصلحه الله، إنا كنا في حديث عارضه هذا المنادي إلى الله تعالى، ولا يجوز الإعراض عنه، فهو أحق بالإجابة، وإن اجتمعنا قدرنا على تتميم الحديث إن كانت بنا إليه حاجة، وسلم عليه، فدخل الجامع من باب القنطرة، واستقام الأمير إلى القصر.
***
قال يحيى: كان زياد واحد زمانه زهدًا وورعًا، وأتاه هشام ليلا في خاصته، فقرع عليه الباب فخرج فزعًا، ففتح له وسلم عليه، وسأله عن سبب مجيئه، فقال: طلب التفرد بك، وهذا مال طيب - وأشار إلى مال يحمله الفتى - أردت التزلف به فأتيتك به لتضعه حيث تراه؛
فقال له زياد: تجد من هو أقوم لك بذلك وأعرف بأهله، وسمى له قومًا من صلحاء الناس؛
فأبى هشام إلا إياه، فلم يقدر عليه، إلى أن حلف ألا يفعل، فاستحياه هشام، وخرج بماله وهو يقول: اللهم أعني على طاعتك بمثل هذا.
***
قال حبيب: كنا جلوسا عند زياد، فأتاه كتاب من بعض الملوك قد ميزه، فكتب فيه (١٧٩)، ثم طبع الكتاب ونفذ به الرسول، فقال زياد: أتدرون عما سأل صاحب هذا الكتاب؟ سأل عن كفتي ميزان الأعمال يوم القيامة، أمن ذهب هي أم من ورق، فكتبت إليه: حدثنا مالك عن ابن شهاب قال: قال رسول الله ﷺ : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وسترد فتعلم.
***
стр. 573
وكان زياد (١٨٠) جرت له في مصاهرته لمعاوية بن صالح نادرة مذكورة، وذلك أنه أراد النظر إلى المرأة قبل تمام نكاحها، كما يفعل بعض الناس، وقيل بعد تمام نكاحها، وهو أشبه بحاله وبآخر الحكاية، فواعد أهل الدار أن يأتيهم ليلا خفية من معاوية، فجاء واختفى في أسطوان الدار، وخرج معاوية فأحس من دابته قلقا وحركة لمكان زياد، فأنكر ذلك، ودعى بالمصباح، فلما نظر، إذا بزياد قد انزوى في بعض زوايا أسطوانه، فلم يزد أن قال: استوصوا بضيفكم خيرًا. وانصرف.
***
وله سماع من مالك مؤلف، وكتاب الجامع له؛
قال ابن عتاب: وهو كتاب غريب يشتمل على علم كثير.
قال يحيى بن يحيى: عرضت سماع زياد على ابن نافع وابن القاسم، فرد على ابن القاسم منه مسألة، وقال لي: كذب زياد على مالك وما سمع منه هذا قط؛
فأخذت الكتاب وطويته وأدخلته كمي، فقال: اقرأ.
فقلت: زياد أجل في نفسى من أن أعرضه مثل هذا؛
فاحتشم ابن القاسم وقال لي: اقرأ، فوالله لا عدت لمثلها أبدًا، فقرأت.
***
стр. 574
وكان محمد بن عيسى الأعشى سيئ الرأي في زياد، وكان يقول: إني لآكل التفاح الحلو، وأحسو البيض الخفيف، وأبول في الماء الراكد منذ كذا، لينسينى الله علم زياد ويخرجه من صدري، فما نسيته، وألتزم كل ما أعرف أنه ينسى؛
فقيل له: لم؟
قال: لأن زيادًا لم يكن شيئا، وكان علمه باردًا (١٨١).
وتوفي سنة ثلاث، وقيل أربع، وقيل تسع، وتسعين ومائة؛ ونجب ولده بقرطبة، وكان فيهم عدة من أهل الجلالة والفضل والقضاء (١٨٢) والعلم والخير.
стр. 575
سعيد بن أبي هند أبو عثمان
أصله من طليطلة، وسكن قرطبة، ولقى مالك بن أنس وهو الذي كان يسميه مالك: الحكيم، قاله أحمد بن عبد البر؛
قال ابن لبابة (١٨٣): اسمه عبد الوهاب.
قال بعضهم عن ابن حارث: عبد الرحمان بن أبي هند الأصبحي من أهل طليطلة، يكنى أبا هند، سمع مالكا، وكان له مكرما، وكان يسميه: حكيم الأندلس، وانصرف وسكن قرطبة، واستوزره بعض الخلفاء (١٨٤).
وفي كتاب أبى سعيد الصدفي مثله، وكناه أبا زيد (١٨٥)، وقال: توفى سنة مائتين.
***
وذكر غيره أن سبب ولايته الوزارة ما امتحن به من صدقه، وأنه لم تجرب عليه كذبة قط، فقال بعض وزراء ذلك الوقت: أنا أجعله يكذب، فرصده حتى نعس، ثم قال له: رقدت يا أبا هند؟
قال: نعم.
فلم يظفر منه بما يريد، لعادة الناس الإنكار في هذا.
وقد أضيفت هذه القصة لغيره، بعده، فلعلهما قصتان والله أعلم؛
***
стр. 576
وقرأت في كتاب القضاة لابن حارث: سعيد بن عبد الرحمان بن أبى هند الأصبحي، [ولي قضاء طليطلة؛
قال: وذكر لي أن أبا عبد الرحمان بن أبي هند كان من العلماء، وكانت له رحلة لقى فيها مالكا، وأنه بعد انصرافه ولي قضاء طليطلة؛
قال غيره: عبد الرحمان بن أبي هند، أبو هند الأصبحي] (١٨٦) الطليطلي، روى عن مالك الموطأ.
وقال القاضي أبو الوليد بن الفرضي ومحمد بن حارث: لا أدرى أهما اثنان أو واحد، فقد قيل إن ابن أبي هند مات في أيام هشام بن عبد الرحمان، والله تعالى أعلم.
***
قال أحمد بن سعيد: كان ابن أبي هند - ولم يسمه - فاضلا نبيلا عاقلا، له سمت وهسة.
قال ابن وضاح: كان ابن أبي هند هذا شريفا، وكان مالك يسأل عنه، يقول: ما فعل الحكيم الذي عندكم بالأندلس؟ لكلمة سمعها منه، وهي أن قال مالك يوما: ما أحسن السكوت وأزينه بأهله، فقال ابن أبي هند: وكل من شاء سكت يا أبا عبد الله؟ فأعجبت مالكا كلمته.
وقيل: بل قال له إنما يزين الصمت ما بعده.
***
وعرض به رجل عند الأمير عبد الرحمان بالرياء، فقال سعيد: أصلح
стр. 577
الله الأمير، يظن بنا سوء السريرة مع حسن العلانية، فما ظن الأمير أعزه الله تعالى بسريرة رجل قد فسدت علانيته؟
***
ورأى الناس ينظرون إلى قوم كساهم الأمير، ويستحسنون كسوتهم، فقال: إنهم ما أخذوا ذلك إلا يبخس من الثمن، يعنى أنهم بذلوا فيها دينهم.
***
حدث عنه يحيى بن يحيى، وروى ابن وهب عن مالك عن ابن أبي هند، قال: وجدت الصمت أشد من الكلام.
***
قال يحيى بن يحيى: سمعت ابن أبي هند يقول: ما هبت أحدًا هيبتي عبد الرحمان بن معاوية، حتى حججت فدخلت على مالك فهبته هيئة شديدة صغرت هيبة ابن معاوية.
***
قال: وكان له ابن شيخ لم يملك من مال أبيه شيئا، فقال له يوما: يا أبت هب لي من مالك شيئا؛
فقال: وهل استأثرت عنك منه بشيء، تركب وتلبس وتأكل كما أفعل أنا؛
فقال: أحب أن تسمي لي منه شيئا؛
فقال: يمنعني من ذلك أنه يقال: ينتقص من عقل الرجل بقدر ما ينتقص من ماله؛
قال أحمد: وتوفي سعيد بن أبي هند، صدر أيام عبد الرحمان بن معاوية، قبل موت مالك بكثير.
стр. 578
يحيى بن مضر القيسي وقيل اليحصبي
من أهل قرطبة، أبو زكرياء، ويقال أبو بكر، شامي الأصل، كبير من فقهاء قرطبة، سمع من سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وروى عنه الموطأ.
وروى عنه مالك حكاية عن سفيان الثوري أن الطلح المنضود هو الموز، وقال أخبرني بذلك عن سفيان، يحيى بن مضر فقيه الأندلس؛
وروى عنه عبد الله بن وهب، ويحيى بن يحيى قبل رحلته، وكان عالما متقنًا (١٨٧) صاحب رأي.
***
قال يحيى بن يحيى لبعض الكبراء - وقال له إن الأمير أجابني أن يجلس لي الفقهاء فيما حكم به على بن بشير، ويجلسك معهم - فقال له يحيى: عليكم إن كنتم لابد فاعلين بشيخنا يحيى بن مضر.
***
وصلبه أمير المؤمنين الحكم بن هشام بن عبد الرحمان بن معاوية بن عبد الملك بن مروان، فيمن صلبه، بسبب الهيج ممن أراد القيام عليه وخلعه، سنة تسع وثمانين ومائة؛
وكانوا قد أنكروا على أميرهم أمورًا كثيرة من انهماكه في لذاته وغير ذلك، فأرادوا خلعه، وكانوا عدة من أعيان الفقهاء، وأكابر العلماء والصلحاء وأكابر الناس ومشايخهم (١٨٨)، ولقوا فتى من بني عمه عزموا على القيام مع
стр. 579
وتقديمه، فوشى بهم إلى الأمير وأوقفه على صحة الحال بأن أدخل كاتبه وثقته قبة له، وأسبل عليه سترًا، في يوم وعدهم الاجتماع فيه معه، فلما حضروا أقبل يسألهم عمن معهم في هذا الأمر، والكاتب يكتب، إلى أن استراب بعضهم بكثرة سؤاله، وقيل بل سمع صرير القلم وراء الستر، فكشفوه، فوقفوا على الأمر، فسقط في أيديهم، وبادروا الخروج، فنجا من بادر، وقبض على من بقى، فكان ممن نجا يحيى بن يحيى وعيسى بن دينار، وقبض على يحيى بن مضر فيمن قبض، فأمر الأمير بصلبهم على شط نهر قرطبة، وكانوا اثنين وسبعين رجلا من الفقهاء وأهل الصلاح؛
وقيل كان عدد من صلب مائة وأربعين.
وقيل في شرح هذه القصة غير هذا؛
فعظم ما فعل بهم في قلوب الناس، وغدوا له على جدة، لم يزالوا متربصين للوثوب به، إلى أن قاموا القيامة المشهورة بوقعة الربض التي اصطلموا (١٨٩) فيها، سنة اثنين ومائتين.
стр. 580
الطبقة الوسطى
فمن أهل المدينة:
عبد الله بن نافع
مولى بني مخزوم المعروف بالصائغ (١٩٠)، كنيته أبو محمد، قاله البخاري.
روى عن مالك، وابن أبي ذيب، وحسين بن عبد الله بن ضميرة، وابن أبي الزناد، وتفقه بمالك ونظرائه.
قال أحمد بن حنبل: كان صاحب رأي مالك ومفتي أهل المدينة برأي مالك، ولم يكن صاحب، حديث، ولم يكن في الحديث بذلك، وكان ضعيفًا فيه.
قال أبو زرعة الرازي: لا بأس به.
قال البخاري: يعرف حديثه وينكر، وكتابه أصح.
وقال محمد بن الحسين: سألت أبا عبد الله عنه، فقال: ثقة.
قال ابن لبابة: أهل الحديث يقدمون ابن نافع على أصحاب مالك في الحديث والثقة.
***
стр. 581
قال ابن غانم: قلت لمالك: من لهذا الأمر بعدك؟
قال. رجل من أصحابي، حتى دخل رجل أعور، وهو ابن نافع، فقال: هذا.
قال الشيرازي: كان أصم أميًا لا يكتب.
وقال: صحبت مالكًا أربعين سنة ما كتبت منه شيئا، وإنما كان حفظًا أتحفظه؛
***
وهو الذي سمع منه سحنون وكبار أصحاب مالك، والذي سماعه مقرون بسماع أشهب في العتبية. لا كما زعم أبو عبد الله ابن عتاب في فهرسته أنه ابن نافع الزبيري، وما ذكرناه غير منكر، ولهذا يعد في مشيخة الأندلس عما يقع في سماعها وفي سماع الشيخين، يعنون أشهب وابن نافع الصائغ، وهو الذي ذكروه وروايته في المدونة نفيسة.
***
قال أشهب: ما حضرت لمالك مجلسًا إلا وابن نافع حاضره، ولا سمعت إلا وفد، لكنه كان لا يكتب فكان يكتب أشهب لنفسه وله؛
***
وفي المدونة أن مالكا سأل ابن نافع عن حديثه عن حسين بن عبد الله بن ضميرة في القراءة في ركعتي الفجر (١٩١). قال ابن نافع، فحدثته به، فأعجب مالكا واستحسنه. وقال: قد كنا على هذا ولم يبلغنى فيه شيء، وجلس مجلس مالك بعد ابن كنانة.
***
стр. 582
قال ابن وضاح: كان أفضل أصحاب مالك في العبادة المصريون والإسكندرانيون، وكان ابن نافع رجلا صالحًا، [لكن هؤلاء فوقه.
قال محمد بن سعيد: لزم مالكا لزومًا شديدًا، وكان لا يقدم عليه أحدًا، وهو دون معن.
قال سحنون: وكان ابن نافع رجلا صالحًا] (١٩٢)، وكان ضيق الخلق، وكان أبوه صائغًا، وكان أولا في حداثته متحركًا، فبينما هو في حائط من حيطان المدينة يوما، إذ سمع رجلا يقرأ القرآن، قال: هذا يتلو كتاب الله وأنا مشغول في هذا الحائط، فرجع ولزم المسجد.
***
وله تفسير في الموطأ، ورواه عنه يحيى بن يحيى، وعده ابن حبيب وابن حارث فيمن خلف مالكًا بالمدينة في الفقه.
وقال مجاهد بن موسى: قال عبد الله بن نافع الصائغ: أنا أجالس مالكًا منذ ثلاثين سنة، أو خمسة وثلاثين سنة بالغداة والعشي، وربما هجرت، فما رأيته قرأ الموطأ على أحد قط.
توفي بالمدينة في رمضان سنة ست وثمانين ومائة.
стр. 583
محمد بن مسلمة بن هشام
قال الزبير: هو محمد بن مسلمة بن محمد بن هشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم (١٩٣)؛
وهشام هذا هو أمير المدينة الذي نسب إليه مد هشام، والذي يذكر عنه ذكر عهدة الرقيق في خطبته؛
روي محمد عن مالك وتفقه عنده، وروى عن الضحاك بن عثمان وإبراهيم بن سعيد والهديري.
قال أبو حاتم: كان أحد فقهاء المدينة من أصحاب مالك وكان أفقههم، وهو ثقة.
ولمحمد بن مسلمة كتب فقه أخذت،
وقال القاضي التستري: هو ثقة مأمون حجة.
قال الشيرازي: جمع العلم والورع؛
قال: وكان مالك إذا دخل على الرشيد دخل بين رجلين من بني مخزوم، المغيرة عن يمينه، وابن مسلمة عن يساره.
***
стр. 584
قال البخاري: قيل لمحمد بن مسلمة ما لرأى (١٩٤) فلان دخل البلاد كلها إلا المدينة؟
فقال: لأنه دجال من الدجاجلة، وقال النبي ﷺ : لا يدخلها الطاعون ولا الدجال.
وتوفي سنة ست عشرة ومائتين (١٩٥).
стр. 585
مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار اليسارى الهلالي
أبو مصعب (١٩٦)، ويقال أبو عبد الله، مولى ميمونة أم المؤمنين. كان جد أبيه سليمان مشهورًا مقدما في العلم والفقه؛
وكان هو وإخوته عطاء، وعبد الله، وعبد الملك بنو يسار، مكاتبين الميمونة أم المؤمنين، أخذ عن جميعهم العلم، وولاؤهم لبني العباس، وهبت ميمونة ولاءهم لعبد الله بن عباس.
وقال البخاري: هو مولى أم سلمة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها.
قال أبو عمر الصدفي: هذا وهم أنا أنكره، إنما هو مولى ميمونة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها.
وقال فيه ابن حارث: الأسلمي؛
وقد ذكر إسماعيل بن إسحاق في مبسوطه: وروى (الأسلمي) عن مالك ولم يسمه.
***
قال محمد بن سعد: مطرف بن عبد الله بن يسار، وكان يسار مكاتبا لرجل من أسلم *، فأدى عنه عبد الله بن أبي فروة، فعتق، فصار في دعوتهم، وهو ثقة.
стр. 586
قال القاضي أبو الوليد الباجي: مطرف الفقيه صاحب مالك هو ابن أخته، وكان مطرف أصم، روى عن مالك، وابن أبي الزناد، وعبد الرحمان بن أبي الموالي، وعبد الله بن عمر العمري؛
***
روى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم وإبراهيم بن المنذر، والذهلي (١٩٧)، ويعقوب بن شيبة، والبخاري وخرج عنه في صحيحه.
قال الشيرازي: تفقه بمالك، وعبد العزيز بن الماجشون، وابن أبي حازم، وابن دينار، وابن كنانة، والمغيرة.
قال ابن معين: مطرف ثقة.
قال ابن وضاح: هو عنده أرجح من ابن أبي أويس.
قال الكوفي: هو ثقة.
قال أحمد بن حنبل: كانوا يقدمونه على أصحاب مالك.
قال أبو حاتم: مطرف أحب إلى من إسماعيل بن أبي أويس، ومطرف صدوق مضطرب (١٩٨).
قيل لابن معين: مطرف مثل القعنبي ومعن؟
قال: كلهم ثقات.
***
стр. 587
قال الزبير: قال مطرف: صحبت مالكا سبع عشرة سنة، فما رأيته قرأ الموطأ على أحد، وكان يعيب كتابة العلم علينا، ويقول: لم أدرك أحدًا من أهل بلدنا، ولا كان من مضى، يكتب؛
فقيل له: فكيف نصنع؟
فقال: تحفظون كما حفظوا، وتعملون كما عملوا، حتى تتنور قلوبكم، فيغنيكم عن الكتابة (١٩٩)، ولقد كره عمر بن الخطاب ﵁ ذلك، وقال: لا يكتب كتاب مع كتاب الله.
***
قال ابن وضاح: رأيت سحنونًا لا يعجبه مطرف.
قال أبو العرب: وامتحن مطرف في القرآن أيام المأمون.
***
قال البخاري: ولد سنة تسع وثلاثين ومائة، ومات سنة عشرين ومائتين بالمدينة، وقال ابن أبي خيثمة ومحمد بن سعيد، قال: في أولها.
وقال الدارقطني: في صفر منها، وقال غيره: سنة أربع عشرة. وقال ابن وضاح: سنة تسع عشرة؛ قيل: وسنه بضع وثمانون سنة.
стр. 588
عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة
كنيته أبو مروان (٢٠٠)، واسم أبي سلمة ميمون، قاله اللالكائي، ويقال دينار، وقاله الباجي (٢٠١)، مولى لبنى تيم من قريش، ثم لآل المنكدر.
والماجشون هو أبو سلمة فيما قاله اللالكائي؛
وقال محمد بن سعيد والدارقطني: هو يعقوب بن أبي سلمة أخو عبد الله.
***
قال الباجي: والماجشون، المورد بالفارسية؛
قال الدارقطني: سمى بذلك لحمرة في وجهه.
وحكى ابن خالد (٢٠٢) عن بعضهم أنهم من أهل أصبهان انتقلوا إلى المدينة، فكان أحدهم يلقى الآخر، فيقول: "شوني شوني" (٢٠٣) يريد: كيف أنت؟. فلقبوا بذلك.
وحكى ابن حارث أن (ماجش) (٢٠٤) موضع بخراسان نسبوا إليه.
***
стр. 589
وكان عبد الملك فقيهًا فصيحًا، دارت عليه الفتوى في أيامه إلى موته، وعلى أبيه قبله، فهو فقيه ابن فقيه.
قال مصعب: عبد الملك مفتى أهل المدينة في زمانه، وكان ضرير البصر، ويقال عمي آخر عمره، وبيته بيت علم وخير بيت بالمدينة (٢٠٥).
***
وجده عبد الله: يروي عن ابن عمر وغيره، خرج له مسلم.
وأخو جده يعقوب بن أبي سلمة: يروي عن ابن عمر أيضا.
وعمر بن عبد العزيز. خرج عنه مسلم أيضا.
ويوسف بن عبد العزيز أخو عبد الملك؛ حدث عنه الزبير بن بكار.
ومنهم يوسف بن يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة: يروى عن ابن المنكدر والزهرى. خرج عنه البخارى ومسلم، وروى عنه ابن حنبل وابن المديني وغيرهما.
وأخوه عبد العزيز بن يعقوب أبو الأصبغ: يروى أيضا عن ابن المنكدر مراسيل رواها عنه ابن حنبل.
ثناء العلماء عليه وتعظيمهم له وفضله
قال الشيرازي: تفقه بأبيه (٢٠٦)، ومالك، وابن أبي حازم، وابن دينار، وابن كنانة، والمغيرة.
стр. 590
وكان فصيحًا، روى أنه كان إذا ذاكره الشافعي، لم يعرف الناس كثيرًا مما يقولان، لأن الشافعي تأدب بهذيل في البادية، وعبد الملك تأدب في خؤولته من بني كلب بالبادية؛
***
قال يحيى بن أكتم القاضي: عبد الملك: عبد الملك بحر لا تكدره الدلاء؛
قال عبد الملك: أتيت المنذر بن عبد الله الحزامي (٢٠٧)، وأنا حديث السن، فلما تحدثت وفهم عنى بعض الفصاحة، قال لي: من أنت؟.
فأخبرته؛
فقال لي: أطلب العلم، فإن معك حذاءك وسقاءك.
***
وقال ابن المعذل: كلما تذكرت أن التراب أكل لسان عبد الملك، صغرت الدنيا في عيني؛
وقيل له: أين لسانك من لسان أستاذك عبد الملك؟
فقال: كان لسانه إذا تعايى أحيى (٢٠٨) من لساني إذا تحايى.
***
قال ابن حارث: كان من الفقهاء المبرزين، وأثنى عليه سحنون، وفضله، وقال: هممت أن أرحل إليه، وأعرض عليه هذه الكتب، فما أجاز منها أجزت، وما رد رددت، وأثنى عليه ابن حبيب كثيرًا وكان يرفعه في الفهم على أكثر أصحاب مالك.
***
стр. 591
قال ابن المواز: كنت عنده بعد أن عمى حتى جاءه كتاب أمير المؤمنين يسأله عن أشياء، فلما قرأه القارئ عليه قال له: حول الكتاب واكتب جوابه، وأملى عليه حتى ختمه، ودفعه إلى الرسول.
وقال ابن شعبان: كتب إليه المأمون بولاية القضاء، وكان قد عمي، فامتنع من ذلك.
***
وقيل له: لو خرجت إلى العراق فعالجت بصرك، فإن بها من يعالجه، وتنظر في مالك (٢٠٩)، وكان له بها غلام بتجارة خلط عليه فيها، فقال: لا أفارق المدينة.
وذكر أنه أتى بقادح (٢١٠) يقدح بصره، فقال له: إنك تقيم كذا وكذا على ظهرك مستلقيا، فأبى وقال: ما كنت لألتمس ما جعل الله ثوابه الجنة، بتعطيل فرض من فروض الصلاة.
***
قال ابن حارث: كانت له نفس أبية، كلمه يوما مالك بكلمة خشنة، فهجره عامًا كاملا، وذلك أنه استقصى على مالك في الفرق بين مسألتين، فقال له مالك: تعرف دار قدامة؟ وكانت دارًا يلعب فيها الأحداث بالحمام، وقيل بل عرض له بالسجن.
***
وكان العلماء يفضلونه في علم الأحباس، قال القاضي إسماعيل: عبد الملك عالم بقول مالك في الوقوف.
стр. 592
وكان يقول بعد أن كف بصره: هلموا إلى سلوني عن معضلات المسائل. وذكر إسماعيل القاضي في المبسوط بعض كلامه، ثم قال: ما أجزل كلامه وأعجب تفصيلاته وأقل فضوله.
وتفقه به خلق كثير وأئمة أجلة، كأحمد بن المعذل وابن حبيب، وسحنون.
قال ابن أكتم القاضي: ما رأيت مثل عبد الملك أيما رجل، لو كان له مسائلون - وكان ممن سمع كتبه - كتبت عنه أربعمائة جلد أو مائتى جلد، شك الراوى، أو كما قال.
***
وقال النسائي: فقهاء الأمصار من أصحاب مالك من أهل المدينة، عبد الملك بن الماجشون، ولعبد الملك بن الماجشون كلام كثير في الفقه وغيره. قال ابن حارث: وعلم كثير جدًّا. وله كتاب سماعاته (٢١١)، وهى معروفة، وكتابه الذي ألفه أخيرًا في الفقه، يرويه عنه يحيى بن حماد السجلماسي (٢١٢) ورسالة في الإيمان والقدر والرد على من قال بخلق القرآن والاستطاعة.
стр. 593
ذكر مذهبه فيما اختلف فيه الناس واتباعه السنة
قال أبو مصعب الزهرى: القرآن ليس بمخلوق. قال: وهو قول عبد الملك بن الماجشون.
***
وكتب سحنون إلى عبد الملك يذكر له ما حدث عندهم من الكلام في التشبيه والقرآن، ويسأله الجواب عليه، فكتب إليه عبد الملك: من عبد الملك بن الماجشون إلى سحنون بن سعيد، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، وفقنا الله وإياكم لطاعته، سألت عن مسائل ليست من شأن أهل العلم، والعلم بها جهل، فيكفيك من مضى من صدر هذه الأمة أنهم اتبعوا بإحسان، ولم يخوضوا في شيء منها، وقد خلص الدين إلى العذراء في خدرها، فما قيل لها كيف؟ ولا من أين؟ فاتبع كما اتبعوا، واعلم أنه العلم الأعظم، لا يشأ الرجل (٢١٣) ان يتكلم في شيء من هذا فيكفر، فيهوي في نار جهنم؛
***
وقال عبد الملك: لو أخذت المريسي لضربت عنقه؛
قال: وسمعت من أدركت من علمائنا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق.
***
قال القاضي ﵁: ذكرنا هذا كله وجلبناه من كتب الأئمة
стр. 594
الثقات، ردًا وإبطالا لما حكاه الباحى في علله من خلاف هذا، مما لم يصح عنه، ولم يعرف منه، مما كان الأولى به تركه.
***
ذكر ابن اللباد أن يحيى بن أكتم القاضي كان مع عبد الملك على سريره، يعنى وهما يتذاكران مذهب أهل العراق وأهل المدينة، ويتناظران في ذلك، فقال ابن أكتم: يا أبا مروان، رحلنا إلى المدينة في العلم قاصدين فيه، وكنتم بالمدينة لا تعتنون به، وليس من رحل قاصدًا فيه كمن كان فيه وتوانى.
فقال عبد الملك: اللهم غفرًا يا أبا محمد، ادعوا لي أبا عمارة المؤذن من ولد سعد، فجاء شيخ كبير، فقال له: كم لك تؤذن؟
فقال: سبعين سنة، أذنت مع أبائى وأعمامي وأجدادى، وهذا الأذان الذي أؤذن به اليوم، أخبروني أنهم أذنوا به مع ابن أم مكتوم.
فقال عبد الملك: وإن كنتم تقولون: توانيتم وتركتم هذا الأذان ينادى به على رؤوسنا كل يوم خمس مرات متصلا بأذان النبي ﷺ ، فترى أنا كنا لا نصلى؟ فقد خالفتمونا فيه، فأنتم في غيره أحرى أن تخالفونا؛
فخجل ابن أكتم، ولم يذكر أنه رد عليه جوابا.
بقية أخباره ووفاته
ذكر أن ابن أبي إسحاق، سأل ابن الماجشون عن مسألة، فأجابه، فرد عليه فأجابه، فلما أكثر، قال له: قم، إني لأثقف من أن ترد على المسائل؛ فأعلم به سحنون فقال له: نعم هو أثقف من أن يرد عليه.
стр. 595
قال عبد الملك: كان رجل من قريش صديقًا لي، وكان بينه وبين وكيله محاسبة، فأجلسنى مع رجل، ثم تكلم مع الوكيل، فقال الوكيل: قبضت كذا وأنفقت لك كذا، فقال القرشي: ما دفعت شيئا.
وقال لي ولصاحبي اشهدا بما سمعتها منه، فإنه كان جحدنى حقى.
فقلت: لا، والله ما نشهد بها، ولا جلسنا لهذا؛
قال: فاذهب بنا إلى مالك، فإن أمرك بالشهادة فاشهد؛
فقلت: لو أمرنى لم أشهد، لأنني لم أقعد للشهادة؛
فأتينا ابن أبي حازم، فذكر له القصة. فقال لي: لا شهادة له عند كما (٢١٤)، ثم دخلنا على مالك، فذكر له القصة فقال لي: يا عبد الملك لا تشهد؛
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: قد اختلف في هذا الأصل عندنا، واختلف في تأويل قول مالك فيه، وكذلك لو أخفاهما ليشهدا على ما سمعا، أو أجلسهما للمحاسبة بشرط أن لا يشهدا، والصحيح من ذلك كله أن يشهدا، أذن أو لم يأذن، إذا استوعبا كلامه كله.
***
حكى الطالبي في كتاب البستان: كان عبد الملك يجيد تفسير الرؤيا، فسأله رجل أنه رأى في منامه أن بيده سيفًا من ذهب وهو يهزه فينثني؛
فقال له: خيرًا رأيت جعلت فداك؛
فعزم عليه ليخبرنه فقال: يولد لك غلام يكون مخنثا، فكان كذلك.
стр. 596
قال أبو عمر بن عبد البر: كان عبد الملك مولعًا بسماع الغناء ارتجالا وغير ارتجال.
قال أحمد بن حنبل: قدم علينا ومعه من يغنيه.
قال ابن معين: قدم علينا فكنا نسمع صوت معارفه، فلهذا، والله أعلم، لم يخرج عنه في الصحيح.
***
قال: ولما قدم عبد الملك من العراق، سئل عنها فقال:
بها ما شئت من رجل نبيل … ولكن الوفاء بها قليل
يقول فلا ترى إلا جميلا … ولكن لا يصدق ما يقول
***
وروى عنه أنه قال: إنى لأسمع الكلمة المليحة وما لى إلا قميص، فأدفعه إلى صاحبها وأستكسى ربى (٢١٥)، ولقد كنا بالمدينة، فيحدثنا الرجل الحديث، فيمليه على، ويذكر الخبر من الملح فأستعيده فلا يفعل، ويقول لا أعطيك ظرفي وأدبي.
**
وكانت وفاة عبد الملك سنة اثنتى عشرة، وقيل ثلاث عشرة، وقيل أربع عشرة ومائتين، وهو ابن بضع وستين سنة.
стр. 597
عبد الله بن نافع الأصغر الزبيرى أبو بكر
قال الزبير: هو عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدى القرشي، ويعرف بالأصغر (٢١٦)، وهو الفقيه صاحب مالك.
وله أخ آخر، اسمه عبد الله، ويعرف بالأكبر، من أهل الفضل والدين، ولم يكن فقيها.
قال الزبير: وأبوهما نافع من أعبد أهل زمانه، صام من عمره خمسين سنة.
***
قال يحيى بن مسكين. ما رأيت أطول صلاة منه قط، وكان يحب ابنه هذا عبد الله الأصغر؛
قال مصعب: فكان يأتيه وهو في صلاته فيدعو له، فيرى أن بركة دعائه أدركته.
***
سمع عبد الله هذا من مالك، وعبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة.
روى عنه ابنه أحمد: وعباس الدورى، والزبير بن بكار، والذهلي، وهارون الحمال، ويعقوب بن شبيبة، ويحيى بن يحيى الأندلسي، وابن رزين القروى (٢١٧)، وعبد الملك بن حبيب، وغيرهم، وهو أصغر من ابن نافع الصائغ، وروى عنه من لم يدرك ذلك.
стр. 598
قال ابن معين فيه: صدوق، وليس به بأس؛
قال البخاري: أحاديثه معروفة مستقيمة؛
قال البزار: هو ثقة.
وخرج عنه مسلم.
قال منذر بن سعيد. ابن نافع أمام لم يزنه أحد ببدعة.
***
قال الزبير: توفى وهو المنظور إليه من قريش بالمدينة، في هديه وفقهه وعفافه، وكان قد سرد الصيام دهره، وحمل عنه؛
قال الضراب: صحب الزبيرى مالكا أربعين سنة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وسنبين الغلط في هذا، والأشبه ان صحت هذه الحكاية أن تكون لا بن نافع الصائغ.
***
قال عبد الله بن نافع: أول ما عرفت مالكا أني كنت أقرأ يوما على نافع بن أبي نعيم بعد الصبح، فرفعت صوتي فزجرني وقال لي: أما ترى مالكا؟
***
قال عبد الله بن نافع الأصغر: قال لي عبد الله بن نافع الأكبر:
إذا كنت متخذًا عمرك خليلا فاتخذه عاصبا (٢١٨)؛
***
قال ابن نافع: كان في آل الزبير رجل يشتم عبد الله بن مصعب بن
стр. 599
ثابت لا يضعه من فيه، فكان عبد الله بن مصعب يدفع لي كل هلال دينارين، ويأمرني أن أعطيه إياهما، ويقول: لا أحب أن يعلم أنى وصلته؛
فلما مات ابن مصعب، استبطأنى، فأخبرته، فعاد يدعو له، ويقرضنى أنا، فقلت:
شتمت امرأ لم يطبع الذم عرضه … زمانًا ولا تدرى بما كان يفعل
فلما تيقنت الذي كان صانعا … غدوت على اليوم بالجهل تخطل
وما كان لي ذنب ولا لابن مصعب … سوى أننا جئنا التي هي أجمل
***
حكى ابن اللباد أن ابن نافع سأله رجل فقال: خرجت من المسجد، فتعلقت حصاة بخفى؛
فقال له: اطرحها؛
فقال له: إنهم يقولون إنها تصيح؛
فقال: قل لها تصيح حتى ينشق حلقها.
قال: وكان في خلقه شيء، ولست أدرى أي ابن نافع منهما صاحب هذه الحكاية والأشبه عندى أن صاحب هذه الحكاية ابن نافع الصائغ، فهو الذي وصف بما ذكر من ذلك.
***
وتوفى في المحرم سنة ست عشرة ومائتين قاله الزبير؛
وقال البخاري: سنة عشرة، وفي حكاية: بضع عشيرة.
قال الزبير: وهو ابن سبعين سنة؛
وهذا يرد ما قاله الضراب، لأنه على هذا عاش بعد مالك ستا وثلاثين سنة، بقى من عمره أربع وثلاثون سنة، منها طفوليته، وبعدها صحبته لمالك، والله أعلم.
стр. 600
معن بن عيسى بن يحيى بن دينار القزاز
كان يبيع القز. مولى أشجع: أبو يحيى (٢١٩)؛
روى عن مالك، وابن أبي ذيب، وابن طهمان، ومعاوية بن صالح، ومخرمة بن بكير، وابن أبي أويس وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وابن المديني، وابن معين، والحميدي، وإسحاق بن موسى الأنصارى، وابن نمير (٢٢٠)، وإبراهيم بن المنذر، وأبو بكر بن أبي شيبة، وسحنون بن سعيد، وعبد الله بن جعفر البرمكي، وذؤيب بن عمامة السهمي، وأبو خيثمة، وغيرهم.
***
قال الشيرازي: وكان ربيب مالك، وهو الذي قرأ الموطأ عليه للرشيد وابنيه، وكان يتوسد عتبته فلا يلفظ بشيء إلا كتبه، وعده في فقهاء أصحابه، وعده ابن حبيب (٢٢١) فيمن خلف مالكا في الفقه بالمدينة.
قال ابن حارث: وله سماع معروف من مالك ذكره ابن عبدوس في المجموعة فيما ذكر؛
قال: وهو من كبار أصحاب مالك؛