قال أبو عمر بن عبد البر: كان عبد الملك مولعًا بسماع الغناء ارتجالا وغير ارتجال.
قال أحمد بن حنبل: قدم علينا ومعه من يغنيه.
قال ابن معين: قدم علينا فكنا نسمع صوت معارفه، فلهذا، والله أعلم، لم يخرج عنه في الصحيح.
***
قال: ولما قدم عبد الملك من العراق، سئل عنها فقال:
بها ما شئت من رجل نبيل … ولكن الوفاء بها قليل
يقول فلا ترى إلا جميلا … ولكن لا يصدق ما يقول
***
وروى عنه أنه قال: إنى لأسمع الكلمة المليحة وما لى إلا قميص، فأدفعه إلى صاحبها وأستكسى ربى (٢١٥)، ولقد كنا بالمدينة، فيحدثنا الرجل الحديث، فيمليه على، ويذكر الخبر من الملح فأستعيده فلا يفعل، ويقول لا أعطيك ظرفي وأدبي.
**
وكانت وفاة عبد الملك سنة اثنتى عشرة، وقيل ثلاث عشرة، وقيل أربع عشرة ومائتين، وهو ابن بضع وستين سنة.
стр. 597
عبد الله بن نافع الأصغر الزبيرى أبو بكر
قال الزبير: هو عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدى القرشي، ويعرف بالأصغر (٢١٦)، وهو الفقيه صاحب مالك.
وله أخ آخر، اسمه عبد الله، ويعرف بالأكبر، من أهل الفضل والدين، ولم يكن فقيها.
قال الزبير: وأبوهما نافع من أعبد أهل زمانه، صام من عمره خمسين سنة.
***
قال يحيى بن مسكين. ما رأيت أطول صلاة منه قط، وكان يحب ابنه هذا عبد الله الأصغر؛
قال مصعب: فكان يأتيه وهو في صلاته فيدعو له، فيرى أن بركة دعائه أدركته.
***
سمع عبد الله هذا من مالك، وعبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة.
روى عنه ابنه أحمد: وعباس الدورى، والزبير بن بكار، والذهلي، وهارون الحمال، ويعقوب بن شبيبة، ويحيى بن يحيى الأندلسي، وابن رزين القروى (٢١٧)، وعبد الملك بن حبيب، وغيرهم، وهو أصغر من ابن نافع الصائغ، وروى عنه من لم يدرك ذلك.
стр. 598
قال ابن معين فيه: صدوق، وليس به بأس؛
قال البخاري: أحاديثه معروفة مستقيمة؛
قال البزار: هو ثقة.
وخرج عنه مسلم.
قال منذر بن سعيد. ابن نافع أمام لم يزنه أحد ببدعة.
***
قال الزبير: توفى وهو المنظور إليه من قريش بالمدينة، في هديه وفقهه وعفافه، وكان قد سرد الصيام دهره، وحمل عنه؛
قال الضراب: صحب الزبيرى مالكا أربعين سنة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وسنبين الغلط في هذا، والأشبه ان صحت هذه الحكاية أن تكون لا بن نافع الصائغ.
***
قال عبد الله بن نافع: أول ما عرفت مالكا أني كنت أقرأ يوما على نافع بن أبي نعيم بعد الصبح، فرفعت صوتي فزجرني وقال لي: أما ترى مالكا؟
***
قال عبد الله بن نافع الأصغر: قال لي عبد الله بن نافع الأكبر:
إذا كنت متخذًا عمرك خليلا فاتخذه عاصبا (٢١٨)؛
***
قال ابن نافع: كان في آل الزبير رجل يشتم عبد الله بن مصعب بن
стр. 599
ثابت لا يضعه من فيه، فكان عبد الله بن مصعب يدفع لي كل هلال دينارين، ويأمرني أن أعطيه إياهما، ويقول: لا أحب أن يعلم أنى وصلته؛
فلما مات ابن مصعب، استبطأنى، فأخبرته، فعاد يدعو له، ويقرضنى أنا، فقلت:
شتمت امرأ لم يطبع الذم عرضه … زمانًا ولا تدرى بما كان يفعل
فلما تيقنت الذي كان صانعا … غدوت على اليوم بالجهل تخطل
وما كان لي ذنب ولا لابن مصعب … سوى أننا جئنا التي هي أجمل
***
حكى ابن اللباد أن ابن نافع سأله رجل فقال: خرجت من المسجد، فتعلقت حصاة بخفى؛
فقال له: اطرحها؛
فقال له: إنهم يقولون إنها تصيح؛
فقال: قل لها تصيح حتى ينشق حلقها.
قال: وكان في خلقه شيء، ولست أدرى أي ابن نافع منهما صاحب هذه الحكاية والأشبه عندى أن صاحب هذه الحكاية ابن نافع الصائغ، فهو الذي وصف بما ذكر من ذلك.
***
وتوفى في المحرم سنة ست عشرة ومائتين قاله الزبير؛
وقال البخاري: سنة عشرة، وفي حكاية: بضع عشيرة.
قال الزبير: وهو ابن سبعين سنة؛
وهذا يرد ما قاله الضراب، لأنه على هذا عاش بعد مالك ستا وثلاثين سنة، بقى من عمره أربع وثلاثون سنة، منها طفوليته، وبعدها صحبته لمالك، والله أعلم.
стр. 600
معن بن عيسى بن يحيى بن دينار القزاز
كان يبيع القز. مولى أشجع: أبو يحيى (٢١٩)؛
روى عن مالك، وابن أبي ذيب، وابن طهمان، ومعاوية بن صالح، ومخرمة بن بكير، وابن أبي أويس وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وابن المديني، وابن معين، والحميدي، وإسحاق بن موسى الأنصارى، وابن نمير (٢٢٠)، وإبراهيم بن المنذر، وأبو بكر بن أبي شيبة، وسحنون بن سعيد، وعبد الله بن جعفر البرمكي، وذؤيب بن عمامة السهمي، وأبو خيثمة، وغيرهم.
***
قال الشيرازي: وكان ربيب مالك، وهو الذي قرأ الموطأ عليه للرشيد وابنيه، وكان يتوسد عتبته فلا يلفظ بشيء إلا كتبه، وعده في فقهاء أصحابه، وعده ابن حبيب (٢٢١) فيمن خلف مالكا في الفقه بالمدينة.
قال ابن حارث: وله سماع معروف من مالك ذكره ابن عبدوس في المجموعة فيما ذكر؛
قال: وهو من كبار أصحاب مالك؛
стр. 601
وقد ذكر أيضا كثيراً من سماعه وروايته عن مالك أبو عيسى الترمذى في جامعه، فكل ما أدخله عن مالك، فقد قال في آخر كتابه أنه من رواية معن.
قال ابن عبد البر: كان أشد الناس ملازمة لمالك، وكان يتكى عليه عند خروجه إلى المسجد، حتى قيل له عصية مالك.
قال يحيى: هو ثقة. وخرج عنه البخارى ومسلم.
قال أبو حاتم الرازي: أوثق أصحاب مالك وأثبتهم (٢٢٢) معن، وهو أحب إلى من ابن نافع وابن وهب.
قال محمد بن سعيد: كان ثقة كثير الحديث مأمونا ثبتا (٢٢٣).
قال الشافعي: قال الحميدي: حدثنى من لم تر عيناك مثله؛ معن ابن عيسى.
وسئل يحيى عن الثبت في مالك، فقال: القعنبي ومعن.
قال ابن الجنيد (٢٢٤): قلت لابن معين: كان عند معن غير الموطأ؟
قال: شيء قليل.
قال على بن المديني: أخرج إلينا معن أربعين ألف مسألة سمعها من مالك.
قال معن: كان مالك لا يجيب أحداً من العراقيين حتى أكون أنا الذي أسأله عنه.
стр. 602
قال ابن بكير: كان معن يبيع الخز، وكان طويلا، قال محمد بن سعد: وكان له غلمان حاكة.
قال ابن بكير: وكان معن يقول: حدثني مالك، فقيل له كيف تقول هذا وإنما كان يقرأ عليه؟
قال: كنت أستخرج الحديث في رقاع منه ثم أقول: يا أبا عبد الله، اقرأ لي هذا الحديث، فيقرأه ثم أتركه أياماً وأجيئه برقعه أخرى.
***
قال ابن وضاح: أقبل قوم إلى معن بالمدينة يستأذنون عليه في داره، فبيناهم كذلك اذ طلع عليهم أسود ليدخل الدار، فسألوه الاذن لهم، فدخل، ونادى يا معن، فاستجاب له فأعلمه، فأذن، ودخلوا؛
فقالوا له: أصلحك الله، عجبنا من تسمية هذا الأسود لك؛
قال: أما أنه مع ذلك مملوكي؛
قالوا: هذا أكبر؛
قال وما أردتم؟ أكان يدعونى بأفضل من اسمى الذى رضيه الله لي؟
وكأنه حسن فعله.
***
قال البخاري: مات معن سنة ثمان وتسعين ومائة، قيل في شوال منها بالمدينة.
стр. 603
إسماعيل بن أبى أويس
أبو عبد الله (٢٢٥)، قاله البخاري.
وقال اللالكائي والجرجاني، وأبو خيثمة ويحيى بن معين ومعن بن عيسى: اسم أبي أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس (٢٢٦) بن أبي عامر (٢٢٧) الأصبحى، ابن عم مالك بن أنس. وابن أخته وزوج ابنته.
وقال ابن شعبان: اسم أبي أويس عبد العزيز بن عبد الله.
وقال غيره: اسمه أويس بن مالك بن عبد الله بن عبد الله، والأول أصح؛
***
وكان أبو أويس ممن سمع العلم وروى عن ابن شهاب وابن المنكدر و هشام بن عروة وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: زعموا أن سماعه وسماع مالك كان شيئاً واحداً، سمع الناس بالحجاز والعراق (٢٢٨).
стр. 604
روى عنه القعنبي وغيره؛
واختلف فيه، فأثنى عليه أحمد بن حنبل وأبو داوود، وضعفه ابن المديني، وصعف حديثه يحيى بن معين، لكنه قال: كان صالحا، وقال مرة: كان ثقة، ومرة: ليس به بأس وصدوق، وليس بحجة. وقال مرة: ليس بثقة.
قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به؛
وقال أبو زرعة: صالح صدوق يدلس؛
قال أبو داود: هو ثقة حافظ الحديث بلده.
***
قال أبو نعيم: قدم علينا ومعه جوار، يعنى القيان. قال الفلاس (٢٢٩): فيه ضعف، وهو عندهم من أهل الصدق.
وقال يعقوب بن شيبة: هو صدوق صالح الحديث إلى الضعف.
وقال النَّسَائِي: ليس بالقوى.
وقال الدارقطني: في بعض حديثه شيء.
توفي سنة تسع وستين ومائة.
سمع إسماعيل، أباه، وأخاه، وخاله مالكا، وإبراهيم بن سعيد، وسليمان بن بلال، وقرأ على نافع بن أبي نعيم، وله عنه نسخة، وهو آخر من روى عنه بالمدينة.
وروى عنه قتيبة، وأحمد بن صالح، وابن كاسب، والذهلي وإسماعيل القاضي، وأخوه حماد، وأبو حاتم السجستاني، وابن خيثمة، وابن حبيب، وابن وضاح.
¬
стр. 605
قال أبو أحمد الكرابيسي الحافظ: وسمع منه خاله مالك، وخرج عنه البخاري ومسلم.
قال أبو حاتم الرازي: محله الصدق، وكان مغفلا.
قال ابن حنبل: لا بأس به؛
وتكلم فيه ابن معين من غير باب الصدق مرة، وقال مرة: كان هو وأبوه يسرقان الحديث؛
وكذبه النضر بن سلمة المروزي، وقال: كان يحدث عن مالك *بمسائل ابن وهب.
***
قال ابن عدى: روى عن خاله، وسليمان بن بلال، وغيرهما، غرائب لا يتابع عليها، وقد حدث عنه الناس، وأثنى عليه ابن معين وأحمد، والبخاري يحدث عنه بالكثير، وهو خير من أبيه، إلا أنه كان مغفلا، وتكلم فيه النَّسَائِي.
***
وقال الصدفى عنه: جالست خالى مالكا من سنة ثمان وخمسين ومائة إلى أن مات، وذلك إحدى وعشرون سنة.
وروى عنه ابن وضاح وأثنى عليه، وذكر أنه كان شديد القول فيمن يقول بالمخلوق، روى عن مالك حديثا كثيراً وفقها.
***
قال إسماعيل: قدمت على سفيان بعد وفاة خالى فأدنى مجلسى، وذكر خالي فدعا له، وذكر فضله وحاله وما أصيب الناس به منه، وبكى ثم قال: سلنى ما شئت لمكان خالك؛
стр. 606
قلت: أحاديث أحب أن أسمعها منك.
فقال لي: أيما أحب إليك، تقرأ أو أقرأ لك؟
قلت: أقرأ أنا، فهو أثبت لي،
قال: افعل. فابتدأت بالقراءة.
فقال ناس من أهل العراق: يا أبا محمد اقرأ أنت، ونسمع كلنا.
قال: اطلبوا إليه فانى قد آثرته بهذا المجلس لمكان خاله.
فكلموني فأبيت عليهم، وقرأت، فصاحوا، وقالوا: لا نسمع؛
فقال لهم: لا سمعتم، ما أصنع لكم؟ فجعلوا يصيحون ويقولون: لا نفعك الله به، أو نحو هذا.
قال ابن وضاح: وسأل رجل ابن أبي أويس وهو جالس في الروضة، داخل المسجد، فقال له: يرحمك الله أي شيء تقول في القرآن فإنه قد اختلف علينا فيه؟
فغضب وقال: بقيت أنا حتى أسأل عن هذا أو يذكر في مجلسى، ناشدتك الله، والقبر ومن فيه، والمنبر ومن علاه - وأشار إليهما - اما أن تقوم عنى واما قمت عنك، هذا مما لا يذكر في مجلسي.
***
وتوفى إسماعيل سنة ست وعشرين ومائتين، وقيل سنة سبع وعشرين ومائتين.
стр. 607
أخوه أبو بكر عبد الحميد بن أبى أويس المعروف بالأعشى (٢٣٠)
يروى عن أبيه / وأخيه / (٢٣١)، وخاله، وابن عجلان، وابن أبي ذيب، وسليمان بن بلال.
وقرأ على نافع القارى، وكان صاحب عربية وقراءة.
أخرج له البخارى ومسلم، وروى عنه أحمد بن صالح المصرى، وأخوه إسماعيل، وإبراهيم بن المنذر، وإسحاق بن موسى، وسليمان بن بلال، وعبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، ومحمد بن عبد الحكم.
قال يحيى: هو ثقة فيما حكاه ابن أبي حاتم (٢٣٢) والعقيلي وغيرهما
قال ابن شعبان: له ولأخيه عن مالك ما لا يجهل، الموطأ وغيره، وروى عن مالك أنه قال لهما: أراكما تحبان هذا الشأن، فإن أردتما أن ينفعكما الله به فأقلا منه، وتفقها فيه، وذكر يحيى بن بكير قال: ما بلغنى عنه الأخير، كان كثير العلم.
***
стр. 608
قال أحمد التميمى في كتاب (المحن) عن موسى بن الحسن، قال: سمعت أبا بكر بن أبى أويس، ومطرف بن عبد الله، وقد دعيا إلى المحنة في القرآن بالمدينة، فلما قرى عليهما الكتاب، قال أبو بكر: أكفر بالله بعد نيف وتسعين سنة ومجالسة مالك، ورجال أهل العلم متوافرون بالمدينة؟ فقيل له: ليكن بيتك سجنك.
***
وقال: صحبت نافعا القارئ أربعا وعشرين سنة لا أفارقه إلا في منزله، وكان الغالب عليه الحديث.
وحكى ابن شاهين: أن ابن معين كان يضعف بيت آل أبي أويس كلهم جداً.
***
وتوفى سنة ثنتين أو ثلاث ومائتين: ويقال: سنة إحدى ومائتين.
стр. 609
داود بن سعيد بن أبي زنبر
قال الحاكم: (٢٣٣) هو قريشى صحب مالكا وروى عنه حديثا وفقهاً كثيراً. ويقال: أنه كان أحد أوصيائه، وكان كثير الحديث. وقد روى عنه جماعة من أصحاب مالك كمحمد بن مسلمة وابن نافع وغيرهما، وأثنى عليه ابن أبى أويس خيراً.
قال الحاكم: هو أول من أخذ الفقه عن مالك.
قال غيره: كان ممن يخصه مالك بالاذن عليه في أول من يأذن له، وكان أحد أوصيائه؛
***
وابنه سعيد بن داود يكنى بأبي عثمان (٢٣٤). قال الدارقطني: يروى أيضا عن مالك نسخة عن أبي الزناد، وعن الزهري، وهشام بن عروة، وثور بن زيد، أحاديث تفرد بها.
***
قال ابن أبي حاتم: وسكن سعيد بغداد وقدم الرى. روى الموطأ عن مالك، وتكلم فيه أبو حاتم الرازي، وقال: ليس بالقوى.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدث عنه أحمد بن بن منصور الرمادي، و محمد بن عمار الدارى، وروى عنه خالى، وقد روى عنه ابن أبي حاتم ويعقوب بن شيبة.
стр. 610
وقال البخاري: سعيد بن داود الزنبرى (٢٣٥)، ويقال ابن داود، مدني سكن بغداد.
وعده الحاكم في الضعفاء.
قال: ويروى عن مالك أحاديث موضوعة؛
وقد استشهد به البخاري في الصحيح.
يحيى بن عبد الملك الهديرى
يكنى أبا زكرياء، قال الدارقطني: هو يحيى بن عبد الملك بن هارون بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن محرز بن الهديري، التميمي.
قال غيره، هو من ولد ربيعة بن عبد الله الهديري، مشهور بصحبة مالك والرواية عنه حديثا ومسائل، له روايات عنه، رواها عنه أبو يحيى الزهرى القاضي، وبه تفقه.
قال الشيرازي: وروى عنه الزبير بن بكار.
توفى سنة ست ومائتين، وقيل سنة ثمان ومائتين.
стр. 611
سعيد بن عمرو بن الزبير بن عمر بن الزبير بن العوام الأسدى القرشي
ذكره الزبير في جمهرته. قال: وقد روى عن مالك بن أنس وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وكان من جلساء مالك وأصحابه، ولى الشرطة بدمشق العباس بن محمد بن إبراهيم.
***
قال الزبير بن بكار، ووكيع القاضي، عن أبيه يحيى الزهرى - وبعضهم يزيد على بعض، وحديث الزهرى أتم -: دعا أبو البخترى وهب بن وهب حين ولى المدينة، سعيد بن عمرو ليوليه شرطته، فأبى، فحلف وهب ليضربنه وليسجننه، ثم لا يرسله ما دام له سلطان، فقبل عمله، فألبسه السواد، وقلده سيفًا وأعطاه مائة دينار، وقال له: صل بالناس العتمة، ففعل، فلما انصرف سعيد إلى منزله ومعه رسول وهب بالمائة، قال ضعها في تلك الكوة، وندم على توليته؛
فأراد أبو البخترى أن يؤكد الأمر، فأرسل إليه: صل بالناس الصبح فإنى مريض، فأبى وغدا حين أصبح إلى المسجد، فجلس فيه؛
***
وقال الزبير: إنما ولاه قضاء المدينة، فلما أصبح جلس في الرحبة، وأرسل إلى ثلاثة من فقهاء المدينة، وهم أبو زيد الأنصارى، ومطرف بن عبد الله، وعبد الملك بن الماجشون، وقال لهم: رزقني الله (٢٣٦) ثلاثين
стр. 612
دينارًا، فأنا أقسمها بينكم، لكل رجل منكم عشرة، وقد استخلفتك يا أبا زيد؛
فقال له أبو زيد: ان عشر دنانير لمستزاد، ولكني ضعيف عن أن أخلفك؛
وقال لعبد الملك: وأما أنت فقد استكتبتك؛
فقال: إن عشرة في الشهر المرغوب فيها، ولكني ضعيف البصر، ولا أصلح للكتابة؛
وقال لمطرف: استعملتك على الطواف، وكان مطرف ضيقًا فقال له: لو استعملت على عملك ما قبلته، فكيف أعمل لك على الطواف؟
فقال: ما أنا بتارككم إلا أن أعفى.
***
وقال وكيع: بعث إلى أبي غزية الأنصارى، ومطرف وعبد الملك وابن نافع الصائغ.
فقال لمطرف: وليتك السجون.
وقال لأبي غزية: وليتك السوق.
وقال لعبد الملك: وليتك كتابتي.
وقال لابن نافع: وليتك كذا، وذكر مثله.
فدخلوا على وهب فذكروا ذلك له، فأرسل إليه، فلما جاءه كلمه في تركهم، فقال له سعيد: ليس لك أن تكرهني وتمنعني من إكراههم.
فقال: لا تعجل؛
стр. 613
فحلف سعيد ألا يعمل إلا أن يدعه يكره على العمل من رأى، فقال له وهب: ضع سيفنا واخلع سوادنا واردد مالنا.
وأمر به فدفع في قفاه وهو يكبر، فلحقه الرسول فطلب المائة، فقال له: أين وضعتها؟
قال: في الكوة التي أمرتني؛
قال: انظرها حيث وضعتها؛
فأخذها وانصرف، فقال في ذلك سعيد بن عمرو.
أظن وهب بن وهب أن أكون له … لما تغطرس (٢٣٧) في سلطانه، تبعًا
لما تغطرس (٢٣٧) وهب في عمايته … وازداد أبهة واختال وابتدعا
خرجت منها خروج القدح لا وكل … وجلل العبد فيها الخزى والطبعا!
стр. 614
أخوه الوليد بن عمرو
قال الزبير: كان سريا، استخلفه بعض ولاة المدينة بها، وكان من جلساء مالك.
وذكر بعض أصحابنا أنه ألف لمالك موطأه، يعنى والله أعلم أنه بيضه له.
إبراهيم بن هارون بن محمد بن اليأس بن أبي النضر الليثي
قال الزبير: كان من جلساء مالك، حافظًا عنه، جامعًا لأنواع العلم عاقلا، راجح الذهن.
قال غيره: كان حافظًا متقنًا، روى عنه الزبير.
стр. 615
زيد بن داود
قال مطرف: حدثني زيد بن داود - وكان من أفاضل أصحابنا - قال: رأيت في منامى كأن القبر فرج عن رسول الله ﷺ ، فرأيته قاعدًا، والناس قد انقضوا عليه، فصاح صائح بمالك بن أنس، فجاء إلى رسول الله ﷺ ، فأعطاه شيئا، وقال له: اقسم هذا بين الناس، فرأيته يعطيهم إياه، فإذا هو مسك، فتأولنا ذلك، العلم الذي بثه مالك في الناس.
أبو زيد الأنصاري
اسمه محمد بن زيد بن عبد الرحمان بن زيد بن حارثة. كذا نسبه القاضي وكيع.
وكان من رواة مالك وجلسائه، وأحد فقهاء المدينة ومفتيهم من أبناء الأنصار؛ وولى قضاءها أيام المبيضة، عند دخول محمد بن سليمان بن داود المدينة، فلما رجعت المسودة عزلته، ثم ولى أيام المأمون مرتين قبل أبى مصعب وبعده.
وذكر ذلك القاضي وكيع؛
قال مصعب: ولاه المأمون قضاء المدينة سنة عشرين ومائتين.
وعنه في كتاب ابن حبيب روايات.
سمع منه ابن حبيب.
стр. 616
عبد الجبار بن سعيد بن سليمان المساحقى
تقدم نسبه في الطبقة الأولى عند ذكر أبيه (٢٣٨).
كان من أصحاب مالك وجلسائه؛
قال عبد الرحمان بن أبي حاتم: كنيته أبو معاوية، روى عن أبي الزناد، ويحيى بن محمد بن هاني، وابن وهب، وروى عنه أبو زرعة.
وقال مصعب: كان أجمل قريش وجها، وأحسنهم لسانا، وولى امرة المدينة وقضاءها، وأمه بنت عثمان بن الزبير بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان.
***
قال محمد بن الجراح في كتاب الورقة: كان أديبًا ظريفًا مدنيا.
قال وكيع: كان من أصحاب مالك وابن أبي الزناد ومن أهل الأدب (٢٣٩)، حدث عنه إسماعيل القاضي وغيره، وولى قضاء المدينة وولايتها سنة اثنين ومائتين؛
وله:
وعوراء قد أسمعتها فصرفتها … وأوطأتها من غير عى بها تعلى
فلم يثنها ثان، وكانت كما مضى (٢٤٠) … وجر عليها العاصفات سفى الرمل
стр. 617
وله:
أمر الغواني واحد … حذو المثال على المثال
اصبر فقبلك بالمنى … قطعن أعناق الرجال
وأنشد له الزبير:
ومولى منحت النصح منى وأنه … لطاو حشاه والضمير على بغضى
يحيى ويستحفى إذا ما لقيته … وإن غبت أو وليت أرتع في عرضى
فلو شئت قد عض الأنامل نادما … وأوطأته إذ خان في موطء دحض (٢٤١)
ولكنه إحدى يدى فلم أجد … سبيلا إلى وصل ببعضى على بعض
فأغضيت عنه غير وهن على التي … لعمرك ما يغضى على مثلها مغض
***
وقال له الحسن بن زيد يوما - وكان الحسن ولاه شرطة المدينة، فعتب عليه في شيء -: لقد هممت أن أفارقك فراقًا لا رجعة بعده، فقال له المساحقى: إذن أيها الأمير أقول؛
وفارقت حتى ما أبالى من النوى … وإن بان حيران على كرام
فقد جعلت نفسى على النأي تنطوي … وعيني على هجر الحبيب تنام
***
قال الزبير: وتوفى سنة ست وعشرين ومائتين (٢٤٢)، وسنه ثلاث وثمانون سنة، وهو شيخ قريش.
стр. 618
حبيب اللئال
بشد الهمزة ويعرف ببابين، أحد أصحاب مالك القدماء وجلسائه المختصين به وأحد من كان يقدمه في الإذن عليه ويخصه، وأحد أوصيائه.
وقال بعضهم فيه. إبراهيم بن حبيب، وأراه ابن هذا، وذكر أنه وصى مالك.
وذكرهما ابن شعبان معا؛
وذكر أيضا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بابين، ووجدت له حكاية عند موت مالك بن أنس: وجد إسحاق بن بابين في تركة مالك صندوقين مقفلين فيهما كتب، فجعل أبى يقرأها ويبكى ويقول: رحمك الله إن كنت تريد بعلمك الله، لقد جالسناك الدهر الطويل فما سمعتك تحدث بشيء مما قرأت.
وأرى صوابه أبا إسحاق.
قال قاسم بن أصبغ: إبراهيم بن حبيب ثقة من أصحاب مالك، وهو وصى مالك رحمه الله تعالى.
стр. 619
حبيب بن أبي حبيب
واسم أبي حبيب مرزوق، ويقال: رزيق (٢٤٣)، كاتب مالك وقارئه، وبقراءته سمع الناس الموطأ، مدنى انتقل إلى مصر، وعده بعضهم في المصريين، لأنه توفى بها.
روى عن مالك غير شيء، الموطأ، والفقه، وكثيرًا من الحديث وغيره.
ضعفه ابن حنبل، وابن معين (٢٤٤)، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وكذبوه ودموه.
وقال ابن معين: حبيب الذي الذي بمصر،، [كان يقرأ على مالك، ويخطرف للناس، ويصفح ورقتين، سألوني عنه بمصر] (٢٤٥)، فقلت: ليس بشيء، وبقراءته سمع ابن بكير وهو شر العرض.
***
قال ابن أبي خيثمة: ذكرت لمصعب ما ذكر أن حبيبا كان يقلب ورقتين، فقال: إنما كنا نعرض ورقتين، إنكارًا لما ذكر من ذلك.
стр. 620
قال مصعب: / [قال لنا مالك صلوا حبيبا أعطوا حبيبا وكان نزل على مالك. قال مصعب] / (٢٤٦): كان حبيب يقرأ على مالك وأنا عن يمين حبيب، [وأخى أبو بكر عن يساره، وهو أقرب إلى مالك منى، لأنه كان أسن منى، وحبيب] (٢٤٧) يقرأ كل يوم ورقتين أو ورقتين ونصفا، وكان يأخذ في كل عرضة دينارين من كل إنسان، فزدناه نحن.
قال حبيب: جعل لي الدراوردي وابن كنانة وابن أبي حازم دينارًا على أن أسأل مالكا ثلاثة سمعوا منهم عن مالك، ولم يحدث عنهم مالك، وتهيبوا الحديث عنهم إذلك (٢٤٨)، فدخلت عليه بعد الظهر، وليس عنده غير هؤلاء الثلاثة، فقال لي: ليس هذا وقتك.
قلت: أجل، ليس في البيت دقيق ولا سويق، وقد جعل لي قوم دينارًا لأسألك لم لم ترو عن فلان وفلان وفلان، فأطرق ثم قال لي: ما أحب منفعتك إلى! ولكن لم أحمل العلم إلا عن أهله، فأومأ إلى القوم أن أكتفى بمسألتي.
وقال يحيى بن يحيى: رشوت (٢٤٩) حبيبًا بألف درهم حتى مكننى من مالك، فسمعت عليه ألف حديث.
(٢٥٠) وتوفى بمصر سنة ثمان عشرة ومائتين (٢٥٠).
стр. 621
محمد بن الضحاك بن عثمان الحزامي (٢٥١)
من جلساء مالك، يروى عنه وعن أبيه الضحاك. روى عنه يعقوب بن حميد بن كاسب؛
تقدم ذكره عند ذكر أبيه وجده فى الطبقة الأولى، وهناك بقية أخباره، قال الزبير: ومات شابا وقد خلف أباه فى العلم والأدب.
أبو غزية محمد بن موسى بن مسكين الانصاري
من بني مازن بن النجار (٢٥٢)، ومن ولد أسامة بن زيد من جهة النساء، من أصحاب مالك والقائلين بقوله، وله رواية.
وولى القضاء بالمدينة، وسمع ابن أبي الزناد.
قال محمد بن سعد: كانت له رواية وعلم ونظر بالفتوى والفقه.
قال البخارى: يعد فى أهل الحجاز، وعنده مناكير.
وفي بعض نسخ تاريخ البخارى الكبير، في ذكره: ثقة. وجدت ذلك بخط شيخنا القاضي الشهيد (٢٥٣) رحمه الله تعالى.
روى عنه يعقوب بن محمد (٢٥٤).
توفى فى سنة سبع ومائتين، قاله البخارى.
стр. 622
مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله ابن الزبير بن العوام
أبو عبد الله القرشي الأسدى (٢٥٥). كذا نسبه البخاري وغيره (٢٥٦)، هو عم الزبير بن بكار.
روى عن مالك الموطأ وغير شيء، وعرف بصحبته، وروايته في الموطأ معروفة، سمع أباه ومالك بن أنس، ونمطهم من أهل المدينة، وكتب عنه أبو خيثمة وابنه، ويحيى بن معين. وكان علامة قريش في النسب والشعر والخبر، شريفاً معظماً عند الخاصة والعامة، شاعراً ظريفاً.
قال الصدفي: مصعب بن عبد الله الزبيرى أبو عبد الله صاحب الأنساب وصاحب مالك.
قال يحيى بن معين: هو ثقة.
ذكر جمل من أخباره
قال مصعب: قال لنا أبى: اطلبوا العلم، فإن لم يكن لك مال أكسبك مالا، وان يكن لك مال أجداك جمالا.
стр. 623
وقال ابن أبي خيثمة: قلت لمصعب بن عبد الله: ان هؤلاء يقولون: القرآن كلام الله، ويقفون فيقولون، من قال مخلوق ابتدع، ومن قال غير مخلوق ابتدع، ويحتجون بك ويزعمون أنك تقول بهذا القول، وأن مالكاً يقوله؛
فقال: معاذ الله! أما أنا فأقول كلام الله وأسكت، وقلبى يميل الى أنه غير مخلوق، ولكنى أسكت لأنه بلغنى عن مالك أنه يقول: الكلام في الدين كله أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهون القدر ورأى جهم وكل ما أشبهه، ولا أحب الكلام الا فيما تحته عمل، فأما الكلام في الله، فأحب الى السكوت عن هذه الأشياء، لأن أهل بلدنا ينهون عن الكلام الا فيما تحته عمل، ولقد ناظرني اسحاق بن أبى اسرائيل فقال. لا أقول كذا ولا كذا، ولا أقول ذلك على الشك، ولكنى أسكت كما سكت القوم قبلى، فأنشدته قصيدتى التى قلتها في الواقفة، فكتبها عنى وأعجبته، وهي:
أأقعد بعد ما رجفت عظامي … وكان الموت أقرب ما يلينى
أجادل كل معترض خصيم … وأجعل دينه غرضا لديني
وأترك ما علمت لراى غيرى … وليس الرأى كالعلم اليقين
وما أنا والخصومة وهى لبس … تصرف في الشمال وفى اليمين
وكان الحق ليس به خفاء … أغر كفرة الفلق المبين
وهي أطول من هذا.
ذكر جمل من ملحه
ذكر ابن الجراح في كتاب الورقة عنه: قال: دخلت على أحمد بن هشام فقال: يا أبا عبد الله، لقد شهرك ابراهيم الموصلي حيث قال:
стр. 624
لام فيها مصعب وصباح … فعصينا مصعبا وصباحا
عدلا ما عذلا ثم ملا … فاسترحنا منهما واستراحا
فقلت: ما شهرنا الا بأمر جميل، جعلنا نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر، وما شهرك به أشهر، حين قال:
وصافية من المدام رقيقة … رهينة عام في الدنان وعام
أدرنا بها الكأس الروية موهنا … من الليل حتى انجاب كل ظلام
فما در قرن الشمس حتى رأيتنا … من العى نحكى أحمد بن هشام
(٢٥٧) فكأنما غشى عليه.
وتوفى آخر شوال سنة ست وثلاثين ومائتين، قاله ابن أبي خيثمة، قال: وسنه ست أو سبع وسبعون، وكان أسن من أبي (٢٥٧).
стр. 625
عتيق بن يعقوب
ابن صديق بن موسى بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدى أبو بكر، وأمه حفصة بنت عتيق بن عامر بن عبد الله بن الزبير، من المختصين بمالك، والقائلين بقوله المكثرين عنه، الحافظين لسيرته وشمائله؛
قال: سمعت مالكاً يقول: ينبغى للرجل أن يؤدب أهله وولده ومن يجب عليه فرضه، وقد قال ﵊: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فأدب أهلك ومن وليت أمره على أدبك وخلقك وخلقك، حتى يتأدبوا على الذى أنت عليه ليكونوا لك عونا على طاعة الله؛
وقد ذكرنا في أخبار مالك دخوله منزل مالك بعد وفاته وما وجد فيه من حديثه، وأنه ما رأى منه شيئا مما ذاكر به أصحابه في حياته.
قال محمد بن سعد كاتب الواقدى فى تاريخه: كان ملازماً لمالك كتب عنه الموطأ وغيره، ولزم أيضا عبد الله العمرى، واعتزل، ثم رجع الى المدينة، ولم يزل من خيار المسلمين. توفى سنة تسع أو ثمان وعشرين ومانتين.
стр. 626
وممن عداده فى المكيين من أهل الحجاز:
محمد بن ادريس الشافعي ﵁
هو محمد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصى، وأمه ازدية (٢٥٨).
ولد بالشام بغزة وقيل باليمن سنة خمسين (٢٥٩) ومائة، وحمل الى مكة فسكنها، وتردد بالحجاز والعراق وغيرهما، ثم قدم مصر فاستوطنها؛
روى عن مالك، ومسلم بن خالد، وابن، وابن عيينة، وابراهيم بن سعد، وسعيد بن سالم، واسماعيل بن علية، ويحيى بن حسان، والدراوردي، وابراهيم بن أبى يحيى، ومروان بن معاوية، وابن أبي رواد، وابن أبي
стр. 627
سلمة والثقفى (٢٦٠)، وابن أبي فديك، وفضيل بن عياض، وعن عمه محمد بن شافع (٢٦١).
روى عنه أحمد بن حنبل، والحميدي، وأبو الطاهر بن السراج، وحرملة بن يحيى والبويطي، والمزني، والربيع المؤذن، ويونس بن عبد الأعلى، وأبو نور، والزعفراني، وأحمد بن سنان الواسطى ومحمد بن عبد الحكم، وابن أخى ابن وهب، وهارون الأيلي، في آخرين.
ابتداء طلبه وحفظه
قال الشافعي: كنت وأنا في الكتاب، أسمع المعلم يلقن الصبى فأحفظ ما يقول، ولم يكن عند أمى ما تعطى المعلم، وكنت يتيماً، وكان المعلم يرضى منى بأن أخلفه اذا قام، ولقد كانوا يكتبون، وقبل أن يفرغ المعلم من الاملاء حفظت جميع ذلك.
***
وفي رواية: فقال لى ذات يوم: ما يحل لى أن آخذ منك شيئا؛
ثم لما خرجت من الكتاب، كنت ألتقط الخزف وكرب النخل وأكتاف الجمال، فأكتب فيها الحديث، وأجئ الى الدواوين فأستوهب الظهور، وأكتب فيها حتى ملأت جباباً كانت لأمى من ذلك، فسمع اذ ذاك
стр. 628
بمكة من عمه، ومسلم بن خالد الزنجى (٢٦٢)، وغيرهم من المكيين.
***
قال: ثم خرجت من مكة فلزمت هذيلا أتعلم كلامها، وكانت أفصح العرب، فبقيت فيهم سبعة عشر سنة، راحلا برحلتهم، ونازلا بنزولهم، فلما رجعت الى مكة، جعلت أنشد الأشعار، وأذكر الأدب والأخبار وأيام العرب، فمر بي رجل من الزبيريين فقال لى: يا أبا عبد الله! عز على ألا يكون مع هذه الفصاحة والذكاء فقه، فتكون قد سدت أهل زمانك؛
فقلت: ومن بقى يقصد؟
فقال لى: هذا مالك سيد المسلمين يومئذ؛
فوقع في قلبي، وعمدت الى الموطأ، فاستعرته (٢٦٣)، وحفظته في تسع ليال.
وذكر الامام أبو المعالي الجويني عنه: أنه حفظه في ثلاث ليال؛
ثم دخلت الى والى مكة، فأخذت كتابه الى مالك، وكتابه الى والى المدينة، يسأل مالكاً فى أمرى، فلما قدمت المدينة، أوصلت الكتاب الى والى المدينة (٢٦٤)، وقلت له: تبعث الى مالك يأتيك فتوصيه بي.
فقال: يا ليتنى اذا ركبت اليه مع حشمى معك، حتى نأتى بابه و نجلس عليه حتى تضرب وجوهنا الريح بتراب العقيق، أذن لنا.
стр. 629
فلما صلينا العصر ركب معى اليه، وصرت معه حتى أتينا العقيق وكان منزله، فنزل بمن معه، وجلس على بابه واستأذن، فخرجت اليهم جارية فقالت: الشيخ يقول لك ان كنت تريد المسائل، فاكتبها في رقعة أحبك عنها.
فقال لها: قولى له ان الأمير قد كتب الى فى حاجة؟
فدخلت وأبطأت ثم، التفت الى وقال: ألم أقل لك؟
قلت بلى؛
ثم خرج مالك فجلس وقال: ما شاء الله، فناوله الأمير الكتاب، فلما
بلغ موضع الشفاعة رمى به من يده، ثم قال: يا سبحان الله! وصار علم رسول الله ﷺ ، يؤخذ بالوسائل؛
قال: فرأيت الوالي قد تهيبه أن يكلمه. فتقدمت اليه وقلت: أصلحك الله، اني رجل مطلبي، ومن حالى وقصتى، فلما سمع كلامي نظر الى ساعة، وكانت له فراسة، فقال لى: ما اسمك؟
فقلت محمد؛
قال لى: يا محمد اتق الله، واجتنب المعاصي، فانه سيكون لك شأن من الشأن، ثم قال: نعم وكرامة، اذا كان غدا تجئ وتجيء بمن يقرأ لك الموطأ؛
قلت: فاني أقوم القراءة؛
قال: فغدوت عليه وابتدأت قراءته ظاهراً، والكتاب بين يدى، فلما تهيبت مالكا وأردت قطع القراءة - وقد أعجبته قراءتي - قال: بالله يا فتى زد حتى قرأته عليه في أيام يسيرة، ثم أقمت بالمدينة الى أن توفي رحمه الله تعالى.
стр. 630
وفى رواية أن مالكا لما نظر في الكتاب قال: من هو؟
فقال له الوالى: هذا.
فنظر الى ونكس رأسه ثم قال: كيف يصلح العلم لمن لا يمرض من خوف الله؟ فاذا كان كذلك أوشك أن ينفعه الله بالعلم؛
فقال له الأمير: انه مطلبي، فلما سمع ذلك سرى عنه، وذكر نحوه.
***
قال مصعب الزبيرى: قدم الشافعى المدينة، فكان يجلس في المسجد ينشد أشعار الشعراء، وكان حسن اللفظ فصيح القول عالما بمعانيه، فقال له أبي يوما: ترضى لنفسك فى قريشيتك بما أنت فيه أن تكون شاعراً؟
قال له: فما أصنع؟
قال: تفقه، قال رسول الله ﷺ : من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.
قال: وأنى لى بذلك؟
قال: مالك بن أنس سيد المسلمين.
فقال: تقوم بنا اليه.
فأتينا مالكاً، فجلس عنده، وأخبره بشرفه وأمره، فقربه مالك وأدناه، وجعل يسمع منه؛
فلما كان بعد أيام قال الشافعي لأبي: الذى يقول مالك "أمرنا" "والذى عليه أهل بلدنا"" والذى عليه أئمة المسلمين الراشدين المهديين" أى شيء هو؟
فقال له: أو لهم رسول الله ﷺ ، ثم أبو بكر وعمر وعثمان الذين ماتوا بالمدينة؛
стр. 631
فترك الشافعى ما كان فيه، وسمع الموطأ من مالك، وسر به مالك، ثم سار الشافعى الى العراق، فلزم محمد بن الحسن (٢٦٥)، وناظره على مذهب أهل المدينة، وكتب كتبه، وألف هناك قوله القديم، وهو كتاب الزعفرانى.
اقتداؤه بمالك واعترافه له
قد تقدم فى أخبار مالك كلام الشافعى فيه، وكثير من ثنائه عليه؛
وقال الشافعي: مالك ابن أنس معلمى، وفي رواية أستاذى، ومنه تعلمت العلم، واذا ذكر العلماء فمالك النجم. وما أحد أمن على من مالك وعنه أخذت العلم.
وقال: انما أنا غلام من غلمان مالك؛
وقال: جعلت مالكاً حجة فيما بينى وبين الله؛
قال محمد بن عبد الحكم: لم يزل الشافعي يقول بقول مالك ولا يخالفه، الا كما يخالفه بعض أصحابه، حتى أكثر فتيان عليه، فحمله ذلك على ما وضعه على مالك، والا فانه كان الدهر كله اذا سئل عن الشيء قال: هذا قول الأستاذ.
***
قال القاضى هارون بن عبد الله الزهرى: كان الشافعى معى بغزة، في منزل واحد، فكان يصنف كتبه بالليل، فقلت له: تتعب نفسك، تسهر وتفنى الزيت، وتؤلف كتبًا تخالف فيها مذهب مالك وأهل المدينة، من ينظر فيها؟
стр. 632
فقال لى: يبعث الله لها قوما أعيانا من أهل هذا المشرق، فتكون عندهم أكثر من الكتاب والسنة (٢٦٦).
***
قال القاضى أبو عبد الله التسترى: [قال لى القاضي أبو العباس بن سريج الشافعي] (٢٦٧): قلت لأبي اسحاق ابراهيم بن حماد: ما بين مالك والشافعى أقل مما بين أبي يوسف وأبى حنيفة، وجعل يحتج بما ذهب اليه مالك في مسألة خلع الثلث (٢٦٨). فقال أنا لا أفتى ولا أقضى الا بقول مالك.
***
وحكى أبو العباس الشارقي عن أبى اسحاق الشيرازي أنه قال له: ما يعد الشافعى الا أحد أصحاب مالك، ولو عد ما خالفه فيه مع ما خالفه فيه عبد الملك أو غيره من أصحابه، لكان أقل، أو نحو هذا من الكلام.
ذكر ثناء العلماء عليه بسعة العلم والفضل
قال محمد بن عبد الحكم: قال لى أبى: الزم هذا الشيخ، يعني الشافعي، فما رأيت أبصر منه بأصول العلم، أو قال: بأصول الفقه.
قال محمد: لولا الشافعى ما عرفت ما عرفت، وهو الذي علمني القياس، وكان صاحب سنة وأثر وفضل وخير، مع لسان فصيح طويل، و عقل رصين (٢٦٩) صحيح.
стр. 633
وقال فيه ابن عيينة: هذا أفضل فتيان زمانه. وكان ابن عيينة إذ جاءه شيء من التفسير والفتيا قال: سلوا هذا، يعني الشافعي.
وقال له مسلم بن خالد الزنجى شيخه، وهو شاب ابن خمس عشرة سنة، ويقال ابن ثمان عشرة سنة -: قد آن لك أن تفتى يا أبا عبد الله.
***
وقال يحيى بن سعيد القطان: اني لأدعو للشافعي في صلاتي لما أظهر من القول بما صح عن رسول الله ﷺ .
وقال أحمد بن حنبل: ما أحد يحمل محبرة من أصحاب الحديث الا وللشافعي عليه منة.
وقال: كنا نلعن أصحاب الرأى ويلعنوننا حتى جاء الشافعي فمزج بيننا.
وقال: ما عرفت ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالسته؛
***
وقال أحمد بن حنبل لاسحاق بن راهويه: تعال أرك رجلا لم تر عيناك مثله، فأراه الشافعي؛
قال: وقال لي: جالسه يا شيخ؛
فقلت: ان سنه قريب من سننا. أأترك ابن عيينة والمقبرى (٢٧٠).
قال: ويحك، ان ذلك لا يفوت، وذا يفوت.
***
стр. 634
وقال ابن حنبل: كان الشافعى أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكان قليل الطلب للحديث؛
قال - وقد رآه -: هذا رحمة من الله لأمة محمد ﷺ .
وقال بعضهم: قلت لأحمد: تركت سفيان وعنده التابعون (٢٧١)، يعني، وجئت الى الشافعي؛
فقال لى: اسكت، فان فاتك علم الحديث تجده بنزول لا يضرك في دينك ولا عقلك، وان فاتك (٢٧٢) عقل هذا الفتى أخاف أن لا تجده أبدًا، ما رأيت أفقه في كتاب الله منه.
***
وقال أحمد: كان الشافعى كالشمس للدنيا، والعافية للناس، فانظر هل لهذين من عوض؟
***
قال أحمد: وبلغني أن النبي، ﷺ قال: يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلا يقيم لها أمر دينها، وقال: قد اختلفنا اليه فما رأينا الا خيرًا.
стр. 635
وقال ابن معين لصالح بن أحمد بن حنبل: أما يستحيى أبوك، رأيته مع الشافعي، والشافعى راكب، وهو راجل، ورأيته وقد أخذ بركابه؟.
قال صالح: فقلت لأبى. فقال لى: قل له: ان أردت أن تتفقه فخذ بركابه الآخر.
قال اسحاق: ما تكلم أحد الا والشافعي أكثر اتباعاً وأقل خطأ.
وقال اسحاق: * الشافعى امام.
قال أبو عبيد: ما رأيت رجلا قط أكمل من الشافعي.
وقال هارون ما رأيت مثله، لو ناظر على أن هذا العمود الذي من حجارة أنه من خشب، لأثبت ذلك لقدرته على المناظرة.
وقال أبو ثور: الشافعي عندى أفقه من الثورى والنخعى.
قال غيره: ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحدًا من أهل العلم اعظامه للشافعي.
وقال هلال بن العلا: الشافعى فتح أقفال العلم.
وقال الزعفراني. ما رأيت قط أفصح ولا أعلم من الشافعي، كان يقرأ عليه من كل الشعر فيعرفه.
***
قال ابن هشام: الشافعى حجة فى اللغة، وذاكره بمصر في أنساب الرجال، فقال له الشافعي بعد ساعة: دع هذه فانها لا تذهب عنا ولا عنك، وخذ بنا في أنساب النساء (٢٧٣)، فلما أخذا في ذلك بقى ابن هشام ساكتا فكان يقول. (٢٧٤) ما ظننت أن الله خلق مثل هذا.