فترك الشافعى ما كان فيه، وسمع الموطأ من مالك، وسر به مالك، ثم سار الشافعى الى العراق، فلزم محمد بن الحسن (٢٦٥)، وناظره على مذهب أهل المدينة، وكتب كتبه، وألف هناك قوله القديم، وهو كتاب الزعفرانى.
اقتداؤه بمالك واعترافه له
قد تقدم فى أخبار مالك كلام الشافعى فيه، وكثير من ثنائه عليه؛
وقال الشافعي: مالك ابن أنس معلمى، وفي رواية أستاذى، ومنه تعلمت العلم، واذا ذكر العلماء فمالك النجم. وما أحد أمن على من مالك وعنه أخذت العلم.
وقال: انما أنا غلام من غلمان مالك؛
وقال: جعلت مالكاً حجة فيما بينى وبين الله؛
قال محمد بن عبد الحكم: لم يزل الشافعي يقول بقول مالك ولا يخالفه، الا كما يخالفه بعض أصحابه، حتى أكثر فتيان عليه، فحمله ذلك على ما وضعه على مالك، والا فانه كان الدهر كله اذا سئل عن الشيء قال: هذا قول الأستاذ.
***
قال القاضى هارون بن عبد الله الزهرى: كان الشافعى معى بغزة، في منزل واحد، فكان يصنف كتبه بالليل، فقلت له: تتعب نفسك، تسهر وتفنى الزيت، وتؤلف كتبًا تخالف فيها مذهب مالك وأهل المدينة، من ينظر فيها؟
стр. 632
فقال لى: يبعث الله لها قوما أعيانا من أهل هذا المشرق، فتكون عندهم أكثر من الكتاب والسنة (٢٦٦).
***
قال القاضى أبو عبد الله التسترى: [قال لى القاضي أبو العباس بن سريج الشافعي] (٢٦٧): قلت لأبي اسحاق ابراهيم بن حماد: ما بين مالك والشافعى أقل مما بين أبي يوسف وأبى حنيفة، وجعل يحتج بما ذهب اليه مالك في مسألة خلع الثلث (٢٦٨). فقال أنا لا أفتى ولا أقضى الا بقول مالك.
***
وحكى أبو العباس الشارقي عن أبى اسحاق الشيرازي أنه قال له: ما يعد الشافعى الا أحد أصحاب مالك، ولو عد ما خالفه فيه مع ما خالفه فيه عبد الملك أو غيره من أصحابه، لكان أقل، أو نحو هذا من الكلام.
ذكر ثناء العلماء عليه بسعة العلم والفضل
قال محمد بن عبد الحكم: قال لى أبى: الزم هذا الشيخ، يعني الشافعي، فما رأيت أبصر منه بأصول العلم، أو قال: بأصول الفقه.
قال محمد: لولا الشافعى ما عرفت ما عرفت، وهو الذي علمني القياس، وكان صاحب سنة وأثر وفضل وخير، مع لسان فصيح طويل، و عقل رصين (٢٦٩) صحيح.
стр. 633
وقال فيه ابن عيينة: هذا أفضل فتيان زمانه. وكان ابن عيينة إذ جاءه شيء من التفسير والفتيا قال: سلوا هذا، يعني الشافعي.
وقال له مسلم بن خالد الزنجى شيخه، وهو شاب ابن خمس عشرة سنة، ويقال ابن ثمان عشرة سنة -: قد آن لك أن تفتى يا أبا عبد الله.
***
وقال يحيى بن سعيد القطان: اني لأدعو للشافعي في صلاتي لما أظهر من القول بما صح عن رسول الله ﷺ .
وقال أحمد بن حنبل: ما أحد يحمل محبرة من أصحاب الحديث الا وللشافعي عليه منة.
وقال: كنا نلعن أصحاب الرأى ويلعنوننا حتى جاء الشافعي فمزج بيننا.
وقال: ما عرفت ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالسته؛
***
وقال أحمد بن حنبل لاسحاق بن راهويه: تعال أرك رجلا لم تر عيناك مثله، فأراه الشافعي؛
قال: وقال لي: جالسه يا شيخ؛
فقلت: ان سنه قريب من سننا. أأترك ابن عيينة والمقبرى (٢٧٠).
قال: ويحك، ان ذلك لا يفوت، وذا يفوت.
***
стр. 634
وقال ابن حنبل: كان الشافعى أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكان قليل الطلب للحديث؛
قال - وقد رآه -: هذا رحمة من الله لأمة محمد ﷺ .
وقال بعضهم: قلت لأحمد: تركت سفيان وعنده التابعون (٢٧١)، يعني، وجئت الى الشافعي؛
فقال لى: اسكت، فان فاتك علم الحديث تجده بنزول لا يضرك في دينك ولا عقلك، وان فاتك (٢٧٢) عقل هذا الفتى أخاف أن لا تجده أبدًا، ما رأيت أفقه في كتاب الله منه.
***
وقال أحمد: كان الشافعى كالشمس للدنيا، والعافية للناس، فانظر هل لهذين من عوض؟
***
قال أحمد: وبلغني أن النبي، ﷺ قال: يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلا يقيم لها أمر دينها، وقال: قد اختلفنا اليه فما رأينا الا خيرًا.
стр. 635
وقال ابن معين لصالح بن أحمد بن حنبل: أما يستحيى أبوك، رأيته مع الشافعي، والشافعى راكب، وهو راجل، ورأيته وقد أخذ بركابه؟.
قال صالح: فقلت لأبى. فقال لى: قل له: ان أردت أن تتفقه فخذ بركابه الآخر.
قال اسحاق: ما تكلم أحد الا والشافعي أكثر اتباعاً وأقل خطأ.
وقال اسحاق: * الشافعى امام.
قال أبو عبيد: ما رأيت رجلا قط أكمل من الشافعي.
وقال هارون ما رأيت مثله، لو ناظر على أن هذا العمود الذي من حجارة أنه من خشب، لأثبت ذلك لقدرته على المناظرة.
وقال أبو ثور: الشافعي عندى أفقه من الثورى والنخعى.
قال غيره: ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحدًا من أهل العلم اعظامه للشافعي.
وقال هلال بن العلا: الشافعى فتح أقفال العلم.
وقال الزعفراني. ما رأيت قط أفصح ولا أعلم من الشافعي، كان يقرأ عليه من كل الشعر فيعرفه.
***
قال ابن هشام: الشافعى حجة فى اللغة، وذاكره بمصر في أنساب الرجال، فقال له الشافعي بعد ساعة: دع هذه فانها لا تذهب عنا ولا عنك، وخذ بنا في أنساب النساء (٢٧٣)، فلما أخذا في ذلك بقى ابن هشام ساكتا فكان يقول. (٢٧٤) ما ظننت أن الله خلق مثل هذا.
стр. 636
قال النسائي: وهو أحد العلماء، ثقة مأمون؛
وقال يونس: (٢٧٥) ما أخرجت الحجاز مثل الشافعي. قيل له فكيف كان أخذكم عنه؟ قال قصرنا وعاجله الموت؛ ولو مد فى عمره لأدرك من علمه ما لم يدرك من علم أحد في زمانه.
وقال: ما رأى أهل العراق مثل الشافعي، لو ضممنا عقول الناس كلهم الى عقله، لغرقت عقولهم في عقله، ومن فهم عن الشافعي ما يقول، فهو الغاية، وكان يكلم الناس على قدر أفهامهم.
قال المزنى: ألف الشافعى كتاب السبق والرمى، وكان بصيرًا بذلك، وأى علم كان يذهب عليه؟
وقال: لو كنا نفهم عن الشافعى كل ما يقول لأتيناكم عنه بصنوف من العلم، ولكنا لم نكن نفهم.
وسأله رجل عن الرأى فقال: أين أنت من كتب الشافعي (٢٧٦).
قال الأصمعي: رأيت محمد بن ادريس فرأيت فقيهًا عالمًا حسن المعرفة عذب اللسان يحتج ويعرف (٢٧٧)، لا يصلح الا لصدر سرير أو ذروة منبر، وما علمت أنى أفدته حرفا فضلا عن غيره، ولقد استفدت منه ما لو حفظ رجل يسيره لكان عالما؛
***
قال غيره: أقام الشافعى على علم العربية وأيام الناس عشرين سنة، فقيل له فى ذلك، فقال ما أردت به الا الاستعانة على الفقه.
стр. 637
قال الزعفرانى: كان يحضر مجلسه ببغداد، الأدباء والكتاب، يسمعون حسن ألفاظه وفصاحته، وما رأيت ولا رأى أحد في عصر الشافعي مثله؛
قال أيوب بن سويد: ما ظننت أن أبقى حتى أرى مثل الشافعي، ما رأيت مثل هذا الرجل قط. وكان لقى الناس؟
وقال أبو يعقوب البويطي: رأيت الناس بمصر والشام والعراق والكوفة والبصرة والحجاز من كل صنف، من علماء القرآن والفقه ولسان العرب والسير والكلام وأيام العرب، وما رأيت أحدًا يشبه الشافعي، وهو عندى أورع من كل من رأيت نسب الى الورع.
وقال الشافعى: وددت أن الخلق يعلمون ما في كتبى ولا ينسبون الى منها شيئا.
***
وقال سويد بن سعيد: كنا عند ابن عيينة بمكة، فجاء الشافعى وجلس فروي ابن عيينة حديثا رقيقا، فنشى على الشافعي، فقيل لسفيان: مات ابن ادريس؛
فقال: ان كان مات فقد مات أفضل أهل زمانه.
وقال أحمد بن عبد الله: هو ثقة صاحب رأى وكلام ليس عنده حديث، وكان يتشيع؛
***
والثناء على الشافعى كثير، وفضله مشهور، الا ما كان من يحيى بن معين، فانه أكثر القول فيه وأساءه، ونحوه لعلى بن المديني، ويونس، والحسن بن مكرم، ومحمد بن عبد الحكم وغيرهم،
وقد تقدم ليونس ومحمد خلاف ذلك، وأرى لأجل كلام يحيى، وأولئك فيه ترك * أهل الصحيح حديثه، فلم يدخلوا له حرفا. وكيف كان،
стр. 638
فلا خلاف فى امامته فى الفقه، وانما ضعف حديثه لروايته عن الضعفاء.
كما قال محمد بن عبد الحكم: يروى عن الكذابين والبدعيين، والا فهو في نفسه برئ من ذلك؛
***
وقد ألف الحافظ أبو بكر بن ثابت الخطيب كتاب الحجة في الشافعي، وأثبته في الصحيح.
قال القاضى ﵁: وسنجلب بعد هذا من تسننه ما يصحيح ما قلناه، ويبطل ما عداه ان شاء الله تعالى.
وأخبار الشافعى كثيرة وفضائله مأثورة. قال الربيع لمن سأله أن يحدثه بأخباره: لو ذهبت أحدثكم بأيام الشافعي ما أتيت عليه في سنة.
ذكر الأثر المتأول فيه، وتسننه، واتباعه، ومذهبه فيما اختلف فيه
روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: اللهم اهد قريشا فان عالمها يملأ طباق الأرض علماء اللهم كما أذقتهم عذابا فأذقهم نوالا؛
قال الربيع: قال الشافعي: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال "مخلوق" فهو كافر.
وقيل لمحمد بن عبد الحكم: أكان الشافعى بدعيا أو كذابا؟
قال: وان خالفناه فلا ينبغى أن نقول عنه ما لا نعلم، كان أبعد الناس من ذلك؛
قيل له: فكان يقف في القرآن؟
قال: ما علمت ذلك، كان بريئا من ذلك، أو نحوه.
***
стр. 639
قال ابن حنبل: الشافعى ثقة، صاحب رأى وكلام، ليس عنده حديث، وكان يتشيع.
***
وقيل للشافعي · فيك بعض التشيع؛
قال: وكيف؟
قالوا: تظهر حب آل محمد.
قال: يا قوم! ألم يقل رسول الله ﷺ :. لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين". وقال: "ان أوليائى وقرابتي، المتقون".
فاذا كان واحيا على أن أحب قرابتى وذوى رحمى اذا كانوا من المتقين، أليس من الدين أن أحب من قرابة رسول الله ﷺ من كان كذلك، فانه كان يحبهم ثم أنشد:
يا راكبًا قف بالمحصب من منى … واهتف بساكن خيفها والناهض
سحرًا اذا فاض الحجيج الى منى … فيضا كملتطم الخليج الفائض
ان كان رفضًا حب ال محمد … فليشهد الثقلان أنى رافضي
***
وكان الشافعى يقول لأحمد وابن مهدى: أما انتم فأعلم بالحديث مني، فاذا كان صحيحًا فأعلمونى به أذهب اليه؛
قال البويطي: انما كان الشافعي يتبع أخلاق رسول الله ﷺ .
стр. 640
ذكر جوده وبقية أخباره وفضائله
انصرف الشافعى من اليمن الى مكة، ومعه عشرة آلاف دينار، فضرب خباء خارج مكة، وجاءه الناس، فما برح حتى فرقها كلها، فلما دخل مكة استسلف ما أنفق.
قال الربيع: ما أرى أتى عليه يوم الا تصدق فيه، وكان في شهر رمضان كثير الصدقة بالثياب والدراهم، ويطعم (٢٧٨) الفقراء. وأصلح رجل زره فأعطاه دينارًا، واعتذر اليه، وناوله آخر سوطه، فأعطاه صرة دنانير، وقال: لم يحضرني غيرها.
***
قال الربيع: قد سمعنا بالأسخياء، وقد كان قوم عندنا بمصر منهم رأيناهم، فأما مثل الشافعي، فما رأيناه ولا سمعنا أحدًا في زمانه كان مثله، وكان اذا سأله انسان يحمر وجهه حياء من السائل.
ودخل مرة الحمام فأعطى * صاحبه مالا كثيرًا. وسقط سوطه فناوله له انسان، فأعطاه خمسين دينارًا.
***
وأنشد الشافعي عند خروجه الى مصر:
أخي أرى نفسي تتوق الى مصر … ومن دونها أرض المفاوز والقفر
فوالله ما أدرى أللخفض والغنا … أساق اليها أم أساق الى القبر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: سيق اليهما معا ﵀.
***
стр. 641
قال سعد بن عبد الله بن عبد الحكم: لما قدم الشافعى مصر، قدم علينا على خلة شديدة، فمضى أخي محمد إلى بعض من بالبلد من المياسير، فقال له: قد قدم علينا رجل من أصحابنا، ومن أهل مذهبنا من قريش، على خلة، فتأمر بما يغير به حاله فأمر له بخمسمائة دينار، فلما كان المساء اجتمعنا عند أبي، فقال: ما كان ينبغى أن يرضى بمثل هذا من فلان. فقال له أخي: فأعنا عليه، ففعل، فأتمها ألفًا.
***
قال الشيرازي: ويقال أن ابن عبد الحكم دفع إلى الشافعي من مال نفسه ألف دينار، وأخذ له من بعض أصحابه ألفًا، ومن رجلين آخرين ألفًا ثالثاً. وعند ابن عبد الحكم مات الشافعي.
***
قال سعد: وكان الشافعى يلزم محمداً ولا يفارقه. يأتيه كل يوم غدوة، فربما لم يجده في المنزل، فيسأل أين يذهب (٢٧٩)، فيمضى إليه. وكان يأخذ من كتبنا كتب مالك، في كل يوم جزءين، فيكونان عنده ذلك اليوم وليلته، ثم يغدو وقد فرغ منهما، فيردهما ويأخذ آخرين.
***
وروى من أخباره أنه قال: بينما أنا أدور في طلب الحديث باليمن، قيل لي: هاهنا امرأة وسطها إلى أسفل بدن، والى فوق بدنان مفترقان، بأربع أيد ورأسين، فأحببت رؤيتها ولم أستحل ذلك، فخطبتها ودخلت بها، فوجدتها على ما وصفت، فلعهدى بالبدنين (٢٨٠) يتلاطمان ويتقاتلان ويصطلحان ويأكلان ويشربان؛
стр. 642
ثم نزلت عنها (٢٨١) وغبت، ورجعت بعد مدة فسألت عنها فقيل لي: مات الجسد الواحد، وربط أسفله بحبل وثيق، وترك حتى ذبل، ثم قطع ودفن؛
فرأيت الشخص الآخر بعد ذلك يذهب في الطريق ويجيء.
***
قال المؤلف ﵀: في نكاح مثل هذا نظر، وهما أختان لا شك، جمعهما بعض الجسد، وفرج مشترك، وإذا كان على ما وصف من اختلاف أخلاقهما وأغراضهما فهو أبين، والله تعالى أعلم.
***
قال ابن عبد الحكم: روى أن أم الشافعى لما حملت به، رأت كأن المشترى خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية (٢٨٢)، فتؤول أنه عالم يخص علمه أهل مصر، ويفترق منها في البلاد.
قال الربيع: كان الشافعي يختم في كل ليلة ختمة، فإذا كان رمضان ختم في كل ليلة منه ختمة، وفي كل يوم ختمة؛
قال: وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة. وكان يحيى الليل حتى مات؛
***
ولما قدم الشافعى على الزعفراني نزل عليه، فكان الزعفراني يكتب للجارية ما يصلح من الألوان كل يوم لطعامه، فدعا الشافعي يوما الجارية، ونظر في الكتاب، فزاد بخطه لونا اشتهاه، فلما حضر الطعام أنكر الزعفراني
***
стр. 643
اللون الذي لم يأمر به، فسأل الجارية فأخبرته، فلما نظر في الرقعة ووجده بخط الشافعي، أعتق الجارية فرحًا بذلك.
وألح عليه يوما أصحاب الحديث، فقال لهم: لا تكلفوني أن أقول لكم ما قال ابن سيرين لرجل ألح عليه: انك أن كلفتني ما لم أطق * ساءك ما سرك منى من خلق.
***
وروى أن الشافعى كان عطيرًا، وكان غلامه يأتيه كل يوم بغالية يمسح بها الأسطوانة التي كان يجلس إليها، وكان إلى جانبه رجل متزهد، فعمد إلى عذرة فجعلها في شارب نفسه، مضادة لما فعل، وكان يسميه البطال؛
فلما شم الشافعى الرائحة، قال: فتشوا نعالكم، ثم قال: ليشم بعضكم بعضا، فوجدوا ذلك بالرجل، فقال له الشافعي: ما حملك على ما فعلت؟
قال: رأيت تجبرك فأردت أن أتواضع الله؛
قال الشافعى: اذهبوا به إلى صاحب الشرطة يعقله حتى تنصرف؛ فلما خرج الشافعى أمر به فضربه ثلاثين درة، وقال له: هذا أراه لجهلك، ثم أربعين، وقال له: هذا لتخطيك المسجد بالعذرة.
جمل من حكمه وآدابه
قال الشافعي: من ولى القضاء ولم يفتقر فهو سارق، ومن حفظ القرآن نبل قدره، ومن تفقه عظمت قيمته، ومن حفظ الحديث قويت حجته، ومن حفظ العربية والشعر رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه العلم.
وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال: كيف أصبح من يطلبه الله بالقرآن، والنبي ﷺ بالسنة، والحفظة بما ينطق، والشيطان بالمعاصي،
стр. 644
والدهر بصروفه، والنفس بشهوتها، والعيال بالقوت، وملك الموت بقبض روحه.
وقال: أحسن الاحتجاج ما أشرقت معانيه، وأحكمت مبانيه وانتهحت له قلوب سامعيه.
وقال: الطبع أرض، والعلم بذر، ولا يكون العلم إلا بالطلب، فإذا كان الطبع قابلا زكي مربع العلم، وتفرعت معانيه.
وقال: العلم جهل عند أهل الجهل، كما أن الجهل جهل عند أهل العلم. وأنشد:
ومنزلة السفه من الفقه … كمنزلة الفقيه من السفيه
فهذا زاهد في قرب هذا … وهذا فيه أزهد منه فيه
واستعار الشافعي من محمد بن الحسن كتبه، فمنعه اياها، فكتب إليه:
قل لمن لم تر عينا … من رآه مثله
العلم يأبى أهله … أن يمنعوه أهله
لعله يبذله … لأهله لعله
فأباحه محمد بن الحسن ما أراد من ذلك.
وكان الشافعي كثيرًا ما ينشد:
أهين (٢٨٣) لهم نفسى لأكرمها بهم … ولن يكرم النفس الذي لا يهينها
يريد: لمن يطلب العلم عنده.
стр. 645
وقال المزني: سمعت الشافعى يقول: ذكر رجل رجلا فقال: أما والله لقد كان يملأ العين جمالا، والأذن بيانا؛
فقال له رجل: أعد رحمك الله؛
فقال: أعيده والله عليك بلا تهاتر منى، ولا افكاه لك، ولا تزكية له.
ذكر محنته ووفاته رحمه الله تعالى
قال الفضل بن الربيع: بعث إلى الرشيد في وقت لم يكن يبعث إلى فيه، فدخلت عليه في مجلس خاصته، وبين يديه سيف، وقد أريد وجهه، فقال لي: يا فضل اذهب إلى هذا الحجازى محمد بن إدريس: فأتنى به، فإن لم تأتنى به، أنزلت بك ما أريد به؛
فأتيته، فألفيته في مسجد بيته يصلى، فانفتل من صلاته.
فقلت له: أحب أمير المؤمنين؛
فقال: بسم الله، وحرك شفتيه؛
ثم نهضت أمامه وهو يقفونى، حتى أتيت القصر، وأنا أرجو أنه نام، فإذا هو هو جالس، فقال: ما فعل الرجل؟
قلت: بالباب؛
قال: لعلك روعته.
قلت: لا.
قال: أدخله.
فلما دخل تزحزح له عن مجلسه، وتهلل وجهه، وضحك إليه وصافحه وعانقه، وقال له، يا أبا عبد الله! لم يكن لنا عليك من الحق، ألا تأتينا* إلا برسول؟
стр. 646
فاعتذر بعذر لطيف؛
فقال: أنا أمرنا لك بأربعة آلاف دينار، وفي رواية بعشرة آلاف درهم (٢٨٤).
فقال: لا أقبلها.
فقال: عزمت عليك لتأخذنها، يا فضل! احملها معه؛
قال الفضل: فلما انصرفت قلت له: بالذى أنجاك منه، وأبدلك رضاه من سخطه ما قلت في اقبالك إليه، ودخولك عليه؛
قال: نعم، قلت شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، رب العرش العظيم، اللهم إني أعوذ بنور قدسك، وعظمة طهارتك، وبركة جلالك، من كل آفة وعاهة، أو طارق يطرق إلا طارقا يطرق بخير، يا أرحم الراحمين، اللهم أنت عياذي، فبك أعوذ، وأنت ملاذي فبك ألوذ، يا من ذلت له رقاب الجبابرة، وخضعت له مقاليد الفراعنة، أعوذ بكرمك من غضبك، ومن نسيان ذكرك، ومن أن تخزينى أو تكشف سترى، أنا في كنفك في ليلي ونهاري وظعني وأسفارى، ونومى وقرارى، فاجعل ثناءك دثارى، وذكرك شعاري، لا إله غيرك، تنزيهًا لوجهك، وتعظيمًا لسبحات قدسك، أجرني من عقوبتك وسخطك، واضرب على سرادقات حفظك، وأعطنى خير ما أحاط به علمك، واصرف عنى سوء ما أحاط به علمك، وأمن على روعاتي يوم القيامة يا أرحم الراحمين؛
قال الفضل: فما دخلت على سلطان فدعوت بهذا الدعاء إلا ضحك في وجهي وضمني وأكرمني؛
стр. 647
وفى رواية أخرى أن الفضل سأله بما دعا به؛
فقال: نعم، هو ما حدثني به مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ دعا به يوم الأحزاب: اللهم إني أعوذ بنور قدسك، وعظمة طهارتك، وبركة جلالك من كل آفة وعاهة، وذكر نحو ما تقدم.
***
وتوفى الشافعي بمصر عند عبد الله بن عبد الحكم، واليه أوصى؛
قال الربيع: كنا جلوسًا في حلقة الشافعي بعد موته بيسير، فوقف علينا أعرابي فسلم ثم قال: أين قمر هذه الحلقة وشمسها؟
فقلنا: توفي رحمه الله تعالى.
فبكى بكاء شديدًا، وقال: ﵀ وغفر له ما أكثر ما كان يفتح ببيانه منغلق الحجة، ويهدى خصمه واضح المحجة، ويغسل من العار وجوها مسودة، ويوسع بالرأى أبواباً منسدة، ثم انصرف.
وكانت وفاته بمصر يوم الخميس، وقيل ليلة الجمعة، منسلخ رجب سنة أربع ومائتين/ [ودفنه بنو عبد الحكم في قبورهم، وصلى عليه أمير مصر، وكان رحمه الله تعالى خفيف العارضين يخضب] / (٢٨٥).
стр. 648
ومن أهل اليمن:
أبو قرة موسى بن طارق السكسكي
كنيته أبو محمد (٢٨٦)، وأبو قرة لقب له، قاله الحسين بن محمد الغساني الحافظ، وقال: نقلته من خط ابن فطيس (٢٨٧).
وقال الأمير أبو نصر في كتاب الإكمال: أبو قرة موسى بن طارف الحندى بجيم ونون مفتوحتين، ودال مهملة مكسورة، منسوب إلى جند ناحية اليمن.
وقال ابن شعبان: هو من أهل زبيد من أهل الخصيب، قاض لهم. قالوا: روى عن مالك ما لا مالك ما لا يحصى حديثًا ومسائل، وقد روى عنه الموطأ
ولأبي قرة كتابه الكبير، وكتابه المبسوط، وسماع معروف في الفقه عن مالك يرويه عنه على بن زياد الحجبي، قرية هنالك (٢٨٨).
وروى عنه أيضا صامت بن معاذ (٢٨٩)، وكان أبو قرة قاضى زبيد.
стр. 649
وذكره أبو عمرو المقرئ في كتاب القراء فقال: قرأ أبو قرة على نافع: " وروى عن إسماعيل القسط، وموسى بن عقبة، ومالك، وابن جريج، وابن عيينة.
روى عنه على بن زياد الحجبي زياد الحجبي، ومحمد بن يونس الزبيدي، وابن حنبل، وابن راهويه.
قال أبو حاتم: محمله (٢٩٠) الصدق، وأثنى * عليه ابن حنبل خيرًا، وقال ابن أبي داود: هو ثقة.
محمد بن حميد بن عبد الرحيم بن شروس
ويقال الشروسى الصنعاني، من أصحاب مالك، له عنه الموطأ، وكتاب سماع مسائل، ثلاثة أجزاء.
يروى عنه أبو على الحسن بن أحمد بن أبي الطيب الصنعاني.
قال القاضي رضى الله تعالى عنه: وقد رأيت موطأه عن مالك، وهو غريب لم يقع لأصحاب اختلاف الموطيات، فلهذا لم يذكروا منه شيئا، والله أعلم. وإنما يذكرون من حديث ابن شروس في غير الموطأ.
стр. 650
ومن أهل البصرة والعراق وما وراءها من بلاد المشرق:
عبد الله بن مسلمة بن قعنب التميمي
الحارثي القعنبي أبو عبد الرحمان (٢٩١). أصله مدنى، وسكن البصرة، فهو في عداد البصريين.
روى عن مالك وابن أبى ذيب، وأبيه، ومخرمة بن بكير، وشعبة، والليث، والدراوردي، والعمري والحمادين، وسليمان بن بلال.
روى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وعلى بن عبد العزيز، والذهلي، وأحمد بن سنان، ومحمد بن سهل بن عسكر، والرمادي، وأبو داود السجتساني، وأخرج عنه البخاري ومسلم.
حكى أبو على الغساني الحافظ عنه، أنه قال: لزمت مالكا عشرين سنة حتى قرأت عليه الموطأ.
ذكر فضائله والثناء عليه
قال ابن شاهين فيما حكاه عن الحنينى (٢٩٢): كنا عند مالك رحمه
стр. 651
الله تعالى فجاءه رجل فأخبره بقدوم القعنبي، فقال هنيئًا بقرب قدومه (٢٩٣).
فقال: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض نسلم عليه، فقام فسلم عليه.
قال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل في عيني منه.
قال أبو حاتم: القعنبي أحب إلي من ابن أبي أويس، وهو بصري، ثقة، حجة.
وقال: ما رأيت أخشع منه، سألناه أن يقرأ لنا الموطأ.
فقال: ايتوا بالغداة.
فقلنا: إنا نجلس عند الحجاج؛
قال: فإذا فرغتم؟
قلنا: نأتي مسلم بن إبراهيم؛
قال: فإذا فرغتم؟
قلنا: يكون وقت الظهر، ونأتي أبا حذيفة.
قال: فبعد العصر؛
قلنا: نأتي حازما؛
قال: فبعد المغرب؛
فكنا نأتيه ليلا فيخرج علينا وعليه لبد ما تحته شيء، في الصيف في الحر الشديد، فيقرأ لنا وهو على جسده، ولو أراد لأعطى الكثير.
* * *
قال هارون بن إسحاق: ما رأيت أحدًا يريد بعلمه الله إلا القعنبي.
стр. 652
قال ابن معين فيه: ذلك من در ذاك من دنانير (٢٩٤).
قال: وإخوته ثقات كما تحب.
وقال: أثبت الناس في مالك هو ومعن.
وقال مرة: أثبتهم القعنبي.
وقال أحمد: هو ثقة.
وقال الكوفي: هو ثقة رجل صالح.
وقال سعيد بن منصور: إنا لنقول - أو إنه ليقال - ما يطوف بهذا البيت أحد من خلق الله أفضل من القعنبي.
قال ابن مفرج: هو بصري ثقة عابد.
قال عبد الله بن داود: حدثني القعنبي (٢٩٥)، وهو والله عندى أخير من مالك.
قال ابن أبي أويس: كان مالك إذا جلس قال: ليلني منكم ذوو الأحكام والنهى. قال فربما جلس القعنبي عن يمينه.
قال عبد الله بن عبد الحكم: كنت عند عبد الرزاق، فنهرني مرة، وأبى أن يكتب على، فبت مغموما، فرأيت النبي ﷺ ، فذكرت له قصتي مع عبد الرزاق، فقال لي: اكتب عن أربعة. فقلت: من هم يا رسول الله؟ فذكر القعنبي وثلاثة معه.
стр. 653
وعده أبو عمر بن عبد البر في الفقهاء من أصحاب مالك. وقد روى عن مالك كثيرًا (٢٩٦).
وبنو قعنب أربعة:
عبد الله هذا.
وإسماعيل.
ويحيى.
وعبد الملك؛ بنو مسلمة، كلهم روى عن مالك.
قال أحمد بن الهيثم: كنا إذا أتينا القعنبي، خرج إلينا كأنه مشرف على جهنم.
قال البخاري: توفى سنة عشرين أو إحدى وعشرين ومائتين؛
وحقق ابن مفرج وأبو إسماعيل الترمذي، أنه توفى سنة إحدى وعشرين ومائتين بمكة، يوم السبت، لست خلون من المحرم، منها.
وقال أبو إسماعيل الترمذي: لست خلون، يوم الخميس، وقيل يوم عاشوراء، وقاله ابن الجزار في كتاب التعريف.
стр. 654
عبد الرحمان بن مهدي بن حسان العنبري
يكنى أبا سعيد (٢٩٧)، مولى الأزد، بصري، سمع السفيانين، والحمادين، ومالكا، وشعبة، وعبد العزيز، وشريكا، وهماما، وأبا عوانة، وزيادة، والدستوائي، وغيرهم.
روى عنه ابن وهب، وابن حنبل، ويحيى، وزهير، وابن المديني، وابنا أبى شيبة (٢٩٨)، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابنه موسى بن عبد الرحمان، ويحيى بن سعيد، وغيرهم. وخرج عنه البخاري ومسلم. ولازم مالكا فأخذ عنه كثير الفقه والحديث، وعلم الرجال. وله معه حكايات.
قال ابن المديني: كان ابن مهدي يذهب إلى قول مالك، وكان مالك يذهب إلى قول سليمان بن يسار. وكان سليمان يذهب إلى قول عمر بن الخطاب ﵁.
قال أحمد بن عبد الله بن صالح: رسالة الشافعي، ابن مهدي ابتدأها، وأتمها الشافعي.
وذكر أبو إسحاق الشيرازي أن الشافعي إنما كتب الرسالة إلى ابن مهدي، وهو الأشبه عندي، وكان يجالس الشافعي ويصحبه مع أحمد بن
стр. 655
حنبل، فكان الشافعي يقول لهما: ما صح عند كما من الحديث فأعلماني به لأتبعه، لأنكما أعلم بالحديث مني؛
ويقال إن ما أرسله مالك عن غير ابن مسعود، فعن ابن مهدي أخذه.
ثناء العلماء عليه وذكر فضله
قال علي بن المديني غير مرة: لو أخذت فجعلت (٢٩٩) بين الركن والمقام، لحلفت بالله أني لم أر أحدًا قط أعلم بالحديث من ابن مهدي؛
وقال أيضًا: كان ابن مهدي أعلم الناس، وقال لي ابن مهدي: اختلفت إلى حماد بن زيد زمانا، وما بي إليه حاجة.
قال ابن حنبل: كان ابن مهدي من معادن الصدق.
وقال: هو أشد توقيا من وكيع.
قال أحمد بن سنان: كان ابن مهدي ورعا منذ كان، وكان حماد بن زيد إذا نظر إلى ابن مهدي في مجلسه تهلل وجهه.
قال أبو حاتم: كان ابن مهدي خيارًا ثقة، من معادن الصدق، صالحًا، مسلما. ولما حضر سفيان الموت قال لمولى حميد: انطلق إلى ابن مهدي فجئ به يغمضني. وقال سفيان: كتبي بالكوفة عند عجوز، ولوددت لو قدرت عليها، فينظر فيها ابن مهدي نظرة.
قال علي بن المديني: قدمت الكوفة فعنيت بحديث الأعمش فجمعته، فلما قدمت البصرة لقيت ابن مهدي فسلمت عليه، فقال: هات ما عندك.
стр. 656
فقلت: ما أحد يفيدني عن الأعمش شيئا؛
قال: فغضب فقال: هذا كلام أهل العلم؟ ومن يضبط العلم ويحيط به؟ مثلك يتكلم بهذا؟، معك شيء تكتب فيه؟
قلت: نعم.
قال: اكتب.
قلت: ذاكرني فلعله عندي.
قال: اكتب، لست أملي عليك إلا ما ليس عندك؛
قال: فأملى علي ثلاثين حديثا لم أسمع منها حديثا، ثم قال: لا تعد.
قلت: لا.
قال علي: فلما كان بعد سنة جاء سليمان فقال: امض بنا إلى ابن مهدي حتى نفضحه اليوم في المناسك، وكان سليمان من أعلم أصحابنا بالحج؛
قال: فذهبنا فدخلنا عليه فسلمنا وجلسنا بين يديه، فقال: هات ما عندكما، وأظنك يا سليمان صاحب الخطبة.
قال: نعم، ما أحد يفيدنا في الحج شيئا؛
فأقبل عليه بمثل ما أقبل علي. ثم قال: يا سليمان ما تقول في رجل قضى المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فوقع على أهله، فاندفع سليمان فروى: يفترقان حيث اجتمعا، ويجتمعان حيث تفرقا؛
فقال: إذن متى يجتمعان ومتى يفترقان؟
قال: فسكت سليمان، فقال: اكتب، وأقبل يلقى عليه المسائل ويملي عليه، حتى كتبنا ثلاثين مسألة في كل مسألة يروى الحديث، والحديثين، ويقول سألت مالكا، وسألت سفيان، وعبيد الله بن الحسن.
قال: فلما قمت قال: لا تعد ثانيا؛
стр. 657
فأقبل على سليمان فقال: ايش خرج علينا من صلب مهدي هذا؟
وجاء رجل إلى ابن مهدي فقال: يا أبا سعيد: حديث رواه الحسن عن النبي ﷺ : (من ضحك في الصلاة فليعد الوضوء والصلاة)؛
فقال عبد الرحمان: هذا لم تروه إلا حفصة بنت سيرين [عن أبي العالية، عن النبي ﷺ .
فقال له الرجل: من أين قلت ذلك يا أبا عبد الله؟
قال: إذا أتيت الصراف بدينارك، فقال لك: هو بهرج، تقدر أن تقول: من أين قلت؟ فسره لي! قال: هذا الحديث لم يروه إلا حفصة بنت سيرين] (٣٠٠)، فسمعه هشام بن حسان منها، وكان في الدار معها فحدث به الحسن، فقال الحسن: قال رسول الله ﷺ ؛
فقيل له: فمن أين سمعه الزهري؟ قال: كان سليمان بن أرقم يختلف إلى الحسن والزهري، فسمعه من الحسن، فذاكر به الزهري، فقال الزهري: قال رسول الله ﷺ .
* * *
وقال أحمد بن صالح: لم يكن ابن المهدي يروي إلا عن ثقة. قال: وكل ما أرسله مالك عن ابن مسعود، فإنما أخذه عن ابن إدريس، وما كان عن غير ابن مسعود، فإنما أخذه عن ابن مهدي:
قال يحيى بن سعيد: سماع ابن مهدي نائما أحب إلي من إملاء غيره، أو كما قال.
стр. 658
قال ابن أخته: كان خالي قد خط على أحاديث، ثم صحح عليها بعد، وقرأتها عليه؛
فقلت له في ذلك؛
فقال: تفكرت في فعل ذلك أنه إسقاط لعدالة ناقليها، فيكونون خصمائي عند الله، يقول: رأيتني؟ تعرفني؟ سمعت كلامي؟.
* * *
ومرض ابن مهدي فعاده حماد بن زيد في أصحابه، فخرج وهو يقول: إن كنت لأؤملك لأهل هذا البلد، مرتين.
قال القطان: ما قرأ ابن مهدي على مالك، أثبت مما سمع منه الناس.
قال ابن مهدي: كتب عني الحديث بحلقة مالك؛
قال ابن أبي صفوان: ولو كتب: عنه مالك ما ضره.
قال ابن المبارك: من لقي ابن مهدي فلم يأخذ بحظه منه فقد كدا (٣٠١).
وذكره أيضًا فقال: ذلك رجل منذ عرفناه يزداد في كل يوم خيرًا.
وقال محمد بن عبد الله بن السكوني: هو ثقة.
وقال أبو داود: حدثنا الثقة عبد الرحمان بن مهدي.
стр. 659
بقية أخباره ووفاته
قال ابن حنبل: قدم ابن مهدي علينا بغداد وهو ابن ست أو خمس وأربعين سنة، وقد خضب.
قال صالح بن أحمد: شرب ابن مهدي وأبو داود الطيالسي للحفظ، فأما ابن مهدي فما مات حتى برص، وأما أبو داود فجذم.
قال ابن اللباد: كان عبد الرحمان بن مهدي يبيع الجوهر، وأبوه طحان.
قال البهلول بن راشد: لم آسف على شيء أسفي على كتاب رأيت ابن مهدي يعرضه على سفيان الثوري، فأعجب به سفيان. قال الصمادحي (٣٠٢): فلما قدمت على ابن مهدي ذكرته له، فأخرج لي كتاب السنة والفتن من تأليفه (٣٠٣).
قال ابن مهدي: اختلفت إلى حماد بن زيد ثلاثين سنة، فما رجعت سنة إلا بفائدة (٣٠٤).
وقيل لابن مهدي: إن فلانا صنع كتابا في الرد على الجهمية؛ فقال عبد الرحمان: رد عليهم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد ﷺ ؟
قالوا: لا. بل بالرأي والمعقول؛
стр. 660
فقال: أخطأ، رد بدعة ببدعة.
قال القاسم بن سلام: دخلت البصرة لأسمع من حماد بن زيد فإذا هو ميت، فشكوت ذلك إلى ابن مهدي فقال لي: مهما سبقت فلا تسبقن بتقوى الله.
قال القواريري (٣٠٥): رأيت عبد الرحمان بن مهدي على درجة من المنبر يحدث، وأبوه مهدي على الدرجة الأخرى، وجده حسان فوق قبة في الدرجة العليا وهو يحدث الناس.
قال الفلاس: رأيت ابن مهدي يوم الجمعة، جاء فجلس خارجا من الحلقة، فقال له يحيى: ادخل الحلقة؛
فقال: أنت حدثتني عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ نهى عن الحلق يوم الجمعة قبل خروج الإمام.
قال يحيى: فإني رأيت حبيب بن الشهيد، وهشاما وابن أبي عروبة (٣٠٦) يتحلقون حينئذ.
فقال ابن مهدي: فهؤلاء بلغهم أن النبي ﷺ قاله ففعلوه، فسكت يحيى.
стр. 661
قال ابن المديني (٣٠٧): كان ابن مهدى يقال له في الحديث روى معن كذا، فيقول هو خطأ، وينبغي أن يكون أخطأ من وجه كذا، فيفتش عليه فيوجد كما قال.
قال ابن مهدي: من فر من الرئاسة تبعته، ومن طلبها لم يكد ينالها (٣٠٨).
وتوفى ابن مهدى رحمه الله تعالى بالبصرة في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
ويقال مولده، سنة خمس، ويقال أربع، ويقال ست، وثلاثين ومائة.
وله ابن روى عنه، اسمه إبراهيم يروي عنه أحمد الدورقي (٣٠٩).
стр. 662
محمد بن عمر بن واقد الواقدي
مولى بني سهم بن أسلم (٣١٠)، أبو عبد الله، مدني عداده في البغداديين، سكن بغداد، وولى القضاء بها للمأمون بعسكر المهدي، والجانب الشرقي، والصلاة بالرصافة، وولى القضاء قبل للرشيد؛
روى عن مالك حديثًا كثيرًا وفقهًا ومسائل، وفي حديثه عنه منقطع كثير وغرائب (٣١١)، وكذلك في مسائله عنه منكرات على مذهبه لا توجد عند غيره، تكلم فيها الناس، وطرحه أحمد، ويحيى (٣١٢)، وابن نمير (٣١٣)، والنسائي وغيرهم، وكان واسع العلم كثير المعرفة أديبًا نبيلا عالمًا بالحديث والسير والأخبار
стр. 663
قال أحمد بن عبد الله بن صالح: ما رأيت أحدًا أحفظ للحديث منه، وإنما تكلم فيه ابن المبارك.
قال محمد بن سعد كاتبه في تاريخه الكبير: وكان عالمًا بالمغازي، والسير، والفتوح، واختلاف الناس في الحديث، والأحكام، وإجماعهم، ووضع الكتب؛
وحدث: قال القاضي وكيع: كان الواقدي من المتسعين في العلم؛
وسئل عنه أحمد، فقال: دعونا من بحار الواقدي، زعم أن عنده عشرة آلاف حديث عن معمر ليست لغيره، فنظرنا إلى من هو أقدم مجالسة منه لمعمر، فلم نجد هذا عنده؛
قال ابن البرقي: هو كذاب.
قال النسائي: ليس هو بثقة، ولا يكتب حديثه؛
قال ابن معين: ليس حديثه بشيء، ولا يكتب حديثه (٣١٤)؛
قيل له: فلم لم تضرب على اسمه؟
قال: أستحيي من ابنه (٣١٥)، وهو صديقي.
وقال أحمد بن عبد الله الكوفي (٣١٦): كتبت عنه كثيرًا، وهو ثقة، ما رأيت أحفظ منه. كتبت عنه نحوًا من ستين ألف حديث، فبلغني أن ابن
стр. 664
المبارك قال له: لا ترفع هذين الحديثين، فإنهما غير مرفوعين (٣١٧)، فلج فيهما، فقال الناس: كذاب.
فقال ابن الجارود: تركوه.
وذكره أبو عمرو المقرئ في طبقات القراء، فقال: روى القراءة عن نافع بن أبي نعيم، وعيسى بن وردان، وسليمان بن مسلم بن حبان، وسمع معمر بن راشد، وروى عنه ابنه، وكاتبه محمد بن سعد.
جمل من أخباره وكرمه وذكر وفاته
قال مصعب بن عبد الله: كلمت الواقدي في توكيل رجل من أهل المدينة بعض الوكالات التي يرتزق فيها، فأرسل إلى بصرة فيها مائة أو مانتا درهم؛
فقلت: لم أكلمك أن تصله؛
فقال: وأي شيء ينفق إلى أن أوكله؟
* * *
قال محمد بن سعد: رآني الواقدي مغتما، فقال لي: لا تغتم، فإن الرزق يأتي من حيث لا تحتسب، أملقت مرة حتى بعت برذوني، فاستبطأني يحيى بن خالد، فاعتذرت إليه، فوقف على حالي، فأمر لي بخمسمائة دينار، فصرت بها إلى البيت، فأنا في تصريفها في قضاء الدين وعلى العيال، إذ طرقني رجل من أهل المدينة، قد قطع عليه الطريق، من ولد أبي بكر، فشكا إلى حاله، فدفعت إليه ما فضل، ولم أشتر برذونا؛
стр. 665
فاستبطأني يحيى فأخبرته الخبر، فوجه إلى البكري، فقال: نعم، أخذت الدنانير منه، فلما صرت بها إلى البيت جاءني فلان الأنصاري، فشكا إلي حاله فدفعتها إليه؛
فوجه يحيى إلى الأنصاري فأخبره الخبر، فتعجب من الكرم، ثم أمر لي بألف دينار، وللبكري بمثلها، وللأنصاري بمثلها، ولزوجتي بخمسمائة، لغمها (٣١٨) حين دفعت الدنانير إلى البكري؛
* * *
قال هارون بن عبد الله القاضي: رفع الواقدي رقعة إلى المأمون، يذكر فيها غلبة الدين عليه، وقلة صبره عليه، فوقع المأمون على ظهرها: أنت رجل فيك خلتان: الحياء والسخاء، فأما السخاء فهو الذي أطلق ما عندك، وأما الحياء فهو الذي منعك من اطلاعنا على ما أنت عليه، وقد أمرنا لك بكذا وكذا. فإن أصبنا إرادتك فازدد في بسطتك، وإن كنا لم نصب إرادتك فجنايتك على نفسك، وأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء الرشيد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال للزبير: يا زبير إن خزائن الرزق مفتحة بإزاء العرش، فمن كثر كثر الله عليه، ومن قلل قلل الله عليه.
قال الواقدي: وكنت قد أنسيت هذا الحديث، فكان ما ذكرنيه، أعجب إلي من جائزته.
قال هارون: وبلغني أن جائزته كانت مائتي ألف درهم.
* * *
стр. 666
قال الواقدي: كان لي صديقان أحدهما هاشمي، فنالتنا ضيقة، فقالت لي امرأتي: أما نحن فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا فقد قطعوا قلبي، فلو نظرت لهم في شيء تصرفه في صلاح شأنهم؛
فكتبت إلى صديقي الهاشمي، أسأله التوسعة بما حضره، فوجه إلي كيسا مختوما، ذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراره، حتى كتب إلى الصديق الآخر، يذكر مثل شكواي، فوجهت إليه بالكيس كهيئته، وخرجت إلى المسجد فبت فيه حياء من امرأتي، ثم رجعت فاستحسنت فعلي، إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال: اصدقني عن الأمر، فأخبرته؛
فقال: وجهت إلى وما أملك إلا ما بعثت به إليك. وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة، فوجه إلي بكيسي بخاتمي؛
قال: فتواسينا الألف، وقسمناها بيننا أثلاثا، بعد أن أخرجنا إلى المرأة مائة درهم، ونمى الخبر إلى المأمون، فدعاني فشرحت له الأمر، فأمر لي بسبعة آلاف دينار، لكل واحد منا ألفان وللمرأة ألف.
* * *
وقد ذكر في رواية أخرى في هذا الخبر نحوه، وأن البرمكي وجه فيه، وقال له: رأيتك البارحة في المنام بحالة دلت على شدة، فاشرح لي أمرك. فذكر له القصة، فقال: ما أدري أيكم أكرم؟ وأمر لي بثلاثين ألف درهم، ولهما بعشرين ألفا، وقلدني القضاء؛ ولم يذكر فيها المأمون.
قال الواقدي: لقيت أشعب يوما، فقال لي: يا ابن واقد، وجدت دينارًا فكيف أصنع به؟.
* * *
стр. 667
قلت: تعرفه (٣١٩)
قال لي: يا سبحان الله! ما أنت في علمك إلا في غرور؛
قلت: فما الصواب يا أبا العلاء؟
قال: أشتري به قميصا وأعرفه (٣٢٠).
قلت: إذن لا يعرفه أحد؛
قال: فذاك أريد.
* * *
قال المؤلف رحمه الله تعالى: كذا وجدت هذا الخبر عنه، ولا أدري من هذا أشعب، فإن أشعب الطماع متقدم عن زمن الواقدي، سمع من سالم بن عمر، وقد قال أهل هذا الباب: لا يعرف بهذا الاسم غيره.
* * *
وتوفى الواقدي ببغداد وهو على قضاء عسكر المأمون، ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، سنة سبع ومائتين، ودفن يوم الثلاثاء بعده، وهو ابن ثمان وسبعين سنة؛
مولده سنة ثلاثين ومائة؛
وصلى عليه محمد بن سماعة، وأوصى إلى المأمون، فقبل وصيته وقضى دينه.
стр. 668
يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمان التميمي
الحنظلي، مولى لهم، ويقال: مولى بني منقر بن سعد بن عمرو بن تميم النيسابوري (٣٢١).
روى عن مالك الموطأ، وقيل إنه قرأه عليه، وهذا الذي يدل عليه حديثه عنه في صحيح مسلم وغيره، ولازمه مدة للاقتداء به، وعده أبو عمر بن عبد البر في كتابه "المنتقى" في الفقهاء من أصحاب مالك؛
روى عن الليث، والحمادين، وأبي عوانة، وابن لهيعة، وابن عيينة، وهشيم، وابن المبارك، وزهير بن معاوية، وسليمان بن بلال، وغيرهم.
قال أبو عمر: وكان له مال بنيسابور وحظ من الفقه، وكان ثقة مأمونًا مرضيًا. روى عنه جماعة من أهل بلدنا وغيرهم من الأئمة، كإسحاق بن راهويه، والذهلي، والبخاري، ومسلم، وخرجا عنه في الصحيح كثيرًا.
قال ابن خلاد الرامهرمي (٣٢٢) في كتابه "الفاصل": ورحل يحيى إلى مصر، والشام، واليمامة، والعراق، وكان ابن حنبل يثني عليه ويقول: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله، وكان من ورعه يشك في الحديث كثيرًا حتى سموه الشكاك، وذكر من فضله وإتقانه أمرًا عظيمًا. وذكر نحوه أبو حاتم الرازي، وأثنى عليه أبو زرعة الرازي، ووثقه.
стр. 669
وقال إسحاق بن راهوية: لم أكتب العلم عن أحد أوثق في نفسي منه، ومن الفضل بن موسى السيناني (٣٢٣)؛
قال: وكان يحيى رجلا عاقلا. وقال: يحيى أثبت من ابن مهدي؛ وقال: ما رأيت مثل يحيى بن يحيى ولا أراه رأى مثل نفسه.
قال محمد بن مسلم: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: عمن أكتب العلم؟ فقال: عن يحيى بن يحيى.
قال أبو أحمد بن عدي: وكان من العباد، فاضلا.
قال يحيى بن الشهيد: ما رأيت محدثا أورع من يحيى بن يحيى ولا أحسن لباسًا منه.
قال أبو بكر بن إسحاق: لم يكن بخراسان أعقل من يحيى بن يحيى، وكان أخذ تلك الشمائل من مالك بن أنس ﵀، أقام عليه لأخذها سنة بعد أن فرغ من سماعه، فقيل له في ذلك، فقال: إنما أقمت مستفيدًا لشمائله، فإنها شمائل الصحابة والتابعين.
قال أبو أحمد بن عدي؛ في معجمه: يقال إن إسحاق بن راهويه ركبه الدين، فركب من "مرو" إلى عبد الله بن طاهر بنيسابور؛ وكلهم أصحاب الحديث يحيى بن يحيى في أمره فقال: ما تريدون؟
قالوا: تكتب له إلى عبد الله بن طاهر رقعة، وعبد الله أمير خراسان إذ ذاك؛
стр. 670
فقال يحيى: ما كتبت إليه قط، فألحوا عليه، فكتب في رقعة: إلى عبد الله بن طاهر، إن إسحاق بن راهويه رجل من أهل العلم والصلاح؛
فحمل إسحاق إليه الرقعة، فلما جاء الباب، قال للحاجب: معي رقعة يحيى بن يحيى إلى الأمير؛
فدخل الحاجب إلى ابن طاهر، فقال: رجل بالباب يزعم أن معه رقعة من يحيى بن يحيى إلى الأمير.
فقال: يحيى بن يحيى؟
قال: نعم؛
قال: أدخله، فأدخله وناوله الرقعة، فقبلها ابن طاهر، وأقعد إسحاق بجنبه، وقضى دينه ثلاثين ألف درهم، وصيره في جلسائه؛
وكان يحيى لا يختلف إليه، وكان يحيى بن يحيى من المياسير؛
وذكر أنه أهدى إلى مالك هدية باع مالك من فضلتها بثمانين ألفا؛
قال البخاري وتوفى ضحى يوم الأربعاء منسلخ صفر من سنة ست وعشرين ومائتين (٣٢٤).