قال الواقدي: كان لي صديقان أحدهما هاشمي، فنالتنا ضيقة، فقالت لي امرأتي: أما نحن فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا فقد قطعوا قلبي، فلو نظرت لهم في شيء تصرفه في صلاح شأنهم؛
فكتبت إلى صديقي الهاشمي، أسأله التوسعة بما حضره، فوجه إلي كيسا مختوما، ذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراره، حتى كتب إلى الصديق الآخر، يذكر مثل شكواي، فوجهت إليه بالكيس كهيئته، وخرجت إلى المسجد فبت فيه حياء من امرأتي، ثم رجعت فاستحسنت فعلي، إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال: اصدقني عن الأمر، فأخبرته؛
فقال: وجهت إلى وما أملك إلا ما بعثت به إليك. وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة، فوجه إلي بكيسي بخاتمي؛
قال: فتواسينا الألف، وقسمناها بيننا أثلاثا، بعد أن أخرجنا إلى المرأة مائة درهم، ونمى الخبر إلى المأمون، فدعاني فشرحت له الأمر، فأمر لي بسبعة آلاف دينار، لكل واحد منا ألفان وللمرأة ألف.
* * *
وقد ذكر في رواية أخرى في هذا الخبر نحوه، وأن البرمكي وجه فيه، وقال له: رأيتك البارحة في المنام بحالة دلت على شدة، فاشرح لي أمرك. فذكر له القصة، فقال: ما أدري أيكم أكرم؟ وأمر لي بثلاثين ألف درهم، ولهما بعشرين ألفا، وقلدني القضاء؛ ولم يذكر فيها المأمون.
قال الواقدي: لقيت أشعب يوما، فقال لي: يا ابن واقد، وجدت دينارًا فكيف أصنع به؟.
* * *
стр. 667
قلت: تعرفه (٣١٩)
قال لي: يا سبحان الله! ما أنت في علمك إلا في غرور؛
قلت: فما الصواب يا أبا العلاء؟
قال: أشتري به قميصا وأعرفه (٣٢٠).
قلت: إذن لا يعرفه أحد؛
قال: فذاك أريد.
* * *
قال المؤلف رحمه الله تعالى: كذا وجدت هذا الخبر عنه، ولا أدري من هذا أشعب، فإن أشعب الطماع متقدم عن زمن الواقدي، سمع من سالم بن عمر، وقد قال أهل هذا الباب: لا يعرف بهذا الاسم غيره.
* * *
وتوفى الواقدي ببغداد وهو على قضاء عسكر المأمون، ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، سنة سبع ومائتين، ودفن يوم الثلاثاء بعده، وهو ابن ثمان وسبعين سنة؛
مولده سنة ثلاثين ومائة؛
وصلى عليه محمد بن سماعة، وأوصى إلى المأمون، فقبل وصيته وقضى دينه.
стр. 668
يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمان التميمي
الحنظلي، مولى لهم، ويقال: مولى بني منقر بن سعد بن عمرو بن تميم النيسابوري (٣٢١).
روى عن مالك الموطأ، وقيل إنه قرأه عليه، وهذا الذي يدل عليه حديثه عنه في صحيح مسلم وغيره، ولازمه مدة للاقتداء به، وعده أبو عمر بن عبد البر في كتابه "المنتقى" في الفقهاء من أصحاب مالك؛
روى عن الليث، والحمادين، وأبي عوانة، وابن لهيعة، وابن عيينة، وهشيم، وابن المبارك، وزهير بن معاوية، وسليمان بن بلال، وغيرهم.
قال أبو عمر: وكان له مال بنيسابور وحظ من الفقه، وكان ثقة مأمونًا مرضيًا. روى عنه جماعة من أهل بلدنا وغيرهم من الأئمة، كإسحاق بن راهويه، والذهلي، والبخاري، ومسلم، وخرجا عنه في الصحيح كثيرًا.
قال ابن خلاد الرامهرمي (٣٢٢) في كتابه "الفاصل": ورحل يحيى إلى مصر، والشام، واليمامة، والعراق، وكان ابن حنبل يثني عليه ويقول: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله، وكان من ورعه يشك في الحديث كثيرًا حتى سموه الشكاك، وذكر من فضله وإتقانه أمرًا عظيمًا. وذكر نحوه أبو حاتم الرازي، وأثنى عليه أبو زرعة الرازي، ووثقه.
стр. 669
وقال إسحاق بن راهوية: لم أكتب العلم عن أحد أوثق في نفسي منه، ومن الفضل بن موسى السيناني (٣٢٣)؛
قال: وكان يحيى رجلا عاقلا. وقال: يحيى أثبت من ابن مهدي؛ وقال: ما رأيت مثل يحيى بن يحيى ولا أراه رأى مثل نفسه.
قال محمد بن مسلم: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: عمن أكتب العلم؟ فقال: عن يحيى بن يحيى.
قال أبو أحمد بن عدي: وكان من العباد، فاضلا.
قال يحيى بن الشهيد: ما رأيت محدثا أورع من يحيى بن يحيى ولا أحسن لباسًا منه.
قال أبو بكر بن إسحاق: لم يكن بخراسان أعقل من يحيى بن يحيى، وكان أخذ تلك الشمائل من مالك بن أنس ﵀، أقام عليه لأخذها سنة بعد أن فرغ من سماعه، فقيل له في ذلك، فقال: إنما أقمت مستفيدًا لشمائله، فإنها شمائل الصحابة والتابعين.
قال أبو أحمد بن عدي؛ في معجمه: يقال إن إسحاق بن راهويه ركبه الدين، فركب من "مرو" إلى عبد الله بن طاهر بنيسابور؛ وكلهم أصحاب الحديث يحيى بن يحيى في أمره فقال: ما تريدون؟
قالوا: تكتب له إلى عبد الله بن طاهر رقعة، وعبد الله أمير خراسان إذ ذاك؛
стр. 670
فقال يحيى: ما كتبت إليه قط، فألحوا عليه، فكتب في رقعة: إلى عبد الله بن طاهر، إن إسحاق بن راهويه رجل من أهل العلم والصلاح؛
فحمل إسحاق إليه الرقعة، فلما جاء الباب، قال للحاجب: معي رقعة يحيى بن يحيى إلى الأمير؛
فدخل الحاجب إلى ابن طاهر، فقال: رجل بالباب يزعم أن معه رقعة من يحيى بن يحيى إلى الأمير.
فقال: يحيى بن يحيى؟
قال: نعم؛
قال: أدخله، فأدخله وناوله الرقعة، فقبلها ابن طاهر، وأقعد إسحاق بجنبه، وقضى دينه ثلاثين ألف درهم، وصيره في جلسائه؛
وكان يحيى لا يختلف إليه، وكان يحيى بن يحيى من المياسير؛
وذكر أنه أهدى إلى مالك هدية باع مالك من فضلتها بثمانين ألفا؛
قال البخاري وتوفى ضحى يوم الأربعاء منسلخ صفر من سنة ست وعشرين ومائتين (٣٢٤).
стр. 671
ومن أهل الشام:
الوليد بن مسلم بن أبي السائب
أبو العباس، مولى بني أمية، دمشقي (٣٢٥)؛
قال ابن شعبان: له عن مالك ما لا يحصى كثرة، الموطأ والمسائل، والحديث الكثير، يروي عن مالك وابن جريج (٣٢٦) والأوزاعي، وهو مختص به، والليث، والثوري، وابن عيينة، ونافع القارئ، ويحيى بن الحارث الزماري، وابن لهيعة (٣٢٧)، وعبد الرحمان بن يزيد، ومسلمة بن علي، وعمرو بن جابر، ويزيد بن جابر، وأبي بكر بن أبي مريم، وغيرهم. وروى عن شريك عشرة أحاديث.
قال اللالكائي: روى عنه الليث، والحميدي، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وغيرهم؛
وروى عنه أيضًا إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، وصفوان بن صالح، وأخرج عنه البخاري ومسلم.
стр. 672
قال أبو مسهر: رحم الله أبا العباس، لقد كان معتنيًا بالعلم.
وقال أحمد: هو ثقة في الحديث. قال يحيى: كان يدلس.
قال أحمد: ليس أحد أروى لحديث الشاميين منه، ومن إسماعيل بن عياش.
قال الوليد: وافيت مكة، وعليها محمد بن إبراهيم، يقصر الصلاة بمنى وعرفة، فأعاد سفيان الصلاة، وأتمها ابن جريج؛
فأتيت المدينة فذكرت ذلك لمالك، فقال لي: أصاب الأمير وأخطأ سفيان وابن جريج. وأرى الأوزاعي قال فيه مثله؛
فأتيت مصر فذكرت ذلك للشافعي، فقال لي: أخطأ الأمير والأوزاعي ومالك، وأصاب سفيان وابن جريج.
أما مالك فيرى القصر للحاج وإن كان من أهل مكة، كما فعل الأمير، وقاله الأوزاعي، ويقصر الناس معه من أهل مكة وغيرهم.
وعند الشافعي يتم وراءه المكيون، وهو قول الثوري وابن حنبل وأهل الرأي.
وقال الخطابي في إعادة سفيان: لأنه لا يرى للمفترض أن يصلى خلف المتنفل، وصلاة الأمير عنده نافلة حين قصرها، وهو مكي، فاستأنف سفيان الصلاة، وهذا خلاف ما ذكر عنه من الإتمام. وفي روايته عن مالك شذوذ وغرابة.
قال أحمد فيه: ثقة.
وقال أحمد بن صالح الكوفي: قال البخاري وابن أبي خيثمة وابن وضاح: توفى سنة خمس وتسعين في منصرفه من الحج بذي المروة.
وقال ابن شعبان وغيره: توفى في المحرم سنة أربع وتسعين ومائة.
مولده سنة تسع عشرة ومائة.
стр. 673
أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي
قال أبو عمرو المقرئ: أحد بني كعب بن هند (٣٢٨).
قال ابن شعبان (٣٢٩): روى عن مالك الموطأ وغيره من المسائل، والحديث الكثير.
قال ابن أبي حازم: سمع سعيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن العلاء بن زيد، وخالد بن يزيد بن صالح.
يروي عنه ابن أبي الحواري، وأبو زرعة الدمشقي، ويحيى بن معين، وأبو حاتم.
قال ابن معين: ما رأيت منذ خرجت من بلادي أشبه بالمشيخة الذين أدركت، من أبي مسهر، وهو ثقة.
قال أبو حاتم: ما رأيت ممن كتبنا عنه الصحيح أثبت منه، وهو إمام، وقد خرج عنه البخاري.
стр. 674
قال ابن وضاح: كان فاضلا ثقة، وقد روى عنه محمد بن يوسف السكوني والنسائي (٣٣٠)، وأبو داود.
قال الزبيري: وقرأ القرآن على نافع وأيوب بن تميم.
روى عنه أبو زرعة، والدمشقي، وأبو عبيد بن سلام.
قال ابن مفرج: أبو مسهر سيد أهل الشام وفقيههم وعابدهم.
قال ابن معين فيه: ثقة. قال الكوفي: هو ثقة.
قال عبد الباقي بن الحسن: رجعت الإمامة بعد ابن ذكوان في القراءة إلى أبي مسهر.
وسأل أبا مسهر رجل عن مسألة فلم يجبه، ثم أعاد عليه فلم يجبه، فقيل له في ذلك، فقال: سمعت مالكا يقول: من اذالة العلم أن تجيب كل من سألك.
فصل في أخباره ونوادر حديثه
سئل أبو مسهر عن حديث بقية، فقال: احذر أحاديث بقية، وكن منها على تقية، فإنها نقية.
وكان على خاتمه مكتوب: عبد الأعلى، قل الحق.
وكان نقش خاتم أخيه على: "أبرمت فقم". فكان إذا استثقل جليسه ناوله خاتمه ليرى نقشه.
* * *
وحجبه محمد بن عبد كان (٣٣١)، فكتب إليه أبو مسهر:
стр. 675
إني أتيتك للتسليم عنك فلم … تأذن عليك لي الأستار والحجب
وقد علمت بأني لم أرد وطرًا … إلا الإخاء وإلا العلم والأدب!!!
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا … ان السماء ترجى حين تحتجب
فأجابه ابن عبد كان ﵀:
لو كنت كافأت بالحسنى لقلت كما … قال ابن أوس ففي استغفاره أدب
* * *
قال هارون بن موسى: دخلت على أبي مسهر، وكان مستلقيا على قفاه، فترنم بقول الشاعر:
يسر الفتى ما كان قدم من تقى … إذا نزل الداء الذي هو قاتله
محنته
قال موسى بن الحسن: سمعت أبا مسهر، وقد وجه به المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد، فأحضر له إسحاق جماعة ليقر بكتاب المحنة الذي كتبه المأمون في خلق القرآن، ونفى الرؤية، وعذاب القبر، وأن الميزان ليس بكفتين، وأن الجنة والنار غير مخلوقتين؛
فلما قرئ الكتاب على أبي مسهر. قال: أنا منكر لجميع ما في كتابكم هذا، أبعد مجالسة مالك، والثوري، ومشايخ أهل العلم! إذن لا أكفر بالله بعد إحدى وتسعين، لا أقول: القرآن مخلوق، ولا أنكر عذاب القبر، ولا الموازين أنها كفتان، ولا أن الله يرى في القيامة، ولا أن الله تعالى على عرشه، وعلمه قد أحاط بكل شيء، نزل بذلك القرآن، وجاءت به الأخبار التي نقلها أهل العلم، فإن كانوا متهمين فيما يقولون، فإنهم متهمون في القرآن، فهم الذين نقلوا القرآن والسنن عن رسول الله ﷺ .
стр. 676
فجر برجله، وطرح في أضيق المحابس، فما أقام إلا يسيرًا حتى توفى رحمه الله تعالى، فحضر جنازته من الخلق ما لا يحصيهم إلا الله.
وقال أبو داود: وحمل في المحنة فلم يجب.
قال أبو جعفر الطبري: حمل أبو مسهر إلى المأمون بالرقة، للمحنة في القرآن فلم يجبه، فدعا له بالسيف والنطع ليقتله، فلما رأى ذلك، قال: مخلوق. فتركه ولم يقتله، وأشخصه إلى بغداد في ربيع الآخر سنة ثمان عشرة، فحبس، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات في غرة رجب من السنة المذكورة.
* * *
وحكى البلخى أن المأمون لما ورد دمشق، ذكر له أبو مسهر، ووصف بالعلم والفقه، فأحضره وناظره في القرآن، ثم سأله عن النبي ﷺ ، هل كان يشهد إذا تزوج؟
فقال: لا أدري؛
وسأله عن النبي ﷺ ، هل احتلق (٣٣٢)؟
فقال: لا أدري؛
فسبه وأقامه، وهذا إنما فعله المأمون به عداوة لمخالفته إياه في القرآن، ومن قال لا أدري فقد أنصف.
وقيل لأبي مسهر في الرجل يصحف ويخطئ ويبهم في الحديث، فقال: بين أمره، فقيل له: أذلك عيب؟ قال: لا.
* * *
توفي فيما قاله الطبري والبرقاني والبخاري سنة ثمان عشرة ومائتين.
وقال ابن مفرج: سنة عشرة، مولده سنة أربعين ومائة، ونحوه قال البخاري.
стр. 677
مروان بن محمد بن حسان الأسدي
الطاطري، دمشقي (٣٣٣)، صحب مالكا وروى عنه حديثا ومسائل كثيرة، وعن الليث بن سعد، وسعيد بن عبد العزيز، ومعاوية بن سلام.
قال ابن وضاح: مروان بن محمد كبير فاضل.
قال ابن معين: الطاطري لا بأس به، قال: وكان مرجئا. قال ابن معين: ومن كان مرجئا بدمشق، عليه عمامة، ومن لم يكن مرجئا لم يعتم.
قال البخاري: وإنما قيل له الطاطري لثياب نسب إليها.
سمع معاوية بن سلام (٣٣٤) وخرج عنه مسلم في الصحيح، وأبو داود، وغيرهما من الأئمة. وضعفه بعضهم.
حدث عنه الهيثم بن خارجة، ومحمود بن خالد (٣٣٥)، وأحمد بن أبي الحواري، والدارمي، وأحمد بن أبي الأزهر النيسابوري، وسلمة بن شبيب (٣٣٦).
стр. 678
روى عنه أنه قال: ثلاثة لا يؤتمنون في دين، الصوفي، والقصاص، ومبتدع يرد على أهل الأهواء.
وابنه إبراهيم بن مروان بن محمد يروي عن أبيه. كتب عنه أبو حاتم الرازي. وقال: كان صدوقا.
قال البخاري: مات مروان سنة عشر ومائتين. وقال غيره سنة ست عشرة.
стр. 679
إسحاق بن عيسى بن نجيح أبو يعقوب المعروف بابن الطباع
وهم ثلاثة إخوة: محمد، ويوسف، وإسحاق.
سمع إسحاق مالك بن أنس، وصحبه، وسمع شريك بن عبد الله، وعبد الرحمان بن زيد بن أسلم (٣٣٧)، وأبا ضمرة أنس بن عياض.
روى عنه ابن أخيه محمد بن يوسف، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن بهلول، ويعقوب بن شيبة، وعباس الدوري، والحارث بن أبي سلمة (٣٣٨)، والحسن بن مكرم، ومسلم بن الحجاج، وخرج عنه في صحيحه، وغيرهم.
قال الخطيب أبو بكر: كان قد انتقل آخر عمره إلى أذنة (٣٣٩)، فأقام بها إلى أن مات.
سئل عنه صالح بن محمد، فقال: لا بأس به صدوق.
قال محمد بن سعد: توفى سنة خمس عشرة ومائتين إسحاق بن الطباع الفقيه.
وقال ابن نافع: سنة أربع عشرة.
قال أبو بكر الحافظ: والأول أصح.
стр. 680
ومن أهل مصر
عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي
مولاهم، مولى يزيد بن ريحانة (٣٤٠)، ويقال مولى بني فهر، قاله الباجي.
وقال الدارقطني: مولى يزيد بن ريحانة، مولى يزيد بن أنس الفهري،
قال أبو عمر الكندي: مولى يزيد بن ريحانة، مولى آل شيبان بن محارب بن فهر.
قال: وقد اختلف في ولائه، وقيل إن ابن ريحانة مولى امرأة من الأنصار من بني بياضة، كان زوجها فهريا.
قال غيره: فرجع ولاؤه إلى بنيه بسببها.
وقال البخاري: هو مولى ريحانة.
стр. 681
وقال * ابن أبي حاتم: مولى ابن ريحانة، مولى فهر.
وقال ابن شعبان وابن عبد البر: ريحانة مولاة أبي عبد الرحمان يزيد بن انس الفهرى.
قال الكندى: وكان ابن وهب فيما زعموا ربما قال «الأنصارى» وربما قال «القرشي» ثم ثبت على «القرشي» وذكر نحوه ابن عفير (٣٤١).
وقال ابن بكير: وجدت شهادته في صك الأنصاري.
قال أبو الطاهر: كان مسلم جده بربريًا.
***
روى عن مالك، والليث، وابن أبى ذيب، ويونس بن يزيد، والثورى، وابن عيينة، وابن جريج، وابن أنعم، وعبد العزيز بن الماجشون، ويحيى بن أيوب، ونحو أربعمائة شيخ (٣٤٢) من المصريين والحجازين والعراقيين، وقرأ على نافع، وروى عنه الليث وصرح باسمه.
وقيل ان مالكًا روى عنه، عن ابن لهيعة، حديث العربان (٣٤٣).
ومن أروى الناس عنه أصبغ بن الفرج، وسحنون، وأحمد بن صالح، وابن بكير، ويونس، وأبو الطاهر، وقتيبة، وابن عفير، والوقار، والقراطيسي، والحرث بن مسكين، وبنو عبد الحكم، وحرملة، وأبو مصعب الزهرى، وغير واحد؛
стр. 682
قال الشيرازي: تفقه بمالك، وعبد الملك بن الماجشون، وابن أبي حازم، وابن دينار، والمغيرة، والليث؛
قال حرملة: سمعت ابن وهب يقول: لقيت ثلاثمائة عالم وستين عالما، ولولا مالك لضللت في العلم.
وقال: أدركت من أصحاب ابن شهاب أكثر من عشرين رجلا، وقد حدث الليث عن ابن وهب بحديث كثير.
قال أبو الطاهر: سمع ابن وهب من مالك قبل ابن القاسم ببضع عشرة سنة، وصحب مالكًا من سنة ثمان وأربعين الى أن مات، ولم يشاهد ابن وهب موته، كان خرج للحج.
وقال ابن وضاح: حج ابن وهب سنة أربع وأربعين، وفيها لقى مالكًا أولا، ولم يسمع منه إلا مسألة واحدة، وسمع فيها من المثنى بن الصباح بمكة. والمسألة التي سمع من مالك في الجمع في المطر بين العشائين، وقد أرسل اليه الوالى في ذلك، وكان مطرًا يسيرًا، فأمره بالجمع.
قال الشيرازي: صحب ابن وهب مالكا عشرين سنة.
قال ابن وضاح: وطلب العلم صغيرًا، ابن ست عشرة سنة.
وذكر ابن سحنون عنه أنه قال: طلب العلم ابن سبع عشرة سنة.
ذكر مكانه من الفقه والحديث وثناء الأجلاء عليه
قال أبو عمر: يقولون ان مالكا لم يكتب لأحد بالفقيه الا الى ابن وهب، وقاله ابن وضاح. وكان يكتب اليه: الى عبد الله بن وهب فقيه مصر.
قال الشيرازي: كان مالك يكتب اليه: الى أبي محمد المفتى. وحكى مثله أبو الطاهر. زاد: ولم يكن يفعل هذا بغيره.
стр. 683
وقال مالك: ابن وهب امام. وقال: ابن وهب عالم. ونظر اليه مرة فقال: أي فتى لولا الاكثار!
وقال أحمد بن حنبل: ابن وهب عالم صالح فقيه كثير العلم؛
وقال أيضًا: ابن وهب صحيح الحديث عن مشايخه الذين روى عنهم، يفصل السماع من العرض، والحديث من الحديث، ما أصح حديثه، وأعرفه بالأسامي، الا أن الذين حملوا عنه لم يضبطوا، الا هارون بن معروف.
قال يوسف بن عدى: أدركت الناس فقيها غير محدث، ومحدثًا غير فقيه، خلا عبد الله بن وهب، فاني رأيته فقيهًا محدثا زاهدًا.
قال أبو مصعب: كنا اذا شككنا في شيء من رأى مالك بعد موته، كتب ابن دينار والمغيرة وكبار أصحابه، الى ابن وهب، فيأتينا جوابه.
قال ابن حنبل: أخبرنا من رأى ابن أبي حازم يعرض له على ابن وهب رأى مالك؛
قال هارون القاضي الزهرى: كان أصحاب مالك بالمدينة يختلفون في قول مالك بعد موته، فينظرون قدوم ابن وهب، فيصدرون عن رأيه.
وقال ابن وضاح: كان أهل الحجاز يحتاجون الى ابن وهب في علم الحجاز، وأهل العراق يحتاجون اليه في علم العراق، وكان عنده علم كثير.
ونعى الى ابن عيينة، فترحم عليه، وقال: أصيب به المسلمون عامة، وأصبت به أنا خاصة.
وقال ابن رشدين: ابن وهب أعلم من ابن القاسم بكثير.
وقال مالك وقد قام عنه: هكذا يكون أهل العلم، لما رأى من تخشعه.
وقال له سفيان: أنت ابن وهب المصرى؟.
قال: نعم.
стр. 684
قال له: ما زلت أعرف مكانك من الاسلام منذ بلغنى عنك.
قال يحيى بن معين: ابن وهب ثقة.
قال أحمد بن خالد: كان ابن وهب من الفضلاء الكبار، وممن يضبط ويحسن، وكان ابن القاسم يقول: حدثني أوثق أصحابي، يريده.
وقال ابن رشدين: قال لى الحسن بن ثوبان - ورآه -: لئن عاش هذا الفتى، ليكونن امام هذا العصر ان شاء الله تعالى.
قال أحمد بن صالح: ليس: ليس أحد من خلق الله أكبر في مالك من ابن نافع وابن وهب، وابن نافع أحب الى أحمد، وابن وهب المقدم في كثرة العلم والمسائل، لم يكن مالك يتكلم بشيء الا كتبه ابن وهب، وكان ابن وهب يتساهل في المشايخ. ولو أخذه أخذ مالك كان خيرًا له.
قال أحمد بن صالح: حديث ابن وهب مائة ألف حديث، وما رأيت أكثر حديثًا منه، وقع عندنا من حديثه سبعون ألف حديث.
قال أبو زرعة: نظرت من حديث ابن وهب نحو ثمانين ألف حديث، فما رأيت له حديثا لا أصل له، وهو ثقة، وهو أفقه من ابن القاسم.
وقال الكوفى: هو ثقة، صاحب سنة وآثار، ورجل صالح.
وقال محمد بن عبد الحكم وابن بكير: هو أثبت الناس في مالك.
وسأل رجل على بن معبد (٣٤٤) عن مسألة، وكان بالاسكندرية مرابطًا، فقال: ما كنت لأجيب بموضع فيه ابن وهب، فاذهب فاسأله،
قال محمد بن الحسين: كان ابن وهب فى عصره محدث بلده، وكان عبدًا صالحًا.
стр. 685
قال محمد بن عبد الحكم وابن بكير: كان ابن وهب أفقه من ابن القاسم الا أنه كان يمنعه الورع من الفتيا.
وقال ابن وضاح: كان علم ابن وهب المناسك، وعلم ابن القاسم البيوع.
قال أبو حاتم الرازي: ابن وهب أحب الى من ابن نافع، ومن الوليد بن مسلم، وهو أصح حديثا من الوليد بكثير، وابن وهب صالح الحديث صدوق.
قال ابن معين والنسائي: ابن وهب ثقة.
وقال ابن معين: هو ثقة الا أنه روى عن الضعفاء.
وسئل: لم تركت ابن القاسم ورويت عن ابن وهب؟ فقال: كان ابن القاسم فاضلا، ولكن ابن وهب صاحب آثار.
وخرج عنه البخاري ومسلم.
وكان أبو مصعب يعظم ابن وهب، وسمع مسائله عن مالك، وكان يقول: هي صحيحة.
وقال أصبغ: ابن وهب أعلم أصحاب مالك بالسنن والآثار.
وقال عبد الرحمان بن محمد السهمى: رأيت مالكا في النوم، على بغلة، فأخذت بلجامها لأسأله عن اختلاف قوله، فتأبى على، وقال: كأنك تسأل عن النؤلؤ والجوهر المكنون؟
قلت: نعم.
قال: عليك بكتاب ابن وهب القديم.
стр. 686
قال الحارث: جمع ابن وهب الفقه والرواية والعبادة، وكان امامًا، ورزق من العلماء محبة، وحظوة من مالك وغيره، وما أتيته قط الا وأنا أفيد منه خيرًا.
قال أبو زيد بن أبي الغمر: سمعت ابن وهب يقول: حججت أربعا وعشرين حجة، ألقى فيها مالكا، قال أبو زيد: وكنا نسمي ابن وهب ديوان العلم.
قال حرملة: رأيت كتاب مالك الى ابن وهب مفتى مصر.
قالوا: وما من أحد الا زجره مالك، الا ابن وهب، فانه كان يعظمه ويحبه.
وكان ابن القاسم يقول: لو مات ابن عيينة، لضربت الى ابن وهب أكباد الابل * ما دون أحد العلم تدوينه.
قال يونس: ما رأيت أبا الحسن الأسكندراني قال لابن وهب قط، الا: يا عم، ولقد كانت المشيخة اذا رأت ابن وهب خضعت له.
قال أبو الطاهر: وقيل لابن وهب في المسائل الجدد، فقال: أدع أنا المسائل القدم التي قرأناها عليه وهو نشيط لها، حتى انه ربما محى لى الشيء يكمه من كتابي؟
قال ابن أخيه: كنت معه بالأسكندرية مرابطًا، فاجتمع الناس عليه يسألونه نشر العلم، فقال لى: هذا بلد عبادة، وقلما أمهد لنفسى فيه مع شغل الناس؛
فترك الجلوس لهم في الأوقات التى كان يجلس، وأقبل على العبادة والحراسة، فبعد يومين أتاه انسان فأخبره أنه رأى نفسه في مسجد عظيم، نحو المسجد الحرام، والنبي ﷺ فيه، وأبو بكر عن يمينه،
стр. 687
وعمر عن شماله، وأنت بين يديه، وفى المسجد قناديل تزهر أحسن شيء وأشدها ضياء، إذ خفت منها قنديل فانطفأ، فقال لك رسول الله ﷺ : قم يا عبد الله، أوقده، فأوقدته، ثم آخر كذلك، ثم أقمت أياما فرأيت القناديل كلها همت أن تطفأ، فقال أبو بكر: يا رسول الله، أترى هذه القناديل؟ فقال ﷺ : هذا عمل عبد الله، يريد يطفئها؛
فبكى ابن وهب، وقال له الرجل: جئت لأبشرك، ولو علمت أنه يغمك لم آتك.
فقال: خير، هذه رؤيا وعظت بها، ظننت أن العبادة أفضل من نشر العلم.
فترك كثيرًا من عمله للعلم، وحبس نفسه لهم يقرأون عليه ويسألونه.
ذكر مذهبه في الرواية
قال ابن وهب: كل شيء في كتبى: (كتب الى مالك) فقد سمعته منه. وكانت له منه خاصة.
قال ابن وهب: سألت مالكا أن يخلينى في شيء يعرضه لى، ففعل، فأنا عنده أقرأ عليه، اذ استأذن عليه عبد الصمد الهاشمى والى المدينة، فسأله ما سألته، فأبى وقال: قد أرادني الخليفة على هذا فلم أجبه، فقلت في نفسى: كيف لم يحتج عليه بي.
قال ابن وهب: كنت بين يدى مالك أكتب، فأقيمت الصلاة - وفى رواية: فأذن المؤذن - وبين يديه كتب منشورة، فبادرت الى جمعها، فقال لى: على رسلك، فليس ما تقوم اليه بأفضل مما أنت فيه، اذا صحت فيه النية.
стр. 688
قال ابن وهب: قال لى مالك: ما خلفك عنا منذ ليال؟
قلت: كنت أرمد؛
قال مالك: أحسب من كتب الليل؛
قلت: أجل؛
فصاح مالك بالجارية: هاتى من ذلك الكحل لصديقى المصرى ابن وهب؛
قال اسماعيل بن قعنب: كنت مع ابن وهب عند مالك، فكانت الهدية تأتى الى مالك بالنهار، ويهديها الى ابن وهب بالليل؛
قال ابن وهب: دخلت المسجد فاذا الناس يزدحمون على ابن سمعان، واذا هشام بن عروة جالس، فقلت: أسمع من هذا وأسير اليه، فلما فرغت قام فأتيت منزله، فقيل: هو راقد، فقلت أحج وأرجع اليه، فرجعت وقد مات.
وقيل لابن وهب: ان ابن القاسم يخالفك في أشياء؛ فقال: جاء ابن القاسم الى مالك وقد ضعف، وكنت أنا أتى مالكا وهو شاب قوى يأخذ كتابي فيقرأ منه، وربما وجد فيه الخطأ، فيأخذ خرقة بين يديه، فيبلها في الماء، فيمحوه، ويكتب لي الصواب.
قال ابن وهب: لولا أن الله أنقذنى بمالك والليث لضللت؛
فقيل له: كيف ذلك؟
قال: أكثرت من الحديث فحيرني، فكنت أعرض ذلك على مالك والليث، فيقولان لى: خذ هذا ودع هذا.
قال نعيم بن حماد: كان ابن وهب جعل للغرباء يوم الثلاثاء *، فيقرأون عليه، فيأتى الداخل، وقد بقى عليه من الكتاب الذى يقرأه شيء،
стр. 689
فيقول: أجزه لى، فيجيبه، ويفعل ذلك بغير واحد، ثم يقوم اليه فيسأله عن الحديث، فيقول: الساعة قرئ هذا، فيقول: انا ان قرأنا عليك، قلنا قرأنا على أبي محمد، وان قرئ ونحن حضور، قلنا قرئ على أبي محمد ونحن حضور، وكان ليناً حسن الخلق، فيقول: لم نكن نأخذ الحديث كما تريدون.
قال محمد بن عبد الحكم: بيعت كتب ابن وهب بعد موته بثلاثمائة دينار، وفي رواية أخرى (وستين) وأصحابنا متوافرون، وكان أبي وصيه، فلم ينكر ذلك أحد، ولولا أنه أوصى بعضهم أن لا يزيد لبلغت أكثر.
وروي أنه دفع لاحدى زوجتيه من ثمنها ثمانون دينارًا، ولم يورث بولد، وهذا الحساب أكثر من الأول فالله أعلم، ذكره في المبسوط.
قال أبو زيد: اجتمع ابن وهب وابن القاسم وأشهب على أنى اذا أخذت الكتاب من المحدث أن أقول فيه: أخبرنى.
وقيل لابن حنبل - وقد أثنى على حديثه -: أليس كان سيء الأخذ؟ قال: نعم، ولكن ان نظرت الى حديثه وما أخذ عن شيوخه وجدته صحيحًا.
باب فى غير شيء من أخباره
قال ابن وهب: كان أول أمرى فى العبادة قبل طلب العلم، يولع بي الشيطان في ذكر عيسى ﵇، وكيف خلقه الله، فشكوت ذلك الى شيخ، فقال لى: اطلب العلم، فكان سبب طلبي.
وقال حسين بن عاصم: كنت عند ابن وهب، فوقف على الحلقة سائل، فقال: يا أبا محمد، الدرهم الذي أعطيتني بالأمس زائف؛
فقال: يا هذا؛ انما كانت بأيدينا عارية. فغضب السائل وقال: صلى
стр. 690
الله على محمد، هذا الزمان الذى كان يحدث به انه لا يلى الصدقات الا المنافقون من هذه الأمة؛
فقام رجل من أهل العراق فلطم المسكين لطمة خر منها لوجهه، فجعل يصيح: يا أبا محمد! يا امام المسلمين! يفعل بي هذا في مجلسك؟
فقال ابن وهب: ومن فعل هذا؟
قال العراقي: أنا أصلحك الله فعلته، للحديث الذي حدثتنا أن النبي ﷺ قال: من حمى لحم مؤمن من منافق يغتا به، حمى الله لحمه من النار، وأنت مصباحنا وضياؤنا يغتابك في وجوهنا.
فقال لأحدثنكم بحديث أن النبي ﷺ قال: يكون في آخر الزمان مساكين، يقال لهم العتاة (٣٤٥)، لا يتوضأون لصلاة، ولا يغتسلون من جنابة، يخرج الناس الى مساجدهم وأعيادهم يسألون الله من فضله، ويخرجون يسألون الناس، يرون حقوقهم على الناس، ولا يرون الله عليهم حقا.
وكان ابن وهب يقول: من قال فى موعد ان شاء الله فليس عليه شيء؛
وطلب ابن وهب من مالك كحلا. فقال لجاريته: أعطنى من الكحل. لصديقى المصرى. قال: فأتوه بأنبوبة أو أنبويتين.
قال الربيع صاحب الشافعي: جئنا عبد الله بن وهب للسماع، واجتمع على بابه خلق كثير، فقام ليفتح الباب، فلما فتحه ازدحمنا للدخول، فسقط وشج وجهه. فقال: ما هذا الا الخفة وقلة الوقار، ونحو هذا، والله لا
стр. 691
أسمعتكم اليوم حرفا، ثم قعد وقعدنا، فلما رأى ما بنا من الهدو. قال: أين سكينة العلم؟ انما أنا أكفر عن يميني وأسمعكم اليوم، فكفر وأسمعنا.
ونظر ابن وهب الى رجل يمضغ اللبان (٣٤٦). فقال له: انه يقسى القلب، ويضعف البصر، ويكثر القمل؛
قال ابن وهب: كنت أصلى في المسجد بالأسكندرية، فسمعت العلاء بن كثير يقول لأصحابه: ما منكم من ينتدب * لهذا الفتى فيزوجه ابنته؟ تفرسًا فيه.
قال سحنون: نذر ابن وهب الا يصوم يوم عرفة أبدًا، وذلك أنه صام مرة فاشتد عليه الحر والعطش في الموقف. قال فكان الناس ينتظرون الرحمة، وأنا أنتظر الافطار.
قال ابن وهب: قال لى مالك: لا تترك أحدًا (٣٤٧) من أهل الكتاب يعلم المسلمين، قال ابن وهب: وكان معلمى نصرانيًا.
قال يحيى بن يحيى: سمعت ابن وهب يحدث بحديث فيه: (بعد العشرين ومائة ليربى أحدكم جروا خير له من أن يربى ولداً) فاستنكرت ذلك عليه
فقال لي: يا أبا محمد، ما أراك فيما أتاك الله من فضله ولدت الا بعد هذا الأجل؟
فقال لى: نعم (٣٤٨).
стр. 692
فوالله ما عاد تذكر الحديث حتى فارقته.
قال يحيى: ولو كان أحد يسلم من عيب الاكثار لسلم منه ابن وهب.
وقال النسائى: لا بأس به، الا أنه تساهل في الأخذ تساهلا شديدًا.
قال ابن سعيد: وكان يدلس.
وقال سعيد بن منصور: كان عبد الله بن وهب يسمع معنا عند المشايخ، فكان ينام في المجلس، ثم يأخذ الكتب من بعضنا فيكتبها؛
قالوا: وهو أول من فرق بمصر، بين حدثنا وأخبرنا.
ذكر عبادته وزهده وخوفه ووفاته
قال أبو عمر: كان ابن وهب صالحًا خائفًا لله.
قال غيره: كان كثير الحج.
قال سحنون: كان ابن وهب قد قسم دهره أثلاثا، ثلث في الرباط، وثلث يعلم الناس بمصر (٣٤٩)، وثلث بالحج، وذكر أنه حج ستا وثلاثين حجة.
قال ابن وهب: جعلت على نفسى كلما اغتبت انسانا صيام يوم، فهان على، فجعلت عليها كلما اغتبت انسانا صدقة درهم، فتقل على وتركت الغيبة.
قال أبو جعفر الأيلى: قال ابن وهب: ما من ليلة تمر الا وأنا استهولها وأذكر بها هول الآخرة.
ولما طلب لقضاء مصر، استخفى عند حرملة بن يحيى سنة وأشهرًا.
قال حجاج بن رشدين، فأشرفت عليه من غرفتي، وكانت تحاذيه،
стр. 693
يوما، فقال لى: يا أبا الحسن! بينا أنا أرجو أن أحشر في زمرة العلماء، أحشر في زمرة القضاة؟
قال ابن أخيه: ما رأيت قط أزهد فى الدنيا منه، كان ينهدم عليه بعض بنائه. فلا يصلحه، وما بني قط شيئا، ولا رأيت أكثر رباطا منه.
قال: وشهدت عبد الله بن وهب يقرأ عليه في منزله كتاب الأهوال، الذى كان يرويه أنه بلغه عن أبى هريرة، وشهده أبو أسامة البكاء، فأخذا فى البكاء، ثم ان أبا أسامة قام بتلك الرقة، وابن وهب على حالته من البكاء، والقارئ يقرأ، وابن وهب ينشج رافعًا صوته، حتى انى لأحسب من كان على خمسين ذراعا يسمعه، فلم يزل كذلك حتى مال على الحائط الذي كان مستندًا اليه، ثم احتمل الى منزله، فلم يزل على حاله لا يعقل حتى توفى، فكنا نرى أن قلبه تصدع.
قال يونس: قال ابن وهب: ان أصحاب الحديث طلبوا مني أن أسمعهم صفة الجنة والنار، وما أدرى أقدر على ذلك؛
ثم قعد لهم، فقرأوا عليه صفة النار، فغشى عليه، فرش بالماء وجهه، فقيل: اقرأوا عليه صفة الجنة، فلم يفق، وبقى كذلك اثنى عشر يوما، فدعى له طبيب، فنظر اليه فقال: هذا رجل انصدع قلبه.
وكانت وفاته سنة بمصر سنة سبع وتسعين ومائة، فيما قاله احمد بن صالح، وأبو عمر الكندى.
قال ابن الجزار: يوم الأحد لخمس بقين من شعبان، منها.
وقيل سنة ثمان وتسعين، وقيل سنة خمس أو ست وتسعين، وقال الباجي سنه * تسعين والأول أصح وأشهر.
стр. 694
وقال ابن سحنون: الثابث أنه مات سنة ست وتسعين، وهو ابن اثنين وسبعين سنة، وقيل ابن خمس وسبعين سنة، وقيل ابن ثمانين.
ولد بمصر سنة أربع وعشرين ومائة، وقيل سنة خمس وعشرين.
قال أبو اسحاق: وكان أسن من ابن القاسم بثلاث سنين، وعاش بعده خمس سنين.
قال ابن أخيه: لما توفى ابن وهب، رأى رجل في النوم تلك الليلة أنه قيل له: مات الليلة أربعمائة عالم، فلما انتبه سمع النوح، فسأل، فقيل: انه مات ابن وهب؛
قال: وكان ابن وهب روى عن أربعمائة عالم.
قال الطباع: لما غسلوا ابن وهب وجدوا في فيه رطبة، وصلى عليه عباد والى مصر.
قال أبو بشير بن قعنب: رأيت ليلة مات ابن وهب، كأن مائدة العلم رفعت.
قال الطباع وغيره: وبيعت كتبه بعد موته فبلغت خمسمائة دينار.
قال محمد بن عبد الحكم: أوصى ابن وهب الى أبى فى كفارة الأيمان وأمره فيها بمدين مدين، وأوصى بها اليه ابن القاسم يمد مد.
وألف تواليف كثيرة جليلة المقدار عظيمة المنفعة، منها سماعه من مالك ثلاثون كتابًا، وموطأه الكبير، وجامعه الكبير، وكتاب الأهوال، وبعضهم يضيفها إلى الجامع، وكتاب تفسير الموطأ، وكتاب البيعة، وكتاب لا هام ولا صفر، وكتاب المناسك، وكتاب المغازى، وكتاب الردة.
стр. 695
وله أخ اسمه عبد الرحمان والد أحمد وعبد العزيز؛
وأخ اسمه عمرو بن وهب، قيل: له حديث وما أعرفه.
توفى فى محرم سنة سبع وتسعين ومائة، قاله ابن يونس.
وكان له ابن اسمه حميد، ذكر الكندى أنه كان مقبولا عند قضاة مصر، قال الطحاوي: وكانت فيه بطالة.
стр. 696
عبد الرحمان بن قاسم العتقى
قال أبو عمر الكندى فى كتابه فى أعيان موالى مصر: كنيته أبو عبد الله، وهو عبد الرحمان بن القاسم (٣٥٠) بن خالد بن جنادة، كذا ضبطه الدارقطني والأمير، ونقله الباجى "جبارة" وهو وهم، مولى زبيد بن الحرث العتقى، وكان زبيد في حجر حمير، وذلك أن العتقاء جماع، فيهم من حجر حمير، ومن سعد العشيرة، ومن كنانة مصر، وغيرهم.
قال ابن وضاح: وأصله من الشام من فلسطين من مدينة الرملة، وسكن مصر.
قال الدارقطني: وله بمصر مسجد يعرف بمسجد العتقاء.
قال ابن حارث: وهو منسوب الى العبيد الذين نزلوا من الطائف الى النبي ﷺ ، فجعلهم أحرارًا.
وكان أبوه في الديوان، وعنه ورث ابن القاسم المال الذي أنفقه في رحلته الى مالك، وأعطى سعدًا منه تسعين دينارًا، وسمعت أنه خرج عن موروثه كله لأجل ذلك.
وروى عن الليث، وعبد العزيز بن الماجشون، ومسلم بن خالد الزنجي، وبكر بن مضر، وابن الدراوردي، وابن زبيد، وابن أبي حازم، وسعد، وعبد الرحيم، وعثمان بن الحكم، وغير واحد.
стр. 697
روى عنه أصبغ، وسحنون وعيسى بن دينار، والحارث بن مسكين، وعيسى بن تليد، ويحيى بن يحيى الأندلسي، وأبو زيد بن أبي الغمر، ومحمد بن المواز، وأبو ثابث المدني، ومحمد بن عبد الحكم، وأكثر روايات محمد بن المواز وابن عبد الحكم عن رجل عنه، وخرج عنه البخارى.
ثناء الأجلاء عليه
قال الكندى: ذكر ابن القاسم لمالك فقال: عافاه الله، مثله كمثل جراب مملوء مسكا.
وقال الدارقطني: ابن القاسم صاحب مالك، من كبراء المصريين وفقهائهم.
قال أبو عمر بن عبد البر: كان قد غلب عليه الرأى، وكان رجلا صالحا مقلا صابرًا، وروايته * في الموطأ صحيحة، قليلة الخطأ، وكان فيما رواه عن مالك متقنا حسن الضبط، سئل مالك عنه وعن ابن وهب فقال: ابن وهب عالم، وابن القاسم فقيه.
قال ابن معين: هو ثقة. قال أبو زرعة: هو ثقة رجل صالح، كان عنده ثلاثمائة جلد عن مالك من المسائل، أو نحو هذا، سأله عنها أسد، وذكر باقى القصة، وستأتى بعد.
قال النسائى: ومن فقهاء الأمصار بمصر عبد الرحمان بن القاسم، وأشهب بن عبد العزيز.
وقال النسائى: ابن القاسم ثقة رجل صالح، سبحان الله، ما أحسن حديثه وأصحه عن مالك، ليس يختلف في كلمة، يختلف في كلمة، ولم يرو أحد الموطأ عن
стр. 698
مالك، أثبت من ابن القاسم، وليس أحد من أصحاب مالك عندى مثله؛ قيل له: فأشهب؟
قال: ولا أشهب ولا غيره، هو عجب من العجب، الفضل، والزهد، وصحة الرواية، وحسن الدراية، وحسن الحديث، حديثه يشهد له.
وقال ابن وهب لأبي ثابث: ان أردت هذا الشأن، يعنى فقه مالك، فعليك بابن القاسم، فانه انفرد به وشغلنا بغيره؛
وبهذا الطريق رجح القاضي أبو محمد عبد الوهاب البغدادي مسائل المدونة، لرواية سحنون لها عن ابن القاسم، وانفراد (٣٥١) ابن القاسم بمالك، وطول صحبته له، وانه لم يخلط به غيره الا في شيء يسير، ثم كون سحنون أيضا مع ابن القاسم بهذه السبيل، مع ما كانا عليه من الفضل والعلم؛
قال يحيى بن يحيى: كان ابن القاسم أحدث أصحاب مالك بمصر سنا، وأحدثهم طلبا، وأعلمهم بعلم مالك وآمنهم عليه؛
قال ابن حارث: هو أفقه الناس بمذهب مالك. قال: وسمعنا الشيوخ يفضلون ابن القاسم على جميع أصحابه في علم البيوع. وقال له مالك: اتق الله وعليك بنشر هذا العلم.
قال أبو عبد الله بن أبي صفرة: لم يقعد الى مالك مثله، يعني ابن القاسم. قال: وكان الأصيلي يقول ذلك فيه.
قال الحرث بن مسكين: كان فى ابن القاسم الزهد، والعلم، والسخاء، والشجاعة، والاجابة؛
стр. 699
قال أحمد بن خالد: لم يكن عند ابن القاسم الا الموطأ، وسماعه من مالك، كان يحفظها حفظا.
قال أحمد: الا أنه كان لا يحسن أن يقرأ، غاب القارئ يومًا، فاحتاج الى أن يقرأ، فما أتم صحفا حتى احمر وجهه ولم يقدر على شيء، وقال: انظروا من يقرأ لكم، ورمى بالكتاب.
وسئل أشهب عن ابن القاسم وابن وهب فقال: لو قطعت رجل ابن القاسم لكانت أفقه من ابن وهب، وكان ما بين أشهب وابن القاسم متباعدًا، فلم يمنعه ذلك من قول الحق فيه.
قال أبو الطاهر: أخبرنى خالى وكان من المتهجدين ومن أهل العلم: رأيت فى المنام كأن قائلا يقول: لا يفتى الناس الا ابن وهب وابن القاسم المذهب، ثم رأيت مثل ذلك بعد حول؛
قال ابن وضاح: لم يخرج لمالك وعبد العزيز مثل أشهب وابن القاسم وابن وهب. كان علم أشهب الجراح، وعلم ابن القاسم البيوع، وعلم ابن وهب المناسك.
وقال أبو اسحاق الشيرازي: جمع بين الفقه والورع، وصحب مالكا عشرين سنة، وتفته به وبنظرائه.
قال الحرث -وذكر ابن القاسم واقتصاره على علم مالك- قال: سمع من سفيان أحاديث فكتبها في ألواحه، ثم سمع من مالك شيئا فمحا تلك، وكتب ما سمع من مالك.
قال الحرث: قلت لابن القاسم: أخبرني بالرؤيا التي بلغني أنك
стр. 700
رأيتها سنة كذا. قال: ولا تخبر بها أحدا، رأيت كأنه يقال لى: ان الله يصلى عليك وعلى* سعيد بن زكرياء، يعني سعيد الآدم.
قال بعضهم: وقف أشهب على قبر ابن القاسم فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله. قد كنا نترك كثيرًا خوفًا من نقدك، فستهلك بعدك.
ذكر ابتداء طلبه وسيرته في ذلك
قال ابن وضاح: سمع ابن القاسم من المصريين والشاميين، وانما طلب وهو كبير، ولم يخرج لمالك حتى سمع من المصريين، وأنفق في سفرته الى مالك ألف مثقال.
قال سحنون عنه: ما خرجت الى مالك الا وأنا عالم بقوله.
وقال لابنه موسى بن عبد الرحمان: ألا أخبرك كيف طلبت العلم؟
قال: بلى.
قال: كان لى أخ، فنازع رجلا، فسار إلى السلطان، فتبعته حتى أتيناه، فأمر بأخى الى السجن، فتبعته، فدخلت المسجد، وعلى نعل سندى ومعصفرة، فاذا حلق الناس يتلقون العلم، فبهت فيهم وشغلت عن الذهاب الى أخى، فرجعت الى المنزل، وأخذت حذاء ورداء آخر غير الأول، فأتيت المسجد فجلست فيه وحدى أنظر الى الناس، فانصرفت فنمت، فأتاني آت فقال لى: ان أحبت العلم فعليك بعالم الآفاق؛
قلت: ومن عالم الآفاق؟
قيل لي: هذا الشيخ. فاذا شيخ أشقر طوال حسن اللحية، فاسيقظت وقد مضى أكثر شوال، فاكتريت الى مكة وحججت مع الناس، فلما أتينا
стр. 701
المدينة اغتسلت ودخلت المسجد، ونظرت فاذا أنا بالصفة التي أريت في المنام، واذا هو مالك بن أنس والناس حوله يعرضون عليه، فعرفت أنه الذى قيل لي في النوم أنه عالم الآفاق، فلزمته.
وقال أصبغ: قال ابن القاسم: حملت أحاديث المصريين، فوقع في نفسى طلب الفقه، فأتيت أبا شريح، وكان صالحا حكيما، فاستشرته وقلت: أردت أن أشخص الى مالك؛
فقال لى: ما أحسن الفقه، وان كان أهله يعتريهم الكبر، ولكن اطلب، فلأن توسد العلم خير من أن توسد الجهل.
قال: ثم نمت باثر ذلك، فرأيت في منامى كأن عقابا انقض على رأسى -وقال غيره: كأن بازيا رفرف على رأسه أو على حجره- فأخذه فنشر جوفه، فقال له قائل، لا تضيع جوفه، فان حشوه جوهر، وفي رواية: فجعلت أبتلعه حتى أتيت عليه، فعبر الرؤيا على أبي شريح - قال غيره: على رجل كان بصيرًا بالعبارة يقال انه زين بن شعيب - فقال: البازي سيد الطير، والجوهر العلم، هذا عالـ، هذا عالم أمرت أن تأخذ من علمه، وأن تأتيه.
وفي حديث أصبغ: العقاب سيد الطير، والعالم سيد الناس، ولئن صدقت رؤياك لتوتين علم عالم، فاتق الله يا عبد الرحمان. وأمرني أن أخرج الى مالك وألزمه، فخرج الى مالك فسمع منه ولازمه.
وفى رواية أنه قال له: لعلك حدثت نفسك بشيء من طلب العلم؟
قلت: نعم. قال: فمن ذكرت؟
قلت: مالك؟
قال: هو بازيك الذي صدت.
стр. 702
قال ابن القاسم: كنت أسمع من مالك كل يوم غلسا اذا خرج من المسجد ثلاثة أحاديث، سوى ما أسمع مع الناس بالنهار.
وفي رواية كنت أتى مالكا غلسا فأسأله عن مسألتين، ثلاثة، أربعة،
وكنت أجد منه في ذلك الوقت انشراح صدر، فكنت أتى كل سحر، فتوسدت مرة عتبته، فغلبتنى عينى فنمت، وخرج مالك الى المسجد ولم أشعر به، فركضتني سوداء له برجلها، وقالت لى: ان مولاك قد خرج، ليس يغفل كما تنفل أنت، اليوم له تسع وأربعون * سنة قلما صلى الصبح الا بوضوء العتمة. ظنت السوداء أنه مولاه من كثرة اختلافه اليه.
وفي خبر آخر: أنخت بباب مالك سبع عشرة سنة، ما بعت فيها ولا اشتريت شيئا. قال فبينما أنا عنده اذ قيل: أقبل حاج مصر، فاذا شاب متلثم دخل علينا فسلم على مالك، فقال: أفيكم ابن القاسم؟ فأشير الى، فأقبل يقبل عينى، ووجدت منه ريحا طيبة، فاذا هي رائحة الولد، واذا هو ابني؛ وكان ترك أمه به حاملا، وكانت ابنة عمه، وكان اسمه عبد الله، وكان خير أمه عند سفره لطول اقامته، فاختارت البقاء.
ولم يذكر الناس عبد الله بن عبد الرحمان بن القاسم هذا في ولده، وسنذكرهم، ولعله مات شابًا قبله، والله أعلم.
قال أبو زيد: سمعت ابن القاسم يقول: ما ضن أحد بعلمه فأفلح، لقد كنت أحضر مجلس مالك فأسمع منه، فاذا لم يحضر أصحابي سألوني ما سمعت، فأخبرهم، ويحضرون ولا أحضر، فأسألهم فلا يخبرونني.
قال ابن القاسم: كأنى كنت أنا وأشهب نختلف الى عالمين مختلفين، لاختلافهما في الرواية.
стр. 703
قال الصمادحى: من أجل هذا تركت السماع من أشهب.
وذكر الطالبي، أن ابن القاسم لما رجع الى مصر، اجتمع حوله الناس في المسجد، فسأل عن ذلك الليث، فقيل له: هذا ابن القاسم، فقال: يأبى الله ذلك والمسلمون.
فرأى في المنام تلك الليلة هاتفا ينكر عليه ذلك، فاستيقظ وهو يقول: بل لا يأبى الله ذلك ولا المسلمون، ثم أتى الجامع فحدث الناس حوله برؤياه:
ولابن القاسم سماع من مالك عشرون كتابا وكتاب المسائل في بيوع الآجال.
ذكر فضله وعبادته وزهده وورعه وكراماته وشي من خبره
قال ابنه موسى: قال لنا أبى -وأمرنا بالصلاة والخير-: كنت وأنا ابن ثمان عشرة سنة، أختم فى كل يوم -أحسبه قال وليلة- القرآن.
قال الحارث بن مسكين: سمعت ابن القاسم يقول: اللهم امنع الدنيا منى وامنعني منها، بما منعت به صالحى عبادك، فكان في الورع والزهد شئًا عجيًا.
***
قال غيره: ذكر أنه شهد عند بعض قضاة مصر، فلم يعرفه، فطلب من يعد له لخموله وانقباضه، فخرج وهو يقول: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ حتى عرف به، فلما عرف به حكم بشهادته ويمين الطالب، وكان عراقيًا لا يرى ذلك، ولكنه فعل لفضل ابن القاسم.
***
стр. 704
وقيل بل شهد عند أحد القضاة فقال القاضي: الاسم عدل، ولا أعرف العين، فجئنى بمن يعينها، اذ كان لا يداخل القضاة. قال: وانما كان مشتغلا بالعبادة والعفاف.
***
قال سحنون: كان مالك معلم ابن القاسم في العلم، وكان معلمه في العبادة سليمان بن القاسم.
وقال ابن القاسم فيهما: رجلان أقتدى بهما في ديني، سليمان في الورع، ومالك في العلم.
***
وذكر أن بعض مياسير مصر، أراد أن يزوجه ابنته وينقد عنه، ويتكلف كل مؤونته، فقال: حتى أشاور؛
فشاور عمه سليمان بن القاسم، فقال له: تحب أن يخدمك الخصيان، وتلبس الخز، وتركب الخيل، ويراح عليك غدوة وعشية بالجفان؟
قال: لا.
فقال: فلم تشغل نفسك بمال فلان؟ فترك ذلك.
***
قال أسد: كان ابن القاسم يختم فى كل يوم وليلة ختمتين، فنزل لى حين جئته عن ختمة رغبة في احياء العلم.
***
قال يحيى بن يحيى -وقيل له: بلغنا أن ابن القاسم كان لا يأكل من حنطة مصر. فقال: كذبوا ما كان * يأكل هو ومالك الا منها، ولقد لقيت
стр. 705
ابن القاسم مقبلا من سوق مصر ومعه حمال بطعام، فسألته، فقال: طعام اشتريته،، فأدخلت يدى فيه لأبصره، فاذا هو كثير الغلث، فقلت له: فهلا كان أطيب من هذا؟
فقال لى: يا أبا محمد، محمد، اني رضيت باليسير، ما يكفيني من الدنيا لنفسي، فاستجزيت به.
قال يحيى: ولو أراد ابن القاسم أن يحمله له كبراء أهل مصر على ظهورهم لفعلت، ولكنه كان لا يفعل ذلك ولا يشتهيه من أحد.
***
قال: وسمعت ابن القاسم يقول: ما كذبت مذ شددت على مئزرى، يعنى الحلم، قال يحيى: وما كان أخلقه بذلك.
***
قال يحيى: سمع رجلان من أهل الأندلس، عن ابن القاسم، وكتبا عنه، فلما أفتاهما قالا له: تشهد لنا رجالا من أهل بلدنا بما سمعنا منك، فأنكر ذلك، وقال: لا خير فى قوم لا يصدقهم أهل بلدهم فيما ينقلون اليهم الا بالبيئة.
***
قال يحيى: ولما قرأ أسد على ابن القاسم الأسدية، وضع أشهب يده في مثلها، فخالفه فى جلها -قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رضى الله تعالى عنه: وهى المعروفة بمدونة أشهب، وبكتاب أشهب- فقلت لابن القاسم: يا يا أبا عبد الله، لو أعدت نظرك في هذه الكتب، فان صاحبك قد خالفك، فما لا يمك عليه أقررته، وما خالفك فيه أعدت النظر فيه.